٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر لما ٱستهزءوا به. وهذه منسوخة بآية السيف. قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ} لما ذكر من أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالصبر على أذاهم، وسلاّه بكل ما تقدّم ذكره. ثم أخذ في ذكر داود وقصص الأنبياء؛ ليتسلى بصبر من صبر منهم؛ وليعلم أن له في الآخرة أضعاف ما أعطيه داود وغيره من الأنبياء. وقيل: المعنى اصبر على قولهم، وٱذكر لهم أقاصيص الأنبياء؛ لتكون برهاناً على صحة نبوّتك. «ذَا الأيْدِ» ذا القوّة في العبادة. وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وذلك أشد الصوم وأفضله؛ وكان يصلي نصف الليل، وكان لا يفر إذا لاقى العدوّ، وكان قوياً في الدعاء إلى الله تعالى. وقوله: «عَبْدَنَا» إظهاراً لشرفه بهذه الإضافة. ويقال: الأيْد وَالآدُ كما تقول العيب والعاب. قال:شعر : لمْ يَكُ يَنْآدُ فَأَمْسَى ٱنْآدا تفسير : ومنه رجل أيِّدٌ أي قويّ. وتأَيَّدَ الشيء تقوّى، قال الشاعر:شعر : إذَا القوسُ وَتَّرهَا أَيِّدٌ رَمَى فأَصابَ الكُلى وَالذُّرا تفسير : يقول: إذا اللّه وَتَّر القوس التي في السحاب رَمَى كُلى الإبل وأسنمَتها بالشحم. يعني من النبات الذي يكون من المطر. {إِنَّهُ أَوَّابٌ} قال الضحاك: أي توّاب. وعن غيره: أنه كلما ذكر ذنبه أو خطر على باله ٱستغفر منه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأستغفر اللّه في اليوم والليلة مائة مرة»تفسير : . ويقال آب يؤوب إذا رجع؛ كما قال:شعر : وكلُّ ذي غَيْبَةٍ يؤوبُ وغائبُ الموت لا يؤوبُ تفسير : فكان داود رجَّاعاً إلى طاعة اللّه ورضاه في كل أمر فهو أهل لأن يقتدى به.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى عن عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام أنه كان ذا أيد، والأيد القوة في العلم والعمل. قال ابن عباس رضي الله عنهما، والسدي وابن زيد: الأيد: القوة، وقرأ ابن زيد: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} تفسير : [الذاريات: 47] وقال مجاهد: الأيد: القوة في الطاعة. وقال قتادة: أعطي داود عليه الصلاة والسلام قوة في العبادة، وفقهاً في الإسلام، وقد ذكر لنا أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم ثلث الليل، ويصوم نصف الدهر، وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله عز وجل صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى وأنه كان أوابا» تفسير : ، وهو الرجاع إلى الله عز وجل في جميع أموره وشؤونه. وقوله تعالى: { إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلإِشْرَاقِ} أي: إنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار؛ كما قال عز وجل: {أية : يَٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ} تفسير : [سبأ: 10] وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه، وترجع بترجيعه، إذا مر الطير وهو سابح في الهواء، فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور، لا يستطيع الذهاب، بل يقف في الهواء، ويسبح معه، وتجيبه الجبال الشامخات، ترجع معه، وتسبح تبعاً له. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن بشر عن مسعر عن عبد الكريم عن موسى بن أبي كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه بلغه أن أم هانىء رضي الله عنها ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، صلى الضحى ثمان ركعات، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة، يقول عز وجل: {يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلإِشْرَاقِ} ثم رواه من حديث سعيد بن أبي عروبة عن أبي المتوكل عن أيوب بن صفوان عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل: أن ابن عباس رضي الله عنهما كان لا يصلي الضحى، فأدخلته على أم هانىء رضي الله عنها، فقلت: أخبري هذا ما أخبرتني به، فقالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في بيتي، ثم أمر بماء صب في قصعة، ثم أمر بثوب، فأخذ بيني وبينه، فاغتسل، ثم رش ناحية البيت، فصلى ثمان ركعات، وذلك من الضحى، قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء، قريب بعضهن من بعض، فخرج ابن عباس رضي الله عنهما وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن: {يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلإِشْرَاقِ} وكنت أقول: أين صلاة الإشراق؟ وكان بعد يقول: صلاة الإشراق، ولهذا قال عز وجل: {وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً} أي: محبوسة في الهواء {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} أي: مطيع يسبح تبعاً له، وقال سعيد بن جبير وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} أي: مطيع. وقوله تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} أي: جعلنا له ملكاً كاملاً من جميع ما يحتاج إليه الملوك، قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كان أشد أهل الدنيا سلطاناً، وقال السدي: كان يحرسه كل يوم أربعة آلاف، وقال بعض السلف: بلغني أنه كان يحرسه في كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفاً، لا تدور عليهم النوبة إلى مثلها من العام القابل، وقال غيره: أربعون ألفاً مشتملون بالسلاح. وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم من رواية علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نفرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الآخر إلى داود عليه الصلاة والسلام أنه اغتصبه بقراً، فأنكر الآخر، ولم يكن للمدعي بينة، فأرجأ أمرهما، فلما كان الليل، أمر داود عليه الصلاة والسلام في المنام بقتل المدعي، فلما كان النهار، طلبهما، وأمر بقتل المدعي، فقال: يا نبي الله علام تقتلني وقد اغتصبني هذا بقري؟ فقال له: إن الله تعالى أمرني بقتلك، فأنا قاتلك لا محالة، فقال: والله يا نبي الله إن الله لم يأمرك بقتلي لأجل هذا الذي ادعيت عليه، وإني لصادق فيما ادعيت، ولكني كنت قد اغتلت أباه وقتلته، ولم يشعر بذلك أحد، فأمر به داود عليه السلام فقتل، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فاشتدت هيبته في بني إسرائيل، وهو الذي يقول الله عز وجل: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ}. وقوله عز وعلا: {وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ} قال مجاهد: يعني: الفهم والعقل والفطنة، وقال مرة: الحكمة والعدل، وقال مرة: الصواب، وقال قتادة: كتاب الله واتباع ما فيه، فقال السدي: {الْحِكْمَةَ} النبوة. وقوله جل جلاله: {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} قال شريح القاضي والشعبي: فصل الخطاب: الشهود والأيمان. وقال قتادة: شاهدان على المدعي، أو يمين المدعى عليه هو فصل الخطاب الذي فصل به الأنبياء والرسل، أو قال: المؤمنون والصالحون، وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة، وكذا قال أبو عبد الرحمن السلمي. وقال مجاهد والسدي: هو إصابة القضاء، وفهم ذلك. وقال مجاهد أيضاً: هو الفصل في الكلام وفي الحكم، وهذا يشمل هذا كله، وهو المراد، واختاره ابن جرير، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبّة النميري، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى رضي الله عنه قال: أول من قال: أما بعد، داود عليه السلام، وهو فصل الخطاب، وكذا قال الشعبي: فصل الخطاب: أما بعد.
المحلي و السيوطي
تفسير : قال تعالى: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدُ ذَا ٱلأَيْدِ } أي القوّة في العبادة: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ويقوم نصف الليل وينام ثلثه ويقوم سدسه {إِنَّهُ أَوَّابٌ } رجّاع إلى مرضاة الله.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {اصبر على ما يقولون} يعني كما صبر أولو العزم من الرسل لا كمن لم يصبر مثل يونس. {واذكر عبدنا داود} أي فإنا نحسن إليك كما أحسنا إلى داود قبلك بالصبر. {ذا الأيد} فيه قولان: أحدهما: ذا النعم التي أنعم الله بها عليه لأنها جمع يد حذفت منه الياء، واليد النعمة. الثاني: ذا القوة، قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد، ومنه {والسماء بنيناها بأيد} أي بقوة. وفيما نسب داود إليه من القوة قولان: أحدهما: القوة في طاعة الله والنصر في الحرب، قاله مجاهد. الثاني: ذا القوة في العبادة والفقه في الدين قاله قتادة. وذكر أنه كان يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر. {إنه أواب} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه التواب، قاله مجاهد وابن زيد. الثاني: أنه الذي يؤوب إلى الطاعة ويرجع إليها، حكاه ابن زيد. الثالث: أنه المسبح، قاله الكلبي. الرابع: أنه الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها، قاله المنصور. قوله عز وجل: {وشَدَدنا ملكه} فيه وجهان: أحدهما: بالتأييد والنصر. الثاني: بالجنود والهيبة. قال قتادة: باثنين وثلاثين ألف حرس. {وآتيناه الحكمة} فيها خمسة تأويلات: أحدها: النبوة، قاله السدي. الثاني: السنّة، قاله قتادة. الثالث: العدل، قاله ابن نجيح. الرابع: العلم والفهم، قاله شريح. الخامس: الفضل والفطنة. {وفصل الخطاب} فيه خمسة تأويلات: أحدها: على القضاء والعدل فيه، قاله ابن عباس والحسن. الثاني: تكليف المدعي البينة والمدعَى عليه اليمين، قاله شريح وقتادة. الثالث: قوله أما بعد، وهو أول من تكلم بها، قاله أبو موسى الأشعري والشعبي. الرابع: أنه البيان الكافي في كل غرض مقصود. الخامس: أنه الفصل بين الكلام الأول والكلام الثاني.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ} فإنا نحسن إليك كما أحسنا إليه قبلك بصبره {الأَيْدِ} القوة، "ع"، أو النعمة في الطاعة والنصر في الحرب أو في العبادة والفقه في الدين كان يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر {أَوَّابٌ} تواب، أو مسبح، أو الذي يؤوب إلى الطاعة ويرجع إليها، أو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {داود ذا الأيد} قال: القوة في العمل في طاعة الله تعالى. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ذا الأيد} قال: القوّة في العبادة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {اذكر عبدنا داود ذا الأيد} قال: أعطي قوّة في العبادة، وفقهاً في الإِسلام. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه {ذا الأيد} قال: القوّة في العبادة، والبصر في الهدى. وأخرج البخاري في تاريخه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر داود عليه السلام وحدث عنه قال: كان أعبد البشر ". تفسير : وأخرج الديلمي عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينبغي لأحد أن يقول إني أعبد من داود ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام يطيل الصلاة من الليل، فيركع الركعة، ثم يرفع رأسه، فينظر إلى أديم السماء، ثم يقول: إليك رفعت رأسي يا عامر السماء، نظر العبيد إلى أربابها. وأخرج أحمد عن الحسن رضي الله عنه قال: قال داود عليه السلام: إلهي أي رزق أطيب؟ قال: ثمرة يدك يا داود. وأخرج أحمد عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام يصنع القفة من الخوص وهو على المنبر، ثم يرسل بها إلى السوق، فيبيعها ثم يأكل بثمنها. وأخرج أحمد عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام إذا قام من الليل يقول: اللهم نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت الحي القيوم الذي لا تأخذك سنة ولا نوم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأواب المسبح. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال: الأواب المسبح. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن شرحبيل رضي الله عنه قال: الأواب المسبح بلغة الحبشة. وأخرج الديلمي عن مجاهد رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقال "حديث : هو الرجل يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إنه أوّاب} قال: منيب راجع عن الذنوب. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: الأواب التائب الراجع. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {إنه أوّاب} قال: كان مطيعاً لربه، كثير الصلاة. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأواب الموقن.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} [الآية: 17]. سمعت عبد الله الرازى يقول: كتبت هذا من كتاب أبى عثمان وذكر أنه من كلام شاه: علامة الصبر ثلاثة أشياء ترك الشكوى وصدق الرضا وقبول القضاء بحلاوة القلب. سئل بعضهم عن الصبر قال: هو الفناء فى البلاء بلا ظهور اشتكاء.
القشيري
تفسير : {ذَا ٱلأَيْدِ} أي ذا القوة، ولم تكن قُوَّتُه قوةَ نَفْسٍ، وإنما كانت قوته قوةَ فِعْلٍ؛ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً - وهو أشدُّ الصوم، وكان قوياً في دين الله بِنَفْسِه وقلبه وهمته. {أَوَّابٌ} رَجَّاع.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} كان خاطر النبى صلى الله عليه وسلم ارق من ماء السّماء بل الطف من نور العرش والكرسى من كثرة ما ورد عليه نور الحق فكان ملطفا بنور نوره مرفقا بلذائه محبه وشوقه لا يحتمل رحمة مقالة المنكرين وهذا من كمال جلاله فى المعرفة لا انه لم يكن صابرا فى مقام العبودية بل كان عبيس الحق واهل ملكوته وسرادق مجده كيف يسمع سخرية المستهزئين على دنيه وشريعته فمنع ذلك امره الحق بالصبر على ما قالوا واعلمه بان ذلك امتحان من ولاية القهر والواجب على العاشق الصادق ان يستقيم فى مشاهدة القهر كما يستقيم فى مشاهدة اللطف واصل الصبر التلبس بنعت صبر الازل حتى يمكن احتمال اثقال امتحانه به والا كيف يحتمل الحدث واراد القدم وامر له بالاتصاف به ومع ذلك ذكره شان داود عليه الصلاة والسّلام فى صبره على ما قالوا فيه حين عشق بعروس من عرائسه حين تجلى الحق منها له فانه كان عاشق الحق وكان فى مبادى عشقه فسلاّه بواسطة من وسايطة حتى يلافنى فيه به ثم زاد فى وصفه حين قوت فى المحبة بالقوة الملكوتية بقوله {ذَا ٱلأَيْدِ} واحب نفسه له حامل اثقال قهره به راجع من الوسيلة الى الاصل بقوله {إِنَّهُ أَوَّابٌ} رجع الى الحق بنعت الندم على ما سلف من ايامه فى الفترة من عين القدم بغيره من اهل العدم وان كان طريقا منه اليه اى كن يا محمد كداود فى بلائى فانا بلاء الانبياء والمرسلين والعرفاء والصديقين قال شاء الكرمانى الصبر ثلثة اشياء ترك الشكوى وصدق الرضا وقبول القضاء بحلاوة القلب وقال بعضهم هو الفناء فى البلاء بلا ظهور واشتكاء قال بعضهم ----- ذا الصبر فى امر دينه.
اسماعيل حقي
تفسير : {اصبر} يا محمد {على ما يقولون} اى ما يقوله كفار قريش من المقالات الباطلة التى من جملتها قولهم فى تعجيل العذاب ربنا عجل لنا الخ فعن قريب سينزل الله نصرك ويعطيهم سؤلهم. قال شاه الكرمانى الصبر ثلاثة اشياء ترك الشكوى وصدق الرضى وقبول القضاء بحلاوة القلب. قال البقلى كان خاطر النبى عليه السلام ارق من ماء السماء بل الطف من نور العرش والكرسى من كثرة ما ورد عليه من نور الحق فلكمال جلاله فى المعرفة كان لا يحتمل مقالة المنكرين وسخرية المستهزئين لا انه لم يكن صابرا فى مقام العبودية {واذكر} من الذكر القلبى اى وتذكر {عبدنا} المخصوص بعنايتنا القديمة {داود} ابن ايشا من سبط يهودا بن يعقوب عليه السلام بينه وبين موسى عليه خمسمائة وتسع وستون سنة وقام بشريعة موسى وعاش مائة سنة {ذا الايد} يقال آد يئيد ايدا مثل باع يبيع بيعا اشتد وقوى. والايد القوة كما فى القاموس والقوة الشديدة كما فى المفردات اى ذا القوة فى الدين القائم بمشاقه وتكاليفه. وفى الكواشى ويجوز ان يراد القوة فى الجسد والدين انتهى. واعلم انه تعالى ذكر اولا قوة داود فى امر الدين ثم زلته بحسب القضاء الازلى ثم توبته بحسب العناية السابقة وامره عليه السلام بتذكر حاله وقوته فى باب الطاعة ليتقوى على الصبر ولا يزل عن مقام استقامته وتمكينه كما زل قدم داود فظهرت المناسبة بين المسندين واتضح وجه عطف واذكر على اصبر {انه اواب} من الاوب وهو الرجوع اى رجاع الى الله ومرضاته اى عن كل ما يكره الله الى ما يحب الله وهو تعليل لكونه ذا الايد ودليل على ان المراد به القوة فى امر الدين وما يتعلق بالعبادة لا قوة البدن لان كونه راجعا الى مرضاة الله لا يستلزم كونه قوى البدن وقد روى انه لم يكن جسيما كسائر الانبياء بل قصير القامة واكثر القوى البدنية كان فيمن زاده الله بسطة فى جسمه. وفى التأويلات النجمية تشير الآية الى كماليته فى العبودية بانه لم يكن عبد الدنيا ولا عبد الآخرة وانما كان عبدنا خالصا مخلصا وله قوة فى العبودية ظاهرا وباطنا. فاما قوته ظاهرا فبانه قتل جالوت وكثيرا من جنوده بثلاثة احجار رماها عليهم. واما قوته فى الباطن فلانه كان اوابا وقد سرت اوابيته فى الجبال والطير فكانت تؤوب معه انتهى. ومن قوة عبادة داود كان يصوم يوما ويفطر يوما وذلك اشد الصوم وكان ينام النصف الاول من الليل ويقوم النصف الاخير منه مع سياسة الملك. وفى بعض التفاسير كان ينام النصف الاول من الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وهو الموافق لما فى المشارق من قوله عليه السلام "حديث : احب الصيام الى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما واحب الصلاة الى الله" تفسير : اى فى النوافل "حديث : صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه" تفسير : وانما صار هذا النوع احب لان النفس اذا نامت الثلثين من الليل تكون اخف وانشط فى العبادة
الجنابذي
تفسير : {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} ولا تحزن بقولهم فانّهم لا يفوتوننا ولا ينالونك بمكروهٍ من غير اذننا وراجع ربّك على كلّ حالٍ {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ} جمع اليد بمعنى القوّة والنّعمة كما فى الخبر {إِنَّهُ أَوَّابٌ} مع كونه كثير القوّة والنّعمة فراجع انت ربّك.
اطفيش
تفسير : {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} من تكذيبك {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ} واقتد به في الصبر واحذر أن تنزل فيلقى كما لقيه من المعاناة على اهماله عنان نفسه أدنى اهمال. واذكر لهم قصته تعظيماً للمعصية فى أعينهم فانهم مع علو شأنه واختصاصه بعظائم النعم والمكرمات لما أتى بما لا يليق بمقامه نزل عن منزلته ووبخته الملائكة بالتمليل والتعريض حتى تفطن فاستغفر وتاب* {ذَا الأَيْدِ} أي صاحب القوة فى الملك وقال ابن عباس: فى الدين والشرع والصدع به والقوة في العبادة. وعن عبدالله بن عمرو بن العاص قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحب الصيام الى الله صيام داود وأحب الصلاة الى الله صلاة داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه" تفسير : ويروى "حديث : يقوم نصف الليل وينام ثلثه ويقوم سدسه" تفسير : {إِنَّهُ أَوَّابٌ} * أي كثير الأوب وعظيمه أي الرجوع عما لا يرضاه الله الى ما يرضاه. قال مجاهد وغيره قال ابن عباس مطيع لله وقال السدي مستح بلغة الحبش.
اطفيش
تفسير : {اصْبِر عَلى ما يقُولُون} مما يطيق القلب لمخالفة الحق {واذْكُر عَبْدنا داوُد} أى قصته لهم اذنا له ما ناله من الغم على ارتكاب ما هو خلاف الأولى، وأدام ندمه تائبا مع ملكه العظيم ونبوته، فكيف حالكم وقد أصررتم على الكفر، واذكرها لنفسك لتتحفظ عما يكره، وتصبر كما صبر {ذا الأيْد} أى القوة فى الدين، فكن مثله وهو اسم مفرد أخيره دال، وأوله همزة، ووسطه ياء، " حديث : وكان صلى الله عليه وسلم اذا ذكر داود قال: "هو أعبد البشر""تفسير : رواه أبو الدرداء، وعن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم، لا ينبغى لأحد أن يقول: أعبد من داود، أى أن يقول إن محمداً أعبد من داود، أو أراد أحدا من الأنبياء، ويروى أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما، ويقوم نصف كل ليل، وجعل يوما للعبادة، ويوما للقضاء، ويوما لنفسه، ويوما للوعظ، وعنه صلى الله عليه وسلم: " حديث : أحب الصيام الى الله تعالى صيام داود كان يصوم صوما ويفطر يوما، وأحب الصلاة الى الله تعالى صلاة داود ينام نصف الليل ويقوم ثلثله وينام سدسه ". تفسير : {إنَّه أوَّابٌ} رجَّاع الى الله عز وجل عن البطالة بالطاعة والتسبيح والاستغفار، ومن ذلك ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : أن داود عليه السلام أو غيره يذكر ذنوبه فى الخلوة عن الناس فيستغفر الله تعالى "تفسير : وفسر الآية به، ونفهم أن الخلوة ليست شرطا فى الأوب، ولكنها واقعة حال داود، ومن العجيب أن يوجد للكلمة معنى صحيح فى العربية، ويحملوها على العجمية مثل أن يقول: الأواب فى الآية لفظ حبشى معناه المسبح، والجملة تعليل لقوله: {واذكر عبدنا داود ذا الأيد}.
الالوسي
تفسير : {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } على ما يتجدد من أمثال هذه المقالات الباطلة المؤذية {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ } أي اذكر لهم قصته عليه السلام تعظيماً للمعصية في أعينهم وتنبيهاً لهم على كمال قبح ما اجترؤا عليه فإنه عليه السلام مع علو شأنه وإيتائه النبوة والملك لما ألم بما هو خلاف الأولى ناله ما ألمه وأدام غمه وندمه فما الظن بهؤلاء الكفرة الأذلين الذين لم يزالوا على أكبر الكبائر مصرين أو اذكر قصته عليه السلام في نفسك وتحفظ من ارتكاب ما يوجب العتاب، وقيل إنه تعالى أمره عليه الصلاة والسلام أن يذكر قصص الأنبياء عليهم السلام الذين عرض لهم ما عرض فصبروا حتى فرج الله تعالى عنهم وأحسن عاقبتهم، ترغيباً له في الصبر وتسهيلاً لأمره عليه وإيذاناً ببلوغ ما يريده بذلك، وهو كما ترى، وقيل أمره بالصبر وذكر قصص الأنبياء ليكون ذلك برهاناً على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم، والذكر على هذا والأول لساني وعلى ما بينهما قلبـي وهو مراد من فسر {ٱذْكُرْ } على ذلك بتذكر {ذَا ٱلأَيْدِ } أي ذا القوة يقال فلان أيد وذو أيد وذو آد واياد بمعنى واياد كل شيء ما يتقوى به. {إِنَّهُ أَوَّابٌ } أي رجاع إلى الله تعالى وطاعته عز وجل، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: الأواب المسبح، وعن عمرو بن شرحبيل أنه المسبح بلغة الحبشة، وأخرج الديلمي عن مجاهد قال: سألت ابن عمر عن الأواب فقال: سألت النبـي صلى الله عليه وسلم عنه فقال: هو الرجل يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله تعالى، وهذا إن صح لا يعدل عنه. والجملة تعليل لكونه عليه السلام ذا الأيد وتدل بأي معنى كان الأواب فيها على أن المراد/ بالأيد القوة الدينية وهي القوة على العبادة كما قال مجاهد وقتادة والحسن وغيرهم إذ لا يحسن التعليل لو حملت القوة على القوة في الجسم، نعم قد كان عليه السلام قوي الجسم أيضاً إلا أن ذلك غير مراد هنا. وفي التعبير عنه بعبدنا ووصفه بذي الأيد والتعليل بما ذكر دلالة على كثرة عبادته ووفور طاعته. وقد أخرج البخاري في "تاريخه" عن أبـي الدرداء قال: كان النبـي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر داود وحدث عنه قال: كان أعبد البشر، وأخرج الديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لأحد أن يقول إني أعبد من داود، وروي أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وكان يقوم نصف الليل وفي ذلك دلالة على قوته في العبادة لما في كل من الصيام والقيام المذكورين من ترك راحة تذكرها قريباً.
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس كله قصص وأمثلة من حياة الرسل ـ صلوات الله عليهم ـ تعرض كي يذكرها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويدع ما يعانيه من قومه من تكذيب واتهام وتعجيب وافتراء؛ ويصبر على ما يواجهونه به مما تضيق به الصدور. وهذا القصص يعرض ـ في الوقت ذاته ـ آثار رحمة الله بالرسل قبله: وما أغدق عليهم من نعمة وفضل، وما آتاهم من ملك وسلطان ومن رعاية وإنعام. وذلك رداً على عجب قومه من اختيار الله له. وما هو ببدع من الرسل. وفيهم من آتاه الله إلى جانب الرسالة الملك والسلطان؛ وفيهم من سخر له الجبال يسبحن معه والطير؛ وفيهم من سخر له الريح والشياطين.. كداود وسليمان.. فما وجه العجب في أن يختار الله محمداً الصادق لينزل عليه الذكر من بين قريش في آخر الزمان؟ كذلك يصور هذا القصص رعاية الله الدائمة لرسله، وحياطتهم بتوجيهه وتأديبه. فقد كانوا بشراً ـ كما أن محمداً صلى الله عليه وسلم بشر ـ وكان فيهم ضعف البشر. وكان الله يرعاهم فلا يدعهم لضعفهم؛ إنما يبين لهم ويوجههم، ويبتليهم ليغفر لهم ويكرمهم. وفي هذا ما يطمئن قلب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى رعاية ربه له، وحمايته وحياطته في كل خطوة يخطوها في حياته. {اصبر على ما يقولون، واذكر عبدنا داود ذا الأيد، إنه أواب إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق. والطير محشورة كل له أواب. وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب}.. {اصبر}.. إنها الإشارة إلى الطريق المطروق في حياة الرسل ـ عليهم صلوات الله ـ الطريق الذي يضمهم أجمعين. فكلهم سار في هذا الطريق. كلهم عانى. وكلهم ابتلي. وكلهم صبر. وكان الصبر هو زادهم جميعاً وطابعهم جميعاً. كل حسب درجته في سلم الأنبياء.. لقد كانت حياتهم كلها تجربة مفعمة بالابتلاءات؛ مفعمة بالآلام؛ وحتى السراء كانت ابتلاء وكانت محكاً للصبر على النعماء بعد الصبر على الضراء. وكلتاهما في حاجة إلى الصبر والاحتمال.. ونستعرض حياة الرسل جميعاً ـ كما قصها علينا القرآن الكريم ـ فنرى الصبر كان قوامها، وكان العنصر البارز فيها. ونرى الابتلاء والامتحان كان مادتها وماءها.. لكأنما كانت تلك الحياة المختارة ـ بل إنها لكذلك ـ صفحات من الابتلاء والصبر معروضة للبشرية، لتسجل كيف تنتصر الروح الإنسانية على الآلام والضرورات؛ وكيف تستعلي على كل ما تعتز به في الأرض؛ وتتجرد من الشهوات والمغريات؛ وتخلص لله وتنجح في امتحانه، وتختاره على كل شيء سواه.. ثم لتقول للبشرية في النهاية: هذا هو الطريق. هذا هو الطريق إلى الاستعلاء، وإلى الارتفاع. هذا هو الطريق إلى الله. {اصبر على ما يقولون}.. وقد قالوا: {هذا ساحر كذاب}.. وقالوا: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ إن هذا لشيء عجاب}.. وقالوا: {أأنزل عليه الذكر من بيننا؟}.. وغير ذلك كثير. والله يوجه نبيه إلى الصبر على ما يقولون. ويوجهه إلى أن يعيش بقلبه مع نماذج أخرى غير هؤلاء الكفار. نماذج مستخلصة كريمة. هم إخوانه من الرسل الذين كان يذكرهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويحس بالقرابة الوثيقة بينه وبينهم؛ ويتحدث عنهم حديث الأخوة والنسب والقرابة. وهو يقول.. رحم الله أخي فلاناً.. أو أنا أولى بفلان. {اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب}.. يذكر داود هنا بأنه ذو القوة. وبأنه أواب.. وقد جاء من قبل ذكر قوم نوح وعاد وفرعون ذي الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة.. وهم طغاة بغاة. كان مظهر قوتهم هو الطغيان والبغي والتكذيب. فأما داود فقد كان ذا قوة، ولكنه كان أواباً، يرجع إلى ربه طائعاً تائباً عابداً ذاكراً. وهو القوي ذو الأيد والسلطان. وقد مضى في سورة البقرة بدء قصة داود، وظهوره في جيش طالوت، في بني إسرائيل ـ من بعد موسى ـ إذ قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله. فاختار لهم طالوت ملكاً. ولقي بهم عدوهم الجبار جالوت وجنوده. وقتل داود جالوت. وكان إذ ذاك فتى. ومنذ ذلك الحين ارتفع نجمه حتى ولي الملك أخيراً؛ وأصبح ذا سلطان. ولكنه كان أواباً رجاعاً إلى ربه بالطاعة والعبادة والذكر والاستغفار. ومع النبوة والملك آتاه الله من فضله قلباً ذاكراً وصوتاً رخيماً، يرجع به تراتيله التي يمجد فيها ربه. وبلغ من قوة استغراقه في الذكر، ومن حسن حظه في الترتيل، أن تزول الحواجز بين كيانه وكيان هذا الكون. وتتصل حقيقته بحقيقة الجبال والطير في صلتها كلها ببارئها، وتمجيدها له وعبادتها. فإذا الجبال تسبح معه، وإذا الطير مجموعة عليه، تسبح معه لمولاها ومولاه: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق. والطير محشورة كل له أواب}.. ولقد يقف الناس مدهوشين أمام هذا النبأ.. الجبال الجامدة تسبح مع داود بالعشي والإشراق، حينما يخلو إلى ربه، يرتل ترانيمه في تمجيده وذكره. والطير تتجمع على نغماته لتسمع له وترجع معه أناشيده.. لقد يقف الناس مدهوشين للنبأ، إذ يخالف مألوفهم، ويخالف ما اعتادوا أن يحسوه من العزلة بين جنس الإنسان، وجنس الطير، وجنس الجبال! ولكن فيم الدهش؟ وفيم العجب؟ إن لهذه الخلائق كلها حقيقة واحدة. وراء تميز الأجناس والأشكال والصفات والسمات.. حقيقة واحدة يجتمعون فيها ببارئ الوجود كله: أحيائه وأشيائه جميعاً. وحين تصل صلة الإنسان بربه إلى درجة الخلوص والإشراق والصفاء، فإن تلك الحواجز تنزاح؛ وتنساح الحقيقة المجردة لكل منهم. فتتصل من وراء حواجز الجنس والشكل والصفة والسمة التي تميزهم وتعزلهم في مألوف الحياة! وقد وهب الله عبده داود هذه الخاصية؛ وسخر الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق. وحشر عليه الطير ترجع مع ترانيمه تسبيحاً لله. وكانت هذه هبة فوق الملك والسلطان، مع النبوة والاستخلاص. {وشددنا ملكه. وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب}.. فكان ملكه قوياً عزيزاً. وكان يسوسه بالحكمة والحزم جميعاً. وفصل الخطاب قطعه والجزم فيه برأي لا تردد فيه. وذلك مع الحكم ومع القوة غاية الكمال في الحكم والسلطان في عالم الإنسان. ومع هذا كله فقد تعرض داود للفتنة والابتلاء؛ وكان عين الله عليه لترعاه وتقود خطاه، وكانت يد الله معه تكشف له ضعفه وخطأه، وتوقيه خطر الطريق وتعلمه كيف يتوقاه: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب؟ إذ دخلوا على داود ففزع منهم. قالوا: لا تخف. خصمان بغى بعضنا على بعض. فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط. واهدنا إلى سواء الصراط. إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، فقال: اكفلنيها، وعزني في الخطاب. قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ـ وقليل ما هم ـ وظن داود أنما فتناه. فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب}.. وبيان هذه الفتنة أن داود النبي الملك، كان يخصص بعض وقته للتصرف في شؤون الملك، وللقضاء بين الناس. ويخصص البعض الآخر للخلوة والعبادة وترتيل أناشيده تسبيحاً لله في المحراب. وكان إذا دخل المحراب للعبادة والخلوة لم يدخل إليه أحد حتى يخرج هو إلى الناس. وفي ذات يوم فوجئ بشخصين يتسوران المحراب المغلق عليه. ففزع منهم. فما يتسور المحراب هكذا مؤمن ولا أمين! فبادرا يطمئنانه. {قالوا: لا تخف. خصمان بغى بعضنا على بعض}. وجئنا للتقاضي أمامك {فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط}.. وبدأ أحدهما فعرض خصومته: {إنَّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة. فقال: اكفلنيها} (أي اجعلها لي وفي ملكي وكفالتي) {وعزني في الخطاب} (أي شدد علي في القول وأغلظ). والقضية ـ كما عرضها أحد الخصمين ـ تحمل ظلماً صارخاً مثيراً لا يحتمل التأويل. ومن ثم اندفع داود يقضي على إثر سماعه لهذه المظلمة الصارخة؛ ولم يوجه إلى الخصم الآخر حديثاً، ولم يطلب إليه بياناً، ولم يسمع له حجة. ولكنه مضى يحكم: {قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه. وإن كثيراً من الخلطاء ـ (أي الأقوياء المخالطين بعضهم لبعض) ـ ليبغي بعضهم على بعض. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم}.. ويبدو أنه عند هذه المرحلة اختفى عنه الرجلان: فقد كانا ملكين جاءا للامتحان! امتحان النبي الملك الذي ولاه الله أمر الناس، ليقضي بينهم بالحق والعدل، وليتبين الحق قبل إصدار الحكم. وقد اختارا أن يعرضا عليه القضية في صورة صارخة مثيرة.. ولكن القاضي عليه ألا يستثار، وعليه ألا يتعجل. وعليه ألا يأخذ بظاهر قول واحد. قبل أن يمنح الآخر فرصة للإدلاء بقوله وحجته؛ فقد يتغير وجه المسألة كله، أو بعضه، وينكشف أن ذلك الظاهر كان خادعاً أو كاذباً أو ناقصاً! عند هذا تنبه داود إلى أنه الابتلاء: {وظن داود أنما فتناه}.. وهنا أدركته طبيعته.. إنه أواب.. {فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب}.. {فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}.. وخاضت بعض التفاسير مع الإسرائيليات حول هذه الفتنة خوضاً كبيراً. تتنزه عنه طبيعة النبوة. ولا يتفق إطلاقاً مع حقيقتها. حتى الروايات التي حاولت تخفيف تلك الأساطير سارت معها شوطاً. وهي لا تصلح للنظر من الأساس. ولا تتفق مع قول الله تعالى: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}.. والتعقيب القرآني الذي جاء بعد القصة يكشف كذلك عن طبيعة الفتنة؛ ويحدد التوجيه المقصود بها من الله لعبده الذي ولاه القضاء والحكم بين الناس: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض؛ فاحكم بين الناس بالحق. ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله. إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد. بما نسوا يوم الحساب}.. فهي الخلافة في الأرض، والحكم بين الناس بالحق، وعدم اتباع الهوى. واتباع الهوى ـ فيما يختص بنبي ـ هو السير مع الانفعال الأول، وعدم التريث والتثبت والتبين.. مما ينتهي مع الاستطراد فيه إلى الضلال. أما عقب الآية المصور لعاقبة الضلال فهو حكم عام مطلق على نتائج الضلال عن سبيل الله. وهو نسيان الله والتعرض للعذاب الشديد يوم الحساب. ومن رعاية الله لعبده داود، أنه نبهه عند أول لفتة. ورده عند أول اندفاعة. وحذره النهاية البعيدة. وهو لم يخط إليها خطوة! وذلك فضل الله على المختارين من عباده. فهم ببشريتهم قد تعثر أقدامهم أقل عثرة، فيقيلها الله، ويأخذ بيدهم، ويعلمهم، ويوفقهم إلى الإنابة، ويغفر لهم، ويغدق عليهم، بعد الابتلاء.. وعند تقرير مبدأ الحق في خلافة الأرض، وفي الحكم بين الناس.. وقيل أن تمضي قصة داود إلى نهايتها في السياق.. يرد هذا الحق إلى أصله الكبير. أصله الذي تقوم عليه السماء والأرض وما بينهما. أصله العريق في كيان هذا الكون كله. وهو أشمل من خلافة الأرض، ومن الحكم بين الناس. وهو أكبر من هذه الأرض. كما أنه أبعد مدى من الحياة الدنيا. إذ يتناول صميم الكون كما يتناول الحياة الآخرة. ومنه وعليه جاءت الرسالة الأخيرة، وجاء الكتاب المفسر لذلك الحق الشامل الكبير: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً. ذلك ظن الذين كفروا. فويل للذين كفروا من النار. أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض؟ أم نجعل المتقين كالفجار؟ كتاب أنزلناه إليك مبارك، ليدبروا آياته، وليتذكر أولوا الألباب}.. وهكذا: في هذه الآيات الثلاث، تتقرر تلك الحقيقة الضخمة الهائلة الشاملة الدقيقة العميقة. بكل جوانبها وفروعها وحلقاتها.. إن خلق السماء والأرض وما بينهما لم يكن باطلاً، ولم يقم على الباطل. إنما كان حقاً وقام على الحق. ومن هذا الحق الكبير تتفرع سائر الحقوق. الحق في خلافة الأرض. والحق في الحكم بين الخلق. والحق في تقويم مشاعر الناس وأعمالهم؛ فلا يكون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض؛ ولا يكون وزن المتقين كوزن الفجار. والحق الذي جا به الكتاب المبارك الذي أنزله الله ليتدبروا آياته وليتذكر أصحاب العقول ما ينبغي أن يتذكروه من هذه الحقائق الأصيلة، التي لا يتصورها الكافرون، لأن فطرتهم لا تتصل بالحق الأصيل في بناء هذا الكون، ومن ثم يسوء ظنهم بربهم ولا يدركون من أصالة الحق شيئاً.. {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار}.. إن شريعة الله للناس طرف من ناموسه في خلق الكون. وإن كتابه المنزل بيان للحق الذي يقوم عليه الناموس. وإن العدل الذي يطالب به الخلفاء في الأرض والحكام بين الناس إنما هو طرف من الحق الكلي، لا يستقيم أمر الناس إلا حين يتناسق مع بقية الأطراف. وإن الانحراف عن شريعة الله والحق في الخلافة والعدل في الحكم إنما هو انحراف عن الناموس الكوني الذي قامت عليه السماء والأرض؛ وهو أمر عظيم إذن، وشر كبير، واصطدام مع القوى الكونية الهائلة لا بد أن يتحطم في النهاية ويزهق. فما يمكن أن يصمد ظالم باغ منحرف عن سنة الله وناموس الكون وطبيعة الوجود.. ما يمكن أن يصمد بقوته الهزيلة الضئيلة لتلك القوى الساحقة الهائلة، ولعجلة الكون الجبارة الطاحنة! وهذا ما ينبغي أن يتدبره المتدبرون وأن يتذكره أولو الألباب.. وبعد هذا التعقيب المعترض في صلب القصة لكشف تلك الحقيقة الضخمة، يمضي السياق يعرض نعمة الله على داود في عقبه وولده سليمان؛ وما وهبه الله من ألوان الإنعام والإفضال. كما يعرض فتنته وابتلاءه ورعاية الله له، وإغداقه عليه بعد الفتنة والابتلاء: {ووهبنا لداود سليمان. نعم العبد. إنه أواب. إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد. فقال: إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب. ردوها عليّ. فطفق مسحاً بالسوق والأعناق. ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب. قال: رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، إنك أنت الوهاب. فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب. والشياطين كل بناء وغواص. وآخرين مقرنين في الأصفاد. هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب. وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}.. والإشارتان الواردتان هنا عن الصافنات الجياد وهي الخيل الكريمة. وعن الجسد الذي ألقي على كرسي سليمان.. كلتاهما إشارتان لم تسترح نفسي لأي تفسير أو رواية مما احتوته التفاسير والروايات عنهما. فهي إما إسرائيليات منكرة، وإما تأويلات لا سند لها. ولم أستطع أن أتصور طبيعة الحادثين تصوراً يطمئن إليه قلبي، فأصوره هنا وأحكيه. ولم أجد أثراً صحيحاً أركن إليه في تفسيرهما وتصويرهما سوى حديث صحيح. صحيح في ذاته ولكن علاقته بأحد هذين الحادثين ليست أكيدة. هذا الحديث هو ما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخرجه البخاري في صحيحه مرفوعاً. ونصه: "حديث : قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة. كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. ولم يقل: إن شاء الله. فطاف عليهن فلم يحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل. والذي نفسي بيده، لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون" تفسير : ..وجائز أن تكون هذه هي الفتنة التي تشير إليها الآيات هنا، وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشق. ولكن هذا مجرد احتمال.. أما قصة الخيل فقيل: إن سليمان ـ عليه السلام ـ استعرض خيلاً له بالعشي. ففاتته صلاة كان يصليها قبل الغروب. فقال ردوها عليّ. فردوها عليه فجعل يضرب أعناقها وسيقانها جزاء ما شغلته عن ذكر ربه. ورواية أخرى أنه إنما جعل يمسح سوقها وأعناقها إكراماً لها لأنها كانت خيلاً في سبيل الله.. وكلتا الروايتين لا دليل عليها. ويصعب الجزم بشيء عنها. ومن ثم لا يستطيع متثبت أن يقول شيئاً عن تفصيل هذين الحادثين المشار إليهما في القرآن. وكل ما نخرج به هو أنه كان هناك ابتلاء من الله وفتنة لنبي الله سليمان ـ عليه السلام ـ في شأن يتعلق بتصرفاته في الملك والسلطان كما يبتلي الله أنبياءه ليوجههم ويرشدهم، ويبعد خطاهم عن الزلل. وأن سليمان أناب إلى ربه ورجع. وطلب المغفرة؛ واتجه إلى الله بالدعاء والرجاء: {قال: رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب}.. وأقرب تأويل لهذا الطلب من سليمان ـ عليه السلام ـ أنه لم يرد به أثرة. إنما أراد الاختصاص الذي يتجلى في صورة معجزة. فقد أراد به النوع. أراد به ملكاً ذا خصوصية تميزه من كل ملك آخر يأتي بعده. وذا طبيعة معينة ليست مكررة ولا معهودة في الملك الذي يعرفه الناس. وقد استجاب له ربه، فأعطاه فوق الملك المعهود، ملكاً خاصاً لا يتكرر: {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب. والشياطين كل بناء وغواص. وآخرين مقرنين في الأصفاد}. وتسخير الريح لعبد من عباد الله بإذن الله؛ لا يخرج في طبيعته عن تسخير الريح لإرادة الله. وهي مسخرة لإرادته تعالى ولا شك، تجري بأمره وفق نواميسه؛ فإذا يسر الله لعبد من عباده في فترة من الفترات أن يعبر عن إرادة الله سبحانه وأن يوافق أمره أمر الله فيها؛ وأن تجري الريح رخاء حيث أراد؛ فذلك أمر ليس على الله بمستبعد. ومثله يقع في صور شتى. والله سبحانه يقول في القرآن للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ {أية : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً }.. تفسير : فما معنى هذا؟ معناه أنهم إذا لم ينتهوا فستتجه إرادتنا إلى تسليطك عليهم وإخراجهم من المدينة. وسيتم هذا بتوجيه إرادتك أنت ورغبتك إلى قتالهم وإخراجهم؛ فتتم إرادتنا بهم عن طريقك. فهذا لون من توافق أمر الله ـ سبحانه ـ وأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإرادة الله وأمره هما الأصيلان. وهما يتجليان في إرادة الرسول وأمره وفق ما أراد الله. وهذا يقرب إلينا معنى الريح لأمر سليمان ـ عليه السلام ـ تسخيرها لأمره المطابق لأمر الله في توجيه هذه الرياح، الممثل لأمر الله المعبر عنه على كل حال. كذلك سخر له الشياطين لتبني له ما يشاء؛ وتغوص له في البحر والأرض في طلب ما يشاء. وأعطاه السلطة لعقاب المخالفين والمفسدين ممن سخرهم له وتكبيلهم بالأصفاد مقرونة أيديهم إلى أرجلهم. أو مقرنين اثنين اثنين أو أكثر في القيود عند الاقتضاء. ثم قيل له: إنك مطلق اليد فيما وهب الله لك من سلطة ومن نعمة. تعطي من تشاء كيف تشاء. وتمسك عمن تشاء قدر ما تشاء: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب}.. وذلك زيادة في الإكرام والمنة. ثم زاد على هذا كله أن له عند ربه قربى في الدنيا وحسن مآب في الآخرة: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}.. وتلك درجة عظيمة من الرعاية والرضى والإنعام والتكريم. ثم نمضي مع قصة الابتلاء والصبر، والإنعام بعد ذلك والإفضال. نمضي في السياق مع قصة أيوب: {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب. اركض برجلك. هذا مغتسل بارد وشراب. ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب. وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث، إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب}.. وقصة ابتلاء أيوب وصبره ذائعة مشهورة؛ وهي تضرب مثلاً للابتلاء والصبر. ولكنها مشوبة بإسرائيليات تطغى عليها. والحد المأمون في هذه القصة هو أن أيوب ـ عليه السلام ـ كان كما جاء في القرآن عبداً صالحاً أوّاباً؛ وقد ابتلاه الله فصبر صبراً جميلاً، ويبدو أن ابتلاءه كان بذهاب المال و الأهل والصحة جميعاً ولكنه ظل على صلته بربه، وثقته به، ورضاه بما قسم له. وكان الشيطان يوسوس لخلصائه القلائل الذين بقوا على وفائهم له ـ ومنهم زوجته ـ بأن الله لو كان يحب أيوب ما ابتلاه. وكانوا يحدثونه بهذا فيؤذيه في نفسه أشد مما يؤذيه الضر والبلاء. فلما حدثته امرأته ببعض هذه الوسوسة حلف لئن شفاه الله ليضربنها عدداً عينه ـ قيل مائة. وعندئذ توجه إلى ربه بالشكوى مما يلقى من إيذاء الشيطان، ومداخله إلى نفوس خلصائه، ووقع هذا الإيذاء في نفسه: {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب}.. فلما عرف ربه منه صدقه وصبره، ونفوره من محاولات الشيطان، وتأذيه بها، أدركه برحمته. وأنهى ابتلاءه، ورد عليه عافيته. إذ أمره أن يضرب الأرض بقدمه فتتفجر عين باردة يغتسل منها ويشرب فيشفى ويبرأ: {اركض برجلك. هذا مغتسل بارد وشراب}.. ويقول القرآن الكريم: {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب}.. وتقول بعض الروايات: إن الله أحيا له أبناءه ووهب له مثلهم، وليس في النص ما يحتم أنه أحيا له من مات. وقد يكون معناه أنه بعودته إلى الصحة والعافية قد استرد أهله الذين كانوا بالنسبة إليه كالمفقودين. وأنه رزقه بغيرهم زيادة في الإنعام والرحمة والرعاية. مما يصلح ذكرى لذوي العقول والإدراك. والمهم في معرض القصص هنا هو تصوير رحمة الله وفضله على عباده الذين يبتليهم فيصبرون على بلائه وترضى نفوسهم بقضائه. فأما قسمه ليضربن زوجه. فرحمة من الله به وبزوجه التي قامت على رعايته وصبرت على بلائه وبلائها به، أمره الله أن يأخذ مجموعة من العيدان بالعدد الذي حدده. فيضربها به ضربة واحدة. تجزئ عن يمينه، فلا يحنث فيها: {وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث}.. هذا التيسير، وذلك الإنعام، كانا جزاء على ما علمه الله من عبده أيوب من الصبر على البلاء وحسن الطاعة والالتجاء: {إنا وجدناه صابراً، نعم العبد، إنه أوّاب}.. وبعد عرض هذه القصص الثلاثة بشيء من التفصيل؛ ليذكره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويصبر على ما يلاقيه. يجمل السياق الإشارة إلى مجموعة من الرسل. في قصصهم من البلاء والصبر، ومن الإنعام والإفضال، ما في قصص داود وسليمان وأيوب ـ عليهم السلام ـ ومنهم سابقون على هؤلاء معروف زمانهم. ومنهم من لا نعرف زمانه، لأن القرآن والمصادر المؤكدة لدينا لم تحدده: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار. إنا أخلصناهم بخالصةٍ ذكرى الدار. وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار. واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار..}. وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ـ وكذلك إسماعيل ـ كانوا قبل داود وسليمان قطعاً. ولكن لا نعرف أين هم من زمان أيوب. وكذلك اليسع وذو الكفل. ولم يرد عنهما في القرآن إلا إشارات سريعة. وهناك نبي من أنبياء بني إسرائيل اسمه بالعبرية: "إليشع" وهو اليسع بالعربية على وجه الترجيح. فأما ذو الكفل فلا نعرف عنه شيئاً إلا صفته هذه {من الأخيار}.. ويصف الله سبحانه: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، بأنهم {أولي الأيدي والأبصار}.. كناية عن العمل الصالح بالأيدي والنظر الصائب أو الفكر السديد بالأبصار. وكأن من لا يعمل صالحاً لا يد له. ومن لا يفكر تفكيراً سليماً لا عقل له أو لا نظر له! كما يذكر من صفتهم التكريمية أن الله أخلصهم بصفة خاصة ليذكروا الدار الآخرة، ويتجردوا من كل شيء سواها: {إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار}.. فهذه ميزتهم ورفعتهم. وهذه جعلتهم عند الله مختارين أخياراً: {وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار}.. وكذلك يشهد الله ـ سبحانه ـ لإسماعيل واليسع وذي الكفل أنهم من الأخيار. ويوجه خاتم أنبيائه وخير رسله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليذكرهم ويعيش بهم، ويتأمل صبرهم ورحمة الله بهم. ويصبر على ما يلقاه من قومه المكذبين الضالين. فالصبر هو طريق الرسالات. وطريق الدعوات. والله لا يدع عباده الصابرين حتى يعوضهم من صبرهم خيراً ورحمة وبركة واصطفاء.. وما عند الله خير. وهان كيد الكائدين وتكذيب المكذبين إلى جانب رحمة الله ورعايته وإنعامه وإفضاله..
ابن عاشور
تفسير : أعقب حكاية أقوالهم من التكذيب ابتداء من قوله: {أية : وقَالَ الكافرون هٰذا ساحِرٌ كذَّابٌ}تفسير : [ص:4] إلى هنا، بأمرِ الله رسولَه صلى الله عليه وسلم بالصبر على أقوالهم إذ كان جميعها أذى: إما صريحاً كما قالوا: {سٰحِرٌ كذَّاب}وقالوا: {أية : إن هٰذا إلا اختلاقٌ}تفسير : [ص:7] {أية : إن هذا لشيء يُرادُ}تفسير : [ص:6]، وإمّا ضِمناً وذلك ما في سائر أقوالهم من إنكار ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والاستهزاء بقولهم: {أية : ربَّنَا عَجِل لنا قِطَّنَا}تفسير : [ص: 16] من إثبات أن الإِلٰه واحد، ويشمل ما يقولونه مما لم يحك في أول هذه السورة. وقوله: {واذكر عبدنا داوودَ} إلى آخره يجوز أن يكون عطفاً على قوله: {اصبر على ما يقولون} بأن أُتبع أمره بالصبر وبالائتساء ببعض الأنبياء السابقين فيما لَقُوه من الناس ثم كانت لهم عاقبة النصر وكشف الكرب. ويجوز أن يكون عطفاً على مجموع ما تقدّم عطْفَ القصة على القصة والغرض هو هو. وابتدىء بذكر داود لأن الله أعطاه مُلْكاً وسلطاناً لم يكن لآبائه ففي ذكره إيماء إلى أن شأن محمد صلى الله عليه وسلم سيصير إلى العزة والسلطان، ولم يكن له سلف ولا جند فقد كان حال النبي صلى الله عليه وسلم أشبه بحال داود عليه السلام. وأدمج في خلال ذلك الإِيماء إلى التحذير من الضجر في ذات الله تعالى واتقاءِ مراعاة حظوظ النفس في سياسة الأمة إبعاداً لرسوله صلى الله عليه وسلم عن مهاوي الخطأ والزلَل وتأديباً له في أول أمره وآخره مما أن يتلقى بالعَذَل. وكان داود أيضاً قد صبر على ما لقِيَه من حسد شاول (طالوت) ملك إسرائيل إياه على انتصاره على جالوت ملك فلسطين. فالمصدر المتصرِّف منه {واذكر عبدنا داوود} هو الذكر بضم الذال وهو التذكرُّ وليس هو ذِكر اللسان لأنه إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لتسليته وحفظ كماله لا لِيُعْلمه المشركين ولا لِيُعْلِمه المسلمين على أن كِلا الأمرين حاصل تبعاً حين إبلاغ المنزَّل في شأن داود إليهم وقراءته عليهم. ومعنى الأمر بتذكر ذلك تذكر ما سبق إعلام النبي صلى الله عليه وسلم به من فضائله وتذكير ما عسى أن يكون لم يعلمه مما يعلم به في هذه الآية. ووصفُ داود بـــ {عَبْدَنَا} وصفُ تشريف بالإِضافة بقرينة المقام كما تقدم عند قوله: {أية : إلا عباد اللَّه المخلصين}تفسير : في سورة [الصافات: 40]. و {الأَيْد}: القوة والشدة، مصدر: آدَ يئيد، إذا اشتدّ وقَوي، ومنه التأييد التقوية، قال تعالى: {أية : فآواكم وأيدكم بنصره}تفسير : في سورة [الأنفال:26]. وكان داود قد أعطي قوة نادرة وشجاعة وإقداماً عجيبين وكان يرمي الحجر بالمقلاع فلا يخطىءُ الرميَّة، وكان يلوي الحديد ليصنعه سرداً للدروع بأصابعه، وهذه القوة محمودة لأنه استعملها في نصر دين التوحيد. وجملة {إنَّه أوَّابٌ} تعليل للأمر بذكره إيماء إلى أن الأمر لقصد الاقتداء به، كما قال تعالى: {أية : فبهداهم اقتده}تفسير : [الأنعام:90]، فالجملة معترضة بين جملة {واذكُرْ} وجملةِ بيانها وهي {إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ معه. والأوّاب: الكثير الأوْب، أي الرجوع. والمراد: الرجوع إلى ما أمر الله به والوقوف عند حدوده وتدارك ما فرط فيه. والتائب يطلق عليه الأوّاب، وهو غالب استعمال القرآن وهو مجاز ولا تسمّى التوبة أوباً، {وزبور} داود المسمى عند اليهود بـــ «المزامير» مشتمل على كثير من الاستغفار وما في معناه من التوبة. وجملة {إنَّا سخرنا الجبال معه} بيان لجملة {واذكر عبدنا} أي اذكر فضائله وما أنعمنا عليه من تسخير الجبال وكيْت وكَيْتَ، و {معهُ} ظرف لــــ {يُسَبِحْنَ}، وقدم على متعلقه للاهتمام بمعيته المذكورة، وليس ظرفاً لــــ {سَخَّرْنَا} لاقتضائه، وتَقدم تسخير الجبال والطيرِ لداود في سورة الأنبياء. وجملة {يُسَبِحْنَ} حال. واختير الفعل المضارع دون الوصف الذي هو الشأن في الحال لأنه أريد الدلالة على تجدد تسبيح الجبال معه كلما حضر فيها، ولِمَا في المضارع من استحضار تلك الحالة الخارقة للعادة. والتسبيح أصله قول: سبحان الله، ثم أطلق على الذكر وعلى الصلاة، ومنه حديث عائشة: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح سبحة الصبح وإني لأُسبحها»، وليس هذا المعنى مراداً هنا لأن الجبال لا تصلي والطير كذلك ولأن داود لا يصلي في الجبال إذ الصلاة في شريعتهم لا تقع إلا في المسجد وأما الصلاة في الأرض فهي من خصائص الإِسلام. والعشي: ما بعد العصر. يقال: عَشِيّ وعَشِيَّة. و {الإِشراق}: وقت ظهور ضوء الشمس واضحاً على الأرض وهو وقت الضحى، يقال: أشرقت الأرض ولا يقال: أشرقت الشمس، وإنما يقال: شَرَقَت الشمس وهو من باب قَعَد، ولذلك كان قياس المكان منه المَشرَق بفتح الراء ولكنه لم يجىء إلاّ بكسر الراء. ووقت طلوع الشمس هو الشروق ووقت الإِشراق الضحى، يقال: شَرقت الشمس ولمَّا تُشْرِق، ويقال: كُلَّما ذَرَّ شَارق، أي كلما طلعت الشمس. والباء في بـ {العَشِي} للظرفية فتعين أن المراد بالإِشراق وقت الإِشراق. والمحشورة: المجتمعة حوله عند قراءته الزبور. وانتصب {مَحْشُورَةً} على الحال من {الطير}. ولم يؤت في صفة الطير بالحشر بالمضارع كما جيء به في {يُسبِحْنَ} إذ الحشر يكون دفعة فلا يقتضي المقام دلالة على تجدد ولا على استحضار الصورة. وتنوين {كُلٌّ له أوَّابٌ} عوض عن المضاف إليه. والتقدير: كل المحشورة له أواب، أي كثير الرجوع إليه، أي يأتيه من مكان بعيد. وهذه معجزة له لأن شأن الطير النفور من الإِنس. وكلمة {كل} على أصل معناها من الشمول. و {أوَّابٌ} هذا غير {أوَّابٌ} في قوله: {إنه أوّاب} فلم تتكرر الفاصلة. واللام في {لَهُ أوَّابٌ} لام التقوية، وتقديم المجرور على متعلقه للاهتمام بالضمير المجرور. والشد: الإِمساك وتمكّن اليد مما تمسكه، فيكون لقصد النفع كما هنا، ويكون لقصد الضرّ كقوله: {أية : واشدد على قلوبهم }تفسير : في سورة [يونس:88]. فشدّ الملك هو تقوية ملكه وسلامته من أضرار ثورة لديه ومن غلبة أعدائه عليه في حروبه. وقد ملك داود أربعين سنة ومات وعمره سبعون سنة في ظل ملك ثابت. و {الحكمة}: النبوءة. والحكمة في الأعم: العلم بالأشياء كما هي والعمل بالأمور على ما ينبغي، وقد اشتمل كتاب «الزبور» على حِكَم جمَّة. و {فصل الخطاب}: بلاغة الكلام وجمعه للمعنى المقصود بحيث لا يحتاج سامعه إلى زيادة تبيان، ووصف القول بــــ (الفصل) وصف بالمصدر، أي فاصل. والفاصل: الفارق بين شيئين، وهو ضدّ الواصل، ويطلق مجازاً على ما يميز شيئاً عن الاشتباه بضده. وعطفه هنا على الحكمة قرينة على أنه استعمل في معناه المجازي كما في قوله تعالى: {أية : إن يوم الفصل كان ميقاتاً}تفسير : [النبأ:17]. والمعنى: أن داود أوتي من أصالة الرأي وفصاحة القول ما إذا تكلّم جاء بكلام فاصل بين الحقّ والباطل شأن كلام الأنبياء والحكماء، وحسبك بكتابه «الزبور» المسمّى عند اليهود بـــ «المزامير» فهو مثل في بلاغة القول في لغتهم. وعن أبي الأسود الدؤلي: {فصل الخطاب} هو قولُه في خطبه «أما بعد» قال: وداود أول من قال ذلك، ولا أحسب هذا صحيحاً لأنها كلمة عربية ولا يعرف في كتاب داود أنه قال ما هو بمعناها في اللغة العبرية، وسميت تلك الكلمة فصل الخطاب عند العرب لأنها تقع بين مقدمة المقصود وبين المقصود. فالفصل فيه على المعنى الحقيقي وهو من الوصف بالمصدر، والإِضافة حقيقية. وأول من قال: «أما بعد» هو سحبان وائل خطيب العرب، وقيل: {فصل الخطاب} القضاء بين الخصوم وهذا بعيد إذ لا وجه لإِضافته إلى الخطاب. واعلم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد أعطي من كل ما أعطي داود فكان أوّاباً، وهو القائل: «حديث : إني ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة»تفسير : ، وسخر له جبل حراء على صعوبة مسالكه فكان يتحنّث فيه إلى أن نزل عليه الوحي وهو في غار ذلك الجبل، وعَرضت عليه جبال مكة أن تصير له ذهباً فأبى واختار العبودية وسخرت له من الطير الحَمَام فبنت وكرها على غار ثور مدة اختفائه به مع الصديق في مسيرهما في الهجرة. وشدّ الله مُلك الإِسلام له، وكفاه عدوّه من قرابته مثل أبي لهب وابنه عتبة ومن أعدائه مثل أبي جهل، وآتاه الحكمة، وآتاه فصل الخطاب قال: «حديث : أوتيت جوامع الكَلِم واختصر لي الكلام اختصاراً» تفسير : بَلْهَ ما أوتيه الكتاب المعجز بلغاء العرب عن معارضته، قال تعالى في وصف القرآن: {أية : إنه لقول فصل وما هو بالهزل}تفسير : [الطارق: 13 - 14].
د. أسعد حومد
تفسير : {دَاوُودَ} (17) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ والأَنْبِيَاء قَبْلَهُ كَذَّبَتْهُمْ أَقْوَامُهُمْ، وَاسْتَهْزَأَتْ بِهِمْ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْجَزَ لَهُمْ وَعْدَهُ بِأَنَّ النَّصْرَ والغَلَبَةَ سَتْكُونُ لَهُمْ، وَأَنَّ الكَافِرِينَ الظَّالِمِينَ سَيَكُونُونَ هُمُ المَخْذُولِينَ الخَاسِرِينَ. وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ مُحَمَّداً بالصَّبْرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ الكَفَرَةُ الطُّغَاةُ مِنْ قَوْمِهِ الذِينَ قَالُوا عَنْهُ مَرَّةً سَاحِرٌ، وَمَرَّةً مَجْنُونٌ، وَمَرَّةً كَذَابٌ.. وَقَالُوا عَنْهُ سَاخِرِينَ: أَأُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ دُونِنَا. وَيُذَكِّرُ اللهُ رَسُولَهُ بِقِصَّةِ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، الذِي حَبَاهُ اللهُ بالقُوَّةِ والسُّلْطَانِ (ذَا الأَيْدِ)، وَلَكِنَّهُ جَعَلَهُ أَوَّاباً كَثِيرَ الرُّجُوعِ إِلَى رَبِّهِ، طَائِعاً تَائِباً َذَاكِراً، وَكَانَ دَاوُدُ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً، وَكَانَ يَقُومُ ثُلُثَ الليلِ مُتَعَبِّداً رَبَّهُ. ذَا الأَيْدِ - ذَا القُوَّةِ فِي الدِّين والعِبَادَةِ. أَوَّابٌ - رَجَّاعٌ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ والتَّوْبَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الصبر: استعلاء النفس على الأحداث بمعنى ألاَّ تنال الأحداثُ من النفس ومن قوتها، لأن الذي يُصاب بمصيبة يحتاج إلى قوة إضافية فوق قوته الطبيعية، فلا تجعل المصيبة أو الشدة تُضعف من قوتك على تحمُّل الحدث. وإياك أنْ تجعل المصيبة مصيبتين، حين تضعف أمام الأحداث فيجتمع عليك المصيبة والضعف عن تحملها، ذلك لأن المصيبة بالنسبة للمؤمن على قسمين. الأول: مصيبة للإنسان دَخْلٌ فيها كالطالب المهمل الذي يرسب في الامتحان، فالرسوب نتيجة إهمالك وتهاونك، فإنْ كنت ستغضب فاغضب من نفسك ولُمها وعنِّفها، وحاول أن تصححَ خطأها، وتصلح فسادها، هذه هي الرجولة التي تواجه الواقع ولا تتنصَّل من المسئولية. الثاني: صبر على حَدَث ليس للإنسان دَخْل فيه، وهذا هو الأمر القدري يُجريه الله عليك، ولا يريد لك منه إلا الخير، وإنْ كنتَ تعتقد أنت أنه شَرٌّ. لذلك قد يدعو الإنسان بما يراه خيراً له حَسْب قوانينه وفَهْمه للخير، لكن لا يرى إجابة فيغضب ويقول: دعوتُ فلم يُستجب لي. وغفل أن ربه - عز وجل - أعلمُ بالخير أين هو، لذلك لم يُجِبْهُ، إذن: فإجابته لك ألاَّ يجيبك. لذلك يُعلِّم الحق سبحانه المؤمنين الرّد على الذين كانوا يشمتون في الأحداث تصيبهم، فيقول: {أية : قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} تفسير : [التوبة: 51] نعم، كتب الله لنا لا علينا، لأن المصيبة لا تأتي المؤمنَ إلا بالخير، فهي إما تمحيص لنا وإما عُلُو لمرتبتنا، وإما ليعلم غيرُ المؤمنين أن لأهل الإيمان جلادةً أمام الأحداث، وصلابةً لا تلين. ومن ناحية أخرى، نجد المصيبة التي تصيب الإنسانَ إما مصيبة له فيها غريم، أو مصيبة لا غريمَ فيها، فالمصيبة التي لك فيها غريم اعتدى عليك مثلاً تحتاج إلى صبر أقوى وجَلَد وتحمُّل أكثر، لأنك كلما رأيتَ غريمك حرَّك فيك كوامن النفس ودواعي الانتقام، أما المصيبة التي ليس لك فيها غريم، وهي المصيبة القدرية التي أصابتْك بقدر الله فهي أهون على النفس من الأولى لأنها من الله، فلا تملك معها إلا أنْ تقول لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله وتصبر وتحتسب، وإلا فماذا تفعل مثلاً أمام المرض أو الموت؟ لذلك يقول سبحانه في المصيبة التي لك فيها غريم: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] يعني: تحتاج إلى عزيمة وقوة تحمُّل تعينك على الصبر، أو تدعوك إلى المغفرة، أما المصيبة القدرية التي لا غريمَ لك فيها، فيقول الحق فيها: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17] ولم يقُلْ هنا {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]، فآية لقمان في المصيبة التي لا غريم فيها، فأتت بدون اللام، وآية الشورى لما فيها غريم فأتت فيها اللام. هنا الحق سبحانه يريد أنْ يُسلِّي نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ويُخفِّف عنه ما يلاقي من قومه، فقولهم عن رسول الله أنه ساحر وكاذب ومجنون .. إلخ كل هذا يُحزن رسول الله ويشقُّ عليه ويُؤلمه؛ لذلك مرَّتْ بنا آياتٌ كثيرة في تسليته صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} تفسير : [الأنعام: 33]. وهنا يخاطبه ربه: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} [ص: 17] ثم يعطيه مثلاً من موكب الرسالات السابقة {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} [ص: 17] لكن لماذا ذكر سيدنا داود بالذات في هذا المقام؟ قالوا: لأن قومَ سيدنا داود قالوا في حقه ما هو أفظع مما قيل في حَقِّ رسول الله، فكفار مكة قالوا: ساحر، وكاهن، وكذاب. أما قوم داود فقد اتهموه في شرفه وعفَّته وطهارته، حين زعموا أنه بعث بأحد قادته إلى حرب خارج البلاد؛ لأنه كان يحب زوجته، ويريد أنْ يخلوَ له الجو وينفرد بها، ومع ذلك صبر سيدنا داود. والحق سبحانه يخاطب نبيه محمداً ويقول له: اصبر كما صبر داود. مع أن محمداً هو خاتم الرسل جميعاً، فلا رسالةَ بعده وفوَّضَه الله في أنْ يُشرِّع لأمته، وهذه خصوصية لم تسبق لأحد غيره من الرسل، وأرسل الله معه كتاباً خالداً مهيمناً على كل الكتب السابقة ومع ذلك يقول له ربه: اصبر كما صبر داود، وكما صبر إخوانك من الرسل ليدلَّ على أن أمة الرسالة أمة واحدة، كل منهم يُبلِّغ عن الله رسالة مناسبة لقومه، فالرسل جميعاً كشخص واحد. لذلك قال تعالى: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} [ص: 17] وبعد ذلك ذكر عدةَ رسُل من موكب الرسالات ولم يقُلْ عبادنا، كأنهم تجمعوا كلهم في مهمة واحدة فلا تفرق بينهم؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ..} تفسير : [الشورى: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تفضلوني على يونس بن متى ". تفسير : لأنكم لا تعلمون مقاييس المفاضلة، فدعوا المفاضلة لله تعالى فهو الذي يُفضِّل، كما قال سبحانه: {أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ ..} تفسير : [البقرة: 253]. وتأمَّل هذا الشرف الكبير الذي ناله سيدنا داود حين تحدَّث الحق عنه، فقال {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} [ص: 17] كذلك نال سيدنا محمد في استهلاك سورة الإسراء: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 1] فليس للإسراء حيثية، إلا أنه صلى الله عليه وسلم عبد أخلص العبودية لله فاستحق هذا الشرف العظيم؛ لذلك لما جَفتْ به الطائف واضطهدوه وشتموه جاء العزاء من الله، فإنْ كانت الأرضُ لم تحتَفِ بك، فسوف تحتفي بك السماء. وقوله تعالى: {ذَا ٱلأَيْدِ} [ص: 17] يعني: صاحب القوة في العبادة، والإيمان يحتاج فعلاً إلى قوة تُعينك على الطاعة، وتزجرك عن المعصية، وتكبح جماحَ النفس حين تميل بك إلى المخالفة، أما الطاعة فتحتاج إلى قوة لأن الطاعةَ غالباً ما تكون ثقيلة على النفس، فتحتاج إلى قوة دافعة حافزة؛ لذلك يقول تعالى عنها: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ} تفسير : [البقرة: 45]. أما المعصية فلها لذة وجاذبية وشهوات تُلِح على النفس، فتحتاج كذلك إلى عزيمة وقوة رادعة كابحة؛ لذلك كثيراً ما يتكرر ذِكْر القوة في كتاب الله، فقال عن داود {ذَا ٱلأَيْدِ} [ص: 17]، وقال ليحيى عليه السلام: {أية : يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} تفسير : [مريم: 12]. فالمؤمن لا بُدَّ أنْ يكون قوياً، قويَّ الإرادة والعزم، لا بُدَّ له من قوة الدفع إلى الطاعات لأنه يكسل عنها، وقوة الردع عن المعاصي لأنه يميلُ إليها، والإنسان لا يكسل عن الطاعة ولا يرغب في المعصية إلا حين يعزل العملَ عن الجزاء والعاقبة، ولو استحضر الجزاء وتذكَّر العاقبة لَهانت عليه الطاعة وخَفَّتْ على نفسه وسَهُلَتْ، ولَزِهدَ في المعصية، وفَرَّ منها فراره من الأسد. وقد أوضحنا هذه المسألة بمثال قلنا: هَبْ أن شاباً طغتْ عليه الغريزة الجنسية، وهي أعنف الغرائز في الإنسان، فقلنا له: تقضي ليلة مع فتاة جميلة لكن في الصباح سنُدخلك هذا (الفرن) المتأجج لمدة ساعة، فماذا يقول؟ إذن: استحضار العقاب على المعصية عند المعصية يمنعك منها، كذلك استحضار الثواب على الطاعة يدفعك إليها. وهناك في جبال الهملايا وعند قمة إفرست وجدوا ضحايا كثيرين مِمَّن يحاولون اعتلاء هذه القمة، فبعضهم مَات بعد ثلث المسافة، وبعضهم بعد الثلثين وهكذا، فما الذي حملهم على تحمُّل هذه المصاعب والمخاطر؟ إنها شهوة الاستعلاء على هذه القمة التي تُعَدُّ أعلى قمة في العالم، إنه حب الشهرة وتخليد الذكْر في دوائر المعارف، إذن: استهانوا بالأخطار ليصلوا إلى هذه الغاية التي يتطلَّعون إليها. فالذي يجعل الإنسان يزهد في الطاعات ويتكاسل عنها أنه لم يستحضر الثوابَ عليها ولو استحضر ثوابها لَسهُلَتْ عليه، كما قال الشاعر: شعر : تَهُونُ عَلَيْنا في المعَالِي نُفُوسُنَا ومَنْ يخطُب الحَسْنَاءَ لم يُغْلِهَا المهْرُ تفسير : والنبي صلى الله عليه وسلم يشرح لنا هذه المسألة بقوله: "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارقُ حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمرَ حين يشربها وهو مؤمن ". تفسير : يعني: ينتفي عنه وَصْفُ الإيمان في لحظة وقوعه في هذه المعصية؛ لأنه غفل عن العاقبة، وغفل عن الله، ولو استحضر اللهَ في ذهنه ما أقدم. ثم يقول تعالى في وصف سيدنا داود: {إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 17] من الفعل آب آيب وأوَّاب صيغة مبالغة على وزن فعَّال. يعني: كثير التوبة والأوْب إلى الله، وهذه الكلمة فيها إشارة إلى أن الإنسانَ عُرْضة للمعصية، وأنه مهما تاب فهو مُعرَّض للعودة مرة أخرى؛ لأنه ليس معصوماً، المهم أنْ تحدثَ لكل ذنب توبةٌ، وألاَّ تكون مُصِراً على أن تعودَ. لذلك تلحظ أن من أسماء الله تعالى الغفار {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} تفسير : [طه: 82] ولم يقل غافر، لماذا؟ لأن الخَلْق فيهم غفلة، وفيهم معصية تتكرر، وتكرُّر المعصية يحتاج إلى تكرُّر المغفرة؛ لذلك من رحمة الله بنا أنه غفَّار أي: كثير المغفرة. وقوله تعالى في حَقِّ سيدنا داود: {إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 17] تشرح لنا فيما بَعْد معنى {أية : وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} تفسير : [ص: 24]. ثم يقول تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ} [ص: 18] معنى: {بِٱلْعَشِيِّ} [ص: 18] الوقت بعد الظهر إلى المغرب {وَٱلإِشْرَاقِ} [ص: 18] بعد شروق الشمس وهو وقت الضحى، ومعلوم أن الجبال جماد، والجماد هو أدْنى الأجناس في الكون، فالإنسان هو سيد هذا الكون، وهو أعلى الأجناس، يليه الحيوان، ثم النبات، ثم الجماد. الحق سبحانه يخبرنا أن الجماد يُسبِّح، وأن للجماد حياةً في حين يظن الإنسان أن جماد يعني جامد لا حياةَ فيه، نعم لا حياةَ فيه بمقياسك أنت، لكن له حياة أخرى غير حياتك، أنت تسعى وتجري في طول الدنيا وعرضها، أما الجماد فثابت لا يتحرك. لكن لكل جنس حياة تناسبه، فأنت أيها الإنسان لك حياتان: حياة في حال اليقظة، وحياة أخرى في حال النوم، أقانونك وأنت نائم هو قانونك وأنت مستيقظ؟ إنك ترى في النوم الأشخاص والأشكال، وتُميِّز بين الألوان، وتعيش قصة طويلة وتَعِي تفاصيلها، كل هذا وأنت نائم مُغْمضَ العينين، فبأيِّ حاسة رأيتَ ما رأيت؟ بعد ذلك لك حياة أخرى مناسبة للموت، وحياة أخرى مناسبة للبعث. وإنْ أردت أنْ تستدلَّ على أن كل شيء في الوجود له حياة تناسبه، فاقرأ إنْ شئتَ: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..} تفسير : [الإسراء: 44] بعض العلماء قال - ليخرج من هذا المطب - التسبيح هنا يعني تسبيح دلالة. يعني: هذه المخلوقات تدل على خالقها، وليس المراد تسبيح المقال، ولو كان التسبيح المراد تسبيح دلالة كما يقول ما قال الحق بعدها: {أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 44] لأننا نفهم تسبيحَ الدلالة. إذن: لا بُدَّ أنْ لها تسبيحاً آخر، لا نعلمه نحن. كذلك في قوله تعالى في الطير: {أية : وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَه وَتَسْبِيحَهُ} تفسير : [النور: 41] فليس لنا أن نبحث في كيفية صلاة الطير، فكل جنس يعلم كيف يصلي لله خالقه، ألم تَرَ النملةُ جنودَ سليمانَ فتسرع لتحذر قومها: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [النمل: 18] وتأمل هذا الاحتياط في قولها وعدالة الحكم في {أية : وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [النمل: 18] فهم ليسوا ظلمة ولا جبارين، وإنْ مرُّوا عليكم سيحطمونكم من حيث لا يدرون ولا يشعرون بكم. ألم يعلم هدهدُ سليمانَ قضيةَ التوحيد؟ ألم يكُنْ سبباً في هداية قوم ضلُّوا وعبدوا الشمس من دون الله حين عاد إلى سليمان، يقول {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 22-23]. والذي أغاظ الهدهد وأثَّر في نفسه أنْ يراهم يسجدون للشمس من دون الله: {أية : وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} تفسير : [النمل: 24-25]. إن الهدهد يفهم القضية كاملة، بل ويجيد في ذلك ما لا يجيده الإنسانُ العاقل. والإنسان الذي يُدِلُّ على الكون بعقله وفهمه، ألم يُعلِّمه الغراب كيف يُواري سَوْأةَ أخيه وجثته: {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ..} تفسير : [المائدة: 31]. إذن: فكل كَوْن له عالمه، وله لغته، وله صلاته لله وخشوعه، فلا تفرض قانوناً لتسحبه على قانون آخر، فتحيل كثيراً من الأشياء. وإنْ أردتَ سنداً لهذا من نفس القرآن فاقرأ قوله تعالى: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} تفسير : [الأنفال: 42] فالهلاك نقيض الحياة. واقرأ: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88]. إذن: حين نجمع بين الآيتين نرى أن كل شيء له حياة خاصة به، وإنْ كنا لا ندرك نحن كُنْه هذه الحياة لكنها موجودة، بدليل أن كل شيء هالك. والآن بدأ العلماء يُسجِّلون لغة الطير ولغة الحيوان ويتوصَّلون إلى حَلِّ شفرة هذه اللغات. ومن العجائب التي جعلها الله لتشرح لنا قدرته تعالى في كونه أنهم لما صنعوا الصاروخ (ديسكافري)، وأرادوا إطلاقه إلى الفضاء ووزنه 110 أطنان، وجدوا به عُطْلاً يمنع انطلاقه، فلما بحثوا عن العطل وجدوا طائراً وزنه أربعة جرامات اسمه نقار الخشب نقر في الجدار العازل لخزان الوقود في الصاروخ اثنين وأربعين ثقباً فعطَّل الصاروخ عن الانطلاق، وهكذا سُخِّر طائر وزنه أربعة جرامات وبنى عُشَّه على هذا الصاروخ العملاق فعطَّل حركته. وكأن الطيورَ أرادتْ أنْ تثأر لنفسها لما رأت الإنسان يزاحمها في عالم الطيران؛ لذلك وجدوا أن أكبر شيء يهدد الطيران هو عالم الطيور، وأن جماعات منها تعترض الطائرات، وتحوم حول المطارات وكأن هناك عداوةً بينها وبين هذه المخلوقات التي تنازعها الطيران. لذلك فكَّر علماء الطيران في فكرة تطرد الطيور عن المطارات، فأخذوا فكرة أصوات الطيور التي تصدرها كإنذار لغيرها عند حدوث خطر وسجَّلوا هذه الأصوات وأذاعوها حول المطارات، لكن الطير تنبَّه إلى هذه الخدعة، ولم تَعُدْ تزعجه هذه الأصوات، لذلك لجأوا إلى وسيلة أخرى فقالوا: إن الطيور تخاف من الصقور، فصنعوا لها مُجسَّمات من البلاستيك وعلَّقوها، لكن هذه الخدعة عرفها الطير، وسَخر منها حين وضعتْ بعض الطيور أعشاشها على أجنحة هذه الصقور. إذن: للطير عالمه ومملكته وأسراره، عرفنا منها شيئاً، وغابت عنا منها أشياء. فإذا قرأتَ عن سيدنا داود: {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ} [ص: 18] فاعلم أن الجبال تسبح على الحقيقة تسبيحاً لا يعلمه إلا ربها وخالقها. والميزة هنا لسيدنا داود ليست في تسبيح الجبال؛ لأن الجبال مُسبِّحة دائماً، إنما المعجزة هنا أنها تُسبِّح معه وتردد معه نشيداً واحداً، فالكلام في (معه) أي تُسبِّح مع تسبيحه. لذلك قلنا في قولهم: سبِّح الحصى في يد رسول الله، قلنا: عدِّلوا العبارة، لأن الحصى يسبح حتى في يد أبي جهل، فالصواب والمعجز أن نقول: سمع رسول الله تسبيحَ الحصى في يده. هذه هي العظمة. ومعنى {بِٱلْعَشِيِّ ..} [ص: 18] العَشِيُّ: الفترة بعد الظهر إلى المغرب {وَٱلإِشْرَاقِ} [ص: 18] أي: شروق الشمس، وقد أخذ بعض الأئمة من هذه الآية دليلاً على مشروعية صلاة الضحى التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يقول عن هذه الصلاة: صلاة الإشراق. لكن أيّ عشي؟ وأيّ إشراق؟ هذا وقت وكل مكان له عَشِيٌّ وله إشراق يخالف الآخر. إذن: فهو وقت ممتد في كل وقت كما أوضحنا في الصلاة، فهي دائمة ممتدة لا تنقطع أبداً، ففي مكان يُصلِّي الصبح، وفي آخر يُصلِّي الظهر، وفي آخر يُصلِّي العصر وهكذا. فكأن الخالق سبحانه أراد بهذه الدورة الزمنية أنْ يُعبَد سبحانه في كل جزئيات الزمان عبادة لا تنقطع في وقت من الأوقات. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يبسط يده بالليل ليتوبَ مسيء النهار، ويبسطُ يده بالنهار ليتوبَ مسيء الليل" تفسير : ولا يخلو الزمن أبداً من ليل أو نهار، إذن: فالمعنى أنه سبحانه يده مبسوطة دائماً. ثم يقول سبحانه: {وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 19] معنى محشورة أي: مجتمعة حول سيدنا داود، لأنه عليه السلام كان جميل الصوت حين يقرأ المزامير ويتغنى بها، فكانت الطيرُ تجتمع عليه وتُردِّد معه وتُرجِّع ما يقول: إذن: كانت منظومة إيمانيةً مُكوَّنة من سيدنا داود والجبال والطير، جميعهم يرددون تسبيحاً واحداً، وكأنهم كما قلنا: (كورس) واحد. لذلك قالوا في {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 19] أي: داود والجبال والطير، كل منهم أواب لله خاضع له راجع إليه. وقوله: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} [ص: 20] أي: قوَّيناه وساندناه بالنصر والهيبة، النصر في كل شيء، والهيبة أقوى أسباب القوة؛ لذلك إذا أراد اللهُ أنْ يضعف الملِك نزع الهيبةَ منه من القلوب، وحين لا يهابه الناس يتجرأون عليه. {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} [ص: 20] الحكمة: وَضْع الشيء في موضعه المناسب له، والذي تأتي منه الثمرة المرجوة من أقصر الطرق وأيسرها، والحق سبحانه حين يأتي بلفظ من الألفاظ يأخذ أنْسَه بما في اللغة، فالحكمة مأخوذة من الحَكمة، وهي اللجام الذي يُوضَع في حَنَك الجواد، فيسهل التحكم فيه وضبط حركته كما أريد، فأرخى له ليسرع، وأجذبه فيقف. وقالوا: الحكمة أي النبوة وسداد الرأي في الأمور، وقد امتاز كل من سيدنا داود وسيدنا سليمان بالذات بأنْ جمعَ اللهُ لهما الملْكَ والنبوة؛ لذلك رأينا المخالفين لهما (فطسانين) لا وجودَ لهم، ولا أثر؛ لأن الملك يطمس عُنْف المخالف. ومعنى {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} [ص: 20] أي: علم الفَصْل في الخصومات، والفصل لا يكون إلا في متجادلين، يأتي هذا بحجة وهذا بحجة، وعلى الحكَمِ بينهما أنْ يفصلَ بينهما، بأنْ يُنصِفَ الحق ويبطل الباطل. وإنْ كانت مسألة فصْل الخطاب هذه اعترض عليها؛ لأن سيدنا سليمان فيما بعد عدّل حكماً لأبيه، وهذه تحسب أيضاً لسيدنا داود؛ لأن الذي عدل حكمه هو ولده، والإنسان لا يحب لأحد أن يتفوَّق عليه إلا ولده؛ لذلك سُرَّ بها سيدنا داود.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} فذو الأيدِ: ذُو القُوةِ. والأَوابُ: التَّوابُ.
همام الصنعاني
تفسير : 2582- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ذَا ٱلأَيْدِ}: [الآية: 17]، قال: ذا القوة في العبادة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):