٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار كونهم في عزة وشقاق أردفه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال: {وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ } في قوله: {مِنْهُمْ } وجهان الأول: أنهم قالوا: إن محمداً مساو لنا في الخلفة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة، فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا المنصب العالي والدرجات الرفيعة والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهالتهم، وذلك لأنه جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة، والتنفير عن الدنيا، ثم إن هذا الرجل من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً من الكذب والتهمة؛ وكل ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه، ثم إن هؤلاء الأقوام لحماقتهم يتعجبون من قوله، ونظيره قوله: {أية : أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } تفسير : [المؤمنون: 69] فقال: {وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ } ومعناه أن محمداً كان من رهطهم وعشيرتهم وكان مساوياً لهم في الأسباب الدنيوية فاستنكفوا من الدخول تحت طاعته ومن الانقياد لتكاليفه، وعجبوا أن يختص هو من بينهم برسالة الله وأن يتميز عنهم بهذه الخاصية الشريفة، وبالجملة فما كان لهذا التعجب سبب إلا الحسد. ثم قال تعالى: {وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ } وإنما لم يقل وقالوا بل قال: {وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } إظهاراً للتعجب ودلالة على أن هذا القول لا يصدر إلا عن الكفر التام، فإن الساحر هو الذي يمنع من طاعة الله ويدعو إلى طاعة الشيطان ودلالة على أن هذا القول لا يصدر إلا عن الكفر التام، فإن الساحر هو الذي يمنع من طاعة الله ويدعو إلى طاعة الشيطان وهو عندكم بالعكس من ذلك والكذاب هو الذي يخبر عن الشيء لا على ما هو عليه وهو يخبر عن وجود الصانع القديم الحكيم العليم وعن الحشر والنشر وسائر الأشياء التي تثبت بدلائل العقول صحتها فكيف يكون كذاباً، ثم إنه تعالى حكى جميع ما عولوا عليه في إثبات كونه كاذباً وهي ثلاثة أشياء أحدها: ما يتعلق بالإلهيات وثانيها: ما يتعلق بالنبوات وثالثها: ما يتعلق بالمعاد، أما الشبهة المتعلقة بالإلهيات فهي قولهم: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْء عُجَابٌ } روي أنه لما أسلم عمر فرح به المسلمون فرحاً شديداً وشق ذلك على قريش فاجتمع خمسة وعشرون نفساً من صناديدهم ومشوا إلى أبي طالب وقالوا أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء يعنون المسلمين فجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك فاستحضر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السؤال فلا تمل كل الميل على قومك، فقال صلى الله عليه وسلم ماذا يسألونني، قالوا ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك، فقال صلى الله عليه وسلم: أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أتعطوني أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم العجم؟ قالوا نعم، قال تقولوا لا إله إلا الله، فقاموا وقالوا: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً وَأَنَّ هَـٰذَا لَشَيْء عُجَابٌ } أي بليغ في التعجب وأقول منشأ التعجب من وجهين الأول: هو أن القوم ما كانوا من أصحاب النظر والاستدلال بل كانت أوهامهم تابعة للمحسوسات فلما وجدوا في الشاهد أن الفاعل الواحد لا تفي قدرته وعلمه بحفظ الخلق العظيم قاسوا الغائب على الشاهد، فقالوا: لا بد في حفظ هذا العالم الكثير من آلهة كثيرة يتكفل كل واحد منهم بحفظ نوع آخر الوجه الثاني: أن أسلافهم لكثرتهم وقوة عقولهم كانوا جاهلين مبطلين، وهذا الإنسان الواحد يكون محقاً صادقاً، وأقول لعمري لو سلمنا إجراء حكم الشاهد على الغائب من غير دليل وحجة، لكانت الشبهة الأولى لازمة، ولما توافقنا على فسادها علمنا أن إجراء حكم الشاهد على الغائب فاسد قطعاً، وإذا بطلت هذه القاعدة فقد بطل أصل كلام المشبهة في الذات وكلام المشبهة في الأفعال، أما المشبهة في الذات فهو أنهم يقولون لما كان كل موجود في الشاهد يجب أن يكون جسماً ومختصاً بحيز وجب في الغائب أن يكون كذلك، وأما المشبهة في الأفعال فهم المعتزلة الذين يقولون إن الأمر الفلاني قبيح منا، فوجب أن يكون قبيحاً من الله، فثبت بما ذكرنا أنه إن صح كلام هؤلاء المشبهة في الذات وفي الأفعال لزم القطع بصحة شبهة هؤلاء المشركين، وحيث توافقنا على فسادها علمنا أن عمدة كلام المجسمة وكلام المعتزلة باطل فاسد. وأما الشبهة الثانية فلعمري لو كان التقليد حقاً لكانت هذه الشبهة لازمة وحيث كانت فاسدة علمنا أن التقليد باطل بقي ههنا أبحاث: البحث الأولى: أن العجاب هو العجيب إلا أنه أبلغ من العجيب كقولهم طويل وطوال وعريض وعراض وكبير وكبار وقد يشدد للمبالغة كقوله تعالى: {أية : وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً } تفسير : [نوح: 22]. الثاني: قال صاحب «الكشاف» قرىء عجاب بالتخفيف والتشديد فقال والتشديد أبلغ من التخفيف كقوله تعالى: {مَكْراً كُبَّاراً }. ثم قال تعالى: {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ ءالِهَتِكُمْ } قد ذكرنا أن الملأ عبارة عن القوم الذين إذا حضروا في المجلس فإنه تمتلىء القلوب والعيون من مهابتهم وعظمتهم، قوله: {مِنْهُمْ } أي من قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب، بعد ما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب العتيد قائلين بعضهم لبعض {أَنِ ٱمْشُواْ واصبروا على آلهتكم } وفيه مباحث: البحث الأول: القراءة المشهورة (أن امشوا) وقرأ ابن أبي عبلة امشوا بحذف أن، قال صاحب: «الكشاف» (أن) بمعنى أي لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما يجري في المجلس المتقدم، فكان انطلاقهم مضمناً معنى القول، وعن ابن عباس: وانطلق الملأ منهم يمشون. البحث الثاني: معنى أن امشوا أنه قال بعضهم لبعض امشوا واصبروا، فلا حيلة لكم في دفع أمر محمد، إن هذا لشيء يراد، وفيه ثلاثة أوجه أحدها: ظهور دين محمد صلى الله عليه وسلم ليس له سبب ظاهر يثبت أن تزايد ظهوره، ليس إلا لأن الله يريده، وما أراد الله كونه فلا دافع له وثانيها: أن الأمر كشيء من نوائب الدهر فلا انفكاك لنا منه وثالثها: أن دينكم لشيء يراد أي يطلب ليؤخذ منكم، قال القفال هذه كلمة تذكر للتهديد والتخويف وكأن معناها أنه ليس غرض محمد من هذا القول تقرير الدين، وإنما غرضه أن يستولى علينا فيحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد. ثم قال: {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِي ٱلْمِلَّةِ ٱلأَخِرَةِ } والملة الآخرة هي ملة النصارى فقالوا إن هذا التوحيد الذي أتي به محمد صلى الله عليه وسلم ما سمعناه في دين النصارى، أو يكون المراد بالمراد بالملة الآخرة ملة قريش التي أدركوا آباءهم عليها، ثم قالوا: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ } افتعال وكذب، وحاصل الكلام من هذا الوجه أنهم قالوا نحن ما سمعنا عن أسلافنا القول بالتوحيد، فوجب أن يكون باطلاً، ولو كان القول بالتقليد حقاً لكان كلام هؤلاء المشركين حقاً، وحيث كان باطلاً علمنا أن القول بالتقليد باطل.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} «أن» في موضع نصب والمعنى من أن جاءهم. قيل: هو متصل بقوله: {فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} أي في عزة وشقاق وعجبوا، وقوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا} معترض. وقيل: لا بل هذا ابتداء كلام؛ أي ومن جهلهم أنهم أظهروا التعجب من أن جاءهم منذر منهم. {وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ} أي يجيء بالكلام المموَّه الذي يخدع به الناس؛ وقيل: يفرق بسحره بين الوالد وولده والرجل وزوجته {كَذَّابٌ} أي في دعوى النبوّة. قوله تعالى: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً} مفعولان أي صيّر الآلهة إلٰهاً واحداً. {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي عجيب. وقرأ السلمي: «عُجَّابٌ» بالتشديد. والعُجَاب والعُجّاب والعَجَب سواء. وقد فرّق الخليل بين عَجِيب وعُجَاب فقال: العَجِيب العَجَب، والعُجَاب الذي قد تجاوز حدّ العَجَب، والطويل الذي فيه طول، والطُّوال، الذي قد تجاوز حدّ الطُّول. وقال الجوهري: العَجِيب الأمر الذي يتعجّب منه، وكذلك العُجَاب بالضم، والعُجّاب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة. وقال مقاتل: «عُجَّابٌ» لغة أزد شنوءة. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: حديث : مرض أبو طالب فجاءت قريش إليه، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه، قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا بن أخي ما تريد من قومك؟ فقال:«يا عم إنما أريد منهم كلمة تذلّ لهم بها العرب وتؤدّي إليهم بها الجزيةَ العجم» فقال: وما هي؟ قال: «لا إلٰه إلا اللّه» قال: فقالوا «أَجَعَل الآلِهَةَ إِلٰهاً وَاحِداً» قال: فنزل فيهم القرآن {صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } حتى بلغ {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ } تفسير : خرّجه الترمذي أيضاً بمعناه. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقيل: حديث : لما أسلم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه شق على قريش إسلامه فٱجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا: ٱقض بيننا وبين ٱبن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا بن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك. قال: «وماذا يسألونني» قالوا: ٱرفضنا وٱرفض ذكر آلهتنا وندعك وإلٰهك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم»فقال أبو جهل: للّه أبوكٰ لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا لا إلٰه إلا اللّه» فنفروا من ذلك وقامواتفسير : ؛ فقالوا: «أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلٰهاً واحِداً» فكيف يسع الخلق كلهم إلٰه واحد. فأنزل اللّه فيهم هذه الآيات إلى قوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيراً ونذيراً؛ كما قال عز وجل: {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ} تفسير : [يونس: 2] وقال جل وعلا ههنا: {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} أي: بشر مثلهم، وقال الكافرون: { هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ ٱلأَلِهَةَ إِلَـٰهاً وَٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ} أي: أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟ أنكر المشركون ذلك، قبحهم الله تعالى، وتعجبوا من ترك الشرك بالله؛ فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان، وأشربته قلوبهم، فلما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الإله بالوحدانية، أعظموا ذلك، وتعجبوا وقالوا: { أَجَعَلَ ٱلأَلِهَةَ إِلَـٰهاً وَٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ} وهم سادتهم وقادتهم، ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين: {ٱمْشُواْ} أي: استمروا على دينكم، {وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ ءَالِهَتِكُمْ} ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد، وقوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ} قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم، والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع، ولسنا نجيبه إليه. (ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمة) قال السدي: إن ناساً من قريش اجتمعوا، فيهم أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب، فلنكلمه فيه، فلينصفنا منه، فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه الذي يعبده؛ فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ، فيكون منا إليه شيء، فتعيرنا به العرب؛ يقولون: تركوه حتى إذا مات عنه، تناولوه. فبعثوا رجلاً منهم يقال له: المطلب، فاستأذن لهم على أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك، قال: أدخلهم، فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه، قال: فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم، ويدعوك وإلهك قال صلى الله عليه وسلم «حديث : يا عم أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟» تفسير : قال: وإلام تدعوهم؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم» تفسير : فقال أبو جهل لعنه الله من بين القوم: ما هي؟ وأبيك لنعطينكها وعشراً أمثالها، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : تقولون: لا إله إلا الله» تفسير : فنفروا، وقالوا: سلنا غيرها، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي، ما سألتكم غيرها» تفسير : فقاموا من عنده غضاباً، وقالوا: والله لنشتمك وإلهك الذي أمرك بهذا { وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ} ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد: فلما خرجوا، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه إلى قوله: لا إله إلا الله، فأبى، وقال: بل على دين الأشياخ، ونزلت: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص: 56]. قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما مرض أبو طالب، دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فبعث إليه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل لعنه الله إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك، ويزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول؟ قال: وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية» تفسير : ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة؟ نعم وأبيك عشراً، فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة هي يابن أخي؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : لا إله إلا الله» تفسير : فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: {أَجَعَلَ ٱلأَلِهَةَ إِلَـٰهاً وَٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ} قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} لفظ أبي كريب. وهكذا رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن أبي أسامة عن الأعمش عن عباد غير منسوب، به نحوه، ورواه الترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير أيضاً كلهم في تفاسيرهم من حديث سفيان الثوري عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، فذكر نحوه. وقال الترمذي: حسن. وقولهم: {مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلأَخِرَةِ} أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة. قال مجاهد وقتادة وأبو زيد: يعنون: دين قريش. وقال غيرهم: يعنون النصرانية، قاله محمد بن كعب والسدي. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، يعني: النصرانية، قالوا: لو كان هذا القرآن حقاً، لأخبرتنا به النصارى، {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ} قال مجاهد وقتادة: كذب. وقال ابن عباس: تخرص. وقولهم: {أَءَنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} يعني: أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم؛ كما قال في الآية الأخرى: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] قال الله تعالى: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ} تفسير : [الزخرف: 32] ولهذا لما قالوا هذا الذي دلّ على جهلهم وقلة عقلهم؛ في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم، قال الله تعالى: {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذاب الله تعالى ونقمته، سيعلمون غب ما قالوا، وما كذبوا به، يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً. ثم قال تعالى مبيناً أنه المتصرف في ملكه، الفعال لما يشاء، الذي يعطي من يشاء ما يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده، ويختم على قلب من يشاء فلا يهديه أحد من بعد الله، وإن العباد لا يملكون شيئاً من الأمر، وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة، وما يملكون من قطمير. ولهذا قال تعالى منكراً عليهم: { أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ} أي: العزيز الذي لا يرام جنابه، الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: {أية : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً } تفسير : [النساء: 53 ــــ 55] وقوله تعالى: {أية : قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّى إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ وَكَانَ ٱلإنْسَـٰنُ قَتُورًا} تفسير : [الإسراء: 100] وذلك بعد الحكاية عن الكفار أنهم أنكروا بعثة الرسول البشري صلى الله عليه وسلم وكما أخبر عز وجل عن قوم صالح عليه السلام حين قالوا: {أية : أَءُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ } تفسير : [القمر:25 ــــ 26]. وقوله تعالى: {أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ} أي: إن كان لهم ذلك، فليصعدوا في الأسباب. قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: يعني: طرق السماء، وقال الضحاك رحمه الله تعالى: فليصعدوا إلى السماء السابعة. ثم قال عز وجل: { جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ} أي: هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيهزمون ويغلبون، ويكبتون كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين، وهذه الآية كقوله جلت عظمته: {أية : أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } تفسير : [القمر: 44 ــــ 45] كان ذلك يوم بدر {أية : بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ} تفسير : [القمر: 46].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَعَجِبُواْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ } رسول من أنفسهم ينذرهم ويخوّفهم النار بعد البعث وهو النبي صلى الله عليه وسلم {وَقَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ } فيه وضع الظاهر موضع المضمر {هَٰذَا سَٰحِرٌ كَذَّابٌ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب} أمرهم أن يقولوا لا إله إلا الله أيسع لحاجَاتنا جميعاً إله واحد إن هذا لشيء عجاب بمعنى عجيب كما يقال رجل طوال وطويل، وكان الخليل يفرق بينهما في المعنى فيقول العجيب هو الذي قد يكون مثله والعجاب هو الذي لا يكون مثله، وكذلك الطويل والطوال. قوله عز وجل: {وانطلق الملأ منهم} والانطلاق الذهاب بسهولة ومنه طلاقة الوجه وفي الملأ منهم قولان: أحدهما: أنه عقبة بن معيط، قاله مجاهد. الثاني: أنه أبو جهل بن هشام أتى أبا طالب في مرضه شاكياً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انطلق من عنده حين يئس من كفه، قاله ابن عباس. {أَنِ امشوا واصبروا على آلهتكم} فيه وجهان: أحدهما: اتركوه واعبدوا آلهتكم. الثاني: امضوا على أمركم في المعاندة واصبروا على آلهتكم في العبادة، والعرب تقول: امش على هذا الأمر، أي امض عليه والزمه. {إن هذا لشيء يراد} فيه وجهان: أحدهما: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أسلم وقوي به الإسلام شق على قريش فقالوا إن الإسلام عمر فيه قوة للإسلام وشيء يراد، قاله مقاتل. الثاني: أن خلاف محمد لنا ومفارقته لديننا إنما يريد به الرياسة علينا والتملك لنا. قوله عز وجل: {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} فيه أربعة أقويل: أحدها: في النصرانية لأنها كانت آخر الملل، قاله ابن عباس وقتادة والسدي. الثاني: فيما بين عيسى ومحمد عليهما السلام، قاله الحكم. الثالث: في ملة قريش، قاله مجاهد. الرابع: معناه أننا ما سمعنا أنه يخرج ذلك في زماننا، قاله الحسن. {إن هذا إلا اختلاق} أي كذب اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم. قوله عز وجل: {أم عندهم خزائن رحمة ربك} قال السدي مفاتيح النبوة فيعطونها من شاؤوا ويمنعونها من شاءُوا. قوله عز وجل: {فليرتقوا في الأسباب} فيه أربعة تأويلات: أحدها: في السماء، قاله ابن عباس. الثاني: في الفضل والدين، قاله السدي. الثالث: في طرق السماء وأبوابها، قاله مجاهد. الرابع: معناه فليعلوا في أسباب القوة إن ظنوا أنها مانعة، وهو معنى قول أبي عبيدة. قوله عز وجل: {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} قال سعيد بن جبير: هم مشركو مكة و {ما} صلة للتأكيد، تقول: جئتك لأمر ما. قال الأعشى: شعر : فاذهبي ما إليك ادركني الحلم عداني عن هيجكم أشغالي تفسير : ومعنى قوله جند أي أتباع مقلِّدون ليس فيهم عالم مرشد. {مهزوم من الأحزاب} يعني مشركي قريش أنه أحزاب إبليس وأتباعه وقيل لأنهم تحازبوا على الجحود لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. قال قتادة: فبشره بهزيمتهم وهو بمكة فكان تأويلها يوم بدر.
الخازن
تفسير : {وعجبوا} يعني كفار مكة {أن جاءهم منذر منهم} يعني رسولاً من أنفسهم ينذرهم {وقال الكافرون هذا ساحر كذاب} قوله عز وجل: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً} وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسة وعشرين رجلاً أكبرهم سناً الوليد بن المغيرة امشوا إلى أبي طالب فأتوا إلى أبي طالب وقالوا له أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنما أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك فأرسل إليه أبو طالب فدعا به فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم إليه قال له يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : وماذا يسألونني" تفسير : قالوا ارفض آلهتنا وندعك وإلهك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم" تفسير : فقال أبو جهل لله أبوك لنعطينكها وعشرة أمثالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قولوا لا إله إلا الله" تفسير : فنفروا من ذلك وقالوا أجعل الآلهة إلهاً واحداً كيف يسمع الخلق إله واحد {إن هذا لشيء عجاب} أي عجب {وانطلق الملأ منهم} أي من مجلسهم الذي كانوا فيه عند أبي طالب {أن امشوا} أي يقول بعضهم لبعض امشوا {واصبروا على آلهتكم} أي اثبتوا على عبادة آلهتكم {إن هذا لشيء يراد} أي لأمر يراد بنا وذلك أن عمر رضي الله عنه لما أسلم وحصل للمسلمين قوة بمكانه قالوا إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لشيء يراد بنا وقيل يراد بأهل الأرض وقيل يراد بمحمد صلى الله عليه وسلم أن يملك علينا {ما سمعنا بهذا} أي بالذي يقوله محمد من التوحيد {في الملة الآخرة} قال ابن عباس يعنون النصرانية لأنها آخر الملل وإنهم لا يوحدون الله بل يقولون ثالث ثلاثة وقيل يعنون ملة قريش وهي دينهم الذي هم عليه {إن هذا إلا اختلاق} أي كذب وافتعال {أأنزل عليه الذكر} أي القرآن {من بيننا} أي يقول أهل مكة ليس هو بأكبرنا ولا أشرفنا قال الله تعالى: {بل هم في شك من ذكري} أي وحيي وما أنزلت {بل لما يذوقوا عذاب} أي لو ذاقوه لما قالوا هذا القول.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم} أي مِنْ أَنْ، ففيها الخلاف المشهور. "وقَالَ الكَافِرُونَ" من باب وضع الظاهر موضع المضمر شهادةً عليهم بهذا الوصف القبيح. فصل لما حكى عن الكفار في كونهم في غزّة وشقاقٍ أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال: {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} وفي قوله: "منهم" وجهان: الأول: أنهم قالوا: إن محمداً مساوٍ لنا في الخِلْقَة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يُخْتَصَّ من بيننا بهذا المنصب العالي؟!. والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم (لأنهم جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا ثم إن هذا الرجل) من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً عن الكذب والتهمة وكان ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون له من قوله. ونظيره قوله: {أية : أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} تفسير : [المؤمنون:69] {وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} مبالغة في "عجب" كقولهم: رَجُلٌ طُوَال، وأمْر سُرَاعٌ، هما أبلغ من طَوِيل وسَرِيع، وقرأ عليٌّ والسُّلَمي وعيسى وابن مِقْسم: عُجَّاب بتشديد الجيم. وهي أبلغ مما قبلها فهي مثل رجل كريم وكُرَام بالتخفيف وكُرَّام بالتشديد. قال مقاتل: وعجاب - يعني بالتخفيف - لغة أَزْدِ شَنُوءَةَ، وهذه القراءة أعني بالتشديد كقوله: {أية : وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً} تفسير : [نوح:22]. وهو أبلغ من كُبَارٍ وكُبَارٌ أبلغ من كَبِير، وقوله: "أَجَعَلَ" أي أصَيَّرها إلَهاً واحداً في قوله وزعمه. قوله: {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ} الملأ: هم القوم الذين إذا حضروا امتلأت العيونُ والقلوبُ من مهابتهم، وقوله "مِنْهُمْ" أي من قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب بعد ما بكَّتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجواب العنيد قائلين بعضهم لبعض: "أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا على آلِهَتِكُمْ"، وذلك أن حديث : عُمَرَ بْنَ الخطاب أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسةً وعشرينَ رجلاً أكبرهم سنًّا الوليد بن المغيرة قال لهم: امشوا إلى أبي طالب فأَتَوْا أبا طالب وقالوا له: انت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد أتينَاك لتقضيَ بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا به فقال يا ابن أخي: هؤلاء قومك يسألونَك السَّوَاءَ فلا تَمِلْ كُلَّ الميل على قومك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَاذَا تسألون؟" فقالوا: ارْفُضْ ذكرَ آلهتنا ونَدَعُكَ وآلهتَك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أتعطوني كلمةً واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم فقال أبو جهل لله أبوك لنُعْطِيكَها وعشراً أمثالها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قولوا لا إله إلا الله فنفروا من ذلك وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟! {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي عجيب . تفسير : قوله:{أَنِ ٱمْشُواْ} يجوز أن تكون "أن" مصدرية أي انطلقوا بقولهم أَنِ امْشُوا، وأن تكون مفسِّرَة إما "لانْطَلَقَ" لأنه ضمن معنى القول، قول الزمخشري: لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم أن يتكلموا ويتعارضوا فيما جرى لهم انتهى. وقيل: بل هي مفسرة لجملة محذوفة في محل حال تقديره وانْطَلَقُوا يتحاورون أَن امْشوا. ويجوز أن تكون مصدرية معمولة لهذا المقدر. وقيل: الانطلاق هنا الاندفاع في القول والكلام نحو: انْطَلَقَ لسانُه فإن مفسرة له من غير تضمين ولا حذف. والمشيُ الظاهرُ أنَّه هو المتعارف. وقيل: (بل) هو دعاء بكثرة الماشية. وهذا فاسد لفظاً ومعنًى، أما اللفظ فلأنه إنما يقال من هذه المعنى: أَمْشَى الرَّجُلُ إذا كثرتْ ماشيتُهُ، بالألف؛ أي صار ذا ماشية فكان ينبغي على أن يقرأ أَمْشُوا بقطع الهمزة مفتوحة. وأما المعنى فليس مراداً البتة وأي معنى على ذلك، إلا أن الزمخشري ذكر وجهاً صحيحاً من حيث الصناعة وأقرب معنًى ممَّا تقدم(فقال): ويجوز أنهم قالوا امشوا أي اكثروا واجتمعوا من: مَشَت المرأة إذا كثرتْ ولاَدَتُها، ومنه: الماشية للتفاؤل انتهى وإذا وقف على "أن" وابتدىء بما بعدها فليبتدأ بكسر الهمزة لا بضمِّها، لأن الثالث مكسور تقديراً إذ الأصل: امْشِيُوا، ثم أُعِلّ بالحذف، وهذا كما يبتدأ بضم الهمزة في قولك: أُغْزِي يا امرأة، وإن كانت الزاي مكسورة لأنها مضمومة، إذا الأصل اغْزُوِي كاخْرُجِي فأعلّ بالحذف. فصل لما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة لمكانه قال المشركون: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لشيء يراد بنا، وقيل: يراد بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد (أن) يملك علينا، وقيل: إن دينكم لشيءٌ يُرَادُ أي يطلب ليؤخذ عنكم. قوله: {مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِي ٱلْمِلَّةِ} أي ما سمعنا بهذا الذي يقولـ (ـه) محمد من التوحيد في الملة الآخرة، قال ابن عباس والكلبي ومقاتل: يعنون في النصرانية لأنها آخر المِلَلِ وهُمْ لا يوحدون بل يقولون: ثالثُ ثلاثةٍ، وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملَّة قريشٍ دينهم الذي هم عليه. قوله: "فِي ٱلْمِلَّةِ" وفيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق "بسَمِعْنَا" أي (لم نسمع في الملة الآخرة بهذا الذي جئت به. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من هذا أي ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة) أي لم نسمع من الكُهَّان ولا من أهل الكتب أنه يحدث توحيد الله في الملة الآخرة. وهذا من فَرْطِ كَذِبِهم. قوله: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ} أي افتعال وكذب. (قوله): أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ (مِنْ بَيْنِنَا)، قد تقدم حكم هاتين الهمزتين في أوائل آل عمران، وأن الوارد منه في القرآن ثلاثة أماكن، والإضرابات في هذه الآية واضحة و"أم" منقطعة. فصل المعنى أأنزل عليه الذكر أي القرآن من بيننا وليس بأكبرِنا ولا أشرفنا، وهذا استفهام على سبيل الإنكار فأجابهم الله تعالى بقوله: {بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} (أي وحيي وما أنزلتُ)، (وقيل: بل هم في شك من ذكري) أي من الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم {بَلْ لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول، وقيل: معنى {بل هم في شك من ذكري} هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر. ثم إنهم أصروا على الكفر ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه و {أية : قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً} تفسير : [الأنفال:32] (مِنَ السَّمَاءِ). قوله: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} يعني مفاتيح نعمة ربك وهي النبوة يعطونها من شاءوا، ونظيره: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} تفسير : [الزخرف: 32] أي نبوة ربك العزيز في ملكه الكامل القدر الوهاب أي وهب النبوة لمحمد - صلى الله عليه وسلم -. قوله: {أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} لما قال: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} فخزائن الله تعالى غير متناهية كما قال: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} تفسير : [الحجر:21] ومن جملة تلك الخزائن السموات والأرض، فلما ذكر الخزائن أولاً على العموم أردفها بذكر السموات والأرض وما بينهما يعني أن هذه الأشياء أحد أنواع خزائن الله فإذا كانوا عاجزين عن هذا القسم فبأن يكونوا عاجزين عن كل خزائن الله أولى. قوله: "فَلْيَرْتَقُواْ" قال أبو البقاء: هذا كلام محمول على المعنى أي إِن زعموا ذلك فليرتقوا، فجعَلَهَا جواباً لشرط مقدر. وكثيراً ما يفعل الزمخشري ذلك، ومعنى الكلام إن ادَّعَوْا شيئاً من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون. قال مجاهد: أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. واستدل حكماء الإسلام بقوله: {فَلْيَرْتَقُواْ فِي ٱلأَسْبَابِ} على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسباباً، وذلك يدل على ما ذكَرْنَا. قوله: "جُندٌ" يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم جند و "ما" فيها وجهان: أحدهما: أنها مزيدة. والثاني: أنها صفة لجند على سبيل التعظيم للهزء بهم أو للتحقير ومثله قوله امرىء القيس: شعر : 4252-...................... وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ تفسير : وقد تقدم هذا في أوائل البقرة. و"هنالك" يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون خبر الجند و "ما" مزيدة، ومهزوم نعت لجند. ذكره مكي. الثاني: أن يكون صفة لجند. الثالث: أن يكون منصوباً "بمهزوم" ومهزوم يجوز فيه أيضاً وجهان: أحدهما: أنه خبر ثانٍ لذلك المبتدأ المقدر. والثاني: أنه صفة لجند إلا أن الأحسن على هذا الوجه أن لا يجعل "هنالك" صفة بل متعلقاً به لئلا يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الصرح. و"هنالك" مشار به إلى موضع التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة وهو مكة أي سيهزمون بمكة، وهو إخبار بالغيب. وقيل: مشار به نُصْرَة الأصنام، وقيل: إلى حَفْر الخَنْدق يعني إلى مكان ذلك. الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون "جند" مبتدأ و "ما" مزيدة، و"هنالك" نعت ومهزوم خبره، قاله أبو البقاء قال أبو حيان: وفيه بعد لتفلته عن الكلام الذي قبله قال شهاب الدين وهذا الوجه المنقول عن أبي البقاء سبقه إليه مكي. قوله: "مِّن ٱلأَحَزَابِ" يجوز أن يكون صفة لجند وأن يكون صفة "لمهزوم" وجوز أبو البقاء أن يكون متعلقاً به وفيه بعد لأن المراد بالأحزاب هم المهزومون. فصل المعنى أن الذين يقولون هذا القول جند هنالِك و "ما" صلة مهزومة مغلوب من الأحزاب أي من جملة الأجناد، عين قريشاً، قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة أنه سيزم جندَ المشركين فقال: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } تفسير : [القمر:45] فجاء تأويلها يوم بدر، وهنالك إشارة إلى (يوم) بدر ومصارعهم، وقيل: يوم الخندق. وقال ابن الخطيب: والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح. وقوله: "من الأحزاب" أي من جملة الأحزاب أي هم من القرون الماضية الذين تَحَزَّبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {فقال الكافرون هذا ساحر كذاب، أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب} قال: عجب المشركون أن دعوا إلى الله وحده، وقالوا: إنه لا يسع حاجتنا جميعاً إله واحد. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مجلز قال: قال رجل يوم بدر ما هم إلا النساء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بل هم الملأ وتلا {وانطلق الملأ منهم} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وانطلق الملأ منهم..} قال: نزلت حين انطلق أشراف قريش إلى أبي طالب يكلموه في النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {وانطلق الملأ منهم} قال: أبو جهل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا} قال: هو عقبة بن أبي معيط. وفي قوله {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} قال: النصرانية قالوا: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرتنا به النصارى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} قال: ملة عيسى عليه السلام. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} قال: النصرانية. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} قال: النصرانية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} أي في ديننا هذا، ولا في زماننا هذا {إن هذا إلا اختلاق} قال: قالوا إن هذا إلا شيء يخلقه. وفي قوله {أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب} قال: لا والله ما عندهم منها شيء، ولكن الله يختص برحمته من يشاء {أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب} قال: في السماء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فليرتقوا في الأسباب} قال: في السماء. وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال {الأسباب} أدق من الشعر، وأحدّ من الحديد، وهو بكل مكان، غير أنه لا يرى. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فليرتقوا في الأسباب} قال: طرق السماء أبوابها. وفي قوله {جند ما هنالك} قال: قريش {من الأحزاب} قال: القرون الماضية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} قال: وعده الله وهو بمكة أنه سيهزم له جند المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر. وفي قوله {وفرعون ذو الأوتاد} قال: كانت له أوتاد، وارسان، وملاعب يلعب له عليها. وفي قوله {إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} قال: هؤلاء كلهم قد كذبوا الرسل فحق عليهم عقاب {وما ينظر هؤلاء} يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم {إلا صيحة واحدة} يعني الساعة {ما لها من فواق} يعني ما لها من رجوع، ولا مثوبة، ولا ارتداد {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا} أي نصيبنا حظنا من العذاب {قبل يوم} القيامة قد كان قال ذلك أبو جهل: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً {أية : فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم} تفسير : [الأنفال: 32]. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ما لها من فواق} قال: رجوع {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا} قال: عذابنا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ما لها من فواق} قال: من رجعة {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا} قال: سألوا الله أن يعجل لهم. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى {عجل لنا قطنا} قال: القط الجزاء. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت الأعشى وهو يقول: شعر : ولا الملك النعمان يوم لقيته بنعمة يعطيني القطوط ويطلق تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله {عجل لنا قطنا} قال: عقوبتنا. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله {عجل لنا قطنا} قال: كتابنا. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه {عجل لنا قطنا} قال: حظنا. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه في قوله {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا} قال: هو النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة أخو بني عبد الدار، وهو الذي قال {أية : سأل سائل بعذاب واقع}تفسير : [المعارج: 1] قال: سأل بعذاب هو واقع به، فكان الذي سأل أن قال {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : [الأنفال: 32] قال عطاء رضي الله عنه: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الزبير بن عدي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {عجل لنا قطنا} قال: نصيبنا من الجنة.
القشيري
تفسير : عَجِبُوا أن جاءَهم مُنْذِرٌ منهم، ولم يعجبوا أن تكون المنحوتاتُ آلهةً، وهذه مناقضة ظاهرة. فلمَّا تحيَّروا في شأن أنبيائهم رَمَوْهم بالسحر، وقسَّموا فيهم القول.
اسماعيل حقي
تفسير : {وعجبوا ان جاءهم منذر منهم} اى عجب كفار اهل مكة من ان جاءهم منذر ينذرهم النار اى رسول من جنسهم بل ادون منهم فى الرياسة الدنيوية والمال على معنى انهم عدوا ذلك خارجا عن احتمال الوقوع وانكروه اشد الانكار لا انهم اعتقدوا وقوعه وتعجبوا منه قالوا ان محمدا مساو لنا فى الخلقة الظاهرة والاخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل ان يختص من بيننا بهذا المنصب العالى ولم يتعجبوا من ان تكون المنحوتات آلهة وهذه مناقضة ظاهرة فلما تحيروا فى شأن النبى عليه السلام نسبوه الى السحر والكذب كما قال حكاية {وقال الكافرون} وضع فيه الظاهر موضع المضمر غضبا عليهم وايذانا بانه لا يتجاسر على مثل ما يقولونه الا المتوغلون فى الكفر والفسوق {هذا} [اين منذر] {ساحر} فيما يظهره من الخوارق {كذاب} فيما يسنده الى الله من الارسال والانزال لم يقل كاذب لرعاية الفواصل ولان الكذب على الله ليس كالكذب على غيره ولكثرة الكذب فى زعمهم فانه يتعلق بكل آية من الآيات القرآنية بخلاف اظهار الخوارق فانه قليل بالنسبة اليه هكذا لاح لى هذا المقام. وفى التأويلات النجمية لما كانوا منحرفى مزاج القلوب لمرض نسيان الحق جاءت النبوة على مذاق عقولهم المتغيرة سحرا والصدّيق كذابا. قال الكاشفى [جه تيره رايى كه انوار لمعات وحى را ازتا ريكىء سحر امتياز نكند وجه بى بصيرتى كه آثار شعاع صدق را از ظلمات كذب بازنشناسند] شعر : كشته طالع آفتابى اينجينين عالم فروز ديده خفاش را يكذره ازوى نورنه ازشعاع روز روشن روى كيتى مستنير تيركىء شب هنوز از ديده وى دورنه تفسير : واعلم ان اثبات النبوة والولاية سهل بالنسبة الى اهل العناية والتوفيق فان قلوبهم ألفت الاعراض عما سوى الله بخلاف اهل الانكار والخذلان فان قلوبهم الفت الاعراض عن الله فلذا صحبتهم الوقيعة إلى انبياء الله واوليائه. قال الاستاذ ابو القاسم الجنيد رضى الله عنه التصديق بعلمنا هذا ولاية يعنى الولاية الصغرى دون الكبرى. قال اليافعى والناس على اربعة اقسام. القسم الاول حصل لهم التصديق بعلمهم والعلم بطريقتهم والذوق لمشربهم واحوالهم. والقسم الثانى حصل لهم التصديق والعلم المذكور دون الذوق. والقسم الثالث حصل لهم التصديق دونهما. والقسم الرابع لم يحصل لهم من الثلاثة شىء نعوذ بالله من الحرمان ونسأله التوفيق والغفران فهم الذين اطالوا ألسنتهم فى حق الخواص ورموهم بالسحر والكذب والجنون لكونهم ليسوا من المحارم فى شأن من الشؤون: وفى المثنوى شعر : جون خدا خواهد كه برده كس درد ميلش اندر طعنه با كان برد
ابن عجيبة
تفسير : {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا...} يقول الحق جلّ جلاله: {وعَجِبُوا} أي: كفار قريش من {أن جاءهم مُّنذر منهم}؛ رسول من أنفسهم، استبعدوا أن يكون الرسل من البشر. قال القشيري: وعَجِبُوا أن جاءهم مُنذرٌ منهم، ولم يعجبوا أن يكون المنحوت إلهاً لهم، وهذه مناقضة ظاهرة. هـ. يعني: لأن المستحق للإعجاب إلهية المنحوت من الحجر، لا وجود منذر من البشر، وهم عكسوا القضية. {وقال الكافرون هذا ساحر كذَّابٌ} أي: ساحر فيما يُظهر من المعجزات، كذَّاب فيما يدَّعيه من الرسالة. وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر، وغضباً عليهم، وإشعاراً بأن كفرهم هو الذي جسرهم على هذه المقالة الشنعاء. ثم قالوا: {أجَعَلَ الآلهةَ إلهاً واحداً} بأن نفى الألوهية التي كانت لآلهتهم وقصرها على واحد، {إِنَّ هذا لشيءٌ عُجَابٌ}؛ بليغ في العجب، وذلك لأنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم، الذين أطبقوا على عبادة آلهتهم، كابراً عن كابر، فإنَّ مدار كل ما يأتون ويذورن، من أمور دينهم، هو التقليد والاعتياد، فيَعُدون ما يخالف ما اعتادوه عجباً من العجاب، بل محالاً، وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد، وقدرته بالأشياء الكثيرة، فلا وجه له؛ لأنهم لا يدّعون أن لآلهتهم علماً وقدرة ومدخلاً في حدوق شيءٍ من الأشياء، حتى يلزم من ألوهيتهم بقاء الأثر بلا مؤثر، قاله أبو السعود منتقداً على البيضاوي. قال القشيري: لم تباشر خلاصةُ التوحيد قلوبَهم، وبُعدوا عن ذلك تجويزاً، فضلاً عن أن يكون إثباتاً وحكماً، فلا عَرَفُوا أولاً معنى الإلهية؛ فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع. وتقديرُ قادِرَيْن على ذلك غيرُ صحيح؛ لِمَا يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالها، ولو لم يكونا كامِلَي الوصفِ لم يكونا إِلَهيْن، وكلُّ مَن جرّ ثبوته لسقوطه فهو مطرح باطل. هـ. رُوي أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه فرح به المؤمنون، وشقّ على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفساً من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت كبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء ـ أي: الذين دخلوا في الإسلام ـ وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي؛ هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تَمِلْ كل الميل على قومك، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : ماذا يسألونني؟"تفسير : فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، وندعك وإلهك، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : أعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم"تفسير : ، قالوا: نعم، وعشراً. قال: "حديث : قولوا: لا إله إلا الله" تفسير : فقاموا، وقالوا: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عُجاب}. قيل: العجب: ما له مِثل، والعجاب: لا مثل له. {وانطلق الملأُ منهم} أي: وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبي طالب، بعدما بكّتهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالجواب، وشاهدوا تصلُّبه ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الدين، وعزيمته على إظهاره، ويئسوا مما كانوا يرجونه، بتوسُّط أبي طالب، من المصالحة على الوجه المذكور، قائلين {أنِ امْشُوا} و "أنْ": تفسيرية؛ لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا، أو يتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمناً معنى القول، وقيل: ليس المراد بالانطلاق المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف، بل الاستمرار على المشي، يعني أنه على هذا القول: عبارة عن تفرُّقهم في طُرق مكة، وإشاعتهم للكفر. هـ. أي: امشوا {واصبروا على آلهتكم} أي: اثبتوا على عبادتها، متحمِّلين لِما تسمعون في حقها من القدح. قال القشيري: إذا تواصى الكفارُ فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمون أَوْلى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم. هـ. {إِنَّ هذا لشيءٌ يُراد} أي: هذا الذي شاهدناه من محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد، وإبطال أمر آلهتنا، لشيء يُراد إمضاؤه وتنفيذه، من جهته ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا محالة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يُقال من طرف اللسان، وأمر تُرجى فيه المسامحة بشفاعة أو امتنان، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه، بواسطة أبي طالب وشفاعته، وحسبكم ألا تُمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية، فاصبروا عليها، وتحمَّلوا ما تسمعون في حقها من القدح وسوء المقالة، أو: إنَّ هذا الأمر لشيء يريده الله تعالى، ويحكم بإمضائه، فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو: إنَّ هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر، يُراد بنا، فلا انفكاكَ لنا منه، أو: إن دينكم لشيء يُراد، أي: يُطلَبُ ليؤخذ منكم وتُغلَبوا عليه، أو: إن هذا الذي يدَّعيه من التوحيد، ويقصده من الرئاسة، والترفُّع على العرب والعجم، لشيء يُتمنى، ويريده كلُّ أحد. فتأمّل هذه الأقاويل، واختر منها ما يساعده النظم الجليل. {ما سَمِعْنَا بهذا} الذي يقوله من أمر التوحيد {في الملةِ الآخرة} أي: في ملة عيسى، التي هي آخر الملل؛ لأن النصارى مثلثة غير موحدة، أو: في ملّة قريش التي أدركنا عليها آباءنا، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالاً من "هذا"، أي: ما سمعنا بهذا من أهل الكتاب ولا الكهّان كائناً في الملة المترقبة. ولقد كذّبوا في ذلك أقبح كذب؛ فإن حديث البعثة والتوحيد، وإبطال عبادة الأصنام، كان أشهر الأمور قبل الظهور. {إِنْ هذا} أي: ما هذا {إِلا اختلاقٌ} أي: كذب، اختلقه من تلقاء نفسه. {أأُنزل عليه الذكرُ} أي: القرآن {من بيننا} ونحن رؤساء الناس وأشرافهم. أنكروا أن يُختص بالشرف من بين أشرافهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم، حسداً من عند أنفسهم، كقولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد، وقصر النظر على الحطام الدنيوية، والعياذ بالله. قال الورتجبي: كانوا منطمسة العيون عما ألبسه الحق من أنوار ربوبيته، وسنا جلاله وجماله، لم يروا إلا الصورة الإنسانية، التي هي ميراث آدم من ظاهر الخلقة. وهذا كقوله: {أية : وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 198]، استبعدوا اصطفائيته بالوحي، ولم يعرفوا أنه أثرُ اللهِ في العالم، ومشكاةُ تجلِّيه، حتى قالوا مثل ما قالوا: {وعَجبوا أن جاءهم مُّنذر منهم}، رأوا أنفسهم خالية عن مشاهدة الغيوب، وإدراك نور صفات الحق، فقاسوا نفس محمد صلى الله عليه وسلم بأنفسهم، ولم يعلموا أنه كان نفسَ النفوس، وروحَ الأرواح، وأصل الخليقة، وباكورةً من بساتين الربوبية. يا ليتهم لو رأوه في مشاهدة الملكوت، ومناصب الجبروت، إذ خاطبه الحق بلولاك ما خلقتُ الأفلاك. هـ. الإشارة: هذه عادة الله تعالى في خلقه، كل مَن يأمر الناس بالتجريد، وخرق العوائد، وصريح التوحيد، وترك ما عليه الناس من جمع الدنيا، وحب الرئاسة، والجاه، أنكروه، وسفَّهوا رأيه، وقالوا فيه: ساحر كذَّاب. ويقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على ما أنتم عليه، من جمع الدنيا، والخدمة على العيال، وعلى ما وجدتم عليه أسلافكم، من الوقوف مع العوائد، ما سمعنا بهذا الذي يدلّ عليه هذا الرجل من ترك الأسباب والانقطاع إلى الله في هذا الزمان، إن هذا إلا اختلاق، أأُنزلت عليه الخصوصية من بيننا، ولم يعلموا أن الله يختص برحمته مَن يشاء، ويبعث في كل زمان مَن يُجدد الدين بتربية مخصوصة. والله تعالى أعلم. ثم رَدّ عليهم بقوله: {... بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ}. يقول الحق جلّ جلاله: {بل هم} أي: كفار قريش {في شكٍّ من ذكري}؛ من القرآن، أو الوحي، لميلهم إلى التقليد، وإعراضهم عن النظر في الأدلة المؤدية إلى علم حقيقته، {بل لمَّا يذوقوا عذاب} أي: بل لم يذوقوا عذابي الموعود في القرآن، ولذلك شكُّوا فيه، فإذا ذاقوه زال ما بهم من الشك والحسد حينئذ، أي: إنهم لا يُصدِّقون به إلا أن يمسّهم العذاب، فحينئذ يُصدّقون، ولات حين تصديق. {أم عندهم خزائنُ رحمةِ ربك العزيزِ الوهَّاب} أي: ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يُصيبوا بها مَن شاؤوا، ويصرفوها عمَّن شاؤوا، ويختاروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفَّعوا بها عن محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما يملك الرحمة وخزائنها العزيزُ القاهر على خلقه، الوهّاب الكثير المواهب، المصيب بها مَن يشاء. والمعنى: أن النبوة عطية من الله تعالى، يتفضّل بها على مَن يشاء من عباده المصطفين، لا مانع له، فإنه الغالب، الذي له أن يهب كل ما يشاء لكل مَن يشاء. وفي إضافة اسم الرب المنبىء عن التربية والتبليغ إلى الكمال إلى ضميره ـ عليه الصلاة والسلام ـ من تشريفه واللطف به ما لا يخفى. {أم لهم مُلكُ السماواتِ والأرضِ وما بينهما} أي: بل ألهم ملك هذه العوالم العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية، ويتحكّموا في التدابير الإلهية، التي اختصّ بها رب العزّة والكبرياء؟ ثم تهكّم بهم غاية التهكُّم فقال: {فليرتقوا في الأسباب}، وهو جواب عن شرط مقدَّر، أي: إن كان لهم ما ذكر من الملك، ويملكون التصرُّف في قسمة الرحمة، فليصعَدوا في المعارج والطُرق التي يتوصّل بها إلى السماء، حتى يُدبروا أمر العالم وملكوت الله، فيُنزلون الوحي إلى مَن يختارون ويستصوبون. والسبب، في الأصل: ما يتوصل به إلى المطلوب. ثم وعد نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالنصر عليهم بقوله: {جندٌ مَّا هنالك مهزومٌ من الأحزاب} أي: هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل {مهزومٌ}؛ مكسور عما قريب، فلا تُبالِ بما يقولون، ولا تكترث بما يَهْذُون. و "جُند": خبر، أو مبتدأ، و "مهزوم": خبره و "مَّا": صلة مقوّية للنكرة. أو: للتقليل والتحقير. و "من الأحزاب": متعلق بجند، أو: بمهزوم، و "هنالك": إشارة إلى بدر ومصارعهم، أو: إلى حيث وضعوا في أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمَن ينتدب لأمر وليس من أهله: لست هنالك. الإشارة: يُقال في جانب أهل الغفلة: بل في شك من حلاوة ذكري ومعرفتي، حيث لم يذوقوا. قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: (خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا شيئاً، قيل: وما فاتهم؟ قال: حلاوة المعرفة). بل لَمَّا يذوقوا عذابي، هو وبال القطيعة والبُعد، والانحطاط عن درجات المقرَّبين، وسيذوقونه إذا تحققت الحقائق، حيث لا ينفع مال ولا بنون، إلا مَن أتى الله بقلب سليم. ويقال في جانب من حسد أهل الخصوصية: {أم عندهم خزائنُ رحمة ربك العزيزِ الوهاب...} الآية. ثم هدّد كفار قريش بقوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ}.
الجنابذي
تفسير : {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} والحال انّه لا ينبغى ان يكون المنذر الاّ منهم {وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ} اى قالوا، ووضع الظّاهر موضع المضمر لاظهار ذمّهم وبيان مُبنى قولهم {هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} قد مضى بيان السّحر فى سورة البقرة عند قصّة هاروت وماروت.
الهواري
تفسير : قال: {وَعَجِبُواْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} رجع الكلام إلى قوله: {كَمْ أهْلَكْنَا مِن قبلهم من قرن} أخبر كيف أهلكهم. قال: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم أي: محمد صلى الله عليه وسلم لينذر من النار ومن عذاب [الله في] الدنيا. {وَقَالَ الْكَافِرُونَ} أي: الجاحدون {هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} يعنون محمداً صلى الله عليه وآله وسلم {أَجَعَلَ الألِهَةَ إِلَهاً واحِداً} على الاستفهام منهم، أي: قد فعل حين دعاهم غلى عبادة الله وحده. {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي: عَجَبٌ، وعُجْب، وعُجَاب، كله واحد. {وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ وَاصْبِرُواْ عَلَى ءَالِهَتكُمْ} أي: على عبادتها {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ}. وذلك أن رهطاً من أشراف قريش مشوا إلى أبي طالب فقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وسيّدنا في أنفسنا، وقد رأيت ما فعلت هذه السَّفَهَةُ، يعنون المؤمنين. وقد أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه فقال: هؤلاء قومك وذوو أسنانهم أشرافهم يسألونك السواء، فلا تمل على قومك كل الميل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:وماذا يسألونني؟ حديث : فقالوا له: ارفضنا من ذكرك وارفض آلهتنا وندعك وإلهك. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعطونني أنتم كلمة واحدة تدين لكم بها العرب وتملكون بها العرب والعجم. فقال أبو جهل: لله أبوك، نعم، وعشرَ أمثالها. فقال لهم رسول الله صلى الله عيه وسلم: قولوا: لا إله إلا الله.فنفروا منها وقاموا وقالوا: {أَجَعَلَ الأَلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} .
اطفيش
تفسير : {وَعَجِبُوا} أي كفار مكة أو كفار قريش من {أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} رسول بشر مثلهم مترب فيهم من أنفسهم ينذرهم ويخوفهم بالنار بعد البعث ويبطل تعديدهم للآلهة وهو النبي صلى الله عليه وسلم {وَقَالَ الْكَافِرُونَ} مقتضى الظاهر وقالوا باعادة الضمير للذين كفروا فأقام الظاهر مقام المضمر ليذكرهم باسم الكفر ما لهم واشعاراً بأن كفرهم جسرهم على قولهم {هَذَا سَاحِرٌ} فيما يظهره من معجزة كانشقاق القمر {كَذَّابٌ} فيما يقول الله سبحانه {أَجَعَلَ الأَلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً} أي أيبطل الآلهة ويثبت الهاً واحداً وذلك استفهام توبيخي أي كيف يسع الخلق اله واحد وذلك أنه أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشق اسلامه على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة لأشراف قريش وكانوا خمسة وعشرين رجلاً وهو أكبرهم سناً: امشوا إلى أبى طالب وقيل: ان أشراف قريش اجتمعوا عند مرض أبى طالب وقالوا ان من القبيح علينا أن يموت أبو طالب ونؤذي محمداً بعده فتقول العرب (تركوه مدة عمه فلما مات آذوه) ولكن نذهب الى أبى طالب فينصفنا منه ويربط بيننا وبينه ربطاً ولما اجتمعوا على ذلك بأنفسهم أو قال لهم الوليد ذلك فنهضوا الى أبى طالب وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وقد فعل ما فعل هؤلاء السفهاء بمحمد وإن محمداً يسب آلهتنا ويسفه آراءنا ونحن لا نرضى بهذا فافصل بيننا وبينه فى حياتك بأن يقيم بمنزله ويعبد ربه الذي يزعم ويدع آلهتنا وسبها ولا يعرض لأحد منا بشيء من هذا حديث : فأرسل أبو طالب اليه صلى الله عليه وسلم وقال له: ابن أخى وقيل قال: يا محمد هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل عنهم كل الميل فقال صلى الله عليه وسلم: وماذا يسألون؟ فقال: أن ترفض آلهتهم ويدعوك والهك فقال صلى الله عليه وسلم: أتعطون كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين بها لكم العجم أي تخضع، وقيل: قال: تملكون بها العرب وتؤدى لكم العجم الجزية فقال أبو جهل: لله أبوك ليعطونها وعشراً أمثالها فقال صلى الله عليه وسلم: قولوا لا اله الا الله فنفروا وقالوا: هل غير هذا فقال: والله لو أعطيتموني ملء الأرض ذهباً، وقيل: قال: لو جعلتم الشمس في يميني والقمر فى شمالى ما أرضاني منكم غيرها. فقاموا عند ذلك يقول بعضهم لبعض {أَجَعَل الآلهَةَ إِلَهاً واحِداً} تفسير : مع أن الواحد لا يسع الخلق {إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ} أي عجيب جداً وقريء بتشديد الجيم وهو أبلغ
اطفيش
تفسير : {وعَجبُوا} عجب الكفرة قريش عجب نفى وانكار {أنْ جاءهم} من أن جاءهم {مُنْذرٌ} أى من مجيئهم نذير يرفع نذير على الفاعلية للمجىء بالمضاف للمفعول، والنذير الرسول يخبرهم بالعقاب على الكفر {مِنْهم} من جنسهم وهو البشر أو خوفهم وهو الأميون الذين لا يكتبون ولا يقرءون مكتوبا {وقال الكافرون} مقتضى الظاهر، وقالوا لكن ذكرهم ذما لهم باسم الرسوخ فى الكفر {هذا} أى محمد صلى الله عليه وسلم {ساحِرٌ} فيما يقوله عظيم لا يطاق {كذَّابٌ} فيما يقوله عن الله بأنه واحد، وبالعقاب عن من قال بالتعدد.
الالوسي
تفسير : {وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ } حكاية لأباطيلهم المتفرعة على ما حكى/ من استكبارهم وشقاقهم أي عجبوا من أن جاءهم رسول من جنسهم أي بشر أو من نوعهم وهم معروفون بالأمية فيكون المعنى رسول أمي، والمراد أنهم عدوا ذلك أمراً عجيباً خارجاً عن احتمال الوقوع وأنكروه أشد الإنكار لا أنهم اعتقدوا وقوعه وتعجبوا منه {وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } وضع فيه الظاهر موضع الضمير غضباً عليهم وذماً لهم وإيذاناً بأنه لا يتجاسر على مثل ما يقولون إلا المتوغلون في الكفر والفسوق {هَـٰذَا سَـٰحِرٌ } فيما يظهره مما لا نستطيع له مثلاً {كَذَّابٌ } فيما يسنده إلى الله عز وجل من الإرسال والإنزال.
ابن عاشور
تفسير : {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ}. عطف على جملة {أية : الذين كفروا في عزَّةٍ وشقاقٍ}تفسير : [ ص:2] فهو من الكلام الواقع الإِضراب للانتقال إليه كما وقع في قوله تعالى: {أية : ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم}تفسير : [ق: 1 - 2]. والمعنى: أنه استقرّ في نفوسهم استحالة بعثة رسول منهم فذلك سبب آخر لانصرافهم عن التذكر بالقرآن. والعجب حقيقته: انفعال في النفس ينشأ عن علم بأمر غير مترقب وقوعه عند النفس، ويطلق على إنكار شيء نادر على سبيل المجاز بعلاقة اللزوم كما في قوله تعالى: {أية : قالوا أتعجبين من أمر اللَّه}تفسير : في سورة [هود: 73] فإن محل العتاب هو كون امرأة إبراهيم أحالت أن تلد، وهي عجوز وكذلك إطلاقه هنا. والمعنى: وأنكروا وأحالوا أن جاءهم منذر منهم. والمنذر: الرسول، أي منذر لهم بعذاب على أفعال هم متلبسون بها. وعبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف المنذر: ووُصف بأنه منهم للإِشارة إلى سوء نظرهم من عجبهم لأن شأن النذير أن يكون من القوم ممن ينصح لهم فكونه منهم أولى من أن يكون من غيرهم. ثم إن كان التبعيض المستفاد من حرف (من) مراداً به أنه بعض العرب أو بعض قريش فأمر تجهيلهم في عجبهم من هذا النذير بيّن؛ وإن كان مراداً به أنه بعض البشر وهو الظاهر فتجهيلهم لأن من كان من جنسهم أجدرُ بأن ينصح لهم من رسول من جنس آخر كالملائكة، وهذه جدارة عرفية. وهذا العجب تكرر تصريحهم به غير مرة فهو مستقر في قرارة نفوسهم، وهو الأصل الداعي لهم إلى الإِعراض عن تصديقه فلذلك ابتُدئت به حكاية أقوالهم التي قالوها في مجلس شيخ الأباطح كما تقدم في ذكر سبب النزول. {وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ}. بعد أن كُشف ما انطوت عليه نفوسهم من العزة والشقاق وإحالة بعثة رسول للبشر من جنسهم، حوسبوا بما صرحوا به من القول في مجلسهم ذلك، إشارةً بهذا الترتيب إلى أن مقالتهم هذه نتيجة لعقيدتهم تلك. وفي قوله: {الكافِرونَ} وضْعُ الظاهر موقع المضمر وكان مقتضى الظاهر أن يقال: «وقالوا هذا ساحر» الخ، وهذا لقصد وصْفهم بأنهم كافرون بربهم مقابَلَة لما وَصَمُوا به النبي صلى الله عليه وسلم فوُصفوا بما هو شتم لهم يجمع ضروباً من الشتم تأصيلاً وتفريعاً وهو الكفر الذي هو جماع فساد التفكير وفاسد الأعمال. ولفظ {هٰذَا} أشاروا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم استعملوا اسم الإِشارة لتحقير مثله في قولهم: {أية : أهذا الذي يذكر آلهتكم}تفسير : [الأنبياء:36] وإنما قالوا مقالتهم هذه حين انصرافهم من مجلس أبي طالب المذكورِ في سبب نزول السورة جعلوا النبي صلى الله عليه وسلم لقرب عهدهم بمحضره كأنه حاضر حين الإِشارة إليه. وجَعلوا حالهُ سحراً وكذباً لأنهم لما لم تقبَل عقولهم ما كلمهم به زعموا ما لا يفهمون منه (مثل كون الإِلٰه واحداً أو كونه يعيد الموتى أحياء) سحراً إذ كانوا يألفون من السحر أقوالاً غير مفهومة كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : يعلمون الناس السحر}تفسير : في سورة [البقرة: 102]. وزعموا ما يفهمونه ويحيلونه مثل ادعاء الرسالة عن الله كذباً. وبينوا ذلك بجملتين: إحداهما {أجعل الآلهة إلٰهاً واحداً}، والثانية جملة {أية : أأُنزلَ عليه الذكر من بيننا}تفسير : [ص:8]. فجملة {أجَعَلَ الآلهة إلهاً واحداً} بيان لجملة {هٰذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ}، أي حيث عدوه مباهتاً لهم بقلب الحقائق والأخبار بخلاف الواقع. والهمزة للاستفهام الإِنكاري التعجيبي ولذلك أتبعوه بما هو كالعلة لقولهم: {ساحر} وهو {إنَّ هذا لشيء عجاب} أي يتعجب منه كما يتعجب من شعوذة الساحر. و {عُجاب}: "وصف الشيء الذي يتعجب منه كثيراً" لأن وزن فُعال بضم أوله يدل على تمكن الوصف مثل: طُوال، بمعنى المفرط في الطول، وكُرام بمعنى الكثير الكرم، فهو أبلغ من كريم، وقد ابتدأوا الإِنكار بأول أصل من أصول كفرهم فإن أصول كفرهم ثلاثة: الإِشراكُ، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإنكار البعث، والجزاءِ في الآخرة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كفار قريش عجبوا من أجل أن جاءهم رسول منذر منهم، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من عجبهم المذكور، ذكره في غير هذا الموضع، وأنكره عليهم وأوضح تعالى سببه وروده عليهم في آيات أخر، فقال في عجبهم المذكور {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [ق: 1ـ2]. وقال تعالى في إنكاره عليهم في أول سورة يونس {أية : الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} تفسير : [يونس: 1ـ2] وذكر مثل عجبهم المذكور في سورة الأعراف عن قوم نوح وقوم هود، فقال عن نوح مخاطباً لقومه {أية : أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 63]. وقال عن هود مخاطباً لعاد: {أية : أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } تفسير : [الأعراف: 69] الآية، وبين أن سبب عجبهم من كون المنذر منهم أنه بشر مثلهم زاعمين أن الله لا يرسل إليهم أحداً من جنسهم. وأنه لو أراد أن يرسل إليهم أحداً لأرسل إليهم ملكاً لأنه ليس بشراً مثلهم وأنه لا يأكل ولا يشرب ولا يمشي في الأسواق. والآيات في ذلك كثيرة كقوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94ـ95] وقوله تعالى: {أية : أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} تفسير : [المؤمنون: 47] وقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 33ـ34]. وقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 7]. وقوله تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} تفسير : [التغابن: 6]. وقوله تعالى: {أية : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} تفسير : [القمر: 23ـ24] الآية. وقوله تعالى: {أية : قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} تفسير : [إبراهيم: 10] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 8ـ9] وقوله تعالى: {أية : فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} تفسير : [فصلت: 13ـ14] وقوله تعالى: {أية : فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [المؤمنون: 24] وقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} تفسير : [الحجر: 6ـ8] وقوله تعالى: {أية : لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 7] وقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الفرقان: 21ـ22] الآية. وقوله تعالى عن فرعون مع موسى: {أية : فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} تفسير : [الزخرف: 53]. وقد رد الله تعالى على الكفار عجبهم من إرسال الرسل من البشر في آيات من كتابه. كقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 20] وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} تفسير : [الرعد: 38] وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} تفسير : [يوسف: 109] وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ} تفسير : [الأنبياء: 7ـ8] وقوله تعالى: {أية : قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تفسير : [ابراهيم: 11] أي بالرسالة والوحي ولو كان بشراً مثلكم إلى غير ذلك من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكَافِرُونَ} {سَاحِرٌ} (4) - وَتَعَجَّبُوا مِنْ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ يَقُولُ لَهُمْ إِنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَيْهِمْ مِنَ اللهِ لِيَدْعُوَهُمْ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَا يُمَيِّزُهُ عَنْهُمْ لِيَخْتَصَّهُ اللهُ بِحَمْلِ رِسَالَتِهِ مِنْ دُونِهِمْ، وَقَالَ الكَافِرُونَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ مَا هُوَ إِلاَّ خَدَّاعٌ كَذَّابٌ فِيمَا يَنْسُبُهُ إِلَى اللهِ مِنْ إِرْسَالِهِ إِلَيْهِمْ رَسُولاً لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : العجب هو الاستغراب، إنهم يتعجبون وأمرهم أعجب، يتعجَّبون {أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [ص: 4] والعجيب حقاً أنْ يأتيهم رسولٌ من جنس آخر غير جنسهم، لذلك قال تعالى في موضع آخر: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94]. كانوا يريدون الرسول مَلَكاً، ولو جاءهم ملَكٌ لجاءهم في صورة رجل منهم، ولو شخص لهم في صورة رجل لَظلَّتْ الشبهة قائمة، والحق سبحانه يردُّ عليهم: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95]. وقال سبحانه: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 9]. إذن: لا بُدَّ أنْ يكون المرسَل من جنس المرسَل إليهم، لأن الرسول حامِلُ منهجٍ يُحققه، الرسول أُسْوة وقُدوة لقومه، وكيف تتحقق الأُسْوة بالملَك؟ والله لو جاء الرسول مَلَكاً لاعترضوا عليه، ولقالوا إنه مَلَك معصوم يقدر على ما لا نقدر نحن عليه، ثم إن المَلَك ليس له شهوة كشهوتنا .. الخ. إذن: العجب هو استغراب أنْ يكونَ الرسول واحداً منهم ومن جنسهم، إن كَوْنَ الرسول من بينكم هو الحجة وبه تتم الأُسْوة؛ لذلك حينما يمتنُّ الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقول: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [التوبة: 128] يعني: من جنسكم وليس غريباً عنكم، فهذه مَيْزَة لكم، إذن: عجبكم ليس له مكان. والجنس هنا ليس جنسَ الإنسان فحسب، إنما من نوعهم من العرب، بل من أوسطهم وهم قريش وأنتم تعرفونه قبل بعثته، وتعرفون أصله ونسبه؛ لذلك يرد الله عليهم فيقول: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ..} تفسير : [يونس: 15] يعني: واضحات لا تُنكَر {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس: 15-16]. نعم لقد عاش سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قومه أربعين سنة قبل بعثته، وكانوا يعرفون عنه كل شيء، إذن: العجب في النقيض، وليس في الواقع الذي يتعجبون منه. ثم يحكي الحق عنهم: {وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [ص: 4] الساحر هو الذي يُخيّل لنا الأشياء فنراها على غير حقيقتها، لكنه لا يغير الحقيقة، فالسحر ليس في الشيء إنما في أعين الناس، كما قال تعالى: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [الأعراف: 116]. لذلك هناك فرق بين السحر وبين معجزة سيدنا موسى عليه السلام، وقد كانت من جنس يقارب السحر لأنه سيعانده سَحَرة، ولما ألقى موسى عصاه فرآها السحرة تلقَفُ ما سحروا قالوا: آمنَّا برب موسى، وما ذلك منهم إلا لأنهم أيقنوا أن ما جاء به موسى ليس من قبيل السحر، فهُمْ يعرفون السحر جيداً، ويعرفون ألاعيب السحرة، وليس هذا الذي يروْنَه منها. إنهم يروْنَ حَيَّة تلقف ما يأفكون، والساحر يرى الأشياء على حقيقتها، فيرى الحبال حبالاً، في حين يراها الناسُ ثعابين تسعى وتتحرك، إذن: ما فعله موسى أمامهم ليس من السحر. ونردّ على هؤلاء الذين يتهمون رسول الله بالسحر. ونقول: لو سَلَّمنا معكم أن محمداً ساحر وسحر مَنْ آمن به، فكيف بكم لا تزالون على كفركم؟ لماذا لم يسحركم محمد كما سحر المؤمنين به، وتنتهي المسألة بينكم وبينه؟ ثم يقولون: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] إنهم يتعجَّبون وينكرون أنْ يدعوَهم رسولُ الله إلى التوحيد، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقد كانوا يعبدون آلهة عِدَّة، فحول البيت أصنام كثيرة، ومنهم مَنْ كان يعبد الشمسَ أو القمر أو الكواكب والنجوم، ومنهم مَنْ عبد الملائكة .. إلخ. لكن من أين أتتهم هذه الشبهة؟ جاءتْ هذه الشبهة من استعظامهم الوجود، فهذا الكون البديع المحكم فيه أرض بها أنهار وجبال وزروع وثمار، وفيه سماء فيها شمس وقمر ونجوم وكواكب وأفلاك .. إلخ. فهذا الكون في نظرهم لا يقدر على خَلْقه واحد بمفرده، لا بد أن كثيرين اشتركوا في خَلْقه. إذن: فعظمة الوجود هي التي جعلتهم يقولون بآلهة متعددة، وهنا لا بُدَّ أن نقولَ سبحان الله، فالعكس هو الصحيح في هذه المسألة، فعظمة الخَلْق دليل على أن الخالق واحد، ولو كان الخالق متعدداً لما جاء الخَلْق على هذا النظام والتناسق، ولو كان الخالق متعدداً لكان الحال كما وصفه الحق سبحانه: {أية : إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} تفسير : [المؤمنون: 91]. فقولهم: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً ..} [ص: 5] خطأ من ناحيتين: الأولى ظنُّهم أن عظمة الصنعة دليلٌ على تعدُّد الصانع، في حين أن عظمة الصنعة دليل على أن الصانع واحد، الأخرى: أنكم قُلْتم بتعدد الآلهة، والإله يعني المعبود المطاع في أوامره ونواهيه فقولوا لنا: بماذا أمرتكُم هذه الآلهة، وعَمَّ نهتكم؟ بل ماذا أعدَّتْ لمن أطاعها من الجزاء، وماذا أعدَّتْ لمن عصاها؟ إذن: قولكم آلهة كذب وهراء تقولونه بألسنتكم ما أنزل الله به من سلطان، ولو عرفتم معنى الآلهة ومعنى العبادة وأن المعبود لا بُدَّ أن يكون له منهج يسير عليه العباد، لو عرفتُم هذا لما قُلْتم بتعدُّد الآلهة. لذلك الحق سبحانه يضرب لهم مثلاً، فيقول: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ..} تفسير : [الزمر: 29]. يعني: هل يستوي في العبودية عند مملوك لسيد واحد وعبد مملوك لعدة أسياد، وليتهم متفقون إنما متشاكسون مختلفون فيما بينهم، كذلك لا يستوي مَنْ عبد الله وحده ومَنْ عبد آلهة متعددة. وقولهم: {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] في الآية قبلها قال تعالى: {وَعَجِبُوۤاْ} [ص: 4] من الفعل عَجَب ومصدره عَجَباً. أما هنا فقال (عُجاب) وهذه الصيغة تدلُّ على المبالغة في العجب والاستغراب، فأصل المصدر والبِنْية موجود فيها، والزيادة دَلَّتْ على المبالغة كما نقول: طويل وطوال. ونقول: أمر غريب وغراب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):