Verse. 3978 (AR)

٣٨ - ص

38 - Sad (AR)

ءَ اُنْزِلَ عَلَيْہِ الذِّكْرُ مِنْۢ بَيْنِنَا۝۰ۭ بَلْ ہُمْ فِيْ شَكٍّ مِّنْ ذِكْرِيْ۝۰ۚ بَلْ لَّمَّا يَذُوْقُوْا عَذَابِ۝۸ۭ
Aonzila AAalayhi alththikru min baynina bal hum fee shakkin min thikree bal lamma yathooqoo AAathabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أَأُنزل» بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركه «عليه» على محمد «الذكر» أي القرآن «من بيننا» وليس بأكبرنا ولا أشرفنا: أي لم ينزل عليه، قال تعالى: «بل هم في شك من ذكري» وحْيي أي القرآن حيث كذبوا الجائي به «بل لما» لم «يذوقوا عذاب» ولو ذاقوه لصدقوا النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ولا ينفعهم التصديق حينئذ.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لأولئك الكفار وهي الشبهة المتعلقة بالنبوات وهي قولهم إن محمداً لما كان مساوياً لغيره في الذات والصفات والخلقة الظاهرة والأخلاق الباطنة فكيف يعقل أن يختص هو بهذه الدرجة العالية والمنزلة الشريفة؟ وهو المراد من قولهم: {أأنزل عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ مِن بَيْنِنَا } فإنه استفهام على سبيل الإنكار، وحكى الله تعالى عن قوم صالح أنهم قالوا مثل هذا القول فقالوا: {أية : أألقي الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِر} تفسير : [القمر: 25] وحكى الله تعالى عن قوم محمد صلى الله عليه وسلم أيضاً أنهم قالوا: {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] وتمام الكلام في تقرير هذه الشبهة: أنهم قالوا النبوة أشرف المراتب، فوجب أن لا تحصل إلا لأشرف الناس ومحمد ليس أشرف الناس، فوجب أن لا تحصل له والنبوة، والمقدمتان الأوليان حقيتان لكن الثالثة كاذبة وسبب رواج هذا التغليط عليهم أنهم ظنوا أن الشرف لا يحصل إلا بالمال والأعوان وذلك باطل، فإن مراتب السعادة ثلاثة أعلاها هي النفسانية وأوسطها هي البدنية وأدونها هي الخارجية وهي المال والجاه، فالقوم عكسوا القضية وظنوا بأخس المراتب أشرافها فلما وجدوا المال والجاه عند غيره أكثر ظنوا أن غيره أشرف منه، فحينئذ انعقد هذا القياس الفاسد في أفكارهم، ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجوه الأول: قوله تعالى: {بْل هُمْ فَى شَكّ مّن ذِكْري بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ } وفيه وجهان أحدهما: أن قوله: {بْل هُمْ فَى شَكّ مّن ذِكْرِي } أي من الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم وذلك لأن كل ما ذكروه من الشبهات فهي كلمات ضعيفة وأما الدلائل التي تدل بنفسها على صحة نبوته، فهي دلائل قاطعة فلو تأملوا حق التأمل في الكلام لوقفوا على ضعف الشبهات التي تمسكوا بها في إبطال النبوة، ولعرفوا صحة الدلائل الدالة على صحة نبوته، فحيث لم يعرفوا ذلك كان لأجل أنهم تركوا النظر والاستدلال، فأما قوله تعالى: {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ } فموقعه من هذا الكلام أنه تعالى يقول هؤلاء إنما تركوا النظر والاستدلال لأني لم أذقهم عذابي، ولو ذاقوه لم يقع منهم إلا الإقبال على أداء المأمورات والانتهاء عن المنهيات وثانيها: أن يكون المراد من قوله: {بْل هُمْ فَى شَكّ مّن ذِكْرِى } هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر، ثم إنهم أصروا على الكفر، ولم ينزل عليهم العذاب، فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه، وقالوا:{أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء} تفسير : [الأنفال: 32] فقال: {بَلْ هُمْ في شَكّ مّن ذِكْرِي } معناه ما ذكرناه، وقوله تعالى: {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ } معناه أن ذلك الشك إنما حصل بسبب عدم نزول العذاب والوجه الثاني: من الوجوه التي ذكرها الله تعالى في الجواب عن تلك الشبهة قوله تعالى: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ } وتقرير هذا الجواب أن منصب النبوة منصب عظيم ودرجة عالية والقادر على هبتها يجب أن يكون عزيزاً أي كامل القدرة ووهاباً أي عظيم الجود وذلك هو الله سبحانه وتعالى، وإذا كان هو تعالى كامل القدرة وكامل الجود، لم يتوقف كونه واهباً لهذه النعمة على كون الموهوب منه غنياً أو فقيراً، ولم يختلف ذلك أيضاً بسبب أن أعداءه يحبونه أو يكرهونه والوجه الثالث: في الجواب عن هذه الشبهة قوله تعالى: {أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيَنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِي ٱلأَسْبَابُ } واعلم أنه يجب أن يكون المراد من هذا الكلام مغايراً للمراد من قوله: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ } والفرق أن خزائن الله تعالى غير متناهية كما قال: { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} ومن جملة تلك الخزائن هو هذه السموات والأرض، فلما ذكرنا الخزائن أولاً على عمومها أردفها بذكر {مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } يعني أن هذه الأشياء أحد أنواع خزائن الله، فإذا كنتم عاجزين عن هذا القسم، فبأن تكونوا عاجزين عن كل خزائن الله كان أولى، فهذا ما أمكنني ذكره في الفرق بين الكلامين، أما قوله تعالى: {فَلْيَرْتَقُواْ فِي ٱلأَسْبَابُ } فالمعنى أنهم أن ادعوا أن لهم ملك السموات والأرض فعند هذا يقال لهم ارتقوا في الأسباب واصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يرتقوا عليه ويدبروا أمر العالم وملكوت الله وينزلوا الوحي على من يختارون، واعلم أن حكماء الإسلام استدلوا بقوله: {فَلْيَرْتَقُواْ فِي ٱلأَسْبَابُ } على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسباباً وذلك يدل على ما قلناه، والله أعلم، أما قوله تعالى: {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مّن ٱلأَحَزَابِ } ففيه مقامان من البحث أحدهما: في تفسير هذه الألفاظ والثاني: في كيفية تعلقها بما قبلها أما المقام الأول: فقوله: {جُندٌ } مبتدأ وما للإيهام كقوله جئت لأمر ما، وعندي طعام ما، و {مّن ٱلأَحَزَابِ } صفة لجند و {مَهْزُومٌ } خبر المبتدأ وأما قوله: {هُنَالِكَ } فيجوز أن يكون صفة لجند أي جند ثابت هنالك، ويجوز أن يكون متعلقاً بمهزوم معناه أن الجند من الأحزاب مهزوم هنالك، أي في ذلك الموضع الذي كانوا يذكرون فيه هذه الكلمات الطاعنة في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأما المقام الثاني: فهو أنه تعالى لما قال إن كانوا يملكون السموات والأرض فليرتقوا في الأسباب، ذكر عقيبه أنهم جند من الأحزاب منهزمون ضعيفون، فكيف يكونون مالكي السموات والأرض وما بينهما، قال قتادة هنالك إشارة إلى يوم بدر فأخبر الله تعالى بمكة أنه سيهزم جند المشركين فجاء تأويلها يوم بدر، وقيل يوم الخندق، والأصوب عندي حمله على يوم فتح مكة، وذلك لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات وذلك الموضع هو مكة، فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَءُنزِلَ } بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركه {عَلَيْهِ } على محمد صلى الله عليه وسلم {ٱلذِّكْرُ } القرآن {مّن بَيْنِنَا } وليس بأكبرنا ولا أشرفنا؟ أي لم يُنْزَلُ عليه؟ قال تعالى {بْل هُمْ فَى شَكٍّ مِّن ذِكْرِى } وحيي: أي القرآن، حيث كذبوا الجائي به {بَل لَّمَّا } لم {يَذُوقُواْ عَذَابِ } ولو ذاقوه لصدّقوا النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ولا ينفعهم التصديق حينئذ.

ابو السعود

تفسير : {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ} أي القرآن {مّن بَيْنِنَا} ونحن رؤساءُ النَّاسِ وأشرافُهم كقولهم: { أية : لولا نزِّل هذا القرآنُ على رجلٍ من القريتينِ عظيمٍ} تفسير : [سورة الزخرف: الآية 31] ومرادهم إنكارُ كونه ذكراً منزَّلاً من عند الله عزَّ وجلَّ كقولهم: {أية : لو كان خيراً ما سبقُونا إليه} تفسير : [سورة الأحقاف: الآية 11] وأمثالُ هذه المقالاتِ الباطلة ودليلٌ على أنَّ مناطَ تكذيبهم ليس إلاَّ الحسدُ وقِصرُ النَّظرِ على الحُطام الدنيويِّ {بْل هُمْ فَى شَكّ مّن ذِكْرِي} أي من القرآنِ أو الوحي لميلهم إلى التَّقليدِ وإعراضِهم عن النَّظرِ في الأدِلَّةِ المؤدِّية إلى العلمِ بحقِّيتِه وليس في عقيدتِهم ما يبتُّون به فهم مذبذبون بـين الأوهامِ ينسبونه تارةً إلى السِّحرِ وأخرى إلى الاختلاقِ {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} أي بل لم يذوقُوا بعد عذابـي فإذا ذاقُوه تبـيَّن لهم حقيقةُ الحال، وفي لمَّا دلالةٌ على أنَّ ذوقَهم على شرف الوقوع والمعنى أنهم لا يصدّقون به حتى يمسَّهم العذاب وقيل لم يذوقوا عذابَى الموعودَ في القرآنِ ولذلك شكُّواً فيه {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ} بل أعندهم خزائنُ رحمتِه تعالى يتصرَّفون فيها حسبما يشاءون حتَّى يُصيبوا بها من شاءوا ويُصرفُوها عمَّن شاءوا ويتحكَّموا فيها بمقتضي آرائِهم فيتخيَّروا للنُّبوةِ بعضَ صناديدهم. والمعنى أنَّ النُّبوةَ عطيةٌ من الله عزَّ وجلَّ يتفضَّلُ بها على مَن يشاءُ من عباده المصطَفينَ لا مانع له فإنَّه العزيزُ أي الغالبُ الذي لا يُغالب الوهَّابُ الذي له أنْ يهبَ كلَّ ما يشاءُ لكلِّ مَن يشاءُ. وفي إضافةِ اسم الربِّ المنبىء عن التَّربـيةِ والتَّبليغِ إلى الكمال إلى ضميرِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من تشريفه واللُّطفِ به ما لا يَخْفى، وقولُه تعالى: {أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} ترشيحٌ لما سبق أي بل ألهُم ملكُ هذه العوالمِ العُلويةِ والسُّفليةِ حتَّى يتكلَّموا في الأمورِ الرَّبانيةِ ويتحكَّموا في التَّدابـيرِ الإلهيةِ التي يستأثرُ بها ربُّ العزَّةِ والكبرياءِ. وقولُه تعالى: {فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابُ} جوابُ شرطٍ محذوفٍ أي إنْ كان لهم ما ذُكر من الملك فليصعدُوا في المعارجِ والمناهج التي يتوصَّلُ بها إلى العرشِ حتَّى يستووا عليه ويدبِّروا أمر العالم ويُنزلوا الوحَي إلى مَن يختارون ويستصوبوُن وفيه من التَّهكُّمِ بهم ما لا غايةَ وراءه. والسَّببُ في الأصل هو الوصلةُ وقيل: المرادُ بالأسبابِ السَّمواتُ لأنَّها أسبابُ الحوادثِ السُّفليةِ وقيل أبوابُها. {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مّن ٱلأَحَزَابِ} أي هم جندٌ ما من الكُفَّارِ المتحزِّبـين على الرُّسلِ مهزومٌ مكسورٌ عمَّا قريب فلا تُبالِ بما يقولون ولا تكترثْ بما يهذُون. ومَا مزيدةٌ للتَّقليلِ والتَّحقيرِة نحو قولِك أكلتُ شيئاً ما، وقيل: للتَّعظيمِ على الهُزءِ. وهنالك إشارةٌ إلى حيثُ وضعُوا فيه أنفسَهم من الانتدابِ لمثل ذلك القولِ العظيمِ.

القشيري

تفسير : أي لو استبصروا في دينهم لَمَا أَقدموا على ما أسرفوا فيه من جحودهم، ولولا أَنَّا أَدَمْنا لهم العوافيَ لَماَ تَفَرَّغُوا إلى طغيانهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} كانوا منطمسة العيون عما البسه الحق من انوار ربوبيته وسنا جلاله وجماله لم يروه الا بالصورة الانسانية التى هى ميراث أدم من ظاهر الخلقة فهذا كقوله ينظرون اليك وهم لا ينظرون استبعدوا اصطفائية حبيبه الوحى ولم يعرفوه بانه اثر الله فى العالم ومشكاة تجلية حتى قالوا مثل ما قالوا عجبوا ان جاءهم منذر منهم راؤا نفوسهم خالية عن مشاهدة الغيوب وادراك نور صفات الحق فقاسوا نفس محمد صلى الله عليه وسلم بانفسهم ولم يعلموا انه كان نفس النفوس وروح الارواح واصل الخليقة وباكورة من بساتين الربوبية يا ليت لهم لوراؤه فى مشاهد الملكوت ومناصب الجبروت ان خاطبه الحق بلولاك لما خلقت الافلاك قال بعضهم فى قوله وعجبوا ان جاءهم منذر منهم لما اكرمناهم به من اشرف الرسل فلم يعرفوا حقه ولم يشاهدوا ما خصوا به من فنون المبار والكرامات.

اسماعيل حقي

تفسير : {أءُنزل عليه الذكر من بيننا} ونحن رؤساء الناس واشرافهم واكبرهم سنا واكثرهم اموالا واعوانا واحقاء بكل منصب شريف ومرادهم انكار كون القرآن ذكرا منزلا من الله تعالى. وامثال هذه المقالات الباطلة دليل على ان مناط تكذيبهم ليس الا الحسد على اختصاصه عليه السلام بشرف النبوة من بينهم وحرمانهم منه وقصر النظر على متاع الدنيا وغلطوا فى القصر والقياس. اما الاول فلان الشرف الحقيقى انما هو بالفضائل النفسانية دون الخارجية. واما الثانى فلان قياس نفسه عليه السلام بانفسهم فاسد اذ هو روح الارواح واصل الخليقة فأنى يكون هو مثلهم واما الصورة الانسانية فميراث عام من آدم عليه السلام لا تفاوت فيها بين شخص وشخص نعم وجهه عليه السلام كان يلوح منه انوار الجمال بحيث لم يوجد مثله فيما بين الرجال شعر : اى حسن سعادت زجبين توهويدا اين حسن جه حسنست تقدس وتعالى تفسير : وفيه اشارة الى حال اكثر علماء زماننا وعبادهم انهم اذا رأوا عالما ربانيا من ارباب الحقائق يخبر عن حقائق لم يفهموها ويشير الى دقائق لم يذوقوها دعتهم النفوس المتمردة الى تكذيبه فيجحدونه بدل الاغتنام بانفاسه والاقتباس من انواره ويقولون أكوشف هو بهذه الحقائق من بيننا ويقعون فى الشك من امرهم كما قال تعالى {بل هم فى شك من ذكرى} اى القرآن او الوحى بميلهم الى التقليد واعراضهم عن النظر فى الادلة المؤدية الى العلم بحقيته وليس فى عقيدتهم ما يجزمونه فهم مذبذبون بين الاوهام ينسبونه تارة الى السحر واخرى الى الاختلاق. وفيه اشارة الى ان القرآن قديم لان الذكر المحدث يكون مسبوقا بالنسيان وهو منزه عنه {بل لما يذوقوا عذاب} فى لما دلالة على ان ذوقهم العذاب على شرف الوقوع لانها للتوقع اى بل لم يذوقوا بعد عذابى فاذا ذاقوه تبين لهم حقيقة الحال. وفيه تهديد لهم اى سيذوقون عذابى فيلجئهم الى تصديق الذكر حين لا ينفع التصديق. وفيه اشارة الى انهم مستغرقون فى بحر عذاب الطرد والبعد ونار القطيعة لكنهم عن ذوق العذاب بمعزل لغلبة الحواس الى ان يكون يوم تبلى السرائر فتغلب السرائر على الصور والبصائر على البصر فيقال لهم ذوقوا العذاب يعنى كنتم معذبين وما كنتم ذائقى العذاب فالمعنى لو ذاقوا عذابى ووجدوا ألمه لما قدموا على الجحود دل على هذا قوله عليه السلام "حديث : الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا" شعر : شو زخواب كران جان بيدار تا جمالش عيان ببين اى يار

الجنابذي

تفسير : {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} مع انّه كان يتيماً لا مال له ولا علم ولا شأن {بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} لا انّهم ايقنوا بالذّكر وانكروا ان تكون انت هو او تكون انت صاحبه {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} حتّى ايقنوا بعذابى وايقنوا بذكرى يعنى انّهم ابطرتهم كثرة النّعم والفراغ من البلايا فاشتغلوا بلذائذ النّفوس وانكروا ما وراءها.

اطفيش

تفسير : {أَءُنزِلَ} استفهام انكاري والهمزة الأولى مفتوحة والثانية مضمومة وهما محققتان ويجوز تسهيل الثانية الى جهة الواو لانضمامها ويجوز ادخال الألف بينهما سواء خففت أو سهلت كيف ينزل* {عَلَيْهِ الذِّكْرُ} أي القرآن أو الوحي مخصوصاً {مِن بَيْنِنَا} وهو مثلنا أو أدنى منا شرفاً ورياسة فهم لقصر نظرهم يظنون أن حمل الرسالة من له حطم الدنيا وشرفها* {بَلْ} أي لكن أو للاضراب أي ما كذبوه وحده بل* {هُمْ فِى شَكٍّ مِّن ذِكْرِى} أي قرآني أو وحيي حيث كذبوا بايماني به فذلك تكذيب لي* {بَل} كذبوا لانهم* {لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} أي لم يذوقوه الى الآن ولو ذاقوه لصدقونا ولكن لا ينفعهم التصديق حينئذ وذلك وعيد لهم ومنشأ التكذيب والشك والحسد والميل الى التقليد والاعراض عن الدليل {أَمْ} منقطعة وفيها معنى الاعراض والاستفهام الانكاري كأنه قال (بل)* {عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} وهي مفاتيح النبوة وغيرها فيصطفوها لأشرافهم بل هي عطية من ربك {الْعَزِيزِ} في ملكه لا يغلب* {الْوَهَّابِ} الذي يهب ما يشاء لمن يشاء الذي وهب النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم

اطفيش

تفسير : {أأنْزَل عَليْه} وهو نشأ يتيماً لا مال له ولا أنصار، ولا رياسة ولا شرف {الذِّكرُ} القرآن {مِنْ بَيْننا} دوننا، ونحن غير يتامى، وذووا مال وأنصار ورياسة وشرف، لو كان القرآن من الله لكان نازلا علينا لذلك كما قالوا: "أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتَيْن عظيم" تفسير : [الزخرف: 31] وقالوا: {أية : لو كان خيراً ما سبقونا إليه} تفسير : [الأحقاف: 11] {بلْ هُم في شك من ذكري} لا يقتصرون على كلام واحد، بل يترددون تردد الشاك الحاسد الذى لا حجة له، فقالوا: سحر، وقالوا: افتراء، وقالوا: أساطير الأولين، وربما شكوا أنه من الله عز وجل وأظهروا خلافه، وفى الاضافة الى الياء زيادة تحقيق، وبل للاضراب عما قبل اضراب ابطال، وأضرب عن هذا الإضراب وما قبله بالاضراب الانتقالى العام فى قوله: {بل لمَّا يذُوقُوا عَذاب} وسيذوقونه، فاذا ذاقوه زال الحسد والشك، ولات حين إيمان، والآيات بعد تدل على ما ذكرت لا على ما قيل أن الاضراب الثانى اضراب عن الأول بمعنى اذا ذاقوه زال شكهم.

الالوسي

تفسير : {أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ } أي القرآن {مّن بَيْنِنَا } ونحن رؤساء الناس وأشرافهم كقولهم: {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }تفسير : [الزخرف: 31] ومرادهم إنكار كونه ذِكراً منزلاً من عند الله تعالى كقولهم {أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ }تفسير : [الأحقاف: 11] وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد وقصر النظر على الحطام الدنيوي. {بْل هُمْ فِى شَكّ مّن ذِكْرِى } من القرآن الذي أنزلته على رسولي المشحون بالتوحيد لميلهم إلى التقليد وإعراضهم عن الأدلة المؤدية إلى العلم بحقيته وليس في عقيدتهم ما يقطعون به فلذا تراهم ينسبونه إلى السحر تارة وإلى الاختلاق أخرى فبل للإضراب عن جميع ما قبله، و (بل) في قوله تعالى: {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ } إضراب عن مجموع الكلامين السابقين حديث الحسد في قوله تعالى: {أَءنزِلَ } الخ وحديث الشك في قوله تعالى: {بْل هُمْ فِى شَكّ } أي لم يذوقوا عذابـي بعد فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الحسد والشك حينئذ يعني أنهم لا يصدقون إلا أن يمسهم العذاب فيضطروا إلى التصديق أو إضراب عن الإضراب قبله أي لم يذوقوا عذابـي بعد فإذا ذاقوه زال شكهم واضطروا إلى التصديق بذكري، والأول على ما في «الكشف» هو الوجه السديد وينطبق عليه ما بعد من الآيات، وقيل المعنى لم يذوقوا عذابـي الموعود في القرآن ولذلك شكوا فيه وهو كما ترى. وفي التعبير بلما دلالة على أن ذوقهم العذاب على شرف الوقوع. وقوله تعالى: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ...}.

ابن عاشور

تفسير : {أَءَنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا}. يجوز أن يكون {أءُنزِلَ عليه الذكر من بيننا} من كلام عموم الكافرين المحكي بقوله: {أية : وقال الكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كذَّابٌ}تفسير : [ص:4] فيكون متصلاً بقوله: {أية : أجعَلَ الآلِهة إلٰهاً واحداً}تفسير : [ ص: 5] ويكون قوله {أءُنزلَ عليه الذكرُ} بياناً لجملة {أية : كَذَّابٌ}تفسير : [ص: 4]، لأن تقديره: هذا كذّاب إذ هو خبر ثان لــــ (كان)، ولكونه بياناً للذي قبله لم يعطف عليه ويكون ما بينهما من قوله: {أية : وانطلق الملأُ منهم}تفسير : [ص:6] إلى قوله: {أية : إن هٰذا إلا اختلاقٌ}تفسير : [ص:7] اعتراضاً بين جملتي البيان. ويجوز أن يكون من تمام كلام الملأ واستغني به عن بيان جملة {كَذَّابٌ} لأن نطق الملأ به كافٍ في قول الآخرين بموجَبه فاستغنوا عن بيان جملة {كذابٌ}. والاستفهام إنكاري، ومناط الإِنكار هو الظرف {من بيننا} وهو في موضع حال من ضمير {عليه}، فأنكروا أن يُخص محمد صلى الله عليه وسلم بالإِرسال وإنزاللِ القرآن دون غيره منهم، وهذا هو المحكي في قوله تعالى: {أية : وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}تفسير : [الزخرف: 31] أي من مكة أو الطائف ولم يريدوا بهذا الإِنكار تجويز أصل الرسالة عن الله وإنما مرادهم استقصاء الاستبعاد فإنهم أنكروا أصل الرسالة كما اقتضاه قوله تعالى: {أية : وعَجِبوا أن جاءَهم مُنذرٌ منهم}تفسير : [ص:4] وغيره من الآيات، وهذا الأصل الثاني من أصول كفرهم التي تقدم ذكرها عند قوله تعالى: {أية : أجعل الآلهة إلٰهاً واحداً}تفسير : [ص: 5] وهو أصل إنكار بعثه رسول منهم. {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِ} يجوز أن يكون هذا جواباً عن قولهم: {أءُنزِلَ عليه الذكر من بيننا} أي ليس قصدهم الطعن في اختصاصك بالرسالة ولكنهم شاكُّون في أصل إنزاله، فتكون {بل} إضراباً إبطالياً تكذيباً لما يظهر من إنكارهم إنزال الذكر عليه من بينهم على ما تقدم، أي إنما قصدهم الشك في أن الله يوحي إلى أحد بالرسالة، فيكون معنى {في شَكّ من ذِكري} شكّاً من وقوعه. والشك يطلق على اليقين مجازاً مرسلاً بعلاقة الإِطلاق والتقييد فيكون كمعنى قوله تعالى: {أية : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات اللَّه يجحدون}تفسير : [الأنعام:33]. ويجوز أن يكون انتقالاً من خبر عنهم إلى خبر آخر فيكون استئنافاً وتكون {بل} للإِضراب الانتقالي، والمعنى: وهم في شك من ذكري، أي في شك من كنه القرآن، فمرة يقولون: افتراه، ومرة يقولون: شعر، ومرة: سحر، ومرة: أساطير الأولين، ومرة: قول كاهن. فالمراد بالشك حقيقتهُ أي التردد في العلم. وإضافة الذكر إلى ضمير المتكلم وهو الله تعالى إضافة تشريف ولتحقيق كونه من عند الله. والذكر على هذا الوجه هو عين المراد من قوله: {أءُنزل عليه الذكر} وإنما وقع التعبير عنه بالظاهر دون الضمير توصلاً إلى التنويه به بأنه من عند الله. و {في} للظرفية المجازية، جُعلت ملابسة الشك إياهم بمنزلة الظرف المحيط بمحويه في أنه لا يخلو منه جانب من جوانبه. و {مِن} في قوله: {مِن ذِكري} ابتدائية لكون الشك صفة لهم، أي نشأ لهم الشك من شأن ذكري، أي من جانب نفي وقوعه، أو في جانب ما يصفونه به. {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عذاب}. أتبع ذلك الإِضراب بإضراب آخر يبين أن الذي جرّأهم على هذا الشقاق أنهم لما تأخر حلول العذاب بهم ظنوا وعيده كاذباً فأخذوا في البذاءة والاستهزاء ولو ذاقوا العذاب لألقمت أفواههم الحجر. و {لمّا} حرف نفي بمعنى (لم) إلاّ أن في {لمّا} خصوصية، وهي أنها تدلّ على المنفي بها متصل الانتفاء إلى وقت التكلم بخلاف (لم) فلذلك كان النفي بــــ {لمّا} قد يُفهم منه ترقب حصول المنفي بعد ذلك قال صاحب «الكشاف» في قوله تعالى: {أية : ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}تفسير : في سورة الحجرات (14) ما في {لمّا} من معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعدُ، أي دال بطريق المفهوم الحاصل من معنى غاية النفي إلى زمن التكلم، أي لا أضمن ما بعد ذلك، وقد ذاقوا عذاب السيف يوم بدر بعد نزول هذه الآية بأربع سنين. وإضافة {عذاب} إلى ياء المتكلم لاختصاصه بالله لأنه مُقدِّره وقاض به عليهم ولوقوعه على حالة غير جارية على المعتاد إذ الشأن أن يستأصل الجيش القوي الجيشَ القليل. وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً للفاصلة، وأبقيت الكسرة دليلاً عليها وهو حذف كثير في الفواصل والشعر على نحو حذفها من المنادَى.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كفار مكة، أنكروا أن الله خص نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن عليه وحده، ولم ينزله على أحد آخر منهم، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء في آيات أخر، مع الرد على الكفار في إنكارهم خصوصه صلى الله عليه وسلم بالوحي، كقوله تعالى عنهم: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] يعنون بالقريتين مكة والطائف، وبالرجلين من القريتين الوليد بن المغيرة في مكة، وعروة بن مسعود في الطائف زاعمين أنهما أحق بالنبوة منه. وقد رد جل وعلا ذلك عليهم في قوله تعالى: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} تفسير : [الزخرف: 32] لأن الهمزة في قوله: أهم يقسمون، للإنكار المشتمل على معنى النفي، وكقوله تعالى: {أية : قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 124]. وقد رد الله تعالى ذلك عليهم في قوله: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُون} تفسير : [الأنعام: 124] وأشار إلى رد ذلك عليهم في آية ص هذه في قوله: {أية : بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا} تفسير : [ص: 8ـ10] الآية. لأنه لا يجعل الرسالة حيث يشاء، ويخص بها من يشاء، إلا من عنده خزائن الرحمة. وله ملك السموات والأرض. وقوله تعالى: {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} قد بين في موضع آخر أن ثمود قالوا مثله لنبي الله صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك في قوله تعالى عنهم: {أية : أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} تفسير : [القمر: 25] وقد رد الله تعالى عليهم ذلك في قوله: {أية : سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ} تفسير : [القمر: 26].

د. أسعد حومد

تفسير : {أَأُنزِلَ} (8) - إِنَّهُ مِنَ البَعِيدِ أَنْ يَخْتَصَّ اللهُ تَعَالَى مُحَمَّداً مِنْ بَيْنِهِمْ بِإِنْزَالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وَبِجَعْلِهِ رَسُولاً مَعَ أَنَّ بَيْنَهُمْ ذَوِي الجَاهِ والنُّفُوذِ والثَّرَاءِ العَرِيضِ. وَيُقرِّعُهُمْ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَذَا القَوْلِ، وَهَذَا التَّشَكُّكِ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ فِي شَكٍّ مِنْ تِلْكَ الدَّلاَئِلَ التِي لَوْ أَنَّهُمْ تَابَعُوهَا لَزَالَ مَا يَسْتَشْعِرُونَهُ مِنَ الشَّكِّ، لأَِنَّهَا دَالَّةٌ بِنَفْسِهَا عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وَلَكِنَّهُمْ حِينَ تَرَكُوا النَّظَرَ والاسْتِدْلاَلَ لَمْ يَصِلُوا إِلَى الحَقِّ، وَهُمْ فِي الحَقيقَةِ إِنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ لأَِنَّهُمْ لَمْ يَذُوقُوا عَذَابَ اللهِ وَنَقْمَتَهَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ ذَاقُوا عَذَابَ اللهِ لَزَايَلَهُمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشَّكِّ والحَسَدِ، وَلَمَا كَذَّبُوَا رَسُولَ اللهِ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم.

الثعلبي

تفسير : {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ} نعمة {رَبِّكَ} يعني مفاتيح النبوة، نظيرها في الزخرف {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ}تفسير : [الزخرف: 32] أي نبوة ربك {ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ * أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ} أي فليصعدوا في الجبال إلى السماوات، فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون ويشاؤن، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. وقال الضحاك ومجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها. {جُندٌ} أي هم جُند {مَّا هُنَالِكَ} أي هنالك و(ما) صلة {مَهْزُومٌ} مغلوب، ممنوع عن الصعود إلى السماء {مِّن ٱلأَحَزَابِ} أي من جملة الأجناد. وقال أكثر المفسرين: يعني أن هؤلاء الملأ الذين يقولون هذا القول، جند مهزوم مقهور وأنت عليهم مظفر منصور. قال قتادة: وعده الله عزّ وجلّ بمكة أنّه سيهزمهم، فجاء تأويلها يوم بدر من الأحزاب، أيّ كالقرون الماضية الذين قهروا وأهلكوا، ثم قال معزّاً لنبيه صلى الله عليه وسلم {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ} قال ابن عبّاس: ذو البناء المحكم. وقال القتيبي: والعرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد. يريدون أنّه دائم شديد، وأصل هذا أن البيت من بيوتهم بأوتاده. قال الأسود بن يعفر: في ظل ملك ثابت الأوتاد. وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال الحلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مَدّهُ مستلقياً بين أربعة أوتاد كل رجل منه إلى سارية وكل يد منه إلى سارية، فيتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتّى يموت. وقال مقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقياً على الأرض ثم يشده بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيّات. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسال وملاعب يلعب عليها بين يديه. {وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ * إِن كُلٌّ} ما كل منهم {إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} فوجب عليهم ونزل بهم عذابي {وَمَا يَنظُرُ} ينتظر {هَـٰؤُلآءِ} يعني كفار مكة {إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً} وهي نفخة القيامة. وقد روي هذا التفسير مرفوعاً إلى النبي (عليه السلام). {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ}. قال ابن عبّاس وقتادة: من رجوع. الوالبي: يزداد. مجاهد: نظرة. الضحاك: مستوية. وفيه لغتان: (فُواق) بضم الفاء وهي لغة تميم، وقراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف. و(فَواق) بالفتح وهي لغة قريش، وقراءة سائر القرّاء واختيار أبي عبيد. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال حُمام المكوك وحُمامه، وقصاص الشعر وقصاصه. وفرّق الآخرون بينهما. قال أبو عبيدة والمؤرخ: بالفتح بمعنى الراحة والإفاقة كالجواب من الإجابة، ذهبا به إلى إفاقة المريض من علته، و(الفُواق) بالضم مابين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم تترك ساعة حتّى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق. فاستعير في موضع الإنتظار مدة يسيرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رابط فواق ناقة في سبيل الله حرّم الله جسده على النار ". تفسير : {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ}. قال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: يعني كتابنا. وعنه أيضاً: القط الصحيفة التي أحصت كل شيء. قال أبو العالية والكلبي: لمّا نزلت في الحاقة {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}تفسير : [الحاقة: 19]، {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ}تفسير : [الحاقة: 25]. قالوا على جهة الاستهزاء: (عجّل لنا قطنّا) يعنون كتابنا عجلّه لنا في الدُّنيا. قيل: يوم الحساب. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: يعني عقوبتنا وماكتب لنا من العذاب. قال عطاء: قاله النظر بن الحرث، وهو قوله: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال: 32] وهو الذي قال الله سبحانه {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}تفسير : [المعارج: 1] قال عطاء: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله عزّ وجلّ. وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنّة التي تقول. قال الفراء: القَطّ في كلام العرب الحظ، ومنه قيل للصك قطّ. وقال أبو عبيدة والكسائي: القطّ الكتاب بالجوائة. قال الأعشى: شعر : ولا الملك النعمان يوم لقيته بغبطته يعطي القطوط ويأفق تفسير : يعني كتب الجوائز أيّ بفضل وبعلو، يقال فرس أفق وناقة أفقه إذا كانا كريمين، وفضّلا على غيرهما. وقال مجاهد: قطنّا حسابنا، ويقال لِكتاب الحساب: قطّ، وأصل الكلمة من الكتابة. فقال الله سبحانه لنبيه (عليه السلام): {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ} ذا القوة في العبادة {إِنَّهُ أَوَّابٌ} مطيع. عن ابن عبّاس: رجّاع إلى التوبة. عن الضحاك، سعيد بن جبير: هو المسبّح بلغة الحبش. أخبرني الحسين بن محمّد الدينوري قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا أبو العبّاس عبد الله بن جعفر بن أحمد بن [فارس] ببغداد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن القاسم قال: حدثنا عمرو بن حصين قال: حدثنا الحسين بن عمرو عن أبي بكر الهذلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الزرقة يمن وكان داود النبي (عليه السلام) أزرق ". تفسير : {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ} بتسبيحه. قال ابن عبّاس: وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر. {بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ}. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا الحسين بن يحيويه قال: حدثنا أبو أُميّة محمّد بن إبراهيم قال: حدثنا الحجاج بن نصير قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: كنت أمُرّ بهذه الآية لا أدري مالعشي والإشراق، حتّى حدثتني أُم هاني بنت أبي طالب أن رسول الله (عليه السلام) دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى وقال: "حديث : يا أُم هاني هذه صلاة الإشراق ". تفسير : روى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: لم يزل في نفسي [من] صلاة الضحى شيء حتّى طلبتها في القرآن فوجدتها في هذه الآية {يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ}. قال عكرمة: وكان ابن عبّاس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلى بعدها. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عبّاس رضي الله عنه: إني لأجد في كتاب الله صلاة بعد طلوع الشمس. فقال ابن عبّاس: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله في قصة داود {يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ} وليس الإشراق طلوع الشمس، إنّما هو صفاؤها وضوؤها. {وَٱلطَّيْرَ} أيّ وسخّرنا له الطير {مَحْشُورَةً} مجموعة {كُلٌّ لَّهُ} أيّ لداود {أَوَّابٌ} مطيع {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} أيّ قوّيناه. وقرأ الحسن: وشدّدنا بتشديد الدال. قال ابن عبّاس: كان أشد ملوك الأرض سلطاناً كان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل، فذلك قوله {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} بالحرس. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد بن الحسن قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا محمّد بن الفضل قال: حدثنا داود بن أبي الفرات عن عليّ بن أحمد عن عكرمة عن ابن عبّاس: أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبي فقال المستعدي: ان هذا غصبني بقرتي. فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، وسأل الآخر البيّنة فلم يكن له بيّنة. قال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما. فقاما من عنده، فأوحى الله سبحانه إلى داود(عليه السلام) في منامه: أن يقتل الرجل الذي استُعدي عليه. فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتّى أتثبت. فأوحى الله سبحانه إليه مرة أُخرى أن يقتله. فلم يفعل، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه الثالثة: أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل فقال له: إن الله قد أوحى إليَّ أن أقتلك. فقال له الرجل: تقتلني بغير بيّنة ولاثبت فقال له داود: نعم، والله لأُنفذن أمر الله فيك. فلمّا عرف الرجل أنّه قاتله قال: لا تعجل حتّى أُخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أُخذت. فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فهو قوله سبحانه: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ}. {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ} يعني النبوة والاصابة في الأمور. وقال أبو العالية: العلم الذي لاتردّه العقول. {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} قال ابن عبّاس: بيان الكلام. وقال الحسن والكلبي وابن مسعود ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي: يعني علم الحكم والبصر بالقضاء، كأن لا يتتعتع في القضاء بين الناس، وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس. وقال علي بن أبي طالب: هو البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر. وأخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمّد بن عمر الجوري قال: أخبرنا أبو بكر بالويه بن محمّد بن بالويه المربتاني بها، قال: حدثنا محمّد بن حفص الحوني قال: حدثنا نصر بن علي الخميصمي قال: أخبرنا أبو أحمد قال: اخبرنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب في قوله {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} قال: الشهود والإيمان. أنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن يحيى قال: حدثنا وهب بن جرير قال: أخبرنا [شعبة] عن الحكم عن شريح في قوله {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} قال: الشهود والإيمان. وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدثنا أحمد بن محمّد أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا يعني ابن أبي زائدة عن [السبيعي] قال: سمعت زياداً يقول: {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} الذي أُعطي داود، أما بعد وهو أوّل من قالها. {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ} الآية. اختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب امتحان الله سبحانه نبيّه داود بما امتحنه به من الخطيئة. فقال قوم: كان سبب ذلك أنه تمنى يوماً من الأيام على ربّه عزّ وجلّ منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام) وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان امتحنهم، ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم. وروى السدي والكلبي ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: كان داود قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس، ويوماً يخلوا فيه لعبادة ربّه، ويوماً يخلوا فيه لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يارب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أنهم إبتلوا ببلاء مالم تبتلِ بشيء من ذلك فصبروا عليها. إبتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وإبتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وإبتلى يعقوب بالحزن على يوسف. وأنك لم تبتلِ بشيء من ذلك. فقال داود: ربِّ فإبتلني بمثل ما إبتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. فأوحى الله سبحانه إليه: أنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا واحترس. فلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده الله تعالى، دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فمدَّ يده ليأخذها ويدفعها إلى ابن صغير له، فلما أهوى إليها طارت غير بعيد، من غير أن توئيسه من نفسها فامتد اليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتّى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع، فبعث إليها من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها، فراى امرأة من أجمل النساء خلقاً، فتعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة وأبصرت ظله، فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجاباً بها فسأل عنها. فقيل: هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. فكتب داود إلى ابن أخته أيوب صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدّمه قبل التابوت وكان من قدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتّى يفتح الله سبحانه على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدّمه فَفُتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضاً: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. فبعثه فَفُتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضاً: أن ابعثه إلى عدو كذا أشدّ منه بأساً. فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلمّا انقضت عدّة المرأة تزوجّها داود فهي أم سليمان. وقال آخرون: سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنّه يطيق قطع يوم بغير مقارفة. وهو ما أخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن قال: إن داود جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً للعبادة، ويوماً للقضاء بين بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكهم ويبكونه. قال: فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لايصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطبق ذلك، فلمأا كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر أن لايدخل عليه أحد، وأكبّ على قراءة التوراة، فبينما هو يقرأ إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن توئيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتّى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها، فلمّا رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك بها إعجاباً، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن أسر إلى مكان كذا وكذا مكاناً، إذا سار إليه قُتل ولم يرجع ففعل فأصيب، فخطبها داود فتزوجها. وقال بعضهم: في سبب ذلك ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد قال: حدثنا مخلد ابن جعفر الباقرجي قال: حدثنا الحسين بن علوية قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن قال: قال داود لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، فلم يستثن فابتلي به. وقال أبو بكر محمّد بن عمر الوراق: كان سبب ذلك أن داود (عليه السلام) كان كثير العبادة فأعجب بعلمه فقال: هل في الأرض أحد يعمل عملي؟ فأتاه جبرئيل فقال: ان الله عزّ وجلّ يقول: أعجبت بعبادتك والعُجب يأكل العبادة، فإن أُعجبت ثانياً وكلتك إلى نفسك. قال: يارب كلني إلى نفسي سنة. قال إنها لكثيرة. قال: فساعة. قال: شأنك بها. فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه، فبينا هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه وكان من أمر المرأة ما كان. قالوا: فلمّا دخل داود بامرأة أوريا لم تلبث إلاّ يسيراً حتّى بعث الله سبحانه ملكين في صورة أنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلاّ وهو بهما بين يديه جالسين، فذلك قوله: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَِ} وإنّما جعلوا جمع الفعل، لأن الخصم اسم يصلح للواحد والجميع والإثنين والمذكر والمؤنث. قال لبيد: شعر : وخصم يعدون الدخول كأنهم قروم غيارى كل أزهر مصعب تفسير : وقال آخر: شعر : وخصم عضاب ينفضون لحاهم كنفض البراذين العراب المخاليا تفسير : وإنّما جمع وهما إثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء فالإثنان فما فوقهما جماعة، كقوله عزّ وجلّ {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}تفسير : [التحريم: 4].

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه نَقْلة أخرى في جدالهم وتكذيبهم لرسول الله، فقبل ذلك كانوا يعترضون على بشرية الرسول، ويطلبون أنْ يكون الرسول مَلَكاً، والآن يتنازلون عن هذا المبدأ ويتحوَّلون إلى الذات، كما قال تعالى في موضع آخر: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. يعني: لماذا محمد بالذات، وفينا أناس عظماء وسادة كانوا أَوْلَى منه بالرسالة؟ وهنا قالوا: {أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} [ص: 8] لذلك الحق سبحانه يرد عليهم {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} تفسير : [الزخرف: 32] فجعل نبوته صلى الله عليه وسلم رحمة بهم. {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} تفسير : [الزخرف: 32]. يعني: كيف تتدخلون في هذه المسألة الهامة، تريدون أنْ تقسموا رحمة الله، والله هو الذي قَسَم لكم أمور الدنيا الهيِّنة، فجعل منكم سادة وعبيداً وأغنياء وفقراء .. إلخ إنْ كان الحق سبحانه هو الذي ينظم لكم أبسطَ أمور حياتكم، فكيف تطمعون في أنْ تقسموا أنتم فضل الله ورحمته؟ {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124] وذلك فَضْل الله يؤتيه مَنْ يشاء. وقوله تعالى: {بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} [ص: 8] الذكْر هنا يعني القرآن، وكأن الحق سبحانه وتعالى يُسلِّي رسوله ويطيب خاطره، كما خاطبه في موضع آخر بقوله: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} تفسير : [الأنعام: 33]. والمعنى: لا تحزن يا محمد. فقومك لا يُكذِّبونك أنت إنما يُكذِّبون ما جئتَ به من الذكر، فأنت عندهم الصادق الأمين الذي لا غبارَ عليه، يعني المسألة ليست متعلقة بك وبشخصك أنت، إنما متعلقة بي أنا، فكأن الله تعالى حملها عن رسوله ليُطمئنه ويُسلِّيه ويُخفِّف عنه ما يلاقي من عناد قومه له. وقوله سبحانه: {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} [ص: 8] هذا لون من ألوان التهديد، يعني: لن يظلوا على هذه الحال من السلامة والنجاة فعذابهم قادم؛ ذلك لأن (لما) تفيد نَفْي الحدث في الماضي مع إثبات حدوثه في المستقبل، تقول: فلان لم يأْتِ يعني في الماضي وقد لا يأتي في الحاضر والمستقبل، إنما فلان لمَّا يَأْتي يعني: لم يأت في الماضي، وسوف يأتي في الحاضر أو المستقبل، فمعنى {لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} [ص: 8] يعني: حتى الآن لم ينزل بهم عذاب الله، لكن ينزل لا محالة.