Verse. 3988 (AR)

٣٨ - ص

38 - Sad (AR)

اِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَہٗ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْاِشْرَاقِ۝۱۸ۙ
Inna sakhkharna aljibala maAAahu yusabbihna bialAAashiyyi waalishraqi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنا سخرنا الجبال معه يسبحن» بتسبيحه «بالعشيّ» وقت صلاة العشاء «والإشراق» وقت صلاة الضحى وهو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوءُها.

18

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ} «يُسَبِّحْنَ» في موضع نصب على الحال، ذكر تعالى ما آتاه من البرهان والمعجزة وهو تسبيح الجبال معه. قال مقاتل: كان داود إذا ذكر اللّه جل وعز ذكرت الجبال معه، وكان يفقه تسبيح الجبال. وقال ابن عباس: «يُسَبِّحْنَ» يصلّين. وإنما يكون هذا معجزة إذا رآه الناس وعرفوه. وقال محمد بن إسحاق: أوتي داود من حسن الصوت ما يكون له في الجبال دويّ حسن، وما تصغي لحسنه (الطير) وتصوّت معه، فهذا تسبيح الجبال والطير. وقيل: سخرها اللّه عز وجل لتسير معه فذلك تسبيحها؛ لأنها دالة على تنزيه اللّه عن شبه المخلوقين. وقد مضى القول في هذا في «سبأ» وفي «سبحان» عند قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإسراء: 44] وأن ذلك تسبيح مقال على الصحيح من الأقوال. واللّه أعلم. (بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ) الإشراق أيضاً ٱبيضاض الشمس بعد طلوعها. يقال: شَرَقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. فكان داود يسبّح إثر صلاته عند طلوع الشمس وعند غروبها. الثانية ـ روي عن ٱبن عباس أنه قال: كنت أمُّر بهذه الآية {بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ} ولا أدري ما هي، حتى حديث : حدّثتني أم هانىء أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دخل عليها، فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى صلاة الضحى، وقال: «يا أم هانىء هذه صلاة الإشراق»تفسير : . وقال عكرمة قال ٱبن عباس: كان في نفسي شيء من صلاة الضحى حتى وجدتها في القرآن {يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ}. قال عكرمة: وكان ٱبن عباس لا يصلّي صلاة الضحى ثم صلاها بعد. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عباس: إني أجد في كتب اللّه صلاة بعد طلوع الشمس هي صلاة الأوّابين. فقال ابن عباس: وأنا أوجدك في القرآن؛ ذلك في قصة داود «يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإشْرَاقِ». الثالثة ـ صلاة الضحى نافلة مستحبة، وهي في الغداة بإزاء العصر في العشيّ، لا ينبغي أن تصلي حتى تبيض الشمس طالعة؛ ويرتفع كدرها؛ وتشرق بنورها؛ كما لا تصلي العصر إذا ٱصفرّت الشمس. وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرْقَم أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صلاة الأوّابين حين تَرْمَض الفصالُ»تفسير : الفصال والفصلان جمع فَصيل، وهو الذي يفطم من الرضاعة من الإبل. والرمضاء شدّة الحر في الأرض. وخصّ الفصال هنا بالذكر؛ لأنها هي التي تَرْمَض قبل ٱنتهاء شدّة الحر التي تَرْمَض بها أمهاتها لقلة جَلَدها، وذلك يكون في الضحى أو بعده بقليل، وهو الوقت المتوسط بين طلوع الشمس وزوالها؛ قاله القاضي أبو بكر بن العربي. ومن الناس من يبادر بها قبل ذلك ٱستعجالاً، لأجل شغله فيخسر عمله؛ لأنه يصليها في الوقت المنهي عنه ويأتي بعمل هو عليه لا له. الرابعة ـ روى الترمذي من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من صلّى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى اللّه له قصراً من ذهب في الجنة»تفسير : قال حديث غريب. وفي صحيح مسلم عن أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يصبح على كل سُلاَمَى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»تفسير : . وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من حافظ على شَفْعة الضحى غُفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زَبد البحر»تفسير : . وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: «حديث : أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت صوم ثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى ونوم على وتر»تفسير : لفظ البخاري. وقال مسلم «حديث : وركعتي الضحى» تفسير : وخرّجه من حديث أبي الدرداء كما خرّجه البخاري من حديث أبي هريرة. وهذا كله يدل على أن أقل الضحى ركعتان وأكثره ثنتا عشرة. واللّه أعلم. وأصل السُّلامي (بضم السين) عظام الأصابع والأكف والأرجل، ثم ٱستعمل في سائر عظام الجسد ومفاصله. وروي من حديث عائشة رضي اللّه عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلثمائة مفصل فمن كبر اللّه وحمد اللّه وهلل اللّه وسبح اللّه وٱستغفر اللّه وعزل حجراً عن طريق الناس أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلثمائة سلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار»تفسير : قال أبو توبة: وربما قال «يمسي» كذا خرجه مسلم. وقوله: «ويجزي عن ذلك ركعتان» أي يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان. وذلك أن الصلاة عمل بجميع أعضاء الجسد؛ فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته التي عليه في الأصل. واللّه أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ } بتسبيحه {بِٱلْعَشِىِّ } وقت صلاة العشاء {وَٱلإشْرَاقِ } وقت صلاة الضحى: وهو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها.

الخازن

تفسير : {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن} أي بتسبيحه إذا سبح {بالعشي والإشراق} أي غدوة وعشية والإشراق هو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوءها وفسره ابن عباس بصلاة الضحى وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس في قوله {بالعشي والإشراق} قال كنت أمر بهذه الآية لا أدري ما هي حتى حدثتني "حديث : أم هانىء بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى الضحى فقال "يا أم هانىء إن هذه صلاة الإشراق"" تفسير : قلت والذي أخرجاه في الصحيحين من حديث أم هانىء في صلاة الضحى, حديث : قالت أم هانىء: "ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة بنته تستره بثوب فسلمت عليه فقال من هذه قلت أم هانىء بنت أبي طالب فقال مرحباً يا أم هانىء فلما فرغ من غسله قام وصلى ثمان ركعات ملتحفاً بثوب قالت أم هانىء وذلك ضحى"" تفسير : ولهما " حديث : عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال "ما حدثنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هانىء فإنها قالت إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثمان ركعات فلم أر صلاة قط أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود" ". تفسير : قوله تعالى: {والطير} أي وسخرنا له الطير {محشورة} أي مجموعة إليه تسبح معه {كل له أواب} أي رجاع إلى طاعته مطيع له بالتسبيح معه {وشددنا ملكه} أي قويناه بالحرس والجنود, قال ابن عباس كان أشد ملوك الأرض سلطاناً كان يحرس محراباً كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل. وروي عن ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل ادعى على رجل من عظمائهم, عند داود عليه الصلاة والسلام فقال هذا غصبني بقرة فسأله داود فجحده فسأل الآخر البينة فلم يكن له بينة فقال لهما داود قوما حتى أنظر في أمركما فأوحى الله إلى داود في منامه أن اقتل المدعى عليه فقال هذه رؤيا ولست أعجل عليه حتى أتثبت فأوحي إليه مرة أخرى فلم يفعل فأوحي إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة فأرسل إليه داود فقال إن الله عز وجل أوحى إليّ أن أقتلك فقال تقتلني بغير بينة فقال داود نعم والله لأنفذن أمر الله فيك فلما عرف الرجل أنه قاتله, قال لا تعجل حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته فبذلك أوخذت فأمر به داود فقتل فاشتدت هيبة بني إسرائيل عند ذلك لداود واشتد به ملكه فذلك قوله تعالى {وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة} يعني النبوة والإصابة في الأمور {وفصل الخطاب} قال ابن عباس يعني بيان الكلام وقال ابن مسعود علم الحكم والتبصر بالقضاء وقال علي بن أبي طالب هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر لأن كلام الخصوم ينقطع وينفصل به. وقال أبيّ بن كعب فصل الخطاب الشهود والأيمان وقيل إن فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله تعالى والثناء عليه أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر وأول من قاله داود عليه الصلاة والسلام.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ} فقوله: "يسبحن" جملة حالية من "الجبال" وأتى بها هنا فعلاً مضارعاً دون اسم الفاعل فلم يقل مسبِّحات، دلالة على التجدد والحدوث شيئاً بعد شيء كقول الأعشى: شعر : 4261- لَعَمْرِي لَقَدْ لاَحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ إلَى ضَوْءِ نَارٍ فِي بِقَاعٍ تَحَرَّقُ تفسير : أي تحرق شيئاً فشيئاً، ولو قال: مُحْرِقة لم يدل على هذا المعنى. فصل المعنى يسبحن بتسبيحه. (و) في كيفية تسبيح الجبال وجوه: الأول: أن الله تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلاٌ وقُدرة ونُطقاً، فحينئذ يصير الجبل مسبحاً لله تعالى. الثاني: قال القفال: إن داود - عليه (الصلاة و) السلام - أوتي من شدة الصوت وحسنة ما كان له في الجبال دويٌّ حسن وما يصغي الطير (إليه) لحسنه فيكون دويّ الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحاً، وروى محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود حتى إنه كان إذا قرأ الزبور دنَتْ منه الوحوش حتى تؤخَذَ بأعْنَاقِهَا. الثالث: أن الله تعالى سخر الجبال حتى إنّها كانت تسير إلى حيث يريده داود فجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه يدل على كمال قدرة الله وحكمته. قوله: {بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ} قال الكلبي غَدْوةً وعَشِيًّا والإشراق هو أن تشرق الشمسُ ويتناهى ضوؤها قال الزجاج: يقال شَرقَت الشمس (إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وقيل: هما بمعنًى. والأول أكثر. تقول العرب شرقت الشمس) والماء يُشرق، وفسره ابن عباس بصلاة الضحى حديث : قال ابن عباس كنت أمر بهذه الآية لا أدري ما هي حتى حدثَتْنِي أمّ هانِىء بنت أبي طالب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها فدعا بوَضُوء فتوضأ ثمّ صلّى الضُّحَى وقال يا أم هانىء: هذه صلاة الإشراق تفسير : . وروى طاوس عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكرَ صلاةِ الضحى في القرآن؟ قالوا: لا؛ فقرأ: {إنا سَخَّرْنَا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق} قال: وكانت صلاة يصليها داود عليه السلام وقال لم يزل في نفس شيء من صلاة الضحى حتى طلبتها فوجدتها في قوله تعالى: {يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ }. قوله: {وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً } العامة على نصبها عَطَفَ مفعولاً على مفعول، وحالاً على حال كقولك: ضربت زيداً مكتوفاً وعمراً مطلقاً، وأتى بالحال اسماً لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئاً فشيئاً لأن حشرها دفعة واحدة وأدلُّ على القدرة والحاشر الله تعالى. وقرأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَحْدري برفعهما جعلاها مستقلة من مبتدأ وخبر. والمعنى وسخرنا الطير محشورةً، قال ابن عباس: كان داود إذا سبح جاءته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله تعالى. فإن قيل: كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها؟ فالجواب: أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولاً حتى تعرف الله فتسبحه حينئذ ويكون ذلك معجزة لداودَ قال الزمخشري قوله: "مَحْشُورَةً" في مقابلة: "يسبحن" إلا أنه ليس في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئاً بعد شيء فلا جَرَمَ أتى به اسماً لا فعلاً، وذلك أنه لو قيل: وسخرنا الطير (محشورة) (يحشرن) على تقدير أن الحشر يوجد من حاشرها شيئاً بعد شيء والحاشر هو الله عزّ وجلّ لكان خلفاً لأنه تعالى حشرهم جملةً واحدة. قوله: {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} أي كل من الجبال والطير لداود أي لأجل تسبيحه، فوضع أواب موضع مسبّح. وقيل: (إنَّ) الضمير في: "لَهُ" للباري تعالى، والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى. قوله: "وَشَدَدْنَا" العامة على تخفيف شددنا أي قَوَّيْنَا كقوله: {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} تفسير : [القصص:35] وابنُ أبي عَبْلَةَ والحسن "شَدَّدْنَا" بالتشديد. وهي مبالغة كقراءة العامة، ومعنى الكلام قويناه بالحرس والجنود. قال ابن عباس: كان أشد ملوك الأرض سُلطاناً كان يحرس محرابه كل ليلة ستةٌ وثلاثون ألفَ رجلٍ. قوله: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} أما الحكمة فهي النبوة، وقيل: العلم والخير؛ قال تعالى: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} تفسير : [البقرة:269] وأما فصل الخطاب فقال بعض المفسرين: إن داود أول من قال في كلامه: أما بعد. وقيل: المراد منه: معرفة الأمور التي بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البينة واليمين. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادراً على التعبير على كل ما يخطر بالبال ويحضُر في الخيال بحيث لا يخلِط شيئاً بشي وبحيث يفصل كُلّ مقام عن ما يخالفه. هذا معنى عامّ يتناول فصل الخصومات ويتناول الدعوة إلى الدين الحق ويتناول جميع الأقسام والله أعلم. وروى ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجلٍ من عظمائهم عند داود أن هذا غَصَبني بقراً فسَأَلَهُ (داود) فجَحَد فقال للآخر البينة فلم يكن له بينة فقال لهما داود: قوما حتى ينظر في أمركما فأوحى الله إلى داود من منامه أن يقتل الذي استعدى عليه فقال هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت فأوحى الله إليه ثانيةً فلم يفعل فأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال إن الله أوحى إليَّ أن أقتلك؛ فقال: تقتلني بغير بينة، فقال داود نعم والله لأنفذنَّ أمر الله فيك فلما عرف الرجل أنه قاتله قال لا تعجل حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكن اغتلت والد هذا فقتلته ولذلك أخذت فأمر به داود فقتل فاشتد هيبة داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل، واشتد به مُلْكه فذلك قوله: "وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ" "وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ" يعني النبوة والإصابة في الأمور، و"فَصْلَ الْخِطَابِ" قال ابن عباس: بيان الكلام. وقال ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل: على الحكم باالقضاء، وقال علي بن أبي طالب: هو أن البينة على المدَّعِي واليمين على ما أنكر؛ لأن كلام الخصوم ينقطع وينفصل به، ويروى ذلك عن أبي بن كعب قال: فصل الخطاب الشهود والإيْمَان. وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن الشعبي: فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر. قوله (تعالى): {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ} قد تقدم أن الخصم في الأصل مصدر فلذلك يصلح للمفرد والمذكر وضِدَّيْهِما، وقد يطاَبق، ومنه {أية : لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ} تفسير : [ص:22]. والمراد بالخصم هنا جمعٌ بدليل قوله: "إِذْ تَسَوَّرُواْ" وقوله: "إِذْ دَخَلُواْ". قال الزمخشري: وهو يقع للواحد والجمع كالضَّيْفِ، قال تعالى: {أية : حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ} تفسير : [الذاريات: 24] لأنه مصدر في أصله، يقال خَصَمَهُ يَخْصِمُهُ كما تقول: ضَافَهُ ضَيْفاً. فإن قلت: هذا جمع وقوله: خَصْمَان تثنية فكيف استقام ذلك؟ قلت: معنى خصمان فريقان خصمان، والدليل قراءة من قرأ: "بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ" ونحوه قوله تعالى: {أية : هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ} تفسير : [الحج:19] فإن قلت: فما تَصْنَعُ بقوله: {إِنَّ هَذَآ أَخِي} وهو دليل على الاثنين؟ قلت: معناه أنّ التحاكم بين ملكين ولا يمنع أن يصحبهما آخرون، فإن قلت: كيف سماهم جميعاً خَصْماً في قوله: "نَبَأُ الخَصْمِ وخَصْمَان"؟ قلت: لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخصم صحت التسمية به. قوله: "إِذْ تَسَوَّرُواْ" في العامل في "إذْ" أَوْجُهٌ: أحدهما: أنه معمول للنبأ إذا لم يرد به القصة. وإليه ذهب ابنُ عطية وأبو البقاء ومكِّيٌّ أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تَسَوُّرهم المحراب، وقد ردّ بعضهم هذا بأن النبأ الواقع في ذلك الوقت لا يصح إتيانه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن أريد بالنبأ القصة لم يكن ناصباً. قاله أبو حَيَّانَ. الثاني: أن العامل فيه "أَتَاكَ". وُردَّ بما رُدَّ به الأول، وقد صرح الزَّمَخْشَريُّ بالرد على هذين الوجهين. فقال: "فإن قلت: بم انتصب إذ؟ قلت: لا يخلوا إما أن ينتصب "بأتَاكَ" أو "بالنَّبَأ" أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأَتَاك لأن إتيان النبأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقع إلا في عهده لا في عهد داودَ (و) لا بالنبأ؛ لن النبأ واقع في عهد داودَ فلا يصح إتيانه رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وإن أردت بالنبأ القصة في نفسها لم يكن ناصباً، فبقي أن يكون منصوباً بمحذوف تقديره: وهَلْ أَيَاكَ نَبَأُ تَحَاكُمِ الخَصْمِ إذْ". فاختار أن يكون معمولاً لمحذوف. الرابع: أن ينتصب بالخصم؛ لما فيه من معنى الفِعْل. قوله: "إذْ دَخَلُوا" فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من "إذ" الأُولَى. الثاني: أنه منصوب بتَسَوَّرُوا. ومعنى تسوروا عَلَوْ أَعْلَى السّور، وهو الحائط غير مهموز كقولك: تَسَنَّم البَعِيرَ أي بَلَغَ سَنَامَهُ. والضمير في "تَسَوَّرُوا" و"دَخَلُوا" راجع على الخصم، أنه جمع في المعنى على ما تقدم، (أو على أنه مثنًّى والمثنى جمع في المعنى. وتقدم) تحقيقه. قوله: "خَصْمَانِ" خبر مبتدأ مضمر أي نَحْنُ خَصْمَانِ ولذلك جاء بقوله: "بَعْضُنَا"، ومن قرأ "بعضهم" بالغيبة يجوز أن يقدره كذلك ويكون قد راعى لفظ: خَصْمَان، ويجوز أن يقدرهم خَصْمَان ليتطابق، وروي عن الكسائي خِصْمَانِ بكسر الخَاء. وقد تقدم أنه قرأها كذلك في الحَجِّ. قوله: "بَغَىٰ بَعْضُنَا" جملة يجوز أن تكون مفسِّرةً لحالهم، وأن تكون خبراً ثانياً. فإن قيل: كيف قالا: بغى بعضنا على بعض وهما مَلَكَان - على قول بعضهم - والملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه أرأيت خَصْمَيْن بَغَى أحَدُهُما على الآخر، وهذا من مَعَارِيضِ الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما. قوله: {فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ} العامة على ضم التاء وسكون الشين، وضم الطاء الأولى من (أ) شْطَطَ يُشْطِطُ إشْطَطاً إذا تجاوز الحق، قال أبو عبيدة: شَطَطْتُ في الحكم وأَشْطَطْتُ إذا جُرْت؛ فهو مما اتفق فيه فَعَلَ وأَفْعَلَ، وإنما فكَّهُ على أحد الجائزين كقوله: {أية : مَنْ يَرْتَدِدْ} تفسير : [البقرة:217] وقد تقدم تحقيقه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن أبي عبلة تَشطُطْ بفتح التاء وضم الطاء من "شَطّ" بمعنى "أَشَطَّ" كما تقدم. وقرأ قتادة: تُشِطّ من "أَشَطَّ" رباعياً إلا أنه أدغم. وهو أحد الجائزين كقراءة من قرأ {مَنْ يَرْتَدَّ منْكُمْ} وعنه أيضاً "تُشَطِّطْ" بفتح الشين وكسر الطاء مشددة من شَطَّط يشطِّطُ. والتثقيل فيه للتكثير. وقرأ زِرُّ بن حبيش تُشَاطِطْ من المفاعلة وأصل الكلمة من: شَطَّتِ الدَّارُ وأَطَّتْ إذا بَعُدَتْ. {وَاهْدِنَا إلَى سَوَاء الصِّرَاطِ} أَرْشِدْنَا إلى طريق الصواب فقال لهما داود: تَكَلَّمَا فقال أحدهما: {إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} يعني امرأة {وَلِيَ نعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} أي امرأة واحدة. قوله: "تِسْعٌ وَتِسْعُونَ" العامة على كسر التاء وهي اللغة الفاشية، وزيد بن عليّ والحسنُ بفتحها. وهي لُغَيَّةٌ لبعض تميم، وكثر في كلامهم الكناية بها عن المرأة، قال ابن عَوْن: شعر : 4262- أَنَا أَبُوهُنَّ ثَلاَثٌ هُنَّةْ رَابِعَةٌ فِي الْبَيْتِ صُغْرَاهُنَّهْ وَنَعْجَتِي خَمْساً تُوَفِّيهُنَّهْ تفسير : وقال آخر: شعر : 4263- هُمَا نَعْجَتَانِ مِنْ نِعَاجِ تِبَالَةَ لَدَى جُؤْذُرَيْنِ أَوْ كَبَعْضِ دُمَى هَكِرْ تفسير : قال الحسين: بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي كقولهم: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً، أو اشْتَرَى بَكْرٌ دَاراً. ولا ضَرْب هناك ولا شِرَاء. قال الزمخشري: "أخِي" بدل من "هذا" وقر عبد الله: "تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَة أُنْثَى" وهذا تأكيد كقوله: {أية : وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [النحل:51] وقال الليث: النَّعْجَةُ الأنثى من الضأن والبقر الوحشي والشاة والجمع النِّعَاجُ. قوله: "فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا" قال ابن عباس أعْطِنِيها، وقال مجاهد: انزل لي عنها. وحقيقته ضُمَّها إِلَيَّ واجْعَلْنِي كافلها، وهو الذي يعولُها ويُنْفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوج إياها. قوله: "وَعَزَّنِي" أي غَلَبَنِي، قال: شعر : 4264- قَطَاةٌ عَزَّهَا شَرَكٌ فَبَاتَتْ تُجَاذِبُهُ وَقَدْ عَلِقَ الْجَنَاحُ تفسير : يقال: عَزَّهُ يَعُزُّهُ بضم العين. وتقدم تحقيقه في يس عند قوله تعالى: {أية : فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} تفسير : [يس:14]. وقرأ طلحةُ وأبو حيوةَ: "وَعَزَنِي" بالتخفيف. قال ابن جنِّي: حذف الزاي الواحدة تخفيفاً كما قال الشاعر: شعر : 4265-................. أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ تفسير : يريد أحْسَسْنَ فحذف. وتروى هذه قراءةً عن عاصم. وقرأ عبد الله والحسن وأبو وائل ومسروق والضحاك: وَعَازَّنِي بألف مع تشديد الزاي أي غَالَبَنِي. قوله: "بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ" مصدر مضاف لمفعوله. والفاعل محذوف أي بأَنْ سَأَلَكَ نَعْجَتَكَ، وضمّن السؤال معنى الإضافة والانضمام أي بإضافة نعجتك على سبيل السؤال ولذلك عدي (بإلى). فصل قال ابن الخطيب: للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذه القصة دلت على صدور الكبيرة عنه. وثانيها: دلالتها على الصغيرة. وثالثها: لا تدل على كبيرة ولا على صغيرة، فأما القول الأول فقالوا: إن داودَ أحبَّ امرأة "أُوريَا" فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله (تعالى) ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته (وعرضا تلك الواقعة عليه) فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً ثم تنبه لذك فاشتغل بالتوبة. وقال ابن الخطيب: والذي أدين به وأذهبُ إليه أنّ ذلك باطلٌ لوجوهٍ: الأول: أن هذه الحكاية لا تناسب داودَ لأنها لو نُسبت إلى أفْسَقِ النَّاس وأشدهم فجوراً لانتفى منها، والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل العمل لبالغ في تنزيه نفسه ورعاً ولعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إليه؟!. الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي وقتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول فأمر منكر؛ قال - عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : مَنْ سَعَى فِي دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بشَرِّ كَلمَةٍ جَاءَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أيسٌ مِن رَحمةِ اللَّهِ" تفسير : . وأما الثاني فمنكر عظيم، قال - عليه (صلاة و) السلام -: حديث : المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ تفسير : . وإن "أوريا" لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه. الثالث: أن الله تعالى وصل داودَ بصفات تنافي كونه- عليه (الصلاة و) السلام - موصوفاً بهذا الفعل المنكر فالصفة الأولى أنه تعالى أمر محمداً - صلى الله عليه وسلم - (في) أن يقتدي بداود في المصابرة مع المكاره فلو قيل إنَّ داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله؟!. وأما الصفة الثانية فإنه وصفه بكونه عبداً له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملاً في وصف العبودية أما في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات، فلو قلنا: إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملاً إلاَّ في طاعة الهوى والشهوة. وأما الصفة الثالثة وهي قوله: {أية : ذَا ٱلأَيْدِ} تفسير : [ص:17] أي ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحظورات، وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟! الصفة الرابعة: كونه أوَّاباً كثيرَ الرجوع إلى الله تعالى فكيف يليق هذا بمن قلبه مشغوفٌ بالقتل والفجور؟!. الصفة الخامسة: قوله تعالى:{إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ} أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذوا سبيله إلى القتل والفجور؟! الصفة السادسة: قوله تعالى: {وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً} قيل: إنه كان محرَّماً عليه صيد شيءٍ من الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على زوجته ومنكوحه. الصفة السابعة: قوله تعالى: "وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ" ومحال أن يكون المراد أنه تعالى: شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد بأنا ملكناه تقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة، أو المراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لايملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟! الصفة الثامنة: قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} (والحكمة اسم جامع لك ما ينبغي علماً وعملاً فكيف يجوز أن يقال: إِنَّا آتَيْنَاهُ) الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف عنه الشيطان من مُزاَحَمَة أخصِّ أصحابه في الروح والمنكوح؟! فهذه الصفات التي وصف بها قبل شحر القصَّة. وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فأولها قوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ} وهذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة (على قوته في طاعة الله أما لو كانت القصة المتقدمة) دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ} لائقاً. وثانيها: قوله تعالى: {يَٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه: الأول: أن الملك الكبير إذا حُكِي عن عبده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فعند فراغه من شرح قصته على الناس يقبح منه أن يقول عقيبة أيها العبد إنّي فوضت إليك خلافتي ونبوتي لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر فأما جعله نائباً وخليفة لنفسه فذلك مما (لا) يليق البتة. الثاني: أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف فلما حكى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة، ثم قال بعده: {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} أشعر هذا (الوصف) بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعل المنكرة. ومعلوم أن هذا فاسد. أما لو ذكرنا أن تلك القصة كانت على وجه يدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدّة مصابرته في طاعة الله تعالى فحينئذ يناسب أن يذكر عقيبه: {إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} فثبت أن الذي نختاره أولى. الثالث: أنه لما كان مقدمة الآية دالة على مدح داود - عليه (الصلاة و) السلام - وتعظيمه ومؤخرتها أيضاً دالة على ذلك فلو كانت الواسطة دالة على المقابح والمعايب لجرى مَجْرى أن يقال: فلان عظيم الدرجة عالي المرتبة في طاعة الله تعالى يقتل ويزني ويسرق وقد جعله الله خليفة له في أرضه وصوب أحكامه فكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب. ورابعها: أن بعض القائلين ذكر في هذه الآية أن داود - عليه (الصلاة و) السلام - تمنى أن يحصل له في الدين كما حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثلَ ما حصل للخيل من الإلقاء في النار، وحصل للذبيح من الذبح وحصل ليعقوبَ من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه (الصلاة و) السلام الابتلاء فأوحى الله إليه إنك مبتلى في يوم كذا فبالغ في الاحتراز، ثم وَقَعَت الواقعة فنقول: إن حكايتهم تدلّ على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه، فالسعي في قتل النفس (بغير الحق) والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة بحيث إن الحكاية التي ذكروها يناقص أولُها آخرَها. وخامسها: أن داود عليه (الصلاة و) السلام (تمنَّى أن يحصل له في الدين كما حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية) قال: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} استثنى الذين آمنوا من البغي. فلو قلنا: إنه كان موصوفاً بالبغي لزم أن يقال: إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل. وسادسها: حضرت في مجلس وفيه بعض أكابر المسلمين وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك فقلت له: لا شك أن داود عليه (الصلاة و) السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل وقال الله: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام:124]، ومن مدحه الله (تعالى بمثل) هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في المطعن فيه وأيضاً فتبقدير أنه ما كان من الأنبياء فلا شك أنه كان مسلماً؛ وقال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : لاَ تَذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ إِلاَّ بِخَيْر" تفسير : ثم على تقدير أنَّا لا نلتفت إِلى شيء من هده الدلائل إلاَّ أَنَّا نقول: إنَّ من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها في حقه صحيحةً فإن روايتها وذكرها لا يوجب شيئاً مِنَ الثواب، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من ألاَّ توجب الثواب. وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة فإن ذكرها مستحق به أعظم العقاب، والواقعة التي هذا شأنها وصفتها فإنَّ صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور، فلما سمع ذلك الملك الشديد هذا الكلام سكت ولم يذكر شيئاً. السابع: أن ذكر هذه القصة وذكر قصة يوسف - عليه (الصلاة و) السلام - يقتضي إِشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. الثامن: لو سعى داودُ في قتل ذلك الرجل لدخل تحت قوله: "مَنْ سَعَى فِي دَمِ امرىءٍ مُسْلِم وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ". وأيضاً لو فعل ذلك لكان ظالماً وكان يدخل تحت قوله: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [هود:18]. التاسع: عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب قال: مَنْ حَدَّثَكُمْ بحَدِيث دَاودَ عَلَى مَاتَرْويه القُصَّاصُ فاجلدوه مائةً وستينَ (جَلْدةً) وهو حّد الفِرية على الأنبياء، وما يقوي هذا انَّهُمْ لما قالوا: إن المغيرة بنَ شعبة زنى وشهد ثلاثةٌ من عدول الصحابة وأما الرابع فإنه لم يقل: إني رأيت ذلك بعيني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك فكيف الحال مع داود عليه (الصلاة و) السلام؟! مع أنه كان من كابر الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -. العاشر: رُوي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله، ثم قال: فما ينبغي أن يزاد عليها وإن كانت الواقعة على ما ذكرت ثم إنه تعالى لم يذكرها لسَتْر تلك الواقعة على داود عليه الصلاة والسلام فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ستر ستره الله ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر: سماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمسُ. فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها باطلة فاسدة. فإن قال قائل: إن كثيراً من أكابر المحدثين المفسرين ذكروا هذه القصة فكيف الحال فيها؟! فالجواب الحقيقي: أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر (كل) واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى. وأيضاً فالأصل براءة الذمة، وأيضاً فلما تعارض ذكر التَّحرُّم والتحليل كان جانب التحريم أولى، وأيضاً طريقة الاحتياط توجب ترجيحَ قولِنَا، وأيضاً فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير (وقوع) هذا الواقعة لا يقول لنا الله يوم القيامة لِمَ لَمْ تَسعَوْا في تشهير هذه الواقعة أما بتقدير كونها باطلة فإنه يوجب أن لا تجوزَ الشهادة بها، وأيضاً كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول، بل الأكثرون والمحققون يردونه ويحكمون عليه بالكذب، وإذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدِّثين تساقطت وبَقِيَ الرجوع فيه إلى الدلائل التي ذكرناها. الاحتمال الثاني أن نحمل هذه القصة على حُصُول الصغيرة لا على حصول الكبيرة وذلك من وجوه: الأول: أن هذه المرأة خطبها "أوريا" فأجابوه، ثم خطبها داود فآثره أهلها فكان ذنبه أن خَطبَ على خطبته أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. الثاني: قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب ألْبَتَّةَ، أما وقوع بصره عليها من غير قصد بذنب، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضاً ذنباً، لأن الميل ليس في وسعه فلا يكون مكلفاً به بل لما اتفق أنه قتل زوجها لأجل أنه طمع في أن يتزوج بتلك المرأة فَحَصَلت بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل. والثالث: أنه كان أهل زمان داود عليه (الصلاة و) السلام يسأل بعضهم بعضاً أن يطلق زوجته حتى يتزوجها وكانت عادتهم مألوفة مفهومة في هذا المعنى فاتفق أن عين داود (عليه السلام) وقعت على تلك المرأة فأحبها فسألوه النزول فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزاً في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإنَّ حسناتِ الأبرار سيئات المقربين. فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حَقِّ داود عليه (الصلاة و) السلام إلا ترك الأفضل، والأولى. الاحتمال الثالث: أن تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ولا صغيرة لداود عليه (الصلاة و) السلام بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أنه نقول: روي أنَّ جماعة من الأعداء طمعوا أن يقتلوا داود - عليه (الصلاة و) السلام - وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوَّرُوا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً يمنعهم منه فخافوا ووضعوا كذباً وقالوا خَصْمان بغى يعضنا على بعض إلى آخر القصة. وليس في لفظ القرآن ما يمكن أن يحتج به في إلحاق الذنب بداود عليه (الصلاة و) السلام إلا ألفاظ أربعة: أحدهما: قوله: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ}. وثانيها: قوله: {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً}. وثالثها: {وَأَنَابَ}. ورابعها: قوله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ}. ثم نقول: هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكروه من وجه: الأول: أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذه الطريق وعلم داود عليه السلام دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم أي أنه مال إلى الصَّفْح والتجاوز عنهم طلباً لمرضاة الله تعالى فكانت هي الفتنة لأنها جاريةٌ مَجْرَى الابتلاء والامتحان ثم إنَّه استغفر ربه مما هَمَّ به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهمِّ وَأَنَابَ فغفر له ذلك القدر من الهمِّ والعزم. الثاني: أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه إلا أنه ندم على ذلك الظن وقال: لَمَّا لَمْ تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك فَلَبِئْسَ ما عَمِلْتُ حيث ظننت فيهم هذا الظن الرديء فكان هذا هو المراد من قوله: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} ثم إنه استغفر ربه وأناب منه فغفر الله له ذلك. الثالث: دخولهم عليه كان فتنة لداود - عليه (الصلاة و) السلام - إلا أنه عليه (الصلاة و) السلام استغفر لذلك العازم على قتله كقوله في حق محمد - صلى الله عليه وسلم -: {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : [محمد:19] فداود (عليه السلام) استغفر لهم، وأناب أي رجع إلى الله تعالى في طلب المغفرة لذلك الرجل الداخل القاصد القتل، وقوله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} أي فَغَفَرْنَا ذلك الذنب لأجل احترام داود وتعظيمه كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح:2] إن معناه: إن الله يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذَنْب أمّتك. الرابع: أنه عاتب داود عليه السلام عن زلَّة صدرت منه لكن لا نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة. ولِم لا يجوز أن يقال: إن تلك الزلة إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الخصم الثاني لأنه لما قال: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك} حكم عليه بكونه ظالماً بمجرد دعوة الخصم بلا بينة فيكون هذا الحكم مخالفاً للصواب. فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة إلا أن هذا من باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إِذَا حَمَلْنَا هذه الآيات على هذا الوجه فإنه لا يلزم إسناد شيءٍ من الذنوب إلى دَاودَ - عليه (الصلاة و) السلام - بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطَّاعَاتِ إليه. ثم نقول: وحمل الآية عليه أولى لوجوه: الأول: أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل. الثاني: أنه أحوط. الثالث: أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد (صلى الله عليه وسلم): "حديث : اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ" تفسير : فإن قوم محمد - صلى الله عليه وسلم - لما أظهروا السفاهة حيث قالوا: إنه ساحرٌ كذاب، واستهزأوا به حيث قالوا: ربَّنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب، فقال تعالى في أول الآية: اصبر على ما يقولون يا محمد وعلى سفاهتهم وتحمل ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على أذاهم وتحمل سفاهتهم وحَلِمَ ولم يظهر الطيش والغضب وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه. أما إذا حملنا الآية على ما ذكروه صار الكلام متناقضاً. الرابع: أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا: إن الخَصْمَيْن كانا ملكين وإذا كانا ملكين ولم يكن بينهما مخاصمة ولم يبغ أحدُهما على الآخر كان قولهما: {خَصْمَان بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} كذب. فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين. أحدهما: إسناد الكذب إلى الملائكة. والثاني: إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء، فكان قولنا أولى. فصل قال المفسرون قوله: وَعَزَّني (في الخِطَاب) أي قهرني وغلبني "في الخطاب" أي في القول. قال الضحاك يقول: إن تكلم كان أفصحَ مني، وإن حارب كان أبطشَ مني وحقيقة المعنى أن الغلبة كانت له فضعفي في يده وإن كان الحق معي فقال داود: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ} أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه. فإن قيل: كيف قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك ولم يكن سمع قوله صاحبه؟!. فالجواب: قيل: إن معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، قال ابن إسحاق: لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال: "لَئِنْ صَدَقَ لَقَدْ ظَلَمَهُ". وقال ابن الأنباري: لما ادعى أحد الخَصْمَيْن اعترف الثاني فحكم داود عليه ولم يذكر الله ذلك الاعتراف لدلالة الكلام عليه. وقيل التقدير: إن الخَصْمَ الذي هذا شأنه قد ظلمك ثم قال: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}. قال الليث: خَلِيطُ الرَّجُلِ مُخَالِطُهُ، وقال الزجاج: الخلطاء: الشركاء. فإن قيل: لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء يفعلون ذلك؟ فالجواب: أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة لأنهما إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفسية إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيُفْضِي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة فلهذا خص داود - عليه (الصلاة و) السلام الخلطاء بزيادة البغير والعُدْوَان. ثم استثنى عن هذا الحكم الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون لأجل الدين. وهذا استثناء متصل من قوله: "بَعْضهم". قوله: {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} خبر مقدم و "ما" مزيدة للتعظيم. و"هم" مبتدأ. قال الزمخشري: و "ما" في قوله: {قَلِيلٌ مَّا هُمْ} للإبهام وفيه تعجب من قتلهم. قال: فإن أرادت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرىء القيس: شعر : 4266- وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ تفسير : وانظر هل بقي لها معنى قط؟ {وَظَنَّ دَاوُد أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} أي امتحناه، قرأ العامة فَتَنَّاهُ بالتخفيف وإسناده إلى الضمير المتكلم المعظِّم نفسه، وعمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء فَتَّنَّاه بتشديد التاء. وهي مبالغة وقرأ الضحاك: أَفْتَنَّاهُ، يقال: فَتَنَهُ وأَفْتَنَهُ أي حَمَلَهُ على الفِتْنَةِ ومنه: شعر : 4267- لَئِنْ فَتَنَتْنِي لَهيَ بِالأَمْسِ أَفْتَنَتْ ....................... تفسير : وقرأ قتادة وأبو عمرو - في رواية - فَتَنَّاهُ بالتخفيف وَفتَّنَّاه بالتشديد، والألف ضمير الخصمين، و"راكعاً" حال مقدرة، قال أبو البقاء، وفيه نظر لظهور المُقَارنةِ. فصل قال المفسرون: إن الظن ههنا بمعنى العلم؛ لأن داودَ عليه (الصلاة و) السلام لما قضى بينهما نظر أحَدُهُمَا إلى صاحبه فضحك، ثم صَعَد إلى السماء قبل وجهه فعل داود أنَّ الله ابْتَلاَهُ بذلك فثبت أن داود علم بذلك. وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم، لأن العلم الاستدلاليّ يشبه الظنّ مشابهةً عظيمة والمشابهة علة لجواز المجاز. قال ابن الخطيب: هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين إما إذا لم يُقَلْ ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العلم بل لقائل أن يقول: إنه لمَّا غَلَب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة. قوله: "فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ" أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا: إنه صدرت منه زَلَّة حمل هذا الاستغفار عليها وإن لم يُقَلْ به قلنا فيه وجوه: الأول: أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديدَ القهر عظيمَ القوة مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع محصول الفزع في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئاً قَرُب الأمر من أن يدخل قبله شي من العُجْب فاستغر ربَّه من تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله فغفر له وتجاوز عنه بسبب طَرَيَانِ ذلك الخاطر. الثاني: لعله هَمَّ بإيذاء القوم، ثم قال: إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر من ذلك الهم. الثالث: لعل القوم تابوا إلى الله تعالى وطَلَبُوا منه أن يستغفر الله (لهم) ولأجل أن يَقْبَلَ توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله فغفر له توبتهم بسبب شفاعته ودعائه. وهه كلها وجوهٌ محتملة ظاهرةٌ، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه، وإذا كان الفظ محتملاً لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام ما ذكروه من المنكرات فما الذي دل عليه التزامه والقول به؟ ويؤيد ما ذكرنا أنه تعالى ختم هذه القصة بقوله: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ} ومثل هذه الخاتمة إنما يحصل في حقّ من صدر عن امتثال الأوامر في الخدمة والطاعة وتحمل أنواعاً من الشدائد في الموافقة والانقياد. قوله: "ذَلِكَ" الظاهر أنه مفعول "غَفَرْنا" وجوز أبو البقاء فيه أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي الأمرُ ذلِك ولا حاجة إلى هذا. والمشهور أَنَّ الاستغفار إنما كان بسبب قصة النَّعْجَة، والنِّعاج، وقيل: بسبب أنه حَكَمَ لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الثاني، وذلك غير جائز. قوله: {يَٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} أي تدبر أمور العباد بأمرنا، واعلم أنه لما تمم الكلام في شرح القصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داودَ خلافةَ الأرض وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في القصة لأن من البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دماء المسلمين رغبة في انتزاع أزواجهم منهم، ثم يذكر عقيبه أن الله فوَّضَ خلافة الأرض إليه. ثم في تفسير كونه خليفة وجهان: الأول: جلعناك تَخْلُفُ من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفُه وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة، وذلك على الله محال. الثاني: إنا جعلناك ممكناً في الناس نافذ الحكم فيهم. فبهذا التأويل يسمى خليفة، ومنه يقال خليفة الله في الرض وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذَ الحكم في رَعيته، وحقيقة الخلافة ممتنعة في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة (مفيدةً) للزوم نفاذ ذلك الحكم في تلك الحقيقة. قوله: {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} أي بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقةً للشريعة الحقيقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات، وإذا كانت الأحكام على وَفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أفضى إلى تخريب العالم ووقوع الهَرَج والمَرَج في الخلق وذلك يُفْضي إلى هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال: {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}، لأن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب. قوله: "فيضلك" فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب في جواب النهي. الثاني: أنه عطف على "لاَ تَتَّبعْ" فهو مجزومٌ، وإنما فتحت اللام لالتقاء الساكنين. وهو نهي عن كل واحدة على حدته، والأول فيه النهي عن الجمع بينهما وقد يترجح الثاني لهذا المعنى، وقد تقدم تقرير ذلك في البقرة في قوله {أية : وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} تفسير : [البقرة:42]. وفاعل "فيضلك" يجوز أن يكون الهَوَى، ويجوز أن يكون ضميرَ المصدر المفهوم من الفعل أي فيضلك اتِّبَاعُ الهوى. قوله:{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ} قرأ العامة بفتح ياء يضلون. وقرأ ابن عباس والحَسَنُ وأبو حيوةَ بضمها أي يُضِلون الناس وهي مستلزمة للقراءة الأولى فإنه لا يُضل غيره إلا ضَالٌّ بخلاف العكس. قوله: "بِمَا نَسُواْ" ما مصدرية، والجار يتعلق بالاستقرار الذي تضمنه "لهم"، و"لَهُمْ عَذَابٌ" يجوز أن يكون جملة خبراً لـ"إنَّ"، ويجوز أن يكون الخبر وحده الجار، و "عَذَابٌ" فاعل به وهو الأحس لقربه من المفرد. فصل قيل: معناه بما تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقال الزجاج: بتركهم العمل ذلك اليوم، وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب شديد يَوْم الحساب بما نسوا أي تركوا القضاء بالعدل.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏إنا سخرنا الجبال معه يسبحن‏} ‏ قال‏:‏ يسبحن معه إذا سبح ‏ {‏بالعشي والإِشراق‏}‏ قال‏:‏ إذا أشرقت الشمس‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏ {‏بالعشي والإِشراق‏} ‏ قال‏:‏ إذا أشرقت الشمس وجبت الصلاة قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت الأعشى وهو يقول‏: شعر : لم ينم ليلة التمام لكي يصيح حتى إضاءة الاشراق تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء الخراساني أن ابن عباس قال‏:‏ لم يزل في نفسي من صلاة الضحى شيء حتى قرأت هذه الآية ‏{‏سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ كان ابن عباس رضي الله عنهما لا يصلي الضحى، ويقول‏:‏ أين هي في القرآن‏؟‏ حتى قال بعد هي قول الله ‏ {‏يسبحن بالعشي والإِشراق‏}‏ هي الإِشراق فصلاها ابن عباس رضي الله عنهما بعد‏. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لقد أتى علي زمان وما أدري ما وجه هذه الآية ‏ {‏يسبحن بالعشي والإِشراق‏} ‏ قال‏:‏ رأيت الناس يصلون الضحى‏. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كنت أمر بهذه الآية ‏{‏يسبحن بالعشي والإِشراق‏} ‏ فما أدري ما هي حتى حدثتني أم هانيء بنت أبي طالب رضي الله عنها‏.‏ ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة صلاة الضحى ثمان ركعات، فقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ قد ظنت أن لهذه الساعة صلاة لقول الله تعالى ‏ {‏يسبحن بالعشي والإِشراق‏}‏ ‏. وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن الحارث قال‏:‏ دخلت على أم هانىء رضي الله عنها فحدثتني‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الضحى، فخرجت فلقيت ابن عباس رضي الله عنهما فقلت‏:‏ انطلق إلى أم هانىء، فدخلنا عليها فقلت‏:‏ حدثني ابن عمك عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الضحى، فحدثته فقال‏:‏ تأول هذه الآية صلاة الإِشراق، وهي صلاة الضحى‏.‏ وأخرج ابن مردويه من طريق مجاهد عن سعيد عن أم هانىء بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت‏:‏ ‏"‏دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وقد علاه الغبار، فأمر بقصعة، فإني أنظر إلى أثر العجين، فسكبت فيها، فأمر بثوب فيما بيني وبينه، فاستتر، فقام فأفاض عليه الماء، ثم قام فصلى الضحى ثمان ركعات قال مجاهد‏:‏ فحدثت ابن عباس رضي الله عنهما بهذا الحديث فقال‏:‏ هي صلاة الإِشراق‏"‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن الحرث رضي الله عنه قال‏:‏ سألت عن صلاة الضحى في إمارة عثمان بن عفان، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، فلم أجد أحداً أثبت لي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أم هانىء قالت‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاها مرة واحدة، ثمان ركعات، يوم الفتح في ثوب واحد، مخالفاً بين طرفيه، لم أره صلاها قبلها ولا بعدها‏.‏ فذكرت ذلك لابن عباس رضي الله عنهما فقال‏:‏ إني كنت لأمر على هذه الأية ‏ {‏يسبحن بالعشي والإِشراق‏}‏ فأقول أي صلاة صلاة الإِشراق‏؟‏ فهذه صلاة الإِشراق‏.‏ وأخرج ابن جرير والحاكم عن عبدالله بن الحارث عن ابن عباس رضي الله عنهما؛‏ كان لا يصلي الضحى حتى أدخلناه على أم هانىء، فقلنا لها‏:‏ أخبري ابن عباس رضي الله عنهما بما أخبرتنا به‏.‏ فقالت‏:‏ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي، فصلى الضحى ثمان ركعات‏.‏ فخرج ابن عباس رضي الله عنهما وهو يقول‏:‏ لقد قرأت ما بين اللوحين، فما عرفت صلاة الإِشراق إلا الساعة ‏ {‏يسبحن بالعشي والإِشراق‏}‏ ‏. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ طلبت صلاة الضحى في القرآن، فوجدتها ‏ {‏بالعشي والإِشراق‏}‏‏ .‏ وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه وابن مردويه والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب، هي صلاة الأوابين ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏يا أنس صل صلاة الضحى، فإنها صلاة الأوابين ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والطبراني عن زيد بن أرقم رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أهل قباء، وهم يصلون الضحى‏.‏ وفي لفظ وهم يصلون بعد طلوع الشمس، فقال صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يحافظ على سبحة الضحى إلا أواب‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وابن ماجة عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى له الله في الجنة قصراً من ذهب‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو نعيم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏صلِ صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج حميد بن زنجويه في فضائل الأعمال، والبيهقي في شعب الإِيمان، عن الحسن بن علي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من صلى الفجر، ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى من الضحى ركعتين حرمه الله على النار أن تلفحه أو تطعمه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج حميد بن زنجويه والطبراني والبيهقي عن عتيبة بن عبدالله السلمي وأبي أمامة الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏من صلى الصبح في مسجد جماعة، ثم ثبت فيه حتى يسبح تسبيحة الضحى، كان له كأجر حاج أو معتمر، قام له حجته وعمرته‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود والطبراني والبيهقي عن معاذ بن أنس الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يصبح ركعتي الضحى لا يقول إلا خيراً غفر له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعاً كتب من العابدين، ومن صلى ستاً كفي ذلك اليوم، ومن صلى ثمانياً كتب من القانتين، ومن صلى إثنتي عشرة بنى الله له بيتاً في الجنة ‏"‏‏ تفسير : وأخرج حميد بن زنجويه والبزار والبيهقي عن أبي ذر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن صليت الضحى ركعتين لم تكتب من الغافلين، وإن صليتها أربعاً كنت من المحسنين، وإن صليتها ستاً كتبت من القانتين، وإن صليتها ثمانياً كتبت من الفائزين، وإن صليتها عشراً لم يكتب لك ذلك اليوم ذنب، وإن صليتها إثنتي عشرة بنى الله لك بيتاً في الجنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وأحمد وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏من حافظ على سبحة الضحى غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر‏ "‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ} استئنافٌ سيقَ لتعليلِ قوَّتِه في الدِّينِ وأوابـيَّتِه إلى مرضاتِه تعالى ومع متعلقة بالتَّسخيرِ، وإيثارُها على اللامِ لما أُشير إليه في سورةِ الأنبـياءِ من أنَّ تسخيرَ الجبال له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لم يكن بطريقِ تفويضِ التَّصرُّفِ الكلِّي فيها إليهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كتسخيرِ الرِّيحِ وغيرِها لسليمانَ عليه السَّلامُ بل بطريقِ التَّبعيةِ له عليه الصلاَّةُ والسَّلامُ والاقتداء به في عبادةِ الله تعالى. وقيل: بما بعدَها وهو أقربُ بالنسبةِ إلى ما في سورة الأنبـياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ {يُسَبّحْنَ} أي يُقدسن الله عزَّ وجلَّ بصوتٍ يتمثلُ له أو بخلقِ الله تعالى فيها الكلامَ أو بلسانِ الحالِ وقيل: يسرن معه من السِّباحةِ وهو حالٌ من الجبالِ وضع موضعَ مُسبِّحات للدِّلالةِ على تجدُّدِ التَّسبـيحِ حالاً بعد حالٍ أو استئنافٌ مبـينٌ لكيفَّيةِ التَّسخيرِ {بِٱلْعَشِيّ وَٱلإشْرَاقِ} أي وقتَ الإشراقِ وهو حين تشرقُ الشَّمسُ أي تُضيء ويصفُو شعاعُها وهو وقت الضُّحى وأما شروقُها فطلُوعها يقال شرقتِ الشَّمسُ ولمَّا تشرقُ. وعن أمِّ هانىءٍ رضي الله عنها أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ صلَّى صلاة الضحى وقالَ: هذهِ الإشراقُ. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهُمَا: ما عرفتُ صلاةَ الضُّحى إلاَّ بهذِه الآيةِ. {وَٱلطَّيْرَ} عطفٌ على الجبالَ {مَحْشُورَةً} حالٌ من الطَّيرَ والعاملُ سخَّرنا أي وسخَّرنا الطَّيرَ حالَ كونِها محشورةٌ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما كانَ إذا سبَّح جاوبْتُه الجبالُ بالتَّسبـيحِ واجتمعتْ إليه الطَّيرُ فسبَّحتْ وذلك حشرُها. وقُرىء والطَّيرَ محشُورةً بالرَّفعِ على الابتداءِ والخبريةِ {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} استئنافٌ مقررٌ لمضمون ما قبله مصرِّح بما فُهم منه إجمالاً من تسبـيحِ الطَّيرِ أي كلُّ واحدٍ من الجبالِ والطَّيرِ لأجلِ تسبـيحِه رجَّاعٌ إلى التَّسبـيحِ ووضعُ الأوَّابِ موضعَ المسبِّحِ إمَّا لأنَّها كانتْ ترجِّع التَّسبـيحَ والمرجِّعُ رجَّاعٌ لأنَّه يَرْجِعُ إلى فعله رجوعاً بعد رجوعٍ، وإمَّا لأنَّ الأوَّابَ هو التَّوابُ الكثيرُ الرجوعِ إلى الله تعالى، ومن دأبه إكثارُ الذِّكرِ وإدامُة التَّسبـيحِ والتَّقديسِ وقيل الضَّميرُ لله عزَّ وجلَّ أي كلٌّ من داودَ والجبالِ والطَّيرِ لله أوابٌ أي مسبِّحٌ مرجِّعٌ للتَّسبـيحِ {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} قوَّيناهُ بالهَيبةِ والنُّصرةِ وكثرةِ الجنودِ. وقُرىء بالتَّشديدِ للمبالغة قيل: كان يبـيتُ حول محرابِه أربعون ألفَ مستلئمٍ وقيل: ادَّعى رجلٌ على آخرَ بقرةً وعجزَ عن إقامةِ البـيِّنةِ فأوحى الله تعالى إليه في المنامِ أنِ اقتل المدَّعى عليهِ فتأخَّر فأُعيد الوحيُ في اليقظةِ فأعلَمه الرَّجلُ فقال: إنَّ الله تعالى لَمْ يأخذْنِي بهذا الذَّنبِ ولكنْ بأنِّي قتلتُ أبا هَذا غيلةً فقال النَّاسُ: إنْ أذنبَ أحدٌ ذنباً أظهرَهُ الله تعالى عليه فقتلَه فهابُوه وعظمتْ هيبتُه في القلوبِ {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ} النُّبوةَ وكمالَ العلمِ وإتقانَ العملِ وقيل: الزَّبورَ وعلمَ الشَّرائعِ وقيل: كلُّ كلامٍ وافقَ الحقَّ فهو حكمةٌ {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} أي فصل الخصام بتميـيزِ الحقِّ عن الباطل أو الكلامَ المُلخَّصَ الذي ينبه المخاطَب على المرامِ من غير التباس لما قد رُوعي فيه مظانُّ الفصل والوصل والعطفِ والاستئنافِ والإظهارِ والإضمارِ والحذفِ والتَّكرارِ، وإنَّما سُمِّي به أمَّا بعدُ لأنَّه يفصل المقصودَ عمَّا سبق تمهيداً له كالحمدِ والصَّلاةِ وقيل: هو الخطابُ الفصلُ الذي ليس فيه إيجازٌ يخلُّ ولا إطنابٌ مُملٌّ كما جاء في نعت كلام النُّبوةِ فَصْلٌ لا نَزْر ولا هَذْر.

القشيري

تفسير : كان داود يُسَبِّح، والجبالُ تُسَبِّح، وكان داود يفهم تسبيحَ الجبالِ على وجهِ تخصيصٍ له بالكرامة والمعجزة. وكذلك الطير كانت تجتمع له فتسبِّح الله، وداود كان يعرف تسبيحَ الطير؛ وكلُّ مَنْ تَحقَّقَ بحاله ساعَدَه كلُّ شيءٍ كان بقُرْبِه، ويصير غيرُ جِنْسِه بحُكْمِه، وفي معناه أنشدوا: شعر : رُبَّ ورقاءَ هتوفٍ بالضُّحى ذات شجـــوٍ صَـــرَخَتْ فــي فَنَنِ ذَكَـــرَتْ إلفــاً ودهـــراً صالــحــاً وبَكَــتْ شــوقاً فهاجَــتْ حَــــزَني فبُكـــــائي رُبَّمــــا أَرَّقَــــهـــــا وبكــــاهــــا ربمـــا أَرَّقنـــي ولقد تشكو فمــا أفهمهـــــا ولقد أشكـــو فما تفهمـــني غير أني بالجوى أعرفهـــا وهي أيضاً بالجوى تعرفني

البقلي

تفسير : هذا التسخير وقوع نور الفعل معها ومباشرة انوار الصفات فيها بواسطة الفعل فيظهر روح الفعل فيها فتقبل فيض الصفة من الصفة فصارت خاضعة متخشعة فى نور عظمته تعالى فلما وصل اليها الحان داود من حيث روحه العاشقة ترنمت بالحان العشق من اغصان ورد الجمال والجلال فتحركت من لذة سماع صوت داود وتسبيحه وتنزيهه فوافقت داود فى الذكر والتسبيح وكذلك الطيور اذا سمعت اصوات الوصلة منه صفرت بصفير النزيهة وتقديس من وجدان حلاوة وجد داود وادراك روح الملكوت لانهن مقدسات خلقن مستعدات لقبول انوار فعل الخاص واشكال الروحانيات وفيهن خويصات لهن عشق ومعرفة كالهدهد والبلبل والعندليب والقمرى والحمامة ومالك الحزين وكان عليه الصلاة والسّلام يعرف اصواتهن وتسبيحهن من حيث المحبة والعشق الا ترى كيف انشد شعر : رب ورقاء هتوف بالضحى ذات شجو صرخت فى فتن فبكائى ربما ارّقتها وبكاء هاربما ارقنى هى ان تشكوا فما تشكوا فما افهم ما واذا اشكوا فما تفهمنى غير انى بالجرى اعرفها وهى ايضا بالجوى تعرفنى تفسير : وخاصية العشى والاشراق ان فيهما زيادة ظهور انوار قدرته القديمة واثار بركة عظمته العظيمة وان وقت الضحى وقت صحو اهل السكر من خمار شهود المقامات المحمودة وان العشى وقت اقبال المقبلين الى مشاهد المناجاة وادراك انوار المشاهدات واستماع طيب الخطابات قال محمد بن على الترمذى لما اخلص هو فى تسبيحه لربه جعل الله الجماد يوافقه فى تسبيحه ويعينه على عبادته قال ابن عباس كان يفهم تسبيح الحجر والشجر بالعشى والاشراق وقال الاستاذ كان يفهم تسبيح الجبال على وجه تخصيص به كرامة له ومعجزه وكذلك الطير كانت تجتمع اليه فتسبح لله وداود كان يعرف تسبيح الطير وكان من تحقق بحاله ساعده كل شئ.

اسماعيل حقي

تفسير : {انا سخرنا الجبال معه} بيان لفضله مع داود اى ذللناها ومع متعلق بالتسخير وايثارها على اللام لكون تسخير الجبال له عليه السلام لم يكن بطريق تفويض التصرف فيها اليه كتسخير الريح وغيرها لسليمان عليه السلام لكون سيرها معه بطريق التبعية له فتكون مع على حالها ويجوز ان تكون مع متعلقة بما بعدها وهو قوله {يسبحن} اى حال كونها تقدس الله تعالى مع داود لم يقل مسبحات للدلالة على تجدد التسبيح حالا بعد حال. قال فى كشف الاسرار كان داود يسمع ويفهم تسبيح الجبال على وجه تخصيصه به كرامة له ومعجزة انتهى. واختلفوا فى كيفية التسبيح فقيل بصوت يتمثل له وهو بعيد وقيل بلسان الحال وهو ابعد وقيل بخلق الله فى جسم الجبل حياة وعقلا وقدرة ونطقا فحينئذ يسبح الله كما يسبح الاحياء العقلاء وهذا لسان اهل الظاهر واما عند اهل الحقيقة فسر الحياة سار فى جميع الموجودات حيوانا او نباتا او جمادا فالحياة فى الكل حقيقة لا عارضية او حالية او تمثيلية لكن انما يدركها كمل المكاشفين فتسبيح الجبال مع داود على حقيقته لكن لما كان على كيفية مخصوصة وسماعه على وجه غريب خارج عن العقول كان من معجزات داود عليه السلام وكراماته وقد سبق مرارا تحقيق هذا المقام بما لا مزيد عليه من الكلام {بالعشى} فى آخر النهار {والاشراق} فى اول النهار ووقت الاشراق هو حين تشرق الشمس اى تضيىء ويصفو شعاعها وهو قت الضحى واما شروقها فطلوعها يقال شرقت الشمس ولما تشرق. وعن ابن عباس رضى الله عنهما كنت امر بهذه الآية لا ادرى ما هى حتى حدثتنى ام هانى بنت ابى طالب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم فتح مكة فدعا بوضوء فتوضأ وفى البخارى واغتسل فى بيتها ثم صلا الضحى ثمانى ركعات وقال "حديث : يا ام هانى هذه صلاة الاشراق" تفسير : ومن هنا قال بعضهم من دخل مكة واراد ان يصلى الضحى اول يوم اغتسل وصلاها كما فعله عليه السلام يوم فتح مكة. وقال بعضهم صلاة الضحى غير صلاة الاشراق كما دل عليه قوله عليه السلام"حديث : من صلى الفجر بجماعة ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كان له كاجر حجة وعمرة تامة تامة" تفسير : وهى صلاة الاشراق كما فى شرح المصابيح وقوله عليه السلام"حديث : صلاة الاوابين حين تدمض الفصال من الضحى" تفسير : والمعنى أن صلاة الضحى تصلى اذا وجد الفصيل حر الشمس من الرمضاء اى من الارض التى اشتد حرها من شدة وقع الشمس عليها فان الرمض شدة وقع الشمس على الرمل وغيره والفصيل الذى يفصل ويفطم عن الرضاع من الابل وخص الفصال هنا بالذكر لانها التى ترمض لرقة جلد رجلها. وفيه اشارة الى مدحهم بصلاة الضحى فى الوقت الموصوف لان الحر اذا اشتد عند ارتفاع الشمس تميل النفوس الى الاستراحة فيرد على قلوب الاوابين المستأنسين بذكر الله تعالى ان ينقطعوا عن كل مطلوب سواه. يقول الفقير يمكن التوفيق بين الروايتين بوجهين. الاول يحتمل ان يكون الاشراق من اشرق القول اذا دخلوا فى الشروق اى الطلوع فلا يدل على الضحى الذى هو الوقت المتوسط بين طلوع الشمس وزوالها. والثانى ان اول وقت صلاة الاشراق هو ان ترتفع الشمس قدر رمح وآخر وقتها هو اول وقت صلاة الضحى فصلاة الضحى فى الغداة بازاء صلاة العصر فى العشى فلا ينبغى ان تصلى حتى تبيض الشمس طالعة ويرتفع كدرها بالكلية وتشرق بنورها كما يصلى العصر اذا اصفرت الشمس فقوله عليه السلام "حديث : هذه صلاة الاشراق" تفسير : اما بمعنى انها اشراق بالنسبة الى آخر وقتها واما بمعنى انها ضحى باعتبار اول وقتها. قال الشيخ عبد الرحمن البسطامى قدس سره فى ترويح القلوب يصلى اربع ركعات بنية صلاة الاشراق فقد وردت السنة يقرأ فى الركعة الاولى بعد الفاتحة سورة والشمس وضحاها وفى الثانية والليل اذا يغشى وفى الثالثة والضحى وفى الرابعة ألم نشرح لك ثم اذا حان وقت صلاة الضحى وهو اذا انتصف الوقت من صلاة الصبح إلى الظهر يصلى صلاة الضحى. واقل صلاة الضحى ركعتان او اربع ركعات او اكثر الى ثنتى عشرة ركعة ولم ينقل ازيد منها بثلاث تسليمات وان شئت بست تسليمات ورد فى فضلها اخبار كثيرة من صلاها ركعتين فقد ادى ما عليه من شكر الاعضاء لان الصلاة عمل بجميع الاعضاء التى فى البدن ومن صلاها ثنتى عشرة ركعة بنى له قصر من ذهب فى الجنة وللجنة باب يقال له الضحى فاذا كان يوم القيامة نادى مناد اين الذين كانوا يدومون على صلاة الضحى هذا بابكم فادخلوه برحمة الله عز وجل

الجنابذي

تفسير : {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ} بيان لقوّته ونعمته {مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ} يعنى وقت اشراق الشّمس او هو كناية عن الغداة.

الهواري

تفسير : قال: {إِنَّا سَخَّرنا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} أي: حين تشرق الشمس. ذكروا عن أيوب بن صفوان أن ابن عباس دخل على أم هانئ، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فصلّى في بيتها ثمان ركعات بعدما ارتفع النهار. فخرج ابن عباس من عندها وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين فما عرفت صلاة الضحى إلا الساعة: {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} وكنت أقول: أي صلاة صلاة الإِشراق، ثم قال: هذه صلاة الإِشراق. حديث : وذكروا عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مسجد قباء فرآهم يصلّون حين إِشراق الشمس فقال:إِن الأوَّابين كانوا يصلون إذا رمضت الفصال . تفسير : قال الحسن: كان والله قد سخّر مع داوود جميع ما خلق الله من الجبال يسبّحن معه، وكان يفقه تسبيحها وتسمعه جميع جبال الدنيا. {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} أي: تحشر بالغداة والعشيّ يسبحن معه. كقوله: (أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) تفسير : [الأنبياء: 79]. وقوله: {مَحْشُورَةً} أي مجموعة {كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} أي: مطيع. قوله: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَاتَيْنَاهُ} أي: أعطيناه {الْحِكْمَةَ} أي: النبوة {وَفَصْلَ الخِطَابِ} أي الفهم في القضاء وفصل الخطاب. قال الحسن: العدل في القضاء. ذكر حميد الأعرج أن ابن عباس قال: {وَفَصْلَ الخِطَابِ} البيّنة على المدّعي واليمين على المدَّعى عليه. ذكروا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : المدّعى عليه أولى باليمين إذا لم تكن بيّنة . تفسير : ذكروا عن عطاء بن السايب عن أبي يحيى عن ابن عباس أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلّف المدعِيَ البينةَ، فلم تكن له بينة، فاستحلف المدَّعَى عليه بالله الذي لا إِله إِلا هو ما عليه حق. فنزل عليه جبريل عليه السلام وقال: يُرَدّ على الرجل ماله وكفارته شهادته، أو قال: معرفته أن لا إِله إِلا الله. وبعضهم يقول: فصل الخطاب: أما بعد.

اطفيش

تفسير : {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ} بتسبيحه {بِالْعَشِىِّ} أي العشية وقت صلاة العشاء {وَالإِشْرَاقِ} هو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها ويصفو شعاعها وهو وقت صلاة الضحى وفعله أشرق كأكرم كما يعلم من المصدر معنى الطلوع ويقال فيه شرقت شروقاً وهو ثلاثي يقال: شرقت الشمس أى طلعت ولما تشرق بضم التاء وكسر الراء أي لم يصفُ شعاعها وسيصفو وصلاة الضحى سنة مستحبة فينا عن الرسول صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: ما كنت أعلم صلاة الضحى فى القرآن حتى سمعت الله يقول {يسبحن بالعشي والاشراق} وفي رواية عنه "حديث : كنت أمر بهذه الآية ولا أدري ما هي حتى حدثتني أم هانئ ابنة أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا بوضوء بفتح الواو أي ماء يتوضأ فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى فقال:يا أم هاني إن هذه صلاة الاشراق ". تفسير : وروي أنها قالت: حديث : (ذهبت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب فسلمت عليه فرد فقال: من هذه؟ قلت: أنا أم هاني بنت أبي طالب فقال: مرحباً بأم هاني فلما فرغ من غسله قام وصلى ثمان ركعات ملتحفاً بثوب) قالت وذلك وقت ضحى . تفسير : وروي أنه "حديث : دخل بيتها يوم الفتح فاغتسل وصلى ثمان ركعات ". تفسير : وروي "حديث : يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة، ويجزى عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" تفسير : ومعنى أجزاهما عن النهي عن المنكر لا انه اذا لم يصادف منكراً ينهى عنه فصلاهما كان له كأجر النهي والا فالنهي فرض. وروي "حديث : من قعد فى مصلاه أي موضع صلاته حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح أي يصلي ركعتى الضحى لا يقول إلا خيراً غفرت له خطاياه وان كانت أكثر من زبد البحر أي صغائرها التي يصر عليها أو كبايره التى تاب عنها"تفسير : . فتجعل هذه الصلاة سبباً لقبول توبته. وروي "حديث : من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت أي صلاته الركعتين كأجر حجة وعمرة تامة ". تفسير : وروى "حديث : من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين ومن صلى أربعاً كتب من العابدين ومن صلى ستاً لم يلحقه فى ذلك اليوم ذنب ومن صلى ثمانية كتب من القانتين ومن صلى اثنتي عشر بنى له الله بيتاً فى الجنة "

اطفيش

تفسير : {إنَّا سخَّرنا الجِبَالَ معَهُ} متعلق بسخرنا، والمعنى متابعتها له فى التسبيح، ولذلك لم يؤت باللام بدل مع، كما أتى بها فى الريح لسليمان اذ كانت له بطريق ملكه لها، واستعماله لها حيث شاء، ومتى شاء وقدم مع فى سورة الأنبياء مسارعة لذكر داود، إذ ذكر معه سليمان ومسارعة للتعيين، وتعليق مع هنا بقوله: {يُسَبِّحن} أقرب منه فى سورة الأنبياء، وليس للحصر لأنهن يسبحن أيضا بغير حضرة داود، بل على طريق الاهتمام بالمعية، والله لا يهتم حاشاه، والمراد الترجيح وتسبيحهن بنطق اذا شاء الله سبحانه أسمعه احداكما، سمع تسبيح الحصا فى يده صلى الله عليه وسلم، ثم فى يد الصديق رضى الله عنه، وقيل: تسبيحهن وجودهن بايجاد الله لهن، وخضوعهن لما يكون عليهن، ويضعف قوله: {بالعَشيِّ والإِشْراق} الا أن يريد بهما عموم الأوقات، بل الأظهر أن المراد العموم، كان التسبيح منهن تطبيقا أو حاليا، هكذا يسبحن اذا سبح، ويزدن وحدهن، والمضارع للتجدد، والجملة حال من الجبال، أو مستأنفة لبيان الوقت، وتتقوى الحالية بمقابلة محشورة، والعشى من زوال الشمس الى الصبح، والاشراق مصدر أشرقت، أى صفا ضوؤها، وذلك وقت ارتفاعها عن الأفق أفق البلد، وهو الضحى الصغير، وفيه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : هذه صلاة الاشراق" تفسير : سمى الوقت بالمصدر كما سمى بالإبكار، ومر عن ابن عباس: أن كل تسبيح فى القرآن صلاة ما لم يمنع مانع، فأخذ الضحى من الآية، وتسبيح الجبال غير صلاة وتسبيح داود صلاة أو غيرها، وهو حقيقة فى الكل، ويقدم قول مثبتى صلاة الضحى، فقدم على قول عائشة، لأن الحافظ حجة، ولا سيما مع كونه أكثر، والمثبت مقدم على النافى، وسنة الفجر والمغرب والعشاء والتراويح أفضل من صلاة الضحى، وهى أفضل من غيرها. وذكر ابن حجر أنه لا تسن صلاة الضحا جماعة ركعتين عقب الاشراق وقت خروج وقت الكراهية، أى ولا سيما أكثر من ركعتين، وفى الحديث: " حديث : صلى عام الفتح فى مكة صلاة الضحا ثمانى ركعات فى بيت أم هانىء بأربع تحيات وتسليم واحد كأخف ما يكون من صلاته بعد اغتسال"تفسير : ويروى "حديث : أنه كان يغتسل وفاطمة رضى الله عنها تستره، وسلمت عليه أم هانىء فقال: "من هذه؟" قالت: أنا أم هانىء، فقال: "مرحبا بأم هانىء" فصلى، وقال: "هذه صلاة الإشراق"" تفسير : اشارة الى ركعتين صلاهما فى بيتها فى يوم آخر غير الثمانى، والغسل فى بيتها، وقيل فى غيره.

الالوسي

تفسير : {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ } استئناف لبيان قصته عليه السلام، وجوز كونه لتعليل قوته في الدين وأوابيته إلى الله عز وجل، ومع متعلقة بسخر، وإيثارها على اللام لأن تسخير الجبال له عليه السلام لم يكن بطريق تفويض التصرف الكلي فيها إليه كتسخير الريح وغيرها لسليمان عليه السلام بل بطريق الاقتداء به في عبادة الله تعالى. وأخر الظرف المذكور عن {ٱلْجِبَالُ } وقدم في سورة الأنبياء [79] فقيل: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ}تفسير : قال بعض الفضلاء: لذكر داود وسليمان ثمت فقدم مسارعة للتعيين ولا كذلك هنا، وجوز تعلقها بقوله تعالى: {يُسَبّحْنَ } وهو أقرب بالنسبة إلى آية الأنبياء، وتسبيحهن تقديس بلسان قال لائق بهن نظير تسبيح الحصى المسموع في كف النبـي صلى الله عليه وسلم، وقيل: تقديس بلسان الحال وتقييد بالوقتين المذكورين بعد يأباه إذ لا اختصاص لتسبيحهن الحالي بهما وكذا لا اختصاص له بكونه معه، وقيل المعنى يسرن معه على أن يسبحن من السباحة، والجملة حال من {ٱلْجِبَالُ } والعدول عن مسبحات مع أن الأصل في الحال الإفراد للدلالة على تجدد التسبيح حالاً بعد حال نظير ما في قول الأعشى: شعر : لعمري لقد لاحت عيون كثيرة إلى ضوء نار في يفاع تحرق تفسير : وجوز أن تكون مستأنفة لبيان كيفية التسخير ومقابلتها بمحشورة هنا كالمعينة للحالية. {بِٱلْعَشِىّ } هو كما قال الراغب: من زوال الشمس إلى الصباح أي يسبحن بهذا الوقت وليس ذلك نصاً في استيعابه بالتسبيح {وَٱلإشْرَاقِ } أي ووقت الإشراق، قال ثعلب: يقال شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت وصفت فوقت الإشراق وقت ارتفاعها عن الأفق الشرقي وصفاء شعاعها وهو الضحوة الصغرى، وروي عن أم هانىء بنت أبـي طالب أن النبـي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الضحى وقال: هذه صلاة الإشراق، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء الخراساني أن ابن عباس قال: لم يزل في نفسي من صلاة الضحى شيء حتى قرأت هذه الآية {يُسَبّحْنَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإشْرَاقِ } وفي رواية عنه أيضاً ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية، ووجه فهم الحبر إياها من الآية أي كل تسبيح ورد في القرآن فهو عنده ما لم يرد به التعجب والتنزيه بمعنى الصلاة فحيث كانت صلاة لداود عليه السلام وقصت على طريق المدح علم منه مشروعيتها. وفي «الكشف» وجهه أن الآية دلت على تخصيصه عليه السلام ذينك الوقتين بالتسبيح وقد علم من الرواية أنه كان يصلي مسبحاً فيهما فحكى في القرآن ما كان عليه وإن لم يذكر كيفيته فيكون في الآية ذكر صلاة الضحى وهو المطلوب أو نقول: إن تسبيح الجبال/ غير تسبيح داود عليه السلام لأن الأول مجاز فحمل تسبيح داود على المجاز أيضاً لأن المجاز بالمجاز أنسب اهـ. وتعقب بأنه إذا علم من الرواية فكيف يقال إنه أخذه من الآية والتجوز ينبغي تقليله ما أمكن، وهذا بناءً على أن {مَعَهُ } متعلق بيسبحن حتى يكون هو عليه السلام مسبحاً أي مصلياً وإلا فتسبيح الجبال لا دلالة له على الصلاة، ومع هذا ففيه حينئذٍ جمع بين معنيين مجازيين إلا أن يقال به، أو يجعل بمعنى يعظمن ويجعل تعظيم كل محمولاً على ما يناسبه، وبعد اللتيا والتي لا يخلو عن كدر، وارتضى الخفاجي الأول وأراه لا يخلو عن كدر أيضاً. وقال الجلبـي في ذلك: يجوز أن يقال: تخصيص هذين الوقتين بالذكر دل على اختصاصهما بمزيد شرف فيصلح ذلك الشرف سبباً لتعيينهما للصلاة والعبادة فإن لفضيلة الأزمنة والأمكنة أثراً في فضيلة ما يقع فيهما من العبادات، وهذا عندي أصفى مما تقدم، ويشعر به ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" وابن مردويه عن ابن عباس قال: كنت أمر بهذه الآية {يُسَبّحْنَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإشْرَاقِ } فما أدري ما هي حتى حدثتني أم هانىء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة صلاة الضحى ثمان ركعات فقال ابن عباس: قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة لقوله تعالى: {يُسَبّحْنَ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإشْرَاقِ }. هذا ولهم في صلاة الضحى كلام طويل والحق سنيتها وقد ورد فيها كما قال الشيخ ولي الدين ابن العراقي أحاديث كثيرة صحيحة مشهورة حتى قال محمد بن جرير الطبري أنها بلغت مبلغ التواتر. ومن ذلك حديث أم هانىء الذي في «الصحيحين» وَزَعْمُ أن تلك الصلاة كانت صلاة شكر لذلك الفتح العظيم صادفت ذلك الوقت لا أنها عبادة مخصوصة فيه دون سبب أو أنها كانت قضاء عما شغل صلى الله عليه وسلم تلك الليلة من حزبه فيها خلاف ظاهر الخبر السابق عنها. وكذا ما رواه أبو داود من طريق كريب عنها أنها قالت "صلى عليه الصلاة والسلام سبحة الضحى"، ومسلم في كتاب الطهارة من طريق أبـي مرة عنها أيضاً ففيه "ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى". وابن عبد البر في "التمهيد" من طريق عكرمة بن خالد أنها قالت: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فصلى ثمان ركعات فقلت ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاة الضحى". واحتج القائلون بالنفي بحديث عائشة "إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم وما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط وإني لأسبحها"، رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأبو مالك، وحمله القائلون بالإثبات على نفي رؤيتها ذلك لما أنه روى عنها مسلم وأحمد وابن ماجه أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله تعالى"، وقد شهد أيضاً بأنه عليه الصلاة والسلام كان يصليها على ما قال الحاكم أبو ذر الغفاري وأبو سعيد وزيد بن أرقم وأبو هريرة وبريدة الأسلمي، وأبو الدرداء وعبد الله بن أبـي أوفى وعتبان بن مالك وعتبة بن عبد السلمي ونعيم بن همام الغطفاني وأبو أمامة الباهلي وأم هانىء وأم سلمة، ومن القواعد المعروفة أن المثبت مقدم على النافي مع أن رواية الإثبات أكثر بكثير من رواية النفي وتأويلها أهون من تأويل تلك. وذكر الشافعية أنها أفضل التطوع بعد الرواتب لكن النووي في "شرح المهذب" قدم عليها صلاة التراويح فجعلها في الفضل بين الرواتب والضحى والمذهب عنهم وجوبها عليه صلى الله عليه وسلم وأن ذلك من خصوصياته عليه الصلاة والسلام، واحتج له بما أخرجه ابن العربـي بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب على النحر ولم يكتب عليكم وأمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا/ بها»تفسير : رواه الدارقطني أيضاً، وقال شيخ الحفاظ أبو الفضل بن حجر: إنه لم يثبت ذلك في خبر صحيح، وفي الأخبار ما يعكر على القول به، وذكر أن أقلها ركعتان لخبر البخاري عن أبـي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام أوصاه بهما وأن لا يدعهما. وأدنى كمالها أربع لما صح كان صلى الله عليه وسلم يصلى الضحى أربعاً ويزيد ما شاء فست فثمان" وأكثرها اثنتا عشرة ركعة لخبر ضعيف يعمل به في مثل ذلك، وذهب الكثير إلى أن الأكثر ثمان. وذكروا أنها أفضل من اثنتي عشرة والعمل القليل قد يفضل الكثير فما يقتضيه "أجرك على قدر نصبك" أغلبـي. وصرح ابن حجر الهيتمي عليه الرحمة بالمغايرة بين صلاة الضحى وصلاة الإشراق قال: ومما لا يسن جماعة ركعتان عقب الإشراق بعد خروج وقت الكراهة وهي غير الضحى. وتقدم لك ما يفيد اتحادهما ويدل عليه غير ذلك من الأخبار، وصح إطلاق صلاة الأوابين على صلاة الضحى كإطلاقها على الصلاة المعروفة بعد المغرب. هذا وتمام الكلام فيها في كتب الفقه والحديث.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ} إلى قوله: {أَوَّابٌ}. وقد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} تفسير : [الأنبياء: 79] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : (18) - وَقَدْ سَخَّرَ اللهُ تَعَالَى الجِبَالَ تُسَبِّحُ مَعَ دَاوُدَ، وَهِيَ تَسْمَعُ تَرَانِيمَهُ عِنْدَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا. وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِفَضْلِ العِبَادَةِ فِي هَذَيْنِ الوَقْتَينِ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ * وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 18-19]، يشير إلى كمال عناية ربوبيته في حقه بعد إظهار كمال عبوديته، {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} [ص: 20] في الظاهر بأن جعلناه أشد ملوك الأرض، وفي الباطن بأن {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} [ص: 20]؛ والحكمة هي: أنواع المعارف من المواهب، وفصل الخطاب: بأن ملك المعارف بأدل دليل وأقل قليل، وبقوله: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ} [ص: 21-22]، يشير إلى كمال ضعف البشرية مع أنه كان أقوى الأقوياء إذ فزع منهم، ولعل فزع داود عليه السلام كان لإطلاع درجة، على أنه ذلك تنبيه له وعتاب فيما سلف منه، وبقوله: {قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ} [ص: 22]، يشير إلى أنه لا تخف عن صورة أحوالنا فإنا جئنا لتحكم {بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ} [ص: 22]؛ ولكن خف عن حقيقة أحوالنا، فإنها كشف أحوالك التي جرت بينك وبين خصمك أورياً، وبقوله: {فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ} [ص: 22]، يشير إلى أن هذه الحكومة هي الحكمة التي بينك وبين خصمك، فاهدنا فيها إلى الصراط المستقيم إلى الله، فإن سير العباد إلى الله على أقدام المعاملات على جادة الشريعة. وبقوله: {إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} [ص: 23]، يشير إلى أن الظلم في الحقيقة من شيم النفوس، فإن وجدت ذا عفة فلعلة، كما قال يوسف عليه السلام: {أية : وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ}تفسير : [يوسف: 53].