٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
145
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ }روي أن الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل. وقال ٱبن قُسَيْط عن أبي هريرة: طرح يونس بالعراء وأنبت اللّه عليه يَقْطِينة؛ فقلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدُّبَّاء؛ هيأ اللّه له أَرْوِيَةً وحشية تأكل من خَشَاش الأرض ـ أو هَشَاش الأرض ـ فَتفْشِجَ عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت. وقال سعيد بن جبير عن ٱبن عباس قال: خرج به ـ يعني الحوت ـ حتى لَفَظه في ساحل البحر، فطرحه مثل الصبيّ المنفوس لم ينقص من خلقه شيء. وقيل: إن يونس لما ألقاه الحوت على ساحل البحر أنبت اللّه عليه شجرة من يقطين، وهي فيما ذكر شجرة القرع تتقطر عليه من اللبن حتى رجعت إليه قوّته. ثم رجع ذات يوم إلى الشجرة فوجدها يبست، فحزن وبكى عليها فعوتب؛ فقيل له: أحزنت على شجرة وبكيت عليها، ولم تحزن على مائة ألف وزيادة من بني إسرائيل، من أولاد إبراهيم خليلي، أسرى في أيدي العدو، وأردت إهلاكهم جميعاً. وقيل: هي شجرة التين. وقيل: شجرة الموز تغطى بورقها، وٱستظل بأغصانها، وأفطر على ثمارها. والأكثر على أنها شجرة اليقطين على ما يأتي. ثم إن اللّه تبارك وتعالى ٱجتباه فجعله من الصالحين. ثم أمره أن يأتي قومه ويخبرهم أن اللّه تعالى قد تاب عليهم، فعمد إليهم حتى لقي راعياً فسأله عن قوم يونس وعن حالهم وكيف هم، فأخبره أنهم بخير، وأنهم على رجاء أن يرجع إليهم رسولهم. فقال له: فأخبرهم أني قد لقيت يونس. فقال: لا أستطيع إلا بشاهد. فسمى له عنزاً من غنمه فقال: هذه تشهد لك أنك لقيت يونس. قال: وماذا؟ قال: وهذه البقعة التي أنت فيها تشهد لك أنك لقيت يونس. قال: وماذا؟ قال: وهذه الشجرة تشهد لك أنك لقيت يونس. وأنه رجع الراعي إلى قومه فأخبرهم أنه لقي يونس فكذبوه وهموا به شراً فقال: لا تعجلوا عليّ حتى أصبح، فلما أصبح غدا بهم إلى البقعة التي لقي فيها يونس، فٱستنطقها فأخبرتهم أنه لقي يونس؛ وٱستنطق الشاة والشجرة فأخبرتاهم أنه لقي يونس، ثم إن يونس أتاهم بعد ذلك. ذكر هذا الخبر وما قبله الطبري رحمه اللّه. «فَنَبَذْنَاهُ» طرحناه، وقيل: تركناه. «بِالْعَرَاءِ» بالصحراء؛ قاله ٱبن الأعرابي. الأخفش: بالفضاء. أبو عبيدة: الواسع من الأرض. الفراء: العراء المكان الخالي. قال: وقال أبو عبيدة: العراء وجه الأرض؛ وأنشد لرجل من خزاعة:شعر : ورفعتُ رِجْلاً لا أخافُ عثارها ونَبَذْتُ بالبلَدِ العَراءِ ثِيابِي تفسير : وحكى الأخفش في قوله: «وَهُو سَقِيمٌ» جمع سقيم (سقمى و) سقامى وسقام. وقال في هذه السورة: {فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ} وقال في «نون والقلم»: {أية : لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ } تفسير : [القلم: 49] والجواب: أن اللّه عز وجل خبَّر هاهنا أنه نبذه بالعراء وهو غير مذموم ولولا رحمة اللّه عز وجل لنبذ بالعراء وهو مذموم؛ قاله النحاس. وقوله: {أية : وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ }تفسير : [الصافات: 146] يعني «عَلَيِهْ» أي عنده؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ}تفسير : [الشعراء: 14] أي عندي. وقيل: «عَلَيْه» بمعنى له. «شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ» اليقطين: شجر الدُّبَّاء: وقيل غيرها؛ ذكره ٱبن الأعرابي. وفي الخبر: «حديث : الدباء والبطيخ من الجنة» تفسير : وقد ذكرناه في كتاب التذكرة. وقال المبرّد: يقال لكل شجرة ليس لها ساق يفترش ورقها على الأرض يقطينة نحو الدباء والبطيخ والحنظل، فإن كان لها ساق يقلها فهي شجرة فقط، وإن كانت قائمة أي بعروق تفترش فهي نجمة وجمعها نجم. قال اللّه تعالى: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } تفسير : [الرحمن: 6] وروي نحوه عن ٱبن عباس والحسن ومقاتل. قالوا: كل نبت يمتدّ ويبسط على الأرض ولا يبقى على ٱستواء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل فهو يقطين. وقال سعيد بن جبير: هو كل شيء ينبت ثم يموت من عامه فيدخل في هذا الموز. قلت: وهو مما له ساق. الجوهري: واليقطين ما لا ساق له كشجر القرع ونحوه. الزجاج: ٱشتقاق اليقطين من قطن بالمكان إذا أقام به فهو يفعيل. وقيل: هو ٱسم أعجمي. وقيل: إنما خص اليقطين بالذكر؛ لأنه لا ينزل عليه ذباب. وقيل: ما كان ثَمَّ يقطين فأنبته اللّه في الحال. القشيري: وفي الآية ما يدل على أنه كان مفروشاً ليكون له ظل. الثعلبي: كانت تظله فرأى خضرتها فأعجبته، فيبست فجعل يتحزن عليها؛ فقيل له: يا يونس أنت الذي لم تَخلق ولم تَسقِ ولم تُنبت تحزن على شجيرة، فأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا وتبت عليهم! فإين رحمتي يا يونس أنا أرحم الراحمين. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديث : أنه كان يأكل الثريد باللحم والقرع وكان يحب القرع ويقول: «إنها شجرة أخي يونس»تفسير : وقال أنس: حديث : قُدِّم للنبيّ صلى الله عليه وسلم مَرَق فيه دُبّاء وقَدِيد فجعل يتبع الدُّبَّاء حوالي القَصْعة. قال أنس: فلم أزل أحبّ الدّبّاء من يومئذتفسير : . أخرجه الأئمة. قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } قد تقدّم عن ٱبن عباس أن رسالة يونس عليه السلام إنما كانت بعد ما نبذه الحوت. وليس له طريق إلا عن شَهْر بن حَوْشَب. النحاس: وأجود منه إسناداً وأصح ما حدّثناه عن عليّ بن الحسين قال: حدّثنا الحسن بن محمد قال حدّثنا عمرو بن العَنْقَزيّ قال حدّثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال حدّثنا عبد اللّه بن مسعود في بيت المال عن يونس النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أن يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرّقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا فجأروا إلى اللّه عز وجل وٱستغفروا، فكفّ اللّه عز وجل عنهم العذاب، وغدا يونس عليه السلام ينتظر العذاب فلم ير شيئاً ـ وكان من كَذَب ولم تكن له بينة قتل ـ فخرج يونس مغاضباً فأتى قوماً في سفينة فحملوه وعرفوه، فلما دخل السفينة ركدت السفينة والسفن تسير يميناً وشمالاً؛ فقالوا: ما لسفينتكم؟ فقالوا: لا ندري. فقال يونس عليه السلام: إن فيها عبداً آبقاً من ربه جل وعز وإنها لن تسير حتى تلقوه. قالوا أما أنت يا نبيّ اللّه فإنا لا نلقيك. قال: فٱقترعوا فمن قُرع فليقع، فٱقترعوا فقرعهم يونس فأبوا أن يدعوه، قال: فٱقترعوا ثلاثاً فمن قُرع فليقع. فٱقترعوا فقرعهم يونس ثلاث مرات أو قال ثلاثاً فوقع. وقد وكل اللّه به جل وعز حوتاً فابتلعه وهو يهوي به إلى قرار الأرض، فسمع يونس عليه السلام تسبيح الحصى {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} قال: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. قال: {فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ } قال: كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. قال: وأنبت اللّه عليه شجرة من يقطين فنبتت، فكان يستظل بها ويصيب منها، فيبست فبكى عليها؛ فأوحى اللّه جل وعز إليه: أتبكي على شجرة يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم! قال: وخرج رسول اللّه يونس فإذا هو بغلام يرعى؛ قال: يا غلام من أنت؟ قال: من قوم يونس. قال: فإذا جئت إليهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس. قال: إن كنت يونس فقد علمت أنه من كذب قُتِل إذا لم تكن بينة فمن يشهد لي؟ قال: هذه الشجرة وهذه البقعة. قال: فمرهما؛ فقال لهما يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فٱشهدا له. قالتا نعم. قال: فرجع الغلام إلى قومه وكان في منعة وكان له إخوة، فأتى الملك فقال: إني قد لقيت يونس وهو يقرأ عليك السلام. قال: فأمر به أن يُقتل؛ فقالوا: إن له بيّنة فأرسلوا معه. فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما باللّه جل وعز أتشهدان أني لقيت يونس؟ قالتا: نعم! قال: فرجع القوم مذعورين يقولون له: شهدت له الشجرة والأرض! فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا. قال عبد اللّه: فتناول الملك يد الغلام فأجلسه في مجلسه، وقال: أنت أحق بهذا المكان مني. قال عبد اللّه: فأقام لهم ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. قال أبو جعفر النحاس: فقد تبين في هذا الحديث أن يونس كان قد أرسل قبل أن يلتقمه الحوت بهذا الإسناد الذي لا يؤخذ بالقياس. وفيه أيضاً من الفائدة أن قوم يونس آمنوا وندموا قبل أن يروا العذاب؛ لأن فيه أنه أخبرهم أنه يأتيهم العذاب إلى ثلاثة أيام، ففرقوا بين كل والدة وولدها، وضجُّوا ضجة واحدة إلى اللّه عز وجل. وهذا هو الصحيح في الباب، وأنه لم يكن حكم اللّه عز وجل فيهم كحكمه في غيرهم في قوله عز وجل: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}تفسير : [غافر: 85] وقوله عز وجل: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} تفسير : [النساء: 18] الآية. وقال بعض العلماء: إنهم رأوا مخائل العذاب فتابوا. وهذا لا يمنع، وقد تقدّم ما للعلماء في هذا في سورة «يونس» فلينظر هناك. قوله تعالى: «أَوْ يَزِيدُونَ» قد مضى في «البقرة» محامل «أو» في قوله تعالى: {أية : أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} تفسير : [البقرة: 74]. وقال الفراء: «أو» بمعنى بل. وقال غيره: إنها بمعنى الواو، ومنه قول الشاعر:شعر : فلما ٱشتد أمرُ الحربِ فينا تأمّلنا رِياحاً أو رِزاماً تفسير : أي ورزاما. وهذا كقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} تفسير : [النحل: 77] وقرأ جعفر بن محمد «إِلَى مِائَةِ أَلفٍ ويزِيدون» بغير همز؛ فـ«يزِيدون» في موضع رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف أي وهم يزيدون. النحاس: ولا يصح هذان القولان عند البصريين، وأنكروا كون «أو» بمعنى بل وبمعنى الواو؛ لأن بل للإضراب عن الأوّل والإيجاب لما بعده، وتعالى اللّه عز وجل عن ذلك، أو خروج من شيء إلى شيء وليس هذا موضع ذلك؛ والواو معناه خلاف معنى «أو» فلو كان أحدهما بمعنى الآخر لبطلت المعاني؛ ولو جاز ذلك لكان وأرسلناه إلى أكثر من مائتي ألف أخصر. وقال المبرد: المعنى وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو أكثر، وإنما خوطب العباد على ما يعرفون. وقيل: هو كما تقول: جاءني زيد أو عمرو وأنت تعرف من جاءك منهما إلا أنك أبهمت على المخاطب. وقال الأخفش والزجاج: أي أو يزيدون في تقديركم. قال ٱبن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفاً. ورواه أبي بن كعب مرفوعاً. وعن ٱبن عباس أيضاً: ثلاثين ألفاً. الحسن والربيع: بضعاً وثلاثين ألفاً. وقال مقاتل بن حيان: سبعين ألفاً. {فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ } أي إلى منتهى آجالهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَنَبَذْنَٰهُ } أي ألقيناه من بطن الحوت {بِٱلْعَرَآءِ } بوجه الأرض: أي بالساحل من يومه أو بعد ثلاثة أو سبعة أيام أو عشرين أو أربعين يوماً {وَهُوَ سَقِيمٌ } عليل كالفرخ الممعط.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْعَرَآءِ} بالساحل "ع" أو الأرض، أو موضع بأرض اليمن، أو الفضاء الذي لا يواريه نبت ولا شجر {سَقِيمٌ} كهيئة الصبي، أو الفرخ الذي ليس عليه ريش.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَاءِ...} الآية، «العَرَاءُ»: الأرْضُ الفيحاءُ التي لاَ شَجَرَ فيها ولاَ مَعْلَمَ، قال ابن عباس وغيره قي قوله: {وَهُوَ سَقِيمٌ}: إنَّه كالطفلِ المَنْفُوسِ، بُضْعَةُ لَحْمٍ، وقال بعضهم: كاللَّحْمِ النَّيْءِ، إلاَّ أنَّه لَمْ يَنْقُصْ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ، فأنْعَشَهُ اللَّهُ في ظِلِّ اليَقْطِينَةِ بِلَبَنِ أُرْوِيَّةٍ [كَانَتْ تُغَادِيه وتُراوِحُهُ، وقيل: بلْ كَانَ يَتَغَذَّىٰ من اليَقْطِينَةِ، ويجدُ منها ألوانَ الطَّعَامِ وأنواعَ] شهواتِه، قال ابن عبَّاس وأبو هريرة وعمرو بن مَيمُونٍ: اليقطين: القَرْعُ خَاصَّة، وقيل، كُلُّ مَا لاَ يَقُومُ على ساقٍ كَالبَقُولِ والقَرْعِ والبطِّيخِ ونحوِه مما يَمُوتُ؛ من عَامِهِ، ومشهورُ اللَّغَةِ أنَّ اليقطينَ هو القَرْعُ، فَنَبَتَ لَحْمُ يونُسَ ـــ عليه السلام ـــ وصَحَّ، وحَسُنَ لَوْنُهُ، لأنَّ وَرَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شيءٍ لِمَنْ تَسَلَّخَ جِلْدُهُ، وهُوَ يَجْمَعُ خِصَالاً حميدةً، بَرْدُ الظِّلِّ [ولِينُ] المَلْمَسِ، وأنَّ الذُّبَابَ لاَ يقربُها، حكى النَّقَّاشُ أن مَاءَ وَرَقِ القَرْعِ إذا رُشَّ به مَكانٌ، لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبَابٌ، ورُوِيَ أنَّهُ كان يوماً نائِماً، فأيْبَسَ اللَّهُ تِلْكَ اليَقْطِينَةَ، وقيل: بَعَث عَلَيها الأَرَضَةَ فَقَطَعَتْ وَرَقَها، فانْتَبَهَ يُونُسُ لِحَرِّ الشَّمْسِ، فَعَزَّ عَلَيْه شَأنُها، وجَزِعَ لَه؛ فأوحَى اللَّهُ إلَيْهِ: يا يونُسُ، جَزِعْتَ لِيُبْسِ الْيَقْطِينَةِ، وَلَمْ تَجْزَعَ لإهْلاكِ مِائَةِ ألفٍ أو يَزِيدُونَ تَابُوا فَتُبْتُ عَلَيْهِمْ.
القشيري
تفسير : {سَقِيمٌ}: في ضعفٍ من الحال لِمَا أثَّر مِنْ كَوْنِهِ قضى وقتاً في بطن الحوت.
اسماعيل حقي
تفسير : {فنبذناه بالعراء} النبذ القاء الشئ وطرحه لقلة الاعتداد به. والعراء ممدود امكان لا سترة فيه وهو من التعرى سمى به الفضاء الخالى عن البناء والاشجار المظلة لتعريه عما يستر اهله ومعارى الانسان الاعضاء التى من شأنها ان تعرى كاليد والوجه والرجل. والاسناد المعبر فى قوله فنبذناه من قبيل اسناد الفعل الى السبب الحامل على الفعل فالمعنى فحملنا الحوت على لفظه ورميه بالمكان الخالى عما يغطيه من شجرا ونبت {وهو سقيم} اى عليل البدن من اجل ما ناله فى بطن الحوت من ضعف بدنه فصار كبدن الطفل ساعة يولد لا قوة له او بلى لحمه ونتف شعره حتى صار كالفرخ ليس عليه شعر وريش ورق عظمه وضعف بحيث لا يطيق حر الشمس وهبوب الرياح. وفيه اشارة الى ان القلب وان تخلص من سجن النفس وبحر الدنيا يكون سقيما بانحراف مزاجه القلبى بمجاورة صحبة النفس واستراق طبعها
الجنابذي
تفسير : {فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ} اى المكان الخالى عمّا يغطّيه من شجرٍ او نبتٍ او بناءٍ او جبلٍ {وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} وهو كلّ شجرة تبقى من الشّتاء الى الصّيف ليس لها ساق كذا قيل: وقيل: المراد الدّبّاء.
اطفيش
تفسير : {فنبذناه} طرحناه من بطن الحوت والنبذ فعل الحوت وأسنده الله إلى نفسه لأنه خالق أفعال العباد وأمر الحوت بنبذه. {بالعراء} بالمكان الخالي عما يغطيه من شجر أو نبت في ساحل البحر من أرض الموصل قرب قرية وفسر بعضهم العراء بالساحل والباء مطلقا هنا بمعنى في. {وهو سقيم} أعتل مما حل به وكان بدنه كبدن الطفل حين يولد رقيقا لا شعر فيه ضعيفا لا قوة فيه رخوا.
اطفيش
تفسير : {فَنَبذناه} طرحناه أمرنا الحوت بطرحه فالاسناد مجاز عقلى، والطارح بالفعل الحوت، والنبذ الطرح قدام أو أمام أو غيرهما، مع عدم الاعتداء، والمراد مطلق الالقاء الشامل للالقاء مع احترام استعمال للمقيد فى المطلق، وذلك أن الله عز وجل لم يطرح قدر يونس بما فعل، والحوت عارف لقدره باعلام الله عز وجل {بالعَراء} فى موضع خال عن ساتر من بناء وشجر وصخر وغار ونحو ذلك، بأن مد الحوت نفسه من البحر، فألقاه بلين أو مشى فى البر فألقاه كذلك، ورجع حيا الى البحر بإذن الله عز وجل. روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : أن الحوت نزل بيونس حتى وصل الأرض، وسمع تسبيح الأرض، فنادى أن لا اله إلا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين، فانتهى صوته الى العرش، فقالت الملائكة: يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا من بلاد غربة، قال سبحانه وتعالى: وما تدرون ماذاكم؟ قالوا: لا يا ربنا، والله عالم بأنهم لا يدرون، قال: ذلك عبدى يونس، قالوا: الذى كنا لا نزال نرفع له عملا مقبولا، ودعوة مجابة؟ قال: نعم، قالوا: يا ربنا ألا ترحمه بما كان يصنع فى الرخاء وتنجيه من البلاء؟ قال: بلى فأمر الله عز وجل الحوت فلفظه"تفسير : ، وذلك فى البحر المالح، لما روى أنه طاف به فى البحار السبع، وروى أنه نبذه على شاطىء دجلة، أى مما يلى البحر المالح، والله أعلم بمقدار مكثه، فقيل: ثلاث ليال، وثلاثة أيام، وعن سعيد بن جبير: سبعة أيام، وعن الضحاك عشرون يوما، وعن ابن عباس أربعون، ولا أكل له ولا شرب فى ذلك كله كالملك. {وهُو سَقِيمٌ} بمكثه فى البطن، ورقة جلده لذلك كالجنين، وزعم بعض أنه ما بين الضحى والعشية.
الالوسي
تفسير : {فَنَبَذْنَـٰهُ } بأن حملنا الحوت على لفظه فالإسناد مجازي، والنبذ على ما في «القاموس» طرحك الشيء أماماً أو وراء أو هو عام. وقال الراغب: النبذ إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به، والمراد به هنا الطرح والرمي والقيد الذي ذكره الراغب لا أرغب فيه فإنه عليه السلام وإن أبق وخرج من غير إذن مولاه واعتراه من تأديبه تعالى ما اعتراه فالرب عز وجل بأنبيائه رحيم وله سبحانه في كل شأن اعتداد بهم عظيم فهو عليه السلام معتد به في حال الإلقاء وإن كان ذلك {بِٱلْعَرَاء } أي بالمكان الخالي عما يغطيه من شجر أو نبت، يروى أن الحوت سار مع السفينة رافعاً رأسه يتنفس ويونس يسبح حتى انتهوا إلى البر فلفظه. ورد بأنه يأباه قوله تعالى {أية : فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ }تفسير : [الأنبياء: 87] وأجيب بأنه بمجرد رفع رأسه للتنفس لا يخرج منها، ثم إن هذا لئلا يختنق يونس أو تنحصر نفسه بحكم العادة لا ليمتنع دخول الماء جوف الحوت حتى يقال السمك لا يحتاج لذلك، ومع هذا نحن لا نجزم بصحة الخبر فقد روى أيضاً أنه طاف به البحار كلها ثم نبذه على شط دجلة قريب نينوى بكسر النون الأولى وضم الثانية كما في «الكشف» من أرض الموصل، والالتقام كان في دجلة أيضاً على ما صرح به البعض وخالف فيه أهل الكتاب، وسيأتي إن شاء الله تعالى نقل كلامهم لك في هذه القصة لتقف على ما فيه. والظاهر أن الحوت من حيتان دجلة أيضاً وقد شاهدنا فيها حيتاناً عظيمة جداً، وقيل كان من حيتان النيل. أخرج ابن أبـي شيبة عن وهب أنه جلس هو وطاوس ونحوهما من أهل ذلك الزمان فذكروا أي أمر الله تعالى أسرع؟ فقال بعضهم: قول الله تعالى {أية : كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ }تفسير : [النحل: 77] وقال بعضهم: السرير حين أتى به سليمان، وقال وهب: أسرع أمر الله تعالى أن يونس على حافة السفينة إذ أوحى الله سبحانه إلى نون في نيل مصر فما خر من حافتها إلا في جوفه، ولا شبهة في ان قدرة الله عز وجل أعظم من ذلك لكن الشبهة في صحة الخبر وكأني بك تقول: لا شبهة في عدم صحته. واختلف في مدة لبثه فأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» وغيره عن الشعبـي قال: التقمه الحوت ضحى ولفظه عشية وكأنه أراد حين أظلم الليل، وأخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة قال: إنه لبث في جوفه ثلاثاً، وفي كتب أهل الكتاب ثلاثة أيام وثلاث ليال، وعن عطاء وابن جبير سبعة أيام، وعن الضحاك عشرين يوماً، وعن ابن عباس وابن جرير وأبـي مالك والسدي ومقاتل بن سليمان والكلبـي وعكرمة أربعين يوماً، وفي «البحر» ما يدل على أنه لم يصح خبر في مدة لبثه عليه/ السلام في بطن الحوت. {وَهُوَ سَقِيمٌ } مما ناله، قال ابن عباس والسدي: إنه عاد بدنه كبدن الصبـي حين يولد، وعن ابن جبير أنه عليه السلام ألقي ولا شعر له ولا جلد ولا ظفر، ولعل ذلك يستدعي بحكم العادة أن لمدة لبثه في بطن الحوت طولاً ما.
ابن عاشور
تفسير : الفاء فصيحة لأنها تفصح عن كلام مقدر دل عليه قوله: {أية : فلولا أنه كان من المُسبحين للبِثَ في بطنِهِ}تفسير : [الصافات: 143 - 144]. فالتقدير: يسبح ربه في بطن الحوت أن لا إلٰه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجاب الله له ونجاه كما في سورة الأنبياء. والمعنى: فلفظه الحوت وقاءهُ، وحَمِلهُ الموج إلى الشاطىء. والنبذ: الإِلقاء وأسند نَبذه إلى الله لأن الله هو الذي سخر الحوت لقذفه من بطنه إلى شاطىء لا شجَر فيه. والعراء: الأرض التي لا شجر فيها ولا ما يغطيها. وكان يونس قد خرج من بطن الحوت سقيماً لأن أمعاء الحوت أضرّت بجلده بحركتها حوله فإنه كان قد نزع ثيابه عندما أريد رميه في البحر ليخف للسباحة، ولعل الله أصاب الحوت بشبه الإِغماء فتعطلت حركة هضمه تعطلاً مّا فبقي كالخَدر لئلا تضر أمعاؤه لحم يونس. وأنبت الله شجرة من يقطين لتظلله وتستره. واليقطين: الدُّبَّاء وهي كثيرة الورق تتسلق أغصانها في الشيء المرتفع، فالظاهر أن أغصان اليقطينة تسلقت على جسد يونس فكسته وأظلته. واختير له اليقطين ليُمكن له أن يقتات من غِلته فيصلح جسده لطفاً من ربه به بعد أن أجرى له حادثاً لتأديبه، شأن الرب مع عبيده أن يُعْقِب الشدة باليسر. وهذا حدث لم يعهد مثيله من الرسل ولأجله قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونُس بن متّى»تفسير : ، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسَه إذ لا يحتمل أن يكون أراد أحداً آخر إذ لا يخطر بالبال أن يقوله أحد غير الأنبياء. والمعنى نفي الأخيريّة في وصف النبوءة، أي لا يظنَنّ أحد أن فعلة يونس تسلب عنه النبوءة. فذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تفضّلوا بين الأنبياء»تفسير : ، أي في أصل النبوءة لا في درجاتها فقد قال الله تعالى: {أية : تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم الله ورفع بعضهم درجات}تفسير : [البقرة: 253] وقال: {أية : ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض}تفسير : [الإسراء: 55]. واعلم أن الغرض من ذكر يونس هنا تسلية النبي صلى الله عليه وسلم فيما يلقاه من ثقل الرسالة بأن ذلك قد أثقل الرسل من قبله فظهرت مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم في صبره على ذلك وعدم تذمّره ولإِعلام جميع الناس بأنه مأمور من الله تعالى بمداومة الدعوة للدين لأن المشركين كانوا يلومونه على إلحاحِه عليهم ودعوته إياهم في مختلف الأزمان والأحوال ويقولون: لا تَغْشنَا في مجالسنا فمن جاءك فمنّا فاسمعه، كما قال عبد الله بن أُبيّ قال تعالى: {أية : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته}تفسير : [المائدة: 67] فلذكر قصة يونس أثر من موعظة التحذير من الوقوع فيما وقع فيه يونس من غضب ربه ألاَ ترى إلى قوله تعالى: {أية : فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم}تفسير : [القلم: 48 - 49] وليعلم الناس أن الله إذا اصطفى أحداً للرسالة لا يرخص له في الفتور عنها ولا ينسخ أمره بذلك لأن الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَنَبَذْنَاهُ} (145) - فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى الحُوتَ بِأَنْ يُلْقِيَهِ فِي مَكَانٍ خَالٍ لاَ شَجَرَ فِيهِ وَلاَ نَبَاتَ، وَهُوَ عَلِيلُ الجِسْمِ، سَقِيمُ النَّفْسِ. فَنَبَذْنَاهُ - فَطَرَحْنَاهُ فِي الأَرْضِ الفَضَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نلحظ في الأَخْذ، قال {أية : فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ} تفسير : [الصافات: 142] فنسب الفعل للحوت، لكن هنا في النجاة نسب الفعل إلى الله، فقال {فَنَبَذْنَاهُ} [الصافات: 145] أي: ألقيناه وطرحناه {بِٱلْعَرَآءِ} [الصافات: 145] أي: في أرض فضاء واسعة {وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 145] يعني: مريض أو مُتْعب من الضيق الذي عاناه في بطن الحوت، أو سقيم من التفكير فيما حدثَ من قومه، وفيما حدث منه، فهي تحتمل السقم المادي والمعنوي. ثم لم يتركه ربه بهذا العراء، بعد أنْ ألقاه الحوت في هذه الأرض الفضاء وهو مُتْعَب، وأشبه ما يكون بالطفل بعد ولادته، فأنبتَ اللهُ له شجرةَ اليقطين {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} [الصافات: 146] وهي شجرة عريضة الأوراق قالوا: هي شجرة القرع تستره وتُظِلُّه وتحميه من الذباب والحشرات؛ لأنه خرج وحوله إفرازات من بطن الحوت تعوق تنفُّس جلده، وتعوق حالته الصحية، وتجعله لزقَ المزاج. لذلك لما سُئِل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شجرة اليقطين، قال: "حديث : هي شجرة أخي يونس ". تفسير : والهاء في (عَلَيهِ) تعود على سيدنا يونس، وهذا يعني أن إنبات هذه الشجرة حدث بعد أنْ ألقاه الحوت في العراء، ولم تكُنْ شجرة اليقطين موجودةً في هذا المكان من قبل. إذن: فالتقام الحوت لسيدنا يونس - عليه السلام - كان رحمةً له من الله بدلَ أنْ يضيعَ في البحر الواسع وتتقاذفه الأمواج لا ندري أين تذهب به، أما الحوت فله إرادة ويمكنه الاحتفاظ به وإلقاؤه على البرِّ. فنحن أمام سلسلة من رحمات الله ليونس عليه السلام. وقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} [الصافات: 147-148] كأن الحق سبحانه يقول لنا: إياكم أنْ تظنوا أن ما حدث من يونس يقدح في رسالته، أو يجعلنا نغير رأينا فيه كرسول، فهو مرسل إلى {مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] والمائة ألف هنا قد تكون كناية عن العدد الكثير؛ لأن الألف قديماً كان منتهى ما يُعرف من العدد عند الناس. لذلك لما أرادوا أنْ يفدوا بنت كسرى (أظن) حين وقعت في الأسْر عرضوا على مَنْ جُعِلَتْ في سهمه من المسلمين كذا ألف فوافق، فقال له أصحابه بعد أنْ عقد هذه الصفقة: لماذا لم تطلب أكثر من ذلك، فهم قادرون على أنْ يفدوها بالمال الكثير؟ قال: والله لو أعلم أن وراء الألف عدداً لَقُلْتُ. وقوله تعالى: {أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] هل الحق سبحانه لا يعرف عدد هؤلاء القوم على وجه التحديد؟ نعم يعرفهم سبحانه وتعالى، ولو أراد لذَكَرهم لنا تحديداً، إنما قوله {أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] ليس للدلالة على الزيادة، إنما لتأكيد العدد السابق المائة ألف، كما أعطيت فلاناً حقه ويزيد، فأنت لا تتحدثُ عن الزيادة إنما تؤكد على العدد، وأنه غَيْرُ ناقص؛ لأن الألفَ يُطلَق أيضاً على ما يقرب الألف مثل تسعمائة وتسعة وتسعين، إذن: فالزيادة هنا تؤكد تمام العدد. وقوله تعالى: {فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} [الصافات: 148] وما دام المتاعُ موقوتاً بزمن ينتهي عنده، فهو متاع الدنيا، ومُتعة الدنيا للمؤمن تنتهي إلى خير منها، فلا تَقُلْ إذن: أنهى اللهُ متعةَ المؤمن؛ لأن انقطاع متعة الدنيا يُوصِّلك بمتعة الآخرة، وتمتُّعك في الدنيا موقوت بعمرك فيها، ومحدود بحدود إمكانياتك وقدراتك، أما متعة الآخرة فباقية وتأتي على قدر إمكانيات المنعِم سبحانه. إذن: هذا إكرام أنْ تُنقل من نعيم الدنيا إلى نعيم الآخرة، فقوله {إِلَىٰ حِينٍ} [الصافات: 148] يُعَد جميلاً من الله. بعد ذلك ينتقل الحق سبحانه إلى قضية أخرى: {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ} معناه بالفَضاءِ من الأَرضِ.
الجيلاني
تفسير : ولما كان من أهل التسبيح والتقديس، المنكشفين بوحدتنا واستقلالنا في شئوننا وتطوراتنا {فَنَبَذْنَاهُ} أي: طرحنا يونس {بِٱلْعَرَآءِ} أي: الساحل الخالي عن شيء يغطيه ويظله من شجرة وغيرها عناية منَّا إياه ونجاة له. وذلك بأن ألهمنا الحوت أولاً حين سقوطه في البحر بالتقامه، فالتقمه بلا لحوق ضر له من الماء، ثم ألهمناه أن يخرج رأسه من الماء حتى يتنفس في بطنه، إلى أن بلغ الساحل. قيل: كان في بطنه يوماً أو بعض يوم، وقيل: ثلاثة أيام، أوسبعة وعشرين، أو أربعين. فلما بلغ الساحل أخرجه من بطنه، ولفظه الموج إلى الساحل العاري عن الظل، والشمس في غاية الحرارة {وَهُوَ} حينئذ {سَقِيمٌ} [الصافات: 145] ضعيف، صار بدنه كبدن الطفل حين ولد. {وَ} بعدما لم يكن له متعهد، وليس هناك مظلة ولا شيء يحفظه من الذباب {أَنبَتْنَا عَلَيْهِ} في الحال من كمال رحمتنا وعطفنا معه {شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} [الصافات: 146] وهي: شجرة تنبسط على وجه الأرض، ولها أوراق عظام بلا ساق تقوم عليه - قيل: هي الدباء - فغطيناه بأورقها وربيناه بظلها؛ إذ ظلها من أكرم الأظلال وأحسنها هواء، وألهمنا أيضاً إلى وعلة - وهي المعز الوحشي - حتى جاءت عنده صباحاً ومساءً، وهو شرب لبنها، إلى أن قوي وقوَّم مزاجه على الوجه الذي كان. {وَ} بعدما ربيناه كذلك {أَرْسَلْنَاهُ} من مرة أخرى {إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] أي: الناظرون في بادئ النظر؛ يعني: حكم الناظر عليهم على التخمين والظن، فيقول: إنهم مائة ألف أو أكثر، وهؤلاء هم الذين قد هرب منهم أولاً، وهم أصحاب "نينوى" هي قرية من قرى الموصل. {فَآمَنُواْ} وقبلوا منه دعوته بعدما أُرسل إليهم ثانياً {فَمَتَّعْنَاهُمْ} مؤمنين مصدقين موحدين {إِلَىٰ حِينٍ} [الصافات: 148] أي: إلى انقضاء آجالهم. ثم لما أثبت مشركو مكة - خذلهم الله - لله المنزه عن الأنداد والأشباه ولداً، بل أوضع الأولاد وأدناها، وهي الأنثى، ونسبوا الملائكة الذين هم من أشرف المخلوقات المنزهون عن لوازم الأجسام مطلقاً إلى الأنوثة، التي هي بمراحل عنها، حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله، ولم يكن له ابن، وتمادوا على هذا إلى حيث اتخذوها مذهباً، وبالغوا في ترويجه. ردَّ الله عليهم أبلغ وجه وآكده، حيث أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم بالاستفتاء والاستفسار عن قولهم هذا، ونسبتهم هذه فقال: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} ورسلهم؛ أي: كفار مكة يا أكمل الرسل، واستخبرهم على سبيل التوبيخ والتقريع {أَلِرَبِّكَ} أي: أيثبتون لربك الواحد الأحد الصمد، الذي {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 3-4] {ٱلْبَنَاتُ} أي: أوضع الاولاد وأرادها {وَلَهُمُ} أي: لأنفسهم {ٱلْبَنُونَ} [الصافات: 149] تعالى سبحانه عما يقولون. {أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ} أي: أتظنون وتعتقدون أنَّا خلقنا الملائكة الذين هم من سدنة سدتنا السنية، وخدمة عتبتنا العلية {إِنَاثاً وَهُمْ} وحين خلقنا إياهم {شَاهِدُونَ} [الصافات: 150] حاضرون، يشهدون أنوثتهم ويبصرونها، مع أنها لا مجال للعقل إلى الاطلاع بأنوثتهم، ولم ينقل منَّا أحد من الرسل والأنبياء، مع أنه لا سبيل للحواس الأخر إلى دركها سوى البصر، ومن أين يتأتى لهم الحضور حينئذ؟!. ثم قال سبحانه على وجه التنبيه والاستبعاد: {أَلاَ} أي: تبهوا أيها المؤمنون الموقنون بوحدة الله، ووجوب وجوده، وتقدسه عن لوازم الإمكان مطلقاً {إِنَّهُم} أي: أولئك الضالون المغمورون في الجهل والطغيان {مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ} [الصافات: 151-152] الواحد الأحد المستغني لذاته عن الأهل والولد، قولاً باطلاً ظلماً وزرواً {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الصافات: 152] فيما يقولون، مقصورون على الكذب المحض بلا مستند عقلي أو نقلي. {أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ} أي: أتعتقدون أيها الجاهلون بقدر الله ووحدة ذاته المستغنية عنه ملطق المظاهر والمحال، فيكف عن لوازم الحدوث والإمكان الذي هو أمارات الاستكمال والنقصان، إنه سبحانه مع كمال تعاليه وتقدسه، اصطفى واختار لنفسه البنات المسترذلة الدنية {عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ} [الصافات: 153] الذين هم أشرف بالنسبة إليهن، وأكمل خَلقاً وخُلقاً، وكمالاً وعلماً، ورشداً ويقيناً؟!. {مَا لَكُمْ} وما شأنكم ولحق بكم أيها المفسدون المفرطون {كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [الصافات: 154] على الله ما لا يرتضيه العقل، ولا يقتضيه النقل؟!. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [الصافات: 155] ولا تتذكرون أن ذاته سبحانه منزه عن أشرف الأولاد فكيف عن أردئها؟!. {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ} حجة وبرهان نقلي {مُّبِينٌ} [الصافات: 156] واضح في الدلالة على مدَّعاكم هذا؟!.
همام الصنعاني
تفسير : 2553- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: بلغني أنّه لمَّا نبذه الحوت {بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} [الآية: 145]ن نبتت عليه شجرة من يقطين، واليقطين الدُّبَّاء، فمكث حتى تراجعت إليه نفسه فيبست الشجرة، فبكى يُونُس جَزَعاً عليها فأوحى الله إليه: أتبكي عَلَى هَلاكِ شجرةٍ ولا تبكي على هلاك مائة ألف؟. 2554- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أبي العالية عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا ينغي لأَحِدٍ أن يقولَ: إني خير من يُونُس بن متى، نسبه إلى أمه، أَصَابَ ذنباً ثم اجتباه ربه ". تفسير : 2555- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال وقال قتادة: بلغني أنه يقال: إن في الحكمة العمل الصالح يرفع صاحبه، كلما عثر وَجَد متكأ. 2556- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْج، قال: بلغني أن يُونُس مكث في بطن الحوت أربعين صَبَاحاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):