٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَمْ } أي كثيراً {أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ } أي أمّة من الأمم الماضية {فَنَادَوْاْ } حين نزول العذاب بهم {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } أي ليس الحين حين فرار، والتاء زائدة، والجملة حال من فاعل «نادوْا» أي استغاثوا والحال أن لا مهرب ولا منجى، وما اعتبر بهم كفار مكة.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّن قَرْنٍ} من أمة والقرن: زمان مدته عشرون سنة، أو أربعون، أو ستون، أو سبعون، أو ثمانون، أو مائة، أو عشرون ومائة {وَّلاتَ} بمعنى لا، أو ليس ولا يعمل إلا في الحين خاصة أي ليس حين ملجأ، أو مغاث "ع"، أو زوال، أو فِرار، والمناص: مصدر ناص ينوص والنوصُ والبوص التأخر وهو من الأضداد، أو بالنون التأخر وبالباء التقدم كانوا إذا أحسوا في الحرب بفشل قال بعضهم لبعض مناص أي حلمة واحدة ينجوا فيها من ينجو ويهلك من يهلك فمعناه أنهم لما عاينوا الموت لم يستطيعوا فراراً من العذاب ولا رجوعاً إلى التوبة.
ابو السعود
تفسير : {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ} وعيدٌ لهم على كُفرهم واستكبارِهم ببـيان ما أصاب مَن قبلهم من المُستكبرينَ. وكم مفعولُ أهلكنا، ومِن قرنٍ تميـيزٌ والمعنى وقرناً كثيراً أهلكنا من القُرون الخاليةِ {فَنَادَوْاْ} عند نزول بأسنِا وحلول نقمتِنا استغاثةً وتوبةً لينجُوا من ذلك. وقولُه تعالى: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} حالٌ من ضمير نادَوا واستغاثوا طلباً للنَّجاةِ والحالُ أنْ ليسَ الحينُ حينَ مناصٍ أي فوتٍ ونجاةٍ، من ناصَه أي فاتَه لا من ناصَ بمعنى تأخَّر، ولا: هيَ المشبَّهةُ بليسَ زيدتْ عليها تاءُ التَّانيثِ للتَّأكيدِ كما زِيدتْ على رُبَّ وثُمَّ. وخُصَّتْ بنفي الأحيانِ ولم يبرزْ إلا أحدُ معمُوليها والأكثرُ حذفُ اسمِها. وقيلَ هي النَّافيةُ للجنسِ زيدتْ عليها التَّاءُ وخصَّتْ بنفيِ الأحيانِ، وحينَ مناصٍ. منصوبٌ على أنَّه اسمُها أي ولا حينَ مناصٍ. وقُرىء بالرَّفعِ فهو على الأوَّلِ اسمُها والخبرُ محذوفٌ أي وليسَ حينُ مناصٍ حاصلاً لهم وعلى الثَّانِي مبتدأُ محذوفُ الخبرِ أي ولا حينُ مناصٍ كائنٌ لهم وقُرىء بالكسرِ كما في قوله: [الخفيف] شعر : طلبُوا صلحَنا ولاتَ أوان فأجبنا أنْ لاتَ حينِ بقاءِ تفسير : إمَّا لأنَّ لاتَ تجرُّ الأحيانَ كما أنَّ لولا تجرُّ الضَّمائرَ في نحوِ قوله: [السريع] شعر : [أومَتْ بكفَّيها من الهودجِ] لولاكَ هذا العامَ لم أحجُجِ تفسير : أو لأنَّ أوانٍ شُبِّه بإذْ في قوله: [الوافر] شعر : نهيتُكَ عن طِلابِكَ أمَّ عمرو بعافيةٍ وأنتَ إذٍ صحيحُ تفسير : في أنَّه زمانٌ قُطع منه المضافُ إليه وعُوِّض التَّنوين لأنَّ أصلَه أوانُ صُلحٍ ثم حُمل عليه حينِ مناصٍ تنزيلاً لقطعِ المضافِ إليه من مناصٍ إذْ أصلُه حينَ مناصِهم منزلَة قطعِه من حينٍ لما بـينَ المضافينِ من الإتِّحادِ ثمَّ بنُي الحينُ لإضافتِه إلى غيرِ مُتمكِّنٍ. وقُرىء لاتِ بالكسرِ كجَيْرِ. ويقفُ الكوفيُّون عليها بالهاءِ كالأسماءِ والبصريُّون بالتاءِ كالأفعالِ. وما قيل: منْ أنَّ التَّاءَ مزيدةٌ على حينٍ لاتِّصالِها به في الإمامِ مما لا وجهَ له فإنَّ خطَّ المصحفِ خارجٌ عن القياسِ. {وَعَجِبُواْ أَن جَاءكُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ} حكايةٌ لأباطيلِهم المتفرِّعةِ على ما حُكي من استكبارِهم وشقاقِهم أي عجبُوا من أنْ جاءهم رسولٌ من جنسِهم بل أدونُ منهم في الرِّياسةِ الدُّنيويَّةِ والمالِ على معنى أنَّهم عدُّواً ذلك أمراً عجيباً خارجاً عن احتمالِ الوقوعِ وأنكرُوه أشدَّ الإنكارِ لا أنَّهم اعتقدُوا وقوعَه وتعجَّبوا منه {وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} وُضعَ فيه الظَّاهرُ موضعَ الضَّميرِ غضباً عليهم وإيذاناً بأنَّه لا يتجاسرُ على مثل ما يقولونَه إلا المتوغِّلون في الكُفر والفسوق {هَـٰذَا سَـٰحِرٌ} فيما يُظهره من الخوارقِ {كَذَّابٌ} فيما يُسنده إلى الله تعالى من الإرسالِ والإنزالِ {أَجَعَلَ ٱلاْلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً} بأنْ نفى الأُلوهيَّةَ عنهم وقَصرَها على واحدٍ {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عُجَابٌ} بليغٌ في العَجَبِ وذلك لأنَّه خلافُ ما ألِفُوا عليهِ آباءَهم الذينَ أجمعُوا على ألوهيَّتِهم وواظبُوا على عبادتِهم كابراً عن كابرٍ فإنَّ مدارَ كلِّ ما يأتُون وما يذرُون من أمورٍ دينِهم هو التَّقليدُ والاعتيادُ فيعدُّون ما يخالفُ ما اعتادُوه عجيباً بل مُحالاً. وأماً جعلُ مدارِ تعجبِهم عدمَ وفاءِ علمِ الواحدِ وقدرتِه بالأشياءِ الكثيرةِ فلا وجَه له لما أنَّهم لا يدَّعُون أنَّ لآلهتِهم علماً وقدرةً ومدخلاً في حدوثِ شيءٍ من الأشياءِ حتَّى يلزمَ من نفي ألوهيَّتهم بقاءُ الآثارِ بلا مُؤثِّر. وقُرىء عجَّاب بالتَّشديدِ وهو أبلغُ ككُرامٍ وكَرَّامِ. رُوي « حديث : أنَّه لما أسلَم عمرُ رضي الله عنه شقَّ ذلك على قُريشٍ فاجتمعَ خمسةٌ وعشرونَ من صناديدِهم فأتَوا أبَا طالبٍ فقالُوا أنتَ شيخُنا وكبـيرُنا وقد علمتَ ما فعلَ هؤلاءِ السُّفهاءُ وقد جئناكَ لتقضِي بـينَنا وبـينَ ابنِ أخيكَ فاستحضرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا ابنَ أخِي هؤلاءِ قومُك يسألونَك السُّؤالَ فلا تملْ كلَّ الميلِ على قومِك فقالَ صلى الله عليه وسلم: "ماذَا تسألوننِي" قالُوا ارفُضنا وارفُض ذكَر آلهتِنا وندعكَ وإلهَك فقالَ صلى الله عليه وسلم: "أرأيتُم إنْ أعطيتُكم ما سألتُم أمعطيَّ أنتُم كلمةً واحدةً تملكونَ بها العربَ وتدينُ لكم بها العجمُ" قالُوا نعم وعشراً فقال: "قولُوا لا إلَه إلاَّ الله" فقامُوا وقالُوا ذلكَ ».
القشيري
تفسير : بادوا حين هَجَمَ البلاءُ مستغيثين، وقد فات وقتُ الإشكاء والإجابة.
اسماعيل حقي
تفسير : {كم} مفعول قوله {اهلكنا} ومن فى قوله {من قبلهم} لابتداء الغاية وقوله {من قرن} تمييز. والقرن القوم المقترنون فى زمن واحد. والمعنى قرنا كثيرا اهلكنا من القرون المتقدمة اى امة من الامم الماضية بسبب الاستكبار والخلاف {فنادوا} عند نزول بأسنا وحلول نقمتنا استغاثة او توبة واستغفارا لينجوا من ذلك: وبالفارسية [بس ندا كردند و آواز بلند برداشتندتا كسى ايشانرا بفريادرسد] {ولات حين مناص} حال من ضمير نادوا اى نادوا واستغاثوا طلبا للنجاة والحال ان ليس الحين حين مناص اى فوت وفرار ونجاة لكونه حالة اليأس: وبالفارسية [ونيست آن هنكام وقت رجوع بكريز يزكاه]. فقوله لا هى المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب وثم وخصت بنفى الاحيان ولم يبرز الا احد معموليها اسمها او خبرها والاكثر حذف اسمها. وفى بعض التفاسير لات بمعنى ليس بلغة اهل اليمن انتهى. والوقف عليها بالتاء عند الزجاج وابى على وعند الكسائى نحو قاعدة وضاربة وعند ابى عبيد على لا ثم يبتدىء تحين مناص لانه عنده ان هذه التاء تزاد مع حين فيقال كان هذا تحين كان ذاك كذا فى الوسيط. والمناص المنجأ اى النجاة والفوت عن الخصم على انه مفعل من ناصه ينوصه اذا فاته اريد به المصدر ويقال ناص ينوص اى هرب وقال اى تأخر ومنه ناص قرنه اى تأخر عنه حينا. وفى المفردات ناص الى كذا التجأ اليه وناص عنه تنحى ينوص نوصا. والمناص الملجأ انتهى [در معالم فرموده كه عادت كفار مكى آن بودكه جون دركارزاركار بر ايشان زار شدى كفتندى مناص مناص يعنى بكر زيد حق سبحانه وتعالى خبر ميدهدكه بهنكام حلول عذاب دربدر خلاص مناص خواهند كفت وآنجا جاى كريز نخواهدبود]
الجنابذي
تفسير : {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} امّة هالكة تهديد لهم على كفرهم {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} هو من قولهم وما تنادوا به او من الله او من الملائكة، حكى بتقدير القول اى فنادوا او قال الله او الملائكة لات حين مناص وزيادة التّاء على لا للتّأكيد.
اطفيش
تفسير : {كَمْ} للاخبار والتكثير مفعول (لأهلكنا) والمراد الوعيد كأنه قيل: نهلككم كما {أَهْلَكْنَا} كثيراً* {مِّن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} لكفرهم واستكبارهم عن الايمان كما كفر الكثير المهلك قبلهم فذلك وعيد على الكفر والمراد بالقرن أمة من الأمم الماضية* {فَنَادَوا} الفاء بمعنى الواو أو لترتيب الاخبار أو على أصلها أي أردنا اهلاكهم أو وجهنا الاهلاك اليهم فنادوا أي استغاثوا وتابوا واستغفروا حين نزول العذاب عليهم والواو في قوله: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} واو الحال منفكة عنها واو الجماعة قبلها أو مدغمة فيها و (لا) نافية و (التاء) زائدة لتأكيد النفي كما تزاد فى ثم (ثمت) وهي مفصولة والوقف عليها وقد كتبت فيما ذكره ابن جرير متصلة بالحين (لا تحين مناصاً) فى كتاب عثمان وفيه خروج عن قياس الكتابة (ولا تحين مناص). وقرأ الجمهور بنصب (حين) (لات الحين حين مناص) أي ليس الحين الذي نادوا فيه حين مناص أو عملت عمل (ان) و (حين) اسمها وخبرها محذوف أي لهم أو مهملة وحين مفعول لمحذوف أى (لا أرى حين مناص) وقرئ برفع (حين) على أنه اسم أو على أنه مبتدأ ويلزم هذا الأخير عدم تكرار (لا) مع أنها أهملت ودخلت على الاسمية الا أن يخصص وجوب التكرار بغير لات، وقرئ بالجر فقال الفراء: ان (لات) تجر الحين، وقيل الكسر بناء لاضافة الحين للمناص المضاف للمبني تقديراً أي مناصهم والمضاف للمبنى يجوز بناؤه، وقرئ (لات) بالكسر على أصل التقاء الساكنين والكوفيون يقفون عليها بابدال التاء هاء والبصريون يقفون بالتاء كتاء الافعال نحو (ثبت وخبت ومات) وبسطت الكلام على ذلك فى حاشية شرح الشذور وغيرها (والمناص) المفر أي الفرار وهو مصدر ميمي بمعنى المنصوص والمراد أنه أهلكنا كثيرا مما سبق زمانهم زمان كفار مكة ونادوا حين لا ينفعهم نداء وهم وحين لا ملجأ لهم ولا نجاة ولم يعتبر كفار مكة بهم حتى وقع بهم مثل ذلك. قال ابن عباس: كان كفار مكة اذا قاتلوا فاضطربوا فى الحرب قال بعضهم لبعض: (مناص) أي اهربوا وخذوا حذركم فلما نزل العذاب ببدر قالوا: (مناص ولات حين مناص)
اطفيش
تفسير : {كَم أهْلَكنا مِن قبْلِهم مِّن قَرنٍ} وعيد لكفرة قريش أن يصيبهم لكفرهم ما أصاب قرونا كثيرة قبلهم لكفرهم، وهو يتضمن التسلية له صلى الله عليه وسلم {فَنادَوْا} يا رب، أو يا قوم أو يا فلان، كل ينادى بما أمكنه بما أمكنه استغاثة حين رأوا العذاب، أو رفعوا أصواتهم بالتوبة {ولاتَ حِينَ مَناص} لا حرف نفى عمل كليس، واسمها محذوف أى لا الحين، أو لا حينهم، وحين خبرها، ومناص تاخر أو فات أو فوت مصدر ميمى، والتاء لتأكيد النفى كما أنها للتأكيد فى علامة، ورواية أو كلمة وضعت عل حدة بالزيادة للتأكيد، ويشبه اللعب قولهم: زيدت لتأنيث الكلمة، أو ليكون بوزن ليس، والجملة حال، والرابط واو الحال، وربطت ايضا بها حينهم المقدر، أو أل فى الحين المقدر للعهد، أو نائبة عن الضمير. وقيل: لا عاملة عمل أن، وحين مناص اسمها، ومضاف اليه، والخبر محذوف أى لهم، وقيل: دخلت على فعل ناصب لحين على المفعولية، أى ولا يرون حين مناص، أو لا يجدون حين مناص، وفى تاء لات الضم والكسر، فهؤلاء ثلاث لغات، والوقف عليها بالتاء كما هو المرسوم. لا بالهاء كما قيل عن الكسائى والفراء إن صح، وقيل: على لا والتاء زائدة فى أول حين كتبت منفصلة خروجا عن القياس. ويدل له قال أبو عبيدة والسخاوى: انهما رأياها متصلة بالحاء خطا فى مصحف عثمان، والأصل حمله على قياس الخط لا دعوى أنها مع لا، وأنها كتبت متصلة بالحاء شذوذا، وقد وردت زيادتها أول حين، والآن نثرا ونظما يقولون: اذهب لحين، وذاهب تلان قال: شعر : العاطفون تحين لا من عاطف والمطعمون زمان ماض مطعم تفسير : ولا دليل على أن لات هو ليس أبدلت الياء ألف، والسين تاء والأصل عدم القلب، ولو كان أصل ليس كسر الياء فتقلب ألفا لتحركها بعد فتح، لأن ذلك أصل ملغى، ولا دليل على دعوى أنه اعتبر جمودها، فسكنت الياء واعتبر تحركها فقلبت.
الالوسي
تفسير : {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } وعيد لهم على كفرهم واستكبارهم ببيان ما أصاب أضرابهم. و {كَمْ } مفعول {أَهْلَكْنَا } و {مّن قَرْنٍ } تمييز، والمعنى، قرناً كثيراً أهلكنا من القرون الخالية {فَنَادَوْاْ } عند نزول بأسنا وحلول نقمتنا استغاثة لينجوا من ذلك، وقال الحسن وقتادة: رفعوا أصواتهم بالتوبة حين عاينوا العذاب لينجوا منه {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } حال من ضمير {نَادُواْ } والعائد مقدر وإن لم يلزم أي مناصهم ولات هي لا المشبهة بليس عند سيبويه زيدت عليها تاء التأنيث لتأكيد معناها وهو النفي لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى أو لأن التاء تكون للمبالغة كما في علامة أو لتأكيد شبهها بليس بجعلها على ثلاثة أحرف ساكنة الوسط، وقال الرضي: إنها لتأنيث الكلمة فتكون فتأكيد التأنيث واختصت بلزوم الأحيان ولا يتعين لفظ الحين إلا عند بعض وهو محجوج بسماع دخولها على مرادفه، وقول المتنبـي: شعر : لقد تصبرت حتى لات مصطبر والآن أقحم حتى لات مقتحم تفسير : وإن لم يهمنا أمره مخرج على ذلك بجعل المصطبر والمقتحم اسمي زمان أو القول بأنها داخلة فيها على لفظ حين مقدر بعدها؛ والتزموا حذف أحد الجزأين والغالب حذف المرفوع كما هنا على قراءة الجمهور أي ليس الحين حين مناص، ومذهب الأخفش أنها لا النافية للجنس العاملة عمل إن زيدت عليها التاء فحين مناص اسمها والخبر محذوف أي لهم، وقيل إنها لا النافية للفعل زيدت عليها التاء ولا عمل لها أصلاً فإن وليها مرفوع فمبتدأ حذف خبره أو منصوب كما هنا فبعدها فعل مقدر عامل فيه أي ولا ترى حين مناص. وقرأ أبو السمال {ولات حين} بضم التاء ورفع النون فعلى مذهب سيبويه {حِين} اسم {لات} والخبر محذوف أي ليس حين مناص حاصلاً/ لهم، وعلى القول الأخير مبتدأ خبره محذوف وكذا على مذهب الأخفش فإن من مذهبه كما في «البحر» أنه إذا ارتفع ما بعدها فعلى الابتداء أي فلا حين مناص كائن لهم. وقرأ عيسى بن عمر {ولات حين} بكسر التاء مع النون كما في قول المنذر بن حرملة الطائي النصراني: شعر : طلبوا صلحنا ولات أوان فأجبنا أن لات حين بقاء تفسير : وخرج ذلك إما على أن لات تجر الأحيان كما أن لولا تجر الضمائر كلولاك ولولاه عند سيبويه، وإما على إضمار من كأنه قيل: لات من حين مناص ولات من أوان صلح كما جروا بها مضمرة في قولهم على كم جذع بيتك أي من جذع في أصح القولين، وقولهم: شعر : ألا رجل جزاه الله خيراً تفسير : يريدون ألا من رجل، ويكون موضع من حين مناص رفعاً على أنه اسم لات بمعنى ليس كما تقول ليس من رجل قائماً، والخبر محذوف على قول سيبويه وعلى أنه مبتدأ والخبر محذوف على قول غيره، وخرج الأخفش ولات أوان على إضمار حين أي ولات حين أوان صلح فحذفت حين وأبقى أوان على جره، وقيل: إن أوان في البيت مبني على الكسر وهو مشبه بإذ في قول أبـي ذؤيب: شعر : نهيتك عن طلابك أم عمرو بعاقبة وأنت إذ صحيح تفسير : ووجه التشبيه أنه زمان قطع عنه المضاف إليه لأن الأصل أوان صلح وعوض التنوين فكسر للالتقاء الساكنين لكونه مبنياً مثله فهما شبهان في أنهما مبنيان مع وجود تنوين في آخرهما للعوض يوجب تحريك الآخر بالكسر وإن كان سبب البناء في أوان دون إذ شبه الغايات حيث جعل زماناً قطع عنه المضاف إليه وهو مراد وليس تنوين العوض مانعاً عن الإلحاق بها فإنها تبنى إذا لم يكن تنوين لأن علته الاحتياج إلى المحذوف كاحتياج الحرف إلى ما يتم به، وهذا المعنى قائم نون أو لم ينون فإن التنوين عوض لفظي لا معنوي فلا تنافي بين التعويض والبناء لكن اتفق أنهم لم يعوضوا التنوين إلا في حال إعرابها وكأن ذلك لئلا يتمحض للتعويض بل يكون فيها معنى التمكن أيضاً فلا منافاة، وثبت البناء فيما نحن فيه بدليل الكسر وكانت العلة التي في الغايات قائمة فأحيل البناء عليها، واتفق أنهم عوضوا التنوين هٰهنا تشبيهاً بإذ في أنها لما قطعت عن الإضافة نونت أو توفية لحق اللفظ لما فات حق المعنى، وخرجت القراءة على حمل {مناص} على أوان في البيت تنزيلاً لما أضيف إليه الظرف وهو {حين} منزلة الظرف لأن المضاف والمضاف إليه كشيء واحد فقدرت ظرفيته وهو قد كان مضافاً إذ أصله مناصهم فقطع وصار كأنه ظرف مبني مقطوع عن الإضافة منون لقطعه ثم بنى ما أضيف إليه وهو {حِينٍ } على الكسر لإضافته إلى ما هو مبني فرضاً وتقديراً وهو {مَنَاصٍ } المشابه لأوان. وأورد عليه أن ما ذكر من الحمل لم يؤثر في المحمول نفسه فكيف يؤثر فيما يضاف إليه على أن في تخريج الجر في البيت على ذلك ما فيه، والعجب كل العجب ممن يرتضيه، وضم التاء على قراءة أبـي السمال وكسرها على قراءة عيسى للبناء، وروي عن عيسى {ولات حين} بالضم {مَنَاص} بالفتح، قال صاحب «اللوامح»: فإن صح ذلك فلعله بنى {حِين} على الضم تشبيهاً بالغايات وبنى {مناص} على الفتح مع {لات} وفي الكلام تقديم وتأخير أي ولات مناص حين لكن لا إنما تعمل في النكرات المتصلة بها دون المنفصلة عنها ولو بظرف، وقد يجوز أن يكون لذلك معنى لا أعرفه انتهى. وأهون من هذا فيما أرى كون {حِين} معرباً مضافاً إلى {مَنَاص} والفتح لمجاورة واو العطف في قوله تعالى: {أية : وَعَجِبُواْ}تفسير : [ص: 4] نظير فتح الراء من غير في قوله: شعر : / لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في غصون ذات أو قال تفسير : على قول والأغلب على الظن عدم صحة هذه القراءة. وقرأ عيسى أيضاً كقراءة الجمهور إلا أنه كسر تاء {لات} وعلم من هذه القراءات أن في تائها ثلاث لغات. واختلفوا في أمر الوقف عليها فقال سيبويه، والفراء وابن كيسان والزجاج: يوقف عليها بالتاء، وقال الكسائي: والمبرد بالهاء، وقال أبو علي: ينبغي أن لا يكون خلاف في أن الوقف بالتاء لأن قلب التاء هاء مخصوص بالأسماء؛ وزعم قوم أن التاء ليست ملحقة بلا وإنما هي مزيدة في أول ما بعدها واختاره أبو عبيدة، وذكر أنه رأى في الإمام {ولا تحين مناص} برسم التاء مخلوطاً بأول حين، ولا يرد عليه أن خط المصحف خارج عن القياس الخطي إذ لم يقع في الإمام في محل آخر مرسوماً على خلاف ذلك حتى يقال ما هنا مخالف للقياس والأصل اعتباره إلا فيما خصه الدليل، ومن هنا قال السخاوي في «شرح الرائية» أنا أستحب الوقف على لا بعد ما شاهدته في مصحف عثمان رضي الله تعالى عنه، وقد سمعناهم يقولون: اذهب تلان وتحين بدون لا وهو كثير في النثر والنظم انتهى، ومنه قوله: شعر : العاطفون تحين لا من عاطف والمطعمون زمان ما من مطعم تفسير : وكون أصله العاطفونه بهاء السكت فلما أثبتت في الدرج قلبت تاء مما لا يصغى إليه، نعم الأولى اعتبار التاء مع لا لشهرة حين دون تحين، وقال بعضهم: إن لات هي ليس بعينها وأصل ليس ليس بكسر الياء فأبدلت ألفاً لتحركها بعد فتحة وأبدلت السين تاء كما في ست فإن أصله سدس، وقيل: إنها فعل ماض ولات بمعنى نقص وقل فاستعملت في النفي كقل وليس بالمعول عليه. والمناص المنجا والفوت يقال: ناصه ينوصه إذا فاته، وقال الفراء: النوص التأخر يقال ناص عن قرنه ينوص نوصاً ومناصاً أي فر وزاغ، ويقال استناص طلب المناص قال حارثة بن بدر يصف فرساً له: شعر : غمر الجراء إذا قصرت عنانه بيدي استناص ورام جرى المسحل تفسير : وعلى المعنى الأول حمله بعضهم هنا وقال: المعنى نادوا واستغاثوا طلباً للنجاة والحال أن ليس الحين حين فوات ونجاة؛ وعن مجاهد تفسيره بالفراء، وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قوله تعالى: {ولاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } فقال: ليس بحين فرار وأنشد له قول الأعشى: شعر : تذكرت ليلى لات حين تذكر وقد بنت عنها والمناص بعيد تفسير : وعن الكلبـي أنه قال: كانوا إذا قاتلوا فاضطروا قال بعضهم لبعض: مناص أي عليكم بالفرار فلما أتاهم العذاب قالوا: مناص فقال الله تعالى: {ولاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } قال القشيري: فعلى هذا يكون التقدير فنادوا مناص فحذف لدلالة ما بعده عليه أي ليس الوقت وقت ندائكم به، والظاهر أن الجملة على هذا التفسير حالية أي نادوا بالفرار وليس الوقت وقت فرار، وقال أبو حيان في تقرير الحالية: وهم لات حين مناص أي لهم، وقال الجرجاني: أي فنادوا حين لا مناص أي ساعة لا منجا ولا فوت فلما قدم لا وأخر حين اقتضى ذلك الواو كما يقتضي الحال إذا جعل مبتدأ وخبراً مثل جاء زيد راكباً ثم تقول جاء زيد وهو راكب فحين ظرف لقوله تعالى: {فَنَادَوْاْ } انتهى. وكون الأصل ما ذكر أن {حِينٍ } ظرف لنادوا دعوى أعجمية مخالفة لذوق الكلام العربـي لا سيما ما هو أفصح الكلام ولا أدري ما الذي دعاه لذلك.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني لأن العزة عن الحق والشقاقَ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم مما يثير في خاطر السامع أن يسأل عن جزاء ذلك فوقع هذا بياناً له، وهذه الجملة معترضة بين جملة {أية : بل الذين كفروا في عزَّةٍ وشقاق}تفسير : [ص:2]، وبين جملة {أية : وعجبوا أن جاءهم منذرٌ منهم}تفسير : [ص:4]. وكان هذا البيان إخبَاراً مُرفَقاً بحجة من قبيل قياس تمثيل، لأن قوله: {مِن قبلهم} يؤذن بأنهم مثلهم في العزة والشقاق ومتضمناً تحذيراً من التريث عن إجابة دعوة الحق، أي ينزل بهم العذاب فلا ينفعهم ندم ولا متاب كما لم ينفع القرون من قبلهم. فالتقدير: سيجازَوْن على عزتهم وشقاقهم بالهلاك كما جُوزِيَتْ أمم كثيرة من قبلهم في ذلك فليحذروا ذلك فإنهم إن حقت عليهم كلمة العذاب لم ينفعهم متاب كما لم ينفع الذين من قبلهم متاب عند رؤية العذاب. و {كم} اسم دال على عدد كثير. و {مِن قَرنٍ} تمييز لإِبهام العدد، أي عدداً كثيراً من القرون، وهي في موضع نصب بالمفعولية لــــ {أهْلَكنا}. والقرن: الأمة كما في قوله تعالى: {أية : ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين}تفسير : [المؤمنون:42]. و {من قبلهم} يجوز أن يكون ظرفاً مستقراً جعل صفة لــــ {قَرْنٍ} مقدمة عليه فوقعت حالاً، وإنما قدم للاهتمام بمضمونه ليفيد الاهتمامُ إيماء إلى أنهم أسوة لهم في العِزّة والشقاق وأن ذلك سبب إهلاكهم. ويجوز أن يكون متعلقاً بــــ {أهلكنا} على أنه ظرف لغو، وقدم على مفعول فعله مع أن المفعول أولى بالسبق من بقية معمولات الفعل ليكون تقديمه اهتماماً به إيماء إلى الإِهلاك كما في الوجه الأول. وفرع على الإِهلاك أنهم نادوا فلم ينفعهم نداؤهم، تحذيراً من أن يقع هؤلاء في مثل ما وقعت فيه القرون من قبلهم إذ أضاعوا الفرصة فنادوا بعد فواتها فلم يفدهم نداؤهم ولا دعاؤهم. والمراد بالنداء في {فنَادوا} نداؤهم الله تعالى تَضرعاً، وهو الدعاء كما حكي عنهم في قوله تعالى: {أية : ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون}تفسير : [الدخان:12]. وقوله: {أية : حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون}تفسير : [المؤمنون:64]. وجملة {ولاَتَ حينَ منَاصٍ} في موضع الحال، والواو واو الحال، أي نادوا في حال لا حين مناص لهم. و {لات} حرف نفي بمعنى (لا) المشبهة بــــ (ليس) و {لات} حرف مختص بنفي أسماء الأزمان وما يتضمن معنى الزمان من إشارة ونحوها. وهي مركبة من (لا) النافية وصُلت بها تاء زائدة لا تفيد تأنيثاً لأنها ليست هاء وإنما هي كزيادة التاء في قولهم: رُبَّت وثُمَّت. والنفي بها لغير الزمان ونحوه خطَأ في اللغة وقع فيه أبو الطيب إذ قالشعر : لقد تَصبرت حتى لاتَ مصطبَر والآن أقحم حتى لات مقتحم تفسير : وأغفل شارحو ديوانه كلُّهم وقد أدخل {لات على غير اسم زمان. وأيًّا مَّا كان فقد صارت (لا) بلزوم زيادة التاء في آخرها حرفاً مستقلاً خاصاً بنفي أسماء الزمان فخرجت عن نحو: رُبَّت وثَمَّتَ. وزعم أبو عبيد القاسم بن سلام أن التاء في {ولاَتَ حينَ مناصٍ} متصلة بــــ {حِينَ} وأنه رآها في مصحف عثمان متصلة بــــ {حين} وزعم أن هذه التاء تدخل على: حين وأوان وآن يريد أن التاء لاحقة لأول الاسم الذي بعد (لا) ولكنه لم يفسر لدخولها معنى. وقد اعتذر الأيمة عن وقوع التاء متصلة بــــ {حين} في بعض نسخ المصحف الإِمام بأن رسم المصحف قد يخالف القياس، على أن ذلك لا يوجد في غير المصحف الذي رآه أبو عبيد من المصاحف المعاصرة لذلك المصحف والمرسومة بعده. والمناص: النجاء والفوت، وهو مصدر ميمي، يقال: ناصه، إذا فاته. والمعنى: فنادَوا مبتهلين في حال ليس وقت نجاء وفَوت، أي قد حق عليهم الهلاك كما قال تعالى: {أية : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة اللَّه التي قد خلت في عباده}تفسير : [غافر: 85].
الشنقيطي
تفسير : كم هنا هي الخبرية، ومعناها الإخبار عن عدد كثير، وهي في محل نصب، على أنها مفعول به لأهلكنا وصيغة الجمع في أهلكنا للتعظيم، ومن في قوله: من قرن، مميزة لكم، والقرن يطلق على الأمة وعلى بعض من الزمن، أشهر الأقوال فيه أنه مائة سنة، والمعنى أهلكنا كثيراً من الأمم السالفة من أجل الكفر، وتكذيب الرسل فعليكم أن تحذروا يا كفار مكة من تكذيب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الكفر بما جاء به لئلا نهلككم بسبب ذلك كما أهلكنا به القرون الكثيرة الماضية. وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل: الأولى: أنه أهلك كثيراً من القرون الماضية، يهدد كفار مكة بذلك. الثانية: أنهم نادوا أي عند معاينة أوائل الهلاك. الثالثة: أن ذلك الوقت الذي هو وقت معاينة العذاب ليس وقت نداء، أي فهو وقت لا ملجأ فيه، ولا مفر من الهلاك بعد معاينته. وقد ذكر جل وعلا هذه المسائل الثلاث المذكورة هنا موضحة في آيات كثيرة من كتابه. أما المسألة الأولى: وهي كونه أهلك كثيراً من الأمم، فقد ذكرها في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} تفسير : [الإسراء: 17] وقوله تعالى: {أية : فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} تفسير : [الحج: 45] الآية. وقوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [ابراهيم: 9] الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقد ذكر جل وعلا في آيات كثيرة أن سبب إهلاك تلك الأمم الكفر بالله وتكذيب رسله كقوله في هذه الآية الأخيرة مبيناً سبب إهلاك تلك الأمم التي صرح بأنها (لا يعلمها إلا الله) {أية : جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} تفسير : [ابراهيم: 9]. وقد قدمنا في الكلام على هذه الآية من سورة إبراهيم، أقوال العلم في قوله تعالى: {أية : فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ} تفسير : [إبراهيم: 9] وبينا دلالة القرآن على بعضها، وكقوله تعالى {أية : وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً} تفسير : [الطلاق: 8ـ9] وقوله تعالى: {أية : وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً} تفسير : [الفرقان: 37] إلى قوله تعالى: {أية : وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً} تفسير : [الفرقان: 38ـ39] وقوله تعالى: {أية : إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} تفسير : [ص: 14] وقوله تعالى: {أية : كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} تفسير : [ق: 14] والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقد بين تعالى أن المراد بذكر إهلاك الأمم الماضية بسبب الكفر وتكذيب الرسل تهديد كفار مكة، وتخويفهم من أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك إن تمادوا على الكفر وتكذيبه صلى الله عليه وسلم. ذكر تعالى ذلك في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} تفسير : [محمد: 10] لأن قوله تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} تهديد عظيم بذلك. وقوله تعالى: {أية : جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} تفسير : [هود: 82ـ83] فقوله: وما هي من الظالمين ببعيد فيه تهديد عظيم لمن يعمل عمل قوم لوط من الكفر وتكذيب نبيهم، وفواحشهم المعروفة، وقد وبخ تعالى من لم يعتبر بهم، ولم يحذر أن ينزل به مثل ما نزل بهم، كقوله في قوم لوط: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلْلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137ـ138] وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} تفسير : [الفرفان: 40]. وقوله تعالى: {أية : وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [العنكبوت: 35]. وقوله فيهم: {أية : وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} تفسير : [الحجر: 76]. وقوله فيهم وفي قوم شعيب {أية : وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الحجر: 79] والآيات بمثل ذلك كثيرة. وأما المسألة الثانية: وهي نداؤهم إذا أحسوا بأوائل العذاب فقد ذكر تعالى في آيات من كتابه نوعين من أنواع ذلك النداء. أحدهما: نداؤهم باعترافهم أنهم كانوا ظالمين، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ} تفسير : [الأنبياء: 11] إلى قوله تعالى: {أية : قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ} تفسير : [الأنبياء: 14ـ15] وقوله تعالى: {أية : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِين} تفسير : [الأعراف: 4ـ5]. الثاني: من نوعي النداء المذكور نداؤهم بالإيمان بالله مستغيثين من ذلك العذاب الذي أحسوا أوائله، كقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَافِرُون} تفسير : [غافر: 84ـ85] وهذا النوع الأخير هو الأنسب والأليق بالمقام، لدلالة قوله: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} [ص:3] عليه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} الذي هو المسألة الثالة، معناه: ليس الحين الذي نادوا فيه، وهو وقت معاينة العذاب، حين مناص، أي ليس حين فرار ولا ملجأ من ذلك العذاب الذي عاينوه. فقوله: ولات هي لا النافية زيدت بعدها تاء التأنيث اللفظية كما زيدت في ثم، فقيل فيها ثمت، وفي رب، فقيل فيها ربت. وأشهر أقوال النحويين فيها، أنها تعمل عمل ليس وأنها لا تعمل إلا في الحين خاصة، أو في لفظ الحين ونحوه من الأزمنة، كالساعة والأوان، وأنها لا بد أن يحذف اسمها أو خبرها والأكثر حذف المرفوع منهما وإثبات المنصوب، وربما عكس، وهذا قول سيبويه وأشار إليه ابن مالك في الخلاصة بقوله: شعر : في النكرات أعملت كليس "لا" وقد تلى "لات" و "إن" ذا العملا وما للات في سوى حين عمل وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل تفسير : والمناص مفعل من النوص، والعرب تقول: ناصه ينوصه إذا فاته وعجز عن إدراكه، ويطلق المناص على التأخر لأن من تأخر ومال إلى ملجأ ينقذه مما كان يخافه فقد وجد المناص. والمناص والملجأ والمفر والموئل معناها واحد، والعرب تقول: استناص إذا طلب المناص، أي السلامة والمفر مما يخافه، ومنه قول حارثة بن بدر: شعر : غمر الجراء إذا قصرت عنانه بيدي استناص ورام جري المسحل تفسير : والأظهر أن إطلاق النوص على الفوت والتقدم، وإطلاقه على التأخر والروغان كلاهما راجع إلى شيء واحد. لأن المناص مصدر ميمي معناه المنطبق على جزئياته، أن يكون صاحبه في كرب وضيق، فيعمل عملاً، يكون به خلاصه ونجاته من ذلك. فتارة يكون ذلك العمل بالجري والإسراع أمام من يريده بالسوء، وتارة يكون بالتأخر والروغان حتى ينجو من ذلك. والعرب تطلق النوص على التأخر. والبوص بالباء الموحدة التحتية على التقدم، ومنه قول امرئ القيس: شعر : أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص فتقصر عنها خطوة وتبوص تفسير : وأصوب الأقوال في لات أن التاء منفصلة عن حين وأنها تعمل عمل ليس خلافاً لمن قال: إنها تعمل عمل إن، ولمن قال: إن التاء متصلة بحين وأنه رآها في الإمام، وهو مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه متصلة بها. وعلى قول الجمهور منهم القراء السبعة، أن التاء ليست موصولة بحين، فالوقف على لات بالتاء عند جميعهم، إلا الكسائي فإنه يقف عليها بالهاء. أما قراءة كسر التاء وضمها فكلتاهما شاذة لا تجوز القراءة بها، وكذلك قراءة كسر النون من حين، فهي شاذة لا تجوز، مع أن تخريج المعنى عليها مشكل. وتعسف له الزمخشري وجهاً لا يخفى سقوطه، ورده عليه أبو حيان في البحر المحيط، واختار أبو حيان أن تخريج قراءة الكسر أن حين مجرورة بمن محذوفة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} أصل النداء: رفع الصوت، والعرب تقول: فلان أندى صوتاً من فلان، أي أرفع، ومنه قوله: شعر : فقلت ادعى وأدعو إن أندا لصوت أن ينادي داعيان تفسير : وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الأمم الماضية المهلكة ينادون عند معاينة العذاب، وأن ذلك الوقت ليس وقت نداء إذ لا ملجأ فيه ولا مفر ولا مناص. ذكره في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} تفسير : [غافر: 84ـ85] الآية. وقوله تعالى: {أية : فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ} تفسير : [الأنبياء: 12ـ15] إلى غير ذلك من الآيات. وقد بين تعالى وقوع مثل ذلك في يوم القيامة في آيات من كتابه تعالى: {أية : ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ} تفسير : [الشورى: 47]. وقوله تعالى: {أية : فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ كَلاَّ لاَ وَزَرَ} تفسير : [القيامة: 7ـ11] والوزر: الملجأ، ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه شعر : والناس إلب علينا فيك ليس لنا إلا الرماح وأطراف القنا وزر تفسير : وكقوله تعالى: {أية : بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} تفسير : [الكهف: 58] والموئل اسم مكان من وأل يئل إذا وجد ملجأ يعتصم به، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس: شعر : وقد أخالس رب البيت غفلته وقد يحاذر مني ثم مائيل تفسير : أي ثم ما ينجو
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 3- كثيراً ما أهلكنا قبلهم من أمة مكذبة، فاستغاثوا حين جاءهم العذاب، وليس الوقت وقت خلاص منه. 4- وعجب هؤلاء أن جاءهم رسول بشر مثلهم، وقال الجاحدون لرسالته: هذا مموه شديد الكذب. 5- أجعل الآلهة المتعددة إلهاً واحداً؟ إن هذا الأمر بالغ نهاية العجب. 6- واندفع الكُبراء منهم يوصى بعضهم بعضاً: أن سيروا على طريقتكم، واثبتوا على عبادة آلهتكم. إن هذا لأمر جسيم يراد بنا. 7- ما سمعنا بهذا التوحيد فى دين آبائنا الذين أدركناهم. ما هذا إلا كذب مصنوع. 8- أخص محمد من بيننا بشرف نزول القرآن عليه؟ ليس الحق فى شئ مما زعموا بل هم من القرآن فى حيرة وتخبط. بل إنهم لم يتحيروا ويتخبطوا إلا لأنهم لم يذوقوا عذابى بعد وإنهم لذائقوه. 9- بل نسأل هؤلاء الحاسدين لك: أعندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب، حتى يتخيروا للنبوة من تهوى أنفسهم؟. 10- بل نسألهم: ألهم مُلْك السموات والأرض وما بينهما؟! إذن فليتدرجوا فى المراقى إلى المنزلة التى يتحكمون فيها بما يشاءون، إن استطاعوا. 11- جند حقير هنالك مهزوم - لا محالة - كما هزم أمثالهم من المتحزبين على الأنبياء؟
د. أسعد حومد
تفسير : (3) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى هَؤُلاَءِ الكَافِرِينَ المُعَانِدِينَ المُشَاقِّينَ لِلرَّسُولِ الكَرِيمِ إِلَى أَنَّهُ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَثِيراً مِنَ الأُمَمِ (مِنْ قَرْنٍ) المُكَذِّبَةِ، فَنَادَوْا حِينَ جَاءَهُمُ العَذَابُ، وَاسْتَغَاثُوا وَجَأَرُوا إِلَى اللهِ بالدُّعَاءِ، فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ ذَلِكَ شَيْئاً، لأَِنَّ أَوَانَ العَمَلِ والتَّوْبَةِ قَدْ فَاتَ، وَجَاءَ البأْسُ، فَلَيْسَ الوَقْتُ وَقْتَ فِرَارٍ وَهَرَبٍ مِنَ العِقَابِ. كَمْ أَهْلَكْنَا - كَثِيراً مَا أَهْلَكْنَا. قَرْنٍ - أُمَّةٍ. فَنَادَوْا - فَاسْتَغَاثُوا حِينَ عَايَنُوا العَذَابَ. وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ - لَيْسَ الوَقْتُ وَقْتَ فِرَارٍ وَخَلاَصٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (كم) هنا خبرية تفيد الكثرة، فكأن الحق سبحانه ترك للمخاطب أنْ يتصوَّر الكمية ويُحدِّد الكمية في كم، وأنت لا تستخدم هذا الأسلوبَ إلا وأنت واثق من هذه الكثرة، كما تقول لمن يجحد فضلك: كم أعطيتُك أو كم صبرتُ عليك، يعني: مراراً كثيرة. والقرن قلنا: إنه الفترة أو الطائفة من الزمن يحكمها مشخِّص واحد كالنبوة أو غيرها، كما نقول قوم نوح أو قوم هود، وقد اصطلح على أن القرن مائة سنة، وسُمِّيتْ قرناً لأنها متقارنة بعضها ببعض. وفي قوله تعالى {مِن قَبْلِهِم} [ص: 3] احتياط جميل لأنه بعد بعثة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهلك الله قوماً بالجملة كما حدث قبله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك خاطب الحق سبحانه رسوله محمداً بقوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} تفسير : [الأنفال: 33]. فقوله تعالى: {مِن قَبْلِهِم} [ص: 3] يعني: هذه مسألة سبقتْ ولن تتكرر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهذه المسألة تجد لها نظيراً في قوله تعالى: {أية : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ} تفسير : [البقرة: 91]. لو لم يقُلْ الحق سبحانه (من قبل) لظَنَّ سيدنا رسول الله أن قومه ربما قتلوه كما قتل الأنبياء قبله، لكن الحق سبحانه يُطمئِنُ رسوله بقوله {أية : مِن قَبْلُ} تفسير : [البقرة: 91] يعني: اطمئن، فهذه لن تتكرر، وفي هذا تثبيت لفؤاده صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {فَنَادَواْ} [ص: 3] يعني: ساعة حَلَّ بهم العذاب، ونزل بهم الهلاك العام نادوا نداءً عاماً لكل مَنْ يسمع ليُخلِّصهم ويُغيثهم وينقذهم، لكن ينادون مَنْ؟ لم يحدد القرآنُ المنادي ليدل على ما هم فيه من الفزع؛ لذلك نجد أن المناداة للفزع إلى مَنْ يخلصك مما لا تقدر عليه لها مراحل على قَدْر الخطر الذي تتعرض له، فلو رماك أحدٌ مثلاً بحجر تنادي ذاتك وتستدعي بعضك، فتحرك يدك مثلاً أو رِجْلك لتتفادى الأذى. فإنْ كان الخطر فوق استطاعتك تنادي أقربَ الناس إليك أباك، أمك، أخاك، جارك، مَنْ يسير معك في الشارع .. إلخ فإذا لم تجد مغيثاً في هؤلاء تقول يا هوه. وقلنا: إنها تعني يا هُوَ يعني: يا الله ليس لي سواك أناديه وألجأ إليه. وهؤلاء لما نزل بهم الهلاك نادوا نداءً عاماً لكل مَنْ يستطيع أنْ ينقذهم ويغيثهم، لكن هيهات فمَنْ يغيثهم إنْ كان ما ينزل بهم من الله؟ إذن: نداؤهم لا جدوى منه {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} [ص: 3] كلمة (لات) مكوَّنة من لا النافية زيدتْ عليها التاء، لا للنفي عموماً فتنفي مرة المكين كما لو قلت: لا رجلَ في الدار وتنفي المكان كما لو قلتَ: لا دارَ أسكنها، فإذا زيدتْ عليها التاء نفتْ الزمن خاصة؛ لذلك جاءتْ بعدها كلمة (حين) وهي مثل: ثَمَّ وثمَّة، قال الشاعر: شعر : ثُمَّتَ قُمْنَا إلَى جُردٍ مُسَوَّمَةٍ أعْرافُهُنَّ لأَيْدِينَا مَنَادِيلُ تفسير : ومعنى (مناص) يعني: مفَرّ ومَهْرب. فالمعنى {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} [ص: 3] يعني: ليس الوقتُ وقتَ مفَر ولا مهربَ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} معناه ليس بحينِ نَزوٍ ولا فِرارٍ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 819 : 2 : 6 - حدثنا سفين عن أبي اسحاق عن التميمي عن بن عباس في قوله {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} قال، نادوا، وليس بحين نزو ولا فرار. [الآية 3].
همام الصنعاني
تفسير : 2573- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ}: [الآية: 3]، قَال: نَادَوا على غير حين النداء. 2574- عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عِكْرِمة، ونادَوا وليس بحين انفلات. 2575- عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عيينة، عن أصحابه، عن أبي إسحاق، عن (رجل من بني تميم)، أنه سأل ابن عباس قال: ما {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ}: [الآية: 3]؟ قال: بحين نزو ولا فرار: قال: وذكره إسْرائيل، عن (أبي إسحاق)، عن التميمي عن ابن عباس مثله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):