Verse. 3949 (AR)

٣٧ - ٱلصَّافَّات

37 - As-Saffat (AR)

فَاِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُوْنَ۝۱۶۱ۙ
Fainnakum wama taAAbudoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإنكم وما تعبدون» من الأصنام.

161

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد مذهب الكفار أتبعه بما نبه به على أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على حمل أحد على الضلال إلا إذا كان قد سبق حكم الله في حقه بالعذاب والوقوع في النار، وذكر صاحب «الكشاف» في قوله: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنتم عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ } قولين الأول: الضمير في {عَلَيْهِ } لله عز وجل معناه فإنكم ومعبوديكم ما أنتم وهم جميعاً بفاتنين على الله إلا أصحاب النار الذين سبق في علم الله كونهم من أهل النار، فإن قبل كيف يفتنونهم على الله؟ قلنا يفتنونهم عليه بإغوائهم من قولك فتن فلان على فلان امرأته كما تقول أفسدها عليه والوجه الثاني: أن تكون الواو في قوله: {وَمَا تَعْبُدُونَ } بمعنى مع كما في قولهم كل رجل وضيعته، فكما جاز السكوت على كل رجل وضيعته، فكذلك جاز أن يسكت على قوله: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } لأن قوله: {وَمَا تَعْبُدُونَ } ساد مسد الخبر، لأن معناه فإنكم مع ما تعبدون، والمعنى فإنكم مع آلهتكم أي فإنكم قرناؤهم وأصحابهم لا تتركون عبادتها، ثم قال تعالى: {مَا أَنتم عَلَيْهِ } أي على ما تعبدون {بِفَـٰتِنِينَ } بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ } مثلكم. وقرأ الحسن {صَالِ ٱلْجَحِيمِ } بضم اللام ووجهه أن يكون جمعاً وسقوط واوه لالتقاء الساكنين، فإنه قيل كيف يستقيم الجمع مع قوله: {مَنْ هُوَ } قلنا {مِنْ } موحد اللفظ مجموع المعنى فحمل هو على لفظه والصالون على معناه. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا تأثير لإغواء الشيطان ووسوسته، وإنما المؤثر قضاء الله تعالى وتقديره، لأن قوله تعالى: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ } تصريح بأنه لا تأثير لقولهم ولا تأثير لأحوال معبوديهم في وقوع الفتنة والضلال، وقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ } يعني إلا من كان كذلك في حكم الله وتقديره، وذلك تصريح بأن المقتضي لوقوع هذه الحوادث حكم الله تعالى، وكان عمر بن عبد العزيز يحتج بهذه الآية في إثبات هذا المطلوب، قال الجبائي: المراد أن الذين عبدوا الملائكة يزعمون أنهم بنات الله لا يكفرون أحداً إلا من ثبت في معلوم الله أنه سيكفر، فدل هذا على أن من ضل بدعاء الشيطان لم يكن ليؤمن بالله لو منع الله الشيطان من دعائه وإلا كان يمنع الشيطان، فصح بهذا أن كل من يعصي لم يكن ليصلح عنه شيء من الأفعال والجواب: حاصل هذا الكلام أنه لا تأثير لإغواء شياطين الإنس والجن. وهذا لا نزاع فيه إلا أن وجه الاستدلال أنه تعالى بين أنه لا تأثير لكلامهم في وقوع الفتنة، ثم استثنى منه ما في قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ } فوجب أن يكون المراد من وقوع الفتنة هو كونه محكوماً عليه بأنه صال الجحيم، وذلك تصريح بأن حكم الله بالسعادة والشقاوة هو الذي يؤثر في حصول الشقاوة والسعادة. واعلم أن أصحابنا قرروا هذه الحجة بالحديث المشهور وهو أنه حج آدم موسى، قال القاضي هذا الحديث لم يقبله علماء التوحيد، لأنه يوجب أن لا يلام أحد على شيء من الذنوب، لأنه إن كان آدم لا يجوز لموسى أن يلومه على عمل كتبه الله عليه قبل أن يخلقه، فكذلك كل مذنب. فإن صحت هذه الحجة لآدم عليه السلام، فلماذا قال موسى عليه السلام في الوكزة هذا من عمل الشيطان، إنه عدو مضل مبين؟ ولما قال فلن أكون ظهيراً للمجرمين؟ ولماذا لام فرعون وجنوده على أمر كتبه الله عليهم؟ ومن عجيب أمرهم أنهم يكفرون القدرية، وهذا الحديث يوجب أن آدم كان قدرياً، فلزمهم أن يكفروه، وكيف يجوز مع قول آدم وحواء عليهما السلام: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَكُنتُم مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 23] أن يحتج على موسى بأنه لا لوم عليه، وقد كتب عليه ذلك قبل أن يخلقه، هذا جملة كلام القاضي فيقال له هب أنك لا تقبل ذلك الخبر، فهل ترد هذه الآية أم لا، فإنا بينا أن صريح هذه الآية يدل على أنه لا تأثير للوساوس في هذا الباب، فإن الكل يحصل بحكمة الله تعالى، والذي يدل عليه وجوه الأول: أن الكافر إن ضل بسبب وسوسة الشيطان فضلال الشيطان إن كان بسبب شيطان آخر لزم تسلسل الشياطين وهو محال، وإن انتهى إلى ضلال لم يحصل بسبب وسوسة متقدمة فهو المطلوب الثاني: أن كل أحد يريد أن يحصل لنفسه الاعتقاد الحق والدين الصدق، فحصول ضده يدل على أن ذلك ليس منه الثالث: أن الأفعال موقوفة على الدواعي وحصول الدواعي بخلق الله، فيكون الكل من الله تعالى الرابع: أنه تعالى لما اقتضت حكمته شيئاً، وعلم وقوعه، فلو لم يقع ذلك الشيء لزم انقلاب ذلك الحكم كذباً وانقلاب ذلك العلم جهلاً وهو محال، وأما الآيات التي تمسك بها القاضي فهي معارضة بالآيات الدالة على أن الكل من الله والقرآن كالبحر المملوء من هذه الآيات فتبقى الدلائل العقلية التي ذكرناها سليمة، والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } فالجمهور على أنهم الملائكة، وصفوا أنفسهم بالمبالغة في العبودية، فإنهم يصطفون للصلاة والتسبيح، والغرض منه التنبيه على فساد قول من يقول إنهم أولاد الله وذلك لأن مبالغتهم في العبودية تدل على اعترافهم بالعبودية، واعلم أن هذه الآية تدل على ثلاثة أنواع من صفات الملائكة فأولها قوله تعالى: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } وهذا يدل على أن لكل واحد منهم مرتبة لا يتجاوزها ودرجة لا يتعدى عنها، وتلك الدرجات إشارة إلى درجاتهم في التصرف في أجسام هذا العالم إلى درجاتهم في معرفة الله تعالى أما درجاتهم في التصرفات والأفعال فهي قوله: {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ } والمراد كونهم صافين في أداء الطاعات ومنازل الخدمة والعبودية، وأما درجاتهم في المعارف فهي قوله تعالى: {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبّحُونَ } والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به. واعلم أن قوله: {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبّحُونَ } يفيد الحصر ومعناه أنهم هم الصافون في مواقف العبودية لا غيرهم وأنهم هم المسبحون لا غيرهم، وذلك يدل على أن طاعات البشر ومعارفهم بالنسبة إلى طاعات الملائكة وإلى معارفهم كالعدم، حتى يصح هذا الحصر. وبالجملة فهذه الآلفاظ الثلاثة تدل على أسرار عجيبة من صفات الملائكة فكيف يجوز مع هذا الحصر أن يقال البشر تقرب درجته من الملك فضلاً عن أن يقال هل هو أفضل منه أم لا. وأما قوله: {وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ ٱلأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } فالمعنى أن مشركي قريش وغيرهم كانوا يقولون: {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً } أي كتاباً من كتب الأولين الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل لأخلصنا العبادة لله، ولما كذبنا كما كذبوا. ثم جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار والكتاب المهيمن على كل الكتب، وهو القرآن فكفروا به. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } ثم قال تعالى: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } أي فسوف يعلمون عاقبة هذا الكفر والتكذيب.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } «ما» بمعنى الذي. وقيل: بمعنى المصدر، أي فإنكم وعبادتكم لهذه الأصنام. وقيل: أي فإنكم مع ما تعبدون من دون اللّه؛ يقال: جاء فلان وفلان. وجاء فلان مع فلان. {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} أي على اللّه {بِفَاتِنِينَ} بمضلّين. النحاس. أهل التفسير مجمعون فيما علمت على أن المعنى: ما أنتم بمضّلين أحداً إلا من قدّر اللّه عز وجل عليه أن يضِل. وقال الشاعر:شعر : فردّ بنعمته كيدَهُ عليهِ وكان لنا فاتِنا تفسير : أي مضلاًّ. الثانية ـ في هذه الآية ردٌّ على القَدَرية. قال عمرو بن ذرّ: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذُكِر عنده القَدَر، فقال عمر: لو أراد اللّه ألاّ يُعْصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلماً في كتاب اللّه جل وعزّ، عرفه من عَرَفَه، وجهله من جهله؛ ثم قرأ {أية : فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ }تفسير : [الصافات: 161] إلا من كتب اللّه عز وجل عليه أن يصلَى الجحيم. وقال: فصَلت هذه الآية بين الناس، وفيها من المعاني أن الشياطين لا يَصِلون إلى إضلال أحد إلا من كتب اللّه عليه أنه لا يهتدي، ولو علم اللّه جل وعز أنه يهتدي لحال بينه وبينهم؛ وعلى هذا قوله: {أية : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ}تفسير : [الإسراء: 64] أي لست تَصِل منهم إلى شيء إلا إلى ما في علمي. وقال لَبِيد بن ربيعة في تثبيت القدَرِ فأحسن:شعر : إنّ تَقْوى ربِّنا خير نَفَلْ وبِإذنِ اللّه رَيْثي وعَجَلْ أحَمدُ اللّه فلا نِدَّ لهُ بِيديهِ الخيرُ ما شاء فَعَلْ مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الخير ٱهتدى ناعِم البَالِ ومَنْ شاء أَضَلْ تفسير : قال الفراء: أهل الحجاز يقولون فتنت الرجل، وأهل نجد يقولون أفتنته. الثالثة ـ روي عن الحسن أنه قرأ: «إِلاَّ مَنْ هُوَ صالُ الْجَحِيمِ» بضم اللام. النحاس: وجماعة أهل التفسير يقولون إنه لحن؛ لأنه لا يجوز هذا قاضُ المدينةِ. ومن أحسن ما قيل فيه ما سمعت علي بن سليمان يقوله؛ قال: هو محمول على المعنى؛ لأن معنى. «مَنْ» جماعة؛ فالتقدير صالون، فحذفت النون للإضافة، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين. وقيل: أصله فاعل إلا أنه قُلب من صال إلى صايل وحذفت الياء وبقيت اللام مضمومة فهو مثل «شَفَا جُرُفٍ هَارٍ». ووجه ثالث أن تحذف لام «صال» تخفيفاً وتجري الإعراب على عينه، كما حذف من قولهم: ما باليت به بالة. وأصلها بالية من بالى كعافية من عافى؛ ونظيره قراءة من قرأ، «وَجنى الْجَنَّتَيْنِ دانٌ» «وَلَهُ الْجَوَارُ الْمُنشَئاتُ» أجرى الإعراب على العين. والأصل في قراءة الجماعة صالُي بالياء فحذفها الكاتب من الخط لسقوطها في اللفظ.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخاطباً للمشركين: { فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ } أي: إنما ينقاد لمقالتكم، وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة، من هو أضل منكم ممن ذرىء للنار {أية : لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 179] فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } تفسير : [الذاريات: 8 ــــ 9] أي: إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل، ثم قال تبارك وتعالى منزهاً للملائكة مما نسبوا إليهم؛ من الكفر بهم، والكذب عليهم أنهم بنات الله: { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} أي: له موضع مخصوص في السموات، ومقامات العبادات، لا يتجاوزه ولا يتعداه. وقال ابن عساكر في ترجمته لمحمد بن خالد بسنده إلى عبد الرحمن بن العلاء بن سعد عن أبيه، وكان ممَّن بايع يوم الفتح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لجلسائه: «حديث : أطَّت السماء، وحق لها أن تئط؛ ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد» تفسير : ثم قرأ صلى الله عليه وسلم { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ } وقال الضحاك في تفسيره: { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} قال: كان مسروق يروي عن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم» تفسير : فذلك قوله تعالى: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}. وقال الأعمش عن أبي إسحاق عن مسروق عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن في السموات لسماء ما فيها موضع شبر، إلا عليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ عبد الله رضي الله عنه: { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} وكذا قال سعيد بن جبير. وقال قتادة: كانوا يصلون الرجال والنساء جميعاً حتى نزلت: { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} فتقدم الرجال، وتأخر النساء. { وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ} أي: نقف صفوفاً في الطاعة؛ كما تقدم عند قوله تبارك وتعالى: { وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا} قال ابن جريج عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث قال: كانوا لا يصفون في الصلاة، حتى نزل: { وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ} فصفوا. وقال أبو نضرة: كان عمر رضي الله عنه إذا أقيمت الصلاة، استقبل الناس بوجهه، ثم قال: أقيموا صفوفكم، استووا قياماً، يريد الله تعالى بكم هدي الملائكة، ثم يقول: { وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ} تأخر يا فلان تقدم يا فلان ثم يتقدم فيكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وفي صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجداً، وتربتها طهوراً» تفسير : الحديث. {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ} أي: نصطف فنسبح الرب، ونمجده ونقدسه، وننزهه عن النقائص، فنحن عبيد له، فقراء إليه، خاضعون لديه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد: { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}: الملائكة، { وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ}: الملائكة، { وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ}: الملائكة، تسبح الله عز وجل. وقال قتادة { وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ} يعني: المصلون يثبتون بمكانهم من العبادة؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ }تفسير : [الأنبياء: 26 ــــ 29] وقوله جل وعلا: { وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} {لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} أي: قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله وما كان من أمر القرون الأولى، ويأتيهم بكتاب الله؛ كما قال جل جلاله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} تفسير : [فاطر: 42] وقال تعالى: {أية : أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَـٰفِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَـٰتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ } تفسير : [الأنعام: 156 ــــ 157] ولهذا قال تعالى هاهنا: { فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وعيد أكيد وتهديد شديد على كفرهم بربهم عز وجل، وتكذيبهم رسوله صلى الله عليه وسلم

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } من الأصنام.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فإنكم وما تعبدون} يعني المشركين وما عبدوه من آلهتهم. {ما أنتم عليه بفاتنين} أي بمضلين، قال الشاعر: شعر : فرد بنعمته كيده عليه وكان لها فاتناً أي مضلاً، فكانوا مضلين لمن يدعونه إلى عبادتها. تفسير : {إلا من هو صالِ الجحيم} فيه وجهان: أحدهما: إلا من سبق في علم الله تعالى أنه يصلى الجحيم، قاله ابن عباس. قوله عز وجل {وما مِنّا إلا له مقامٌ معلوم} فيه قولان: أحدهما: ما منا ملك إلا له في السماء مقام معلوم، قاله ابن مسعود وسعيد بن جبير. الثاني: ما حكاه قتادة قال: كان يصلي الرجال والنساء جميعاً حتى نزلت {وما منا إلا له مقام معلوم} قال فتقدم الرجال وتأخر النساء. ويحتمل إن لم يثبت هذا النقل. ثالثاً: وما منا يوم القيامة إلا من له فيها مقام معلوم بين يدي الله عز وجل. قوله عز وجل: {وإنا لنحن الصّافون} فيه قولان: أحدهما: أنهم الملائكة يقفون صفوفاً في السماء، قيل حول العرش ينتظرون ما يؤمرون به، وقيل في الصلاة مصطفين. وحكى أبو نضرة أن عمر رضي الله كان إذا قام إلى الصلاة قال: يريد، الله بكم هدى الملائكة {وإنا لنحن الصافون} تأخر يا فلان، ثم يتقدم فيكبر. الثاني: ما حكاه أبو مالك قال كان الناس يصلون متبددين فأنزل الله عز وجل {وإنا لنحن الصافون} فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصطفوا. وقوله عز وجل: {وإنا لنحن المسبحون} فيه قولان: أحدهما: المصلّون، قاله قتادة. الثاني: المنزِّهون الله عما أضافه إليه المشركون أي فكيف لا تعبدونه ونحن نعبده.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَإِنَّكُمْ} أيها المشركون {وَمَا تَعْبُدُونَ} من آلهتكم.

الخازن

تفسير : {فإنكم} يعني يا أهل مكة {وما تعبدون} أي من الأصنام {ما أنتم عليه} أي على ما تعبدون {بفاتنين} أي بمضلين أحداً {إلا من هو صال الجحيم} أي إلا من سبق له في علم الله تعالى الشقاوة وأنه سيدخل النار. قوله تعالى إخباراً عن حال الملائكة {وما منا إلا له مقام معلوم} يعني أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم وما منا معشر الملائكة ملك إلا له مقام معلوم يعبد ربه فيه. وقال ابن عباس ما في السموات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي أو يسبح. وروى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجداً" تفسير : أخرجه الترمذي. وهو طرف من حديث قيل الأطيط أصوات الأقتاب وقيل أصوات الإبل وحنينها, ومعنى الحديث ما في السماء من الملائكة قد أثقلها حتى أطت وهذا مثل مؤذن بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثم أطيط وقيل معنى إلا له مقام معلوم أي في القرب والمشاهدة وقيل يعبد الله على مقامات مختلفة كالخوف والرجاء والمحبة والرضا {وإنا لنحن الصافون} يعني الملائكة صفوا أقدامهم في عبادة الله تعالى كصفوف الناس في الصلاة في الأرض {وإنا لنحن المسبحون} أي المصلون لله تعالى وقيل المنزهون لله تعالى عن كل سوء يخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يعبدون الله بالصلاة والتسبيح وأنهم ليسوا بمعبودين كما زعمت الكفار قوله عز وجل: {وإن كانوا ليقولون} يعني كفار مكة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم {لو أن عندنا ذكراً من الأولين} يعني كتاباً مثل كتاب الأولين {لكنا عباد الله المخلصين} أي لأخلصنا العبادة لله {فكفروا به} أي فلما أتاهم الكتاب كفروا به {فسوف يعلمون} فيه تهديد لهم قوله عز وجل: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} يعني تقدم وعدنا لعبادنا المرسلين بنصرهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} بمعنى: قل لهم يا محمد، إنَّكم وأصنَامَكم مَا أَنْتُم بمضلِّينَ أَحَداً بسبَبِها وَعَلْيهَا إلاَّ مَنْ قَدْ سَبَقَ عليه القضاءُ؛ فإنَّه يَصْلَى الجَحِيمَ في الآخرةِ ولَيْسَ لَكُمْ إضْلالُ مَنْ هَدَى اللَّهُ تعالى، وقالت فرقة: {عَلَيْهِ} بمعنى: «به» والفَاتِنُ: المُضِلُّ في هذا الموضعِ؛ وكذلك فسَّره ابن عَباس وغيره، وحذفت اليَاءُ مِنْ {صَالِ} للإضَافةِ. ثم حكى ـــ سبحانه ـــ قولَ الملائِكَةِ {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}؛ وهذا يؤيِّدُ أَن الجِنَّةَ أرادَ بِها الملائِكةَ، وتقديرُ الكلامَ وما منا مَلَكٌ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ - رضي اللَّه عنها - عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم ـــ: «حديث : أَنَّ السَّمَاءَ مَا فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ وَاقِفٌ يُصَلِّي»تفسير : ، وَعَنِ ابنِ مَسْعُودٍ وغَيرِه نَحْوُه. و{الصَّافُّونَ} معناه: الواقِفُونَ صفوفاً، و{ٱلْمُسَبِّحُونَ}، يحتملُ أن يرِيدَ بِه الصَّلاَة، ويحتملُ أنْ يريدَ قَولَ: سبحَان اللَّهِ، قال الزَّهْرَاوِيُّ: قيل: إن المسْلِمِينَ إنما اصْطَفُّوا في الصلاةِ؛ مُذْ نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ، ولا يصطفُّ أحَدٌ من أهلِ المِلَلِ غَيْرُ المسلِمينَ، ثمَّ ذكرَ تعالىٰ مَقَالَةَ بَعْضِ الكفارِ، قال قتادةُ وغيرُه: فإنهم قَبل نبُوَّةِ نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا: لو كَانَ لَنَا كتابٌ أو جاءَنا رسولٌ، لَكُنا عِبَادَ اللَّهِ المخْلَصِينَ، فلما جَاءهم محمَّدٌ كَفرُوا به، فَسَوْفَ يَعْلَمُون، وهذا وَعِيدٌ مَحْضٌ، ثم آنَسَ تعالى نبيَّه وأولياءَه بأنَّ القَضَاء قد سَبَق، والكلمةُ قَدْ حَقَّتْ بأنَّ رُسُلَهُ سبحانه هم المنصُورُونَ، على من نَاوَأَهُمْ، وجُنْدُ اللَّهِ همُ الغزاةُ.

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} في المعطوف وجهان: أحدهما: أنه معطوف على اسم "إنَّ" "وما" نافية و"أَنْتُمْ" اسمها أو مبتدأ. و"أنتم" فيهِ تغليب المخاطب على الغائب إذ الأصلُ فإنَّكُمْ ومَعْبُودكُمْ ما أنتم وَهُو؛ فغلب الخطاب (و) "عَلَيْهِ" متعلق بقوله "بفَاتِنِينَ" والضمير عائد على "مَا تَعْبُدُونَ" بتقدير حذف مضاف وضمن "فاتنين" معنى حاملين على عبادته إلا الذي سبق في علمه أنَّه من أهل صَلْي الجَحِيم و "من" مفعول بفَاتِنينَ. والاستثناء مفرغ. الثاني: أنه مفعول معه وعلى هذا فيحسن السكوت على تعبدون كما يحسن في قولك: إنَّ كُلَّ رَجُل وَضَيْعَتَهُ. (وحكى الكسائي: إنَّ كُلَّ ثَوْبٍ وثمَنَهُ، والمعنى إنكم مع معبودكم مقرنون) كما تقدر ذلك في كل رجل وضيعته مقترنان. وقوله: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} مستأنف أي ما أنتم على ماتعبدون بفاتنين أو بحاملين على الفِتنة، "إلاَّ مَنْ هُوَ ضَالّ" مثلكم، قاله الزمخشري، إلا أن أبا البقاء ضعف الثاني وتابعه أبو حيان في تضعيفه لعدم تبارده (إلى) الفهم، قال شهاب الدين: الظاهر أنه معطوف واستئناف "ما أنتم عليه فاتنين" غير واضح والحق أحق أن يتبع. وجوز الزمخشري أن يعود الضمير في "عليه" على الله. قال: فإن قلت: كيف يفتنونهم على الله؟. قلت: يفسدونهم عليه بإغوائهِمْ من قولك: فَتَنَ فلانٌ على امرأته كما تقول: أَفْسَدَها عليه وخيبها عليه، و"مَنْ هُوَ" يجوز أن تكون موصولةً أو مصوفةً. وقرأ العامة صَالِ الجَحِيم بكسر اللام لأنه منقوص مضاف حذفت لامه لالتقاء الساكنين وحمل على لفظ "مَنْ" فأُفْرِدَ "هو". وقرأ الحسن وابنُ أبي عبلة بضم اللام مع واو بعدها فيما نقله الهُذَلِيّ عنهما، و (ابن عطية) عن الحسن (وقرأ بضمها مع عدم واو (بعدها) فيما نَقَلَ ابنُ خالويه عَنْهُمَا) وعن الحسن فقط فيما نقله الزمخشري، وأبو الفضل. فأما مع الواو فإنه جمع سلامة بالواو والنون ويكون قد حُمِلَ على لفظ "من" أولاً فأفرد في قوله: "هُوَ" وعلى معناها ثانياً فجمع في قوله: "صَالُو" وحذفت النون للإضافة ومما حمل فيه على اللفظ والمعنى في جملة واحدة وهي صلة الموصول قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : [البقرة:111] فأفرد في "كَانَ" وجمع في "هُوداً". ومثله قوله: شعر : 4227- وَأَيْقَظَ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ نِيَاماً تفسير : وأما مع عدم الواو فيحتمل أن يكون جمعاً (أيضاً) وإنما حذفت الواو خطًّا كما حذفت لفظاً، وكثيراً ما يفعلون هذا يُسْقِطُونَ في الخطِّ ما يَسْقُطُ في اللفظ، ومنه {أية : يَقُصُّ ٱلْحَقَّ} تفسير : [الأنعام:57]، في قراءة من قرأ بالضاد المعجمة ورسم بغير ياء، وكذلك: {أية : وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ} تفسير : [المائدة:3]. ويحتمل أن يكون مفرداً وحقه على هذا كسر اللام فقط لأنه عين منقوص وعين المنقوص مكسورة أبداً وحذفت اللام - وهي الياء - لالتقاء الساكنين نحو: هَذَا قَاضِ الْبَلَدِ، وقد ذكروا فيه توجيهين: أحدهما: أنه مقلوب إذ الأصل صَالِي ثم صائل قدّموا اللام إلى موضع العين، فوقع الإعراب على العَيْنِ ثم حذفت لام الكملة بعد القلب فصار اللفظ كما ترى ووزنه على هذا فَاعٍ، فيقال على هذا: جَاءَ صَالٌ ورَأَيْتُ صالاً، ومَرَرْتُ بِصَالٍ فيصير في اللفظ كقولك: هَذَا بابٌ ورأيتُ باباً، ومررت ببابٍ، ونظيره في مجرد القلب، شاكٍ ولاثٍ في شَائِكٍ ولائثٍ، ولكن شائك ولائث قبل القلب صحيحان فصارا به معتلين مقنوصين بخلاف صَالِي فإنه قبل القلب كان معتلاً منقوصاً فصار به صحيحاً. والثاني: أن اللام حذفت استثقالاً من غير قلب، وهذا عندي أسهل مما قبله وقد رأيناهم يَتَنَاسَوْنَ اللام المحذوفة ويجعلون الإعراب على العين، وقد قرىء: {وَلَهُ الجَوَارُ} [الرحمن: 24] برفع الراء. {وَجَنى الْجَنَّتَيْنِ دَانٌ} برفع النون تشبيهاً بجَناحٍ وجَانٍّ، وقالوا: ما بَالَيْتُ بِهِ بَالَةً، والأصل بَالِيَةً، كعافيةٍ. وقد تقدم طَرَفٌ من هذا عند قوله: {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٌ} [الأعراف:41] فيمن قرأه برفع الشين. فصل قال المفسرون: المعنى "فإنكم" تقولون لأهل مكة "وما تعبدون" من الأصنام "ما أنتم عليه" ما تعبدون "بفاتنين" بمُضِلِّينَ أحداً إلا من هو صال الجحيم أي من قدَّر الله أنه سيدخل النار، ومن سبق له في علم الله الشقاوة، واعلم أنه لما ذكر الدلائل على فساد مذاهب الكفار أتبعه بما ينبه على أن هؤلاء الكفار لا يقدِرون على إضلال أحد إلا إذا كان قد سبق حكم الله في حقه بالعذاب والوقوع في النار. وقد احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا تأثير لإيحاء الشيطان ووسوسته وإنما المؤثر قضاءُ الله وقدَرُهُ. قوله: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} فيه وجهان: أحدهما: أن "منا" صفة لموصوف محذوف فهو مبتدأ والخبر الجملة من قوله: {إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تقديره: ما أحدٌ مِنَّا إلاَّ له مقام، وحَذْفُ المبتدأ مع "مِنْ" جَيِّدٌ فصيحٌ. والثاني: أن المبتدأ محذوف أيضاً و{إلاَّ لَهُ مَقَامٌ} صفة حذف موصوفها والخبر على هذا هو الجار المتقدم والتقدير: "وما منَّا أحدٌ إلاَّ لَهُ مَقَامٌ". قال الزمخشري: حذف الموصوف وأقام الصِّفَةَ مُقَامَهُ كقوله: شعر : 4228- أَنَا ابْنُ جَلاَ وَطَلاَّعُ الثَّنَايَا ..................... تفسير : وقوله: شعر : 4229- يَرْمِي بِكَفّي كَانَ مِنْ أرْمى البَشَر تفسير : ورده أبو حيان فقال: ليس هذا من حذف الموصوف وإقامة الصفة مُقَامَهُ، لأن المحذوف مبتدأ و {إلاَّ لَهُ مَقَامٌ} ولأنه لا ينعقد كَلاَمٌ من قوله: "وَمَا مِنَّا أَحَدٌ"، وقوله: {إلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} محط الفائدة وإن تخيل أن "له مقام معلوم" في موضع الصفة فقد نَصُّوا على أنَّ "إلاَّ" لا تكون صفة إذا حذف موصوفها وأنها فارقت "غَيْراً" إذا كانت صفة في ذلك لِتَمَكُّنِ "غَيْرٍ" في الوصف وعدم تمكن "إلاَّ" فيه؛ وجعل ذلك كقوله: "أَنَا ابْنُ جَلاَ" أي أنا ابن رَجُلٍ جَلا، و"بكفّي كان" أي رَجُلٍ كان فقد عده النَّحويُّونَ من أقبح الضرائر، حيث حذف الموصوف والصفة جملة لم يتقدمها مِنْ، بِخلاف قوله: شعر : 4230- "مِنَّا ظَعَنَ وَمِنَّا أَقَامَ" تفسير : يريدون: منَّا فريقٌ ظَعَنَ، ومنا فريق أقام، وقد تقدم نحوٌ من هذا في النِّسَاء عند قوله: {أية : وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} تفسير : [النساء:159]. وهذا الكلام وما بعده ظاهره أنه من كلام الملائكة، وقيل: من كلام الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. فصل قال المفسرون: يقول جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "وَمَا مِنَّا مَعْشَرَ الْمَلاَئِكَةِ إلاَّ له مقام معلوم" أي ما منا ملك إلا له مقام معلوم في السموات يعبد الله فيه. قال ابن عباس: "ما في السموات موضع شبرٍ إلا وعليه ملك يصلي أو يُسَبِّح"، وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: "حديث : أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فيهَا مَوْضِعُ أرْبَعَةِ أَصَابعَ إلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ وَاضِعٌ جَبَهَتَهُ سَاجِدٌ لله" تفسير : . وقال السُّدِّيُّ: إلاَّ له مقام معلوم في القُرْبَة والمشاهدة. قوله: {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ} مفعول "الصافاون والمسبحون" يجوز أن يكون مراداً أي الصافون أقْدَامنَا وأجْنِحَتَنَا، والمسبِّحون اللَّهَ تعالى، وأن لا يُرادَ البتة أي نحن من أهل هذا الفعل. فعلى الأول يفيد الحصر ومعناه أنهم هم الصافون في مواقف العُبُودِية لا غيرهم وذلك يدل على أنَّ طاعات البشر بالنسبة إلى طاعات الملائكة كالعَدَم حتى يَصِحَّ هذا الحصر. قال ابن الخطيب: وكيف يجوز مع هذا الحصر أن يقال: البشر أقربُ درجةً من الملك فضلاً عن أن يقال: هم أفضل منه أم لا؟‍‍!. قال قتادة: قوله: {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ} هم الملائكة صَفُّوا أقْدَامَهُمْ، وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف الناس في الأرض. {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ} أي المصلون المنزهون الله عن السوء بخير جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يعبدون الله بالصلاة والتسبيح وأنهم ليسوا بمعبودين كا زعمت الكفار، ثم أعاد الكلام إلى الإخبار عن المشركين فقال: "وَإِن كَانُوا" أي وقد كانوا: يعني أهل مكة "ليَقولُونَ" لام التأكيد {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} أي كتاباً من كتب الأولين {لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} أي لأخلصنا العبادة لله ولما كذبنا، ثم جاءهم الذكر الذي هو سيِّد الأذكار وهو القرآن، {فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} عاقبة هذا الكفر وهذا تهديد عظيم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏فإنكم‏}‏ يا معشر المشركين ‏{‏وما تعبدون‏} ‏ يعني الآلهة ‏ {‏ما أنتم عليه بفاتنين‏}‏ بمصلين {‏إلا من هو صال الجحيم‏}‏ يقول‏:‏ إلا من سبق في علمي أنه سيصلى الجحيم‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم‏} ‏ يقول‏:‏ لا تضلون أنتم، ولا أضل منكم إلا من قضيت عليه أنه صال الجحيم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{ما أنتم عليه بفاتنين‏}‏ قال‏:‏ بمضلين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه ‏ {‏ما أنتم عليه بفاتنين‏}‏ قال‏:‏ بمضلين ‏ {‏إلا من هو صال الجحيم‏} ‏ إلا من قدر له أن يصلى الجحيم‏. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي وعمر بن عبد العزيز والضحاك‏،‏ مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ لا يفتنون إلا من يصلى الجحيم، ولا يفتنون المؤمن، ولا يسلطون عليه‏. وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال‏:‏ لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس، ثم قرأ ‏{‏ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم‏}‏‏ . وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ يا بني إبليس إنكم لن تقدروا أن تفتنوا أحداً من عبادي، إلا من سيصلى الجحيم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال‏:‏ لا يفتنون ‏ {‏إلا من هو صال الجحيم‏}‏ ‏.‏

السلمي

تفسير : قال أبو عثمان: من مال إلى شىء سوى الله أو عظم شيئًا سواه فذلك لترادف الفتنة عليه وبُعد التوفيق منه بقوله تعالى: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ}. قال القاسم: ما أنتم عليه بمضلين إلا من أوجبت عليه الضلالة فى السابقة.

القشيري

تفسير : أي ما أنتم بفاتنين من الناس إلاَّ من أَغْوَيْتُه بحُكْمِي، فبه ضَلُّوا لا بإضلالكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فانكم} ايها المشركون عود الى خطابهم لاظهار كمال الاعتناء بتحقيق مضمون الكلام {وما تعبدون} ومعبوديكم وهم الشياطين الذين اغووهم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فإِنكم} أيها المشركون {وما تعبدون} أي: ومعبوديكم، {ما أنتم} وهم جميعاً {عليه} على الله {بفاتِنين} بمضلّين، {إِلا من هو صَالِ الجحيم} أي: إلا مَن سبق في علمه أنه من أهل النار. والمعنى: إنكم لستم تضلُّون أحداً إلا أصحاب النار، الذين سبق في علمه أنهم يستوجبون بأعمالهم النار، يقال: فتن فلانٌ على فلانٍ امرأته: أفسدها عليه. وقال الحسن: فإنكم أيها القائلون لهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام، ما أنتم على عبادة الأصنام بمضلّين أحداً، إلا مَن أوجبتُ عليه الضلال في السابقة. هـ. وفيها دليل للقدر، بل هي صريحة فيه. و "ما" في "أنتم": نافية، و "مَن": في موضع النصب بفاتنين، على الاستثناء المفرغ، أي: لا تفتنون إلا الذي هو صالي الجحيم. وحذفت الياء في الرسم اكتفاء بالكسرة، وقرأ الحسن: "صالُ الجحيم" بضم اللام ـ ووجهه: أنه جمْع، فحذفت النون للإضافة. والواو لالتقاء الساكنين، و "مَن" مفرد في اللفظ، جمع في المعنى، فحمل "هو" على اللفظ، و "الصالون" على المعنى. الإشارة: ويقال لمَن يُرغّب الناس في الدنيا، ويدلهم على جمعها، والاعتناء بها، بمقاله، أو بحاله، ويزهّد في طريق التجريد والانقطاع إلى الله: ما أنتم بقانتين أحداً عن طريق الله، إلا مَن سبق أنه يصلى نار القطيعة والبُعد، وأما مَن سبقت له سابقة الوصال، فلا يصده عن الله فاتن ولا ضال. ولا شك أن مَن يدلّ الناس على الدنيا فقد غشّهم. قال القطب ابن مشيش رضي الله عنه: مَن دلّك على الدنيا فقد غشك، ومَن دلّك على العمل فقد أتبعك، ومَن دلّك على الله فقد نصحك. هـ. فالدلالة على الدنيا من شأن المغرورين، ورين الفاتنين، والدلالة على العمل من شأن الصالحين، الواقفين مع ظاهر الشريعة وعملها، والدلالة على الله من شأن العارفين أهل التربية، يدلون على الله، بسقي الكؤوس، ونسيان النفوس، ودخول حضرة القدوس، من باب الكرم والجود. وبالله التوفيق. ثم رجع إلى الكلام على الملائكة، فقال: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ...}

الطوسي

تفسير : قرأ الحسن {صائل الجحيم} بالرفع وهي تحتمل شيئين: احدهما. الجمع. والثاني - القلب، كقولهم: شاك، وشائك في السلاح، وهار وهائر. الباقون {صال} بكسر اللام على وزن (فاعل). هذا خطاب من الله تعالى للكفار الذين كانوا يعبدون الاصنام بأن قال لهم {فإنكم وما تعبدون} فموضع (ما) نصب عطفاً على الكاف والميم، وهو في موضع نصب بـ (أن) والتقدير إنكم يا معشر الكفار والذين تعبدونه {ما أنتم عليه بفاتنين} وقال الفراء: تقديره، وإنكم وآلهتكم ما أنتم عليه بفاتنين أي بمفتنين {وما أنتم عليه} أي وما أنتم على ذلك الدين بمصلين عليه وبه وله سواء في المعنى. وأهل نجد يقولون: أفتنت، وأهل الحجاز فتنت أي لستم عليه بفاتنين، والفاتن الداعي إلى الضلالة بتزيينه له، فكل من دعا إلى عبادة غير الله بالاغواء والتزيين فاتن، لانه يخرجه إلى الهلاك، وأصل الفتنة من قولهم: فتنت الذهب بالنار إذا أخرجته إلى حال الخلاص {أية : وفتناك فتوناً} تفسير : أي أخرجناك بالأمر الحق إلى حال الخلاص. وقوله {إلا من هو صال الجحيم} أي لستم تفتنون إلا من يصلى الجحيم، ومعناه إلا من يلزم النار ويحترق بها، ومنه المصطلي، وهو المستدفئ بالنار، ومنه الصلاة للزوم الدعاء فيها، والمصلي الذي يجيء بعد السابق للزومه أثره. والمعنى ان من يقبل من هذا الفاتن وينقاد له، فهو يصلى الجحيم. وقوله {وما منا إلا له مقام معلوم} معناه ما منا ملك إلا له مقام، فحذف ومعناه لا يتجاوز ما أمر به ورتب له، كما لا يتجاوز صاحب المقام مقامه الذي حدّ له، فكيف يجوز ان يعبد من هو بهذه الصفة، وهو عبد مربوب ووصف المقام بأنه معلوم، لأنه معلوم لله على ما تقتضيه الحكمة، وهو محدود لا يتجاوز ما علم منه ولا يخرج منه. وقوله {وإنا لنحن الصافون} قيل: صافون حول العرش ينتظرون الأمر والنهي من الله تعالى، وقيل: الصافون في الصلاة: وقوله {وإنا لنحن المسبحون} معناه المصلون من قولهم: فرغت من سبحتي أي من صلاتي، وسميت الصلاة تسبيحاً لما فيها من تسبيح الله وتعظيم عبادته. و {المسبحون} القائلون سبحان الله على وجه التعظيم له تعظيم العبادة، وقوله {وإن كانوا ليقولون} فـ (إن) هذه المخففة من الثقيلة بدلالة دخول اللام في خبرها، كما قال {أية : وإن ربك ليحكم بينهم} تفسير : ويلزمها هذه اللام ليفرق بين (إن) الثقيلة والخفيفة التي للجحد في مثل قوله {أية : إن الكافرون إلا في غرور} تفسير : والمعنى إن هؤلاء الكفار كانوا يقولون {لو أن عندنا ذكراً} أي كتاباً فيه ذكر من كتب الأولين الذي أنزله على انبيائه. وقيل: يعني علماً يسمى العلم ذكراً، لان الذكر من اسبابه، فسمى بأسمه {من الأولين} الذين تقدمونا وما فعل الله بهم {لكنا} نحن ايضاً من {عباد الله المخلصين} الذين أخلصوا العبادة له، فجعلوا العذر في امتناعهم من الايمان أنهم لا يعرفون اخبار من تقدمهم، وهل حصلوا في جنة او نار، فقال الله تعالى {فكفروا به} يعني بالذكر، لأنهم طلبوا كتاباً كما للاولين التوراة دالا على توحيد الله، فلما جاءهم القرآن كفروا به، وبمن جاء بالقرآن - في قول ابن عباس والسدي - فهددهم الله على هذا، الكفر فقال {فسوف يعلمون} في ما بعد إذا عاقبناهم بعقاب النيران.

الجنابذي

تفسير : من الملائكة والجنّة والشّياطين وغير ذلك من المعبودات.

اطفيش

تفسير : ما موصول معطوف على إسم إن.

الالوسي

تفسير : عود إلى خطابهم. والفاء في جواب شرط مقدر أي إذا علمتم هذا أو إذا كان المخلصون ناجين {فَإِنَّكُمْ } الخ. والواو للعطف {وَمَا تَعْبُدُونَ } معطوف على الضمير في {إِنَّكُمْ } وضمير {عَلَيْهِ } لله عز وجل والجار متعلق بفاتنين وعدي بعلى لتضمنه معنى الاستيلاء وهو استعارة من قولهم فتن غلامه أو امرأته عليه إذا أفسده والباء زائدة وهو خبر (ما)، والجملة خبر (إن) والاستثناء مفرغ من مفعول (فاتنين) المقدر و {أَنتُمْ } خطاب للكفرة ومعبوديهم على سبيل التغليب نحو أنت وزيد تخرجان أي ما أنتم ومعبودوكم مفسدين أحداً على الله عز وجل بإغوائكم إلا من سبق في علم الله تعالى أنه من أهل النار يصلاها ويدخلها لا محالة. وجوز كون الواو هنا مثلها في قولهم كل رجل وضيعته فجملة {مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } الخ مستقلة ليست خبراً لإن وضمير {عَلَيْهِ } لما بتقدير مضاف وهو متعلق بفاتنين أيضاً بتضمينه معنى البعث أو الحمل ولا تغليب في الخطاب كأنه قيل: إنكم وآلهتكم قرناء لا تبرحون تعبدونها ثم قيل ما أنتم على عبادة ما تعبدون بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال أحداً إلا من سبق في علمه تعالى أنه من أهل النار. وظاهر صنيع بعضهم أن أمر/ التغليب في {أَنتُمْ } على هذا على حاله، وأنت تعلم أن الظاهر الاتصال، وجوز أن يراد معنى المعية وخبر (إن) جملة {مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } الخ ويكون الكلام على أسلوب قول الوليد بن عقبة بن أبـي معيط عامله الله تعالى بما هو أهلة يحض معاوية على حرب الأمير علي كرم الله تعالى وجهه: شعر : فإنك والكتاب إلى علي كدابغة وقد حلم الأديم تفسير : قال في «الكشف»: ومعنى الآية أي عليه إنكم يا كفرة مع معبوديكم لا يتسهل لكم إلا أن تفتنوا من هو ضال مثلكم، وهو بيان لخلاصة المعنى. واستظهر أبو حيان العطف وكون الضمير للعبادة وتضمين فاتنين معنى الحمل وتغليب المخاطب على الغائب في {أَنتُمْ } وكون الجملة المنفية خبر (إن). وحكي عن بعضهم القول بأن على بمعنى الباء والضمير المجرور به لما تعبدون فتأمل. وقرأ الحسن وابن أبـي عبلة {صالوا الحجيم} بالواو على ما في كتاب "الكامل" للهذلي، وفي "كتاب ابن خالويه" عنهما {صال} بالضم ولا واو. وفي «اللوامح» و «الكشاف» عن الحسن {صالُ الجحيم} بضم اللام فعلى إثبات الواو هو جمع سلامة سقطت النون للإضافة، وفي الكلام مراعاة لفظ من أولاً ومعناها ثانياً كما هو قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ }تفسير : [البقرة: 8] وعلى عدم إثباتها فيه ثلاثة أوجه، الأول: أن يكون جمعاً حذفت النون منه للإضافة ثم واو الجمع لالتقاء الساكنين وأتبع الخط اللفظ. الثاني: أن يكون مفرداً حذفت لامه وهي الياء تخفيفاً وجعلت كالمنسي وجرى الإعراب على عينه كما جرى على عين (يد ودم) وعلى ذلك قوله تعالى: {أية : وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ }تفسير : [الرحمن: 54] وقوله سبحانه: {أية : وَلَهُ ٱلْجَوَارِ المنشآت }تفسير : [الرحمن: 24] بضم نون {دَانٍ } وراء {ٱلْجَوَارِ } وقولهم ما باليت به بالة فإن أصل بالة بالية بوزن عافية حذفت لامه فأجري الإعراب على عينه ولما لحقته الهاء انتقل إليها، الثالث: أن يكون مفرداً أيضاً ويكون أصله صائل على القلب المكاني بتقديم اللام على العين ثم حذفت اللام المقدمة وهي الياء فبقي صال بوزن فاع وصار معرباً كباب ونظيره شاك الجاري إعرابه على الكاف في لغة. وقوله تعالى: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}.

ابن عاشور

تفسير : عُقب قولهم في الملائكة والجن بهذا لأن قولهم ذلك دعاهم إلى عبادة الجن وعبادة الأصنام التي سوّلها لهم الشيطان وحرّضهم عليها الكهانُ خدَمَةُ الجنّ فعقب ذلك بتأييس المشركين من إدخال الفتنة على المؤمنين في إيمانهم بما يحاولون منهم من الرجوع إلى الشرك، أو هي فاء فصيحة، والتقدير: إذا علمتم أن عباد الله المخلصين منزّهون عن مثل قولكم، فإنكم لا تفتنون إلا من هو صالي الجحيم. فيجوز أن يكون هذا الكلام داخلاً في حيز الاستفتاء من قوله: {أية : فاستفتهم ألربك البنات}تفسير : [الصافات: 149] الآية. ويجوز أن يكون تفريعاً على قوله: {أية : وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً}تفسير : [الصافات: 158] الآية. والواو في قوله: {وما تعبُدُونَ} واو العطف أو واو المعية وما بعدها مفعول معه والخبر هو {ما أنتم عليه بفاتِنينَ}. وضمير {أنتُمْ} خطاب للمشركين مثل ضمير «إنكم». والمعنى: أنكم مصطحبين بالجن الذين تعبدونهم لا تَفتنون أحداً. ووجه ذكر المفعول معه أنهم كانوا يموهون للناس أن الجن تنفع وتضر وأن الأصنام كذلك وكانوا يخوّفون الناس من بأسها وانتقامها كما قالت امرأة الطفيل بن عَمرو الدوسي لما أسلم ودعاها إلى الإسلام «ألا تخشى على الصِبية من ذي الشّرى؟ قال: لا» فأسلمتْ وكانوا يزعمون أن من يسبّ الأصنام يصيبه البرص أو الجذام. قال ابن إسحاق: لما قدم ضمام بن ثعلبة وافدُ بني سعد بنِ بكر على قومه من عند النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله: باسَت اللاتُ والعُزى. فقالوا: يا ضمام اتق الجذام اتق الجنون. ولا يستقيم أن تكون الواو عاطفة لأن الأصنام لا يسند إليها الإِفتان. وجوّز في «الكشاف» أن يكون قوله: {وما تعبدونَ} مفعولاً معه سادّاً مسدّ خبر (إن)، والمعنى: فإنكم مع ما تعبدون، أي فإنكم قرناء لآلهتكم لا تبرحون تَعبدونها، وهذا كما يقولون «كل رجل وضيعتَه» أي مع ضيعته، أي مقارن لها. و {ما تعبدون} صادق على الجن لقوله تعالى: {أية : وجعلوا لله شركاء الجن}تفسير : [الأنعام: 100] لأن الجن تَصدر منهم فتنة الناس بالإِشراك دون الأصنام إذ لا يتصور ذلك منها قال تعالى: {أية : ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون اللَّه فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء}تفسير : [الفرقان: 17] الآية. وضمير {عَلَيْهِ} يجوز أن يكون عائداً إلى اسم الجلالة في قوله: {أية : ليقولون ولَدَ الله}تفسير : [الصافات: 151 - 152] أو في قوله: {أية : إلاَّ عباد الله}تفسير : [الصافات: 160]، ويجوز أن يعود إلى {ما تعبدون} بمراعاة إفراد اسم الموصول وهو {ما}. وحذف مفعول {فاتنين} لقصد العموم. والتقدير: بفاتنين أحداً، ومعياره صحة الاستثناء في قوله: {إلاَّ من هُو صَالِ الجحيم} فالاستثناء مفرغ والمستثنى مفعول {بفاتِنِينَ}. وحرف (على) يتعلق بـــ «فاتنين» إمّا لتضمين «فاتنين» معنى مفسدين إن كان الضمير المجرور بها عائداً إلى اسم الجلالة كما يقال: فسد العبدُ على سيّده وخَلّق فلان المرأةَ على زوجها، وتكون (على) للاستعلاء المجازي لأن تضمين مفسدين فيه معنى الغلبة. وإما لتضمينه معنى حاملين ومسؤولين ويكون (على) بمعنى لام التعليل كقوله: {أية : ولتكبروا اللَّه على ما هداكم}تفسير : [البقرة: 185] ويكون تقدير مضاف بين (على) ومجرورها تقديره: على عبادة ما تعبدون، والمعنى: أنكم والشياطين لا يتبعكم أحد في دينكم إلا من عرض نفسه ليكون صاليَ الجحيم، وهذا في معنى قوله تعالى: {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتّبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين}تفسير : [الحجر: 42 - 43]. (ورسم في المصحف {صَالِ الجحيمِ} بدون ياء بعد اللام اعتباراً بحالة الوصل فإن الياء لا ينطق بها فرسمه كاتبُ المصحف بمثل حالة النطق، ولذلك ينبغي أن لا يوقف على {صَالِ}.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وما تعبدون: أي من الأصنام. إلا من هو صال الجحيم: أي مقدر له عذاب النار. إلا له مقام معلوم: أي مكان في السماء يعبد الله تعالى فيه لا يتعداه. وإنا لنحن الصافون: أي أقدامنا في الصلاة. وإنا لنحن المسبحون: أي المنزهون الله تعالى عما لا يليق به. وإن كانوا ليقولون: أي كفار مكة. لو أن عندنا ذكرا: أي كتابا من كتب الأمم السابقة. فكفروا به: أي بالكتاب الذي جاءهم وهو القرآن. فسوف يعلمون: أي عاقبة كفرهم إن لم يتوبوا فيؤمنوا ويوحدوا. معنى الآيات: ما زال السياق في إبطال باطل المشركين فقد قال لهم تعالى {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} من اصنام ايها المشركون. ما أنتم بمضلين أحدا إلا أحدا هو صال الجحيم حيث كتبنا عليه ذلك في كتاب المقادير فهو لا بد عامل بما يوجب له النار فهذا قد يفتتن بكم وبعبادتكم فيضل بضلالكم. وقوله تعالى {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ} هذا قول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم أخبره بأن الملائكة تصف في السماء للصلاة كما يصف المؤمنون من الناس في الصلاة، وإنهم من المسبحين لله الليل والنهار وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ما من موضع شبر في السماء إلا عليه ملك ساجداً أو قائم وقوله تعالى {وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ} أي مشركو العرب {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ} أي كتابا من كتب الأولين كالتوراة والإِنجيل، لكنا عباد الله المخلصين أي لكنا عباداً لله تعالى نعبده ونوحده ولا نشرك به أحداً. فرد تعالى على قولهم هذا إذ هو مجرد تمنٍ كاذب بقوله فكفروا به أي فكفروا بالكتاب الذي جاءهم وهو القرآن الكريم. إذاً فسوف يعلمون عاقبة تكذيبهم إن لم يتوبوا وهو هلاكهم وخسرانهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة القضاء والقدر إذ من كتب الله عليه النار فسوف يصلاها. 2- تقرير عبودية الملائكة وطاعتهم لله وأنهم لا يتجاوزون ما حد الله تعالى لهم. 3- فضل الصفوف في الصلاة وفضل تسويتها. 4- بيان كذب المشركين إذ كانوا يدعون أنهم لو أَنزل عليهم كتابٌ كما أنزل على من قبلهم لكانوا عباد الله المخلصين أي الذين يعبدونه ويخلصون له العبادة. 5- تهديد الله تعالى للمشركين على كذبهم بقوله فسوف يعلمون.

القطان

تفسير : بفاتنين: بمضلّين، بمفسدين. الفتنة: الضلال، والعذاب، والفساد. صالِ الجحيم: داخل في النار. وما منّا: من كلام الملائكة. الصافّون: المصطفون للعبادة، وفي أداء الطاعة. ذِكرا من الأولين: كتابا من كتب الاقدمين. المخلَصين بفتح اللام: الذين اخلصهم الله لنفسه. فانكم ايها المشركون، وما تعبدون من الأصنام لا يمكنكم ان تُضِلّوا أحداً بإغوائكم، الا الضالين مثلكم الذي يدخلون النار ويصْلونها من أصحاب الجحيم. ثم حكى الله اعتراف الملائكة بالعبودية لربهم بقوله: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} وقالت الملائكة: ما أحدٌ منا الا له مقام يقف عنده، وإنا لنحن المصطفّون في أداء طاعته وتنفيذ اوامره، وإنا لنحن المسبِّحون المنزهون لربنا عن النقائص. وكان المشركون يقولون: لو أن عندَنا كتاباً من كُتب الأولين، لكنّا من عباد الله المخلصين. ثم بيّن الله تعالى أنهم كانوا كاذبين في قولهم فقال: {فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وجاءهم الكتاب، وهو القرآن الكريم، فكفروا به فسوف يعلمون عاقبة كفرهم، وعنادهم وما سيحل بهم من العذاب يوم القيامة.

د. أسعد حومد

تفسير : (161) - فَإِنَّكُم أَيُّهَا الضَّالُّونَ المُشْرِكُونَ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنَ الأَصْنَامِ والأَوْثَانِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: إنكم أيها المشركون ومن عبدتموه مع اللّه، لا تقدرون أن تفتنوا وتضلوا أحدا إلا من قضى اللّه أنه من أهل الجحيم، فينفذ فيه القضاء الإلهي، والمقصود من هذا، بيان عجزهم وعجز آلهتهم عن إضلال أحد، وبيان كمال قدرة اللّه تعالى، أي: فلا تطمعوا بإضلال عباد اللّه المخلصين وحزبه المفلحين.

همام الصنعاني

تفسير : 2561- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ}: [الآية: 163]، قال: إلا من تولاّكم بعمل النار. 2562- حدثنا عبد الرزاق، عن عمر بن زر، أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقرأ هذه الآية: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ}: [الآية: 162-163]، ثم قا ل: لو شاء الله أن لايُعْصَى لم يخلق إبليس، وقد بين الله ذلك في آية من كتابه، عَقِلَها من عَقِلها، وجَهِلَها من جهلها، ثم قال: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ}: [الآية: 161]. 2563- حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ}: [الآية: 162-163]، قال: لا تفتنون إلا من هو صال الجحيم.