٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً} «يَنْظُرُ» بمعنى ينتظر؛ ومنه قوله تعالى: {أية : ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} تفسير : [الحديد: 13]. «هؤلاء» يعني كفار مكة. «إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً» أي نفخة القيامة. أي ما ينتظرون بعد ما أصيبوا ببدر إلا صيحة القيامة. وقيل: ما ينتظر أحياؤهم الآن إلا الصيحة التي هي النفخة في الصور، كما قال تعالى: {أية : مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً}تفسير : [يسۤ: 49] وهذا إخبار عن قرب القيامة والموت. وقيل: أي ما ينتظر كفار آخر هذه الأمة المتديِّنين بدين أولئك إلا صيحة واحدة وهي النفخة. وقال عبد اللّه بن عمرو: لم تكن صيحة في السماء إلا بغضب من اللّه عز وجل على أهل الأرض. {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} أي من ترداد؛ عن ابن عباس. مجاهد: ما لها رجوع. قتادة: ما لها من مثنوية. السدّي: ما لها من إفاقة. وقرأ حمزة والكسائي: «مَا لَهَا مِنْ فُوَاقٍ» بضم الفاء. الباقون بالفتح. الجوهري: والفَواق والفُواق ما بين الحَلْبتين من الوقت؛ لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتَدِرّ ثم تُحلَب. يقال: ما أقام عنده إلا فُوَاقاً؛ وفي الحديث: «حديث : العيادة قدر فواق الناقة»تفسير : . وقوله تعالى: {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} يقرأ بالفتح والضم أي ما لها من نظرة وراحة وإفاقة. والفِيقة بالكسر ٱسم اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين: صارت الواو ياء لكسر ما قبلها؛ قال الأعشى يصف بقرة:شعر : حتى إذا فِيقَةٌ في ضَرعِها ٱجتمعتْ جاءتْ لِتُرضِع شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا تفسير : والجمع فِيق ثم أفواق مثل شِبر وأشبار ثم أفاويق. قال ابن همّام السّلُوليّ:شعر : وذَمُّوا لنا الدنيا وهُمْ يَرْضَعُونَها أَفَاوِيقَ حتى ما يدِرُّ لها ثُعْلُ تفسير : والأفاويق أيضاً ما ٱجتمع في السحاب من ماء، فهو يمطر ساعة بعد ساعة. وأفاقت الناقة إفاقة أي ٱجتمعت الفِيقة في ضرعها؛ فهي مُفِيقٌ ومُفِيقَةٌ ـ عن أبي عمرو ـ والجمع مفاويق. وقال الفرّاء وأبو عبيدة وغيرهما: «مِنْ فَوَاقٍ» بفتح الفاء أي راحة لا يفيقون فيها، كما يفيق المريض والمغشيّ عليه. و «مِنْ فُواقٍ» بضم الفاء من ٱنتظار. وقد تقدّم أنهما بمعنىً وهو ما بين الحلبتين. قلت: والمعنى المراد أنها ممتدّة لا تقطيع فيها. وروى أبو هريرة قال: حدّثنا رسول صلى الله عليه وسلم ونحن في طائفة من أصحابه... الحديث. وفيه: حديث : يأمر اللّه عز وجل إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول ٱنفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء اللّه ويأمره فيمدّها ويديمها ويطوّلها يقول اللّه عز وجل: {وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } تفسير : وذكر الحديث، خرجه علي بن معبد وغيره كما ذكرناه في كتاب التذكرة. قوله تعالى: {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } قال مجاهد: عذابنا. وكذا قال قتادة: نصيبنا من العذاب. الحسن: نصيبنا من الجنة لنتنعم به في الدنيا. وقاله سعيد بن جُبير. ومعروف في اللغة أن يقال للنصيب قِطَّ وللكتاب المكتوب بالجائزة قِط. قال الفراء: القِط في كلام العرب الحظ والنصيب. ومنه قيل للصك قِط. وقال أبو عبيدة والكسائي: القِط الكتاب بالجوائز والجمع القطوط؛ قال الأعشى:شعر : ولا الملِكُ النّعْمانُ يومَ لَقِيتُهُ بِغِبْطتِهِ يُعطِي القُطوطَ وَيَأْفِقُ تفسير : يعني كتب الجوائز. ويروى: بأُمَّتِهِ بدل بغبطته، أي بنعمته وحاله الجليلة، ويأفِق يصلح. ويقال: في جمع قِط أيضاً قِططة وفي القليل أقط وأْقطاط. ذكره النحاس. وقال السدي: سألوا أن يمثل لهم منازلهم من الجنة ليعلموا حقيقة ما يوعدون به. وقال إسماعيل بن أبي خالد: المعنى عجّل لنا أرزاقنا. وقيل: معناه عجل لنا ما يكفينا؛ من قولهم: قَطْنِي؛ أي يكفيني. وقيل: إنهم قالوا ذلك ٱستعجالاً لكتبهم التي يعطونها بأيمانهم وشمائلهم حين تلي عليهم بذلك القرآن. وهو قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } تفسير : [الانشقاق: 7]. {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ } تفسير : [الانشقاق: 10]. وأصل القطّ القَطّ وهو القطع، ومنه قَطّ القلم؛ فالقِط ٱسم للقطعة من الشيء كالقَسْمِ والقِسْم فأطلق على النصيب والكتاب والرزق لقطعه عن غيره؛ إلا أنه في الكتاب أكثَر ٱستعمالاً وأقوى حقيقة. قال أمية بن أبي الصَّلْت:شعر : قومٌ لهم ساحةُ العِراقِ وما يُجْبَى إليهِ وَالقِطُّ والقَلَمُ تفسير : {قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ} أي قبل يوم القيامة في الدنيا إن كان الأمر كما يقول محمد. وكل هذا ٱستهزاء منهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا يَنظُرُ } ينتظر {هَٰؤُلآءِ } أي كفار مكة {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً }،هي نفخة القيامة تحلّ بهم العذاب {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } بفتح الفاء وضمها: رجوع.
ابن عطية
تفسير : {ينظر} بمعنى ينتظر، وهذا إخبار من الله لرسوله صدقه الوجود، فــ"الصيحة" على هذا عبارة عن جميع ما نابهم من قتل وأسر وغلبة، وهذا كما تقول: صاح فيهم الدهر. وقال قتادة: توعدهم بصيحة القيامة والنفخ في الصور. قال الثعلبي: روي هذا التفسير مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه سلم. وقالت طائفة: توعدهم بصيحة يهلكون بها في الدنيا، وعلى هذين التأويلين فمعنى الكلام أنهم بمدرج عقوبة وتحت أمر خطير، ما ينتظرون فيه إلا الهلكة، وليس معناه التوعد بشيء معين ينتظره محمد فيه كالتأويل الأول. وقرأ جمهور القراء: "فَواق" بفتح الفاء. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب والأعمش وأبو عبد الرحمن: "فُواق" بضم الفاء. قال ابن عباس وغيره: هما بمعنى واحد، أي ما لها من انقطاع وعودة، بل هي متصلة حتى تهلكهم، ومنه فواق الحلب: المهلة التي بين الشخبين: وجعلوه مثل قصاص الشعر وقصاصه وغيره ذلك، ومنه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رابط فوق ناقة حرم الله جسده على النار" تفسير : . وقال ابن زيد وأبو عبيدة ومؤرج والفراء: المعنى مختلف: الضم كما تقدم من معنى فواق الناقة، والفتح بمعنى الإفاقة، أي ما يكون لهم بعد هذه الصيحة إفاقة ولا استراحة، فــ"فواق": مثل جواب، من أجاب. ثم ذكر عز وجل عنهم أنهم قالوا: {ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب} والقط: الحظ والنصيب، والقط أيضاً: الصك والكتاب من السلطان بصلة ونحوه، ومنه قول الأعشى: [الطويل] شعر : ولا الملك النعمان يوم لقيته بغبطته يعطي القطوط ويافق تفسير : وهو من قططت، أي قطعت. واختلف الناس في "القط" هنا ما أرادوا به، فقال سعيد بن جبير: أرادوا به عجل لنا نصيبنا من الخير والنعيم في دنيانا. وقال أبو العالية والكلبي: أرادوا عجل لنا صحفنا بإيماننا، وذلك لما سمعوا في القرآن أن الصحف تعطى يوم القيامة بالأيمان والشمائل، قالوا ذلك. وقال ابن عباس وغيره: أرادوا ضد هذا من العذاب ونحوه، فهذا نظير قولهم: {أية : فأمطر علينا حجارة من السماء} تفسير : [الأنفال: 42] وقال السدي، المعنى: أرنا منازلنا في الجنة حتى نتابعك، وعلى كل تأويل، فكلامهم خرج على جهة الاستخفاف والهزء، ويدل على ذلك ما علم من كفرهم واستمر، ولفظ الآية يعطي إقراراً بيوم الحساب. وقوله تعالى: {اصبر على ما يقولون} أي من هذه الأقاويل التي يريدون بها الاستخفاف ولا يلتفت إليها: واذكر داود ذا الأيد في الدين والشرع والصدع به، فتأس به وتأيد كما تأيد، و: {الأيد} القوة، وهي في داود متضمنة قوة البدن وقوته على الطاعة. و {الأواب} الرجاع إلى طاعة الله، وقاله مجاهد وابن زيد، وفسره السدي بالمسبح، وذكر الثعلبي أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الزرقة يمن. وكان داود أزرق. وأخبر تعالى عما وهب لداود من الكرامة في أن سخر الجبال تسبح معه، وظاهر الآية عموم الجبال. وقالت فرقة: بل هي الجبال التي كان فيها وعندها، وتسبيح الجبال هنا حقيقة. {والإشراق} وقت ضياء الشمس وارتفاعها، ومنه قولهم: أشرق ثبير، أي ادخل في الشروق، وفي هذين الوقتين كانت صلاة بني إسرائيل. وقال ابن عباس: صلاة الضحى عندنا هي صلاة الإشراق، وهي في هذه الآية. وقوله تعالى: {والطير} عطف على {الجبال}، أي وسخرنا الطير، و {محشورة} نصب على الحال، ومعناه: مجموعة. وقرأ ابن أبي عبلة: "والطيرُ محشورة" بالرفع فيهما. والضمير في: {له} قالت فرقة: هو عائد على داود، فـ {كل} للجبال والطير. وقوله تعالى: {وشددنا ملكه} عبارة عامة لجميع ما وهبه الله تعالى من قوة وخير ونعمة، وقد خصص بعض المفسرين في ذلك أشياء دون أشياء، فقال السدي: بالجنود. وقال آخرون: بهيبة جعلها الله تعالى له. وقرأ الجمهور: "وشدَدنا" بتخفيف الدال الأولى، وروي عن الحسن: "شدّدنا" بشدها على المبالغة. و {الحكمة}: الفهم في الدين وجودة النظر، هذا قول فرقة. وقالت فرقة: أراد بـ {الحكمة} النبوءة. وقال أبو العالية: {الحكمة} العلم الذي لا ترده العقول. قال القاضي أبو محمد: هي عقائد البرهان واختلف الناس في {فصل الخطاب}، فقال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل القضاء بين الناس بالحق وإصابته وفهمه. وقال علي بن أبي طالب وشريح والشعبي: {فصل الخطاب} إيجاب اليمين على المدعى عليه، والبينة على المدعي. وقال الشعبي أيضاً وزياد: أراد قول أما بعد، فإنه أول من قالها، والذي يعطيه لفظ الآية أن الله تعالى آتاه أنه كان إذا خاطب في نازلة فصل المعنى وأوضحه وبينه،لا يأخذه في ذلك حصر ولا ضعف، وهذه صفة قليل من يدركها، فكان كلامه عليه السلام فصلاً، وقد قال الله تعالى في صفة القرآن: {أية : إنه لقول فصل} تفسير : [الطارق: 13] ويزيد محمد صلى الله عليه وسلم على هذه الدرجة بالإيجاز في العبارة وجمع المعاني الكثيرة في اللفظ اليسير، وهذا هو الذي تخصص عليه السلام في قوله: "حديث : وأعطيت جوامع الكلم" تفسير : فإنها في الخلال التي لم يؤتها أحد قبله، ذكر جوامع الكلم معدودة في ذلك مسلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {صَيْحَةً وَاحِدَةً} النفخة الأولى {فَوَاقٍ} بالفتح من الإفاقة وبالضم فُواق الناقة وهو قدر ما بين الحلبتين من المدة، أو كلاهما بمعنى واحد أي ما لها من ترداد"ع"، أو حبس، أو رجوع إلى الدنيا "ح" أو رحمة "ع"، أو راحة، أو تأخير لسرعتها، أو ما لهم بعدها من إفاقة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا يَنظُرُ هَـؤُلآءِ} أي: ينتظرُ، {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً} قال قتادة: تَوَعَّدَهُمْ سُبْحَانَهُ بصيحةِ القِيَامَةِ والنفخِ في الصُّور، قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وقد رُوِيَ هذا التفسيرُ مرفوعاً، وقالتْ طائِفَةٌ: تَوَعَّدَهُمْ اللَّهُ بِصَيْحَةٍ يُهْلَكُونَ بِهَا في الدنيا، {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} قرأ الجمهورُ ـــ بفتح الفاءِ ـــ، وقَرأ حمزةُ والكسائي «فُوَاق» ـــ بِضم الفاء ـــ، قال ابن عباس: هما بمعنًى، أي: ما لَها من انْقِطَاعٍ وَعَوْدَةٍ، بَلْ هِي مُتَّصِلَةٌ حَتَّىٰ تُهْلِكَهُمْ، ومنه: فُوَاقُ الحَلْبِ، وهُوَ المُهْلَةُ التي بَيْنَ «الشُّخْبَيْنِ»، وقال ابن زَيْدٍ وغيرُهُ: المعنَىٰ مُخْتَلِفٌ، فالضَّمُّ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَعْنَى فُوَاقِ النَّاقَةِ، والفتحُ بِمَعْنَى الإفَاقَةِ، أيْ: لا يُفِيقُونَ فيها كما يُفِيقُ المَرِيضُ، والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، والْقِطُّ: الحَظُّ والنصيبُ، والْقِطُّ أَيْضاً الصَّكُّ والكتابُ من السُّلْطَانِ بِصِلة، ونحوهِ، واختلِف في الْقِطِّ هُنَا، ما أرادوا به؟ فقال ابن جُبَيْر: أرادوا به: عَجَّلْ لَنَا نَصِيبَنَا من الخَيْرِ والنَّعيمِ في دُنْيَانا، وقال أبو العالية: أرادوا عَجِّل لنا صُحُفَنَا بأيمانِنا؛ وذلك لمَّا سَمِعُوا في القرآن أَنَّ الصُحُفَ تُعْطَىٰ يوم القيامةِ بالأيْمَانِ والشَّمائِل، وقال ابن عباس وغَيره: أرادوا ضِدَّ هَذَا من العذابِ ونحوهِ، وهذا نظيرُ قولهم {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ } تفسير : [الأنفال:32] قال * ع *: وعلى كل تأويل، فكَلاَمُهُم خَرَجَ عَلى جِهَةِ الاسْتِخْفَافِ والهُزْءِ. {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا * دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ} أَي: فَتَأَسَّ به ولاَ تَلْتَفِتْ إلَىٰ هؤلاءِ، «والأيْدِ» القُوَّةُ في الدين والشرع والصَّدْعُ به، والـ{أَوَّابٌ} الرَّجَّاعُ إلى طَاعةِ اللَّهِ، وقاله مجاهد وابن زيد وفسَّره السُّدِّيُّ: بالمُسَبِّحِ، وتسبيحُ الجِبَالِ هنا حقيقةٌ، و {الإشْرَاق}: ضياءُ الشَّمْسِ وارتفاعُها، وفي هذين الوَقْتَيْنِ كانت صلاَةُ بنِي إسرائيل، قال الثعلبيُّ: وليس الإشْرَاقُ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وإنما هو صَفَاؤُها وضوءها، انتهى. قال ابن العربي في «أحكامه»: قال [ابن عباس]: ما كنتُ أعْلَمُ صلاةَ الضُّحَىٰ في القرآن حتى سمعتُ اللَّهَ تعالى يقول: {يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلإِشْرَاقِ} قال ابن العربي: أما صلاةُ الضُّحَىٰ فَهِي في هٰذِهِ الآيةِ نافلةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، ولا ينبغي أنْ تُصَلَّىٰ حتى تتبينَ الشمسُ طَالعةً قَدْ أشْرَقَ نُورُهَا، وفي صلاةِ الضحَىٰ أحاديثُ أُصُولُهَا ثلاثةٌ: الأولُ حديثُ أبي ذَرٍّ وغيرِه عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّه قال: «حديث : يُصْبِحُ عَلَىٰ كُلِّ سُلاَمَىٰ مِنِ ٱبْنِ آدَمَ صَدَقَةٌ؛ تَسْليمُهُ عَلَىٰ مَنْ لَقِيَ صَدَقَةٌ، وأَمْرُهُ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، ونَهْيُهُ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وإمَاطَتُهُ الأَذَىٰ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وبُضْعُهُ أهْلَهُ صَدَقَةٌ، ويجزىء مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَانِ مِنَ الضُّحَىٰ» .تفسير : الثَّانِي: حديثُ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الجُهَنِيِّ عَنْ أبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيِّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ قال: «حديث : مَنْ قَعَدَ في مُصَلاَّهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ، حَتَّىٰ يُسَبِّحَ رَكْعَتَيْ الضُّحَىٰ لاَ يَقُولُ إلاَّ خَيْراً، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وإنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ البَحْرِ».تفسير : الثالثُ: حَدِيثُ أُمِّ هانىء أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّىٰ يَوْمَ الفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، انْتَهَى. * ت *: وَرَوَى أبو عيسى الترمذيُّ وغَيْرُهُ عن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ صَلَّى الفَجْرَ في جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَىٰ، حَتَّىٰ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّىٰ رَكْعَتَيْنِ، كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وعُمْرَةٍ تَامَّةٍ»تفسير : ، قَالَ الترمذيُّ: حديثٌ حَسَنٌ انتهى. قال الشَّيْخُ أَبو الحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ في شرحه للبُخَارِيِّ: وعن زيدِ بْنِ أسْلَمَ قَال: سمعتُ عَبد اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يقولُ لأبي ذَرٍّ: أوْصِنِي يَا عَمُّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا سَأَلْتَنِي؛ فَقَالَ: «حديث : مَنْ صَلَّى الضُّحَىٰ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافِلِينَ، وَمَنْ صَلَّىٰ أَرْبَعَاً، كُتِبَ مِنَ العَابِدِينَ، ومَنْ صَلَّىٰ ستًّاً، لَمْ يَلْحَقْهُ ذَلِكَ اليَوْمَ ذَنْبٌ، وَمَنْ صَلَّىٰ ثَمانياً، كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، ومَنْ صَلَّىٰ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بَنَىٰ اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ» تفسير : انتهى. {وَٱلطَّيْرَ}: عَطْفٌ عَلَى الْجِبَالِ، أي: وسَخَّرْنَا الطيرَ، و{مَحْشُورَةً} معناهُ مجموعةً، والضميرُ في «لهُ» قَالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائدٌ على اللَّهِ ـــ عزَّ وجلَّ ـــ و{كُلٌّ} على هذا، يُرَادُ بهِ: دَاوُدُ والجبالُ والطيرُ، وقالت فرقة: هو عائدٌ على داودَ فـ{كُلٌّ} على هذا يُرَادُ بهِ الجبالُ والطيرُ.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا يَنظُرُ هَـؤُلآء} شروعٌ في بـيان عقابِ كُفَّارِ مكَّة إثر بـيانِ عقابِ أضرابِهم من الأحزابِ الذين أُخبر فيما سبقَ بأنَّهم جندٌ حقيرٌ منهم مهزومٌ عن قريبٍ فإنَّ ذلكَ ممَّا يوجبُ انتظارَ السَّامعِ وترقبه إلي بـيانه قطعاً، وفي الإشارةِ إليهم بهؤلاء تحقيرٌ لشأنِهم وتهوينٌ لأمرِهم، وأمَّا جعلُه إشارةً إلى الأحزابِ باعتبارِ حضورِهم بحسبِ الذِّكرِ أو حضورِهم في علمِ الله عزَّ وجلَّ فليس في حيِّزِ الاحتمالِ أصلاً كيف لا والانتظار سواءٌ كان حقيقةً أو استهزاءً إنَّما يُتصوَّو في حقِّ من لم يترتب على أعمالِه نتائَجُها بعْد، وبعدَ ما بـيّن عقابُ الأحزابِ واستئصالُهم بالمرَّةِ لم يبقَ ممَّا أُريد بـيانُه من عقوباتهم أمرٌ منتظرٌ وإنَّما الذين في مرصدِ الأنتظارِ كفَّارُ مكَّةَ حيث ارتكبُوا من عظائمِ الجرائم وكبائرِ الجرائرِ الموجبة لأشدِّ العقوباتِ مثلَ ما ارتكب الأحزابُ أو أشدَّ منه ولمَّا يلاقوا بعد شيئاً من غوائلِها أي وما ينتظُر هؤلاءِ الكَفَرةُ الذين هم أمثالُ أولئك الطَّوائفِ المهلكة في الكُفرِ والتَّكذيبِ {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً} هي النَّفخةُ الثَّانيةُ لا بمعني أنَّ عقابهم نفسُها بما فيها من الشِّدَّةِ والهَوْلِ فإنَّها داهيةٌ يعمُّ هولُها جميعَ الأُممِ برَّهاً وفاجرِها بل بمعنى أنَّه ليس بـينهم وبـين حلولِ ما أُعدَّ لهم من العقاب الفظيعِ إلاَّ هي حيثُ أُخِّرتْ عقوبتُهم إلى الآخرةِ لما أنَّ تعذيبَهم بالاستئصال حسبما يستحقُّونه. والنَّبـيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بـين أظهرهم خارجٌ عن السُّنَّةِ الإلهيَّةِ المبنية على الحكم الباهرةِ كما نطقَ به قولُه تعالى: { أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} تفسير : [سورة الأنفال: الآية 33] وأمَّا ما قيل: مِن أنَّها النَّفخةُ الأَولى فممَّا لا وجهَ له أصلاً لما أنَّه لا يشاهدُ هولَها ولا يُصعقُ بها إلاَّ من كانَ حيَّاً عند وقوعِها وليس عقابُهم الموعودُ واقعاً عقيبها ولا العذابُ المطَلقُ مؤخَّراً إليها بل يحلُّ بهم من حينِ موتِهم {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} أي من توقُّفٍ مقدار فَوَاقٍ وهو ما بـين الحَلْبتينِ. وقُرىء بضمِّ الفاءِ وهُما لغتانِ. وقولُه تعالى: {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ} حكاية لما قالُوه عند سماعِهم بتأخير عقابهم إلى الآخرةِ أي قالوا بطريق الاستهزاء والسُّخريةِ عجِّل لنا قطَّناً من العذابِ الذي تُوعدنا به ولا تؤخره إلى يومِ الحسابِ الذي مبدؤه الصَّيحةُ المذكورةُ. والقطُّ: القطعةُ من الشَّيءِ من قطَّه إذا قطَعه، ويقالُ لصحيفةِ الجائزةِ قطٌّ لأنَّها قطعةٌ من القرطاسِ، وقد فسِّر بها أي عجِّل لنا صحيفةَ أعمالِنا لننظرَ فيها. وقيل ذكرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وعدَ الله تعالى المؤمنينَ الجنَّة فَقالُوا على سبـيلِ الهُزءِ به عجِّلْ لنا نصيبنَا منها. وتصديرُ دُعائِهم بالنِّداءِ المذكورِ للإمعانِ في الاستهزاءِ كأنَّهم يدعُون ذلك بكمالِ الرَّغبةِ والابتهالِ. {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} من أمثالِ هذه المقالاتِ الباطلةِ {وَٱذْكُرْ} لهم {عَبْدَنَا دَاوُودُ} أي قصَّته تهويلاً لأمرِ المعصيةِ في أعينهم وتنبـيهاً لهم على كمالِ قُبح ما اجترؤُا عليه من المَعاصي فإنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مع علوِّ شأنِه واختصاصِه بعظائمِ النِّعمِ والكراماتِ لمَّا ألمَّ بصغيرةٍ نزلَ عن منزلتِه ووبَّخْته الملائكةُ بالتَّمثيلِ والتَّعريضِ حتَّى تفطَّنَ فاستغفرَ ربَّه وأنابَ ووُجد منه ما يُحكى من بكائِه الدَّائبِ وغمِّه الواصبِ وندمِه الدَّائمِ فما الظنُّ بهؤلاءِ الكَفَرةِ والأذلِّينَ من كلِّ ذليلٍ المرتكبـينَ لأكبرِ الكبائرِ المصرِّين على أعظمِ المَعَاصي أو تذكَّر قصَّته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وصُنْ نفسَك أنْ تزلَّ فيما كُلِّفت من مصابرتِهم وتحمُّلِ أذيَّتهم كيلا يلقاكَ ما لقيه من المعاتبةِ {ذَا ٱلأَيْدِ} أي ذَا الُقوَّة يقال فلانٌ أيدٌ وذُو أيدٍ وآدٌ بمعنى، وإيادُ كلِّ شيءٍ ما يُتقوَّى بهِ {إِنَّهُ أَوَّابٌ} رجَّاعٌ إلى مرضاةِ الله تعالى وهو تعليلٌ لكونِه ذَا الأيدِ ودليلٌ على أنَّ المرادَ به القَّوةُ في الدِّينِ فإنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كان يصومُ يوماً ويفطرُ يوماً ويقوم نصفَ اللَّيلِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما ينظر هؤلاء} الاشارة الى كفار مكة بهؤلاء تحقير لشأنهم وتهوين لامرهم وما ينتظر هؤلاء الكفرة الذين هم امثال اولئك الطوائف المذكورة المهلكة فى الكفر والتكذيب {الا صيحة واحدة} هى النفخة الثانية اى ليس بينهم وبين حلول ما اعد لهم من العقاب الفظيع الا هى حيث اخرت عقوبتهم الى الآخرة لما ان تعذيبهم بالاستئصال حسبما يستحقونه والنبى عليه السلام بين اظهرهم خارج عن السنة الالهية المبنية على الحكم الباهرة كما نطق به قوله تعالى {أية : وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم} تفسير : ثم ان الانتظار يحتمل ان يكون حقيقة او استهزاء فهم وان كانوا ليسوا بمنتظرين لان تأتيهم الصيحة الا انهم جعلوا منتظرين لها تنبيها على قربها منهم فان الرجل انما ينتظر الشىء ويمد طرفه اليه مترقبا فى كل آن حضوره اذا كان الشىء فى غاية القرب منه {ما لها من فواق} اى ما للصيحة من توقف مقدار فواق ففيه تقدير مضاف هو صفة لموصوف مقدر. والفواق بالضم كغراب ويفتح كما فى القاموس ما بين حلبتى الحالب من الوقت لان الناقة تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لادرار اللبن ثم تحلب ثانية يعنى اذا جاء وقت الصيحة لم تستأخر هذا القدر من الزمان كقوله تعالى {أية : فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة} تفسير : وهو عبارة عن الزمان اليسير وفى الحديث "حديث : من اعتكف قدر فواق فكأنما اعتق رقبة من ولد اسماعيل" تفسير : وفى الحديث "حديث : من قاتل فى سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة " تفسير : وفى الآيتين اشارة الى تسلية قلب النبى عليه السلام وتصفيته عن الاهتمام بكفار مكة لئلا يضيق قلبه من تكذيبهم ولا يحزن عليهم لكفرهم فان هؤلاء الاحزاب كذبوا الرسل كما كذبه قومه وكانوا اقوياء متكثرين عددا وقومه جندا قليلا من تلك المتحزبين ثم انهم كانوا مظهر القهر وحطب نار الغضب ما اغنى عنهم جمعهم وقوتهم ابدانا وكثرتهم اسبابا فكذا حال قريش فانتظارهم ايضا اثر من آثار القهر الالهى ونار من نيران الغضب القهارى
اطفيش
تفسير : {وَمَا يَنظُرُ} أي ينتظر {هَؤُلآَءِ} المكذبون لك {إِلاَّ صَيْحَةً} أي نفخة {وَاحِدَةً} وهي نفخة القيامة يحل بهم العذاب. قال قتادة: وقيل يهلكون بها في الدنيا أو هذه الصيحة كأنها حاضرة بين أيديهم كجسم من الأجسام يرونه. {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} أي رجوع اذا جاءت فلا راد لها أو من توقف مقدار (فواق) وهو ما بين الحلبتين وفى هذا المقدار ترجع اللبن داخل الضرع؛ وقيل: ما لها من انقطاع بل تتصل حتى تهلكهم فان تلك الصيحة فهي والا فمعنى أن أفعالهم تستوجبها ويعف الله ويدخر للآخرة والفاء مفتوح عند الجمهور. وقرأ حمزة والكسائي بالضم والمعنى واحد وقال أبو زيد وغيره معنى المضموم ما مر من فواق نحو الناقة والفتح بمعنى الافاقة أي لا يفيقون منها كما يفيق المريض والمغشي عليه.
اطفيش
تفسير : {وما يَنْظر} ينتظر {هؤلاء} الكفرة من قومك يا محمد المستوجبون العذاب بكفرهم كمن قبلهم {إلا صَيْحة واحِدةً} تهلكهم وهم محتقرون أذلاء، شبه تحققها قطعا، بأمر أقروا به أنه سيكون، فهم ينتظرونه، وتلك الاشارة للاحتقار، كما أهلكنا من قبلهم، لكن لم نقضها عليهم تشريفا لك،وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم،أى وأنت نبيهم، وانما يعذبون فى قبورهم، وبعد الحشر أو الا صيحة واحدة صيحة البعث، يعذبون تعدها كسائر الكفرة، لا تعذيبا فى الدنيا كهؤلاء الامم، وقيل الصيحة الواحدة مجاز لما أصابهم يوم بدر أو يوم الفتح، تجوز الاشارة الى هؤلاء الأحزاب، يعذبون عند نفخة البعث، والعقاب المذكور قبله فى الدنيا. {مَا لها مِنْ فَواقٍ} الجملة نعت ثان على حذف مضافين أى ما لها اذا حضر وقتها من توقف مقدار فواق، والفواق ما بين الحلبتين فى موضع واحد، أو ما بين رضعتى الراضع فى موضع واحد، أو بلا حذف، أى ما لها من رجوع لا تغنى ولا ترتد، وفى زمان ما بين الحلبتين أو الرضعتين، يرجع اللبن الى الضرع، وأيضا فواق المريض رجوعه الى الصحة اسم للمصدر الذى هو الافاقة، وفى ذلك مجاز مرسل باطلاق اسم الملزوم وهو الفواق، وارادة اللازم وهو توقف ذلك المقدار، أو مقدار الرجوع.
الالوسي
تفسير : {وَمَا يَنظُرُ هَـؤُلآء إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } شروع في بيان عقاب كفار مكة إثر بيان عقاب أضرابهم فإن الكلام السابق مما يوجب ترقب السامع بيانه، والنظر بمعنى الانتظار وعبر به مجازاً بجعل محقق/ الوقوع كأنه أمر منتظر لهم. والإشارة بهؤلاء للتحقير. والمراد بالصيحة الواحدة النفخة الثانية، أي ما ينتظر هؤلاء الكفرة الحقيرون الذين هم أمثال أولئك الطوائف المهلكة في الكفر والتكذيب شيئاً إلا النفخة الثانية التي تقوم بها الساعة قاله قتادة وليس المراد أنها نفسها عقاب لهم لعمومها للبر والفاجر من جميع الأمم بل المراد أنه ليس بينهم وبين ما أعد لهم من العذاب إلا هي لتأخير عقوبتهم إلى الآخرة لما أن تعذيبهم بالاستئصال حسبما يستحقونه والنبـي صلى الله عليه وسلم موجود خارج عن السنة الإلهية المبنية على الحكم الباهرة كما نطق به قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ }تفسير : [الأنفال: 33] إذ المراد من {وَأَنتَ فِيهِمْ } وجوده عليه الصلاة والسلام لا مجاورته لهم كما توهم حتى يقال: لا دلالة في الآية على امتناع وقوعه بعد الهجرة لمخالفته للتفسير المشهور. وقيل المراد بالصيحة المذكورة النفخة الأولى. وتعقب بأنه مما لا وجه له أصلاً لما أنه لا يشاهد هولها ولا يصعق بها إلا من كان حياً عند وقوعها وليس عقابهم الموعود واقعاً عقيبها ولا العذاب المطلق مؤخراً إليها بل يحل بهم من حين موتهم. وقيل المراد صيحة يهلكون بها في الدنيا كما هلكت ثمود، ولا يخفى أن هذا تعذيب بالاستئصال وهو مما لا يقع كما سمعت فلا يكون منتظراً، وقال أبو حيان: الصيحة ما نالهم من قتل وأسر وغلبة كما تقول صاح بهم الدهر فهي مجاز عن الشر كما في قولهم ما ينتظرون إلا مثل صيحة الحبلى أي شراً يعاجلهم، وفيه بعد. وجوز جعل {هؤلاء} إشارة إلى الأحزاب ولما سبق ذكرهم مكرراً مؤكداً استحضرهم المخاطب في ذهنه فنزل الوجود الذهني منزلة الخارجي المحسوس وأشير إليهم بما يشار به للحاضر المشاهد، واحتمال التحقير قائم ولا ينبو عنه التعبير بأولئك لأن البعد في الواقع مع أنه قد يقصد به التحقير أيضا. ً والكلام بيان لما يصيرون إليه في الآخرة من العقاب بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب، وجعلهم منتظرين له لأن ما أصابهم من عذاب الاستئصال ليس هو نتيجة ما جنوه من قبيح الأعمال إذ لا يعتد به بالنسبة إلى ما ثمت من الأهوال فهو تحذير لكفار قريش وتخويف لمن يساق له الحديث فلا وجه لما قاله أبو السعود من أن هذا ليس في حيز الاحتمال أصلاً لأن الانتظار سواء كان حقيقة أو استهزاءً إنما يتصور في حق من لم يترتب على أعماله نتائجها بعد، وبعد ما بين عقاب الأحزاب واستئصالهم بالمرة لم يبق مما أريد بيانه من عقوباتهم أمر منتظر بخلاف كفار قريش حيث ارتكبوا ما ارتكبوا ولما يلاقوا بعد شيئاً قاله الخفاجي، ولا يخفى أن المنساق إلى الذهن هو الاحتمال الأول وهو المأثور عن السلف. والفواق الزمن الذي بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع ويقال للبن الذي يجتمع في الضرع بين الحلبتين فيقة ويجمع على أفواق وأفاويق جمع الجمع، والكلام على تقدير مضافين أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة ما لها من توقف مقدار فواق أو على ذكر الملزوم الذي هو الفواق وإرادة اللازم الذي هو التوقف مقداره، وهو مجاز مشهور والمعنى إن الصيحة إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان. وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة تفسيره بالرجوع والترداد، وهو مجاز أطلق فيه الملزوم وأريد اللازم فإن في الزمان بين الحلبتين يرجع اللبن إلى الضرع، والمعنى أنها صيحة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد فالجملة عليه صفة مؤكدة لوحدة الصيحة. وقرأ السلمي وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وطلحة بضم الفاء فقيل هما بمعنى واحد وهو ما تقدم كقصاص الشعر وقصاصه، وقيل: المفتوح اسم مصدر من أفاق المريض إفاقة وفاقة إذا رجع إلى الصحة/ وإليه يرجع تفسير ابن زيد والسدي وأبـي عبيدة والفراء له بالإفاقة والاستراحة، والمضموم اسم ساعة رجوع اللبن للضرع. وقوله تعالى: {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ...}.
ابن عاشور
تفسير : لما أشعر قوله: {أية : فحَقَّ عِقَابِ}تفسير : [ص:14] بتهديد مشركي قريش بعذاب ينتظرهم جَرْياً على سنة الله في جزاء المكذبين رسلَه، عطف على جملة الإِخبار عن حلول العذاب بالأحزاب السابقين جملةُ تَوعد بعذاب الذين ماثلوهم في التكذيب. و {هؤلاء} إشارة إلى كفار قريش لأن تجدد دعوتهم ووعيدهم وتكذيبهم يوماً فيوماً جعلهم كالحاضرين فكانت الإِشارة مفهوماً منها أنها إليهم، وقد تتبعتُ اصطلاح القرآن فوجدتُه إذا استعمل {هٰؤُلاءِ} ولم يكن معه مشار إليه مذكور: أنه يريد به المشركين من أهل مكة كما نبهتُ عليه فيما مضى غير مرة. و {يَنظُرُ} مشتق من النظر بمعنى الانتظار قال تعالى: {أية : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة}تفسير : [الأنعام: 158]، أي ما ينتظر المشركون إلا صيحة واحدة، وهذا كقوله تعالى: {أية : فهل ينتظرون إلاّ مثل أيام الذين خلوا من قبلهم}تفسير : [يونس: 102]. والمتبادر من الآية أنها تهديد لهم بصيحة صاعقة ونحوها كصيحة ثمود أو صيحة النفخ في الصور التي يقع عندها البعث للجزاء، ولكن ما سبق ذكره آنفاً من أن قوله تعالى: {أية : جُندٌ ما هُنالكَ مهزومٌ منَ الأحزابِ}تفسير : [ص:11] إيماءٌ إلى بشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن معانديه سيهزمون ويَعمل فيهم السيف يوم بدر، يقتضي أن الصيحة صيحة القتال وهي أن يصيح النذير: يَا صباحاه كما صَاح الصارخ بمكة حين تعرَّض المسلمون لعير قريش ببدر. ووصفها بــــ {واحِدَةً} إشارة إلى أن الصاعقة عظيمة مهلكة، أو أن النفخة واحدة وهي نفخة الصعق، وفي خفيّ المعنى إيماء إلى أن القوم يبتدرون إلى السلاح ويخرجون مسرعين لإِنقاذ عيرهم فكانت الوقعة العظيمة وقعة يوم بدر أو صيحة المبارزين للقتال يومئذٍ. وأسند الانتظار إليهم في حين أنهم غافلون عن ذلك ومكذبون بظاهره إسناد مجازي على طريقة المجاز العقلي فإنهم يَنتظر بهم ذلك المسلمون الموعودون بالنصر، أو ينتظِر بهم الملائكة الموكّلون بحشرهم عند النفخة، فلما كانوا متعلَّق الانتظار أسند فعل {يَنظُرُ} إليهم لملابسة المفعولية على نحو {أية : في عيشةٍ راضية}تفسير : [الحاقة:21]. والفواق، بفتح الفاء وضمها: اسم لما بين حلبتي حالب الناقة ورضعتي فَصيلها، فإن الحالب يحلب الناقة ثم يتركها ساعة ليرضعها فصيلها ليَدر اللبن في الضرع ثم يعودون فيحلبونها، فالمدة التي بين الحلبتين تسمى فَواقاً. وهي ساعة قليلة وهم قبل ابتداء الحلب يتركون الفصيل يرضعها لتدرّ باللبن. وجمهور أهل اللغة على أن الفتح والضم فيه سواء، وذهب أبو عبيدة والفراء إلى أن بين المفتوح والمضموم فَرقاً فقالا: المفتوح بمعنى الراحة مثل الجَواب من الإِجابة، والمضمومُ اسم للمدة. واللبن المجتمع في تلك الحصة يسمى: الفِيقَة بكسر الفاء، وجمعُها أفاويق. ومعنى {ما لَها من فَواقٍ} ليس بعدها إمهال بقدر الفواق، وهذا كقوله تعالى: {أية : ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصِّمون فلا يستطيعون توصية}تفسير : [يس:49 - 50]. وقرأ الجمهور {فَوَاقٍ} بفتح الفاء. وقرأه حمزة والكسائي بضم الفاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {واحِدَةً} (15) - وَهَلْ يَنْتَظِرُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ (هَؤُلاَءِ) إِلاَّ نَفْخَةًَ وَاحِدَةً فِي الصُّورِ حَتَّى يُصْعَقُوا، وَيَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مِنْ قَبْلَهُمْ، وَلاَ يَحْتَاجُ الأَمْرُ إِلَى صَيْحَةٍ ثَانِيَةٍ غَيْرِهَا لإِهْلاَكِهِمْ، وَإِذَا حَلَّ الأَجَلُ المَضْرُوبُ لِعَذَابِهِمْ فَإِنَّهُمْ لاَ يَتَأَخَّرُونَ عَنْهُ وَلَوْ مُدَّةً قَلِيلَةً. الفَوَاقُ - الزَّمَنُ الفَاصِلُ بَيْنَ حَلْبَتَيْنِ لِلنَّاقَةِ، أَيْ إِنَّ العَذَابِ يَأْتِيهِمْ فَوْراً وَلاَ يَتَأَخَّرُ لَحْظَةً وَاحِدَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: ما ينتظرون، فعذابهم بالنسبة لنا أمر يسير لا يحتاج إلى علاج، إنما هي مجرد صيحة واحدة أي: نفخة واحدة قالوا: هي النفخة الثانية التي بها يُبعث الخَلْق {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} [ص: 15] يعني: لا إفاقةَ لهم بعدها.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} يقال ما لها من مَرةٍ، هي كَلمحِ البَصرِ، أو هي أقربُ. والفَواقُ في النَاقةِ: ما بين الحَلبتينِ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 822 : 5 : 13 - سفين (في) قوله {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} قال، من رجعة. [الآية 15].
همام الصنعاني
تفسير : 2578- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {فَوَاقٍ}: [الآية: 15]، قال: ليس لها مَثْنوية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):