٣٧ - ٱلصَّافَّات
37 - As-Saffat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
149
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر أقاصيص الأنبياء عليهم السلام عاد إلى شرح مذاهب المشركين وبيان قبحها وسخافتها، ومن جملة أقوالهم الباطلة أنهم أثبتوا الأولاد لله سبحانه وتعالى، ثم زعموا أنها من جنس الإناث لا من جنس الذكور فقال: {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ } وهذا معطوف على قوله في أول السورة: {أية : فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً مِن خَلَقْنَا } تفسير : [الصافات: 11] وذلك لأنه تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولاً ثم ساق الكلام موصولاً بعضه ببعض إلى أن أمره بأن يستفتيهم في أنهم لم أثبتوا لله سبحانه البنات ولأنفسهم البنين، ونقل الواحدي عن المفسرين أنهم قالوا: إن قريشاً وأجناس العرب جهينة وبني سلمة وخزاعة وبني مليح قالوا: الملائكة بنات الله، واعلم أن هذا الكلام يشتمل على أمرين أحدهما: إثبات البنات لله وذلك باطل لأن العرب كانوا يستنكفون من البنت، والشيء الذي يستنكف المخلوق منه كيف يمكن إثباته للخالق والثاني: إثبات أن الملائكة إناث، وهذا أيضاً باطل لأن طريق العلم إما الحس وإما الخبر وإما النظر، أما الحس: فمفقود ههنا لأنهم ما شهدوا كيفية تخليق الله الملائة وهو المراد من قوله: {أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِنَـٰثاً وَهُمْ شَـٰهِدُونَ } وأما الخبر: فمنقود أيضاً لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقاً قطعاً وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون، لم يدل على صدقهم لا دلالة ولا أمارة، وهو المراد من قوله: {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } وأما النظر: فمفقود وبيانه من وجهين الأول: أن دليل العقل من إسناد الأخس إلى الأفضل، فإن كان حكم العقل معتبراً في هذا الباب كان قولكم باطلاً والوجه الثاني: أن نترك الاستدلال على فساد مذهبهم، بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم فإذا لم يجدوا ذلك الدليل فضده يظهر أنه لم يوجد ما يدل على صحة قولهم وهذا هو المراد من قوله: {أَمْ لَكُمْ سُلْطَـٰنٌ مُّبِينٌ * فَأْتُواْ بِكِتَـٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } فثبت بما ذكرنا أن القول الذي ذهبوا إليه لم يدل على صحته، لا الحس ولا الخبر ولا النظر، فكان المصير إليه باطلاً قطعاً، واعلم أنه تعالى لما طالبهم بما يدل على صحة مذهبهم دل ذلك على أن التقليد باطل، وأن الدين لا يصح إلا بالدليل. المسألة الثانية: قوله: {أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ } قراءة العامة بفتح الهمزة وقطعها من {ٱصْطَفَى } ثم بحذف ألف الوصل وهو استفهام توبيخ وتقريع، كقوله تعالى: {أية : أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ } تفسير : [الزخرف: 16] وقوله تعالى: {أية : أَمْ لَهُ ٱلْبَنَـٰتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ } تفسير : [الطور: 39] وقوله تعالى: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأَنثَىٰ } تفسير : [النجم: 21] وكما أن هذه المواضع كلها استفهام فكذلك في هذه الآية، وقرأ نافع في بعض الروايات: {لَكَـٰذِبُونَ * ٱصْطَفَى } موصولة بغير استفهام، وإذا ابتدأ كسر الهمزة على وجه الخبر والتقدير اصطفى البنات في زعمهم كقوله: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } تفسير : [الدخان: 49] في زعمه واعتقاده. ثم قال تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } واختلفوا في المراد بالجنة على وجوه الأول: قال مقاتل: أثبتوا نسباً بين الله تعالى وبين الملائكة حين زعموا أنهم بنات الله، وعلى هذا القول فالجنة هم الملائكة سموا جناً لاجتنانهم عن الأبصار أو لأنهم خزّان الجنة، وأقول هذا القول عندي مشكل، لأنه تعالى أبطل قولهم الملائكة بنات الله، ثم عطف عليه قوله: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } والعطف يقتضي كون المعطوف مغايراً للمعطوف عليه، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية غير ما تقدم الثاني: قال: مجاهد قالت كفار قريش الملائكة بنات الله، فقال لهم أبو بكرالصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات الجن، وهذا أيضاً عندي بعيد لأن المصاهرة لا تسمى نسباً والثالث: روينا في تفسير قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ } تفسير : [الأنعام: 100] أن قوماً من الزنادقة يقولون: الله وإبليس أخوان فالله الخير الكريم وإبليس هو الأخ الشرير الخسيس، فقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } المراد منه هذا المذهب، وعندي أن هذا القول أقرب الأقاويل. وهو مذهب المجوس القائلين بيزدان واهرمن ثم قال تعالى: {وَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } أي قد علمت الجنة أن الذين قالوا: هذا القول محضرون النار ويعذبون وقيل المراد ولقد علمت الجنة أنهم سيحضرون في العذاب، فعلى القول الأول: الضمير عائد إلى قائل هذا القول، وعلى القول الثاني عائد إلى الجنة أنفسهم، ثم إنه تعالى نزه نفسه عما قالوا من الكذب فقال: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } وفي هذا الاستثناء وجوه، قيل: استثناء من المحضرين، يعني: أنهم ناجون، وقيل هو استثناء من قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } وقيل: هو استثناء منقطع من المحضرين، ومعناه ولكن المخلصين برآء من أن يصفوه بذلك، والمخلص بكسر اللام من أخلص العبادة والاعتقاد لله وبفتحها من أخلصه الله بلطفه، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ } لما ذكر أخبار الماضين تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ٱحتج على كفار قريش في قولهم: إن الملائكة بنات اللّه؛ فقال: «فَاْسْتَفْتِهِمْ». وهو معطوف على مثله في أول السورة وإن تباعدت بينهم المسافة؛ أي فسل يا محمد أهل مكة «أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ». وذلك أن جُهَينة وخزاعة وبني مُلَيْح وبني سلمة وعبد الدار زعموا أن الملائكة بنات اللّه. وهذا سؤال توبيخ.{أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ } أي حاضرون لخلقنا إياهم إناثاً؛ وهذا كما قال اللّه عز وجل: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} تفسير : [الزخرف: 19] ثم قال: {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ} وهو أسوأ الكذب {لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } في قولهم إن للّه ولداً وهو الذي لا يلد ولا يولد. و«إنّ» بعد «أَلاَ» مكسورة؛ لأنها مبتدأة. وحكى سيبويه أنها تكون بعد أَمَا مفتوحة أو مكسورة؛ فالفتح على أن تكون أَمَا بمعنى حقًّا، والكسر على أن تكون أَمَا بمعنى أَلاَ. النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول يجوز فتحها بعد أَلاَ تشبيهاً بأَمَا، وأمّا في الآية فلا يجوز إلا كسرها؛ لأن بعدها الرفع. وتمام الكلام «لَكَاذِبُونَ». ثم يبتدىء {لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } على معنى التقريع والتوبيخ كأنه قال: ويْحكم «أَصْطَفَى الْبَنَاتِ» أي أختار النباتِ وترك البنين. وقراءة العامة «أَصْطَفَى» بقطع الألف؛ لأنها ألف ٱستفهام دخلت على ألف الوصل، فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة مقطوعة على حالها مثل: {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ} على ما تقدم. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وحمزة «ٱصْطَفَى» بوصل الألف على الخبر بغير ٱستفهام. وإذا ٱبتدأ كسر الهمزة. وزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها؛ لأن بعدها {مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } فالكلام جارٍ على التوبيخ من جهتين: إحداهما أن يكون تبييناً وتفسيراً لما قالوه من الكذب ويكون «مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» منقطعاً مما قبله. والجهة الثانية أنه قد حكى النحويون ـ منهم الفراء ـ أن التوبيخ يكون بٱستفهام وبغير ٱستفهام كما قال جل وعز: {أية : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [الأحقاف: 20]. وقيل: هو على إضمار القول؛ أي ويقولون «ٱصْطَفَى الْبَنَاتِ». أو يكون بدلاً من قوله: «وَلَدَ اللَّهُ» لأن ولادة البنات وٱتخاذهنّ اصطفاء لهنّ، فأبدل مثال الماضي من مثال الماضي فلا يوقف على هذا على «لَكَاذِبُونَ». {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } في أنه لا يجوز أن يكون له ولد. {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ } حجة وبرهان. {فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ} أي بحججكم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في قولكم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منكراً على هؤلاء المشركين في جعلهم لله تعالى البنات سبحانه، ولهم ما يشتهون، أي: من الذكور، أي: يودون لأنفسهم الجيد؛ {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} تفسير : [النحل: 58] أي: يسوءُه ذلك، ولا يختار لنفسه إلا البنين، يقول عز وجل: فكيف نسبوا إلى الله تعالى القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم؟ ولهذا قال تعالى: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} أي: سلهم على سبيل الإنكار عليهم: {أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ} كقوله عز وجل: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلاُْنثَىٰ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ } تفسير : [النجم: 21 ــــ 22]. وقوله تبارك وتعالى: { أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِنَـٰثاً وَهُمْ شَـٰهِدُونَ}؟ أي: كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث، وما شاهدوا خلقهم؛ كقوله جل وعلا: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـئَلُونَ} تفسير : [الزخرف: 19] أي: يسألون عن ذلك يوم القيامة. وقوله جلت عظمته: {أَلآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ} أي: من كذبهم { لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ} أي: صدر منه الولد، {وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} فذكر الله تعالى عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب، فأولاً جعلوهم بنات الله، فجعلوا لله ولداً تعالى وتقدس، وجعلوا ذلك الولد أنثى، ثم عبدوهم من دون الله تعالى وتقدس، وكل منها كاف في التخليد في نار جهنم. ثم قال تعالى منكراً عليهم: { أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ}؟ أيْ: أيّ شيء يحمله على أن يختار البنات دون البنين؟ كقوله عز وجل: {أية : أَفَأَصْفَـٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا} تفسير : [الإسراء: 40] ولهذا قال تبارك وتعالى: {مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } أي: مالكم عقول تتدبرون بها ما تقولون؟ { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَـٰنٌ مُّبِينٌ } أي: حجة على ما تقولونه، { فَأْتُواْ بِكِتَـٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي: هاتوا برهاناً على ذلك يكون مستنداً إلى كتاب منزل من السماء عن الله تعالى أنه اتخذ ما تقولونه؛ فإن ما تقولونه لا يمكن استناده إلى عقل، بل لا يجوزه العقل بالكلية. وقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} قال مجاهد: قال المشركون: الملائكة بنات الله تعالى، فقال أبو بكر رضي الله عنه: فمن أمهاتهن؟ قالوا: بنات سروات الجن. وكذا قال قتادة وابن زيد، ولهذا قال تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ} أي: الذين نسبوا إليهم ذلك {إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي: إن الذين قالوا ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب؛ لكذبهم في ذلك وافترائهم، وقولهم الباطل بلا علم، وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} قال: زعم أعداء الله أنه تبارك وتعالى هو وإبليس أخوان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، حكاه ابن جرير. وقوله جلت عظمته: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي: تعالى وتقدس وتنزه عن أن يكون له ولد، وعما يصفه به الظالمون الملحدون علواً كبيراً. قوله تعالى: { إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} استثناء منقطع، وهو من مثبت، إلا أن يكون الضمير في قوله تعالى: {عَمَّا يَصِفُونَ} عائد إلى الناس جميعهم، ثم استثنى منهم المخلصين، وهم المتبعون للحق المنزل على كل نبي مرسل، وجعل ابن جرير هذا الاستثناء من قوله تعالى: { إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} وفي هذا الذي قاله نظر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَٱسْتَفْتِهِمْ } استخبر كفار مكة توبيخاً لهم {أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ } بزعمهم أن الملائكة بنات الله {وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ } فيختصون بالأسنى؟
الشوكاني
تفسير : لما كانت قريش، وقبائل من العرب يزعمون: أن الملائكة بنات الله أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم باستفتائهم على طريقة التقريع، والتوبيخ، فقال: {فَٱسْتَفْتِهِمْ } يا محمد، أي: استخبرهم {أَلِرَبّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ } أي: كيف يجعلون لله، على تقدير صدق ما زعموه من الكذب أدنى الجنسين، وأوضعهما، وهو: الإناث، ولهم أعلاهما، وأرفعهما، وهم: الذكور، وهل هذا إلا حيف في القسمة لضعف عقولهم، وسوء إدراكهم؟ ومثله قوله: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ } تفسير : [النجم: 21، 22] ثم زاد في توبيخهم، وتقريعهم. فقال: {أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِنَـٰثاً وَهُمْ شَـٰهِدُونَ } فأضرب عن الكلام الأوّل إلى ما هو أشدّ منه في التبكيت، والتهكم بهم، أي: كيف جعلوهم إناثاً، وهم لم يحضروا عند خلقنا لهم، وهذا كقوله: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ } تفسير : [الزخرف: 19] فبيّن سبحانه: أن مثل ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة، ولم يشهدوا، ولا دلّ دليل على قولهم من السمع، ولا هو مما يدرك بالعقل حتى ينسبوا إدراكه إلى عقولهم. ثم أخبر سبحانه عن كذبهم، فقال: {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } فبيّن سبحانه أن قولهم هذا هو من الإفك، والافتراء من دون دليل، ولا شبهة دليل، فإنه لم يلد، ولم يولد. قرأ الجمهور {ولد الله} فعلاً ماضياً مسنداً إلى الله. وقرىء بإضافة ولد إلى الله على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: يقولون الملائكة ولد الله، والولد بمعنى: مفعول يستوي فيه المفرد، والمثنى، والمجموع، والمذكر، والمؤنث. ثم كرر سبحانه تقريعهم، وتوبيخهم، فقال: {أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ } قرأ الجمهور بفتح الهمزة على أنها للاستفهام الإنكاري، وقد حذف معها همزة الوصل استغناء به عنها. وقرأ نافع في رواية عنه، وأبو جعفر، وشيبة، والأعمش بهمزة وصل تثبت ابتداء، وتسقط درجاً، ويكون الاستفهام منوياً قاله الفراء. وحذف حرفه للعلم به من المقام، أو على أن اصطفى، وما بعده بدل من الجملة المحكية بالقول. وعلى تقدير عدم الاستفهام، والبدل. فقد حكى جماعة من المحققين منهم الفراء: أن التوبيخ يكون باستفهام، وبغير استفهام كما في قوله: {أية : أَذْهَبْتُمْ طَيّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الأحقاف: 20]، وقيل: هو على إضمار القول {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } جملتان استفهاميتان ليس لأحدهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب: استفهمهم أوّلاً عما استقرّ لهم، وثبت استفهام بإنكار، وثانياً استفهام تعجب من هذا الحكم الذي حكموا به، والمعنى: أيّ شيء ثبت لكم كيف تحكمون لله بالبنات، وهم: القسم الذي تكرهونه، ولكم بالبنين، وهم: القسم الذي تحبونه {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي: تتذكرون، فحذفت إحدى التاءين، والمعنى: ألا تعتبرون، وتتفكرون، فتتذكرون بطلان قولكم {أَمْ لَكُمْ سُلْطَـٰنٌ مُّبِينٌ } أي: حجة واضحة ظاهرة على هذا الذي تقولونه، وهو إضراب عن توبيخ إلى توبيخ، وانتقال من تقريع إلى تقريع. {فَأْتُواْ بِكِتَـٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أي: فأتوا بحجتكم الواضحة على هذا إن كنتم صادقين فيما تقولونه، أو فأتوا بالكتاب الذي ينطق لكم بالحجة، ويشتمل عليها. {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } قال أكثر المفسرين: إن المراد بالجنة هنا: الملائكة، قيل لهم: جنة، لأنهم لا يرون. وقال مجاهد: هم بطن من بطون الملائكة يقال لهم: الجنة. وقال أبو مالك: إنما قيل لهم؛ الجنة؛ لأنهم خزّان على الجنان. والنسب الصهر. قال قتادة، والكلبي: قالوا: لعنهم الله: إن الله صاهر الجنّ، فكانت الملائكة من أولادهم؛ قالا: والقائل بهذه المقالة اليهود. وقال مجاهد، والسدّي، ومقاتل: إن القائل بذلك كنانة، وخزاعة قالوا: إن الله خطب إلى سادات الجن، فزوّجوه من سروات بناتهم، فالملائكة بنات الله من سروات بنات الجن. وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله، فهو النسب الذي جعلوه. ثم ردّ الله سبحانه عليهم بقوله: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } أي: علموا أن هؤلاء الكفار الذين قالوا هذا القول يحضرون النار، ويعذبون فيها. وقيل: علمت الجنة أنفسهم يحضرون للحساب. والأوّل أولى، لأن الإحضار إذا أطلق، فالمراد العذاب. وقيل: المعنى: ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون إلى الجنة. ثم نزّه سبحانه نفسه، فقال: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } أو هو حكاية لتنزيه الملك لله عزّ وجلّ عما وصفه به المشركون، والاستثناء في قوله: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } منقطع، والتقدير: لكن عباد الله المخلصين بريئون عن أن يصفوا الله بشيء من ذلك. وقد قرىء بفتح اللام، وكسرها، ومعناهما ما بيناه قريباً. وقيل: هو استثناء من المحضرين، أي: إنهم يحضرون النار إلا من أخلص، فيكون متصلاً لا منقطعاً، وعلى هذا تكون جملة التسبيح معترضة. ثم خاطب الكفار على العموم، أو كفار مكة على الخصوص، فقال: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ } أي: فإنكم، وآلهتكم التي تعبدون من دون الله لستم بفاتنين على الله بإفساد عباده، وإضلالهم، وعلى متعلقة بفاتنين. والواو في {وما تعبدون} إما للعطف على اسم إن، أو هو بمعنى: مع، وما موصولة، أو مصدرية، أي: فإنكم،والذي تعبدون، أو وعبادتكم، ومعنى: {فاتنين}: مضلين، يقال: فتنت الرجل، وأفتنته، ويقال: فتنه على الشيء، وبالشيء كما يقال: أضله على الشيء، وأضله به. قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: فتنته، وأهل نجد يقولون: أفتنته، ويقال: فتن فلان على فلان امرأته، أي: أفسدها عليه، فالفتنة هنا بمعنى: الإضلال، والإفساد. قال مقاتل: يقول: ما أنتم بمضلين أحداً بآلهتكم إلا من قدَر الله له أن يصلى الجحيم، «وما» في {وَمَا أَنتُمْ } نافية و {أَنتُمْ } خطاب لهم، ولمن يعبدونه على التغليب. قال الزجاج: أهل التفسير مجمعون فما علمت أن المعنى: ما أنتم بمضلين أحداً إلا من قدّر الله عزّ وجلّ عليه أن يضلّ، ومنه قول الشاعر:شعر : فردّ بفتنته، كيده عليه، وكان لنا فاتناً تفسير : أي: مضلاً {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ } قرأ الجمهور {صال} بكسر اللام؛ لأنه منقوص مضاف حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وحمل على لفظ من، وأفرد كما أفرد هو. وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة بضم اللام مع واو بعدها، وروي عنهما: أنهما قرآ بضم اللام بدون واو. فأما مع الواو فعلى أنه جمع سلامة بالواو حملاً على معنى: من، وحذفت نون الجمع للإضافة، وأما بدون الواو، فيحتمل أن يكون جمعاً، وإنما حذفت الواو خطاً كما حذفت لفظاً، ويحتمل أن يكون مفرداً، وحقه على هذا كسر اللام. قال النحاس: وجماعة أهل التفسير يقولون: إنه لحن؛ لأنه لا يجوز هذا قاض المدينة، والمعنى: أن الكفار وما يعبدونه لا يقدرون على إضلال أحد من عباد الله، إلا من هو من أهل النار، وهم المصرّون على الكفر، وإنما يصرّ على الكفر من سبق القضاء عليه بالشقاوة، وإنه ممن يصلى النار، أي: يدخلها. ثم قال الملائكة مخبرين للنبي صلى الله عليه وسلم كما حكاه الله سبحانه عنهم: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }، وفي الكلام حذف، والتقدير: وما منا أحد، أو وما منا ملك إلا له مقام معلوم في عبادة الله. وقيل: التقدير: وما منا إلا من له مقام معلوم، رجح البصريون التقدير الأوّل، ورجح الكوفيون الثاني. قال الزجاج: هذا قول الملائكة، وفيه مضمر. المعنى: وما منا ملك إلا له مقام معلوم. ثم قالوا: {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ } أي: في مواقف الطاعة. قال قتادة: هم: الملائكة صفوا أقدامهم. وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض. {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبّحُونَ } أي: المنزّهون لله المقدّسون له عما أضافه إليه المشركون. وقيل: المصلون، وقيل: المراد بقولهم {المسبحون}: مجموع التسبيح باللسان، وبالصلاة، والمقصود أن هذه الصفات هي: صفات الملائكة، وليسوا كما وصفهم به الكفار من أنهم بنات الله {وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ } هذا رجوع إلى الإخبار عن المشركين، أي: كانوا قبل المبعث المحمدي إذا عيروا بالجهل قالوا: {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ ٱلأَوَّلِينَ } أي: كتاباً من كتب الأوّلين كالتوراة، والإنجيل {لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } أي: لأخلصنا العبادة له، ولم نكفر به، و"إن" في قوله: {وَإِن كَانُواْ } هي: المخففة من الثقيلة، وفيها ضمير شأن محذوف، واللام هي: الفارقة بينها، وبين النافية، أي: وإن الشأن كان كفار العرب ليقولون إلخ، والفاء في قوله: {فَكَفَرُواْ بِهِ } هي: الفصيحة الدالة على محذوف مقدّر في الكلام. قال الفراء: تقديره: فجاءهم محمد بالذكر، فكفروا به، وهذا على طريق التعجب منهم {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } أي: عاقبة كفرهم، ومغبته، وفي هذا تهديد لهم شديد. وجملة {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ } مستأنفة مقرّرة للوعيد، والمراد بالكلمة: ما وعدهم الله به من النصر، والظفر على الكفار. قال مقاتل: عنى بالكلمة: قوله سبحانه: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة: 21] وقال الفراء: سبقت كلمتنا بالسعادة لهم، والأولى تفسير هذه الكلمة بما هو مذكور هنا، فإنه قال: {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } فهذه هي الكلمة المذكورة سابقاً، وهذا تفسير لها، والمراد بجند الله: حزبه، وهم الرسل، وأتباعهم. قال الشيباني: جاء هنا على الجمع: يعني: قوله {لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } من أجل أنه رأس آية، وهذا الوعد لهم بالنصر، والغلبة لا ينافيه انهزامهم في بعض المواطن، وغلبة الكفار لهم، فإن الغالب في كل موطن هو: انتصارهم على الأعداء، وغلبتهم لهم، فخرج الكلام مخرج الغالب، على أن العاقبة المحمودة لهم على كل حال، وفي كل موطن كما قال سبحانه: {أية : وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : [القصص: 83]. ثم أمر الله سبحانه رسوله بالإعراض عنهم، والإغماض عما يصدر منهم من الجهالات، والضلالات، فقال: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ } أي: أعرض عنهم إلى مدّة معلومة عند الله سبحانه، وهي: مدة الكف عن القتال. قال السدّي، ومجاهد: حتى نأمرك بالقتال. وقال قتادة: إلى الموت، وقيل: إلى يوم بدر، وقيل: إلى يوم فتح مكة، وقيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف {وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } أي: وأبصرهم إذا نزل بهم العذاب بالقتل، والأسر، فسوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار، وعبر بالإبصار عن قرب الأمر، أي: فسوف يبصرون عن قريب. وقيل: المعنى: فسوف يبصرون العذاب يوم القيامة. ثم هددهم بقوله سبحانه: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } كانوا يقولون من فرط تكذيبهم: متى هذا العذاب؟ {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ } أي: إذا نزل عذاب الله لهم بفنائهم، والساحة في اللغة: فناء الدار الواسع. قال الفراء: نزل بساحتهم، ونزل بهم سواء. قال الزجاج: وكان عذاب هؤلاء بالقتل، قيل: المراد به نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم يوم فتح مكة. قرأ الجمهور {نزل} مبنياً للفاعل. وقرأ عبد الله بن مسعود على البناء للمفعول، والجار والمجرور قائم مقام الفاعل {فَسَاء صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ } أي: بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، والمخصوص بالذم محذوف، أي: صباحهم. وخصّ الصباح بالذكر؛ لأن العذاب كان يأتيهم فيه. ثم كرر سبحانه ما سبق تأكيداً للوعد بالعذاب، فقال: {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ }، وحذف مفعول أبصر ها هنا، وذكره أوّلاً إما لدلالة الأوّل عليه، فتركه هنا اختصاراً، أو قصداً إلى التعميم للإيذان بأن ما يبصره من أنواع عذابهم لا يحيط به الوصف. وقيل: هذه الجملة المراد بها: أحوال القيامة، والجملة الأولى المراد بها: عذابهم في الدنيا، وعلى هذا فلا يكون من باب التأكيد، بل من باب التأسيس. ثم نزّه سبحانه نفسه عن قبيح ما يصدر منهم، فقال: {سُبْحَـٰنَ رَبّكَ رَبّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ } العزّة: الغلبة، والقوة، والمراد: تنزيهه عن كل ما يصفونه به مما لا يليق بجنابه الشريف، وربّ العزّة بدل من ربك. ثم ذكر ما يدلّ على تشريف رسله، وتكريمهم، فقال: {وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ } أي: الذين أرسلهم إلى عباده، وبلغوا رسالاته، وهو من السلام الذي هو: التحية. وقيل: معناه: أمن لهم، وسلامة من المكاره {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } إرشاد لعباده إلى حمده على إرسال رسله إليهم مبشرين، ومنذرين، وتعليم لهم كيف يصنعون عند إنعامه عليهم، وما يثنون عليه به. وقيل: إنه الحمد على هلاك المشركين، ونصر الرسل عليهم، والأولى أنه حمد لله سبحانه على كل ما أنعم به على خلقه أجمعين كما يفيده حذف المحمود عليه، فإن حذفه مشعر بالتعميم كما تقرّر في علم المعاني، والحمد هو: الثناء الجميل بقصد التعظيم. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } قال: زعم أعداء الله أنه تبارك وتعالى هو وإبليس أخوان. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } قال: فإنكم يا معشر المشركين، وما تعبدون يعني: الآلهة {مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ } قال: بمضلين {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ } يقول: إلا من سبق في علمي أنه سيصلى الجحيم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية يقول: إنكم لا تضلون أنتم، ولا أضلّ منكم إلا من قضيت عليه أنه صال الجحيم. وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال: لا تفتنون إلا من هو صال الجحيم. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه أيضاً في قوله: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } قال: الملائكة {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ } قال: الملائكة {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبّحُونَ } قال: الملائكة. وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد، أو قائم، وذلك قول الملائكة: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ }»تفسير : . وأخرج محمد بن نصر، وابن عساكر عن العلاء بن سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: «حديث : أطت السماء، وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع، أو ساجد»تفسير : ، ثم قرأ {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبّحُونَ }. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: إن من السمٰوات لسماء ما فيها موضع شبر إلا، وعليه جبهة ملك، أو قدماه قائماً، أو ساجداً، ثم قرأ {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبّحُونَ }. وأخرج الترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن مردويه عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، إن السماء أطت، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله»تفسير : . وقد ثبت في الصحيح، وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يصفوا كما تصفّ الملائكة عند ربهم، فقالوا: وكيف تصفّ الملائكة عند ربهم؟ قال: «حديث : يقيمون الصفوف المقدّمة، ويتراصون في الصف»تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ ٱلأَوَّلِينَ } قال: لما جاء المشركين من أهل مكة ذكر الأوّلين، وعلم الآخرين كفروا بالكتاب {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس قال: صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وقد خرجوا بالمساحي، فلما نظروا إليه قالوا: محمد، والخميس، فقال: «حديث : الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين» تفسير : الحديث. وأخرج ابن سعد، وابن مردويه من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا سلمتم على المرسلين، فسلموا عليّ، فإنما أنا بشر من المرسلين»تفسير : . وأخرج ابن مردويه من طريق أبي العوام، عن قتادة، عن أنس مرفوعاً نحوه بأطول منه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن مردويه، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا أراد أن يسلم من صلاته قال: «{سُبْحَـٰنَ رَبّكَ رَبّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ * وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }». وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: كنا نعرف انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة بقوله: {سُبْحَـٰنَ رَبّكَ } إلى آخر الآية. وأخرج الخطيب نحوه من حديث أبي سعيد. وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قال دبر كل صلاة: {سُبْحَـٰنَ رَبّكَ رَبّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ * وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } ثلاث مرات، فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر»تفسير : . وأخرج حميد بن زنجويه في ترغيبه من طريق الأصبغ بن نباتة عن عليّ بن أبي طالب نحوه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أم لكم سلطان مبين} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: عذر مبين، قاله قتادة. الثاني: حجة بينة، قاله ابن قتيبة. الثالث: كتاب بيّن، قاله الكلبي. قوله عز وجل: {وجعلوا بينه وبين الجِنة نسباً} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه إشراك الشيطان في عبادة الله تعالى فهو النسب الذي جعلوه، قاله الحسن. الثاني: هو قول يهود أصبهان أن الله تعالى صاهر الجن فكانت الملائكة من بينهم، قاله قتادة. الثالث: هو قول الزنادقة: إن الله تعالى وإبليس أخوان، وأن النور والخير والحيوان النافع من خلق الله، والظلمة والشر والحيوان الضار من خلق إبليس، قاله الكلبي وعطية العوفي. الرابع: هو قول المشركين، إن الملائكة بنات الله فقال لهم أبو بكر: فمن أمهاتهم؟ قالوا: بنات سروات الجن، قاله مجاهد. وفي تسمية الملائكة على هذا الوجه جنة ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم بطن من بطون الملائكة يقال لهم الجنة، قاله مجاهد. الثاني: لأنهم على الجنان، قاله أبو صالح. الثالث: لاستتارهم عن العيون كالجن المستخفين. قوله عز وجل: {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} وفي الجنة قولان: أحدهما: أنهم الملائكة، قاله السدي. الثاني: أنهم الجن، قاله مجاهد. وفيما علموه قولان: أحدهما: أنهم علموا أن قائل هذا القول محضرون، قاله علي بن عيسى. الثاني: علموا أنهم في أنفسهم محضرون، وهو قول من زعم أن الجنة هم الجن. وفي قوله محضرون تأويلان: أحدهما: للحساب، قال مجاهد. الثاني: محضرون في النار، قاله قتادة.
ابن عادل
تفسير : قوله: "فَٱسْتَفْتِهِمْ" قال الزمخشري: معطوف على مثله في أول السورة وإن تباعدت. قال أبو حيان: وإذا كان قد عدوا الفَصْلَ بنحو: كُلْ لَحْماً، واضْرِبْ زيداً و خبزاً من أقبح التَّر (ا) كيب فكيف بجمل كثيرة وقصص متباينة؟ قال شهاب الدين: ولِقَائل أن يقول: إن الفصل وإن كَثر بين الجمل المتعاطفة مغتفر، وأما المثال الذي ذكره فمن قبيل المفردات، ألا ترى كيف عطفت خبزاً على لحماً، فعلى الأول أنه تعالى لما ذكر أقاصيص الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام - عاد إلى شرح مذاهب المشركين وبيان قبحها ومن جملة أقوالهم الباطلة أنهم أثبتوا الأولاد لله تعالى ثم زعموا أنها من جنس الإناث لا من جنس الذكور فقال "فاسْتَفْتِهِمْ" باستفتاء قريش عن وجه الإنكار للبعث أولاً ثم ساق الكلام موصولاً بعضه ببعض إلى أن أمرهم بأن يستفتيهم في أنهم لم أثبتوا لله سبحانه البنات ولهم البنين؟ ونقل الوَاحِدِيُّ عن المفسرين أنهم قالوا: إنَّ قريشاً وأجناس العرب جهينة وبني سلمة وخزاعة وبني مليح، قالوا الملائكة بنات الله. وهذا الكلام يشتمل على أمرين: أحدهما: إثبات البنات لله وذلك باطل لأن العرب كانوا يستنكفون من البنت والشيء الذي يستنكف منه المخلوق كيف يمكن إثباته للخالق؟ والثاني: إثبات أن الملائكة إناثٌ، وهذا أيضاً باطل لأن طريق العلم إما الحِسُّ وإما الخبر وإما النظر أما الحِسُّ فمفقود لأنهم لم يشاهدوا كيف خلق الله الملائكة وهو المراد من قوله: {أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ}. وأما الخبر فمفقود أيضاً لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقاً قطعاً وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون لم يدل على صدقهم دليل وهذا هو المراد من قولهم: {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} وأما النظر فمفقود من وجهين: الأول: أن دليل العقل يقتضي فساد هذا المذهب لأنه تعالى أكمل الموجودات والأكمل لا يليق به اصطفاء البنات على البنين بمعنى إسناد الأفضل إلى الأفضل أقرب إلى العقل من إسناد الأَخَسّ إلى الأفضل فإن كان حكم العقل معتبراً في هذا الباب كان قولكم باطلاً. الثاني: أن يتركوا بترك الاستدلال على فساد مذهبهم بل نطالبهم بإثبات الدليل على صحة مذهبهم فإذا لم يجدوا دليلاً ظهر بطلان مذهبهم، وهذا هوالمراد بقوله: {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. فقوله: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} فاسأل يا محمد أهل مكة وهو سؤال توبيخ {أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ} وهذه جملة حالية من الملائكة، والرابط الواو، وهي هنا واجبة عدم رابط غيره قاله شهاب الدين؛ ويحتمل أن يكون جملة حالية من السؤالين. قوله: {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} العامة على "ولد" فعلاً ماضياً مسنداً للجلالة، أي أتى بالولد؛ تعالى عما يقولون علواً كبيراً، وقرىء: وَلَدُ الله بإضافة الولد إليه، أي يقولون الملائكة ولده، فحذف المبتدأ للعلم به، وأبقى خبره، والوَلَدُ فَعَلٌ بمعنى مفَعُولٌ كالقَبَض فلذلك يقع خبراً عن المفرد والمثنى والمجموع تذكيراً وتأنيثاً، (تقول: هَذِهِ) وَلَدِي وهُمْ وَلَدِي. قوله: "أَصْطَفَى" العامة على فتح الهمزة على أنها همزة استفهام بمعنى الإنكار والتقريع، وقد حذف معها همزة الوصل استغناءً عنها. وقرأ نافعٌ في رواية وأبو جَعْفَر وشيبةُ والأعمشُ بهمزة وصل تثبت ابتداء وتسقط درجاً. وفيه وجهان: أحدهما: أنه على نية الاستفهام، وإنما حذف للعلم به ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: شعر : 4226- قَالُوا: تُجِبُّهَا قُلْتُ: بَهْراً عَدَدَ الرَّمْلِ وَالْحَصَى وَالتُّرَابِ تفسير : أي أتحبها. والثاني: أن هذه الجملة بدل من الجملة المحكية بالقول وهي: "وَلَد اللَّهِ" أي تقولون كذا وتقولون اصْطَفَى هذا الجنس على هذا الجِنْس. (قال الزمخشري: وقد قرأ بها حمزة والأعمشُ. وهذا القراءة وإن كان هذا محلها فهي ضعيفة والذي أضعفها) أن هذه الجملة قد اكتنَفَها الإنْكَارُ من جانبيها وذلك قوله: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ.... مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} فمن جعلها للإثبات فقد أوقعها دخيلة بين نسبتين؛ لأن لها مناسبةً ظاهرةً مع قولهم: "ولد الله" وأما قولهم: "وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ" فهي جملة اعتراض بين مقالة الكفرة جاءت للتشديد والتأكيد في كون مقالتهم تلك هي من إفكهم، ونقل أبو البقاء أنه قرىء "آصْطَفَى" بالمد قال: وهو بعيد جداً. قوله: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} جملتان استفهاميتان ليس لإحداهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب استفهم أولاً عما استقر لهم وثبت استفهام إنكار، وثانياً استفهام تعجب من حكمهم بهذا الحكم الجائر وهو أنهم نسبوا أحسن الجنسين إليهم والمعنى: ما لكم كيف تحكمون لله بالبنات ولكم بالبنين؟ "أفَلاَ تَذَكَّرُونَ" تتعظون {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبينٌ} برهان بين على أن الله ولد {فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ} الذي لكم فيه حجة {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في قولكم. قوله: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} قال مجاهد وقتادة: أراد بالجنة الملائكة سموا جنة لاجتِنانِهم عن الأبْصار. وقال ابن عباس: جنس من الملائكة يقال لهم الجن منهم إبليس، وقيل: إنهم خُزَّان الجنة، قال ابن الخطيب: وهذا القول عندي مُشْكِلٌ؛ لأنه تعالى أبطل قولهم: الملائكة بناتُ الله، ثم عطف عليه قوله: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} ولاعطف يقتضي كون المعطوف مقابلاً بمعطوف عليه فوجب أن يكون المراد من الآية غير ما تقدم. وقال مجاهد: قالت كفار قريش الملائكة بنات الله فقال لهم أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سَرَوَاتُ الجِنَّ وهذا أيضاً بعد لأن المصاهرة لا تسمّى نسباً. قال ابن الخطيب: وقد روينا في تفسير قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ} تفسير : [الأنعام: 100] أن قوماً من الزَّنَادِقَة يقولون: إن الله وإبليس أخوان فالله هو الحرّ الكريم إبليس هو الأخ الشديد، فقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} المراد منه هذا المذهب. وهذا القول عندي هو أقرب الأقاويل. وهو مذهب المجوس القائلين بيزدان وأهرمن، ثم قال: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي علمت الجنة أنّ الذين قالوا هذا القول محضرون النار ومعذبون. وقيل: المراد ولقد علمت الجنة أنهم سيحضرون في العذاب. فعلى (القول) الأول: الضمير عائد إلى قائل هذا القول وعلى (القَوْلِ) الثَّانِي عَائِدٌ إلى نفس الجنة، ثم إنه تعالى نزَّه نفسه عما قالوا من الكذب فقال {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}. قوله: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} في هذا الاستثناء وجوه: أحدهما: أنه مستثنى منقطع والمستثنى منه إما فاعل "جَعَلُوا" أي جعلوا بينه وبين الجنة نسباً إلى عباد الله. الثاني: أنه فاعل "يَصِفُونَ" أي لكن عباد الله يصفونه بما يليق به تعالى. الثالث: أنه ضمير "محضرون" أي لكن عباد الله ناجُون. وعلى هذا فتكون جملة التسبيح معترضةً. وظاهر كلام أبي البقاء أنه يجوز أن يكون استثناءً متصلاً لأنه قال: مستثنى من "جَعَلُوا" أو "مُحْضَرُونَ". ويجوز أن يكون منفصلاً. وظاهر هذه العبارة أن الوجهين الأولين هو فيهما متصل لا منفصل. وليس ببعيد كأنه قيل: وجَعَلَ الناسَ، ثم استثنى منهم هؤلاء وكل من لم يجعل بين الله وبين الجنة نسباً فهو عند الله مُخْلَصٌ من الشِّرك.
البقاعي
تفسير : ولما كان الذي سبق ادعاؤه أمرين أحدهما أن هؤلاء المنذرين يسارعون في اقتفاء آثار آبائهم في الضلال، والثاني أن أكثر الأولين ضلوا، وسيقت دليلاً شهودياً على الثاني هذه القصص الست التي ما اهتدى من أهلها أمة بكمالها إلا قوم يونس عليه السلام، كان ذلك سبباً للأمر بإقامة الدليل على ضلال هؤلاء تبعاً لآبائهم بأمر ليس في بيان الضلال أوضح منه، فقال متهكماً بهم مخصصاً الأمر به صلى الله عليه وسلم إشارة إلى عظم هذه النتيجة وأنه لا يفهمها حق فهمها سواه صلى الله عليه وسلم: {فاستفتهم} أي فاطلب من هؤلاء الذين يعرضون عن دعوتك إلى أباطيلهم أن يجيبوك فتوة منهم وكرماً: بأي دليل وبأي حجة حكموا بما يقولونه تبعاً لآبائهم في الملائكة الذين تقدم في فاطر أنهم رسل الله، وفي يس أنهم في غاية الشدة بحيث إن عذاب الأمة الكثيرة يكفي فيه واحد منهم، وبحيث إن صيحة واحده من أحدهم يميت الأحياء كلهم، وصيحة أخرى يحي الأموات كلهم، هذا إلى ما أفادته هذه السورة لهم من الصف والزجر والتلاوة حين ابتدأت بالإقسام بهم لأن لمقصودها نظراً عظيماً إلى أحوالهم في تجرديهم وتقديسهم، ويلزم من هذا الاستفتاء تنزيههم وتنزيه الذي خلقهم وذلك مقصود السورة، ولفت الكلام عن مظهر العظمة إلى ما هو دليل عليها فإن الرسول دال على قدر من أرسله فقال: {ألربك} أي خاصة وهو الملك الأعلى الذي رباك وأحسن إليك بهدايتك والهداية بك وغير ذلك من أمرك حتى كنت أكمل الخلق وأعلاهم في كل أمر يكون به الكمال والقرب من الله فاصطفاك لرسالته، ففي إفراد الضمير إشارة إلى أنه لا يختار إلا الأكمل الأشرف الأفضل. ولما كان المراد تبكيتهم بكونهم جعلوا الأخس لله، وكانت الإناث أضعف من الذكور، ولكنها قد تطلق الأنوثة على غير الحيوان، وكانت الإناث في بعض الأجناس كالأسحار أشرف، عدل عن التعبير بالإناث وعبر بما ينص على المراد فقال: {البنات} أي دون البنين، وهم - مع أنهم مربون مقهورون - يأنفون منهم غاية الأنفة {ولهم} أي دونه {البنون *} مع أن الرب الذي خصوه بأدنى القبيلين تارة يخلق الذكر من تراب ويربيه أحسن تربية، وأخرى من غيره أو يخرجه من بطن حوت أو غمرات نار أو غير ذلك، فبأي وسيلة ادعوا له ولداً والولد لا يكون إلا بالتدريج في أطوار الخلق من النطفة إلى ما فوقها، ولا يرضى بذلك إلا عاجز فكيف بادعاء أدنى الصنفين من الولد، سبحان ربك رب العزة. ولما كان دعواهم لأنوثة الملائكة متضمنة لادعاء العلم باختصاصه عند دعوى الولدية بأدنى القبيلتين أو ادعاء العلم بأنه خلقهم إناثاً بمشاهدة منهم أو كتاب منه إليهم، وأما العقل فإنه لا مدخل له في ذلك، قال معلماً بأنهم أهل لأن يبكتوا ويستهزأ بهم لأنه لا علم عندهم بإحدى الطريقين، ولا يقدرون أن يدعوا ذلك لئلا يفتضحوا فضيحة لا تنجبر أصلاً، عائداً إلى التصريح بمظهر العظمة التي إن لم يقتض اختيار الأكمل لم يقتض الاختصاص بالأدون لأنها منافية بكل اعتبار للدناءة {الملائكة} أي الذين حكموا عليهم بالأنوثة، وهم من أعظم رسلنا وأجل خواصنا ولم يروا منهم أحداً ولا سبيل لهم إلى العلم بأحوالهم باعترافهم بذلك، ولما تعين أن المراد بالأنوثة الخساسة، وكان في بعض الإناث قوة الذكور، عبر بالأنوثة إلزاماً لهم في حكمهم ذلك بخساستين فقال: {إناثاُ وهم} أي والحال أن هؤلاء الذين ينسبون إلى الله ما لا يليق به {شاهدون *} أي ثابت لهم شهود ذلك لا يغيبون عنه، فإنا كل يوم نجدد منهم من شئنا، قال الرازي: وكل واحد من الملائكة نوع برأسه، أما الآدميون فكلهم نوع واحد، وهو ناقص في ابتداء الفطرة، مستكمل، وله درجات في الترقي إلى أن يبلغ مقام المشاهدة، وهو أن تتجلى له حلية الحق الأول من ذاته وصفاته وترتيب أفعاله علماً لا ينفصل عنه ولا يغيب فيترقى في إدراكه عن المحسوسات والخيالات، ويترقى فعله عن أن يكون لمقتضى الغضب أو الشهوة، وبهذا يقرب من الله تعالى - انتهى. ولما اشتد تشوف السامع إلى أن يعلم حقيقة قولهم الذي تسبب عنها هذا الاستفتاء أعلم سبحانه بذلك في قوله مؤكداً إشارة إلى أنه قول لا يكاد أن لا يقر أحد أنه قاله، معجباً منهم فيه منادياً عليهم بما أبان من فضيحتهم بما قدم من استفتائهم: {إلا أنهم من إفكهم} أي من أجل أن صرفهم الأمور عن وجوها عادتهم {ليقولون *} أي قولاً هم مستمرون عليه وإن كانوا لا يقدرون على إبرازه في مقام المناظرة، وعدل عن مظهر العظمة إلى إسم الجلالة العلم على الذات الجامعة لجميع الصفات إشارة إلى أن كل صفة من صفاته ونعت من نعوته يأبى الولدية فقال: {ولد الله} أي وجد له - وهو المحيط بصفات الكمال - ولد وهم على صفة الأنوثة أي أتى بالولد، فولد فعل ماض والجلالة فاعل، وقرىء شاذاً برفع "ولد" على أنه خبر مبتدأ محذوف، وجر الجلالة بالإضافة، والولد فعل بمعنى مفعول كالقبض، فلذلك يخبر به عن المفرد وغيره والمؤنث وغيره. ولما أتى سبحانه بالاسم الأعظم إشارة إلى عظيم تعاليه عن ذلك، صرح به في قوله دالاً على الثبوت مؤكداً لأجل دعواهم أنهم صادقون: {وإنهم لكاذبون *} ودل على كذبهم أيضاً بإنكاره موبخاً لهم في أسلوب الخطاب زيادة في الإغضاب في قوله: {اصطفى} بهمزة الاستفهام الإنكاري، ومن أسقطها فهي عنده مقدرة مرادة، أي أخبروني هل اختار هذا السيد الذي أنتم مقرون بتمام علمه وشمول قدرته وعلو سؤدده ما تسترذلونه. ولما كان التعبير بالبنت أكره إليهم من التعبير بالأنثى، والتعبير بالابن أحب إليهم من التعبير بالذكور وأنص على المراد لأن الذكر مشترك بين معان، قال: {البنات} اللاتي تستنكفون أنتم من لحوقهن بكم، وتستحيون من نسبتهن إليكم، حتى أن بعضكم ليصل في إبعادهن إلى الوأد {على البنين *} فكان حينئذ نظره لنفسه دون نظر أقلكم فضلاً عن أجلكم، ولذلك عظم حسناً وتناهى بلاغة قوله: {ما} أي يا معاشر العرب المدعين لصحة العقول وسداد الأنظار والفهوم! أيّ شيء {لكم} من الخير في هذا المقال؟ ثم زاد في التقريع عليه بقوله معجباً منهم: {كيف تحكمون *} أي في كل سألناكم عنه بمثل هذه الأحكام التي لا تصدر عمن له أدنى مسكة من عقله، وعبر بالحكم لاشتهاره فيما يبت فيأبى النقص، فكان التعبير به أعظم في تقريعهم حيث أطلقوه على ما لا أوهى منه. ولما كان هذا شديد المنافاة للعقول، عظيم البعد عن الطباع، حسن جداً قوله أيضاً مبكتاً: {أفلا تذكرون *} أي أدنى تذكر بما أشارت إليه قراءة من خفف بما جمعت من التخفيف والحذف، فإن الأمر في غاية الظهور لما في عقولكم وطباعكم من أنكم لا ترضون لأنفسكم أخس المنازل، فكيف يختاره لنفسه ربكم الذي بيده كل شيء؟ وإنه لا يكون الولد مطلقاً إلا ممن له جنس، فيكون محتاجاً إلى جنسه، والمحتاج لا يكون إلهاً بوجه، وأشارت قراءة الجماعة بالتشديد والإدغام إلى أن الأمر يحتاج إلى مزيد تذكر بما أشار إليه التشديد مع دقة بما أشار إليه الإدغام لأجل حل شبهة من يرى أفعال من يحيي الموءودة فيظن أن ذلك رغبة منهم في الإناث، وليس ذلك إلا رغبة في دفع فساد القتل ورحمة للضعيف، ولم يقرأ بالفك إشارة إلى أن الأمر غني عن الدرجة العليا في التأمل. ولما قررهم على شهود ذلك بما تضمن إبطاله عقلاً، فلم يبق من طرق الأدلة إلا السمع، عادل به قوله: {أم لكم} أي على ادعاء ذلك {سلطان} أي دليل سمعي بخبر سماوي قاهر، وأشار إلى أنه لا يتكلم في أحوال الملوك إلا بأمر واضح بقوله: {مبين *}. ولما كان المراد بهذا - ولا بد - البرهان السمعي، بينه بما سبب عنه من قوله: {فأتوا بكتابكم} أي الذي أتاكم بذلك السلطان من الملك في أنه اختار لنفسه ذلك، ودل على كذبهم تلويحاً بعد أن أتى به تصريحاً وهو أنكى ما يكون بالإتيان بأداة الشك في قوله: {إن كنتم صادقين *} وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم وإنكار فظيع، والأساليب التي وردت عليها ناطقة بتسفيه أحلام المدعي لذلك وبجهل نفوسهم، واستركاك عقولهم، مع استهزاء وتهكم وتعجيب من أن يخطر مثل ذلك على بال فضلاً عن أن يتخذ معتقداً، ويتظاهر به مذهباً.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فاستفتهم} قال: فسلهم يعني مشركي قريش {ألربك البنات ولهم البنون} قال: لأنهم قالوا: لله البنات ولهم البنون، وقالوا: إن الملائكة أناث فقال {أم خلقنا الملائكة أناثاً وهم شاهدون} كذلك {ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون، اصطفى البنات على البنين} فكيف يجعل لكم البنين، ولنفسه البنات {ما لكم كيف تحكمون} إن هذا لحكم جائر {أفلا تذكرون، أم لكم سلطان مبين} أي عذر مبين {فائتوا بكتابكم} أي بعذركم {إن كنتم صادقين، وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} قال: زعم أعداء الله أنه تبارك وتعالى أنه هو وإبليس أخوان. وأخرج آدم بن أبي اياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} قال: قال كفار قريش الملائكة بنات الله، فقال لهم أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم؟ فقالوا: بنات سروات الجن. فقال الله {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} يقول: إنها ستحضر الحساب، قال: والجنة الملائكة. وأخرج جويبر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزلت هذه الآية في ثلاثة أحياء من قريش: سليم، وخزاعة، وجهينة {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} قال: قالوا صاهر إلى كرام الجن الآية. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} قال: قالوا الملائكة بنات الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية رضي الله عنه في قوله {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} قال: قالوا صاهر إلى كرام الجن. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه قال {الجنة} الملائكة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه قال: إنهم سموا الجن لأنهم كانوا على الجنان، والملائكة كلهم أجنة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} قال: في النار {سبحان الله عما يصفون} قال: عما يكذبون {إلا عباد الله المخلصين} قال: هذه ثنيا الله من الجن والإِنس.
القشيري
تفسير : لمَّا قالوا في صفة الملائكة إنهم بناتُ الله بـَيَّنَ اللَّهُ قُبْحَ قَوْلِهم، فقال: سَلْهُم من أين قالوا؟ وبأي حُجَّةٍ حكموا بما زعموا؟ وأي شُبْهَةٍ داخَلَتْهم. ثم إنهم كانوا يستنكفون من البنات، ويُؤْثِرون البنين عليهن.. ومع كُفرهم وقبيح قولِهم وصفوا القديمَ - سبحانه - بما استنكفوا منه لأَنْفُسهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاستفتهم} [بس برس از ايشان] اى اذا كان الله موصوفا بنعوت الكمال والعظمة والجلال متفردا بالخلق والربوبية وجميع الانبياء مقرين بالعبودية داعين للعبيد الى حقيقة التنزيه والتوحيد فاستخبر على سبيل التوبيخ والتجهيل قريشا وبعض طوائف العرب نحو جهينة وبنى سلمة وخزاعة وبنى مليح فانهم كانوا يقولون ان الله تعالى تزوج من الجن فخرجت منها الملائكة فهم بنات الله ولذا يسترهن عن العيون فاثبتوا الاولاد لله تعالى ثم زعموا انها من جنس الاناث لا من جنس الذكور وقسموا القسمة الباطلة حيث جعلوا الاناث لله تعالى وجعلوا الذكور لانفسهم فانهم كانوا يفتخرون بذكور الاولاد ويستنكفون من البنات ولذا كانوا يقتلونهن ويدفنونهن حياء قال تعالى {أية : واذا بشر احدهم بالانثى ظل وجه مسودا وهو كظيم} تفسير : الآية ومن هنا انه من رأى فى المنام انه اسود وجهه فانه يولد له بنت والذى يستنكف منه المخلوق كيف يمكن اثباته للخالق كما قال تعالى {ألربك البنات} اللاتى هن اوضع الجنسين {ولهم البنون} الذين هم ارفعهما. وفيه تفضيل لانفسهم على ربهم وذلك مما لا يقول به من له ادنى شئ من العقل وهذا كقوله تعالى {أية : ألكم الذكر وله الانثى تلك اذا قسمة ضيزى} تفسير : اى قسمة جائرة غير عادلة. وفيه اشارة الى كمال جهالة الانسان وضلالته اذا وكل الى نفسه الخسيسة وخلى الى طبيعته الركيكة انه يظن بربه ورب العالمين نقائص لا يستحقها ادنى عاقل بل غافل من اهل الدنيا شعر : برى ذاتش از تهمت ضد وجنس غنى ذاتش از تهمت جن وانس نه مستغنى از طاعتش بشت كست نه برحرف او جاى انكشت كس تفسير : ثم انتقل الى تبكيت آخر
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فاسْتَفتهم ألِرَبِّكَ البناتُ ولهم البنونَ} أَمَرَ رسولَه أولاً في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث، بقوله: {أية : فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً} تفسير : [الصافات: 11] ثم أمره هنا باستفتائهم عن وجه القسمة الضّيزى التي قسموها، بأن جعلوا لله الإناث، ولهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم لهن، واستنكافهم من ذكرهن، وليس من باب العطف النحوي، خلافاً للزمخشري. {أَمْ خلقنا الملائكةَ إِناثاً وهم شاهدون} حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم، لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدةً، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر، بل بمجرد ظن وتخمين، وإلقاء الشيطان إليهم. أو: معناه: أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس؛ لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم. {ألاَ إِنهم من إِفْكِهِمْ لَيقولون وَلَدَ اللهُ وإِنهم لكاذبون} في قولهم. {أَصْطَفَى البناتِ على البنين} الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء، {ما لكم كيف تحكمون} هذا الحكم الفاسد، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل، {أفلا تَذَكَّرُون} فتعرفوا أنه منزّه عن ذلك؟ {أم لكم سلطان مبين} حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟ {فأْتوا بكتابكم} الذي أنزل عليكم، {إِن كنتم صادقين} في دعواكم. {وجعلوا بينه} بين الله {وبين الجِنَّةِ} الملائكة ـ لاستتارهم، {نَسَباً} وهو زعمهم أنهم بنات الله. أو: قالوا: إن الله صاهر الجن، تزوج سَرَوَاتِهم فولدت له الملائكة، تعالى الله عن قولهم عُلواً كبيراً. {ولقد عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنهم لمُحْضَرُونَ} أي: ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار. أو: لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد، فكيف تكون بنات الله؟ {سبحان الله عما يصفون} نزّه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة، {إِلا عبادَ الله المخلَصين} استثناء منقطع من "المحضرين"، أي: لكن المخلصون ناجون من النار. و"سبحان الله": اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناءُ من واو "يصفون"، أي: عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك. الإشارة: الحق تعالى في عالم القدرة منزَّه عن الولد والصاحبة، وتصور الأثنينية، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات، فتوحّد الله، وتنزهه عن الاثنينية، وعين تنظر لعالم الحكمة، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح، والمظهر واحد، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات، فحطَّ رأسك لهم، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلّم تسلم. ثم بين أن الأمور كلهّا بيد الله هدايةً وإضلالاً، فقال: {فَإِنَّكُمْ...}
الطوسي
تفسير : كلهم قرأ {أصطفى} بفتح الهمزة إلا ورشاً واسماعيل عن نافع، فانهما وصلاه على الخبر. وبه قرأ ابو جعفر قال ابو علي الفارسي: يجوز أن يكون على تقدير لكاذبون في قولهم قالوا: اصطفى، ويجوز ان يكون اصطفى النبات على ما يقولونه، والوجه قطع الهمزة، لأنه على وجه التقريع، ويقويه قوله {أم اتخذ مما يخلق بنات} قال قتادة والسدي: ان قريشاً كانت تقول: الملائكة بنات الله تعالى، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يستفتهم بمعنى ان يطلب الحكم منهم في هذه القضية على وجه التقريع لهم والتوبيخ على قولهم بأن يقول لهم ألرّبكم البنات؟! يعني كيف يقولوا لربك البنات يا محمد ولهم البنون؟ ومن أين علموا ان الملائكة إناثاً اشاهدوا خلق الله لهم؟! فرأوهم اناثاً؟ فانهم لا يمكنهم ادعاء ذلك. ثم اخبر تعالى فقال {ألا إنهم من إفكهم} أي من كذبهم - في قول قتادة والسدي - هذا القول، وهو ان يقولوا {ولد الله. وإنهم لكاذبون} في هذا القول. ثم قال {آصطفى البنات على البنين} من قطع الهمزة أراد الانكار بلفظ الاستفهام، والمعنى كيف يكون هذا، وكيف يختار البنات على البنين، ومن وصل الهمزة اراد الاخبار بذلك، فالاصطفاء إخراج الصفوة من الشيء، وهي خالصه. وإنما يصطفي الله تعالى افضل الاشياء، ومن اصطفى الأدون على الأفضل مع القدرة على الأعلى كان ناقصاً. والله تعالى لا يليق بصفات النقص في اصطفاء النبات على البنين مع استحالة اتخاذ الولد عليه، لما في ذلك من معنى التشبيه، لأنه إنما يتخذ الولد من يجوز أن يكون مثل ذلك ولداً له، ولذلك لا يجوز أن يتخذ الشاب شيخا ولدا، ولا أن يتخذ الانسان بعض البهائم ولداً، لما لم يكن ذلك ممكناً، فاذا أستحال الولد عليه تعالى، فما هو مشبه به أولى بأن يستحيل عليه. وأصل (اصطفى) (اصتفى) فقلبت التاء طاء لتعدل الحروف في الاطباق والاستعلاء بما هو من مخرج التاء، فالطاء وسط بين الحرفين لمناسبتها التاء بالمخرج، والصاد بالاستعلاء والاطباق. قوله {مالكم كيف تحكمون} تهجين لهم بوضعهم الشيء في غير موضعه لأنهم وضعوه موضع الحكمة، وليس الامر كذلك إذ انتم على فاحش الخطأ الذي يدعو اليه الجهل. وقوله {أم لكم سلطان مبين} معناه هل لكم حجة ظاهرة وبرهان بين في ما تدعونه وتحكمون به. وسمي البرهان سلطاناً، لأنه يتسلط به على الانكار لمخالفة الحق والصواب. والبيان إظهار المعنى للنفس. ثم قال على وجه الانكار عليهم {فأتوا بكتابكم} إن كان معكم حجة من كتاب انزله الله اليكم فهاتوه {إن كنتم صادقين} في هذا القول، فانهم لا يقدرون على ذلك ابداً. ثم اخبر تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم {جعلوا بينه وبين الجنة نسباً} قال الحسن: اشركوا الشيطان في عبادة الله، فهو النسب الذي جعلوه. وقال قوم: بل لأنهم قالوا: إنه تعالى تزوج من الجن - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - وقيل: سميت الملائكة جنة لاستتارهم عن العيون. ومعنى الآية أن هؤلاء الكفار بجعلهم الملائكة بنات الله جعلوا بينه وبينهم نسباً، وهو قول مجاهد وقتادة. ثم قال تعالى على وجه الرد عليهم {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} وقال مجاهد وقتادة: قال ذلك لانهم علموا أنهم يحضرون الحساب. وقال السدي: علموا أن قائل هذا القول يحضر الحساب والعذاب. ثم نزه تعالى نفسه عن قولهم وصفتهم، فقال {سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين} استثنى عباده الذين أخلصوا نفوسهم فوجهوا العبادة اليه تعالى ووصفوه بما يليق به من جملة الكفار القائلين بمالا يليق به.
الجنابذي
تفسير : {فَٱسْتَفْتِهِمْ} بعدما ذكرت لهم هذه القصص الّتى فيها عبر لكلّ من يعتبر {أَلِرَبِّكَ} الّذى فعل ما فعل بالامم السّالفة ومكذّبيهم ومصدّقيهم وانبيائهم (ع) {ٱلْبَنَاتُ} الّلاتى هنّ اخسّ الاولاد {وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ} الّذين هم اشرف الاولاد حتّى يعلموا انّهم مخطئون فى تلك النّسبة فيتنبّهوا فيعلموا انّهم مخطئون فى نسبة الولد اليه.
الهواري
تفسير : قوله: {فَاسْتَفْتِهِمْ} أي: فاسألهم، يعني المشركين {أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} وذلك لقولهم إن الملائكة بنات الله. قال:{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} أي: البنات {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى} أي: الغلمان (أية : لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ) تفسير : [النحل: 62]. قوله: {أَمْ خَلَقْنَا الْمَلآئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ} أي: لخلقهم، أي: لم نفعل، ولم يشهدوا خلقهم، وهو كقوله: (أية : وَجَعَلُوا الْمَلآئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ) تفسير : [الزخرف: 19] أي: لم يشهدوا خلقهم. قال الله: {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ} أي: من كذبهم {لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللهُ} أي: ولد البنات، يعنون الملائكة. قال: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ} أي: أختار البنات {عَلَى البَنِينَ} أي: لم يفعل {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ} أي: حجة بيّنة، على الاستفهام {فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ} أي: الذي فيه حجّتكم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: إن الملائكة بنات الله، أي: ليس لكم بذلك حجة. قوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَباً}. ذكروا أن اليهود قالت: إن الله صاهر الجن فكانت من بينهم الملائكة. قال الله: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي: مدخلون في النار {سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ} ينزّه نفسه عما يكذبون. وقال بعضهم: قال مشركو العرب: إنه صاهر الجن. وقال الجنُّ صِنف من الملائكة فكانت له منهم بنات. قوله: {إِلاَّ عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ} أي: المؤمنين. وهذا من مقاديم الكلام يقول: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} إِلاَّ عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ {سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ} يعني الذين جعلوا بينه وبين الجنة نسباً. قوله: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ} [قال الحسن: ما أنتم عليّ بفاتنين، يا بني إبليس، إنه ليس لكم سلطان إلا على من هو صال الجحيم]. وبعضهم يقول: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} أي: ما أنتم بمضلّين أحداً يا بني إبليس، إلا من هو صال الجحيم بفعله. وبعضهم يقول: فإنكم، يعني المشركين، وما تعبدون، يعني وما عبدوا. ما أنتم عليه، أي: على ما تعبدونه، بمضلّين أحداً إلا من قدِّر له أن يصلى الجحيم بفعله.
اطفيش
تفسير : {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون} استئناف مفرغ على قوله فآمنوا فمتعناهم إلى حين أو معطوف عطف انشاء على خبر ووجه الاتصال بين ذلك أن قوله فآمنوا فمتعناهم إلى حين كالمثل لقريش أن آمنوا متعوا إلى حين فحسن انتقال القول اليهم والمحاورة وقيل العطف على استفتهم الأول المذكور أول السورة وان بعدت المسافة لأنه سبحانه أمر رسول الله باستفتاء قريش عن انكار البعث أولا ثم ساق الكلام موصولا بعضه ببعض حتى كأنه كله غير اجنبي ثم أمر باستفتائهم عن وجه القسمة الجائرة إذ جعلوا البنات لله يقولون الملائكة بنات الله وجعلوا البنين لأنفسهم والمراد ما يلدونه من الذكور أي خصوا أنفسهم بالبنين إذ قالوا ما يلد الله إلا البنات حاشاه عن الولادة وجعل ابن الشام هذا الاعراب غير صواب لبعد المعطوف عليه وجملة الربك البنات ولهم البنون مفعول لاستفتهم والاستفهام انكاري وقولهم بأن الملائكة بنات الله ادخل في الشرك من انكار البعث لان فيه القول بأن الله سبحانه جسم وهو لا يوصف بجسم ولا بعرض فإن الولادة مخصوصة بالأجسام وفيه تفضيل أنفسهم على الله سبحانه وتعالى اذ جعلوا لأنفسهم البنين وجعلوا له البنات وبها تظل وجوههم مسودة إذا بشروا بها وفيه الاستخفاف بالملائكة الكرام حيث انثوهم ولو قيل لادناهم فيك انوثة او شكل كشكل النساء لتنمر وتأسد على القائل ولذلك كرر الله سبحانه وتعالى الانكار عليهم هنا وفي غير السورة يكاد السماوات يتفظرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هذا والانكار هنا مقصور في اثبات الاناث لله والذكور لأنفسهم وفي وصف الملائكة بالأنوثة لأن هذه الطائفة تقول بذلك وحده ولو لزم منه التجسيم أو لأن فساد دينك الإثبات والوصف مما تدركه العامة وان قلت فأين انكر عليهم أنوثة الملائكة قلت في قوله. {أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون} الواو للحال والجملة بعدها حال وشاهدون بمعنى حاضرين أعرض عن قولهم ولد الملائكة الى قوله خلقنا الملائكة اشارة إلى أن الولادة بالغة في البطلان الواضح إلى حيث لا يحتج عليها وإلى حيث يكون الوجه الأعراض عنها وقيد انتفاء كون الملائكة إناثا بالشهادة إيماء إلى أن القول بأنوثتهم أمر عظيم لا يقدم عليه إلا بالمشاهدة فإن الأنوثة ليست من لوازم ذوات الملائكة حتى يستغنوا في اثباتها لهم بالعقل عن المشاهدة وفي ذكر المشاهدة أيضا تهكم بالكفرة واستهزاء بهم كيف قالوا بأنوثتهم مع أنهم لم يشاهدوها والعقل لا يوصل إلى معرفة مثلها ولا علم لهم بأخبار صادق وكيف قالوا ذلك قولا جازما، واعتقادا لازما كأنهم شاهدوه وما ذلك إلا لفرط جهلهم.
اطفيش
تفسير : {فاسْتَفتهم} اذا قررت يا محمد للكفار من قومك ما ذكر من دلائل التوحيد، وعقاب من خالف الرسل، فاستفتهم علىطريق الانكار عليهم، والتعجيز، ولا يصح العطف على قوله تعالى: " أية : فاستفتهم أهم أشد خلقا" تفسير : [الصافات: 11] لطول الفعل ولو بالجمل المناسبة، وليس كل ما يجوز معنى يجوز الاعراب به، بل لا بد من مناسبة القواعد النحوية، ولا سيما أنَّ جعل ذلك جوابا لشرط محذوف كما رأيت يفيد ما يفيد العطف {ألربك البناتُ ولَهُم البنُون} محكى باستفت، لأن معناه قل وذلك أن خزاعة وجهينة وسليم، وبنى المليحة يقولون: الملائكة بنات الله، حاشاه، كقول اليهود: عزيز ابن الله، والنصارى: المسيح ابن الله، ولا يوجد أدنى عاقل إذا رجع الى عقله يجيز ذلك اذا استعمل عقله.
الالوسي
تفسير : { أَلِرَبّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ } أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في صدر السورة الكريمة بتبكيت قريش وإبطال مذهبهم في إنكار البعث بطريق الاستفتاء وساق البراهين الناطقة بتحققه لا محالة وبين وقوعه وما يلقونه عند ذلك من فنون العذاب واستثنى منهم عباده المخلصين وفصل سبحانه ما لهم من النعيم المقيم، ثم ذكر سبحانه أنه قد ضل من قبلهم أكثر الأولين وأنه تعالى أرسل إليهم منذرين على وجه الإجمال، ثم أورد قصص بعض الأنبياء عليهم السلام بنوع تفصيل متضمناً كل منها ما يدل على فضلهم وعبوديتهم له عز وجل، ثم أمره صلى الله عليه وسلم هٰهنا بتبكيتهم بطريق الاستفتاء عن وجه ما تنكره العقول بالكلية وهي القسمة الباطلة اللازمة لما كانوا عليه من الاعتقاد الزائغ حيث كانوا يقولون كبعض أجناس العرب جهينة وسليم وخزاعة وبني مليح: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً، ثم بتبكيتهم بما يتضمنه كفرهم المذكور من الاستهانة بالملائكة عليهم السلام بجعلهم إناثاً، ثم أبطل سبحانه أصل كفرهم المنطوي على هذين الكفرين وهو نسبة الولد إليه سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، ولم ينظمه سبحانه في سلك التبكيت لمشاركتهم اليهود القائلين عزير ابن الله والنصارى المعتقدين عيسى ابن الله تعالى الله عن ذلك. والفاء قيل لترتيب الأمر على ما يعلم مما سبق من كون أولئك الرسل أعلام الخلق عليهم السلام عباده تعالى فإن ذلك مما يؤكد التبكيت ويظهر بطلان مذهبهم الفاسد فكأنه قيل: إذا كان رسل ربك من علمت حالهم فاستخبر هؤلاء الكفرة عن وجه كون البنات وهن أوضع الجنسين له تعالى بزعمهم والبنين الذين هم أرفعهما لهم فإنهم لا يستطيعون أن يثبتوا له وجهاً لأنه في غاية البطلان لا يقوله من له أدنى شيء من العقل. وقال بعض الأجلة: الكلام متصل بقوله تعالى في أول السورة {أية : فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً }تفسير : [الصافات: 11] على أن الفاء هنا للعطف على ذاك، والتعقيب لأنه أمر بهما من غير تراخ، وهي هناك جزائية في جواب شرط مقدر، وبهذا القول أقول. وأورد عليه أبو حيان أن فيه الفصل الطويل وقد استقبح النحاة الفصل بجملة نحو أكلت لحماً واضرب زيداً وخبزاً فما ظنك بالفصل بجمل بل بما يقرب من سورة. وأجيب بأن ما ذكر في عطف المفردات وأما الجمل فلاستقلالها يغتفر لها ذلك، والكلام هنا لما تعانقت معانيه وارتبطت مبانيه وأخذ بعضها بحجز بعض حتى كأن الجميع كلمة واحدة لم يعد البعد بعداً كما قيل: شعر : وليس يضير البعد بين جسومنا إذا كان ما بين القلوب قريباً تفسير : ووجه ترتب المعطوف على ما قبل كوجه ترتب المعطوف عليه فإن كونه تعالى رب السمٰوات والأرض وتلك الخلائق العظيمة كما دل على وحدته تعالى وقدرته عز وجل دال على تنزهه سبحانه عن الولد، ألا ترى إلى قوله جل شأنه: {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ }تفسير : [الأنعام: 101] والمناسبة بين الرد على منكري البعث/ والرد على مثبتي الولد ظاهرة، وقد اتحد في الجملتين السائل والمسؤول والأمر. وجوز بعضهم كون ضمير {ٱسْتَفْتِهِمْ} للمذكورين من الرسل عليهم السلام والبواقي لقريش، والمراد الاستفتاء ممن يعلم أخبارهم ممن يوثق بهم ومن كتبهم وصحفهم أي ما منهم أحد إلا وينزه الله تعالى عن أمثال ذلك حتى يونس عليه السلام في بطن الحوت، ولعمري إن الرجل قد بلغ الغاية من التكلف من غير احتياج إليه، ولعله لو استغنى عن ارتكاب التجوز بالتزام كون الاستفتاء من المرسلين المذكورين حيث يجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم اجتماعاً روحانياً كما يدعيه لنفسه الشيخ محي الدين قدس سره مع غير واحد من الأنبياء عليهم السلام ويدعي أن الأمر بالسؤال المستدعي للاجتماع أيضاً في قوله تعالى: {أية : وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءالِهَةً يُعْبَدُونَ } تفسير : [الزخرف: 45] على هذا النمط لكان الأمر أهون وإن كان ذلك منزعاً صوفياً. وأضيف الرب إلى ضميره عليه الصلاة والسلام دون ضميرهم تشريفاً لنبيه صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى أنهم في قولهم بالبنات له عز وجل كالنافين لربوبيته سبحانه لهم.
سيد قطب
تفسير : على ضوء ذلك القصص الذي سبق به الشوط الثاني في السورة، وما اشتمل عليه من حقيقة الصلة بين الله وعباده، ومن أخذه المكذبين بهذه الحقيقة، الذين يعبدون غير الله أو يشركون معه بعض خلقه. وعلى ضوء تلك الحقيقة ذاتها كما تضمنها الدرس الأول في السورة.. يوجه في هذا الشوط الأخير من السورة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يناقش معهم تلك الأسطورة التي يزعمون فيها أن الملائكة بنات الله. والأسطورة الأخرى التي يزعمون فيها أن بينه ـ سبحانه ـ وبين الجنة نسباً. وأن يواجههم بما كانوا يقولونه قبل أن تأتيهم هذه الرسالة من تمنيهم أن يرسل الله فيهم رسولاً. ومن أنهم على استعداد للهدى لو جاءهم رسول. وكيف كفروا عندما جاءهم الرسول.. وتختم السورة بتسجيل وعد الله لرسله أنهم هم الغالبون، وبتنزيه الله سبحانه عما يصفون. والتوجه بالحمد لله رب العالمين.. {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون؟ أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون؟ ألا إنهم من إفكهم ليقولون: ولد الله. وإنهم لكاذبون. أصطفى البنات على البنين؟ ما لكم كيف تحكمون؟ أفلا تذكرون؟ أم لكم سلطان مبين؟ فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين}.. إنه يحاصر أسطورتهم في كل مساربها؛ ويحاجهم بمنطقهم ومنطق بيئتهم التي يعيشون فيها. وهم كانوا يؤثرون البنين على البنات؛ ويعدون ولادة الأنثى محنة، ويعدون الأنثى مخلوقاً أقل رتبة من الذكر. ثم هم الذين يدعون أن الملائكة إناث. وأنهم بنات الله! فهو هنا يستطرد معهم وفق منطقهم، ويأخذهم به ليروا مدى تهافت الأسطورة وسخفها حتى بمقاييسهم الشائعة: {فاستفتهم.. ألربك البنات ولهم البنون}؟ أإذا كان الإناث أقل رتبة كما يدعون؛ جعلوا لربهم البنات واستأثروا هم بالبنين؟! أو اختار الله البنات وترك لهم البنين؟! إن هذا أو ذاك لا يستقيم! فاسألهم عن هذا الزعم المتهافت السقيم. واستفتهم كذلك عن منشأ الأسطورة كلها. من أين جاءهم علم أن الملائكة إناث؟ وهل هم شهدوا خلقهم فعرفوا جنسهم؟ {أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون؟}. ويستعرض نص مقولتهم المفتراة الكاذبة على الله: {ألا إنهم من إفكهم ليقولون: ولد الله. وإنهم لكاذبون}.. وهم كاذبون حتى بحكم عرفهم الشائع ومنطقهم الجاري في اصطفاء البنين على البنات. فكيف اصطفى الله البنات على البنين؟ {أصطفى البنات على البنين}! ويعجب من حكمهم الذي ينسون فيه منطقهم الجاري: {ما لكم؟ كيف تحكمون؟ أفلا تذكرون؟}. ومن أين تستمدون السند والدليل على الحكم المزعوم؟ {أم لكم سلطان مبين؟ فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين}.. والأسطورة الأخرى. أسطورة الصلة بينه ـ سبحانه ـ وبين الجنة: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً. ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون}.. وكانوا يزعمون أن الملائكة هم بنات الله ـ بزعمهم ـ ولدتهم له الجنة! وذلك هو النسب والقرابة! والجن تعلم أنها خلق من خلق الله. وأنها محضرة يوم القيامة بإذن الله. وما هكذا تكون معاملة النسب والصهر! وهنا ينزه ذاته سبحانه عن هذا الإفك المتهافت: {سبحان الله عما يصفون}.. ويستثنى من الجن الذين يحضرون للعذاب مكرهين تلك الطائفة المؤمنة. وقد كان في الجن مؤمنون.. {إلا عباد الله المخلصين}.. ثم يتوجه الخطاب إلى المشركين وما يعبدون من آلهة مزعومة، وما هم عليه من عقائد منحرفة. يتوجه الخطاب إليهم، من الملائكة كما يبدو من التعبير: {فإنكم وما تعبدون، ما أنتم عليه بفاتنين، إلا من هو صال الجحيم. وما منا إلا له مقام معلوم. وإنا لنحن الصافون. وإنا لنحن المسبحون}. أي إنكم وما تعبدون لا تفتنون على الله ولا تضلون من عباده إلا من هو محسوب من أهل الجحيم، الذين قدر عليهم أن يصلوها. وما أنتم بقادرين على فتنة قلب مؤمن الفطرة محسوب من الطائعين. فللجحيم وقود من نوع معروف، طبيعته تؤهله أن يستجيب للفتنة؛ ويستمع للفاتنين. ويرد الملائكة على الأسطورة، بأن لكل منهم مقامه الذي لا يتعداه. فهم عباد من خلق الله. لهم وظائف في طاعة الله. فهم يصفون للصلاة، ويسبحون بحمد الله. ويقف كل منهم على درجة لا يتجاوز حده. والله هو الله. ثم يعود للحديث عن المشركين الذين يطلقون هذه الأساطير؛ فيعرض عهودهم ووعودهم، يوم كانوا يحسدون أهل الكتاب على أنهم أهل كتاب؛ ويقولون لو كان عندنا ذكر من الأولين ـ من إبراهيم أو من جاء بعده ـ لكنا على درجة من الإيمان يستخلصنا الله من أجلها ويصطفينا: {وإن كانوا ليقولون: لو أن عندنا ذكراً من الأولين. لكنا عباد الله المخلصين}.. حتى إذا جاءهم ذكر هو أعظم ما جاء إلى هذه الأرض تنكروا لما كانوا يقولون: {فكفروا به. فسوف يعلمون}.. فالتهديد الخفي في قوله: {فسوف يعلمون} هو اللائق بالكفر بعد التمني والوعود! وبمناسبة التهديد يقرر وعد الله لرسله بالنصر والغلبة: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون}.. والوعد واقع وكلمة الله قائمة. ولقد استقرت جذور العقيدة في الأرض؛ وقام بناء الإيمان، على الرغم من جميع العوائق، وعلى الرغم من تكذيب المكذبين، وعلى الرغم من التنكيل بالدعاة والمتبعين. ولقد ذهبت عقائد المشركين والكفار. وذهبت سطوتهم ودولتهم؛ وبقيت العقائد التي جاء بها الرسل. تسيطر على قلوب الناس وعقولهم، وتكيف تصوراتهم وأفهامهم. وما تزال على الرغم من كل شيء هي أظهر وأبقى ما يسيطر على البشر في أنحاء الأرض. وكل المحاولات التي بذلت لمحو العقائد الإلهية التي جاء بها الرسل، وتغليب أية فكرة أو فلسفة أخرى قد باءت بالفشل. باءت بالفشل حتى في الأرض التي نبعت منها. وحقت كلمة الله لعباده المرسلين. إنهم لهم المنصورون وإن جنده لهم الغالبون. هذه بصفة عامة. وهي ظاهرة ملحوظة. في جميع بقاع الأرض. في جميع العصور. وهي كذلك متحققة في كل دعوة لله، يخلص فيها الجند، ويتجرد لها الدعاة. إنها غالبة منصورة مهما وضعت في سبيلها العوائق، وقامت في طريقها العراقيل. ومهما رصد لها الباطل من قوى الحديد والنار، وقوى الدعاية والافتراء، وقوى الحرب والمقاومة، وهي إن هي إلا معارك تختلف نتائجها. ثم تنتهي إلى الوعد الذي وعده الله لرسله. والذي لا يخلف ولو قامت قوى الأرض كلها في طريقه. الوعد بالنصر والغلبة والتمكين. هذا الوعد سنة من سنن الله الكونية. سنة ماضية كما تمضي هذه الكواكب والنجوم في دوراتها المنتظمة؛ وكما يتعاقب الليل والنهار في الأرض على مدار الزمان؛ وكما تنبثق الحياة في الأرض الميتة ينزل عليها الماء.. ولكنها مرهونة بتقدير الله، يحققها حين يشاء. ولقد تبطئ آثارها الظاهرة بالقياس إلى أعمار البشر المحدودة. ولكنها لا تخلف أبداً ولا تتخلف وقد تتحقق في صورة لا يدركها البشر لأنهم يطلبون المألوف من صور النصر والغلبة، ولا يدركون تحقق السنة في صورة جديدة إلا بعد حين! ولقد يريد البشر صورة معينة من صور النصر والغلبة لجند الله وأتباع رسله. ويريد الله صورة أخرى أكمل وأبقى. فيكون ما يريده الله. ولو تكلف الجند من المشقة وطول الأمد أكثر مما كانوا ينتظرون.. ولقد أراد المسلمون قبيل غزوة بدر أن تكون لهم عير قريش وأراد الله أن تفوتهم القافلة الرابحة الهينة؛ وأن يقابلوا النفير وأن يقاتلوا الطائفة ذات الشوكة. وكان ما أراده الله هو الخير لهم وللإسلام. وكان هو النصر الذي أراده الله لرسوله وجنده ودعوته على مدى الأيام. ولقد يهزم جنود الله في معركة من المعارك، وتدور عليهم الدائرة، ويقسو عليهم الابتلاء؛ لأن الله يعدهم للنصر في معركة أكبر. ولأن الله يهيء الظروف من حولهم ليؤتي النصر يومئذ ثماره في مجال أوسع، وفي خط أطول، وفي أثر أدوم. لقد سبقت كلمة الله، ومضت إرادته بوعده، وثبتت سنته لا تتخلف ولا تحيد: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون}. وعند إعلان هذا الوعد القاطع، وهذه الكلمة السابقة، يأمر الله رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يتولى عنهم، ويدعهم لوعد الله وكلمته، ويترقب ليبصرهم وقد حقت عليهم الكلمة، ويدعهم ليبصروا ويروا رأى العين كيف تكون: {فتول عنهم حتى حين. وأبصرهم فسوف يبصرون. أفبعذابنا يستعجلون؟ فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين. وتول عنهم حتى حين. وأبصر فسوف يبصرون}.. فتول عنهم، وأعرض ولا تحفلهم؛ ودعهم لليوم الذي تراهم فيه ويرون هم ما ينتهي إليه وعد الله فيك وفيهم. وإذا كانوا يستعجلون بعذابنا، فياويلهم يوم ينزل بهم. فإنه إذا نزل بساحة قوم صبحهم بما يسوء، وقد قدم له النذير. ويكرر الأمر بالإعراض عنهم والإهمال لشأنهم والتهديد الملفوف في ذلك الأمر المخيف: {وتول عنهم حتى حين}.. كما يكرر الإشارة إلى هول ما سيكون: {وأبصر فسوف يبصرون}.. ويدعه مجملاً يوحي بالهول المرهوب.. ويختم السورة بتنزيه الله سبحانه واختصاصه بالعزة. وبالسلام من الله على رسله. وبإعلان الحمد لله الواحد.. رب العالمين بلا شريك.. {سبحان ربك ـ رب العزة ـ عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين}.. وهو الختام المناسب لموضوعات السورة. الملخص للقضايا التي عالجتها السورة.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على ما تقدم من الإِنكار على المشركين وإِبطال دعاويهم، وضرب الأمثال لهم بنظرائهم من الأمم ففرع عليه أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بإبطال ما نسبه المشركون إلى الله من الولد. فضمير الغيبة من قوله: {فاستفتهم} عائد على غير مذكور يُعلَم من المقام. مثل نظيره السابق في قوله: {أية : فاستفتهم أهم أشد خلقاً أم من خلقنا}تفسير : [الصافات: 11]. والمراد: التهكم عليهم بصورة الاستفتاء إذ يقولون: ولد الله، على أنهم قسموا قسمة ضِيزَى حيث جعلوا لله البنات وهم يرغبون في الأبناء الذكور ويكرهون الإِناث، فجعلوا لله ما يكرهون. وقد جاءوا في مقالهم هذا بثلاثة أنواع من الكفر: أحدها: أنهم أثبتوا التجسيم لله لأن الولادة من أحوال الأجسام. الثاني: إيثار أنفسهم بالأفضل وجعلهم لله الأقل. قال تعالى: {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ}تفسير : [الزخرف: 17]. الثالث: أنهم جعلوا للملائكة المقربين وصف الأنوثة وهم يتعيرون بأبي الإِناث، ولذلك كرر الله تعالى هذه الأنواع من كفرهم في كتابة غير مرة. فجملة {ألِرَبك البنَاتُ} بيان لجملة {فاستفتهم}. وضمير {لربك} مخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم وهو حكاية للاستفتاء بالمعنى لأنه إذا استفتاهم يقول: ألربكم البنات، وكذلك ضمير {ولهم} محكي بالمعنى لأنه إنما يقول لهم: ولكم البنون. وهذا التصرف يقع في حكاية القول ونحوه مما فيه معنى القول مثل الاستفتاء.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ} إلى قوله: {مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} تفسير : [النحل: 57] إلى قوله تعالى: {أية : سَآءَ مَا يَحْكُمُون} تفسير : [النحل: 59].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 149- فاستفت قومك - أيها النبى -: ألخالقك البنات دونهم، ولهم البنون دونه؟. 150- بل أخلقنا الملائكة إناثاً وهم معاينون خلقهم، فتعلقوا بما شاهدوه؟. 151، 152- تنبه - أيها السامع - لحديثهم، إنهم من كذبهم ليقولون: ولد الله، وهو المُنَزَّهُ عن الوالدية والولدية، وإنهم لكاذبون فىهذا القول بشهادة الأدلة على وحدانيته. 153- أختار لنفسه البنات المكروهة فى زعمكم على البنين المحبوبين منكم، وهو الخالق للبنات والبنين؟. 154- ماذا أصابكم حين حكمتم بلا دليل؟، كيف تحكمون بذلك مع وضوح بطلانه؟. 155- أنسيتم دلائل القدرة والتنزيه فلا تتذكرون حتى وقعتم فى الضلال؟. 156- بل ألكم قوة دليل بَيّن تستدلون به على ما تدعون؟. 157- فأتوا بحجتكم - إن كان لكم حجة فى كتاب سماوى - إن كنتم صادقين فيما تقولون وتحكمون.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فاستفتهم: أي استخبر كفار مكة توبيخا لهم وتقريعاً. ولهم البنون: أي فيختصون بالأفضل الأشرف. ليقولون ولد الله: أي لقولهم الملائكة بنات الله. اصطفى البنات: أي اختار البنات على البنين. أفلا تذكرون: أي إن الله تعالى منزه عن الصاحبة والولد. أم لكم سلطان مبين: أي ألكم حجة واضحة على صحة ما تدعون. فأتوا بكتابكم: أي الذي تحتجون بما فيه، ومن أين لكم ذلك. وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا: إذ قالوا الملائكة بنات الله. ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون: أي في العذاب. سبحان الله عما يصفون: أي تنزيها لله تعالى عما يصفونه به من كون الملائكة بنات له. إلا عباد الله المخلصين: أي فإِنهم ينزهون ربهم ولا يصفونه بالنقائص كهؤلاء المشركين. معنى الآيات: بعد تقرير البعث والتوحيد والنبوة في السياق السابق بالأدلة والحجج والبراهين القاطعة أراد تعالى إبطال فرية من أسوأ الفرى التي عرفتها ديار الجزيرة وهي قول بعضهم إن الله تعالى قد أصهر إلى الجن فأنجب الملائكة وهم بنات الله، وهذا لا شك أنه من إيحاء الشيطان لإِغواء الإِنسان وإضلاله فقال تعالى لرسوله استفتهم أي استخبرهم موبخا لهم مقرّعا قائلا لهم {أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ}، أي أما تخجلون عندما تنسبون لكم الأسنى والأشرف وهو البنون، وتجعلون لله الآخس والأدنى وهو البنات وقوله تعالى {أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ} أي حضروا يوم خلقنا الملائكة فعرفوا بذلك أنهم إناث، والجواب لا إنهم لم يشهدوا خلقهم إذاً فلم يكذبون وقوله تعالى {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي ألا إن هؤلاء المشركين الضالين من كذبهم الذي عاشوا عليه واعتادوه يقولون ولد الله وذلك بقولهم الملائكة بنات الله، وإنهم وربّ العزة لكاذبون في قيلهم هذا الذي هو صورة لإِفكهم الذي يعيشون عليه. وقوله تعالى {أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ} هذا توبيخ لهم وتقريع أصطفى أي هل الله اختار البنات على البنين فلذا جعلهم إناثاً كما تزعمون. ما لكم كيف تحكمون هذا الحكم الباطل الفاسد. أفلا تذكرون فتذكروا أن الله تعالى منزه عن الصاحبة والولد أم لكم سلطان مبين أي ألكم حجة قوية تثبت دعواكم والحجة القوية تكون بوحي من الله في كتاب أنزله يخبر فيه بما تقولون إذاً {فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ} الذي فيه ما تدعون {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في زعمكم. ومن أين لكم الكتاب، وقد كفرتم بكتابكم الذي نزل لهدايتكم وهو القرآن الكريم. وهكذا أبطل الله هذه الفرية بأقوى الحجج. وقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ} أي بين الله تعالى {وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} بقولهم أصهر الله تعالى إلى الجن فتزوج سروات الجن إذ سألهم أبو بكر: من أمهات الملائكة فقالوا سروات الجن وقوله تعالى {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي في العذاب، فكيف يكون لهم نسب ويعذبهم الله بالنار. فالنسيب يكرم نسيبه لا يعذبه بالنار، وبذلك بطلت هذه الفرية الممقوتة، فنزه الله تعالى نفسه عن مثل هذه الترهات والأباطيل فقال {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}. {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} أي فإنهم لا يصفون ربهم بمثل هذه النقائص التي هي من صفات العباد العجزة المفتقرين إلى الزوجة والولد أما ربّ كل شيء ومالكه وخالقه فلا يقبل العقل أن ينسب إليه الصاحبة والولد. فلذا عباد الله الذين استخلصهم لمعرفته والإِيمان به وعبادته لا يصفون ربهم جل جلاله بصفات المحدثين من خلق الله. ولا يكونون من المحضرين في النار. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- إبطال فرية بَني ملحان من العرب الذين زيّن لهم الشيطان فكرة الملائكة بنات الله، ووجود نسب بين الله تعالى وبين الجن. 2- مشروعية دحض الباطل بأقوى الحجج وأصَحِّ البراهين. 3- الحجة الأقوى ما كانت من وحي الله في كتاب من كتبه التي أوحى بها إلى رسله.
القطان
تفسير : إفكهم: كذبهم. اصطفى البنات: اختار لنفسه البنات. سلطان: حجة. لمحضَرون: لمجلوبون للعذاب. اسأل قومك ايها النبي، مؤنّباً لهم، كيف جعلوا له البنات، ولهم البنين؟ ومن الذي قال ان البنين افضل من البنات؟ واذا كانت البنات اقل رتبة من البنين كما يزعمون فكيف جعلوا لله البنات واستأثروا لأنفسهم بالبنين؟ وكل هذا غير وارد، لأن الله تعالى لم يلد ولم يولد... ثم هناك اسطورة اخرى ينفيها الله تعالى وهي قولهم إن الملائكة إناث، فهل شهدوا ولادتهم؟ ان اكبر فرية لهم قولهم ان الله تعالى له ولد، وهذا من كذبهم الواضح وإفكهم. وكيف يختار البنات على البنين؟ ومثلُ هذا قوله تعالى: {أية : أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً؟ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً}تفسير : [الاسراء:40]. {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} ماذا أصابكم حين حكمتم بلا دليل، ومن اين تستمدون الدليلَ على الحكم المزعوم؟ {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ؟} افلا تتذكرون.. ثم زاد في توبيخهم وطالبهم ببرهان يؤيد صحة ما يدّعون بقوله: {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} هل عندكم حجةٌ واضحة تبرهن على أقوالكم؟ إذا كان عندكم حجة فأتوا بكتابكم ان كنتم صادقين فيما تقولون وتفترون. وكانوا يزعمون ان الملائكة بنات الله، ولدتْهم له الجنّ، ولذلك يردّ الله عليهم كذبهم وافتراءهم وينزه نفسه عن هذا الافك بقوله: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} ان الجانّ يعلمون أنهم محضَرون يوم القيامة للحساب والجزاء. {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} تنزه الله عما يذكره المفترون. ثم يستثنى من الجن الذين يحضَرون للعذاب أولئك المخلصين المؤمنين بقوله: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} فانهم براءُ مما يصفه الكافرون، فهؤلاء المخلصون ناجون يوم القيامة، مكرمون عند الله، يثيبهم على إيمانهم واخلاصهم بأحسن ما كانوا يعملون.
د. أسعد حومد
تفسير : (149) - فَسَلْ يَا مُحَمَّدُ قَوْمَكَ مُوَبِّخاً وَمُقَرِّعاً إِيَّاهُمْ عَلَى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وَسُخْفِ مُعْتَقَدَاتِهِمْ: أَيْجَعَلُونَ المَلاَئِكَةَ إِنَاثاً، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُنَّ بَنَاتُ اللهِ، وَيَجْعَلُونَ الذُّكُورَ لأَِنْفُسِهِمْ، وَهُمْ يَكْرَهُونَ البَنَاتِ أَشَدَّ الكُرْهِ، وَيَأْبَوْنَ أَنْ تُنْسَبَ إِلَيْهِمُ البَنَاتُ، فَمِنْ أَيْنَ جَاؤُوا بِهَذِهِ القِسْمَةِ الجَائِرَةِ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} [الصافات: 149] كلمة استفتى أي: طلب الفُتْيا، مثل استخرج طلب الإخراج، واستفهم طلب الفهم، والفتية تعني منتهى القوّة، ومنها الفتى والفتوة. فمعنى: استفتى طلب ما يُقوِّيه في جهة الفتوى، فالذي لا يعرف قضية دينية مثلاً يسأل عنها ويستفتي يعني: بعد أنْ كان ضعيفاً في الدين، يطلب أنْ يصيرَ قوياً في أمر دينه، ومن ذلك قوله تعالى في سيدنا إبراهيم: {أية : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} تفسير : [الأنبياء: 60]. وفي أهل الكهف: {أية : إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ} تفسير : [الكهف: 13]. يعني: لم يكونوا شيوخاً، وعجيبٌ أنْ يأتي الإيمانُ مع فتوة الشباب وعنفوانه، وهو مَظنَّة الشهوات والرغبات؛ لذلك ورد في الحديث: "حديث : عَجِبَ ربُّكَ من شاب ليستْ له صَبْوة ". تفسير : والحق سبحانه بيَّن لنا في مقاييس المجتمعات أنها لا تخلو عن اثني عشر نوعاً، سِتٌّ منها في المحبوبية، وستٌّ في المبغضين والعياذ بالله، المحبوبون منهم المحبوب والأشدّ حباً، والمبغضون كذلك منهم المبغّض والأشدّ بُغْضاً. يقول تعالى في الحديث القدسي: "حديث : أحب ثلاثاً وحُبي لثلاث أشدّ: أحبُّ الشيخ الطائع، وحُبِّي للشاب الطائع أشدّ، وأحب الغني الكريم وحُبي للفقير الكريم أشدّ، وأحب الفقير المتواضع وحُبي للغني المتواضع أشدّ ". تفسير : هؤلاء الستة المحبوبون، وتستطيع أنت أنْ تأتي بالمقابل لهؤلاء، وهم المبغوضون والعياذ بالله. إذن: الشاب الطائع أكثر محبةً عند الله؛ لأن عنده دواعيَ الشهوة ومبرراتها وعنفوانها، ومع ذلك تغلّب عليها وسلك طريق الطاعة على خلاف الشيخ الذي ذهبتْ شهوته وقَلَّتْ دواعيها عنده، كذلك الحال في الغني الكريم وفي الفقير المتواضع. هؤلاء الثلاثة يُمثِّلون قمة الرقي في المجتمعات، وقمة الخلافة في الأرض، وتصوَّر مجتمعاً شبابه طائعون، وفقراؤه كرماء، وأغنياؤه متواضعون. تحت هذا درجةَ مجتمع شيوخه طائعون، وأغنياؤه كرماء متواضعون ودون هؤلاء المبغضون، والعياذ بالله. فالمعنى {فَٱسْتَفْتِهِمْ} [الصافات: 149] يعني: اطلب منهم الفتوى التي تُقوِّيك في أمرك الجدلي؛ لذلك نقول للمفتي الذي يقصده الناس للفتوى الناس يريدون أنْ تُقوِّيهم برأيك، فلا تذهب بهم ناحية المياسير؛ لأنك بذلك تشجعهم على المياسير، فأنت إذن لا تُقويهم إنما تضعفهم، بل أعطهم الحكم الصحيح فهو القوة الحقيقية. لكن، لماذا يطلب الحق سبحانه من النبي أنْ يستفتي القَوْمَ؟ قالوا: لأن القضية حين تكون معلومة الحكم عند المتكلم يقول: أنا لا أقضي فيها، إنما خَصْمي هو الذي يقضي، لماذا؟ لأنك واثق أنه إذا أدار المسألة في ذهنه لن يجدَ إلا أن يقولَ ما تريده أنت، كما تقول لمن ينكر جميلك؛ أنا راضٍ حكمك، ألم أقِفْ بجانبك يوم كذا وكذا؟ هكذا على سبيل السؤال لأنك واثق من الجواب. أما لو جاء الكلام منك خبراً، فالخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب؛ لذلك ناقش الحق هذه القضية بهذا الاستفهام {أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ} [الصافات: 149] هذا استفهام يحمل معنى الإنكار والتعجب، يعني: كيف تقولون ذلك؛ لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله ثم نسبوا لله سبحانه الولد. لذلك يرد القرآن عليهم {أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ} [الصافات: 149] كيف؟ مَن الذي خلق؟ إنه الله خالق الذكر وخالق الأنثى، فكيف تختارون لأنفسكم الجنسَ الأفضل وهم الذكور، وتجعلوا لله تعالى البنات؟ كيف وأنتم إذا بُشِّر أحدكم بالأنثى ظلَّ وجهه مُسودّاً وهو كظيم يتوارى من القوم من سُوء ما بُشِّر به، ثم يفكر: {أية : أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ} تفسير : [النحل: 59]. كلمة {أية : يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ} تفسير : [النحل: 59] يعني: حياً؛ لأن عاطفة الأبوة لا تتحمل أنْ يرى الوالدُ ولده وهو يموت، أو أنْ يخنقه بيده؛ لذلك يتخلص منه بدفنه في التراب حتى لا يراه. وفي آية أخرى قال سبحانه: {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} تفسير : [الزخرف: 17-18] يعني: أتجعلون لله مَنْ يُربَّى في النعمة والزينة، وهم البنات، وتجعلون لأنفسكم البنين القادرين على العمل والسعي وتحمُّل المشاق، لذلك حكم سبحانه على هذه المسألة بأنها قِسْمة ظالمة جائرة. فقال سبحانه: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} تفسير : [النجم: 21-22] تأمل كلمة (ضيزى)، والله لو كان في غير القرآن لكانَ ثقيلاً غيرَ مستساغ، لكنه يأتي في سياقه من كلام الله طبيعياً سلسبيلاً، لماذا؟ لأنه وُضِع في مكانه ليعبر عن هذه القسمة الجائرة العجيبة، التي لا يعبر عنها إلا هذا اللفظ العجيب بما يحمله من جَرْس يرنّ في الأذن. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ} [الصافات: 150]. إذن: أنتم مخطئون، بل جهلة أغبياء في قضيتين: الأولى: أنكم جعلتم الملائكة إناثاً، والأخرى: أنكم أخذتم الذكور لأنفسكم وتركتم لله البنات، فمَنْ قال لكم إن الملائكة بنات، فكلمة بنت وولد منشؤها الزوجية والتناسل، والملائكة لا يتزوجون ولا يتناسلون، ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة. ثم إن الذي يحكم على الملائكة بأنهم إناثٌ لا بُدَّ أنْ يكون قد شهد خَلْقكم، والله يقول: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} تفسير : [الزخرف: 19]. وقال في سورة الكهف: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51] الحق سبحانه يخبرنا بهذه الحقيقة {أية : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51] يعني: معاونين ومساعدين في عملية الخَلْقِ، فهو يفضح هؤلاء الذين سيأتون ويتحدّثون في مسألة الخلق كأنهم رأوْهَا، فيقولون: الملائكة إناث. ويقولون: الإنسان أصله قرد إلى آخر هذه الادعاءات. الحق يُحذِّرنا منهم ليعطينا المناعة اللازمة لمواجهتهم، ويكفي أنْ نعلم أنّ هذه مسألة غيبية لا عِلْمَ لهم بها، إلا ما أخبرنا به الخالق سبحانه، ومع ذلك ترك لنا في الكون ما يُبيِّن صِدْقه فيما لم نشهد. والحق سبحانه ينقض هذه الأباطيل بقوله سبحانه: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الذاريات: 49]. فكل جنس من الأجناس قائم بذاته، وليس هناك شيء متطور عن شيء آخر. كذلك قال سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} تفسير : [يس: 36]. أما الملائكة فَلَهُمْ طبيعة خاصة لا تصلح للزوجية؛ لأنهم لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، كما أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون .. إلخ وإنْ كانت هذه مسألة مخالفة للعقل، فخُذْها هي الأخرى ضمن الأشياء المخالفة للعقل، والتي يختبر بها إيمانك بالمغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك بها ربُّكَ، وهذه المغيَّبات التي أخبرك الله بها رصيدها أنك آمنتَ بالقائل المخْبِر بها. ثم ينتقل الحق سبحانه إلى قضية أخرى فيقول: {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الصافات: 151-152] إذن: فجُرْأتهم على الله لم تَنْتَهِ عند حدِّ وصفهم الملائكة بأنهم إناث، ولا عند نسبتهم البنات لله تعالى، بل وصلتْ جُرْأتهم إلى ذات الله سبحانه، فقالوا: {وَلَدَ ٱللَّهُ} [الصافات: 152]. وكأن الحق سبحانه يُفسح للمكابر ويُرْخِي له العنان حتى يقول كلمة تكشف كذبه، وتفضح ادعاءه، وتُظهر أن المكابر في أمر الدين أحمقُ غبيٌّ، لأنهم قالوا {أية : ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} تفسير : [البقرة: 116] والآن يقولون (وَلَدَ اَللهُ) وفَرْق كبير بين القولين: (وَلَدَ اللهُ) نسبوا لله الولد مباشرة إنما (اتّخَذَ اللهُ وَلَداً) يعني: لم يلد إنما تبنَّى ولداً، فالأصل أنه ليس له ولد، لذلك اتخذ ولداً. وقد ردَّ الله على قولهم (وَلَدَ اللهُ) فقال: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1-4]. وردَّ على قولهم: {أية : ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} تفسير : [البقرة: 116] فقال: {أية : مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً} تفسير : [الجن: 3]. ولنبحث نحن مسألة اتخاذ الولد من خلال واقعنا: لماذا نسعى للولد ونطلبه؟ لماذا نحزن نحن حين يمتنع الإنجاب ونقلق حين يتأخر الولد؟ قالوا: لأن الولد ذِكْرى وامتداد لأبيه؛ لذلك يفرح الرجل بابنه ويفرح أكثر بحفيده؛ لأنه بالولد ضمن ذكْراه جيلاً، وبالحفيد ضمن ذِكْراه جيلين، عجيب أمْرُنا مع الدنيا، كيف نتمحك فيها ونتشبَّثَ بها ولو بالذكرى، وإذا لم تَدُمْ لك الدنيا فما انتفاعُك بدُنْيا غيرك؟ ولما تحدَّثَ شوقي - رحمه الله - في هذه المسألة لما جاءه حفيد وفرح به قال: شعر : فَاضْمَنْ لنفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرهَا فَالذِّكْرُ للإنْسَانِ عُمر ثَانِ تفسير : ولا شَكَّ أن شوقي لا يعني بالذكْر الولد، إنما يعني العمل الصالح والأثر الطيب الذي يُخلِّد ذِكْرى صاحبه، إذن: تحتاج الولد لأنك ستموت وسيحمل ولدُك اسمك وذِكْراك، أما الحق سبحانه فباقٍ لا يموت، وقد كان عبد المطلب لا يعيش له أولاد فنذرَ لله إذا رزقه أولاداً أنْ يذْبح واحداً منهم تقرُّباً لله تعالى، فالإنسان يحتاج الأولاد ليكونوا عِزْوةً كما يقولون، وآخر يقول إذا مِتُّ، مَنْ يأخذ فيَّ العزاء؟ سبحان الله إذن ضمنتَ أنك ستُعزي وولدك من بعدك سيُعزَّى. إذن: المسألة فانٍ في فانٍ. نعم، لهذه الأسباب نحتاج نحن الولد ونسعى إليه، أما الحق سبحانه فباقٍ لا يموت، فبماذا ينفعه الولد ولم يتخذه، وله سبحانه مُلْك السماوات والأرض؟ لذلك يردُّ الحق عليهم: {أية : لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [الزمر: 4] لو أراد سبحانه لاختار ما يشاء، فهو الذي يقول، وهو الذي يختار لا أنتم؛ لذلك كان رسول الله مؤدباً في عبوديته مع ربه، فقال: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} تفسير : [الزخرف: 81] يعني: إنْ كان للرحمن ولد أخبر هو سبحانه به، فأنا أول المؤمنين بوجوده. وفي موضع آخر، قال في الردِّ عليهم: {أية : وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} تفسير : [مريم: 92] فالحق سبحانه لم يتخذ ولداً، ولا ينبغي له ذلك، ولا يناسبه أبداً، لأن معنى الوالدية أو المولودية مفقود في حقِّه تعالى، لأنه باقٍ لا يموت، فيحتاج إلى مَنْ يحمل ذِكْراه، وهو الغني عن خَلْقه، وله مُلْك السماوات والأرض، والعباد كلهم صَنْعته وعياله، فلا يحتاج إلى عِزْوة كما تحتاجون. وقال سبحانه: {أية : مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً} تفسير : [الجن: 3] يعني: لم يكُنْ له صاحبة. يعني: زوجة حتى يكونَ له منها ولد. إذن: هذا كله إفْكٌ وافتراء على الله؛ لذلك وصفهم الله بالإفْك، ثم بالكذب المؤكَّد في {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الصافات: 151-152]. لكن، لماذا هذا الإفْك وهذا الكذب؟ قالوا: ليحتفظوا لأنفسهم بالسلطة الزمنية التي كانت لهم قبل الإسلام، السلطة الزمنية التي جعلتْ لهم الزعامة والرياسة والجاه، ومعلوم أن اليهودَ في المدينة كانت لهم مكانتهم المالية والعلمية والحربية، وكانوا يستفتحون على الكافرين برسول الله {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} تفسير : [البقرة: 89] لماذا؟ لأنهم يعرفون أنه سيسلب منهم هذه السلطة. وسمَّى الله كذبهم إفكاً، لأن الإفك هو الكذب المتعمَّد، وافتراء الكذب المتعمد إنما كان إفكاً لأنه يقلب الحقائق، ومن ذلك سُمِّيتْ المؤتفكة، وهي القرية التي قلبها الله بأهلها، فجعل عاليها سافلها. والكذب المتعمَّد قَلْبٌ للحقيقة؛ لأن الإنسان إذا قال قضية، هذه القضية تُسمَّى نسبة كلامية، فإنْ سبقها نسبة وجودية تُطابق الكلام فالكلام صِدْق، وإنْ كانت النسبة لكلام لا واقع له فهي كذب، والكذب على درجات، أعلاها وأشدها الافتراء على الله تعالى في قضية واضحة، وفي أصل من أصول العقيدة، فليس الكذب هنا في أمر هيِّن، عدة جنيهات مثلاً، بل الكذب هنا في القمة العقدية. {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ} [الصافات: 151-152] فنسبوا لله تعالى الولد مباشرة، وليس مجرد اتخاذ الولد. لذلك يحكم الله عليهم {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الصافات: 152] لكن هذا أسلوب خبري، والخبر من الله تعالى صادقٌ لا شكَّ، لكنه في العقل قضية تحتمل الصدق والكذب، لذلك يُطوِّقهم الله بأسلوب آخر لا يجدون منه منفذاً، يثبت كلامهم في أذهان قارئيه أو سامعيه، يُطوِّقهم بهذا الإقرار، فيقول سبحانه: {أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: { فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ} [الصافات: 149]، يشير إلى كمال جهالة الإنسان وضلالته إذا وكل إلى نفسه الخسيسة، وخلى إلى طبيعته الركيكة أنه يظن بربه ورب العالمين نقائص لا يستحقها، إذا عاقل بل غافل من أهل الدنيا؛ إذ يجبلون إليه أنه اصطفى البنات على البنين وأنه خلق الملائكة إناثا، ولا يعلمون أن الخلاق منزّه عن أوصاف المخلوقين، فإنه الصمد الذي لم يلد ولم يولد، وإنه {أية : لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [العنكبوت: 6]، {أية : إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً}تفسير : [مريم: 93]، وأن الملائكة مبرءون من الذكورة والأنوثة، وأنهم من إفك الإنسانية يقولون هذه المحالات، كما قال تعالى: {أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الصافات: 150-152]؛ إذ قالوا: { أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ} [الصافات: 153] لأن الملائكة ليسوا بالبنات ولا بالبنين، وأنهم ليسوا من هذا القبيل، وأن الله منزه عما يصفونه به، {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [الصافات: 154] على الغني عن العالمين، {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [الصافات: 155]؟! أنكم تستنكفون من البنات، وتصفون الإله القديم والرب الكريم بما استنكفتم منه مع كفركم وقبيح فعلكم، {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ} [الصافات: 156]؟ حجة ظاهرة على ما يقولون، {فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الصافات: 157] فيما يقولون بأن الله نزل عليكم كتاباً ذكر فيه هذا المعنى، وأنه كم ينزل عليكم كتاباً يذكره، فلم يفترون على الله الكذب؟
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: { فَاسْتَفْتِهِمْ } أي: اسأل المشركين باللّه غيره، الذين عبدوا الملائكة، وزعموا أنها بنات اللّه، فجمعوا بين الشرك باللّه، ووصفه بما لا يليق بجلاله، { أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ } أي: هذه قسمة ضيزى، وقول جائر، من جهة جعلهم الولد للّه تعالى، ومن جهة جعلهم أردأ القسمين وأخسهما له وهو البنات التي لا يرضونهن لأنفسهم، كما قال في الآية الأخرى {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ } تفسير : ومن جهة جعلهم الملائكة بنات اللّه، وحكمهم بذلك. قال تعالى في بيان كذبهم: { أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ } خلقهم؟ أي: ليس الأمر كذلك، فإنهم ما شهدوا خلقهم، فدل على أنهم قالوا هذا القول، بلا علم، بل افتراء على اللّه، ولهذا قال: { أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ } أي: كذبهم الواضح { لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }. { أَصْطَفَى } أي: اختار { الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } هذا الحكم الجائر، { أَفَلا تَذَكَّرُونَ } وتميزون هذا القول الباطل الجائر فإنكم لو تذكرتم لم تقولوا هذا القول { أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ } أي حجة ظاهرة على قولكم من كتاب أو رسول. وكل هذا غير واقع ولهذا قال { فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فإن من يقول قولا لا يقيم عليه حجة شرعية فإنه كاذب متعمد أو قائل على اللّه بلا علم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):