Verse. 3952 (AR)

٣٧ - ٱلصَّافَّات

37 - As-Saffat (AR)

وَمَا مِنَّاۗ اِلَّا لَہٗ مَقَامٌ مَّعْلُوْمٌ۝۱۶۴ۙ
Wama minna illa lahu maqamun maAAloomun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم «وما منا» معشر الملائكة أحد «إلا له مقام معلوم» في السماوات يعبد الله فيه لا يتجاوزه.

164

Tafseer

القرطبي

تفسير : هذا من قول الملائكة تعظيماً للّه عز وجل، وإنكاراً منهم عبادة من عبدهم. {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ } قال مقاتل: حديث : هذه الثلاث الآيات نزلت ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم عند سِدرة المنتهى، فتأخر جبريل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أهنا تفارقني» فقال: ما أستطيع أن أتقدم عن مكانيتفسير : . وأنزل اللّه تعالى حكاية عن قول الملائكة: «وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ» الآيات. والتقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام معلوم. فحذف الموصول. وتقديره عند البصريين: وما منا ملَكَ إلا له مقام معلوم؛ أي مكان معلوم في العبادة؛ قاله ٱبن مسعود وابن جُبير. وقال ٱبن عباس: ما في السموات موضع شبرٍ إلا وعليه ملَكَ يصلّي ويُسّبح. وقالت عائشة رضي اللّه عنها: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملَك ساجد أو قائم»تفسير : . وعن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطَّت السماءُ وحُقَّ لها أن تَئِط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملَك واضع جبهته ساجداً للّه واللّه لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذّذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى اللّه لوددت أني كنت شجرة تُعَضْد»تفسير : خرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه حديث (حسن) غريب. ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ذرّ قال: لوددت أني كنت شجرة تُعْضَد. ويروى عن أبي ذرّ موقوفاً. وقال قتادة: كان يصلّي الرجال والنساء جميعاً حتى نزلت هذه الآية: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }. قال: فتقدّم الرجال وتأخر النساء. {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ } قال الكلبي: صفوفهم كصفوف أهل الدنيا في الأرض. وفي صحيح مسلم حديث : عن جابر بن سَمُرة قال: خرج علينا رسول صلى الله عليه وسلم ونحن في المسجد؛ فقال: «ألا تَصُفّون كما تَصُفّ الملائكة عند ربها» فقلنا يا رسول اللّه كيف تصفّ الملائكة عند ربها؟ قال: «يُتمون الصفوف الأوَلَ ويتراصُّون في الصفّ» تفسير : وكان عمر يقول إذا قام للصلاة: أقيموا صفوفكم واستووا إنما يريد اللّه بكم هَدْي الملائكة عند ربها ويقرأ: «وَإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُون» تأخر يا فلان تقدّم يا فلان؛ ثم يتقدّم فيكبر. وقد مضى في سورة «الحجر» بيانه. وقال أبو مالك: كان الناس يصلّون متبدّدين فأنزل اللّه تعالى: {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ } فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصطفوا. وقال الشعبي: جاء جبريل أو ملَك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه؛ إن الملائكة لتصلي وتسبح ما في السماء ملَك فارغ. وقيل: أي لنحن الصافون أجنحتنا في الهواء وقوفاً ننتظر ما نؤمر به. وقيل: أي نحن الصافون حول العرش. {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ } أي المصلون؛ قاله قتادة. وقيل: أي المنزهون اللّه عما أضافه إليه المشركون. والمراد أنهم يخبرون أنهم يعبدون اللّه بالتسبيح والصلاة وليسوا معبودين ولا بنات اللّه. وقيل: «وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ» من قول الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين للمشركين؛ أي لكل واحد منا ومنكم في الآخرة مقام معلوم وهو مقام الحساب. وقيل: أي منَّا من له مقام الخوف، ومنا من له مقام الرجاء، ومنا من له مقام الإخلاص، ومنَّا من له مقام الشكر. إلى غيرها من المقامات. قلت: والأظهر أن ذلك راجع إلى قول الملائكة «وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ» واللّه أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية للرد على عبدتهم والمعنى: وما منا أحد إلا له مقام معلوم في المعرفة والعبادة والانتهاء إلى أمر الله في تدبير العالم، ويحتمل أن يكون هذا وما قبله من قوله {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ } من كلامهم ليتصل بقوله: {أية : وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ } تفسير : [الصافات: 158] كأنه قال ولقد علمت الملائكة أن المشركين معذبون بذلك وقالوا {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ } تنزيهاً له عنه، ثم استثنوا {ٱلْمُخْلَصِينَ } تبرئة لهم منه، ثم خاطبوا المشركين بأن الافتتان بذلك للشقاوة المقدرة، ثم اعترفوا بالعبودية وتفاوت مراتبهم فيه لا يتجاوزونها فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه. {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ } في أداء الطاعة ومنازل الخدمة. {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبّحُونَ } المنزهون الله عما لا يليق به، ولعل الأول إشارة إلى درجاتهم في الطاعة وهذا في المعارف، وما في إن واللام وتوسيط الفصل من التأكيد والاختصاص لأنهم المواظبون على ذلك دائماً من غير فترة دون غيرهم. وقيل هو من كلام النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين والمعنى: وما منا إلا له مقام معلوم في الجنة أو بين يدي الله يوم القيامة، {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ } له في الصلاة والمنزهون له عن السوء. {وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ } أي مشركوا قريش. {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ ٱلأَوَّلِينَ } كتاباً من الكتب التي نزلت عليهم. {لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } لأخلصنا العبادة له ولم نخالف مثلهم. {فَكَفَرُواْ بِهِ } أي لما جاءهم الذكر الذي هو أشرف الأذكار والمهيمن عليها. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } عاقبة كفرهم. {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ } أي وعدنا لهم النصر والغلبة وهو قوله: {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ }. {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } وهو باعتبار الغالب والمقضي بالذات، وإنما سماه كلمة وهي كلمات لانتظامهم في معنى واحد. {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } فأعرض عنهم. {حَتَّىٰ حِينٍ } هو الموعد لنصرك عليهم وهو يوم بدر، وقيل يوم الفتح. {وَأَبْصِرْهُمْ } على ما ينالهم حينئذ والمراد بالأمر الدلالة على أن ذلك كائن قريب كأنه قدامه. {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } ما قضينا لك من التأييد والنصرة والثواب في الآخرة، و «سوف» للوعيد لا للتبعيد. {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } روي أنه لما نزل {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } قالوا متى هذا فنزلت. {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ } فإذا نزل العذاب بفنائهم، شبهه بجيش هجمهم فأناخ بفنائهم بغتة، وقيل الرسول وقرىء «نَزَّلَ» على إسناده إلى الجار والمجرور و«نَزَّلَ» أي العذاب. {فَسَاء صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ } فبئس صباح المنذرين صباحهم، واللام للجنس والـ {صَبَاحُ } مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب، ولما كثر فيهم الهجوم والغارة في الصباح سموا الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر. {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } تأكيد إلى تأكيد وإطلاق بعد تقييد للاشعار بأنه يبصر وأنهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من أصناف المسرة وأنواع المساءة، أو الأول لعذاب الدنيا والثاني لعذاب الآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم {وَمَا مِنَّآ } معشر الملائكة أحدٌ {إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } في السموات يعبد الله فيه لا يتجاوزه.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَا مِنَّآ} ملك إلاَّ له في السماء {مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}، أو كان يصلي الرجال والنساء جميعاً حتى نزلت فتقدم الرجال وتأخر النساء.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏وما منا إلا له مقام معلوم‏} ‏ قال‏:‏ الملائكة ‏ {‏وإنا لنحن الصافون‏}‏ قال الملائكة ‏ {‏وإنا لنحن المسبحون‏} ‏ قال‏:‏ الملائكة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه‏،‏ مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ ذاك قول جبريل عليه السلام‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ‏{‏وما منا إلا له مقام معلوم‏}‏ قال‏:‏ الملائكة‏.‏ ما في السماء موضع إلا عليه ملك إما ساجد أو قائم حتى تقوم الساعة‏. وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم، وذلك قول الملائكة عليهم السلام ‏{‏وما منا إلا له مقام معلوم، وإنا لنحن الصافون‏}‏ ". تفسير : وأخرج محمد بن نصر وابن عساكر عن العلاء بن سعد رضي الله عنه‏؛‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لجلسائه‏:‏ حديث : اطت السماء، وحق لها أن تئط، ليس منها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد‏. ثم قرأ ‏ {‏وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون‏}‏ ‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الايمان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ إن من السموات لسماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه، قائماً أو ساجداً‏.‏ ثم قرأ ‏ {‏وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون‏} ‏ قال‏:‏ اطت السماء، وما تلام أن تئط، إن في السماء لسماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه‏. وأخرج الترمذي وحسنه وابن ماجة وابن مردويه عن أبي ذر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون‏.‏ إن السماء اطت، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال‏:‏ كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:‏‏ ‏"حديث : ‏هل تسمعون ما أسمع‏؟ قلنا يا رسول الله ما تسمع‏؟‏‏!‏ قال‏: اسمع اطيط السماء، وما تلام أن تئط‏.‏ ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ كانوا يصلون الرجال والنساء جميعاً حتى نزلت ‏ {‏وما منا إلا له مقام معلوم‏}‏ فتقدم الرجال، وتأخر النساء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ كان الناس يصلون متبددين، فأنزل الله ‏ {‏وإنا لنحن الصافون‏}‏ فأمرهم أن يصفوا‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال‏:‏ حدثت أنهم كانوا لا يصفون حتى نزلت ‏ {‏وإنا لنحن الصافون‏}‏ ‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن الوليد بن عبدالله بن أبي مغيث رضي الله عنه قال‏:‏ كانوا لا يصفون في الصلاة حتى نزلت ‏{‏وإنا لنحن الصافون‏}‏‏ . وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏كانت أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر‏.‏ فأتاه جبريل عليه السلام فقال ‏ {‏وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون‏} ‏ فقام جبريل عليه السلام بين يديه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، ثم صف النساء من خلفه، والنساء خلف الرجال، فصلى بهم الظهر أربعاً حتى إذا كان عند العصر، قام جبريل عليه السلام ففعل مثلها، ثم جاءه حين غربت الشمس، فصلى بهم ثلاثاً، يقرأ في الركعتين الأولتين يجهر فيهما، ولم يسمع في الثالثة‏.‏ حتى إذا كان عند العشاء، وغاب الشفق، جاء جبريل عليه السلام فصلى بالناس أربع ركعات يجهر بالقراءة في ركعتين‏.‏ حتى إذا أصبح ليلته‏؛‏ أتاه فصلى ركعتين يجهر فيهما ويطوّل القراءة‏"‏‏. وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه‏؛‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال‏:‏ ‏"‏حديث : استووا‏.‏ تقدم يا فلان، تأخر يا فلان، أقيموا صفوفكم يريد الله بكم هدي الملائكة‏.‏ ثم يتلو ‏{‏وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون‏}‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏"حديث : ‏ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم‏.‏ قال‏:‏ يقيمون الصفوف المقدمة، ويتراصون في الصف ". تفسير : وأخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : فضلنا على الناس بثلاث:‏ جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجداً، وجعلت لنا تربتها طهوراً إذا لم نجد الماء‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏اعتدلوا في صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من ورائي‏. قال أنس رضي الله عنه‏:‏ لقد رأيت أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال‏:‏ لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقوّم الصفوف كما تقوّم القداح، فأبصر يوماً صدر رجل خارجاً من الصف فقال‏:‏ ‏"‏حديث : لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم‏ ". تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أقيموا صفوفكم، لا يتخللكم الشيطان كأولاد الحذف‏. قيل يا رسول الله وما أولاد الحذف‏؟‏ قال‏: ضأن سود يكون بأرض اليمن ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول‏:‏ ‏"حديث : ‏استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏حديث : ‏أقيموا صفوفكم فإن من حسن الصلاة إقامة الصف‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه،‏ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا قمتم إلى الصلاة فاعدلوا صفوفكم، وسدوا الفرج، فإني أراكم من وراء ظهري‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : من سد فرجة في صف رفعه الله بها درجة، وبنى له بيتاً في الجنة‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏سوّوا صفوفكم، واحسنوا ركوعكم وسجودكم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ استووا تستوي قلوبكم، وتَراصُّوا تُرْحَمُوا‏. وأخرج محمد بن نصر عن أبي صالح رضي الله عنه قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏{أية : ‏إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل‏}‏ تفسير : ‏[‏المزمل: 20‏]‏ إلى قوله ‏{أية : علم أن لن تحصوه‏}تفسير : ‏ [المزمل: 20] قال جبريل عليه السلام‏:‏ أشق ذلك عليكم‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال ‏ {‏وما منا إلا له مقام معلوم، وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏وإنا لنحن الصافون‏} ‏ قال‏:‏ صفوف في السماء ‏ {‏وإنا لنحن المسبحون‏} ‏ أي المصلون هذا قول الملائكة يبينون مكانهم من العباد‏.

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء: لك مقام الشهادة ولهم مقام الخدمة. قال جعفر: الخلق مع الله مقامات شتى، مَن تجاوز حده هلك فللأنبياء مقام المشاهدة وللرسل مقام العيان وللملائكة مقام الهيبة وللمؤمنين مقام الدنو والخدمة وللعصاة مقام التوبة وللكفار مقام الطرد واللعنة هذا معنى قوله: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}. قال أبو عثمان: معلوم فى علم الله إلى ماذا يصير أهل كل مقام.

القشيري

تفسير : الملائكة لهم مقام معلوم لا يَتَخطَّوْنَ مقامَهم، ولا يتعدَّوْن حدَّهم، والأولياءُ لهم مقام مستورٌ بينهم وبين الله لا يُطْلِعُ عليه أحداً، والأنبياءُ لهم مقام مشهورٌ مؤَيَّدٌ بالمعجزات الظاهرة؛ لأنهم للخَلْقِ قدوة فأَمْرُهُم على الشّهْرِ، وأَمْرُ الأولياءِ على السَّتْرِ.

البقلي

تفسير : اهل البدايات فى مقام الطاعات والاوساط فى المقامات مثلا لتوكل والرضا والتسليم والمحبون فى مقام الحالات والمواجيد واهل المعرفة فى مقام المعارف ينقلون فى المشاهدة من مقام الى مقام وملا يبقى المقام للموحدين فانهم مستغرقون فى بحار الذات والصفات وليس لهم مقام معلوم لان هناك لم يكن لهم وقوف حيث افناهم قهر الجلال والجمال والعظمة والكبرياء عن كل ما وجدوا من الحق فبقوا فى الفناء الى الابد قال ابن عطا لك مقام المشاهدة ولهم مقام الخدمة وقال جعفر الخلق مع الله على مقامات شتى من تجاوز حده هلك فللانبياء مقام المشاهدة واللرسل مقام العيان واللملائكة مقام الهيبة وللمؤمنين مقام الدنو والخدمة وللعصاة مقام التوبة و-----مقام الطرد والغفلة واللعنة قال الحسين المريدون فى المقامات يجولون من مقام الى مقام والمرادون جامدة فى المقامات الى رب المقامات وقال الجنيد المقامات معلومة كما ذكره الله تعالى وأرباب الحقائق يانقون من المعلومات والمرسومات لانهم فى قبضة الحق وامره.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما منا} حكاية اعتراف الملائكة للرد على عبدتهم كأنه قيل ويقول الملائكة الذين جعلتموهم بنات الله وعبدتموهم بناء على ما زعمتم من ان بينهم وبينه تعالى مناسبة وجنسية جامعة وما منا احد اى ملك على حذف الموصوف واقامة الصفة مقامه فالموصوف المقدر فى الآية مبتدأ وقوله {الا له مقام معلوم} صفة وما منا مقدم خبره اى احد استثنى منه من له مقام معلوم ليس منا يعنى لكل واحد منا مرتبة فى المعرفة والعبادة والانتهاء الى امر الله فى تدبير العالم مقصور عليها لا يتجاوزها ولا يستطيع ان ينزل عنها قدر ظفر خضوعا لعظمته وخشوعا لهيبته وتواضعا لجلاله كما روى فمنهم راكع لا يقيم صلبه وساجد لا يرفع رأسه. ففيه تنبيه على فساد قول المشركين انهم اولاد الله لان مبالغتهم فى اظهار العبودية تدل على اعترافهم بالعبودية فكيف يكون بينه تعالى وبينهم جنسية. قال ابن عباس رضى الله عنهما ما فى السموات موضع شبر الا وعليه ملك يصلى او يسبح بل والعالم مشحون بالارواح فليس فيه موضع بيت ولا زاوية الا وهو معمور بما لا يعلمه الا الله ولذا امر النبى عليه الصلاة والسلام بالتستر فى الخلوة وان لا يجامع الرجل امرأته عريانين. وقال السدى {الا له مقام معلوم} فى القربة والمشاهدة. وقال ابوبكر الوراق قدس سره {الا له مقام معلوم} يعبد الله عليه كالخوف والرجاء والمحبة والرضى: يعنى [مراد مقامات سنيه است جون خوف ورجا ومحبت ورضا كه هريك از مقربان حظائر ملكوت ومقدسان صوامع جبروت در مقامى ازان ممكن اند]. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان للملك مقاما معلوما لا يتعدى حده وهو مقام الملك الروحانى او الكروبى فالروحانى لا يعبر عن مقامه الى مقام الكروبى والكروبى. لا يقدم على مقام الروحانى فلا عبور لهم من مقامهم الى مقام فوق مقامهم ولا نزول لهم الى مقام دون مقامهم ولهم بهذا فضيلة على انسان بقى فى اسفل سافلين فى الدرك الاسفل من النار وللذين عبروا منهم عن اسفل سافلين بالايمان والعمل الصالح وصعدوا الى اعلى عليين بل ساروا الى مقام قاب قوسين بل طاروا الى منزل او أدنى فضيلة عليهم ولهذا امروا بسجدة اهل الفضل منهم فقعوا له ساجدين فللانسان ان يتنزل من مقام الانسانية الى دركة الحيوانية كقوله تعالى {أية : اولئك كالانعام بل هم اضل} تفسير : وله ان يترقى بحيث يعبر عن المقام الملكى ويقال له تخلقوا باخلاق الله انتهى. وقال جعفر رضى الله عنه الخلق مع الله على مقامات شتى من تجاوز حده هلك فللانبياء مقام المشاهدة والمرسل مقام العيان وللملائكة مقام الهيبة وللمؤمنين مقام الدنو وللعصاة مقام التوبة وللكفار مقام الغفلة والطرد واللعنة. وقال الحسين قدس سره المرديون يتحولون من مقام الى مقام والمرادون يتجاوزون المقامات الى رب المقامات. وقال بعضهم العارف يأكل فى هذه الدار الحلوى والعسل فهذا مقامه والكامل المحقق يأكل فيها الحنظل لا يتلذذ فيها بنعمة لاشتغال بما كلفه الله تعالى من الشكرعليها وغير ذلك من تحمل هموم الناس فكم من فرق بين المقامين واهل الفناء وان تألموا هنا ولكن ذلك ليس بالم بل اشد العذاب والالم فيما اذا رأى اهل الذوق مراتب اهل الفناء فوقهم واقله التألم من تقدمهم شعر : باش تافانى شود احوال تو بكزرد از حال كل تا حال تو از مقامى ساز بقعه خويش را كه بماند جمله زير بال تو

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله حاكياً عن الملائكة: {وما منّا إِلا له مَقامٌ معلومٌ} في العبادة، أو: في السموات، نعبد الله فيه، أو: في القُرب والمشاهدة لا نتعداه، ولا نترقى عنه إلى غيره، ففيه تنبيه واعتراف بافتقارهم لمخصصهم، القاضي بحدوثهم. وفي اعترافهم بذلك ردٌّ على زعم الكفار أنهم بنات الله، أو شركاء له، وتنزيه له تعالى عن ذلك؛ لتنافي العبودية والطاعة التي اعترفوا بها، والبنوة المدّعاة من الكفار، تعالى الله عن قولهم. وهذا يجري أيضاً في القول الذي يقول: إنهم قسم ثالث، ليسوا بجوهر ولا عرض، كالأرواح، فإنها على تقدير كونها كذلك، جائزة؛ لقبولها التفاوت في العلوم والمعارف وغير ذلك. وذلك قاضٍ بالافتقار، والتخصيص لِمَا هي عليه، المستلزم للحدوث. قاله في الحاشية. قلت: القول بأن الملائكة مجردات عن المادة، هو قول الفلاسفة، ونحى إليه الغزالي. وهو مناقض للقرآن والحديث؛ لأن كونهم صفوفاً قائمين، أو ساجدين، أو سائرين، يقتضي تشكيلَهم وتحييزَهم، فيستلزم المادة؛ إلا أنها نورانية لطيفة، وكذلك الأرواح، على ما في الأحاديث، فإنها متحيزة على أشكال لطيفة. والله أعلم. {وإِنا لنحن الصافُّون} نصفّ أقدامنا في الصلاة، أو: نصفّ حول العرش داعين للمؤمنين، {وإِنا لنحنُ المسبِّحُون} المنزّهون الله تعالى عما نسبته إليه الكفرة، من الولد، وغير ذلك من الأباطيل المذكورة. أو: المشتغلون بالتسبيح على الدوام، أو: المصلُّون. ويحتمل أن يكون هذا وما قبله؛ من قوله: {سبحان الله...} الخ، من كلام الملائكة، حتى يتصل بذكرهم، كأنه قيل: ولقد عَلِمَ الملائكةُ أن المشركين محضرون للعذاب على افترائهم على الله فيما نسبوا إليه، وقالوا: سبحان الله، ونزّهوه عن ذلك، واستثنوا عباد الله المخلصين، وبرّؤوهم من ذلك، وقالوا للكفرة: وإذا صحّ ذلك؛ فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه، وتضلُّوه، إلاّ مَن كان من أهل النار، وكيف نكون مناسِبين لرب العزة! وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه، لكلّ منا مقامٌ من الطاعة معلومٌ، لا يستطيع أن يزلَّ عنه، ونحن نصفّ أقدامنا لعبادته، مسبِّحين بحمده، كما يجب على العباد. ولعل قولهم: {وما منا إِلا له مقام معلوم} إشارة إلى تفاوتهم في درجات القُرب ومقامات اليقين: وقولهم: {وإِنا لنحن الصافُّون} إشارة إلى تفاوتهم في الطاعات والعبادات، وهم طبقات: منهم هائمون مستغرقون في الشهود، ومنهم مستغرقون في مقام الهيبة والمراقبة، ومنهم مستغرقون في الخدمة والعبادة. والله تعالى أعلم. الإشارة: مادة الآدمي أكمل من مادة الملائكة، فإذا اتصل العبد بشيخ كامل، واعتنى بتصفية روحه وسره، طَوى نوره الوجودَ بأسره، ولا يزال يترقى في معاريج أسرار التوحيد والتفريد، وتتوارد عليه الكشوفات، والعلوم، والأسرار، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية، أبداً سرمداً، بخلاف الملائكة، فإنَّ لكل واحد مقاماً معلوماً لا يتعداه، كما أخبر تعالى: وسرُّ ذلك: أن الآدمي فيه بشرية وروحانية، فكلما جاهد نفسه، وغاب عن حس بشريته؛ ترقى في معارج التوحيد، والمجاهدة لا تنقطع عنه في هذه الدار؛ لأنها دار أكدار، فلا ينقطع عنه الترقي في المشاهدة، وأما في تلك الدار؛ فالترقي فيها من باب الكرم والإثابة على ما هنا. وأيضاً: البشرية للآدمي بمنزلة الطلاء للمِرآة، فالمرآة بلا طلاء لا ترى فيها صور الأشياء، كذلك الملائكة لا بشرية لهم، فلا تنكشف لهم الحقائق كما تنكشف للآدمي، ولو كشف لهم ما انكشف له لذابوا. والله أعلم. قال في القوت: لَعمري إن سائر الملائكة لا ينتقلون في المقامات كترقي المؤمنين، إنما لكلٍّ مقام معلوم، لا ينتقل إلى غيره، إلا أنهم يُمدّون من ذلك بمدد لا نهاية له إلى يوم القيامة، بأكثر ما يزاد جملة البشر هـ. قلت: ومعنى كلامه: أن الملائكة يُمدون في مقامهم بقوة لا يستطيعها البشر، فمَن كان في مقام الهيبة دام فيها، وقَوِي عليها، ومَن كان في مقام الخدمة، دام عليها، وقوي عليها، قوةً لا يطيقها البشر، ولا يترقى عنها، بخلاف الآدمي، فليست فيه هذه القوة، لكنه يترقى من مقام إلى مقام، ويترقى في المعارف على الدوام. ثم بسط صاحب القوت في ذلك الكلام في فضائل الصلاة، وأنها جامعة لما فُرق على الملائكة من الأعمال والأذكار. قال: وبذلك فضل المؤمنون الملائكة، وكذلك فضل الموقن أيضاً في مقامات اليقين من أعمال القلوب، على الأملاك بالتنقيل بأن جُمعت فيه، ورُفع فيها مقامات، والملائكة لا يُنقلون، بل كل ملك موقوف في مقام معلوم، لا ينقل منه إلى غيره، وإنما له المزيد من المقام الواحد على قدر قواه، وجمع ذلك كله في قلب المؤمن، ونقل فيه مقامات. وكان له من كل مقام مشاهدات. هـ. قال المحشي الفاسي: وفيه نظر، مع تلقيهم ضروب الوحي الجامع للمقامات، فكيف لا يُمكّنهم تحققاً بها على اختلافها؟ ولو كان كما قال؛ لكان كل مَلَكٍ إنما يتلقى من الوحي ما يناسبه، ويختص بمقامه، وليس الأمر كذلك ضرورة. هـ. قلت: وفي نظره نظر؛ إذ لا يلزم من تلقيهم للوحي على أنواعه أن يترقوا به؛ إذ ليس الترقي هو مجرد العلم، بل الترقي إنما هو أذواق ووجدان، وكشوفات بعد حصول العلم. وقد يتحقق العلم بالمقام، ولا ينتقل عنه إلى غيره، بل قد يعلمه ولا يذوقه، كما هو محقق عند أهل الفن، ثم قال: والحق ما نبّه عليه البيضاوي. وكلام القوت ينظر لقول الحكماء، ومثله كلام الإحياء. هـ. ونص البيضاوي في قوله تعالى: {أية : قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ}تفسير : [البقرة: 33] الآية: إنَّ علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة، والحكماء مَنعوا ذلك في الطبقات العليا منهم، وحملوا عليه قوله تعالى: {وما منا إِلا له مقام معلوم}. هـ. قلت: ترقي الآدمي هو انتقاله من مقام إلى مقام، حتى يُكاشف بأسرار الذات وأنوار الصفات، ثم لا يزال يترقى في الأذواق والكشوفات، يتجدّد له في كل يوم وساعة، حلاوة وكشف لم تكن عنده قبلُ، بخلاف الملائكة، فإنما يترقى كل واحد في كشف أسرار مقامه، ويجد حلاوة في ذلك المقام لم تكن له قبلُ، ولا ينتقل عنه، فمَن كان من أهل الخدمة زاده الله حلاوتها. ومَن كان من أهل المراقبة فكذلك. ومَن كان من أهل المشاهدة غلب عليه السكر والهذيان، ولا يزيد على ذلك. وهم الطبقة العليا، فلا منافاة بين كلام القوت وكلام البيضاوي؛ لأن الترقي إنما هو في الأذواق والكشوفات، لا في العلوم الغيبية، ولا في الكمالات النفسية. فتأمله. وقال القشيري: الملائكة لا يتخطون مقامهم، ولا يتعدَّوْن حدَّهم، والأولياء مقامهم مستورٌ بينهم وبين الله، لا يطلع عليه أحد، والأنبياء ـ عليهم السلام ـ لهم مقام مشهورٌ، مُؤَيَّدٌ بالمعجزات الظاهرة؛ لأنهم للخَلْقِ قدوة، فأمْرُهُم على الشهرة، وأَمْرُ الأولياء على السَّتْرِ. هـ. وقال الورتجبي: أهل البدايات في مقام الطاعات، والأوْسَاط في المقامات، مثل التوكل والرضا، والتسليم، والمُحبُّون في مقامات الحالات والمواجيد، وأهل المعرفة في مقام المعارف، ينقلون في المشاهدة من مقام إلى مقام، ولا يبقى المقام للموحدين، فإنهم مستغرقون في بحار الذات والصفات، فليس لهم مقام معلوم؛ لأن هناك لم يكن لهم وقوف، حيث أفناهم قهرُ الجلال، والجمال، والعظمة، والكبرياء، عن كل ما وجدوا من الحق، فيبقوا في الفناء إلى الأبد. هـ. قلت: ما ذكر من الطبقات الثلاث هم العباد، والزهّاد، وأرباب الأحوال، وحالهم كحال الملائكة، يُمَدُّون في مقامهم، ولا ينتقلون منه، فلكل واحدة قوة في مقامه، لا يطبقها العارف، لكنه فاتهم بالترقي عنهم إلى مشاهدة الذات، والترقي فيها أبداً. ثم قال الورتجبي في قوله تعالى: {وإِنا لنحن الصافُّون}: لمَّا كانوا من أهل المقامات المعلومات افتخروا بمقاماتهم في العبودية، من الصلاة والتسبيح، ولو كانوا من أهل الحقائق في المعرفة لفنوا عن ملاحظة طاعتهم، من استيلاء أنوار مشاهدة الحق عليهم، والاستغراق في بحارٍ من الألوهية. قال بعضهم: لذلك قطعت بهم مقاماتُهم عن ملاحظة المِنَّة، حتى قالوا بالتفخيم: {إِنا لنحن} فلما أظهروا سرائرهم عارضوا إظهار أفعال الربوبية بالمعارضة، حتى قالوا: {أية : أتجعلُ فيها من يُفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30]. هـ. وكلامنا كله مع عامة الملائكة، وأما المقربون؛ فالأدب الإمساك عنهم صلوات الله وسلامه عليهم. ثم رجع إلى الكلام مع قريش، فقال: {وَإِن كَانُواْ...}

الجنابذي

تفسير : هذا قول الملائكة ردّاً على عابديهم والجملة حاليّة بتقدير القول او معطوفة والمعنى انّهم يقولون ما منّا الاّ له مقام معلوم، وقيل: هذا قول جبرئيل (ع) للنّبىّ (ص) وعن الصّادق (ع) قال: انزلت فى الائمّة والاوصياء من آل محمّدٍ (ص) والمعنى ما منّا احد الاّ له مقام فى العبوديّة لا نتجاوزه فكيف نكون معبودين مراقبين لعابدينا وحافظين لهم وناصرين لهم؟.

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول [في. ب. قوله. خ] {وما منا إلا وله مقام معلوم} قال: أنزل في الأئمة والأوصياء من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وبارك. أ].

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ} هذا قول الملائكة، ينزّهون الله عما قالت اليهود حيث جعلوا بينه وبين الجنة نسباً، ويخبرون بمكانهم في السماوات في صفوفهم وتسبيحهم، وهو قوله في أول السورة {وَالصَّآفَّاتِ صَفّاً} أي: ليس في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك راكع أو قائم أو ساجد. قوله: {وَإِن كَانُوا لَيَقُولُونَ} يعني قريشاً {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الأَوَّلِينَ} أي: في كتاب مثل كتاب موسى وعيسى عليهما السلام {لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ} أي: المؤمنين. قال الله: {فَكَفَرُوا بِهِ} أي: بالقرآن. يقول: قد جاءهم كتاب من عند الله، يعني القرآن فكفروا به. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وهذا وعيد هوله شديد. قوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ} أي: في الدنيا، وبالحجة في الآخرة. {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} تفسير الحسن: إنه لم يُقتل من الرسل أصحاب الشرائع أحد قط.

اطفيش

تفسير : مقول لمحذوف اي وقالت الملائكة ما منا الخ اي كيف نناسب الله وما نحن الا عبيد اذلاء لكل منا مقام معلوم في الطاعة ويجوز ان يكون قوله سبحان الله وهم الذين استثنوا المخلصين وخاطبوا الكفار بقولهم فانكم وما تعبدون الخ لكن انتم على كل تفسير هو خطاب للكفرة وحدهم لا مع ما يعبدون وقيل للكل على التغليب ومنا متعلق بمحذوف نعت لمبتدأ محذوف اي ما احد ثابت منا الا له مقام معلوم من الطاعة لا يتجاوزه فمنهم راكع وساجد وقائم ومسبح ونحو ذلك او الا له مقام معلوم في الشرف والمرتبة عند الله او موضع معلوم يتعبد فيه وقيل مقام معلوم مقامات مختلفة كالخوف والرجاء والمحبة والرضاء وقيل مقام معلوم في الجنة وقيل القيامة وعن ابن عباس ما في السماوات موضع شبر الا وعليه ملك يصلي أو يسبح وروت عائشة ما في السماء موضع قدم الا وعليه ملك ساجد او واقف يصلي وعن ابن مسعود وغيره نحو ذلك.

اطفيش

تفسير : {وما منَّا} أى قالت الملائكة، أو تقول الملائكة ما أحد ثابت منا، عطف على علمت الجنَّة إذا فسرت بالملائكة {إلاَّ له مَقامٌ معْلُومٌ} فى الرتبة عند الله، وفى نور العبادة والمسارعة الى أمر الله تعالى، والخشوع لعظمة الله تعالى والخوف والرجاء والمحبة والرضا، فمنهم راكع لا يقيم صلبه، وساجد لا يرفع رأسه، جاء ذلك فى الحديث، وقال أبو ذر: قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : إنى أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك واضع جبهته ساجد لله" تفسير : رواه ابن ماجة والترمذى قبله، والأطيط صوت القتب، أو حنين الإبل. وعن عائشة عنه صلى الله عليه وسلم: " حديث : ما فى السماء موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد أو قائم" تفسير : وذلك قول الملائكة: " وما منا إلا له مقام معلوم" " أية : وإنا لنحن الصافون" تفسير : [الصافات: 165] رواه ابن جرير أو قال الرسول: " حديث : ما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم عند الله على قدر عمله يوم القيامة" تفسير : وفسر بعضهم الآية به على حد "أية : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا" تفسير : [الإسراء: 79] أو هو عائد الى قوله: " أية : فاستفتهم" تفسير : [الصافات: 11، 149] كأنه قيل: فاستفتهم وقل: ما منَّا، وجملة له مقام معلوم خبر المبتدأ الموصوف بمنا، ويجوز كون منَّا خبراً لأحد، وما بعد إلا حال من ضمير الاستقرار.

الالوسي

تفسير : حكاية لاعتراف الملائكة بالعبودية للرد على من يزعم فيهم خلافها فهو من كلامه تعالى لكنه حكى بلفظهم وأصله وما منهم إلا الخ أي وما منا إلا له مقام معلوم في العبادة والانتهاء إلى أمر الله تعالى في تدبير العالم مقصور عليه لا يتجاوزه ولا يستطيع أن يزل عنه خضوعاً لعظمته تعالى وخشوعاً لهيبته سبحانه وتواضعاً لجلاله جل شأنه كما روي «حديث : فمنهم راكع لا يقيم صلبه وساجد لا يرفع رأسه»تفسير : وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن ماجه وابن مردويه عن أبـي ذر قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون إن السماء أطت وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك واضعاً جبهته ساجداً للهتفسير : . وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم وذلك قول الملائكة {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ} »تفسير : وعن السدي {إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } في القرب والمشاهدة، وجعل بعضهم ذلك من كلام الجنة بمعنى الملائكة متصلاً بما قبله من كلامهم وهو من قوله تعالى: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } إلى {أية : ٱلْمُسَبّحُونَ }تفسير : [الصافات: 159-166] فقال بعد أن فسر الجنة بالملائكة: إن {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} حكاية/ لتنزيه الملائكة إياه تعالى عما وصفه المشركون به بعد تكذيبهم لهم في ذلك بتقدير قول معطوف على {أية : عَلِمَتِ }تفسير : [الصافات: 158] و {أية : إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [الصافات: 160] شهادة منهم ببراءة المخلصين من أن يصفوه تعالى بذلك متضمنة لتبرئتهم منه بحكم اندراجهم في زمرة المخلصين على أبلغ وجه وآكده على أنه استثناء منقطع من واو {يَصِفُونَ } كأنه قيل: ولقد علمت الملائكة أن المشركين لمعذبون لقولهم ذلك وقالوا سبحان الله عما يصفون لكن عباد الله الذين نحن من جملتهم برآء من ذلك الوصف. و {فَإِنَّكُمْ } الخ تعليل وتحقيق لبراءة المخلصين عما ذكر ببيان عجزهم عن إغوائهم وإضلالهم. والالتفات إلى الخطاب لإظهار كمال الاعتناء بتحقيق مضمون الكلام وما تعبدون الشياطين الذين أغووهم وفيه إيذان بتبريهم عنهم وعن عبادتهم كقولهم: {أية : بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ }تفسير : [سبأ: 41] وقولهم: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ } الخ تبيين لجلية أمرهم وتعيين لحيزهم في موقف العبودية بعد ما ذكر من تكذيب الكفرة فيما قالوا وتنزيه الله تعالى عن ذلك وتبرئة المخلصين عنه وإظهار لقصور شأنهم وجعل تفسير الجنة بالملائكة هو الوجه لاقتضاء ربط الآيات وتوجيهها بما ذكر إياه وفي التعليل شيء. نعم إن هذه الآية تقوي قول من يقول: المراد بالجنة فيما سبق الملائكة عليهم السلام تقوية ظاهرة جداً وإن الربط الذي ذكر في غاية الحسن، وقيل: هو من قول الرسول عليه الصلاة والسلام أي وما من المسلمين إلا له مقام معلوم على قدر أعماله يوم القيامة وهو متصل بقوله: {أية : فَٱسْتَفْتِهِمْ }تفسير : [الصافات: 149] كأنه قيل فاستفتهم وقال وما منا الخ على معنى بكتهم بذلك وانع عليهم كفرانهم وعدد ما أنت وأصحابك متصف به من أضدادها، وإن شئت لم تقدر قل بعد علمك بأن المعنى ينساق إليه وهو بعيد فافهم والله تعالى أعلم. و {مِنَّا } خبر مقدم والمبتدأ محذوف للاكتفاء بصفته وهي جملة {له مقام} أي ما منا أحد إلا له مقام معلوم. وحَذْفُ الموصوف بجملة أو شبهها إذا كان بعض ما قبله من مجرور بمن أو في مطرد وهذا اختيار الزمخشري. وقال أبو حيان {مِنَّا } صفة لمبتدأ محذوف والجملة المذكورة هي الخبر أي وما أحد كائن منا إلا له مقام معلوم. وتعقب ما مر بأنه لا ينعقد كلام من ما منا أحد، وقوله سبحانه: {إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } هو محط الفائدة فيكون هو الخبر وإن تخيل أن إلا بمعنى غير وهي صفة لا يصح لأنه لا يجوز حذف موصوفها وفارقت غيراً إذا كانت صفة في ذلك لتمكن غير في الوصف وقلة تمكن إلا فيه، وقال غيره: إن فيه أيضاً التفريغ في الصفات وهم منعوا ذلك، ودفع بأنه ينعقد منه كلام مفيد مناسب للمقام إذ معناه ما منا أحد متصف بشيء من الصفات إلا بصفة أن يكون له مقام معلوم لا يتجاوزه، والمقصود بالحصر المبالغة أو يقال إنه صفة بدل محذوف أي ما منا أحد إلا أحد له مقام معلوم كما قاله ابن مالك في نظيره، وفيه أن فيه اعترافاً بأن المقصود بالإفادة تلك الجملة وهو يستلزم أولوية كونها خبراً وما ذكر من احتمال كونه صفة لبدل محذوف فليس بشيء لأن فيه حذف المبدل والمبدل منه ولا نظير له، وبالجملة ما ذكره أبو حيان أسلم من القيل والقال، نعم قيل يجوز أن يقال: القصد هنا ليس إفادة مضمون الخبر بل الرد على الكفرة ولذا جعل الظرف خبراً وقدم فالمعنى ليس منا أحد يتجاوز مقام العبودية لغيرها بخلافكم أنتم فقد صدر منكم ما أخرجكم عن رتبة الطاعة، وفيه نظر.

ابن عاشور

تفسير : فيجوز أن يكون عطفاً على قوله: {أية : إلاَّ عبادَ الله المخلصين}تفسير : [الصافات: 160] على أول الوجهين في المعنيّ بعباد الله المخلَصين فيكون عطفاً على معنى الاستثناء المنقطع لأن معناه أنهم ليسوا أولاد الله تعالى، وعُطف عليه أنهم يتبرأون من ذلك فالواو عاطفة قولاً محذوفاً يدل عليه أن ما بعد الواو لا يصلح إلا أن يكون كلام قائل. والتقدير: ويقولون ما منّا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصّافون وإنّا لنحن المسبّحون، وهذا الوجه أوفق بالصفات المذكورة من قوله: {إلاَّ له مقام معلوم} وقوله: {الصَّافون ... المُسبّحُونَ}: الشائع وصف الملائكة بأمثالها في القرآن كما تقدم في أول السورة وصفُهم بالصّافّات، ووصفُهم بالتسبيح كثير كقوله: {أية : والملائكة يسبحون بحمد ربهم}تفسير : [الشورى: 5]، وذكر مقاماتهم في قوله تعالى: {أية : ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين}تفسير : [التكوير: 20 - 21] وقوله: {أية : ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى}تفسير : [النجم: 13 - 14]. وفي أحاديث كثيرة مثلاً حديث الإِسراء أن جبريل وجد في كل سماء ملكاً يستأذنه جبريل أن يدخل تلك السماء ويسأله المَلك: من أنت؟ ومن معك؟ وهل أُرسل إليه؟ فإذا قال: نعم، فَتح له. وعن مقاتل أن قوله: {وما منَّا إلا له مقامٌ معلوم} إلى {المُسبحونَ} نزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى فتأخَّر جبريلُ فقال له النبي: أهنا تفارقني فقال: لا أستطيع أن أتقدم عن مكاني وأنزل الله حكاية عن قول الملائكة {وما مِنَّا إلا له مقامٌ معلومٌ} الآيتين. ويجوز أن يكون هذا مما أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله للمشركين عطفاً على التفريع الذي في قوله: {أية : فإنَّكم وما تعبدون}تفسير : [الصافات: 161] إلى آخره ويتصل الكلام بقوله: {أية : فاستفتهم ألربك البنات}تفسير : [الصافات: 149] إلى هنا. والمعنى: ما أنتم بفاتنيننا فتنةَ جراءة على ربنا فنقول مثل قولكم: الملائكة بنات الله والجنُ أصهار الله فما منا إلاّ له مقام معلوم لا يتجاوزه وهو مقام المخلوقيّة لله والعبودية له. والمنفي بــــ{ما}محذوف دل عليه وصفه بقوله: {مِنَّا}. والتقدير: وما أحد منا كما في قول سحيم ابن وثيل: شعر : أنا ابن جلا وطَلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني تفسير : التقدير: ابن رجل جلا. والخبر هو قوله: {إلاَّ له مقامٌ معلومٌ}. والتقدير: ما أحد منا إلا كائن له مقام معلوم. والمقام: أصله مكان القيام. ولما كان القيام يكون في الغالب لأجل العمل كثر إطلاق المقام على العمل الذي يقوم به المرء كما حُكيَ في قول نوح: {أية : إن كان كبر عليكم مقامي}تفسير : [يونس: 71] أي عملي. والمعلوم: المعيّن المضبوط، وأطلق عليه وصف {مَعْلُومٌ} لأن الشيء المعيّن المضبوط لا يشتبه على المتبصر فيه فمن تأمّلَه عَلِمَه. والمعنى: ما من أحد منا معشر المؤمنين إلا له صفة وعمل نحو خالقه لا يستزله عنه شيء ولا تروج عليه فيه الوساوس فلا تطمعوا أن تزِلونا عن عبادة ربنا. فالمقام هو صفة العبودية لله بقرينة وقوع هذه الجملة عقب قوله: {أية : فإنَّكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتِنينَ}تفسير : [الصافات: 161 - 162]، أي ما أنتم بفاتنين لنا فلا يلتبس علينا فضل الملائكة فنرفعه إلى مقام البنوّة لله تعالى ولا نُشبّه اعتقادكم في تصرف الجن أن تبلغوا بهم مقام المصاهرة لله تعالى والمداناة لِجلاله كقوله: {أية : وجعلوا للَّه شركاء الجن وخلقهم}تفسير : [الأنعام: 100]. فقوله: {وإنَّا لنحنُ الصافُّونَ وإنا لنحن المُسبحون} أي وإنا معشر المسلمين، الصافون أي الواقفون لعبادة الله صفوفاً بالصلاة. ووصف وقوفهم في الصلاة بالصف تشبهاً بنظام الملائكة. قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم: «حديث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة»تفسير : ، والمراد بالمسبحين المنزّهون لله تعالى عن أن يتخذ ولداً أو يكون خلق صهراً له أو صاحبة خلافاً لشرككم إذ عبادتكم مُكاء وتصدية وخلافاً لكفركم إذ تجعلون له صواحب وبنات وأصهاراً. وحذف متعلق {الصَّافون... المسبحون} لدلالة قوله {أية : ما أنتم عليه بفاتنينَ}تفسير : [الصافات: 162] عليه، أي الصافّون لعبادته المسبّحون له، فإن الكلام في هذه الآيات كلها متعلق بشؤون الله تعالى. وتعريف جزأي الجملة، وضميرُ الفصل من قوله: {لنَحْنُ} يفيدان قصراً مؤكداً فهو قصر قلب، أي دون ما وصفتموه به من البنوّة لله.

د. أسعد حومد

تفسير : (164) - وَإِنَّ لِكُلٍّ مِنَّا مَرْتَبَةً لاَ يَتَجَاوَزُهَا فِي العِبَادَةِ والانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِ اللهِ، خُضُوعاً لِعَظَمَتِهِ، وَخُشُوعاً لِهَيْبَتِهِ. (وَقِيلَ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ تَنْزِيهَ المَلاَئِكَةِ مِمَّا نَسَبَهُ إِلَيْهمُ الكُفَّارُ كَذِباً وَافْتِرَاءً مِنْ أَنَّهُمْ بَنَاتُ اللهِ). وَقَالَتْ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ، رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا: "حديث : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَوْضِعٌ إِلاَّ عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا مِنَّا إِلاَّ وَلَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ"تفسير : . (رَوَاهُ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن: هذه الحجارة حين يُحمَىَ عليها ليُعذَّب بها هؤلاء المشركون لا لأن لها ذنباً تُعاقَبُ عليه، إنما لها مقام معلوم، والتزام بتنفيذ أمر الله في المخالف: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [الصافات: 164]. يعني: قَدْر ومرتبة، فالملائكة درجات ومراتب، لا يحقد الأدنى على الأعلى ولا يزدري الأعلى الأدنى؛ لأن المقام المعلوم الذي جعلهم الله فيه قدر لله تعالى، وهم يحترمون قدر الله في خَلْق الله، وهذا درس ينبغي أنْ نتعلَّمه، وأنْ يُراعي كل مِنَّا قدر الآخرين ومنزلتهم، فأنا حين أحترم الأعلى مني إنما أحترم قدر الله الذي جعله أعلى مني، وإنْ كان دوني في يوم ما، وقُلْنا إن العالم ليس مسألة (ميكانيكا) إنما خَلْق بقدر وبحكمة مرادة لله. فكيف نكون بنات الله؟ وكيف نُعبَد من دون الله ونحن مُسخَّرون لعبادته سبحانه ونحن جنود مصفوفون في انتظار أوامره تعالى {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ} [الصافات: 165] أي: نقف صفوفاً منتظمة، والصف دليل الانتظام وعنوان الالتزام والانضباط؛ لذلك ورد في الحديث: "حديث : إن الله لا ينظر إلى الصَّفِّ الأعوج" تفسير : لماذا؟ لأنكم بين يدي الله سبحانه فأروا الله منكم ما يدل على المساواة والالتزام والترابط. وفي الحرب كذلك: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} تفسير : [الصف: 4] وهذا التشبيه له دلالته، لأن البنيان المرصوصَ يعني أن اللبنة فيه ليس لها إرادة في الخروج عن الأخرى؛ لأنها محكومة بالبناء الذي وُضِعَتْ فيه؛ لذلك لما استعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوفَ في إحدى الغزوات رأى جندياً شَذَّ عن صَفه، فأشار إليه بعصاه أنْ يستوي بمثله، وأن ينضبط في صَفه. ثم يقولون: {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ} [الصافات: 166] يعني كيف نرضى أنْ نُعبدَ من دون الله، ونحن ما خُلِقْناَ إلا لتسبيحه تعالى: {وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا [فيه] بيان براءة الملائكة عليهم السلام، عما قاله فيهم المشركون، وأنهم عباد اللّه، لا يعصونه طرفة عين، فما منهم من أحد إلا له مقام وتدبير قد أمره اللّه به لا يتعداه ولا يتجاوزه، وليس لهم من الأمر شيء. { وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ } في طاعة اللّه وخدمته. { وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ } لله عما لا يليق به. فكيف - مع هذا - يصلحون أن يكونوا شركاء للّه؟! تعالى الله.