٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ} «الملأ» الأشراف، والانطلاق الذهاب بسرعة؛ أي ٱنطلق هؤلاء الكافرون من عند الرسول عليه السلام يقول بعضهم لبعض: «أَن ٱمْشُوا» أي ٱمضوا على ما كنتم عليه ولا تدخلوا في دينه {وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ}. وقيل هو إشارة إلى مشيهم إلى أبي طالب في مرضه كما سبق. وفي رواية محمد بن إسحاق أنهم أبو جهل بن هشام، وشيبة وعُتبة أبناء ربيعة بن عبد شمس، وأميّة بن خلف، والعاص بن وائل، وأبو مُعيط؛ جاءوا إلى أبي طالب فقالوا: أنت سيدنا وأنصفنا في أنفسنا، فٱكفنا أمر ٱبن أخيك وسفهاء معه، فقد تركوا آلهتنا وطعنوا في ديننا؛ حديث : فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إن قومك يدعونك إلى السواء والنَّصَفَة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أدعوهم إلى كلمة واحدة» فقال أبو جهل وعشرا. قال: «تقولون لا إله إلا اللّه» فقاموا وقالوا: «أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلٰهاً وَاحِداً» تفسير : الآيات. {أَنِ ٱمْشُواْ} في موضع نصب والمعنى بأن ٱمشوا. وقيل: «أن» بمعنى أي؛ أي «وَٱنْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ» أي ٱمشوا؛ وهذا تفسير ٱنطلاقهم لا أنهم تكلموا بهذا اللفظ. وقيل: المعنى ٱنطلق الأشراف منهم فقالوا للعوام: «ٱمْشُوا وَٱصْبِرُوا عَلَى آلِهَتكُمْ» أي على عبادة آلهتكم «إِنَّ هَذَا» أي هذا الذي جاء به محمد عليه السلام {لَشَيْءٌ يُرَادُ} أي يراد بأهل الأرض من زوال نعم قوم وغير تنزل بهم. وقيل: {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} كلمة تحذير؛ أي إنما يريد محمد بما يقول الانقياد له ليعلو علينا، ونكون له أتباعاً فيتحكم فينا بما يريد، فاحذروا أن تطيعوه. وقال مقاتل: إن عمر لما أسلم وقوي به الإسلام شقّ ذلك على قريش فقالوا: إن إسلام عمر في قوّة الإسلام لشيء يراد. قوله تعالى: {مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ} قال ابن عباس والقرظيّ وقتادة ومقاتل والكلبيّ والسديّ: يعنون ملّة عيسى النصرانية وهي آخر الملل. والنصارى يجعلون مع اللّه إلٰهاً. وقال مجاهد وقتادة أيضاً: يعنون ملة قريش. وقال الحسن: ما سمعنا أن هذا يكون في آخر الزمان. وقيل: أي ما سمعنا من أهل الكتاب أن محمداً رسول حقّ. {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ} أي كذب وتخرّص؛ عن ابن عباس وغيره. يقال: خلق وٱختلق أي ٱبتدع. وخلق اللّه عز وجل الخلق من هذا؛ أي ٱبتدعهم على غير مثال. قوله تعالى: {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} هو استفهام إنكار، والذكر هاهنا القرآن. أنكروا اختصاصه بالوحي من بينهم؛ فقال اللّه تعالى: {بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} أي من وحي القرآن. أي قد علموا أنك لم تزل صدوقاً فيما بينهم، وإنما شكُّوا فيما أنزلته عليك هل هو من عندي أم لا. {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} أي إنما ٱغتَرُّوا بطول الإمهال، ولو ذاقوا عذابي على الشرك لزال عنهم الشك، ولما قالوا ذلك؛ ولكن لا ينفع الإيمان حينئذ. و «لَمَّا» بمعنى لم وما زائدة كقوله: {أية : عَمَّا قَلِيلٍ}تفسير : [المؤمنون: 40] و {أية : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ} تفسير : [النساء: 155]. قوله تعالى: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ } قيل: أم لهم هذا فيمنعوا محمداً عليه السلام مما أنعم اللّه عز وجل به عليه من النبوة. و «أم» قد ترد بمعنى التقريع إذا كان الكلام متصلاً بكلام قبله؛ كقوله تعالى: {أية : الۤـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ}تفسير : [السجدة: 1-3] وقد قيل إن قوله: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} متصل بقوله: {أية : وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [صۤ: 4] فالمعنى أن اللّه عز وجل يرسل من يشاء؛ لأن خزائن السموات والأرض له {أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا} أي فإن ٱدعوا ذلك {فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ} أي فليصعدوا إلى السموات، وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد. يقال: رَقِيَ يَرْقَى وٱرتقى إذا صَعِد. ورَقَى يَرْقِي رَقْياً مثل رَمَى يَرْمي رَمْياً من الرُّقْية. قال الربيع بن أنس: الأسباب أرقّ من الشَّعر وأشدّ من الحديد ولكن لا ترى. والسبب في اللغة كل ما يوصل به إلى المطلوب من حبل أو غيره. وقيل: الأسباب أبواب السموات التي تنزل الملائكة منها؛ قاله مجاهد وقتادة. قال زهير:شعر : * ولَوْ رَامَ أسبابَ السماءِ بِسُلَّم v تفسير : وقيل: الأسباب السموات نفسها؛ أي فليصعدوا سماء سماء. وقال السدي: «في الأَسْبَابِ» في الفضل والدين. وقيل: أي فليعلوا في أسباب القوّة إن ظنوا أنها مانعة. وهو معنى قول أبي عبيدة. وقيل: الأسباب الحبال؛ يعني إن وجدوا حبلاً أو سبباً يصعدون فيه إلى السماء فليرتقوا؛ وهذا أمر توبيخ وتعجيز. ثم وعد نبيّه صلى الله عليه وسلم النصر عليهم فقال: {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ} «ما» صلة وتقديره هم جند، فـ«جُنْدٌ» خبر ابتداء محذوف. {مَهْزُومٌ} أي مقموع ذليل قد ٱنقطعت حجتهم؛ لأنهم لا يصلون إلى أن يقولوا هذا لنا. ويقال: تهزّمت القربة إذا ٱنكسرت، وهزمتُ الجيش كسرته. والكلام مرتبط بما قبل؛ أي {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } وهم جند من الأحزاب مهزومون، فلا تغمك عزتهم وشقاقهم، فإني أهزم جمعهم وأسلب عزهم. وهذا تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم؛ وقد فُعِل بهم هذا في يوم بدر. قال قتادة: وعد اللّه أنه سيهزمهم وهم بمكة فجاء تأويلها يوم بَدْر. و «هُنَالِكَ» إشارة لبدر وهو موضع تحزُّبهم لقتال محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد بالأحزاب الذين أتوا المدينة وتحزبوا على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد مضى ذلك في «الأحزاب». والأحزاب الجند، كما يقال: جند من قبائل شتّى. وقيل: أراد بالأحزاب القرون الماضية من الكفّار. أي هؤلاء جند على طريقة أولئك؛ كقوله تعالى: {أية : فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} تفسير : [البقرة: 249] أي على ديني ومذهبي. وقال الفراء: المعنى هم جندٌ مغلوب؛ أي ممنوع عن أن يصعد إلى السماء. وقال القتبي: يعني أنهم جند لهذه الآلهة مهزوم، فهم لا يقدرون على أن يدّعوا الشيء من آلهتهم، ولا لأنفسهم شيئاً من خزائن رحمة اللّه، ولا من ملك السمواتِ والأرض.
البيضاوي
تفسير : {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ } وانطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. {أَنِ ٱمْشُواْ } قائلين بعضهم لبعض {ٱمْشُواْ }. {ٱصْبِرُواْ } واثبتوا. {عَلَىٰ ءَالِهَتِكُمْ } على عبادتها فلا ينفعكم مكالمته، و {أَنِ} هي المفسرة لأن الانطلاق عن مجلس التقاول يشعر بالقول. وقيل المراد بالانطلاق الاندفاع في القول، و {ٱمْشُواْ } من مشت المرأة إذا كثرت أولادها ومنه الماشية أي اجتمعوا، وقرىء بغير {أَنٍ} وقرىء «يمشون أن اصبروا». {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ} إن هذا الأمر لشيء من ريب الزمان يراد بنا فلا مرد له، أو أن هذا الذي يدعيه من التوحيد أو يقصده من الرئاسة، والترفع على العرب والعجم لشيء يتمنى أو يريده كل أحد، أو أن دينكم لشيء يطلب ليؤخذ منكم. {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا } بالذي يقوله. {فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلأَخِرَةِ} في الملة التي أدركنا عليها آباءنا، أو في ملة عيسى عليه الصلاة والسلام التي هي آخر الملل فإن النصارى يثلثون. ويجوز أن يكون حالاً من هذا أي ما سمعنا من أهل الكتاب ولا الكهان بالتوحيد كائناً في الملة المترقبة. {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ} كذب اختلقه. {ءَأُنْزِلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ مِن بَيْنِنَا } إنكار لاختصاصه بالوحي وهو مثلهم أو أدون منهم في الشرف والرئاسة كقولهم {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }تفسير : [الزخرف: 31] وأمثال ذلك دليل على أن مبدأ تكذيبهم لم يكن إلا الحسد وقصور النظر على الحطام الدنيوي. {بْل هُمْ فَي شَكّ مّن ذِكْرِي } من القرآن أو الوحي لميلهم إلى التقليد وإعراضهم عن الدليل، وليس في عقيدتهم ما يبتون به من قولهم {هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ } {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ }. {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ } بل لم يذوقوا عذابي بعد فإذا ذاقوه زال شكهم، والمعنى أنهم لا يصدقون به حتى يمسهم العذاب فيلجئهم إلى تصديقه. {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ } بل أعندهم خزائن رحمته وفي تصرفهم حتى يصيبوا بها من شاؤوا ويصرفوها عمن شاؤوا فيتخير للنبوة بعض صناديدهم، والمعنى أن النبوة عطية من الله يتفضل بها على من يشاء من عباده لا مانع له فإنه العزيز أي الغالب الذي لا يغلب، الوهاب الذي له أن يهب كل ما يشاء لمن يشاء، ثم رشح ذلك فقال: {أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} كأنه لما أنكر عليهم التصرف في نبوته بأن ليس عندهم خزائن رحمته التي لا نهاية لها، أردف ذلك بأنه ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الذي هو جزء يسير من خزائنه فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها. {فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ} جواب شرط محذوف أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم، فينزلوا الوحي إلى من يستصوبون. وهو غاية التهكم بهم، والسبب في الأصل هو الوصلة، وقيل المراد بالأسباب السموات لأنها أسباب الحوادث السفلية. {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ ٱلأَحَزَابِ} أي هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل {مَهْزُومٌ } مكسور عما قريب فمن أين لهم التدابير الإِلهية والتصرف في الأمور الربانية، أو فلا تكترث بما يقولون و {مَا } مزيدة للتقليل كقولك أكلت شيئاً ما، وقيل للتعظيم على الهزء وهو لا يلائم ما بعده، وهنالك إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل هذا القول.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ } من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب وسماعهم فيه من النبي صلى الله عليه وسلم قولوا: لا إله إلا الله {أَنِ ٱمْشُواْ } أي يقول بعضهم لبعض: امشوا {وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ ءَالِهَتِكُمْ } اثبتوا على عبادتها {إِنَّ هَذَا } المذكور من التوحيد {لَشَىْءٌ يُرَادُ } منا.
ابن عطية
تفسير : روي في قصص هذه الآية أن أشراف قريش وجماعتهم اجتمعوا عند مرض أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن من القبيح علينا أن يموت أبو طالب ونؤذي محمداً بعده، فتقول العرب: تركوه مدة عمه، فلما مات آذوه، ولكن لنذهب إلى أبي طالب فلينصفنا منه، وليربط بيننا وبينه ربطاً، فنهضوا إليه، فقالوا يا أبا طالب إن محمداً يسب ويسفه آراءنا وآراء آبائنا ونحن لا نقاره على ذلك، ولكن افصل بيننا وبينه في حياتك، بأن يقيم في منزله يعبد ربه الذي يزعم، ويدع آلهتنا، ولا يعرض لأحد منا بشىء من هذا، فبعث أبو طالب في محمد صلى الله عليه وسلم، فقال يا محمد، إن قومك قد دعوك إلى النصفة، وهي أن تدعهم وتعبد ربك وحدك، فقال: أو غير لك يا عم؟ قال وما هو؟ قال: يعطوني كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم قالوا وما هي؟ فإنا نبادر إليها، قال: لا إله إلا الله، فنفروا عند ذلك، وقالوا ما يرضيك منا غير هذا؟ قال: والله لو أعطيتموني الأرض ذهباً ومالاً. وفي رواية: لو جعلتم الشمس في يميني والقمر في شمالي ما أرضاني منكم غيرها، فقاموا عند ذلك، وبعضهم يقول: {أية : أجعل الآلهة إلهاً واحداً، إن هذا لشيء عجاب} تفسير : [ص: 5] ويرددون هذا المعنى، وعقبة بن أبي معيط يقول: {امشوا واصبروا على آلهتكم}. وجلبت هذا الخبر تام المعنى، وفي بعض رواياته زيادة ونقصان، والغرض متقارب، ولما ذهبوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله تفسير : ، فقال: والله لولا أن تكون سبة في بني بعدي لأقررت بها عينك، ومات وهو يقول: على ملة عبد المطلب، فنزلت في ذلك: {أية : إنك لا تهدي من أحببت} تفسير : [القصص: 56] وانطلق. فقوله تعالى في هذه الآية: {وانطلق الملأ} عبارة عن خروجهم عن أبي طالب وانطلاقهم من ذلك الجمع، هذا قول جماعة من المفسرين. وقالت فرقة: هي عبارة عن إذاعتهم لهذه الأقاويل، فكأنه كما يقول الناس: انطلق الناس بالدعاء للأمير ونحوه، أي استفاض كلامهم بذلك، و {الملأ} الأشراف والرؤوس الذي يسدون مسد الجميع في الآراء ونحوه. وقوله: {أن امشوا} {أن} مفسرة لا موضع لها في الإعراب، ويجوز أن يكون في موضع نصب بإسقاط حرف الجر، أي بأن، فهي بتقدير المصدر، كأنه قال: وانطلق الملأ منهم بقولهم: امشوا ومعنى الآية أنه قال بعضهم لبعض امشوا واصبروا على كل أمر آلهتكم، وذهب بعض الناس إلى أن قولهم: {امشوا}، هو دعاء بكسب الماشية، وفي هذا ضعف، لأنه كان يلزم أن تكون الألف مقطوعة، لأنه إنما يقال: أمشي الرجل إذا صار صاحب ماشية، وأيضاً فهذا المعنى غير متمكن في الآية، وإنما المعنى: سيروا على طريقتكم ودوموا على سيركم، أو يكون المعنى: أمر من نقل الأقدام، قالوه عند انطلاقهم، وهو في مصحف عبد الله بن مسعود:"وانطلق الملأ منهم يمشون أن اصبروا". وقولهم: {إن هذا لشيء يراد} يريدون ظهور محمد وعلوه بالنبوة، أي يراد منا: الانقياد إليه: وقولهم: {ما سمعنا بهذا} يريدون بمثل هذه المقالة أن الإله واحد. واختلف المتأولون في قولهم: {في الملة الآخرة} فقال مجاهد: أرادوا ملتهم ونحلتهم التي العرب عليها، ويقال لكل ما تتبعه أمة ما ملة. وقال ابن عباس والسدي: أراد ملة النصارى، وذلك متجه، لأنها ملة شهير فيها التثليث، وأن الإله ليس بواحد. وقالت فرقة معنى قولهم: {ما سمعنا} أنه يكون مثل هذا، ولا أنه يقال في الملة الآخرة التي كنا نسمع أنها تكون في آخر الزمان، وذلك أنه قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كان الناس يستشعرون خروج نبي وحدوث ملة ودين، ويدل على صحة هذا ما روي من قول الأحبار ذوي الصوامع، وما روي عن شق وسطيح، وما كانت بنو إسرائيل تعتقد من أنه يكون منهم. وقولهم: {إن هذا إلا اختلاق} إشارة إلى جميع ما يخبر به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى، ثم قالوا على جهة التقرير من بعضهم لبعض، ومضمن ذلك الإنكار: {أأنزل عليه الذكر من بيننا} بمعنى نحن الأشراف الأعلام، فلم خص هذا؟ وكيف يصح هذا؟ فرد الله تعالى قولهم بما تقضيه بل، لأن المعنى ليس تخصيص الله وإنعامه جار على شهواتهم، {بل هم في شك من ذكري} أي في ريب أن هذا التذكير بالله حق، ثم توعدهم بقوله: {بل لما يذوقوا عذاب} أي لو ذاقوه لتحققوا أن هذه الرسالة حق، أي هم لجهالتهم لا يبين لهم النظر، وإنما يبين لهم مباشرة العذاب. وقرأ ابن مسعود: "أم أنزل" بميم بين الهمزتين، ثم وقفهم احتجاجاً عليهم، أعندهم رحمة ربك وخزائنها التي فيها الهدى والنبوءة وكل فضل، فيكون لهم تحكم في الرسالة وغيرها من نعم الله. و {أم}: هنا، لم تعادلها ألف، فهي المقطوعة التي معناها إضراب عن الكلام الأول واستفهام، وقدرها سيبويه بـ"بل" والألف كقول العرب: إنها لإبل أم شاء. والخزائن للرحمة مستعارة، كأنها موضع جمعها وحفظها من حيث كانت ذخائر البشر تحتاج إلى ذلك خوطبوا في الرحمة بما ينحوا إلى ذلك. وقال الطبري: يعني بــ"الخزائن" المفاتيح، والأول أبين، والله أعلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَانطَلَقَ الْمَلأُ} الانطلاق الذهاب بسهولة ومنه طلاقة الوجه {الْمَلأُ} عقبة بن أبي معيط أو أبو جهل أتى أبا طالب في مرضه شاكياً من الرسول صلى الله عليه سلم ثم انطلق من عنده حين يئس من كفه "ع" {أَنِ امْشُواْ} اتركوه واعبدوا آلهتكم، أو امضوا في أمركم في المعاندة واصبروا على عبادة آلهتكم تقول العرب امش على هذا الأمر أي امض عليه والزمه. {إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ} لما أسلم عمر وقوي به الإسلام قالوا: إِن إسلامه وقوة الإسلام لشيء يراد وأن مفارقة محمد لدينه، أو خلافه إيانا إنما يريد به الرياسة علينا والتملك لنا.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ ءَالِهَتِكُمْ} الآية، حديث : رُوِيَ فِي قَصَصِ هذهِ الآيةِ، أنَّ أشْرَافَ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا عِنْدَ مَرَضِ أبي طالبٍ، وقالوا: إن مِنَ القبيحِ علينا أن يموتَ أبو طالب، ونُؤْذِيَ محمَّداً بَعْدَهُ، فتقولُ العربُ: تركُوهُ مُدَّةَ عَمِّهِ، فَلَمَّا مَاتَ آذَوْهُ، ولكن لِنذهبْ إلى أبي طالب فَيُنْصِفَنَا مِنْهُ ويَرْبِطَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ رَبْطاً، فَنَهَضُوا إليه، فقالوا: يا أبا طالب: إن محمداً يَسُبُّ آلهتَنا، ويُسَفِّهُ آراءنا، ونحنُ لا نُقَارُّهُ عَلَىٰ ذلك، ولكن افْصِلْ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ في حياتِكَ بأن يُقِيمَ في منزلهِ يَعْبُدُ ربَّهُ الذي يَزْعُمُ ويدعُ آلهتنا وسَبَّها، ولا يَعْرِضُ لأحَدٍ منا بشيْءٍ من هذا، فبعث أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمَّدُ، إن قومَكَ قَد دَعَوْكَ إلى النَّصَفَةِ، وهِيَ أن تَدَعَهُمْ وتَعْبُدَ رَبَّكَ وَحْدَكَ، فَقال: أوَ غَيْرَ ذلكَ يا عَمُّ؟ قال: وما هو؟ قال: يُعْطُونَنِي كَلِمَةً تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ، وَتُؤَدِّي إلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ بِهَا العَجَمُ، قَالُوا: وَمَا هِيَ؟! فَإنَّا نُبَادِرُ إلَيْهَا! قَالَ: «لاَ إلٰهَ إلاَّ اللَّهُ»؛ فَنَفَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا يُرْضِيكَ مِنَّا غَيْرُ هٰذَا؟ قال: «واللَّهِ، لَوْ أَعْطَيْتُمُونِي الأَرْضَ ذَهَبَاً وَمَالاً»تفسير : وفي روايةِ «حديث : لَوْ جَعَلْتُمُ الشَّمْسَ فِي يَمِينِي والقَمَرَ فِي شِمَالِي مَا أَرْضَىٰ مِنْكُمْ غَيْرُهَا»تفسير : فَقَامُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}، ويُرَدِّدُونَ هذا المعنَىٰ، وعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ يقولُ: {ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ ءَالِهَتِكُمْ}، فقوله تعالى: {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ} عبارةٌ عن خروجِهم عَن أبي طالبٍ وانطلاقِهِمْ من ذلكَ الجَمْعِ، هذا قولُ جماعةٍ من المفسِّرين. وقوله: {أَنِ ٱمْشُواْ} نَقَلَ الإمامُ الفخرُ أَنَّ «أنْ» بمعنى: «أي»، انتهى، وقولهم: {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ} يريدون ظهورَ محمَّدٍ وعلوَّه، أي: يُرادُ مِنَّا الانقيادُ لَه، وأنْ نكونَ له أتْبَاعاً، ويريدونَ بِالمِلَّةِ الآخرةِ مِلَّةَ عِيسَىٰ، قاله ابنُ عبَّاس، وغيره؛ وذلك أنها ملَّةٌ شُهِرَ فيها التثليثُ. ثم تَوَعَدَّهُمْ ـــ سبحانه ـــ بقوله: {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} أي: لو ذاقُوهُ، لَتَحَقَّقُوا أنَّ هذه الرسالة [حقٌّ].
ابو السعود
تفسير : {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأ مِنْهُمْ} أي وانطلقَ الأشرافُ من قريشٍ عن مجلسِ أبـي طالبٍ بعد ما بكَّتهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالجوابِ العتيدِ وشاهدُوا تصلُّبَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في الدِّينِ وعزيمتَه على أنْ يُظهره على الدِّينِ كلِّه ويئسُوا ممَّا كانُوا يرجونَه بتوسطِ أبـي طالبٍ من المصالحةِ على الوجِه المذكورِ {أَنِ ٱمْشُواْ} أي قائلين بعضِهم لبعضٍ على وجهِ النَّصيحةِ امشُوا {وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ ءالِهَتِكُمْ} أي واثبتُوا على عبادتِها متحمِّلين لما تسمعُونه في حقِّها من القدحِ، وأنْ هي المفسِّرةُ، لأنَّ الانطلاقَ عن مجلسِ التقاولِ لا يخلُو عن القولِ. وقيل: المرادُ بالانطلاقِ الاندفاعُ في القولِ وامشُوا من مشتِ المرأةُ إذا كثرتْ ولادتُها ومنه الماشيةُ للتفاؤلِ أي اجتمعُوا واكثرُوا. وقُرىء امشُوا بغير أنْ على إضمارِ القولِ وقُرىء يمشُون أنِ اصبرُوا {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْء يُرَادُ} تعليلٌ للأمرِ بالصَّبرِ أو لوجوبِ الامتثالِ به أي هذا الذي شاهدناهُ من محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم من أمرِ التَّوحيدِ ونفي آلهتِنا وأبطالِ أمرِها لشيءٌ يُراد أي من جهتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إمضاؤُه وتنفيذُه لا محالةَ من غيرِ صارفٍ يلويهِ ولا عاطفٍ يثنيهِ، لا قولٌ يقال من طرفِ اللِّسان أو أمر يُرجى فيه المسامحةُ بشفاعةٍ أو امتنانٍ فاقطعُوا أطماعَكم عن استنزالِه من رأيهِ بوساطة أبـي طالبٍ وشفاعته وحسبكم أي لا تمنعوا من عبادةِ آلهتِكم بالكلِّية فاصبروا علها وتحمَّلوا ما تسمعونَه في حقِّها من القدحِ وسُوءِ القالةِ. وقيل: إنَّ هذا الأمر لشيءٌ يريده الله تعالى ويحكم بإمضائِه وما أرادَ الله كونَه فلا مردَّ له ولا ينفعِ فيه إلاَّ الصَّبرُ، وقيل: إن هذا الأمرَ لشيءٌ من نوائب الدَّهرِ يُراد بنا فلا انفكاكَ لنا منه وقيل: إنَّ دينَكم لشيءٌ يُراد أي يُطلب ليؤخذَ منكم وتُغلبوا عليه. وقيل: إنَّ هذا الذي يدَّعيهِ من التَّوحيدِ أو يقصدُه من الرِّياسةِ والتَّرفعِ على العرب والعجم لشيءٌ يُتمنَّى ويرُيده كلُّ أحدٍ فتأمَّل في هذه الأقاويلِ واخترْ منها ما يساعدُه النَّطمُ الجليلُ {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} الذي يقولُه {فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ} أي الملَّةِ النَّصرانيةِ التي هي آخرُ الملل فإنَّهم مُثلِّثةٌ أو في الملَّةِ التي أدركنا عليها آباءَنا. ويجوزُ أن يكون الجارُّ والمجرور حالاً من هذا أي ما سمعنا بهذا من أهلِ الكتابِ ولا الكُهَّانِ كائناً في الملَّة المترقبة ولقد كذبُوا في ذلك أقبح كذبٍ فإنَّ حديثَ البعثةِ والتَّوحيدِ كان أشهرَ الأمورِ قبل الظُّهور {إِنَّ هَذَا} أي ما هذا {إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ} أي كذبٌ اختلَقه.
التستري
تفسير : قوله: {أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ}[6] قال: هو الصبر المذموم الذي وبخ الله به الكفار. وقد سمعته يقول: الصبر على أربع مقامات: صبر على الطاعة، وصبر على الألم، وصبر على التألم، وصبر مذموم وهو الإقامة على المخالفة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ} [الآية: 6]. قال عمر: لقد وبخ الله عز وجل التاركين للصبر على دينهم بما أخبر عن الكفار بقوله: {أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ} هذا توبيخ لمن ترك الصبر من المؤمنين على دينه.
القشيري
تفسير : إذا تواصى الكفارُ فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمنون أَوْلى بالصبر على عبادة معبودهم والاستقامة في دينهم.
البقلي
تفسير : قوله {أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ} وصف الله سبحانه ضعف قلوب الكافرين عن حمل واراد انوار يتيمين هجما صولات العظمة فانهزموا عن سطوات عزته ورجوعهم الى المحدثات اى اصبروا على المشاهدة امثالكم حتى لا تجذب قلوبكم انوار سلطان المحيطة لوجودكم جميعا كيلا تحترقوا فيها وايضا اصبروا على الهتكم حين دفعكم عن شهودها قهر جبروت الازل التى تصدر من كل ذرة من العرش الى التى فان الصبر مع الحدث ممكن ومع القدم لا يمكن وهذا داب ضعفاء المريدين فى مشاهدة جلال الحق يفرون منه من عظم سطوات قدوسيته الى مقامات العبودية وهذا من غلبة سفقتهم على نفوسهم حتى لا يفنوا فى انوار الكبرياء ويشتغلون منه بالوسائل مثل رؤية المستحسنات من الكونين وهذا علة طارية على الجمهور من السالكين قال بعضهم هذا توبيخ لمن ترك الصبر من المؤمنين على دينهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وانطلق الملأ منهم} الانطلاق الذهاب والملأ الاشراف لا مطلق الجماعة ويقال لهم ملأ لانهم اذا حضروا مجلسا ملأت العيون وجاهتهم والقلوب مهابتهم اى وذهب الاشراف من قريش وهم خمسة وعشرون عن مجلس ابى طالب بعد ما اسكتهم رسول الله عليه السلام بالجواب الحاضر وشاهدوا تصلبه عليه السلام فى الدين وعزيمته على ان يظهره على الدين كله ويئسوا مما كانوا يرجونه بتوسط ابى طالب من المصالحة على الوجه المذكور {ان} مفسرة للمقول المدلول عليه بالانطلاق لان الانطلاق عن مجلس التقاول لا يخلو عن القول اى وانطلق الملأ منهم بقول هو قول بعضهم لبعض على وجه النصيحة {امشوا} سيروا على طريقتكم وامضوا فلا فائدة فى مكالمة هذا الرجل. وحكى المهدوى ان قائلها عقبة بن ابى معيط {واصبروا على آلهتكم} اى واثبتوا على عبادتها متحملين لما تسمعونه فى حقها من القدح. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الكفار اذا تراضوا فيما بينهم بالصبر على آلهتهم فالمؤمنون اولى بالصبر على عبادة معبودهم والاستقامة فى دينهم بل الطالب الصادق والعاشق الوامق اولى بالصبروالثبات على قدم الصدق فى طلب المحبوب المعشوق {ان هذا} تعليل للامر بالصبر او لوجوب الامتثال به اى هذا الذى شاهدناه من محمد من امر التوحيد ونفى آلهتنا وابطال امرنا {لشىء يراد} من جهته عليه السلام امضاؤه وتنفيذه لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه لا قول يقال من طرف اللسان او امر يرجى فيه المسامحة بشفاعة او امتناع فاقطعوا اطماعكم عن استنزاله عن رأيه بواسطة ابى طالب وشفاعته وحسبكم ان لا تمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية فاصبروا عليها وتحملوا ما تسمعونه فى حقها من القدح وسوء المقالة هذا ما ذهب اليه المولى ابو السعود فى الارشاد. وقال فى تفسير الجلالين لامر يراد بنا ومكر يمكر علينا. وقال سعدى المفتى وسنح بالبال انه يجوز ان يكون المراد ان دينكم لشىء يستحق ان يطلب ويعض عليه بالنواجذ فيكون ترغيبا وتعليلا للامر السابق. وقال بعضهم [بدرستى كه مخالفت محمد باما جيز نيست كه خواسته اند بما از حوادث زمان واز وقوع آن جاره نيست]. يقول الفقير امده الله القدير بالفيض الكثير ويجوز ان يكون المعنى ان الصبر والثبات على عبادة الآلهة التى هى الدين القديم يراد منكم فانه اقوى ما يدفع به امر محمد كما قالوا نتربص به ريب المنون فيكون موافقا لقرينه فى الاشارة الى المذكور فيما قبله او ان شأن محمد لشىء يراد دفعه واطفاء ثائرته بأى وجه كان قبل ان يعلو ويشيع كما قيل شعر : علاج اوقعه ييش از وقوع بايدكرد تفسير : ودل عليه اجتماعهم على مكره عليه السلام فابى الله الا ان يتم نوره
الطوسي
تفسير : خمس آيات في الكوفي واربع في الباقي. اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم انهم انطلقوا اي ذهبوا فالانطلاق ذهاب بسهولة، ومنه طلاقة الوجه وهي سهولة وبشر خلاف العبوس وقوله {أن امشوا} قال الزجاج: أى بهذا القول، وتقديره بأن امشوا وقال قوم: معنى (أن) أي التي للتفسير لأنه صار انطلاقهم لدلالته على هذا المعنى بمنزلة الناطق به، كما يقولون: قام يصلي أي أنا رجل صالح. وقال بعضهم: معناه الدعاء لهم بأن يكثر ماشيتكم، وهذا باطل لفظاً ومعنى فاللفظ لأنه لو كان كما قالوه لكانت الهمزة من {أن امشوا} إذا أمر منها مفتوحة، لأنه من امشى يمشي إذا كثرت ماشيته والامر منه امشوا بقطع الهمزة، والقراءة بكسرها، قال الشاعر: شعر : وكل فتى وإن أثرى وامشى ستسلخه من الدنيا المنون تفسير : واما المعنى، فلانه لا يشاكل ما قبله ولا ما بعده. وقوله {واصبروا على آلهتكم} أمر منهم بعضهم لبعض أن يصبروا على عبادة آلهتهم وتحمل المشاق لاجلها. وقال مجاهد: القائل لذلك عقبة بن أبي معيط فالصبر محمود إذا كان في حبس النفس عن المحارم، فهؤلاء الجهال اعتقدوا أن الحق في الصبر على آلهتهم، ولم يعلموا ان ذلك كفر. وفي ذلك دلالة على فساد قول من يقول: إن المعارف ضرورة، قال الحسن: إن هذا يكون في آخر الزمان. وقوله {إن هذا لشيء يراد} معناه هذا الذي يدعيه محمد ويدعوهم اليه لشيء يراد به أمر ما من الاستعلاء علينا والرياسة فينا والقهر لنا. ثم حكى ما قالوه فانهم قالوا {ما سمعنا بهذا} يعنون ما يدعوهم اليه النبي صلى الله عليه وآله من التوحيد وخلع الانداد من دون الله {في الملة الآخرة} قال ابن عباس يعنون في النصرانية، لأنها آخر الملل. وقال مجاهد: يعنون في مكة وقريش. ثم قالوا {إن هذا إلا اختلاق} قال ابن عباس ومجاهد: معناه ليس هذا إلا تخرص وكذب. ثم تعجبوا فقالوا {أأنزل عليه الذكر من بيننا} يعنون كيف خص محمد بانزال القرآن دوننا؟! فقال الله تعالى {بل هم في شك من ذكري} معناه ليس يحملهم على هذا القول إلا الشك في الذكر الذي أنزلت على رسولي {بل لما يذوقوا عذاب} ثم قال {أم عندهم خزائن رحمة ربك}؟ قال الفراء: الأستفهام إذا توسط الكلام ابتدئ بألف وب (أم)، وإذا لم يسبق كلام لم يكن إلا بألف او بـ (هل). ووجه اتصال هذا القول بما تقدم هو إتصال الانكار لما قالوا فيه، أي ذلك ليس اليهم، وإنما هو إلى من يملك هذه الأمور. و {خزائن رحمة ربك} معناه مقدوراته التي يقدر بها على أن ينعم بها عليهم. وقوله {العزيز} يعني القادر الذي لا يغالب ولا يقهر {الوهاب} لضروب النعم {أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما} فان كان لهم ذلك {فليرتقوا في الأسباب} وهي جمع سبب وكل ما يتوصل به إلى المطلوب - من حبل أو سلم او وسيلة او رحم او قرابة او طريق او جهة - فهو سبب، ومنه قيل: تسببت بكذا إلى كذا أي توصلت به اليه.
الجنابذي
تفسير : {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ} يعنى انطلق السنتهم ولذا اتى بان التّفسيريّة بعده او انطلقوا بارجلهم والمعنى انطلقوا عنه مسارّين {أَنِ ٱمْشُواْ} من عند هذا الرّجل او امشوا على دينكم {وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَـٰذَا} الّذى هو من جملة البلايا والمصائب {لَشَيْءٌ يُرَادُ} بنا او انّ هذا الّذى يدّعيه من الرّياسة على العباد والتّرفّع فى البلاد شيءٌ يريده كلّ احد.
اطفيش
تفسير : {وَانطَلَقَ الْمَلأُ} أي الجماعة* {مِنْهُمْ} أي الذين هم جملة هؤلاء الكفار انطلقوا من مجلس أبي طالب أي الضمير للملأ على حذف مضاف من مجلسهم عند أبي طالب عندما أفحمهم النبي صلى الله عليه وسلم {أَنِ امْشُواْ} أن حرف تفسير وانما وقعت بعد الانطلاق لان فيه معنى القول دون حروفه اذ ليس المراد بالانطلاق المعنى انطلاق المنتهي بهذا الكلام كما أنه ليس المراد بالمشي المشي المتعارف عليه بل الاستمرار على الشيء قال ابن هشام: (ولأن الانطلاق عن مجلس التقاول يشعر بالقول أو يقدر (لافظين أو ناطقين) {أَنِ امْشُوا} ونحو ذلك مما يتضمن معنى القول دون حروفه وبسطت ذلك فى حواشي النحو ويجوز بقاء (امشوا) على ظاهره، وقيل: من مشيت المرأة إذا كثرت ولادتها أي انطلقوا قائلين بعضهم لبعض استمروا واجتمعوا على ما أنتم عليه* {وَاصْبِرُواْ} أي أحبسوا واثبتوا {عَلَى} عبادة* {ءَالِهَتِكُمْ} وقرئ (وانطلق الملأ منهم يمشون أن أصبروا) والكلام فيه كما مر* {إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ} بنا أو بأهل الأرض من ريب الزمان فلا مرد له وهو ظهور محمد صلى الله عليه وسلم وعلوه علينا وانقيادنا له؛ وقيل: الاشارة الى ما رواه من زيادة أصحابه؛ وقيل: المعنى ان هذا الذي يدعيه من التوحيد أو يقصده من زيادة الرياسة والترفع عن العرب والعجم لشيء يتمنى أو يريد كل أحد وان دينكم لشيء يطلب أن يؤخذ منكم ويتغلب عليه
اطفيش
تفسير : {وانْطَلق} ذهب من مجلس أبى طالب {الملأٌ} الأشراف المذكورون آنفا، قال رجل من المسلمين يوم بدر اذ غلبوا المشركين ذما لهم واهانة: ما قتلنا الا النساء، فقال صلى الله عليه وسلم: "بل هم الملأ وقرأ وانطلق الملأ {منْهُم أنِ امْشُوا} سيروا على الأرض فى مصالحكم، واتركوا قول محمد والانطلاق عن مجلس الكلام يقتضى التكلم بعده، ففيه معنى القول دون حروفه، فأن مفسرة له، أو الانطلاق الشروع فى الحديث، ففيه معنى القول وهو مجاز مشهور فى ذلك حتى قيل: انه حقيقة عرفية، والمنطلق فى ذلك ألسنتهم، فذلك تجوز باسناد ما للبعض حقيقة عرفية، والمنطلق فى ذلك ألسنتهم، فذلك تجوز باسناد ما للبعض للكل، قال الأشراف المذكورون للعامة، وبعض لبعض: اعرضوا عنه الى مصالحكم،أو امشوا دوموا على سيرتكم فى شأن آلهتكم. {واصْبروا على آلهتكُم} على عبادتها والاعتناء بها، وتحملوا تحقير محمد لها ولكم، وعلل الصبر بقوله: {إنَّ هَذا} أى ما يقوله محمد من التوحيد أو تصلبه فيه {لشيءٌ} عظيم مصمم عليه {يُرادُ} يريد محمد لا طمع فى رده بقهر ولا شفاعة أوتلطف، أو شىء من مصائب الزمان يراد بنا لا بد فيه من تجرع الصبر، أو شىء يتمناه ويريده، وما كل مريد ينال مراده، أو إن هذا الذى يريده محمد صلى الله عليه وسلم من أن تدين له العرب، وتعطيه العجم الجزية، أمر يتمناه هو وغيره ويريده، ولكنه بعيد، أو أن هذا الدين الذى نحن عليه لشىء يريده محمد بالآباء، لا فاحذروا واصبروا أو ان هذا الصبر لشىء يطلب محمود العاقبة.
الالوسي
تفسير : {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأ مِنْهُمْ } أي وانطلق الأشراف من قريش من مجلس أبـي طالب بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاهدوا تصلبه في الدين ويئسوا مما كانوا يرجونه منه عليه الصلاة والسلام بواسطة عمه وكان منهم أبو جهل والعاص بن وائل والأسود بن المطلب بن عبد يغوث وعقبة بن أبـي معيط. / وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي مجلز قال: قال رجل يوم بدر ما هم إلا النساء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هم الملأ وتلا {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأ مِنْهُمْ }. {أَنِ ٱمْشُواْ } الظاهر أنه أمر بالمشي بمعنى نقل الأقدام عن ذلك المجلس، و {أن} مفسرة فقيل في الكلام محذوف وقع حالاً من الملأ أي انطلق الملأ يتحاورون والتفسير لذلك المحذوف وهو متضمن معنى القول دون لفظه، وقيل لا حاجة إلى اعتبار الحذف فإن الانطلاق عن مجلس التقاول يستلزم عادة تفاوض المنطلقين وتحاورهم بما جرى فيه وتضمن المفسر لمعنى القول أعم من كونه بطريق الدلالة وغيرها كالمقارنة ومثل ذلك كاف فيه، وقيل الانطلاق هنا الاندفاع في القول فهو متضمن لمعنى القول بطريق الدلالة وإطلاق الانطلاق على ذلك الظاهر أنه مجاز مشهور نزل منزلة الحقيقة، وجوز أن يكون التجوز في الإسناد وأصله انطلقت ألسنتهم والمعنى شرعوا في التكلم بهذا القول، وقال بعضهم: المراد بامشوا سيروا على طريقتكم وداوموا على سيرتكم، وقيل هو من مشت المرأة إذا كثرت ولادتها ومنه الماشية وسميت بذلك لأنها من شأنها كثرة الولادة أو تفاؤلاً بذلك والمراد لازم معناه أي أكثروا واجتمعوا، وقيل: هو دعاء بكثرة الماشية افتتحوا به كلامهم للتعظيم كما يقال أسلم أيها الأمير واختاروه من بين الأدعية لعظم شأن الماشية عندهم. وتعقب بأنه خطأ لأن فعله مزيد يقال أمشى إذا كثرت ماشيته فكان يلزم قطع همزته والقراءة بخلافه مع أن إرادة هذا المعنى هنا في غاية البعد، وأياً ما كان فالبعض قال للبعض ذلك، وقيل قال الأشراف لأتباعهم وعوامهم. وقرىء {امشوا} بغير أن على إضمار القول دون إضمارها أي قائلين امشوا. {وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ ءالِهَتِكُمْ } أي اثبتوا على عبادتها متحملين لما تسمعونه في حقها من القدح. وقرأ ابن مسعود {وانطلق الملأ منهم يمشون أن اصبروا} فجملة {يَمْشُونَ } حالية أو مستأنفة والكلام في {أن اصبروا} كما في {أن امشوا} سواء تعلق بانطلق أو بما يليه. {إِنَّ هَذَا لَشَىْء يُرَادُ } تعليل للأمر بالصبر أو لوجوب الامتثال به، والإشارة إلى ما وقع وشاهدوه من أمر النبـي صلى الله عليه وسلم وتصلبه في أمر التوحيد ونفي ألوهية آلهتهم أي إن هذا لشيء عظيم يراد من جهته صلى الله عليه وسلم إمضاؤه وتنفيذه لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه لا قول يقال من طرف اللسان أو أمر يرجى فيه المسامحة بشفاعة إنسان فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله إلى إرادتكم واصبروا على عبادة آلهتكم، وقيل: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد بنا فلا حيلة إلا تجرع مرارة الصبر، وقيل: إن هذا الذي يدعيه من أمر التوحيد أو يقصده من الرياسة والترفع على العرب والعجم لشيء يتمنى أو يريده كل أحد ولكن لا يكون لكل ما يتمناه أو يريده فاصبروا، وقيل: إن هذا أي دينكم يطلب لينتزع منكم ويطرح أو يراد إبطاله، وقيل: الإشارة إلى الصبر المفهوم من {ٱصْبِرُواْ } أي إن الصبر لشيء مطلوب لأنه محمود العاقبة. وقال القفال: هذه كلمة تذكر للتهديد والتخويف، والمعنى أنه ليس غرضه من هذا القول تقرير الدين وإنما غرضه أن يستولي علينا فيحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : الانطلاق حقيقته: الانصراف والمشي، ويستعمل استعمال أفعال الشروع لأن الشارع ينطلق إليه، ونظيره في ذلك: ذَهب بفعل كذا، كما في قول النبهاني:شعر : فإن كنتَ سيِّدنَا سدْتَنا وإن كنت للخال فاذْهب فَخلْ تفسير : وكذلك قام في قوله تعالى: {أية : إذ قاموا فقالوا}تفسير : في سورة [الكهف: 14]. وقيل: إن الانطلاق هنا على حقيقته، أي وانصرف الملأ منهم عن مجلس أبي طالب. و {الملأ}: سادة القوم قال ابن عطية: قائل ذلك عقبة بن أبي معيط. وقال غير ابن عطية: إن من القائلين أبا جهل، والعاصي بن وائل، والأسود بن عبد يغوث. و {أن} تفسيرية لأن الانطلاق إن كان مجازاً فهو في الشروع فقد أريد به الشروع في الكلام فكان فيه معنى القول دون حروفه فاحتاج إلى تفسيرٍ بكلام مقول، وإن كان الانطلاقُ على حقيقته فقد تضمن انطلاقهم عقب التقاول بينهم بكلامهم الباطل {أية : هٰذَا ساحِرٌ}تفسير : [ص:4] إلى قوله: {أية : عُجَابٌ}تفسير : [ص:5] يقتضي أنهم انطلقوا متحاورين في ماذا يصنعون. ولما أسند الانطلاق إلى الملأ منهم على أنهم ما كانوا لينطلقوا إلا لتدبير في ماذا يصنعون فكان ذلك مقتضياً تحاوراً وتقاولاً احتيج إلى تفسيره بجملة {أن امشوا واصبروا على ءَالهتِكُم} الخ. والأمر بالمشي يحتمل أن يكون حقيقة، أي انصرفوا عن هذا المكان مكان المجادلة، واشتغلوا بالثبات على آلهتكم. ويجوز أن يكون مجازاً في الاستمرار على دينهم كما يقال: كما سار الكرام، أي اعمل كما عملوا، ومنه سميت الأخلاق والأعمال المعتادة سيرة. والصبر: الثبات والملازمة، يقال: صبر الدابة إذا ربطها، ومنه سمي الثبات عند حلول الضُرّ صبراً لأنه ملازمة للحلم والأناة بحيث لا يضطرب بالجزع، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها}تفسير : [الفرقان: 42]. وحرف {على} يدلّ على تضمين {اصبروا} معنى: اعكفوا وأثبتوا، فحرف {على} هنا للاستعلاء المجازي وهو التمكن مثل {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5]. وليس هو حرف {على} المتعارف تعدية فعل الصبر به في نحو قوله: {أية : اصبر على ما يقولون}تفسير : [المزمل: 10] فإن ذلك بمعنى (مع)، ولذلك يخلفه اللام في مثل ذلك الموقع نحو قوله تعالى: {أية : فاصبر لحكم ربك}تفسير : [القلم: 48]، ولا بدّ هنا من تقدير مضاف، أي على عبادة آلهتكم، فلا يتعدى إلى مفعول إن كان مجازاً فهو في الشروع فقد أريد به الشروع في الكلام فكان. وجملة {إن هٰذَا لشيءٌ يُرادُ} تعليل للأمر بالصبر على آلهتهم لقصد تقوية شكهم في صحة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بأنها شيء أرادهُ لغرض أي ليس صادقاً ولكنه مصنوع مراد منه مقصد كما يقال: هذا أمر دُبِّر بليل، فالإِشارة بــــ {هٰذَا} إلى ما كانوا يسمعونه في المجلس من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم أن يقولوا: لا إلٰه إلا الله. وقوله: {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} من كلام المَلأ. والإِشارة إلى ما أشير إليه بقولهم: {إن هٰذا لشيء يراد}، أي هذا القول وهو {أية : أجعَلَ الآلهة إلٰهاً واحداً}تفسير : [ص:5]. والجملة مستأنفة أو مبينة لجملة {إنَّ هٰذَا لشيءٌ يُرادُ} لأن عدم سماع مثله يبين أنه شيء مصطنع مبتدع. وإعادة اسم الإِشارة من وضع الظاهر موضع المضمر لقصد زيادة تمييزه. وفي قوله: {بهٰذَا} تقدير مضاف، أي بمثل هذا الذي يقوله. ونفي السماع هنا خبر مستعمل كناية عن الاستبعاد والاتّهام بالكذب. و {الملة}: الدين، قال تعالى: {أية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}تفسير : في سورة [البقرة:120]، وقال: {أية : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون باللَّه وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب}تفسير : في سورة [يوسف: 37 - 38]. و {الآخِرة}: تأنيث الآخِر وهو الذي يكون بعد مضي مدة تقررت فيها أمثاله كقوله تعالى: {أية : ثم اللَّه ينشىء النشأة الآخرة}تفسير : [العنكبوت: 20]. والمجرور من قوله: {في الملة الآخرةِ} يجوز أن يكون ظرفاً مستقراً في موضع الحال من اسم الإِشارة بياناً للمقصود من الإِشارة متعلقاً بفعل {سَمِعْنَا}. والمعنى: ما سمعنا بهذا قبل اليوم فلا نعتدّ به. ويجوز على هذا التقدير أن يكون المراد بــــ {الملَّةِ الآخرة} دين النصارى، وهو عن ابن عباس وأصحابه وعليه فالمشركون استشهدوا على بطلان توحيد الإِلٰه بأن دين النصارى الذي ظهر قبل الإِسلام أثبتَ تعدد الآلهة، ويكون نفي السماع كناية عن سماع ضده وهو تعدد الآلهة. ويجوز أن يريدوا بــــ {الملَّةِ الآخِرة} الملّة التي هُم عليها ويكون إشارة إلى قول ملأ قريش لأبي طالب في حين احْتضاره حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يا عَم قُلْ لا إلٰه إلاّ الله كلمةً أُحاجُّ لك بها عند الله. فقالوا له جميعاً: أترغب عن ملة عبد المطلب»تفسير : . فقولهم: {في الملة الآخِرَةِ} كناية عن استمرار انتفاء هذا إلى الزمن الأخير فيعلم أن انتفاءه في ملتهم الأولى بالأحرى. وجملة {إن هٰذَا إلاَّ اختلاقٌ} مبينة لجملة {ما سمعنا بهٰذَا} وهذا هو المتحصل من كلامهم المبدوء بــــ {امشوا واصبروا على ءَالهتِكُم} فهذه الجملة كالفذلكة لكلامهم. والاختلاق: الكذب المخترع الذي لا شبهة لقائله.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ}. قد قدمنا الكلام عليه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} تفسير : [الفرقان: 42].
د. أسعد حومد
تفسير : {آلِهَتِكُمْ} (6) - وَانْطَلَقَ قَادَةُ قُريشٍ (المَلأُ) مِنْ مَجْلِسِ أَبِي طَالِبٍ يَائِسِينَ لِمَا رَأَوْهُ مِنْ تَصَلُّبِ مُحَمَّدٍ فِي دِينِهِ، يَتَحَاوَرُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَوْلَ مَا جَرَى، وَيُقَلِّبُونَ أَوْجُهَ الرَّأْيِ فِيمَا يَفْعَلُونَ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اثْبُتُوا عَلَى عِبَادَةِ أَصْنَامِكُمْ، وَاحْتَمِلُوا القَدْحَ فِيهَا، وَالغَضَّ مِنْ شَأْنِهَا، وَلاَ تَسْتَجِيبُوا لِمَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوحِيدِ، فَهَذَا الذِي يَدْعُوكُم إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَنَالَ بِهِ الشَّرَفَ، وَالرِّفْعَةَ، والاسْتِعْلاَءَ عَلَيْكُمْ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْكُم أَتْبَاعٌ، وَلَسْنَا بِمُسْتَجِيبِينَ لَهُ، (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ). المَلأَ مِنْهُمْ - كُبَرَاءُ المُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ. امْشُوا - سِيرُوا عَلَى طَريقَتِكُمْ وَدِينِكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (الملأ) هم الذين يملأون العين مهابةً وزياً وهِنْداماً، ويملأون صدور المجالس. والمراد: الأعيان وزعماء القوم وصناديد الكفر في قريش، وعلى رأسهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل وأُبيّ بن خلف، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، والنضر بن الحارث، وخصَّهم الله بالذكر لأنهم أهل السيادة، ودعوته صلى الله عليه وسلم ستسحب بساط السيادة من تحت أقدامهم، فهم المضارُّون من دعوة رسول الله. ولهذه المسألة قصة، فهؤلاء الزعماء ذهبوا إلى أبي طالب عم رسول الله وقالوا له: لو كان ابنُ أخيك يريدُ مُلْكاً مَلكْنَاه علينا، وإنْ كان يريد مالاً جمعنا له من المال حتى يصير أغنانا .. إلخ فَكلَّم أبو طالب رسول الله وقال: يا ابن أخي، ابْقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تُحمِّلني من الأمر مَا لا أطيق، إن قومك جاءوني وقالوا كذا، وكذا فقال صلى الله عليه وسلم قولته المشهورة: "حديث : والله يا عَمِّ، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أنْ أتركَ هذا الأمر ما تركتُه حتى يُظهِره الله، أو أهلِكَ دونه ". تفسير : فلما خاب سَعْيُهم، وعلموا أن رسول الله لن يُهادنهم في آلهتهم، ولن يقبل عروضهم ومساوماتهم أسرعوا إلى القوم يحفزونهم على التمسك بآلهتهم والصبر عليها {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ} [ص: 6] يعني: إلى قومهم {أَنِ ٱمْشُواْ} [ص: 6] يعني: سيروا على ما أنتم عليه من عبادة الأصنام، وابْقوا على طريقتكم وعبادتكم {وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ} [ص: 6] يعني: على عبادتها واحذروا أنْ يُضلِكم محمد عنها. {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 6] أي: مسألة مدبرة لها ما بعدها من العواقب، لأن الآلهة إنْ كفرتُم بها ستغضب عليكم فيصيبكم الجَدْب والقحط، أو الشيء يُرادُ بنا نحن الأعيان، فنذل بعد أنْ كُنَّا سادة، ونصير سواسية مع باقي القوم. وقولهم: {مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ} [ص: 7] أي: ما سمعنا بأن الإله واحد، والملة الآخرة هي أقرب المِلَل إليهم، وهي اليهودية والنصرانية، نعم اليهودية والنصرانية نزلتْ من السماء بتوحيد الله، لكن الذي شجَّعهم على هذا القول أن اليهود قالوا: عزير ابن الله. والنصارى قالوا: المسيح ابن الله وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة. لذلك قال كفار مكة: ما سمعنا بتوحيد الله في الملة الآخرة {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ} [ص: 7] يعني: ما هذا إلا كذب وافتراء، ومعنى الاختلاق: خَلْق الشيء بلا واقع يسانده.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما تنفروا من قوله، وتعجبوا من طلبه {ٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ} أي: أشرافهم قائلين: {أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ} أي: اثبتوا {عَلَىٰ} عبادة {آلِهَتِكُمْ} ولا تصالحوا معه {إِنَّ هَـٰذَا} الذي حدث بيننا وابتدع فينا {لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 6] بنا من شؤم الزمان وريبه. وما لنا إلا الصبر والثبات إلى أن تتجلى الغياهب وترتفع النوائب، مع أنَّا {مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} أي: بالتوحيد الذي يقوله هذا الداعي {فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ} التي هي النصرانية؛ إذ النصارى يقولون بالأقانيم الثلاثة، ولم ينقل منهم توحيد الإله، ولا من الذين مضوا قبلهم من أرباب الملل السالفة، وبالجملة: {إِنْ هَـٰذَا} أي: ما هذا التوحيد الذي ظهر به {إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ} [ص: 7] أي: كذب اخترعه من تلقاء نفسه، ونسبه إلى الوحي افتراء ومراء، قاصداً به التغرير والتلبيس على ضعفه الأنام. {أَ} تعتقدون أيها العقلاء المتدبرون أنه {ءُنزِلَ عَلَيْهِ} أي: على يتيم أبي طالب {ٱلذِّكْرُ} أي: الوحي والقرآن {مِن بَيْنِنَا} من أنه مثلنا ومن بني نوعنا، بل أدون منَّا، ونحن أشرف منه، وأكبر سناً، وأكثر أموالاً وأولاداً، وأكرم جاهاً وثروة، وأعلى سيادة ورئاسة، إنما يقولون هذا على سبيل الإنكار والاستبعاد لا أنهم معتقدون على الوحي والإنزال {بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ} وريب عظيم {مِّن ذِكْرِي} ووحيي إليه، بل إلى جميع المرسلين {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} [ص: 8] أي: إنما قالوا هذا، وشكوا في الوحي وارتابوا؛ لأنهم لم يذوقوا عذابي، ولو أنهم ذاقوه لما قالوا، فمن أين يقولون هذا ويحكمون أن الوحي لو نزل لنزل على رؤسائنا وسادتنا. أهم يعلمون الغيب {أَمْ عِندَهُمْ} أي: عند أولئك البعداء والمهمكين في بحر الغفلة والضلال {خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل ومقاليد نعمه ومفاتيح كرمه؛ ليكون لهم الخيرة في أمره سبحانه، فيعطونها على من يشاء، ويمنعونها عمَّن يشاء، فكيف يحكمون على {ٱلْعَزِيزِ} الغالب على أمره في تصرفات مكله وملكوته بالاستقلال والاختيبار {ٱلْوَهَّابِ} [ص: 9] على من شاء وأراد بلا مشاورة ومظاهرة. {أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي: يدعون أن لهم التصرف في العلويات والسفليات والممتزجات، وإن ادعوا ذلك لأنفسهم {فَلْيَرْتَقُواْ} وليصعدوا {فِى ٱلأَسْبَابِ} [ص: 10] التي هي معارج الوصول إلى منشأ الوحي والإلهام، ومنبع النزول والإنزال، فليأتوا بالوحي إلى من أرادوا واختاروا. وبالجملة: من أين يتأتى لأولئك الكفرة العجزة المقهورين الصاغرين الخيرة في أمره سبحانه وحكمه بمقتضى قضائه، حتى يتفوهوا عنه عن أفعاله وأحكامه؛ إذ لا يسع لأحد من أقوياء عباده أن يسأل عن فعله مع أن أولئك الحمقى {جُندٌ مَّا} أي: شرذمة قليلة في غاية القلة {هُنَالِكَ} أي: وضعوا ونصبوا أنفسهم بمعاداتك في أبعد الأمكنة وأعلى المرتبة، مع أنهم {مَهْزُومٌ} مغلوب {مِّن} جمع {ٱلأَحَزَابِ} [ص: 11] الذين تحزبوا على رسل الله وأنبيائه، مع كمال شدتهم وقوتهم ووفور شوكتهم وصولتهم، فانهزموا واستؤصلوا إلى حيث لم يبقَ منهم أحد على وجه الأرض.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 820 : 3 : 15 - سفين {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ} قال، عقبة بن أبي مُعيط. [الآية 6].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):