٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَـٰبُ الأيْكَةِ أُوْلَـئِكَ ٱلأَحْزَابُ * إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ * وَمَا يَنظُرُ هَـؤُلآء إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ }. اعلم أنه تعالى لما ذكر في الجواب عن شبهة القوم أنهم إنما توانوا وتكاسلوا في النظر والاستدلال، لأجل أنهم لم ينزل بهم العذاب، بيَّن تعالى في هذه الآية أن أقوام سائر الأنبياء هكذا كانوا ثم بالآخرة نزل ذلك العقاب، والمقصود منه تخويف أولئك الكفار الذين كانوا يكذبون الرسول في إخباره عن نزول العقاب عليهم، فذكر الله ستة أصناف منهم أولهم قوم نوح عليه السلام ولما كذبوا نوحاً أهلكهم الله بالغرق والطوفان والثاني: عاد قوم هود لما كذبوه أهلكهم الله بالريح والثالث: فرعون لما كذب موسى أهلكه الله مع قومه بالغرق والرابع: ثمود قوم صالح لما كذبوه فأهلكوا بالصيحة والخامس: قوم لوط كذبوه بالخسف والسادس: أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب كذبوه فأهلكوا بعذاب يوم الظلة، قالوا: وإنما وصف الله فرعون بكونه ذا الأوتاد لوجوه الأول: أن أصل هذه الكلمة من ثبات البيت المطنب بأوتاده، ثم استعير لإثبات العز والملك قال الشاعر: شعر : ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد تفسير : قال القاضي حمل الكلام على هذا الوجه أولى لأنه لما وصف بتكذيب الرسل، فيجب فيما وصف به أن يكون تفخيماً لأمر ملكه ليكون الزجر بما ورد من قبل الله تعالى عليه من الهلاك مع قوة أمره أبلغ والثاني: أنه كان ينصب الخشب في الهواء وكان يمد يدي المعذب ورجليه إلى تلك الخشب الأربع، ويضرب على كل واحد من هذه الأعضاء وتداً، ويتركه معلقاً في الهواء إلى أن يموت والثالث: أنه كان يمد المعذب بين أربعة أوتاد في الأرض ويرسل عليه العقارب والحيات والرابع: قال قتادة كانت أوتاداً وأرساناً وملاعب يلعب بها عنده والخامس: أن عساكره كانوا كثيرين، وكانوا كثيري الأهبة عظيمي النعم، وكانوا يكثرون من الأوتاد لأجل الخيام فعرف بها والسادس: ذو الأوتاد والجموع الكثيرة، وسميت الجموع أوتاداً لأنهم يقرون أمره ويشدون مملكته كما يقوي الوتد البناء. وأما الإيكة فهي الغيضة الملتفة. ثم قال تعالى: {أُوْلَـئِكَ ٱلأَحْزَابُ } وفيه أقوال الأول: أن هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمم هم الذين تحزبوا على أنبيائهم فأهلكناهم، فكذلك نفعل بقومك، لأنه تعالى بيَّن بقوله: (أية : جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب) تفسير : [ص: 11] أن قوم محمد صلى الله عليه وسلم جند من الأحزاب، أي من جنس الأحزاب المتقدمين، فلما ذكر أنه عامل الأحزاب المتقدمين بالإهلاك كان ذلك تخويفاً شديداً لقوم محمد صلى الله عليه وسلم الثاني: أن معنى قوله: {أُوْلَـئِكَ ٱلأَحْزَابُ } مبالغة لوصفهم بالقوة والكثرة، كما يقال فلان هو الرجل، والمعنى أن حال أولئك الأحزاب مع كمال قوتهم لما كان هو الهلاك والبوار، فكيف حال هؤلاء الضعفاء المساكين. واعلم أن هؤلاء الأقوام إن صدقوا بهذه الأخبار فهو تحذير، وإن لم يصدقوا بها فهو تحذير أيضاً، لأن آثار هذه الوقائع باقية وهو يفيد الظن القوي فيحذرون، ولأن ذكر ذلك على سبيل التكرير يوجب الحذر أيضاً ثم قال: {إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ } أي كل هذه الطوائف لما كذبوا أنبياءهم في الترغيب والترهيب، لا جرم نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين، والمقصود منه زجر السامعين، ثم بين تعالى أن هؤلاء المكذبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم فقال: {وَمَا يَنظُرُ هَـؤُلآء إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } وفي تفسير هذه الصيحة قولان الأول: أن يكون المراد عذاباً يفجؤهم ويجيئهم دفعة واحدة، كما يقال صاح الزمان بهم إذا هلكوا قال الشاعر: شعر : صاح الزمان بآل برمك صيحة خروا لشدتها على الأذقان تفسير : ويشبه أن يكون أصل ذلك من الغارة إذا عافصت القوم فوقعت الصيحة فيهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ } تفسير : [يونس: 102] الآية والقول الثاني: أن هذه الصيحة هي صيحة النفخة الأولى في الصور، كما قال تعالى في سورة يس: {أية : مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ } تفسير : [يس: 49] والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا فهو معد لهم يوم القيامة، فكأنهم بذلك العذاب وقد جاءهم فجعلهم منتظرين لها على معنى قربها منهم، كالرجل الذي ينتظر الشيء فهو ماد الطرف إليه يطمع كل ساعة في حضوره، ثم إنه سبحانه وصف هذه الصيحة فقال: {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } قرأ حمزة والكسائي {فَوَاقٍ } بضم الفاء، والباقون بفتحها، قال الكسائي والفراء وأبو عبيدة والأخفش: هما لغتان من فواق الناقة. وهو ما بين حلبتي الناقة وأصله من الرجوع، يقال أفاق من مرضه، أي رجع إلى الصحة، فالزمان الحاصل بين الحلبتين لعود اللبن إلى الضرع يسمى فواقاً بالفتح وبالضم، كقولك قصاص الشعر وقصاصه، قال الواحدي: والفواق والفواق إسمان من الأفاقة، والأفاقة معناها الرجوع والسكون كأفاقة المريض، إلا أن الفواق بالفتح يجوز أن يقام مقام المصدر، والفواق بالضم اسم لذلك الزمان الذي يعود فيه اللبن إلى الضرع، وروى الواحدي في البسيط عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: «حديث : يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الفزع، قال فيمدها ويطولها» تفسير : وهي التي يقول: {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } ثم قال الواحدي: وهذا يحتمل معنيين أحدهما: ما لها سكون والثاني: ما لها رجوع، والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون، ويقال لكل من بقي على حالة واحدة، إنه لا يفيق منه ولا يستفيق، والله أعلم. قوله تعالى: {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ * ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ }. اعلم أنا ذكرنا في تفسير قوله: {أية : وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ } تفسير : [ص: 4] أن القوم إنما تعجبوا لشبهات ثلاثة أولها: تتعلق بالإلهيات، وهو قوله: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً } والثانية: تتعلق بالنبوات، وهو قوله: {أية : أأنزل عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ مِن بَيْنِنَا } تفسير : [ص: 8] والثالثة: تتعلق بالمعادة، وهو قوله تعالى: {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } وذلك لأن القوم كانوا في نهاية الإنكار للقول بالحشر والنشر، فكانوا يستدلون بفساد القول بالحشر والنشر على فساد نبوته، والقط القطعة من الشيء لأنه قطع منه من قطه إذا قطعه ويقال لصحيفة الجائزة قط، ولما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد المؤمنين بالجنة، قالوا على سبيل الاستهزاء: عجل لنا نصيبنا من الجنة، أو عجل لنا صحيفة أعمالنا حتى ننظر فيها. واعلم أن الكفار لما بالغوا في السفاهة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قالوا: إنه ساحر كذاب وقالوا له على سبيل الاستهزاء: {عَجّل لَّنَا قِطَّنَا } أمره الله بالصبر على سفاهتهم، فقال: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } فإن قيل. أي تعلق بين قوله: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } وبيّن قوله: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ }؟ قلنا بيان هذا التعلق من وجوه الأول: كأنه قيل إن كنت قد شاهدت من هؤلاء الجهال جراءتهم على الله وإنكارهم الحشر والنشر، فاذكر قصة داود حتى تعرف شدة خوفه من الله تعالى ومن يوم الحشر، فإن بقدر ما يزداد أحد الضدين شرفاً يزداد الضد الآخر نقصاناً والثاني: كأنه قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم لا يضيق صدرك بسبب إنكارهم لقولك ودينك، فإنهم إذا خالفوك فالأكابر، من الأنبياء وافقوك والثالث: أن للناس في قصة داود قولين: منهم من قال إنها تدل على ذنبه، ومنهم من قال إنها لا تدل عليه فمن قال بالأول كان وجه المناسبة فيه كأنه قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم إن حزنك ليس إلا، لأن الكفار يكذبونك، وأما حزن داود فكان بسبب وقوعه في ذلك الذنب ولا شك أن حزنه أشد، فتأمل في قصة داود وما كان فيه من الحزن العظيم حتى يخف عليك ما أنت فيه من الحزن ومن قال بالثاني قال الخصمان اللذان دخلا على داود كانا من البشر، وإنما دخلا عليه لقصد قتله فخاف منهما داود، ومع ذلك لم يتعرض لإيذائهما ولا دعا عليهما بسوء بل استغفر لهما على ما سيجيء تقرير هذه الطريقة فلا جرم أمر الله تعالى محمداً عليه السلام بأن يقتدي به في حسن الخلق والخامس: أن قريشاً إنما كذبوا محمداً عليه السلام واستخفوا به لقولهم في أكثر الأمر إنه يتيم فقير، ثم إنه تعالى قص على محمد كمال مملكة داود، ثم بين أنه مع ذلك ما سلم من الأحزان والغموم، ليعلم أن الخلاص عن الحزن لا سبيل إليه في الدنيا والسادس: أن قوله تعالى: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ } غير مقتصر على داود فقط بل ذكر عقيب قصة داود قصص سائر الأنبياء فكأنه قال: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } واعتبر بحال سائر الأنبياء ليعلمه أن كل واحد منهم كان مشغولاً بهم خاص وحزن خاص، فحينئذٍ يعلم أن الدنيا لا تنفك عن الهموم والأحزان، وأن استحقاق الدرجات العالية عند الله لا يحصل إلا بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا، وهذه وجوه ذكرناها في هذا المقام وههنا وجه آخر أقوى وأحسن من كل ما تقدم، وسيجيء ذكره إن شاء الله تعالى عند الانتهاء إلى تفسير قوله: {أية : كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ ليدبروا آياته } تفسير : [ص: 29] واعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك حال تسعة من الأنبياء فذكر حال ثلاثة منهم على التفصيل وحال ستة آخرين على الإجمال. فالقصة الأولى: قصة داود، واعلم أن مجامع ما ذكره الله تعالى في هذه القصة ثلاثة أنواع من الكلام فالأول: تفصيل ما آتى الله داود من الصفات التي توجب سعادة الآخرة والدنيا والثاني: شرح تلك الواقعة التي وقعت له من أمر الخصمين والثالث: استخلاف الله تعالى إياه بعد وقوع تلك الواقعة أما النوع الأول: وهو شرح الصفات التي آتاها الله داود من الصفات الموجبة لكمال السعادة فهي عشرة الأول: قوله لمحمد صلى الله عليه وسلم: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ } فأمر محمداً صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره بأن يقتدي في الصبر على طاعة الله بداود وذلك تشريف عظيم وإكرام لداود حيث أمر الله أفضل الخلق محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي به في مكارم الأخلاق والثاني: أنه قال في حقه: {عَبْدَنَا دَاوُودُ } فوصفه بكونه عبداً له وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم، وذلك غاية التشريف، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى لما أراد أن يشرف محمداً عليه السلام ليلة المعراج قال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } تفسير : [الإسراء: 1] فههنا يدل على ذلك التشريف لداود فكان ذلك دليلاً على علو درجته أيضاً، فإن وصف الله تعالى الأنبياء بعبوديته مشعر بأنهم قد حققوا معنى العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة والثالث: قوله: {ذَا ٱلأَيْدِ } أي ذا القوة على أداء الطاعة والاحترازعن المعاصي، وذلك لأنه تعالى لما مدحه بالقوة وجب أن تكون تلك القوة موجبة للمدح، والقوة التي توجب المدح العظيم ليست إلا القوة على فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه {والأيد} المذكور ههنا كالقوة المذكورة في قوله: {أية : يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ } تفسير : [مريم: 12] وقوله تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلّ شَىْء مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } تفسير : [الأعراف: 145] أي باجتهاد في أداء الأمانة وتشدد في القيام بالدعوة وترك إظهار الوهن والضعف والأيد والقوة سواء ومنه قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ } تفسير : [الأنفال: 62] وقوله تعالى: {أية : وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } تفسير : [البقرة: 87] وقال: {أية : وَٱلسَّمَاء بَنَيْنَـٰهَا بأييد } تفسير : [الذاريات: 47] وعن قتادة أعطى قوة في العبادة وفقهاً في الدين، وكان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر الرابع: قوله: {إِنَّهُ أَوَّابٌ } أي أن داود كان رجاعاً في أموره كلها إلى طاعتي والأواب فعال من آب إذا رجع كما قال تعالى: {أية : إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ } تفسير : [الغاشية: 25] وفعال بناء المبالغة كما يقال قتال وضراب فإنه أبلغ من قاتل وضارب الخامس: قوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبّحْنَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإشْرَاقِ } ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : يٰجِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ } تفسير : [سبأ: 10] وفيه مباحث: البحث الأول: وفيه وجوه الأول: أن الله سبحانه خلق في جسم الجبل حياة وعقلاً وقدرة ومنطقاً وحينئذٍ صار الجبل مسبحاً لله تعالى ونظيره قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } تفسير : [الأعراف: 143] فإن معناه أنه تعالى خلق في الجبل عقلاً وفهماً، ثم خلق فيه رؤية الله تعالى فكذا ههنا الثاني: في التأويل ما رواه القفال في تفسيره أنه يجوز أن يقال إن داود عليه السلام قد أوتي من شدة الصوت وحسنه ما كان له في الجبال دوي حسن، وما يصغي الطير إليه لحسنه فيكون دوي الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤه إليه تسبيحاً، وذكر محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود حتى أنه كان إذا قرأ الزبور دنت منه الوحوش حتى يأخذ بأعناقها الثالث: أن الله سبحانه سخر الجبال حتى أنها كانت تسير إلى حيث يريده داود وجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه كان يدل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته. البحث الثاني: قال صاحب «الكشاف» {يُسَبّحْنَ } في معنى مسبحات، فإن قالوا هل من فرق بين يسبحن ومسبحات قلنا نعم، فإن صيغة الفعل تدل على الحدوث والتجدد، وصيغة الاسم على الدوام على ما بينه عبد القاهر النحوي في كتاب دلائل الإعجاز، إذا ثبت هذا فنقول قوله: {يُسَبّحْنَ } يدل على حدوث التسبيح من الجبال شيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال وكان السامع حاضر تلك الجبال يسمعها تسبح. البحث الثالث: قال الزجاج يقال شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت وقيل هما بمعنى، والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس والماء يشرق. البحث الرابع: احتجوا على شرعية صلاة الضحى بهذه الآية، عن أم هانىء قالت: «دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى، وقال: حديث : يا أم هانىء هذه صلاة الإشراق» تفسير : وعن طاووس عن ابن عباس قال: «هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن؟ قالوا لا، فقرأ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق» وقال كان يصليها داود عليه السلام وقال لم يزل في نفسي شيء من صلاة الضحى حتى وجدتها في قوله: {يُسَبّحْنَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإشْرَاقِ }. الصفة السادسة: من صفات داود عليه السلام قوله تعالى: {وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } وفيه مباحث: البحث الأول: قوله: {وَٱلطَّيْرُ } معطوفة على الجبال والتقدير وسخرنا الطير محشورة، قال ابن عباس رضي الله عنهما كان داود إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه، واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله {فَإن قِيلَ } كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها، قلنا لا يبعد أن يقال إن الله تعالى كان يخلق لها عقلاً حتى تعرف الله فتسبحه حينئذٍ، وكل ذلك كان معجزة لداود عليه السلام. البحث الثاني: قال صاحب «الكشاف» قوله: {مَحْشُورَةً } في مقابلة {يُسَبّحْنَ } إلا أنه ليس في الحشر مثل ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئاً بعد شيء، فلا جرم جيء به اسماً لا فعلاً، وذلك أنه لو قيل وسخرنا الطير محشورة يسبحن على تقدير أن الحشر وجد من حاشرها جملة واحدة دل على القدر المذكور، والله أعلم. البحث الثالث: قرىء {وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً } بالرفع. الصفة السابعة: من صفات داود عليه السلام، قوله تعالى: {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } ومعناه كل واحد من الجبال والطير أواب أي رجاع، أي كلما رجع داود إلى التسبيح جاوبته، فهذه الأشياء أيضاً كانت ترجع إلى تسبيحاتها، والفرق بين هذه الصفة وبين ما قبلها أن فيما سبق علمنا أن الجبال والطير سبحت مع تسبيح داود عليه السلام، وبهذا اللفظ فهمنا دوام تلك الموافقة وقيل الضمير في قوله: {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } لله تعالى أي كل من داود والجبال والطير لله أواب أي مسبح مرجع للتسبيح. الصفة الثامنة: قوله تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ } أي قويناه وقال تعالى: {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } تفسير : [القصص: 35] وقيل شددنا على المبالغة، وأما الأسباب الموجبة لحصول هذا الشد فكثيرة، وهي إما الأسباب الدنيوية أو الدينية، أما الأول فذكروا فيه وجهين الأول: روى الواحدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يحرسه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل، فإذا أصبح قيل ارجعوا فقد رضي عنكم نبي الله، وزاد آخرون فذكروا أربعين ألفاً. قالوا وكان أشد ملوك الأرض سلطاناً، وعن عكرمة عن ابن عباس أن رجلاً ادعى عند داود على رجل أخذ منه بقرة فأنكر المدعى عليه، فقال داود للمدعي أقم البينة فلم يقمها، فرأى داود في منامه. أن الله يأمره أن يقتل المدعي عليه فثبت داود وقال هو منام فأتاه الوحي بعد ذلك بأن تقتله فاحضره وأعلمه أن الله أمره بقتله، فقال المدعى عليه صدق الله إني كنت قتلت أبا هذا الرجل غيلة فقتله داود. فهذه الواقعة شددت ملكه، وأما الأسباب الدينية الموجبة لهذا الشد فهي الصبر والتأمل التام والاحتياط الكامل. الصفة التاسعة: قوله: {وآتيناه الحكمة } واعلم أنه تعالى قال: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 269] واعلم أن الفضائل على ثلاثة أقسام النفسانية والبدنية والخارجية، والفضائل النفسانية محصورة في قسمين العلم والعمل، أما العلم فهو أن تصير النفس بالتصورات الحقيقية والتصديقات النفسانية بمقتضى الطاقة البشرية، وأما العمل فهو أن يكون الإنسان آتياً بالعمل الأصلح الأصوب بمصالح الدنيا والآخرة، فهذا هو الحكمة وإنما سمي هذا بالحكمة لأن اشتقاق الحكمة من إحكام الأمور وتقويتها وتبعيدها عن أسباب الرخاوة والضعف، والاعتقادات الصائبة الصحيحة لا تقبل النسخ والنقض فكانت في غاية الإحكام، وأما الأعمال المطابقة لمصالح الدنيا والآخرة فإنها واجبة الرعاية ولا تقبل النقض والنسخ، فلهذا السبب سمينا تلك المعارف وهذه الأعمال بالحكمة. الصفة العاشرة: قوله: {وَفَصل ٱلْخِطَابِ } واعلم أن أجسام هذا العالم على ثلاثة أقسام أحدهما: ما تكون خالية عن الإدراك والشعور وهي الجمادات والنباتات وثانيها: التي يحصل لها إدراك وشعور ولكنها لا تقدر على تعريف غيرها الأحوال التي عرفوها في الأكثر وهذا القسم هو جملة الحيوانات سوى الإنسان وثالثها: الذي يحصل له إدراك وشعور ويحصل عنده قدرة على تعريف غيره الأحوال المعلومة له، وذلك هو الإنسان وقدرته على تعريف الغير الأحوال المعلومة عنده بالنطق والخطاب، ثم إن الناس مختلفون في مراتب القدرة على التعبير عما في الضمير، فمنهم من يتعذر عليه إيراد الكلام المرتب المنتظم بل يكون مختلط الكلام مضطرب القول، ومنهم من يتعذر عليه الترتيب من بعض الوجوه، ومنهم من يكون قادراً على ضبط المعنى والتعبير عنه إلى أقصى الغايات، وكل من كانت هذه القدرة في حقه أكمل كانت الآثار الصادرة عن النفس النطقية في حقه أكمل، وكل من كانت تلك القدرة في حقه أقل كانت تلك الآثار أضعف، ولما بيّن الله تعالى كمال حال جوهر النفس النطقية التي لداود بقوله: {وآتيناهُ الحكمة } أردفه ببيان كمال حاله في النطق واللفظ والعبارة فقال وفصل الخطاب وهذا الترتيب في غاية الجلالة، ومن المفسرين من فسر ذلك بأن داود أول من قال في كلامه أما بعد، وأقول حقاً إن الذين يتبعون أمثال هذه الكلمات فقد حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرماناً عظيماً، والله أعلم، وقول من قال المراد معرفة الأمور التي بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البينة واليمين فبعيد أيضاً، لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادراً على التعبير عن كل ما يخطر بالبال ويحضر في الخيال، بحيث لا يختلط شيء بشيء، وبحيث ينفصل كل مقام عن مقام، وهذا معنى عام يتناول جميع الأقسام، والله أعلم، وههنا آخر الكلام في الصفات العشرة التي ذكرها الله تعالى في مدح داود عليه السلام.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} ذكرها تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له؛ أي هؤلاء من قومك يا محمد جندٌ من الأحزاب المتقدّمين الذين تحزَّبوا على أنبيائهم، وقد كانوا أقوى من هؤلاء فأهلكوا. وذكر اللّه تعالى القوم بلفظ التأنيث، وٱختلف أهل العربية في ذلك على قولين: أحدهما ـ أنه قد يجوز فيه التذكير والتأنيث. الثاني ـ أنه مذكر اللفظ لا يجوز تأنيثه، إلا أن يقع المعنى على العشيرة والقبيلة، فيغلب في اللفظ حكم المعنى المضمر تنبيهاً عليه؛ كقوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ }تفسير : [عبس: 11 ـ 12] ولم يقل ذكرها؛ لأنه لما كان المضمر فيه مذكراً ذكره؛ وإن كان اللفظ مقتضياً للتأنيث. ووصف فرعون بأنه ذو الأوتاد. وقد ٱختلف في تأويل ذلك؛ فقال ٱبن عباس: المعنى ذو البناء المحكم. وقال الضحاك: كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتاداً. وعن ٱبن عباس أيضاً وقتادة وعطاء: أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يُلْعَب له عليها. وعن الضحاك أيضاً: ذو القوّة والبطش. وقال الكلبي ومقاتل: كان يعذِّب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مدّه مستلقياً بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب والحيات حتى يموت. وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوارٍ؛ كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وَتَد من حديد ويتركه حتى يموت. وقيل: ذو الأوتاد أي ذو الجنود الكثيرة فسميت الجنود أوتاداً؛ لأنهم يقوّون أمره كما يقوّي الوتد البيت. وقال ٱبن قتيبة: العرب تقول هم في عزّ ثابت الأوتاد، يريدون دائماً شديداً. وأصل هذا أن البيت من بيوت الشَّعر إنما يثبت ويقوم بالأوتاد. قال الأسود بن يَعْفُر:شعر : ولقد غَنَوْا فيها بأنعَمِ عِيشةٍ في ظلِّ مُلْكٍ ثابِت الأوتادِ تفسير : وواحد الأوتاد وتِد بالكسر، وبالفتح لغة. وقال الأصمعي: يقال وتَد واتِد كما يقال: شغل شاغل. وأنشد:شعر : لاقتْ على الماءِ جُذَيْلاً وَاتِداً ولم يكن يُخْلِفُها المَوَاعِدَا تفسير : قال: شبَّه الرجل بالجِذْل. {وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ} أي الغيضة. وقد مضى ذكرها في «الشعراء». وقرأ نافع وٱبن كثير وٱبن عامر: «لَيْكَةَ» بفتح اللام والتاء من غير همز. وهمز الباقون وكسروا التاء. وقد تقدّم هذا. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ} أي هم الموصوفون بالقوّة والكثرة؛ كقولك فلان هو الرجل. {إِن كُلٌّ} بمعنى ما كل. {إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} أي فنزل بهم العذاب لذلك التكذيب. وأثبت يعقوب الياء في «عَذَابِي» و«عِقابِي» في الحالين وحذفها الباقون في الحالين. ونظير هذه الآية قوله عز وجل: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ}تفسير : [غافر: 31] فسمى هذه الأمم أحزاباً.
البيضاوي
تفسير : {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ } ذو الملك الثابت بالأوتاد كقوله:شعر : وَلَقَدْ غَنوا فِيْهَا بِأَنْعَمِ عِيْشَةٍ فِي ظِلِّ ملكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ تفسير : مأخوذ من ثبات البيت المطنب بأوتاده، أو ذو الجموع الكثيرة سموا بذلك لأن بعضهم يشد بعضاً كالوتد يشد البناء. وقيل نصب أربع سوار وكان يمد يدي المعذب ورجليه إليها ويضرب عليها أوتاداً ويتركه حتى يموت. {وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَـٰبُ لْئَيْكَةِ} وأصحاب الغيضة وهم قوم شعيب، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر «ليكة». {أُوْلَـئِكَ ٱلأَحْزَابُ} يعني المتحزبين على الرسل الذين جعل الجند المهزوم منهم. {إِن كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ} بيان لما أسند إليهم من التكذيب على الإِبهام مشتمل على أنواع من التأكيد ليكون تسجيلاً على استحقاقهم للعذاب، ولذلك رتب عليه: {فَحَقَّ عِقَابِ } وهو إما مقابلة الجمع بالجمع أو جعل تكذيب الواحد منهم تكذيب جميعهم. {وَمَا يَنظُرُ هَـؤُلآءِ} وما ينتظر قومك أو الأحزاب فإنهم كالحضور لاستحضارهم بالذكر، أو حضورهم في علم الله تعالى: {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً } هي النفخة الأولى. {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } من توقف مقدار فواق وهو ما بين الحلبتين، أو رجوع وترداد فإنه فيه يرجع اللبن إلى الضرع، وقرأ حمزة والكسائي بالضم وهما لغتان. {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّلْ لَّنَا قِطَّنَا } قسطنا من العذاب الذي توعدنا به، أو الجنة التي تعدها للمؤمنين وهو من قطه إذا قطعه، وقيل لصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس وقد فسر بها أي: عجل لنا صحيفة أعمالنا للنظر فيها. {قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } استعجلوا ذلك استهزاء. {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ } واذكر لهم قصته تعظيماً للمعصية في أعينهم، فإنه مع علو شأنه واختصاصه بعظائم النعم والمكرمات لما أتى صغيرة نزل عن منزلته ووبخه الملائكة بالتمثيل والتعريض حتى تفطن فاستغفر ربه وأناب فما الظن بالكفرة وأهل الطغيان، أو تذكر قصته وصن نفسه أن تزل فيلقاك ما لقيه من المعاتبة على إهمال عنان نفسه أدنى إهمال. {ذَا ٱلأَيْدِ} ذا القوة يقال فلان أيد وذو أيد وآد وأياد بمعنى. {إِنَّهُ أَوَّابٌ} رجاع إلى مرضاة الله تعالى، وهو تعليل لـ {ٱلأَيْدِ} ودليل على أن المراد به القوة في الدين، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ويقوم نصف الليل. {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبّحْنَ} قد مر تفسيره، و {يُسَبّحْنَ } حال وضع موضع مسبحان لاستحضار الحال الماضية والدلالة على تجدد التسبيح حالاً بعد حال. {بِٱلْعَشِىّ وَٱلإشْرَاقِ} ووقت الإِشراق وهو حين تشرق الشمس أي تضيء ويصفو شعاعها وهو وقت الضحى، وأما شروقها فطلوعها يقال شرقت الشمس ولما تشرق. وعن أم هانىء رضي الله تعالى عنها: أنه عليه الصلاة والسلام صلى صلاة الضحى وقال «حديث : هذه صلاة الإِشراق»تفسير : وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية. {وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً } إليه من كل جانب، وإنما لم يراع المطابقة بين الحالين لأن الحشرجملة أدل على القدرة منه مدرجاً، وقرىء «وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً» بالمبتدأ والخبر. {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح، والفرق بينه وبين ما قبله أنه يدل على الموافقة في التسبيح وهذا على المداومة عليها، أو كل منهما ومن داوود عليه الصلاة والسلام مرجع لله التسبيح. {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} وقويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود، وقرىء بالتشديد للمبالغة.قيل: إن رجلاً ادعى بقرة على آخر وعجز عن البيان، فأوحى إليه أن اقتل المدعى عليه فأعلمه فقال: صدقت إني قتلت أباه وأخذت البقرة فعظمت بذلك هيبته. {وَءَاتيْنَاهُ الْحِكْمَةَ} النبوة أو كمال العلم واتقان العمل. {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ } وفصل الخصام بتمييز الحق عن الباطل، أو الكلام المخلص الذي ينبه المخاطب على المقصود من غير التباس يراعى فيه مظان الفصل والوصل والعطف والاستئناف، والإِضمار والحذف والتكرار ونحوها، وإنما سمي به أما بعد لأنه يفصل المقصود عما سبق مقدمة له من الحمد والصلاة، وقيل هو الخطاب القصد الذي ليس فيه اختصار محل ولا إشباع ممل كما جاء في وصف كلام الرسول عليه الصلاة والسلام «حديث : فصل لا نزر ولا هذر».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن هؤلاء القرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ} أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة، وأكثر أموالاً وأولاداً، فما دفع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك، ولهذا قال عز وجل: { إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل، فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر. وقوله تعالى: { وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} قال مالك عن زيد بن أسلم: أي ليس لها مثنوية، أي: ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة، فقد جاء أشراطها، أي: فقد اقتربت ودنت وأزفت، وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر الله تعالى إسرافيل أن يطولها، فلا يبقى أحد من أهل السموات والأرض إلا فزع، إلا من استثنى الله عز وجل. وقوله جل جلاله: { وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ} هذا إنكار من الله تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب؛ فإن القط هو الكتاب، وقيل: هو الحظ والنصيب. قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والضحاك والحسن وغير واحد: سألوا تعجيل العذاب، زاد قتادة: كما قالوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32] وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة، إن كانت موجودة؛ ليلقوا ذاك في الدنيا، وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب. وقال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا، وهذا الذي قاله جيد، وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد، والله أعلم. ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد، قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمراً له بالصبر على أذاهم، ومبشراً له على صبره بالعاقبة والنصر والظفر:
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } تأنيث قوم باعتبار المعنى {وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَْوْتَادِ } كان يَتِدُ لكلّ من يغضب عليه أربعة أوتاد يشدّ إليها يديه ورجليه ويعذبه.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه أحوال الكفار المعاصرين لرسول الله ذكر أمثالهم ممن تقدّمهم، وعمل عملهم من الكفر والتكذيب، فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ } قال المفسرون: كانت له أوتاد يعذب بها الناس، وذلك أنه كان إذا غضب على أحد، وتد يديه، ورجليه، ورأسه على الأرض. وقيل: المراد بالأوتاد: الجموع، والجنود الكثيرة، يعني: أنهم كانوا يقوّون أمره، ويشدّون سلطانه كما تقوى الأوتاد ما ضربت عليه، فالكلام خارج مخرج الاستعارة على هذا. قال ابن قتيبة: العرب تقول: هم في عزّ ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد، يريدون ملكاً دائماً شديداً، وأصل هذا أن البيت من بيوت الشعر إنما يثبت، ويقوم بالأوتاد. وقيل: المراد بالأوتاد هنا البناء المحكم، أي: وفرعون ذو الأبنية المحكمة. قال الضحاك: والبنيان يسمى أوتاداً، والأوتاد جمع وتد أفصحها فتح الواو، وكسر التاء، ويقال: وتد بفتحهما، وودّ بإدغام التاء في الدال، وودت. قال الأصمعي: ويقال: وتد واتد مثل شغل شاغل، وأنشد:شعر : لاقت علي الماء جذيلاً واتدا ولم يكن يخلفها المواعدا تفسير : {وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَـٰبُ الأَيْكَةِ} الأيكة: الغيضة، وقد تقدّم تفسيرها، واختلاف القرّاء في قراءتها في سورة الشعراء، ومعنى {أُوْلَـئِكَ ٱلأَحْزَاب}: أنهم الموصوفون بالقوّة، والكثرة كقولهم: فلان هو الرجل، وقريش وإن كانوا حزباً كما قال الله سبحانه فيما تقدّم: {أية : جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مّن ٱلأَحَزَابِ } تفسير : [صۤ: 11]؛ ولكن هؤلاء الذين قصهم الله علينا من الأمم السالفة هم أكثر منهم عدداً، وأقوى أبداناً، وأوسع أموالاً، وأعماراً، وهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة، ويجوز أن تكون خبراً، والمبتدأ قوله: {وَعَادٌ } كذا قال أبو البقاء، وهو ضعيف، بل الظاهر أن {عاد}، وما بعده معطوفات على {قوم نوح}، والأولى أن تكون هذه الجملة خبراً لمبتدأ محذوف، أو بدلاً من الأمم المذكورة {إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ } إن هي: النافية، والمعنى: ما كلّ حزب من هذه الأحزاب إلا كذب الرسل، لأن تكذيب الحزب لرسوله المرسل إليه تكذيب لجميع الرسل، أو هو من مقابلة الجمع بالجمع، والمراد: تكذيب كلّ حزب لرسوله، والاستثناء مفرغ من أعمّ الأحوال، أي: ما كلّ أحد من الأحزاب في جميع أحواله إلا وقع منه تكذيب الرسل {فَحَقَّ عِقَابِ } أي: فحقّ عليهم عقابي بتكذيبهم، ومعنى حقّ: ثبت، ووجب، وإن تأخر، فكأنه واقع بهم، وكلّ ما هو آتٍ قريب. قرأ يعقوب بإثبات الياء في {عقاب}، وحذفها الباقون مطابقة لرؤوس الآي. {وَمَا يَنظُرُ هَـؤُلآء إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً } أي: ما ينتظرون إلا صيحة، وهي: النفخة الكائنة عند قيام الساعة. وقيل: هي النفخة الثانية، وعلى الأوّل المراد: من عاصر نبينا صلى الله عليه وسلم من الكفار، وعلى الثاني المراد: كفار الأمم المذكورة، أي: ليس بينهم، وبين حلول ما أعدّ الله لهم من عذاب النار إلا أن ينفخ في الصور النفخة الثانية. وقيل: المراد بالصيحة: عذاب يفجؤهم في الدنيا كما قال الشاعر:شعر : صاح الزمان بآل برمك صيحة خرّوا لشدّتها على الأذقان تفسير : وجملة: {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } في محل نصب صفة لصيحة. قال الزجاج: فواق، وفواق بفتح الفاء، وضمها أي: ما لها من رجوع، والفواق ما بين حلبتي الناقة، وهو مشتقّ من الرجوع أيضاً، لأنه يعود اللبن إلى الضرع بين الحلبتين، وأفاق من مرضه، أي: رجع إلى الصحة، ولهذا قال مجاهد، ومقاتل: إن الفواق: الرجوع. وقال قتادة: ما لها من مثنوية. وقال السدّي: ما لها من إفاقة، وقيل: ما لها من مردّ. قال الجوهري: ما لها من نظرة، وراحة وإفاقة، ومعنى الآية: أن تلك الصيحة هي ميعاد عذابهم، فإذا جاءت لم ترجع، ولا تردّ عنهم، ولا تصرف منهم، ولا تتوقف مقدار فواق ناقة، وهي ما بين حلبتي الحالب لها، ومنه قول الأعشى:شعر : حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت جاءت لترضع شقّ النفس لو رضعا تفسير : والفيقة: اسم اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، وجمعها فيق، وأفواق. قرأ حمزّة، والكسائي: "ما لها من فواق" بضم الفاء، وقرأ الباقون بفتحها. قال الفراء، وأبو عبيدة: الفواق بفتح الفاء: الراحة، أي: لا يفيقون فيها كما يفيق المريض، والمغشيّ عليه، وبالضم الانتظار {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } لما سمعوا ما توعدهم الله به من العذاب قالوا هذه المقالة استهزاء، وسخرية، والقط في اللغة: النصيب، من القط، وهو: القطع، وبهذا قال قتادة، وسعيد بن جبير، قال الفراء: القط في كلام العرب: الحظ والنصيب، ومنه قيل للصك: قط. قال أبو عبيدة، والكسائي: القط: الكتاب بالجوائز، والجمع القطوط، ومنه قول الأعشى:شعر : ولا الملك النعمان يوم لقيته بغبطته يعطي القطوط ويأفق تفسير : ومعنى يأفق: يصلح، ومعنى الآية: سؤالهم لربهم أن يعجل لهم نصيبهم وحظهم من العذاب، وهو مثل قوله: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ } تفسير : [الحج: 47]. وقال السدّي: سألوا ربهم: أن يمثل لهم منازلهم من الجنة، ليعلموا حقيقة ما يوعدون به، وقال إسماعيل بن أبي خالد: المعنى: عجل لنا أرزاقنا، وبه قال سعيد بن جبير، والسدّي. وقال أبو العالية، والكلبي، ومقاتل: لما نزل: {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ } تفسير : [الحاقة: 19] {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِشِمَالِهِ } تفسير : [الحاقة: 25] قالت قريش: زعمت يا محمد أنا نؤتى كتابنا بشمالنا، فعجل لنا قطنا قبل يوم الحساب. ثم أمر الله سبحانه نبيه أن يصبر على ما يسمعه من أقوالهم فقال: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } من أقوالهم الباطلة التي هذا القول المحكي عنهم من جملتها. وهذه الآية منسوخة بآية السيف. {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ ذَا ٱلأَيْدِ } لما فرغ من ذكر قرون الضلالة، وأمم الكفر، والتكذيب، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يسمعه زاد في تسليته، وتأسيته بذكر قصة داود، وما بعدها. ومعنى {ٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ }: اذكر قصته، فإنك تجد فيها ما تتسلى به، والأيد: القوّة، ومنه رجل أيد، أي: قويّ، وتأيد الشيء: تقوّى، والمراد: ما كان فيه عليه السلام من القوّة على العبادة. قال الزجاج: وكانت قوّة داود على العبادة أتمّ قوّة، ومن قوّته ما أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم: أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان يصلي نصف الليل، وكان لا يفرّ إذا لاقى العدّو، وجملة {إِنَّهُ أَوَّابٌ } تعليل لكونه ذا الأيد، والأوابّ: الرجاع عن كل ما يكرهه الله سبحانه إلى ما يحبه، ولا يستطيع ذلك إلا من كان قوياً في دينه. وقيل: معناه: كلما ذكر ذنبه استغفر منه، وناب عنه، وهذا داخل تحت المعنى الأوّل، يقال: آب يؤوب: إذا رجع {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبّحْنَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإشْرَاقِ } أيّ: يقدّسن الله سبحانه، وينزهنه عما لا يليق به. وجملة: {يُسَبّحْنَ } في محل نصب على الحال، وفي هذا بيان ما أعطاه الله من البرهان، والمعجزة، وهو: تسبيح الجبال معه. قال مقاتل: كان داود إذا ذكر الله ذكرت الجبال معه، وكان يفقه تسبيح الجبال. وقال محمد بن إسحاق: أوتي داود من حسن الصوت ما يكون له في الجبال دويّ حسن، فهذا معنى: تسبيح الجبال، والأوّل أولى. وقيل: معنى: {يُسَبّحْنَ }: يصلين، و {مَعَهُ } متعلق بسخرنا. ومعنى {بِٱلْعَشِىّ وَٱلإشْرَاقِ } قال الكلبي: غدوة وعشية، يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت، وذلك وقت الضحى. وأما شروقها، فطلوعها. قال الزجاج: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت. {وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً } معطوف على الجبال، وانتصاب {محشورة} على الحال من الطير، أي: وسخرنا الطير حال كونها محشورة، أي: مجموعة إليه تسبح الله معه. قيل: كانت تجمعها إليه الملائكة. وقيل: كانت تجمعها الريح {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } أي: كل واحد من داود، والجبال، والطير رجاع إلى طاعة الله، وأمره، والضمير في له راجع إلى الله عزّ وجلّ. وقيل: الضمير لداود، أي: لأجل تسبيح داود مسبح، فوضع أوّاب موضع مسبح، والأوّل أولى. وقد قدّمنا أن الأوّاب: الكثير الرجوع إلى الله سبحانه {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ } قوّيناه وثبتناه بالنصر في المواطن على أعدائه وإلقاء الرعب منه في قلوبهم. وقيل: بكثرة الجنود {وَءاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} المراد بالحكمة: النبوّة، والمعرفة بكل ما يحكم به. وقال مقاتل: الفهم، والعلم. وقال مجاهد: العدل. وقال أبو العالية: العلم بكتاب الله. وقال شريح: السنة. والمراد بفصل الخطاب: الفصل في القضاء، وبه قال الحسن، والكلبي، ومقاتل. وحكى الواحدي عن الأكثر: أن فصل الخطاب: الشهود، والإيمان؛ لأنها إنما تنقطع الخصومة بهذا. وقيل: هو: الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل. {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } لما مدحه الله سبحانه بما تقدم ذكره أردف ذلك بذكر هذه القصة الواقعة له لما فيها من الأخبار العجيبة. قال مقاتل: بعث الله إلى داود ملكين، جبريل، وميكائيل؛ لينبهه على التوبة، فأتياه، وهو في محرابه. قال النحاس: ولا خلاف بين أهل التفسير أن المراد بالخصم ها هنا الملكان، والخصم مصدر يقع على الواحد، والاثنين، والجماعة. ومعنى {تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ }: أتوه من أعلى سوره، ونزلوا إليه، والسور: الحائط المرتفع، وجاء بلفظ الجمع في تسوروا مع كونهم اثنين، نظراً إلى ما يحتمله لفظ الخصم من الجمع. ومنه قول الشاعر:شعر : وخصم غضاب قد نفضت لحاهم كنفض البراذين العراب المخاليا تفسير : والمحراب: الغرفة، لأنهم تسوروا عليه، وهو فيها، كذا قال يحيـى بن سلام. وقال أبو عبيدة: إنه صدر المجلس، ومنه محراب المسجد. وقيل: إنهما كانا إنسيين، ولم يكونا ملكين، والعامل في «إذ» في قوله: {إِذْ دَخَلُواْ } النبأ، أي: هل أتاك الخبر الواقع في وقت تسورهم؟ وبهذا قال ابن عطية، ومكي، وأبو البقاء. وقيل: العامل فيه أتاك. وقيل: معمول للخصم. وقيل: معمول لمحذوف، أي: وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم. وقيل: هو معمول لتسوروا. وقيل: هو بدل مما قبله. وقال الفراء: إن أحد الظرفين المذكورين بمعنى: لما {فَفَزِعَ مِنْهُمْ }، وذلك لأنهما أتياه ليلاً في غير وقت دخول الخصوم، ودخلوا عليه بغير إذنه، ولم يدخلوا من الباب الذي يدخل منه الناس. قال ابن الأعرابي: وكان محراب داود من الامتناع بالارتفاع بحيث لا يرتقي إليه آدمي بحيلة، وجملة: {قَالُواْ لاَ تَخَفْ } مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا قالوا لداود لما فزع منهم؟ وارتفاع {خَصْمَانِ }، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: نحن خصمان، وجاء فيما سبق بلفظ الجمع، وهنا بلفظ التثنية، لما ذكرنا من أن لفظ الخصم يحتمل المفرد، والمثنى، والمجموع، فالكل جائز. قال الخليل: هو كما تقول: نحن فعلنا كذا: إذا كنتما اثنين. وقال الكسائي: جمع لما كان خبراً، فلما انقضى الخبر، وجاءت المخاطبة أخبر الاثنان عن أنفسهما، فقالا: خصمان، وقوله: {بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ } هو على سبيل الفرض، والتقدير، وعلى سبيل التعريض؛ لأن من المعلوم أن الملكين لا يبغيان. ثم طلبا منه أن يحكم بينهما بالحق، ونهياه عن الجور، فقالا: {فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقّ وَلاَ تُشْطِطْ } أي: لا تجر في حكمك، يقال: شط الرجل، وأشط شططاً، وإشطاطاً: إذا جار في حكمه. قال أبو عبيد: شططت عليه، وأشططت أي: جرت. وقال الأخفش: معناه: لا تسرف، وقيل: لا تفرط، وقيل: لا تمل. والمعنى متقارب، والأصل فيه البعد، من شطت الدار: إذا بعدت. قال أبو عمرو: الشطط مجاوزة القدر في كل شيء {وَٱهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاء ٱلصّرٰطِ } سواء الصراط: وسطه. والمعنى: أرشدنا إلى الحق، واحملنا عليه. ثم لما أخبراه عن الخصومة إجمالاً شرعاً في تفصيلهما، وشرحها، فقالا: {إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً } المراد بالأخوة هنا: أخوة الدين، أو الصحبة، والنعجة هي: الأنثى من الضأن، وقد يقال لبقر الوحش: نعجة {وَلِى نَعْجَةٌ وٰحِدَةٌ } قال الواحدي: النعجة البقرة الوحشية، والعرب تكني عن المرأة بها، وتشبه النساء بالنعاج من البقر. قرأ الجمهور: {تِسْعٌ وَتِسْعُونَ } بكسر التاء الفوقية. وقرأ الحسن، وزيد بن علي بفتحها. قال النحاس: وهي: لغة شاذة، وإنما عنى بـ {هذا}: داود؛ لأنه كان له تسع وتسعون امرأة، وعنى بقوله: {ولي نعجة واحدة} (أوريا) زوج المرأة التي أراد أن يتزوجها داود كما سيأتي بيان ذلك {فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا } أي: ضمها إليّ، وانزل لي عنها حتى أكفلها، وأصير بعلاً لها. قال ابن كيسان: اجعلها كفلي، ونصيبي {وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ } أي: غلبني، يقال: عزه يعزه عزاً: إذا غلبه. وفي المثل «من عزَّ بزَّ» أي: من غلب سلب، والاسم العزة: وهي: القوة. قال عطاء: المعنى: إن تكلم كان أفصح مني. وقرأ ابن مسعود، وعبيد بن عمير: (وعازني في الخطاب) أي: غالبني من المعازة، وهي: المغالبة {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ } أي: بسؤاله نعجتك؛ ليضمها إلى نعاجه التسع والتسعين إن كان الأمر على ما تقول، واللام هي: الموطئة للقسم، وهي وما بعدها جواب للقسم المقدر. وجاء بالقسم في كلامه مبالغة في إنكار ما سمعه من طلب صاحب التسع والتسعين النعجة أن يضم إليه النعجة الواحدة التي مع صاحبه، ولم يكن معه غيرها. ويمكن أنه إنما قال بهذا بعد أن سمع الاعتراف من الآخر. قال النحاس: ويقال: إن خطيئة داود هي: قوله: {لَقَدْ ظَلَمَكَ }؛ لأنه قال ذلك قبل أن يتثبت {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلْخُلَطَاء } وهم: الشركاء، واحدهم خليط: وهو المخالط في المال {لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } أي: يتعدى بعضهم على بعض، ويظلمه غير مراع لحقه {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ }، فإنهم يتحامون ذلك، ولا يظلمون خليطاً، ولا غيره {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } أي: وقليل هم، و"ما" زائدة للتوكيد، والتعجيب. وقيل: هي موصولة، و{هم} مبتدأ، و{قليل} خبره {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ }، قال أبو عمرو، والفراء: ظن يعني: أيقن. ومعنى {فَتَنَّـٰهُ }: ابتليناه، والمعنى: أنه عند أن تخاصما إليه، وقال ما قال علم عند ذلك أنه المراد، وأن مقصودهما التعريض به وبصاحبه الذي أراد أن ينزل له عن امرأته. قال الواحدي: قال المفسرون: فلما قضى بينهما داود نظر أحدهما إلى صاحبه، فضحك، فعند ذلك علم داود بما أراده. قرأ الجمهور: {فتناه} بالتخفيف للتاء، وتشديد النون. وقرأ عمر بن الخطاب، والحسن، وأبو رجاء بالتشديد للتاء، والنون، وهي: مبالغة في الفتنة. وقرأ الضحاك: "افتناه"، وقرأ قتادة، وعبيد بن عمير، وابن السميفع: "فتناه" بتخفيفهما، وإسناد الفعل إلى الملكين، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ } لذنبه {وَخَرَّ رَاكِعاً } أي: ساجداً. وعبر بالركوع عن السجود، قال ابن العربي: لا خلاف بين العلماء أن المراد بالركوع هنا السجود، فإن السجود هو: الميل، والركوع هو: الانحناء، وأحدهما يدخل في الآخر، ولكنه قد يختص كل واحد منهما بهيئة. ثم جاء في هذا على تسمية أحدهما بالآخر. وقيل: المعنى للسجود راكعاً، أي: مصلياً. وقيل: بل كان ركوعهم سجوداً. وقيل: بل كان سجودهم ركوعاً {وَأَنَابَ } أي: رجع إلى الله بالتوبة من ذنبه. وقد اختلف المفسرون في ذنب داود الذي استغفر له، وتاب عنه على أقوال: الأول: أنه نظر إلى امرأة الرجل التي أراد أن تكون زوجة له، كذا قال سعيد بن جبير، وغيره. قال الزجاج: ولم يتعمد داود النظر إلى المرأة لكنه عاود النظر إليها، وصارت الأولى له، والثانية عليه. القول الثاني: أنه أرسل زوجها في جملة الغزاة. الثالث: أنه نوى إن مات زوجها أن يتزوجها. الرابع: أن أوريا كان خطب تلك المرأة، فلما غاب خطبها داود، فزوّجت منه لجلالته، فاغتم لذلك أوريا، فعتب الله عليه حيث لم يتركها لخاطبها. الخامس: أنه لم يجزع على قتل أوريا كما كان يجزع على من هلك من الجند، ثم تزوج امرأته، فعاتبه الله على ذلك، لأن ذنوب الأنبياء، وإن صغرت، فهي عظيمة. السادس: أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر كما قدمنا. وأقول: الظاهر من الخصومة التي وقعت بين الملكين تعريضاً لداود عليه السلام: أنه طلب من زوج المرأة الواحدة أن ينزل له عنها، ويضمها إلى نسائه، و لاينافي هذا العصمة الكائنة للأنبياء، فقد نبهه الله على ذلك، وعرض له بإرسال ملائكته إليه، ليتخاصموا في مثل قصته حتى يستغفر لذنبه، ويتوب منه، فاستغفر وتاب. وقد قال سبحانه: {أية : وَعَصَىٰ ءادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } تفسير : [طه: 121] وهو أبو البشر، وأوّل الأنبياء، ووقع لغيره من الأنبياء ما قصه الله علينا في كتابه. ثم أخبر سبحانه: أنه قبل استغفاره، وتوبته قال: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذٰلِكَ } أي: ذلك الذنب الذي استغفر منه. قال عطاء الخراساني، وغيره: إن داود بقي ساجداً أربعين يوماً حتى نبت الرعي حول وجهه، وغمر رأسه. قال ابن الأنباري: الوقف على قوله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذٰلِكَ } تامّ، ثم يبتدىء الكلام بقوله: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ} الزلفى: القربة، والكرامة بعد المغفرة لذنبه. قال مجاهد: الزلفى: الدنوّ من الله عزّ وجلّ يوم القيامة، والمراد بحسن المآب: حسن المرجع، وهو: الجنة. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } قال: من رجعة. {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا } قال: سألوا الله أن يعجل لهم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الزبير ابن عدي عنه: {عَجّل لَّنَا قِطَّنَا } قال: نصيبنا من الجنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله: {ذَا ٱلأيْدِ } قال: القوّة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: الأوّاب: المسبح. وأخرج الديلمي عن مجاهد قال: سألت ابن عمر عن الأوّاب، فقال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فقال: "هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر الله". وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس قال: الأوّاب: الموقن. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن عطاء الخراساني عنه قال: لم يزل في نفسي من صلاة الضحى حتى قرأت هذه الآية: {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبّحْنَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإشْرَاقِ }. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عنه أيضاً قال: لقد أتى عليّ زمان، وما أدري وجه هذه الآية {يُسَبّحْنَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإشْرَاقِ } حتى رأيت الناس يصلون الضحى. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عنه قال: كنت أمرّ بهذه الآية {يُسَبّحْنَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإشْرَاقِ } فما أدري ما هي؟ حتى حدَّثتني أمّ هانىء بنت أبي طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الفتح، فدعا بوضوء، فتوضأ، ثم صلى الضحى، ثم قال: حديث : يا أمّ هانىء هذه صلاة الإشراق»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن مردويه من وجه آخر عنه نحوه. والأحاديث في صلاة الضحى كثيرة جدًّا قد ذكرناها في شرحنا للمنتقى. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: استعدى رجل من بني إسرائيل عند داود على رجل من عظمائهم، فقال: إن هذا غصبني بقراً لي، فسأل داود الرجل عن ذلك، فجحده، فسأل الآخر البينة، فلم يكن له بينة، فقال لهما داود: قوماً حتى أنظر في أمركما، فقاما من عنده، فأتى داود في منامه فقيل له: اقتل الرجل الذي استعدى، فقال: إن هذه رؤيا، ولست أعجل حتى أتثبت، فأتى الليلة الثانية في منامه، فأمر أن يقتل الرجل، فلم يفعل، ثم أتى الليلة الثالثة، فقيل له: اقتل الرجل، أو تأتيك العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل، فقال: إن الله أمرني أن أقتلك، قال: تقتلني بغير بينة، ولا تثبت؟ قال: نعم، والله لأنفذنّ أمر الله فيك، فقال الرجل: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أخذت بهذا الذنب، ولكني كنت اغتلت والد هذا، فقتلته، فبذلك أخذت، فأمر به داود، فقتل، فاشتدّت هيبته في بني إسرائيل، وشدّد به ملكه، فهو قول الله: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ} قال: أعطي الفهم. وأخرج ابن أبي حاتم، والديلمي عن أبي موسى الأشعري قال: أوّل من قال: أما بعد داود عليه السلام وهو {فَصْلٌ ٱلْخِطَابِ }. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن الشعبي: أنه سمع زياد بن أبيه يقول: فصل الخطاب الذي أوتي داود: أما بعد. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن داود حدّث نفسه إذا ابتلي أنه يعتصم، فقيل له: إنك ستبتلى، وستعلم اليوم الذي تبتلي فيه، فخذ حذرك، فقيل له: هذا اليوم الذي تبتلي فيه، فأخذ الزبور، ودخل المحراب، وأغلق باب المحراب، وأخذ الزبور في حجره، وأقعد منصفاً يعني: خادماً على الباب، وقال: لا تأذن لأحد عليّ اليوم، فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر مذهب كأحسن ما يكون للطير فيه من كل لون، فجعل يدور بين يديه، فدنا منه، فأمكن أن يأخذه، فتناوله بيده؛ ليأخذه، فاستوفز من خلفه، فأطبق الزبور، وقام إليه، ليأخذه، فطار، فوقع على كوّة المحراب، فدنا منه؛ ليأخذه، فأفضى، فوقع على خصّ، فأشرف عليه لينظر أين وقع؟ فإذا هو بامرأة عند بركتها تغتسل من الحيض، فلما رأت ظله حركت رأسها، فغطت جسدها أجمع بشعرها، وكان زوجها غازياً في سبيل الله، فكتب داود إلى رأس الغزاة: انظر أوريا، فاجعله في حملة التابوت، وكان حملة التابوت إما أن يفتح عليهم، وإما أن يقتلوا، فقدّمه في حملة التابوت، فقتل، فلما انقضت عدّتها خطبها داود، فاشترطت عليه إن ولدت غلاماً أن يكون الخليفة من بعده، وأشهدت عليه خمسين من بني إسرائيل، وكتب عليه بذلك كتاباً، فما شعر بفتنته أنه افتتن حتى ولدت سليمان، وشب، فتسوّر عليه الملكان المحراب، وكان شأنهما ما قصّ الله في كتابه، وخرّ داود ساجداً، فغفر الله له، وتاب عليه. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب قال: ما أصاب داود بعد ما أصابه بعد القدر إلا من عجب عجب بنفسه، وذلك أنه قال: يا ربّ ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا وعابد من آل داود يعبدك يصلي لك، أو يسبح، أو يكبر، وذكر أشياء، فكره الله ذلك، فقال: يا داود إن ذلك لم يكن إلا بي، فلولا عوني ما قويت عليه، وعزّتي وجلالي لأكلنك إلى نفسك يوماً، قال: يا ربّ فأخبرني به، فأخبر به، فأصابته الفتنة ذلك اليوم. وأخرج أصل القصة الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أنس مرفوعاً بإسناد ضعيف. وأخرجها ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس مطوّلة. وأخرجها جماعة عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: {إِنَّ هَذَا أَخِى } قال: على ديني. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وأحمد في الزهد، وابن جرير، والطبراني عنه قال: ما زاد داود على أن قال {أَكْفِلْنِيهَا }. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَكْفِلْنِيهَا } قال: ما زاد داود على أن قال: تحوّل لي عنها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } يقول: قليل الذي هم فيه، وفي قوله: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ } قال: اختبرناه. وأخرج أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عنه أيضاً: أنه قال في السجود في {صۤ}: ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. وأخرج النسائي، وابن مردويه بسند جيد عنه أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في {صۤ}، وقال: «حديث : سجدها داود، ونسجدها شكراً»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في {صۤ}. وأخرج ابن مردويه عن أنس مثله مرفوعاً. وأخرج الدارمي، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن أبي سعيد قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على المنبر {صۤ}، فلما بلغ السجدة نزل، فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تهيأ الناس للسجود، فقال: إنما هي توبة، ولكني رأيتكم تهيأتم للسجود، فنزل، فسجد. وأخرج ابن مردويه، عن عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر يوم القيامة، فعظم شأنه، وشدّته قال: «حديث : ويقول الرحمٰن عزّ وجلّ لداود عليه السلام: مرّ بين يديّ، فيقول داود: يا ربّ أخاف أن تدحضني خطيئتي، فيقول: خذ بقدمي، فيأخذ بقدمه عزّ وجلّ، فيمرّ»تفسير : ، قال: «حديث : فتلك الزلفى التي قال الله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذٰلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ}».
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {كذبت قبلهم قوم نوح} ذكر الله عز وجل القوم بلفظ التأنيث، واختلف أهل العربية في تأنيثه على قولين: أحدهما: أنه قد يجوز فيه التأنيث والتذكير. الثاني: أنه مذكر اللفظ لا يجوز تأنيثه إلا أن يقع المعنى على العشيرة فيغلب في اللفظ حكم المعنى المضمر تنبيهاً عليه كقوله تعالى {كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره} ولم يقل ذكرها لأنه لما كان المضمر فيه مذكوراً ذكره وإن كان اللفظ مقتضياً للتأنيث. {وعادٌ} وهم قوم هود كانوا بالأحقاف من أرض اليمن، قال ابن اسحاق: كانوا أصحاب أصنام يعبدونها، وكانت ثلاثة يقال لأحدها هدر وللآخر صمور للآخر الهنا، فأمرهم هود أن يوحدوا الله سبحانه ولا يجعلوا معه إِلهاً غيره ويكفوا عن ظلم الناس ولم يأمرهم إلا بذلك. {وفرعون ذُو الأوتاد} وفي تسميته بذي الأوتاد أربعة أقاويل: أحدها: أنه كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتاداً، قاله الضحاك. الثاني: أنه كانت له ملاعب من أوتاد يلعب عليها، قاله ابن عباس وقتادة. الثالث: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قاله السدي. والرابع: أنه يريد ثابت الملك شديد القوة كثبوت ما يشج بالأوتاد كما قال الأسود بن يعفر: شعر : ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد تفسير : {وثمود} وهم عرب وحكى مقاتل أن عاداً وثمود أبناء عم، وكانت منازل ثمود بالحجر بين الحجاز والشام منها وادي القرى، بعث الله إليهم صالحاً، واختلف في إيمانهم به، فذكر ابن عباس أنهم آمنوا ثم مات فرجعوا بعده عن الإيمان فأحياه الله تعالى وبعثه إليهم وأعلمهم أنه صالح فكذبوه وقالوا قد مات صالح فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين فأتاهم الله الناقة، فكفروا وعقروها، فأهلكهم الله. وقال ابن إسحاق: إن الله بعث صالحاً شاباً فدعاهم حتى صار شيخاً، فقروا الناقة ولم يؤمنوا حتى هلكوا. {وقوم لوط} لم يؤمنوا حتى أهلكهم الله تعالى. قال مجاهد: وكانوا أربعمائة ألف بيت في كل بيت عشرة. وقال عطاء ما من أحد من الأنبياء إلا يقوم معه يوم القيامة قوم من أمته إلا آل لوط فإنه يقوم القيامة وحده. {وأصحاب الأيكة} بعث الله إليهم شعيباً. وفي {الأيكة} قولان: أحدهما: أنها الغيضة، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الملتف من النبع والسدر قاله أبو عمرو بن العلاء. قال قتادة: بعث شعيب إلى أمتين من الناس إلى أصحاب الإيكة وإلى مدين، وعذبتا بعذابين. {أولئك الأحزاب} يحتمل وجهين: أحدهما: أحزاب على الأنبياء بالعداوة. الثاني: أحزاب الشياطين بالموالاة. قوله عز وجل: {وما ينظر هؤلاء} يعني كفار هذه الأمة. {إلا صيحة واحدة} يعني النفخة الأولى. {ما لها من فواق} قرأ حمزة والكسائي بضم الفاء، والباقون بفتحها، واختلف في الضم والفتح على قولين: أحدهما: أنه بالفتح من الإفاضة وبالضم فُواق الناقة وهو قدر ما بين الحلبتين تقديراً للمدة. الثاني: معناهما واحد، وفي تأويله سبعة أقاويل: أحدها: معناه ما لها من ترداد، قاله ابن عباس. الثاني: ما لها من حبس، قاله حمزة بن إسماعيل. الثالث: من رجوع إلى الدنيا، قاله الحسن وقتادة. الرابع: من رحمة. وروي عن ابن عباس أيضاً. الخامس: ما لها من راحة، حكاه أبان بن تغلب. السادس: ما لها من تأخير لسرعتها قال الكلبي، ومنه قول أبي ذؤيب: شعر : إذا ماتت عن الدنيا حياتي فيا ليت القيامة عن فواق تفسير : السابع: ما لهم بعدها من إقامة، وهو بمعنى قول السدي. قوله عز وجل: {وقالوا ربنا عَجَّل لنا قِطنا...} الآية. فيه خمسة تأويلات: أحدها: معنى ذلك عجل لنا حظنا من الجنة التي وعدتنا، قاله ابن جبير. الثاني: عجل لنا نصيبنا من العذاب الذي وعدتنا استهزاء منهم بذلك، قاله ابن عباس. الثالث: عجل لنا رزقنا، قاله إسماعيل بن أبي خالد. الرابع: أرنا منازلنا، قاله السدي. الخامس: عجل لنا في الدنيا كتابنا في الآخرة وهو قوله {فأما من أوتي كتابه بيمينه... وأما من أوتي كتابه بشماله} استهزاء منهم بذلك. وأصل القط القطع، ومنه قط القلم وقولهم ما رأيته قط أي قطع الدهر بيني وبينه وأطلق على النصيب. والكتاب والرزق لقطعه من غيره إلا أنه في الكتاب أكثر استعمالاً وأقوى حقيقة، قال أمية بن أبي الصلت: شعر : قوم لهم ساحة العراق وما يجبى إليه والقط والقلح تفسير : وفيه لمن قال بهذا قولان: أحدهما أنه ينطلق على كل كتاب يتوثق به. الثاني: أنه مخص بالكتاب الذي فيه عطية وصلة، قاله ابن بحر.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَذَّبَتْ} أنت لأن القوم تذكر وتؤنث، أو هو مذكر اللفظ ولا يجوز تأنيثه إلا أن يقع المعنى على القبيلة والعشيرة. {الأَوْتَادِ} أي الكثير البنيان والبنيان يعبّر عنه بالأوتاد، أو كانت له ملاعب من أوتاد يلعب له عليها "ع"، أو كان يعذب الناس بالأوتاد، أو أراد أن ثبوت ملكه وشدة قوته كثبوت ما شد بالأوتاد.
ابن عادل
تفسير : ثم قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - معزياً له: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ} قال ابن عباس ومحمد بن كعب: ذو البِناء المحكم، وقيل: أراد ذو الملك الشديد الثابت، وقال القتيبيّ: تقول العرب: هم في عِزٍّ ثابت الأوتاد بريدون أنه دائم شديد، وقال الضحاك: ذو القوة البطش، وقال عطية: ذو الجنود والجموع الكثيرة، وسميت الأجناد أوتاداً لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في أسفارهم. وهي رواية عطية العوفي عن ابن عباس يعني أنهم كانوا يقوون أمره ويشدون ملكه كما يقوي الوتد الشيء. وهذه استعارة بليغة حيث شبه الملك ببيت الشَّعر، وبيت الشعر لا يثبت إلا بالأوتاد والأطْنَاب كما قال الأفوه الأودي: شعر : 4253- والْبَيْتُ لاَ يُبْتَنَى إلاَّ عَلَى عُمُدٍ وَلاَ عِمَادَ إذَا لَمْ تُرْسَ أَوْتَادُ تفسير : فاستعير لثبات العز والملك واستقرار الأمر كقول الأسود بن يعفر: شعر : 4254- وَلَقَدْ غَنُوا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشةٍ فِي ظِلّ مُلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ تفسير : والأوتاد جمع وتد فيه لغات: وَتِدٌ بفتح الواو وكسر التاء وهي الفصحى، ووتَدَ بفتحتين، وَوَدٌّ بإدغام التاء في الدال قال: شعر : 4255- تُخْرِجُ الْوَدَّ إذَا ما أَشْجذَتْ وَتُوَارِيه إذَا تَشْتَكِرْ تفسير : ووت بإبدال (الدال) تاء، ثم إدغام التاء فيها، وهذا شاذ؛ لأن الأصل إبدال الأول للثاني لا العكس، وقد تقدم نحوٌ من هذا في آل عمران عند قوله: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [آل عمران:185]. ويقال: وَتِدٌ (وَاتِد) أي قويّ ثابتٌ وهو مثلُ مجازِ قولهم: شُغل شاغِل. أنشد الأصمعي: شعر : 4256- لاَقَتْ (عَلَى) الْمَاءِ جُذَيْلاً واتدا وَلَمْ يَكُنْ يُخْلِفُهَا الْمَوَاعِدَا تفسير : وقيل: الأوتاد هنا حقيقة لا استعارة، (و) قال الكبي ومقاتل: الأوتاد جمع الوَتدِ وكان له أوتاد يعذب الناس عليها فكان إذا غضب على أَحَد مده مستلقياً بين أربعة أوتاد تشدّ كل يد ولك رجل منه إلى سارية ويتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت. وقال مجاهد ومقاتل بن حيَّان كان يمد الرجل مستلقياً على الأرض ثم يشد يديه ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارِبَ والحيَّاتِ. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب عليها بين يديه، ثم قال: {وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ} تقدم الخلاف في الأيكة في سورة الشعراء. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ} يجوز أن تكون مستأنفةً لا محل لها (من الإعراب) وأن تكون خبراً، والمبتدأ قال أبو البقاء (من) قوله: "وعاد" وأن يكون من "ثمود" وأن يكون من قوله "وقوم لوط". قال شهاب الدين: الظاهر عطف (عاد) وما بعدها على "قوم نوح" واستئناف الجملة بعده، وكان يسوغ على ما قاله أبو البقاء أن يكون المبتدأ وحده {وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ }. فصل المعنى أن هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمم هم الذين تحزبوا على أنبيائهم فأهلكناهم وكذلك قومك هم من جنس الأحزاب المتقدمين. وقيل: المعنى أولئك الأحزاب مع كمال قوّتهم لما كان عاقبتهم هي الهلاك والبوار فكيف حال هؤلاء الضعفاء (المساكين)؟ قوله: {إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ} إن نافية ولا عمل لها هنا البتة ولو على لغة من قال: شعر : 4257- إنْ هُوَ مُسْتَوْلِياً عَلَى أَحَدٍ ..................... تفسير : وعلى قراءة: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَاداً} [الأعراف:194] لانتقاض النفي بـ "إلاّ" فإن انتقاضه مع الأصل وهي "ما" مبطل فكيف بفرعها؟ وقد تقدم أنه يجوز أن تكون جواباً للقسم. فصل المعنى كل هذه الطوائف لما كذبوا أنبياءهم في الترغيب والترهيب لا جرم نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين، والمقصود منه زجر السامعين. ثم بين تعالى أن هؤلاء المكذبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم {وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ} أي وما ينتظر هؤلاء يعني كفار مكة {إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً} وهي نفخة الصور الأولى كقوله: {أية : مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [يس:49-50] والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا فَهو معدٌّ لهم يوم القيامة فجعلهم منتظرين لها على معنى قربها منهم كالرجل الذي ينتظر الشيء فهو ماد الطَّرْف إليه يقطع كل ساعة في حضوره. وقيل: المراد بالصيحة عذاب يفجأُهُمْ ويجيئهم دَفْعةً واحدة كما يقال: صَاحَ الزمانُ بهم إذَا هَلَكُوا (قال): شعر : 4658- صَاحَ الزَّمَانُ بآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً خَرُّوا لِشِدَّتِهَا عَلَى الأَذْقَانِ تفسير : ونطيره قوله تعالى: {أية : فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ } تفسير : [يونس:102]. قوله: {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} يجوز أن يكون "لها" رافعاً "لِمنْ فَوَاقٍ" بالفاعلية؛ لاعتماده على النفي، وأن يكون جملة من مبتدأ وخبر وعلى التقديرين فالجملة المنفية في محل نصب صفة "لصَيْحَة" و "من" مزيدة. وقرأ الأخوان: "فُوَاق" بضم الفاء، والباقون بفَتْحها، قال الكسائيُّ والفراءُ وأبو عبيدة: هما لغتان وهما الزمان الذي بين حَلْبَتَي الحَالِبِ، ورَضْعَتَي الرَّاضع، والمعنى ما لها من توقف قدر فواق ناقة. وفي الحديث: "حديث : العِيادَةُ قَدْر فَوَاق نَاقَةٍ" تفسير : . وهذا في المعنى كقوله: {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً} تفسير : [الأعراف:34]. وقال ابن عباس: ما لها من رُجُوع من أفاقَ المريضُ إذا رجع إلى صحته وإفاقة الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يقال: أَفَاقَتِ النَّاقَةُ تُفِيقُ إفاقةً رَجَعَت الفِيقَةُ في ضَرعها، والفِيقةُ اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، ويجمع على أفواق وأما أفاويق فجمع الجمع، ويقال: ناقة مُفِيقٌ ومُفِيقَةٌ. وقال الفراء وأبو عُبَيْدَة ومؤرّج السّدوسيّ: الفواق بالفتح الإفاقة والاسْتِراحة كالجواب من الإجابة وهو قول ابن زيدٍ والسُّدِّيِّ. وأما المضموم فاسم لا مصدر أي اسم لما بين الحَلْبَتَيْن، والمشهور أنهما بمعنى واحد كقَصَاصِ الشّعر وقُصاصِهِ وجَمَام المَكُول وجُمَامِهِ، فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم. قال الواحدي: الفَوَاق والفُواق اسمان من الإفاقة. والإفاقة معناها الرجوع والسكون كما في إفاقة المريض إلا أن الفَوَاق بالفتح يجوز أن يُقَام المصدر، والفُواق بالضم اسم لذلك الزمان، الذي يعود فيه اللبن، وروى الواحدي في البسيط عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في هذه الآية: يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ نفخة الفزع قال: فَيمدّها ويطولها وهي التي يقول ما لها من فواق، ثم قال الواحدي: وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: ما لها من سكون. الثاني: ما لها من رجوع والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون ويقال لكل من بقي على حالة واحدة بأنه لايُفيقُ منه ولاَ يَسْتَفيقُ. قوله: "قطنا" أن نَصِيبَنَا وحَظَّنَا، وأصله من قَطَّ الشيءَ أي قَطَعَهُ، ومنه قَطّ القلم والمعنى قطعه مما وعدتنا به ولهذا يطلق على الصحيفة والصك قِطّ، لأنهما قطعتان يقطعان، ويقال للجائزة أيضاً قِطّ لأنها قطعة من العطية، قال الأعشى: شعر : 4259- وَلاَ الْمَلِكُ النُّعْمَان يَوْمَ لَقِيتُهُ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ وَيَأفِقُ تفسير : وأكثر استعماله في الكتاب، قال أمية بن أبي الصّلت: شعر : 4260- قَوْمٌ لَهُمْ سَاحَةُ أَرْضِ العِرَاقِ وَمَا يُجْبَى إلَيْهِمْ بِهَا وَالقِطُّ وَالْقَلَم تفسير : ويجمع على قُطُوط كما تقدم، وعلى قِطَطَةٍ نحو: قِرْد وقِرَدَةٍ وقُرُود، وفي القلة على أَقِطَّةٍ وأَقْطَاطٍ كقِدْح وأَقْدِحَةٍ وأَقْدَاحٍ، إلا أن أفْعِلَةً في فِعْلٍ شاذ. فصل قال سعيد بن جبير عن ابن عباس يعني كتابنا. والقِطّ: الصحيفة أحصت كل شيء، قال الكلبي: لما نزل قوله في الحاقة: {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}تفسير : [الحاقة:19] {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} تفسير : [الحاقة:25] قالوا استهزاء: عجل لنا كتابنا في الدنيا قبل يوم الحساب، وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: عين عقوبتنا ونصيبنا من العذاب قال عطاء: قاله النَّضْر بن الحَرث وهو قوله: {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنفال:32] وعن مجاهد قطنا: حسابنا يقال للكتاب قط. قال أبو عبيدة والكسائي: القط الكتابة بالجوائز. واعلم أن القوم تعجبوا من أمور ثلاثة، أولها: من أمر النبوات وإثباتها فقال: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ". وثانيها: تعجبهم من الإليهات فقالوا: أَجَعَلَ الآلهةَ إلهاً وَاحِداً. وثالثها: تعجبهم من المعاد والحشر والنشر فقالوا: {رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ}، قالوا ذلك استهزاء فأمره الله تعالى بالصبر على سفاهتهم فقال: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ}. فإن قيل: أي تعلق بين قوله: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} وبين قوله {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ}؟ فالجواب: هذا التعلق من وجوه: الأول: كأنه قيل: إن كنت شاهدت من هؤلاء الجُهّال جَرَاءتَهم على الله وإنكارَهم الحَشْرَ والنشرَ فاذكر قصة داود حتى تعرف شدة خوفه من الله تعالى ومن يوم الحشر فإن بقَدْرِ ما يَزْدَادُ أحدُ الضِّدين شرفاً يزداد (الضّدّ) الآخر نقصاناً. الثاني: كأنه قيل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - (لا) تضيق صدرك بسبب إنكارهم لقولك ودينك فإنهم وإن خالفوك فالأكابر من الأنبياء وافقوك. الثالث: أن للناس في قصة داود قولان: منهم من قال: إنها تدل على دِينه، ومنهم من قال إنها لا تدل عليه فمن قال بالأول كان وجه المناسبة فيه كأنه قيل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - إنّ حزنك ليس إلا لأن الكفار كذبوك، وأما حزن داود فكان بسبب وقوع ذلك الذنب، ولا شك أن حزنه أشد فتأمل في قصة داود وما كان فيه من الحزن. ومن قال بالثاني قال الخَصْمَان اللذان دخلا على دَاوُدَ كَانَا من البشر وإنما دخلا عليه لقصد قتله، فخاف منهما داودُ ومع ذلك فلم يتعرض لإيذائهما ولا دعا عليهما بسُوء بل اسْتَغْفَر لهم على (ما سيجيء تقرير هذه الطريقة)، فلا جَرَمَ أمر الله تعالى محمداً - صلى الله عليه وسلم - بأن يقتدي به في حسن الخلق. الرابع: أن قريشاً إنما كذبوا محمداً - صلى الله عليه وسلم - واستخفوا به لقولهم: إنه يتيم فقير، ثم إنه تعالى قصَّ على محمد - صلى الله عليه وسلم - ما كان في مَمْلَكَةِ داود، ثم بين بعد ذلك أنه ما سلم من الأحزان والغموم ليَعْلم أن الخَلاص من الحزن لاسبيل إليه في الدنيا. الخامس: قوله تعالى: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} ولم يقتصر على قصة داود بل ذكر عقيبَ قصة داود قصص أنبياء كثيرة فكأنه تعالى قال: فاصبر على ما يقولون واعتبر بحال سائر الأنبياء ليُعْلِمَهُ أن كل واحد منهم كان مشغولاً بهَمٍّ خاص وحزن خاص فيعلم حنيئذ أن لا انفكاك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجة العالية عند الله لا تحصل إلى بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا. قال ابن الخطيب: وههنا وجه آخر قويٌّ وأحسن من كل هذه الوجوه وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى عند الانتهاء إلى تفسير قوله: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} تفسير : الآية [ص:29]. قوله: "دَاوُودَ" بدل أو عطف بيان، أو منصوب بإضمار أعْنِي و "ذَا الأَيْدِ" نعت له، والأيد القوة، قال ابن عباس: أي القوة في العبادة، وقيل: القوة في المِلك، واعلم أن قوله: "عَبْدَنَا دَاوُودَ" فوصفه بكونه عبداً له. وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم وذلك يدل على غاية التشريف ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يشرف محمداً - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج، قال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} تفسير : [الإسراء:1] وأيضاً فإن وصف الأنبياء بالعبودية مُشْعِرٌ بأنهم قد حصلوا معنى العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة والمراد بالأيد القوة في الطاعة والاحتراز عن المعاصي لأن مدحه بالقوة يوجب أن تكون تلك القوة موجبة للمدح العظيم وليست إلا القوة على فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، والأيد المذكورة ههنا كالقوة المذكورة في قوله: {أية : يَٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} تفسير : [مريم:12] وقوله: {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} تفسير : [الأعراف:145] أي باجتهاد وتشدد في القيام بالدعوة وترك إظهار الوهن والضعف، والأيد (و) القوة سواء، ومنه قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} تفسير : [الأنفال:62] وقوله: {أية : وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} تفسير : [البقرة: 87] (وقوله): {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيْدٍ} تفسير : [الذاريات:47] وقال عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : أحَبُّ الصِّيَام إلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ (الصَّلاَة و) السَّلام وأَحَبُّ الصَّلاَة إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَلاَةُ دَاوُدَ كَان يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ ". تفسير : قوله: "إِنَّهُ أَوَّابٌ" أي رجاع إلى الله عزّ وجلّ بالتوبة عل كل ما يكره، والأَوَّابُ فعَّالٌ من آبَ يَؤُوبُ إذا رَجَعَ قال تعالى: {أية : إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ} تفسير : [الغاشية:25] وهذا بناء مبالغة كما يقال: قَتّال وضَرَّاب وهو أبلغ من قَاتِل وضارب، وقال ابن عباس: مطيع، وقال سعيد من جبير: مسبِّح بلغة الحبشة.
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ} الخ استئناف مقررٌ لمضمون ما قبله ببـيانِ أحوالِ العُتاةِ الطُّغاةِ الذين هؤلاءِ جندٌ ما جنودهم ممَّا فعلوا من التَّكذيبِ وفعل بهم من العقابِ. وذُو الأوتادِ معناه ذُو المُلك الثَّابتَ أصلُه من ثبات البـيت المطنَّبِ بأوتادِه فاستُعير لثبات الملكِ ورسوخِ السَّلطنةِ واستقامةِ الأمرِ. قال الأسودُ بن يَعْفُر: [الكامل] شعر : وَلَقَد غَنُوا فيها بأَنْعمِ عِيْشة فِي ظِلِّ مُلْكٍ ثَابتِ الأَوْتَادِ تفسير : أو ذُو الجموع الكثيرةِ وسُمُّوا بذلك لأنَّ بعضَهم يشدُّ بعضاً كالوتدِ يشدُّ البناءَ وقيل: نصبَ أربعَ سوار وكان يمدُّ يَدَيْ المعذَّبِ ورجليه إليه ويضربُ عليها أوتاداً ويتركُه حتَّى يموتَ. وقيل: كان يمدُّه بـين أربعةِ أوتادٍ في الأرض ويرسلُ عليه العقاربَ والحيَّاتِ. وقيل: كانت له أوتادٌ وحبالٌ يلعب بها بـين يديِه {وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ} أصحابُ الغَيضةِ من قومِ شُعيبِ عليه السَّلامُ وقوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ ٱلأَحْزَابُ} إمَّا بدلٌ من الطَّوائفِ المذكورة كما أنَّ ذلك الكتابُ بدلٌ من ألم على أحدِ الوجوه وفيه فضلُ تأكيدٍ وتنبـيهٌ على أنَّهم الذين جُعل الجندُ المهزومُ منهم وقوله تعالى: {إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ} استئنافٌ جيء به تقريراً لتكذيبِهم وبـياناً لكيفَّيتِه وتمهيداً لما يعقُبه أي ما كلُّ أحدٍ من آحادِ أولئكَ الأحزابِ أو ما كلُّ حزبٍ منُهم إلا كذَّبَ الرُّسلَ لأنَّ تكذيبَ واحد منهم تكذيبٌ لهم جميعاً لاتِّفاقِ الكلِّ على الحقِّ. وقيل ما كلُّ حزبٍ إلاَّ كذَّب رسولَه على نهجِ مقابلةِ الجمعِ بالجمعِ، وأيَّاً ما كان فالاستثناءُ مفرَّغٌ من أعمِّ العام في خبر المبتدأ، أي ما كلُّ أحدٍ منهم محكوماً عليه بحكم إلا محكومٌ عليه بأنه كذَّب الرُّسلَ وقيل ما كلُّ واحدٍ منهم مُخبَراً عنه بخبرٍ إلا مخَبرٌ عنه بأنَّه كذَّب الرُّسلَ وفي إسناد التَّكذيبِ إلى الطَّوائفِ المذكُورةِ على وجهِ الإبهامِ أوَّلاً والإيذانِ بأنَّ كُلاَّ منهم حزبٌ على حيالِه تحزَّب على رسولِه ثانياً وتبـيـينِ كيفيةِ تكذيبِهم بالجملةِ الاستثنائيةِ ثالثاً فنونٌ من المبالغة مسجَّلةٌ عليهم باستحقاقِ أشدِّ العذابِ وأفظعِه ولذلك رُتِّب عليه قولُه تعالى: {فَحَقَّ عِقَابِ} أي ثبتَ ووقعَ على كلَ منُهم عقابـي الذي كانتْ تُوجبه جناياتُهم من أصنافِ العقوباتِ المفصَّلةِ في مواقَعِها وإما مبتدأٌ. وقوله تعالى: {أية : إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ} تفسير : [سورة ص: الآية 14] خبرُه بحذفِ العائدِ أي إنْ كلٌّ منهم الخ والجملةُ استئنافٌ مقررٌ لما قبله مؤكِّدٌ لمضمونِه مع ما فيه من بـيانِ كيفيةِ تكذيبهم والتَّنبـيهِ على أنَّهم الذين جُعل الجندُ المهزومُ منهم كما ذُكر وقيل: هو مبتدأٌ وخبرٌ، والمَعنْى أنَّ الأحزابَ الذين جُعل الجندُ المهزومُ منهم هُم هُم وأنَّهم الذينُ وجد منهم التَّكذيبُ فتدبَّر. وأمَّا ما قيل مِن أنَّه خبرٌ والمبتدأُ قوله تعالى: {وَعَادٌ} الخ أو قوله: {أية : وَقَوْمُ لُوطٍ} تفسير : [سورة الحج: الآية 43] الخ فممَّا يجب تنزيُه ساحةِ التَّنزيلِ عن أمثالِه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ...} الآيات. ذَكَرَ هؤلاء الأقوام في هذا الموضع على الجمع، وفي غير هذا الموضع على الإفراد، وفي كل موضع فائدة زائدة في الفصاحة والإفادة بكل وجه. ثم قال: {إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ}. أي ما كان منهم أحدٌ إلاَّ كَذَّبَ الرسلَ فحقَّت العقوبةُ عليه، واستوجَبَ العذابَ. ثم قال: {وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ}. أي ليسوا ينتظرون إلا القيامة، وما هي إلا صيحة واحدة، وإذا قامت فإنها لا تسكن.
اسماعيل حقي
تفسير : {كذبت قبلهم} اى قبل قومك يا محمد وهم قريش {قوم نوح} اى كذبوا نوحا وقد دعاهم الى الله وتوحيده الف سنة الا خمسين عاما {وعاد} قوم هود {وفرعون} موسى عليه السلام {ذو الاوتاد} جمع وتد محركة وبكسر التاء وهو ما غرز فى الارض او الحائط من خشب: وبالفارسية [ميخ] اى ذو الملك الثابت لانه استقام له الامر اربعمائة سنة من غير منازع واصله ان يستعمل فى ثبات الخيمة بان يشد اطنابها على اوتاد مركوزة فى الارض فان اطنابها اذاشتدت عليها كانت ثابتة فلا تلقيها الريح على الارض ولا تؤثر فيها ثم استعير لثبات الملك ورسوخ السلطنة واستقامة الامر بان شبه ملك فرعون بالبيت المطنب استعارة بالكناية واثبت له لوازم المشبه به وهو الثبات بالاوتاد تخييلا. وجه تخصيص هذه الاستعارة ان اكثر بيوت العرب كانت خياما وثباتها بالاوتاد ويجوز ان يكون المعنى ذو الجموع الكثيرة سموا بذلك لانهم يشدون البلاد والملك ويشد بعضهم بعضا كالوتد يشد البناء والخباء فتكون الاوتاد استعارة تصريحية وفى الحديث "حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" تفسير : اى لا يتقوى فى امر دينه ودنياه الا بمعونة اخيه كما ان بعض البناء يتقوى ببعضه ويكفى دليلا على كثرة جموع فرعون انه قال فى حق بنى اسرائيل ان هؤلاء لشرذمة قليلون مع انهم كانوا ينيفون على ستمائة الف مقاتل سوى الصغير والشيخ. ويجوز ان يكون الاوتاد حقيقة لا استعارة فانه على ما روى كانت له اوتاد من حديد يعذب الناس عليها فكان اذا غضب على احد مده مستلقيا بين اربعة اوتاد وشد كل يد وكل رجل منه الى سارية وكان كذلك فى الهواء بين السماء والارض حتى يموت او كان يمد الرجل مستلقيا على الارض ثم يشد يديه ورجليه ورأسه على الارض بالاوتاد. يقول الفقير هذه الرواية هى الانسب لما ذكروه فى قصة آسية امرأة فرعون فى سورة التحريم من انها لما آمنت بموسى اوتد لها فرعون باوتاد فى يديها ورجليها كما سيجىء
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {كذَّبت قبلهم} أي: قبل أهل مكة {قومُ نوح} نوحاً، {وعادٌ} هوداً {وفرعونُ} موسى، {ذو الأوتاد}، قيل: كانت له أربعة أوتاد وحبال يلعب بها أو عليها بين يديه، وقيل: كان يوتّد مَن يعذب بأربعة أوتاد في يديه ورجليه، ويتركه حتى يموت. وقيل: كان يرسل عليه عقارب وحيّات. وقيل: معناه: ذو المُلك الثابت، من: ثبات البيت المُطَنَّب بأوتاده، فاستعير لرسوخ السلطنة، واستقامة الأمر، كقول الشاعر: شعر : ولقد غَنَوا فيها بأَنْعَمِ عيشةٍ في ظلِّ مُلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ تفسير : {وثمودُ} وهم قوم صالح، {وقومُ لوط} كذَّبوا لوطاً، {وأصحابُ الأيكةِ}؛ أصحاب الغيضة كذَّبوا شُعيباً عليه السلام، {أولئك الأحزابُ}: بدلٌ من الطوائف المذكورة. وفيه فضل تأكيد وتمهيد لما يعقبه، وأراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هؤلاء الطوائف، وأنهم الذين وجد منهم التكذيب، ولذلك قال: {إِن كلٌّ إِلا كذَّب الرسلَ} أي: ما كل أحد من آحاد أولئك الأحزاب، أو: ما كل حزب منهم إلا كذّب الرسل؛ لأن تكذيب واحد منهم تكذيب لجميعهم؛ لاتفاق الكل على الحق، أو: ما كل حزب إلا كذَّب رسوله، على نهج مقابل الجمع بالجمع. وأيًّا ما كان فالاستثناء مفرغ من أعم [العلل] في خبر المبتدأ، أي: ما كل أحد منهم محكوم عليه بحكم إلا أنه كذب الرسل، {فحقَّ عقاب} أي: فوجب لذلك أن أُعاقبهم حق العقاب، التي كانت توجبه جناياتهم من أصناف العقوبات. {وما ينظر هؤلاء} أي: وما ينتظر أهل مكة. وفي الإشارة إليهم بهؤلاء؛ تحقير لشأنهم، وتهوين لأمرهم، أي: وما ينتظر هؤلاء الكفرة الذين هم أمثال أولئك الطوائف المهلكة في الكفر والتكذيب، {إِلا صيحةً واحدة} وهي النفخة الثانية؛ لما فيها من الشدة والهول، فإنها داهية، يعم هولها جميع الأمم، برَّها وفاجرها. والمعنى: أنه ليس بينهم وبين حلول ما أعدّ الله لهم من العقاب إلا نفخة البعث، أُخرت عقوبتهم إلى الآخرة؛ لأن حلولها بهم في الدنيا يوجب الاستئصال، وقد قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال: 33] فأخرت ليوم القيامة. وأما ما قيل من أنها النفخة الأولى فمما لا وجه له؛ لأنه لا يشاهد هولَها، ولا يصعَق بها إلا مَن كان حيًّا عند وقوعها. قاله أبو السعود. {ما لها من فَوَاقٍ} أي: مِن توقُّف مقدار فواق، هو ما بين حلبتي الحالب، أي: إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان. وعن ابن عباس: ما لها من رجوع وترداد، من أفاق المريض؛ إذا رجع إلى الصحّة، وفواق الناقة: ساعة يرجع الدرّ إلى ضرعها. يريد: أنها نفخة واحدة، لا تثنى، ولا تردد. والفواق بمعنى التأخر، فيه لغتان: الفتح والضم، وأما ما بين حلبتي الناقة، فبالضم فقط. الإشارة: ما جرى على مكذبي الرسل يجري في مكذِّبي الأولياء، إلاَّ أن عذابهم البُعد والطرد، وحرمان معرفة العيان. وبالله التوفيق. ثم ذكر استعجالهم العذاب، فقال: {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا}.
الجنابذي
تفسير : {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ} بيان للاحزاب المكذّبين المنكرين وبيان لانهزامهم بالتّلويح {ذُو ٱلأَوْتَادِ} سمّى به كما فى الخبر لانّه كان اذا اراد ان يعذّب احداً بسطه فى الارض على وجهه واوتد يديه ورجليه باربعة اوتادٍ فى الارض وربّما بسطه على خشب منبسط فاوتدها كذلك وتركه حتّى يموت، وقيل: معناه ذو الملك الثّابت بالاوتاد، وقيل: معناه ذو الاركان القويّة فانّه كان صاحب جنود كثيرة وامراء عظيمة ووزراء قويّة.
اطفيش
تفسير : {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} أي قبيلته وكذلك أنت* {وَعَادٌ وَفِرْعَونُ ذُو الأَوْتَادِ}. قال ابن عباس: ذو البناء المحكم وقيل الملك الشديد الثابت من قول العرب وهو في عز (ثابت الأوتاد) أي دائم شديد كقول الأسود بن يعفر: شعر : ولقد غنوا فيا نعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد تفسير : مأخوذ من ثبات البيت المطنب بأوتاده وغنوا بالغين المعجمة والنون أقاموا. وروي عن ابن عباس ذو الجنود الكثيرة وسميت الأجناد أوتاداً لأن بعضهم يشد بعضاً ويشدون سلطانهم كالوتد يشد البناء أو لكثرة ضربهم الاوتاد فى أسفارهم، وقيل: (ذو البطش) وقيل: اذا غضب على أحد ضرب وتداً في يده اليمنى وأخرى فى الشمال ووتداً فى رجله اليمنى وأخرى فى الشمال فيتركه حتى يموت؛ وقيل: يرسل عليه العقارب والحيات، وقيل: كان له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب بها بين يديه
اطفيش
تفسير : أى وقوم فرعون ذى الأوتاد، على حذف مضاف أو وصفه بالتكذيب كوصف قومه به، فاكتفى الكلام بذكره، ولا سيما مع ذكر بطشه، والوتد وتد الخيمة، وصف به لكفرة خيمة، أو شبه فى رسوخ ملكه ببيت قوى صحيح الأوتاد، ورمز بلازم المشبه به، وذلك اللازم الأوتاد، ولا يجوز أن يشبه الملك الثابت بذى الأوتاد وهو البيت وجعل فرعون اسما لملكه مبالغة، لأن فى ذلك مقابلة الملك بذوى الأملاك. وعن ابن مسعود: الأوتاد الجنود، يقوون ملكه، وذلك على الاستعارة التصريحية، أو المجاز المرسل للزوم الأوتاد للجند، وقيل المبانى العظيمة على الاستعارة، أو الارسال، ويقال: كان يشد من يعذبه بأربعة أوتاد على أطرافه الأربعة، فى أربع سوار حتى يموت، ويقال يمده بين أربعة أوتاد فى الأرض، ويرسل عليه العقارب والحيات، وقيل: له حبال وأوتاد يلعب بها بين يديه.
الالوسي
تفسير : إلى آخره استئناف مقرر لمضمون ما قبله ببيان أحوال العتاة الطغاة مما فعلوا من التكذيب وفعل بهم من العقاب، و {ذُو ٱلأَوْتَادِ } صفة (فرعون) لا لجميع ما قبله وإلا لقيل ذوو الأوتاد. و {ٱلأَوْتَادِ } جمع وتد وهو معروف، وكسر التاء فيه أشهر من فتحها ويقال وتد واتد كما يقال شغل شاغل قاله الأصمعي وأنشد: شعر : لاقت على الماء جُذَيْلاً واتِدا ولم يكن يُخْلِفُهَا المواعدا تفسير : وقالوا: وَدّ بإبدال التاء دالاً والإدغام ووت بإبدال الدال تاء، وفيه قلب الثاني للأول وهو قليل. وأصل إطلاق ذلك على البيت المطنب بأوتاده وهو لا يثبت بدونها كما قال الأعشى: شعر : والبيت لا يبتنى إلا على عمد ولا عماد إذا لم ترس أوتاد تفسير : فقيل إنه شبه هنا فرعون في ثبات ملكه ورسوخ سلطنته ببيت ثابت أقيم عماده وثبتت أوتاده تشبيهاً مضمراً في النفس على طريق الاستعارة المكنية ووصف بذي الأوتاد على سبيل التخييل، فالمعنى كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون الثابت ملكه وسلطنته وقيل: شبه الملك الثابت من حيث الثبات والرسوخ بذي الأوتاد وهو البيت المطنب بأوتاده واستعير ذو الأوتاد له على سبيل الاستعارة التصريحية قيل وهو أظهر مما مر نهايته أنه/ وصف بذلك فرعون مبالغة لجعله عين ملكه، والمعنى على وصفه بثبات الملك ورسوخ السلطنة واستقامة الأمر. وقال ابن مسعود وابن عباس في رواية عطية: الأوتاد الجنود يقوون ملكه كما يقوى الوتد الشيء أي وفرعون ذو الجنود فالاستعارة عليه تصريحية في الأوتاد، وقيل: هو مجاز مرسل للزوم الأوتاد للجند، وقيل المباني العظيمة الثابتة وفيه مجاز أيضاً، وقال ابن عباس في رواية أخرى وقتادة وعطاء: كانت له عليه اللعنة أوتاد وخشب يلعب له بها وعليها، وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوار كل طرف من أطرافه إلى سارية ويضرب في كل وتداً من حديد ويتركه حتى يموت، وروي معناه عن الحسن ومجاهد. وقيل: كان يمده بين أربعة أوتاد في الأرض ويرسل عليه العقارب والحيات، وقيل: يشده بأربعة أوتاد ثم يرفع صخرة فتلقى عليه فتشدخه. وعلى هذه الأقوال الأربعة فالأوتاد ثابتة على حقيقتها.
ابن عاشور
تفسير : لما كان قوله: {أية : جندٌ ما هُنالكَ مهزومٌ من الأحزاب}تفسير : [ص:11] تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووَعْداً له بالنصر وتعريضاً بوعيد مكذِّبيه بأنهم صائرون إلى ما صارت إليه الأحزاب الذين هؤلاء منهم كما تقدم آنفاً جيء بما هو كالبيان لهذا التعريض. والدليلِ على المصير المقصود على طريقة قياس المساواة وقد تقدم آنفاً أن هذه الجملة: إمّا بدل من جملة {جُندٌ ما هُنَالِكَ} الخ، وإمّا استئناف ولذلك فصلت عن التي قبلها. وحذف مفعول {كذَّبَتْ} لأنه سيرد ما يُبيّنه في قوله: {إن كلٌّ إلاَّ كذَّبَ الرُّسُلَ} كما سيأتي. وخصّ فرعون بإسناد التكذيب إليه دون قومه لأن الله أرسل موسى عليه السلام إلى فرعون ليطلق بني إسرائيل فكذب موسى فأمر الله موسى بمجادلة فرعون لإِبطال كفره فتسلسل الجدال في العقيدة ووجب إشهار أن فرعون وقومه في ضلال لئلا يغتر بنو إسرائيل بشبهات فرعون، ثم كان فرعون عقب ذلك مضمراً أذى موسى ومعلناً بتكذيبه. ووُصف فرعون بأنه بـــ {ذُو الأوْتَادِ} لعظمة ملكه وقوته فلم يكن ذلك ليحول بينه وبين عذاب الله. وأصل {الأوتاد} أنه: جمع وتد بكسر التاء: عود غليظ له رأس مفلطح يدقّ في الأرض ليشد به الطُّنُب، وهو الحبل العظيم الذي تشد به شقّة البيت والخَيمة فيشد إلى الوتد وترفع الشقة على عماد البيت قال الأفوه الأوديّ:شعر : والبيتُ لا يبتنَى إلا على عَمَد ولا عِماد إذا لم تُرْسَ أوتاد تفسير : و {الأوْتَادِ} في الآية مستعار لثبات الملك والعز، كما قال الأسود بن يعفر:شعر : ولقد غَنُوا فيها بأنعم عيشة في ظلّ ملك ثَابت الأوتاد تفسير : وقيل: {الأوتاد}: البناءات الشاهقة. وهو عن ابن عباس والضحّاك، سميت الأبنية أوتاداً لرسوخ أسسها في الأرض. وهذا القول هو الذي يتأيّد بمطابقة التاريخ فإن فرعون المعنيّ في هذه الآية هو (منفتاح الثاني) الذي خرج بنو إسرائيل من مصر في زمنه وهو من ملوك العائلة التاسعة عشرة في ترتيب الأُسَر التي تداولت ملك مصر، وكانت هذه العائلة مشتهرة بوفرة المباني التي بناها ملوكها من معابد ومقابر وكانت مدة حكمهم مائة وأربعاً وسبعين سنة من سنة (1462) قبل المسيح إلى سنة (1288) ق.م. وقال الأستاذ محمد عبده في «تفسيره» للجزء الثلاثين من القرآن في سورة الفجر: "وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد فإنها هي الأهرام ومنظرها في عين الرائي مَنظر الوتد الضخم المغروز في الأرض" ا.هــــ. وأكثر الأهرام بنيت قبل زمن فرعون موسى منفتاح الثاني فكان منفتاح هذا مالك تلك الأهرام فإنه يفتخر بعظمتها وليس يفيد قوله: {ذُو الأوْتَادِ} أكثر من هذا المعنى إذ لا يلزم أن يكون هو الباني تلك الأهرام. وذلك كما يقال: ذو النيل، وقال تعالى حكاية عنه: {أية : وهذه الأنهار تجري من تحتي}تفسير : [الزخرف: 51]. وأما {ثمود وقوم لوط} فتقدم الكلام عليهم غير مَرة. و {أصحاب لَيكة}: هم أهل مدين، وقد تقدم خبرهم وتحقيق أنهم من قوم شعيب وأنهم مختلطون مع مدين في سورة الشعراء. وتقديم ذكر فرعون على ثمود وقوم لوط وأصحاب ليكة مع أن قصته حدثت بعد قصصهم لأن حالهُ مع موسى أشبه بحال زعماء أهل الشرك بمكة من أحوال الأمم الأخرى فإنه قاوم موس بجيش كما قاوم المشركون المسلمين بجيوش. وجملة {أُولٰئِكَ الأحزابُ} معترضة بين جملة {كذبت قبلهم} وجملة {إن كلٌّ إلاَّ كذَّبَ الرُّسلَ}. واسم الإِشارة مستعمل في التعظيم، أي تعظيم القوة. والتعريف في {الأحزاب} استغراق ادعائي وهو المسمى بالدلالة على معنى الكمال مثل: هُمُ القوم وأنت الرجلُ. والحصر المستفاد من تعريف المسند والمسند إليه حصر ادعائي، قُصرت صفة الأحزاب على المشار إليهم بــــ {أُولٰئِكَ} بادعاء الأمم وأن غيرهم لمّا يبلغوا مبلغ أن يُعَدُّوا مِن الأحزاب فظاهر القَصر ولام الكمال لتأكيد معنى الكمال كقول الأشهب بن رُميلة:شعر : وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القومُ كلُّ القوم يا أم خالد تفسير : والمعنى: أولئك المذكورون هم الأمم لا تُضاهيهم أمم في القوة والشدة. وهذا تعريض بتخويف مشركي العرب من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك على حد قوله تعالى: {أية : أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض فأخذهم اللَّه بذنوبهم وما كان لهم من اللَّه من واق ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم اللَّه إنه قويٌّ شديد العقاب}تفسير : في سورة [غافر: 21 - 22]. وجملة {إن كلٌّ إلا كذَّبَ الرسل} مؤكدة لجملة {كذَّبتْ قبلهم قوم نوح} إلى قوله: {وأصحابُ لَيْكَةِ}، أخبر أوَّلاً عنهم بأنهم كذبوا وأُكد ذلك بالإِخبار عنهم بأنهم ليسوا إلاّ مُكذبين على وجه الحصر كأنهم لا صفة لهم إلا تكذيب الرسل لتوغلهم فيها وكونها هِجِّيراهم. و {إنْ} نافية، وتنوين {كل} تنوين عوض، والتقدير: إنْ كُلُّهم. وجيء بالمسند فعلاً في قوله: {كذَّبَ الرُّسُلَ} ليفيد تقديمُ المسند إليه عليه تخصيصَ المسند إليه بالمسند الفعلي فحصل بهذا النظم تأكيد الحصر. وتعدية {كذَّبَ} إلى {الرُّسُلَ} بصيغة الجمع مع أن كل أمة إنما كذبت رسولها، مقصود منه تفظيع التكذيب لأن الأمة إنما كذّبت رسولها مستندة لحجة سفسطائية هي استحالة أن يكون واحد من البشر رسولاً من الله فهذه السفسطة تقتضي أنهم يكذبون جميع الرسل. وقد حصل تسجيل التكذيب عليهم بفنون من تقوية ذلك التسجيل وهي إبهام مفعول {كَذَّبَتْ} في قوله: {كذَّبتْ قبلهم} ثم تفصيله بقوله: {إلاَّ كذَّبَ الرُّسُلَ} وما في قوله: {إن كلٌّ إلاَّ كذَّبَ الرُّسُلَ} من الحصر، وما في تأكيده بالمسند الفعلي في قوله: {إلاَّ كذَّبَ}، وما في جعل المكذَّب به جميعَ الرسل، فأنتج ذلك التسجيلُ استحقاقهم عذاب الله في قوله: {فَحَقَّ عِقَابِ}، أي عقابي، فحذفت ياء المتكلم للرعاية على الفاصلة وأبقيت الكسرة في حالة الوصل. وحق: تحقق، أي كان حقّاً، لأنه اقتضاه عظيم جُرمهم. والعقاب: هو ما حلّ بكل أُمة منهم من العذاب وهو الغرق والتمزيق بالريح، والغرقُ أيضاً، والصيحة، والخسف، وعذاب يوم الظِّلة. وفي هذا تعريض بالتهديد لمشركي قريش بعذابٍ مثل عذاب أولئك لاتحادهم في موجِبِه.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} تفسير : [الحج: 42] الآية وفي غير ذلك من المواضع.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 12، 13- كذبت قبل هؤلاء قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأبنية العظيمة الراسخة كالجبال، وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب - أصحاب الشجر الكثير الملتف - أولئك الذين تحزبوا على رسلهم كما تحزب قومك. 14- ما أحد من كل هؤلاء إلا كذَّب رسوله، فحل بهم عقابى. 15- وما ينتظر هؤلاء المتحزبون على الرسل إلا صيحة واحدة لا تحتاج إلى تكرار. 16- وقال الكافرون مستهزئين: ربنا عجِّل لنا نصيبنا من العذاب قبل يوم الجزاء. 17- اصبر - يا محمد - على ما يقوله فيك المشركون، واذكر عبدنا داود ذا القوة فى الدين والدنيا، إنه كان رجَّاعاً إلى الله فى جميع أحواله. 18- إنا ذللنا الجبال معه، يستغل ما فيها من منافع، وهُنَّ ينزِّهن الله - تعالى - عن كل نقص فى آخر النهار وأوله. 19- وذللنا له الطير مجموعة من كل صنف وكل مكان، كلٌّ من الجبال والطير رجَّاعة لمشيئة داود، يصرفها كيف شاء للخير العام. 20- وقوَّينا ملكه، وآتيناه النبوة، وتمييز الحق من الباطل. 21- وهل جاءك - يا محمد - خبر الخصوم الذين جاءوا داود من سور المحراب وهو محل العبادة، لا من بابه؟!.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كذبت قبلهم: أي قبل هؤلاء المشركين من قريش. وفرعون ذو الأوتاد: أي صاحب أوتاد أربعة يشد إليها من أراد تعذيبه. وأصحاب الأيكة: أي الغيضة وهم قوم شعيب. إن كل إلا كذب الرسل: أي ما كل واحد منهم إلا كذب الرسل ولم يصدقهم فيما دعوا إليه. فحق عقاب: أي وجبت عقوبتي عليهم. صيحة واحدة: هي نفخة إسرافيل في الصور نفخة. مالها من فواق: أي ليس لها من فتور ولا انقطاع حتى تهلك كل شيء. عجل لنا قطنا: أي صك أعمالنا لنرى ما أعددت لنا إذ القط الكتاب. ذا الأيد: أي القوة والشدة في طاعة الله تعالى. إنه أواب: أي رجاع إلى الله في كل أُموره. بالعشي والإِشراق: أي بالمساء بعد العصر إلى الغروب والاشراق من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى. والطير محشورة له: أي والطيور مجموعة. وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب: أي وأُعطينا داود الحكمة. وهي الإِصابة في الأمور والسداد فيها وفصل الخطاب. الفقة في القضاء ومن ذلك البيّنة على المُدَّعي واليمين على من أنكر. معنى الآيات: السياق الكريم في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتهديد المشركين علهم يتوبون إلى الله ويرجعون قال تعالى {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} أي قبل قومك يا محمد {قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ} أي صاحب الأوتاد التي كان يشد إليها من أراد تعذيبه ويعذبه عليها كأعواد المشانق، {وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لْئَيْكَةِ} أي الغيضة وهي الشجر الملتف وهم قوم شعيب، {أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ} أي الطوائف الكافرة الهالكة {إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ} أي ما كل واحدة منها إلا كذبت الرسل {فَحَقَّ عِقَابِ} أي وجب عقابي لهم فعاقبتهم، وما ينظر هؤلاء من قومك {إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} أي من فتور ولا انقطاع حتى يهلك كل شيء ولا يبقى إلا وجه الله ذو الجلال والإِكرام. وقوله تعالى {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ} قالوا هذا لما نزل {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الآية: 19] الآيات من سورة الحاقة. قال غلاة الكافرين كأبي جهل وغيره استهزاء، ربنا عجل لنا قطنا أي كتابنا لنرى ما فيه من حسنات وسيئات قبل يوم القيامة والحساب والجزاء وهم لا يؤمنون ببعث ولا جزاء، وإنما قالوا هذا استهزاء وعنادا أو مكابرة فلذا قال تعالى لرسوله {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ} أي القوة في دين الله {إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي رجاع إلى الله تعالى اذكره لتتأسى به في صبره وقوته في الحق وقوله تعالى {إِنَّا سَخَّرْنَا} الآيات بيان لإِنعام الله تعالى على داود لتعظم الرغبة في الاقتداء به، والرغبة إلى الله تعالى فيما لديه من إفضالات {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ} أي إذا سبح داود في المساء من بعد العصر إلى الغروب وفي الاشراق وهو وقت الضحى سبحت الجبال معه أي رددت تسبيحه كرامة له والطير محشورة أي وسخرنا الطير محشورة أي مجموعة تردد التسبيح معه، وقوله {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} أي كل من الجبال والطير أواب أي رجاع يسبح الله تعالى. وقوله {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} أي قوينا ملك داود بمنحنا إياه كل أسباب القوة المادية والروحية. {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ} وهي النبوة والإِصابة في الأمور والسداد فيها قولا كانت أو فعلا. {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} أي حسن القضاء والبصيرة فيه، والبيان الشافي في كلامه. فبه اقتده يا رسولنا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر على أذى قريش وتكذيبها وعنادها. 2- تهديد قريش إذا أصرت على التكذيب باشد أنواع العقوبات. 3- بيان استهزاء المشركين واستخفافهم بأخبار الله تعالى وشرائعه. 4- مشروعية الأسوة والاقتداء بالصالحين. 5- بيان آية تسخير الله تعالى الجبال والطير لداود تسبح الله تعالى معه. 6- حسن صوت داود في قراءته وتسبيحه. 7- مشروعية صلاة الإشراق والضحى.
القطان
تفسير : أصحاب الأيكة: قوم شُعيب. الأيكة: الشجرة الملتّف. الفَواق: الوقت اليسير، الراحة والتمهل. قِطّنا: نصيبنا وحظنا. عجّل لنا: عجل لنا نصيبنا من العذاب. ذا الأيد: ذا القوة. اواب: تواب. الاشراق:الصباح. محشورة: مجموعة ومحبوسة. شددنا ملكه: قويناه. الحكمة: اصابة الصواب في القول والعمل. فصْل الخطاب: الكلام الفاصل بين الحق والباطل. يبين الله تعالى في هذه الآيات أنباء أقوام الأنبياء الماضين كيف كذّبوا رُسُلَهم فحاق بهم ما كانوا به يكذّبون. كذّبت قبلهم قومُ نوح، وعاد، وقوم فرعون صاحبِ الملك الكبير والأبنية العظيمة الراسخة كالجبال. وقوم عاد وقوم لوط واصحاب الأيكة (وهم قوم شعيب) {أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ} كلهم حقّ عليهم العذاب وأهلكهم الله بفجورهم. ثم بيّن بعد ذلك عقاب قريش فقال: {وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} ما ينتظر كفار مكة الا صيحةً واحدة لا تحتاج الى تكرار في وقت قصير جدا. وقالوا استهزاء وسخرية: ربّنا عجّل لنا نصيبنا من العذاب الذي توعدتنا به، ولا تؤخره الى يوم القيامة. اصبر يا محمد على ما يقولون: واذكر كيف صبر عبدُنا داود ذو القوة، إنه توّاب. لقد سخّرنا الجبالَ معه يسبّحن بالعشي والإصباح، وسخّرنا الطير مجموعة له {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ}. وقوّينا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب بالفصل في الخصومات على اساس العدل. بهذه الاوصاف الكاملة نعت القرآن الكريم داود، اما التوراة فقد وصفته بأقبح النعوت كالظلم والفسق والغدر واغتصاب النساء من أزواجهن!! وجاء في قاموس الكتاب المقدس صفحة 365 طبعة 15 ما نصه: ارتكب داود في بعض الأحيان خطايا يندى لها الجبين خجلا. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: فُواق بضم الفاء، والباقون: فَواق بالفتح، وهما لغتان.
د. أسعد حومد
تفسير : (12) - وَيُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى هُؤَلاَءِ المُكَذِّبِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، بِأَقْوَامٍ كَانَتْ قَبْلَهُمْ، وَكَانَتْ أَشَدَّ مِنْهُمْ بَأْساً وَبَطْشاً وَقُوَّةً، فَطَغَوْا وَبَغَوْا، فَجَاءَهُمْ رُسُلُ اللهِ تَعَالَى، فَكَذَّبُوهُمْ، فَدَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُبْقِ لَهُمْ فِي أَرْضِهِمْ بَاقِيةً. وَيَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الأَقْوَامِ المُكَذِّبَةِ: قَوْمَ نُوحٍ الذِينَ أَغْرَقَهُمْ بالطُّوفَانِ، وَقَوْمَ عَادٍ الذِينَ أَهْلَكَهُمْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، وَفِرْعُونَ مَلِكَ مِصْرَ وَجُنْدَهُ، وَقَدْ أَغْرَقَهُمُ اللهُ فِي البَحْرِ فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ. وَأَشَارَ تَعَالَى إِلَى ثَبَاتِ مُلْكِ فِرْعَوْنَ وَاسْتِقْرَارِهِ فَشَبَّهَهُ بِبَيْتٍ مِنَ الشَّعْرِ ثُبِّتَتْ أَوْتَادُهُ فِي الأَرْضِ. (وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَى - ذُو الأَوْتَادِ - هُوَ أَنَّهُ صَاحِبُ الأَهْرَامَاتِ والأَبْنِيَةِ الفَخْمَةِ المُتَرَسِّخَةِ فِي الأَرْضِ كَالأَوْتَادِ). (وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ مَعْنَاهَا هُوَ أَنَّ فِرْعُونَ سُمِّيَ بِذِي الأَوْتَادِ لأَِنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ قَتْلَ خُصُومِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ لَهُمْ فِي الأَرْضِ أَوْتَاداً يَشُدُّ إِلَيْهَا أَطْرَافَهُمْ، ثُمَّ يَقْتُلُهُمْ بِالنِّبَالِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى: {ذُو ٱلأَوْتَادِ} [ص: 12] صاحب الأوتاد وهي الأشياء المثبتة، وقيل: المراد الأهرامات. أو كانت له أوتاد مثبتة عذَّب بها خصومه، و {لْئَيْكَةِ} [ص: 13] هي الحديقة مُلتفّة الأشجار، متشابكة الأغصان، وأصحاب الأيكة هم قوم سيدنا شعيب {أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ} [ص: 13] أي: الذين تحزَّبوا على رسلهم وصادموهم وعاندوهم. {إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ} [ص: 14] ما أحد من هؤلاء إلا كَذَّبَ رسوله {فَحَقَّ} [ص: 14] أي: وجب له وحَقَّ عليه (عَقَابِ) إذن: فكيف يُقدِّرون لأنفسهم أنْ يقفوا منك يا محمد هذا الموقف ولا نعاقبهم؟ كيف يفلتون منا وقد عاقبنا مَنْ هم أقوى منهم؟
الجيلاني
تفسير : إذ {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} مع كمال قوتهم وقدرتهم نوحاً، فأغرقناهم أجمعين بالطوفان {وَعَادٌ} مع نهاية عتوهم وعنادههم هوداً، وأهلكناهم بالريح العاصفة {وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ} [ص: 12] أي: صاحب الدولة الثابتة التي ادعى بسببها الألوهية لنفسه موسى، فأغرقناهم وجنودهم في اليم. {وَثَمُودُ} المتناهي في القوة والشدة صالحاً، فأهكلناهم بالصيحة {وَقَوْمُ لُوطٍ} المتبالغ في الجحود والإنكار على الله وحدوده لوطاً، فقبلنا عليهم ديارهم، وأمطرنا عليهم الحجارة فأهلكناهم بها {وَأَصْحَابُ لْئَيْكَةِ} شعيباً، فاستأصلناهم كذلك {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء المنحرفون عن صوب السداد والصواب هم {ٱلأَحْزَابُ} [الأحزاب: 13] الذين كذبوا الرسل، وتحزبوا عليهم، وقاتلوا معهم مع كونهم أشداء أقوياء، فانهزموا عنهم بنصرنا إياهم، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغري. وبالجملة: {إِن كُلٌّ} أي: ما كل من الأمم السالفة المذكورة {إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ} المذكورين {فَحَقَّ} أي: لذلك لزم ولحق عليهم {عِقَابِ} [ص: 14] أي: أنواع عذابي ونكالي عاجلاً وآجلاً. {وَمَا يَنظُرُ} وينتظر {هَـٰؤُلآءِ} المعاندون معك، المنكرون لدينك، المكذبون لرسالتك وكتابك {إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً} ينفخها إسرافيل في الصور بإذن منَّا فيسمع هؤلاء الضالون، فيموتون على الفور بلا توقف؛ إذ {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} [ص: 15] قرار وقوف مقدار خروج النفس ورجوعه. وهكذا كناية عن سرعة نفوذ قضاء الله، حين حلول عذابه عليهم إلى حيث لا يسع فيه تمييز التقدم والتأخر أصلاً، بل ينزل بغتة. {وَ} بعدما سمع كفار مكة أوصاف أهوال يوم الجزاء، وافتراق الناس فيها فرقاً وأحزاباً، بعضهم أصحاب يمين، وبعضهم أصحاب شمال، فيُعطى لكل فرد كتاباً كُتب فيه أعمالهم الصالحة والفاسدة، فيُحاسب كل على أعماله، فيُجازى على وفقها {قَالُواْ} مستهزئين متهكمين؛ يعني: أهل مكة بعدما سمعوا أهوال يوم الجزاء وأفزاعها: {رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} أي: صحيفة أعمالنا، وقسطنا من العذاب المترتب عليها {قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ} [ص: 16] ونحن نرضى بها وبالعذاب المترتب عليها بلا حساب. وبعدما قالوا كذلك، واستهزءوا مع الرسول، وضحكوا من قوله، ونسبوه إلى الخبط والجنون، أمر سبحانه حبيبه بالتصبر على مقاساة ما جاءوا به مما لا يليق بشأنه، فقال: {ٱصْبِر} يا أكمل الرسل {عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} لك، وفي شأنك أولئك الجاهلون عناداً أو مكابرة، ولا تلتفت إلى هذياناتهم، ولا تحزن من أباطيلهم والمستهجنة، فعليك يا أكمل الرسل أن توطن نفسك على الصبر المأمور، ولا تتجاوز عن مقتضاه، ولا تتعب نفسك بالقلق والاضطراب والمجادلة معهم والمخاصمة إياهم إلى أن نكف عنك شرورهم، ولا تفلتفت إلى هواجس نفسك، حتى لا تقع في محل الخطاب والعتاب {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} وما جرى عليه من العتاب الإلهي من عدم حفظه نفسه عن مقتضيات ومشتهياتها حتى ابتلاه الله سبحانه بما ابتلي مع أنه {ذَا ٱلأَيْدِ} أي: صاحب القدرة والقوة في الحفظ وحفظ النفس عن محارم الله ومنهياته، وكيف لا يكون كذلك {إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 17] رجَّاع إلى الله وإلى مرضاته سبحانه في جميع حالاته. ومن كمال رجوعه إلينا وحفظه لمرضاتنا {إِنَّا} من مقام لطفنا وجودنا {سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ} له، وجعلناها تحت حكمه إلى حيث سارت {مَعَهُ} حيث شاء {يُسَبِّحْنَ} بمشايعته وموافقته حين يسبح {بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ} [ص: 18] أي: بالليل والنهار؛ يعني: ما دام يميل ويتوجه إلى ربه، مالت الجبال معه ازدياداً لثوابه وتكثيراً لفضائله. {وَ} كذا سخرنا له {ٱلطَّيْرَ} أي: جنس الطيور يستمعن قوله {مَحْشُورَةً} على فنائه مسخرة لحكمه - على قراءة النصب - "الطيرُ محشورةٌ" عنده محكومة لأمره يسبحن بمشايعته بالغدو والآصال كتسبيح الجال على قراءة الرفع، وبالجملة: {كُلٌّ} أي: كل واحد من داوود والجبال والطيور {لَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 19] أي: رجَّاع إلى الله، مسبح له سبحانه، مقدس عما لا يليق بجانبه على الدوام والاستمرار. {وَ} من كمال جودنا ولطفنا معه {شَدَدْنَا} له {مُلْكَهُ} الظاهر؛ أي: قوينا استيلاءه وتسليطه على الأنام، وألقينا هيبته على قلوبهم إلى حيث لم يخرجوا عن الحدود الموضوعة في شرعه خوفاً من اطلاعه. وسبب هيبته أن تحاكم عنده رجلان، فادعى أحدهما على الآخر بأن غصب منه بقرة عدواناً وظلماً، فأنكر الآخر، ولم يكن للمدعي بينة، فأريناه في منامه أن يقتل المدعى عليه، ويحكم بالبقرة للمدعي، فلما استيقظ كذب نفسه واستغفر، فنام فأريناه مثل ذلك، واستيقظ فاستغفر ثانياً، فنام فرأى ثالثاً مثل ذلك، فتيقن أنه من الله، فهمَّ أن يقتله تنفيذاً لما أُلهم إليه، فقال للمدعى عليه: أتقتلني بلا بينة. فقال عليه السلام: نعم والله لأنفذنَّ حكم الله تعالى فيك، فلما تفطن الرجل منه الجزم في عزمه، اضطر إلى الاعتراف، حيث قال: لا تعجل يا نبي الله حتى أخبرك، والله ما أخذت بهذا الذنب ظلماً وزوراً، ولكني قتلت والد هذا المدعي اغتيالاً وخداعاً. فتقله عليه السلام: وعظمت هيبته في قلوب الناس، حتى انزجروا عن مطلق المحرمات والمنهيات خوفاً من اطلاعه، وقالوا: لا نعمل شيئاً إلا علمه، فيقضي علينا بمقتضى علمه، هذا تأييدنا وتقويتنا إياه بحسب الظاهر والسلطنة الصورية. {وَ} أمَّا بحسب الباطن والحقيقة {آتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ} المتقنة التي يتصرف بها في حقائق الأمور، ويطلع على سرائرها بنور النبوة والولاية الموروثة له من أسلافه الكرام، الموهوبة إياه من الحكيم العلام تأييداً له وتقوية لشأنه {وَ} آتيناه أيضاً {فَصْلَ ٱلْخِطَابِ} [ص: 20] أي: قطع الخصومات على التفصيل الذي وقع بين المتخاصمين بلا حيف وميل إلى جانب على ما هو مقتضى العدل الإلهي بالخطاب المفصول الموضح الواضح المقتصد بلا اقتصار مخل وإطناب ممل، وبالجملة: بلا إغلاق يشتبه مضمونه على المتخاصمين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يحذرهم تعالى أن يفعل بهم ما فعل بالأمم من قبلهم، الذين كانوا أعظم قوة منهم وتحزبا على الباطل، { قَوْم نُوحٍ وَعَاد } قوم هود { وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتَادِ } أى: الجنود العظيمة، والقوة الهائلة. { وَثَمُود } قوم صالح، { وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ } أي: الأشجار والبساتين الملتفة، وهم قوم شعيب، { أُولَئِكَ الأحْزَابُ } الذين اجتمعوا بقوتهم وعَدَدِهمْ وعُدَدِهمْ على رد الحق، فلم تغن عنهم شيئا. { إِنْ كُلُّ } من هؤلاء { إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ } عليهم { عِقَابِ } اللّه، وهؤلاء، ما الذي يطهرهم ويزكيهم، أن لا يصيبهم ما أصاب أولئك. فلينتظروا { صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ } أي: من رجوع ورد، تهلكهم وتستأصلهم إن أقاموا على ما هم عليه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):