Verse. 3991 (AR)

٣٨ - ص

38 - Sad (AR)

وَہَلْ اَتٰىكَ نَبَؤُا الْخَصْمِ۝۰ۘ اِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ۝۲۱ۙ
Wahal ataka nabao alkhasmi ith tasawwaroo almihraba

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهل» معنى الاستفهام هنا التعجيب والتشويق إلى استماع ما بعده «أتاك» يا محمد «نبأ الخصم إذ تسوَّروا المحراب» محراب داود: أي مسجده حيث منعوا الدخول عليه من الباب لشغله بالعبادة، أي خبرهم وقصتهم.

21

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الله تعالى لما مدحه وأثنى عليه من الوجوه العشرة أردفه بذكر قصة ليبين بها أن الأحوال الواقعة في هذه القصة لا يبين شيء منها كونه عليه السلام مستحقاً للثناء والمدح العظيم. أما قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا ٱلْخَصْمِ } فهو نظير قوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ } تفسير : [طه: 9] وفائدة هذا الاستفهام التنبيه على جلالة القصة المستفهم عنها، ليكون داعياً إلى الإصغاء لها والاعتبار بها، وأقول للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال أحدها: ذكر هذه القصة على وجه يدل على صدور الكبيرة عنه وثانيها: دلالتها على الصغيرة وثالثها: بحيث لا تدل على الكبيرة ولا على الصغيرة. فأما القول الأول فحاصل كلامهم فيها؛ أن داود عشق امرأة أوريا، فاحتال بالوجوه الكثيرة حتى قتل زوجها ثم تزوج بها فأرسل الله إليه ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة شبيهة بواقعته، وعرضا تلك الواقعة عليه. فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً، ثم تنبه لذلك فاشتغل بالتوبة. والذي أدين به وأذهب إليه أن ذلك باطل ويدل عليه وجوه الأول: أن هذه الحكاية لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجوراً لاستنكف منها والرجل الحشوي الخبيث الذي يقرر تلك القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه وربما لعن من ينسبه إليها، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصوم إليه الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول: فأمر منكر قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله» تفسير : وأما الثاني: فمنكر عظيم قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» تفسير : وإن أوريا لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه والثالث: أن الله تعالى وصف داود عليه السلام قبل ذكر هذه القصة بالصفات العشرة المذكورة، ووصفه أيضاً بصفات كثيرة بعد ذكر هذه القصة، وكل هذه الصفات تنافي كونه عليه السلام موصوفاً بهذا الفعل المنكر والعمل القبيح، ولا بأس بإعادة هذه الصفات لأجل المبالغة في البيان. فنقول أما الصفات الأولى: فهي أنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بداود في المصابرة مع المكابدة، ولو قلنا إن داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم امرىء مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله. وأما الصفة الثانية: فهي أن وصفه بكونه عبداً له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملاً في موقف العبودية تاماً في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات، ولو قلنا إن داود عليه السلام اشتغل بتلك الأعمال الباطلة، فحينئذٍ ما كان داود كاملا في عبوديته لله تعالى بل كان كاملاً في طاعة الهوى والشهوة. الصفة الثالثة: هو قوله: {أية : ذَا ٱلأَيْدِ } تفسير : [ص: 17] أي ذا القوة، ولا شك أن المراد منه القوة في الدين، لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة على أداء الواجبات، والاجتناب عن المحظورات، وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟ الصفة الرابعة: كونه أواباً كثير الرجوع إلى الله تعالى، وكيف يليق هذا بمن يكون قلبه مشغوفاً بالقتل والفجور؟. الصفة الخامسة: قوله تعالى: {أية : إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ } تفسير : [ص: 18] أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذه وسيلة إلى القتل والفجور؟. الصفة السادسة: قوله: {أية : وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً } تفسير : [ص: 19]، وقيل إنه كان محرماً عليه صيد شيء من الطير وكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا ينجو منه الرجل المسلم على روحه ومنكوحه؟. الصفة السابعة: قوله: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ } ومحال أن يكون المراد أنه تعالى شدد ملكه بأسباب الدنيا، بل المراد أنه تعالى شد ملكه بما يقوي الدين وأسباب سعادة الآخرة، والمراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لا يملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟. الصفة الثامنة: قوله تعالى: {أية : وَءاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ } تفسير : [ص: 20] والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علماً وعملاً، فكيف يجوز أن يقول الله تعالى: إنا {ءاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ } مع إصراره على ما يستنكف عنه الخبيث الشيطان من مزاحمة أخلص أصحابه في الروح والمنكوح، فهذه الصفات المذكورة قبل شرح تلك القصة دالة على براءة ساحته عن تلك الأكاذيب. وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فهي عشرة الأول: قوله: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } وذكر هذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة على قوته في طاعة الله، أما لو كانت القصة المتقدمة دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ } لائقاً به الثاني: قوله تعالى: {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ } وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه أحدهما: أن الملك الكبير إذا حكى عن بعض عبيده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فبعد فراغه من شرح القصة على ملأ من الناس يقبح منه أن يقول عقيبه أيها العبد إني فوضت إليك خلافتي ونيابتي، وذلك لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر، فأما جعله نائباً وخليفة لنفسه فذلك ألبتة مما لا يليق وثانيها: أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فلما حكى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة، ثم قال بعده: {إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ } أشعر هذا بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعال المنكرة؛ ومعلوم أن هذا فاسد، أما لو ذكر تلك القصة على وجوه تدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدة مصابرته على طاعة الله تعالى فحينئذٍ يناسب أن يذكر عقيبه {أية : إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [ص: 26] فثبت أن هذا الذي نختاره أولى والثالث: وهو أنه لما كانت مقدمة الآية دالة على مدح داود عليه السلام وتعظيمه ومؤخرتها أيضاً دالة على ذلك، فلو كانت الواسطة دالة على القبائح والمعائب لجرى مجرى أن يقال فلان عظيم الدرجة عالي المرتبة في طاعة الله يقتل ويزني ويسرق وقد جعله الله خليفة في أرضه وصوب أحكامه، وكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا، ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب والرابع: وهو أن القائلين بهذا القول ذكروا في هذه الرواية أن داود عليه السلام تمنى أن يحصل له في الدين كما حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثل ما حصل للخليل من الإلقاء في النار وحصل للذبيح من الذبح وحصل ليعقوب من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه أنهم إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه السلام الابتلاء، فأوحى الله إليه أنك ستبلى في يوم كذا فبالغ في الاحتزاز ثم وقعت الواقعة، فنقول أول حكايتهم يدل على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه فالسعي في قتل أول حكايتهم يدل على أن الله تعالى بيتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه فالسعي في قتل النفس بغير الحق والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة، ويثبت أن الحكاية التي ذكروها يناقض أولها آخرها الخامس: أن داود عليه السلام قال: {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلْخُلَطَاء لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } استثنى الذين آمنوا عن البغي، فلو قلنا إنه كان موصوفاً بالبغي لزم أن يقال إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل السادس: حضرت في بعض المجالس وحضر فيه بعض أكابر الملوك وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيئة لسبب اقتضى ذلك، فقلت له لا شك أن داود عليه السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل، ولقد قال الله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } تفسير : [الأنعام: 124] ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ الطعن فيه، وأيضاً فبتقدير أنه ما كان نبياً فلا شك أنه كان مسلماً، ولقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تذكروا موتاكم إلا بخير» تفسير : ثم على تقدير أنا لا نلتفت إلى شيء من هذه الدلائل إلا أنا نقول إن من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها حقيقية صحيحة فإن روايتها وذكرها لا يوجب شيئاً من الثواب، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من أن لا توجب الثواب، وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة، فإن ذاكرها يستحق أعظم العقاب والواقعة التي هذا شأنها وصفتها، فإن صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور فلما سمع ذلك الملك هذا الكلام سكت. ولم يذكر شيئاً السابع: أن ذكر هذه القصة، وذكر قصة يوسف عليه السلام يقتضي إشاعة الفاحشة فوجب أن يكون محرماً لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [النور: 19] الثامن: لو سعى داود في قتل ذلك الرجل لدخل تحت قوله: «حديث : من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله» تفسير : وأيضاً لو فعل ذلك لكان ظالماً فكان يدخل تحت قوله: {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } التاسع: عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: «حديث : من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين» تفسير : وهو حد الفرية على الأنبياء، ومما يقوي هذا أنهم لما قالوا إن المغيرة بن شعبة زنى وشهد ثلاثة من عدول الصحابة بذلك، وأما الرابع فإنه لم يقل بأني رأيت ذلك العمل. يعني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، وإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك، فكيف الحال مع داود عليه السلام مع أنه من أكابر الأنبياء عليهم السلام العاشر: روي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله تعالى فقال لا ينبغي أن يزاد عليها، وإن كانت الواقعة على ما ذكرت، ثم إنه تعالى لم يذكرها لأجل أن يستر تلك الواقعة على داود عليه السلام، فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ذلك الستر بعد ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر: «سماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس» فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها فاسدة باطلة، فإن قال قائل: إن كثيراً من أكابر المحدثين والمفسرين ذكروا هذه القصة، فكيف الحال فيها؟ فالجواب الحقيقي أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى، وأيضاً فالأصل براءة الذمة، وأيضاً فلما تعارض دليل التحريم والتحليل كان جانب التحريم أولى، وأيضاً طريقة الاحتياط توجب ترجيح قولنا، وأيضاً فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير وقوع هذه الواقعة لا يقول الله لنا يوم القيامة لم لم تسعوا في تشهير هذه الواقعة؟ وأما بتقدير كونها باطلة فإن علينا في ذكرها أعظم العقاب، وأيضاً فقال عليه السلام: « إذا علمت مثل الشمس فاشهد» وههنا لم يحصل العلم ولا الظن في صحة هذه الحكاية، بل الدلائل القاهرة التي ذكرناها قائمة فوجب أن لا تجوز الشهادة بها، وأيضاً كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول بل الأكثرون المحقون والمحققون منهم يردونه ويحكمون عليه بالكذب والفساد، وأيضاً إذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدثين فيه تساقطت وبقي الرجوع إلى الدلائل التي ذكرناها فهذا تمام الكلام في هذه القصة. أما الاحتمال الثاني: وهو أن تحمل هذه القصة على وجه يوجب حصول الصغيرة ولا يوجب حصول الكبيرة، فنقول في كيفية هذه القصة على هذا التقدير وجوه الأول: أن هذه المرأة خطبها أوريا فأجابوه ثم خطبها داود فأثره أهلها، فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه الثاني: قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هـذا ذنب ألبتة، أما وقوع بصره عليها من غير قصد فذلك ليس بذنب، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضاً ذنباً لأن هذا الميل ليس في وسعه، فلا يكون مكلفاً به بل لما اتفق أن قتل زوجها لم يتأذ تأذياً عظيماً بسبب قتله لأجل أنه طمع أن يتزوج بتلك المرأة فحصلت الزلة بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل والثالث: أنه كان أهل زمان داود عليه السلام يسأل بعضهم بعضاً أن يطلق امرأته حتى يتزوجها وكانت عادتهم في هذا المعنى مألوفة معروفة أوى أن الأنصار كانوا يساوون المهاجرين بهذا المعنى فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على تلك المرأة فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزاً في ظاهر الشريعة، إلا أنه لا يليق بك، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حق داود عليه السلام إلا ترك الأفضل والأولى. وأما الاحتمال الثالث: وهو أن هذه القصة على وجه لا يلزم إلحاق الكبيرة والصغيرة بداود عليه السلام، بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أن نقول روي أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبي الله داود عليه السلام، وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوروا المحراب، فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً يمنعونه منهم فخافوا فوضعوا كذباً، فقالوا خصمان بغى بعضنا على بعض إلى آخر القصة، وليس في لفظ القرآن ما يمكن أن يحتج به في إلحاق الذنب بداود إلا ألفاظ أربعة أحدهما: قوله: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ }، وثانيها: قوله تعالى: {فاستغفر ربه} وثالثها: قوله: {وَأَنَابَ } ورابعها: قوله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذٰلِكَ } ثم نقول، وهذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكروه، وتقريره من وجوه الأول: أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذا الطريق، وعلم داود عليه السلام ذلك دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم، إلا أنه قال إلى الصفح والتجاوز عنهم طلباً لمرضاة الله، قال وكانت هذه الواقعة هي الفتنة لأنها جارية مجرى الابتلاء والامتحان، ثم إنه استغفر ربه مما هم به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهم وأناب، فغفر له ذلك القدر من الهم والعزم والثاني: أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه، إلا أنه ندم على ذلك الظن، وقال: لما لم تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك، فبئسما علمت بهم حيث ظننت بهم هذا الظن الرديء، فكان هذا هو المراد من قوله: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ } منه فغفر الله له ذلك الثالث: أن دخولهم عليه كان فتنة لداود عليه السلام، إلا أنه عليه السلام استغفر لذلك الداخل العازم على قتله، كما قال في حق محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [محمد: 19] فداود عليه السلام استغفر لهم وأناب، أي رجع إلى الله تعالى في طلب مغفرة ذلك الداخل القاصد للقتل، وقوله: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذٰلِكَ } أي غفرنا له ذلك الذنب لأجل احترام داود ولتعظيمه، كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: {أية : لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ } تفسير : [الفتح: 2] أن معناه أن الله تعالى يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذنب أمتك الرابع: هب أنه تاب داود عليه السلام عن زلة صدرت منه، لكن لا نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة، فلم لا يجوز أن يقال إن تلك الزلة إنما حصلت، لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الخصم الثاني، فإنه لما قال: {لَقَدِ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ } فحكم عليه بكونه ظالماً بمجرد دعوى الخصم بغير بينة، لكون هذا الحكم مخالفاً للصواب، فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة، إلا أن هذا في باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إذا حملنا هذه الآيات على هذا الوجه، فإنه لا يلزم إسناد شيء من الذنوب إلى داود عليه السلام، بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطاعات إليه، ثم نقول وحمل الآية عليه أولى لوجوه الأول: أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي، لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل والثاني: أنه أحوط والثالث: أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ } تفسير : [ص: 17] فإن قوم محمد عليه السلام لما أظهروا السفاهة حيث قالوا: {أية : هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ } تفسير : [ص: 4] واستهزأوا به حيث قالوا: {أية : رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } تفسير : [ص: 16] فقال تعالى في أول الآية: اصبر يا محمد على سفاهتهم وتحمل وتحلم ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود، فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على إيذائهم وتحمل سفاهتهم وحلم ولم يظهر الطيش والغضب، وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه، أما إذا حملناها على ما ذكروه صار الكلام متناقضاً فاسداً والرابع: أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا الخصمان كانا ملكين، ولما كانا من الملائكة وما كان بينهما مخاصمة وما بغى أحدهما على الآخر كان قولهما خصمان بغى بعضنا على بعض كذباً، فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين أحدهما: إسناد الكذب إلى الملائكة والثاني: أن يتوسل بإسناد الكذب إلى الملائكة إلى إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء، فأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة، وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء، فكان قولنا أولى، فهذا ما عندنا في هذا الباب، والله أعلم بأسرار كلامه، ونرجع الآن إلى تفسير الآيات. أما قوله: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا ٱلْخَصْمِ } قال الواحدي: الخصم مصدر خصمته أخصمه خصماً، ثم يسمى به الإثنان والجمع ولا يثنى ولا يجمع، يقال هما خصم وهم خصم، كما يقال هما عدل وهم عدل، والمعنى ذوا خصم وذوو خصم، وأريد بالخصم ههنا الشخصان اللذان دخلا على داود عليه السلام، وقوله تعالى: {إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } يقال تسورت السور تسوراً إذا علوته، ومعنى: {تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } أي أتوه من سوره وهو أعلاه، يقال تسور فلان الدار إذا أتاها من قبل سورها. وأما المحراب فالمراد منه البيت الذي كان داود يدخل فيه ويشتغل بطاعة ربه، وسمي ذلك البيت المحراب لاشتماله على المحراب، كما يسمى الشيء بأشرف أجزائه، وههنا مسألة من علم أصول الفقه، وهي أن أقل الجمع اثنان عند بعض الناس، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية، لأنه تعالى ذكر صيغة الجمع في هذه الآيات في أربعة مواضع أحدهما: قوله تعالى: {أية : إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } تفسير : [ص: 21]، وثانيها: قوله: {إِذْ دَخَلُواْ }، وثالثها: قوله: {مِنْهُمْ }، ورابعها: قوله: {قَالُواْ لاَ تَخَفْ } فهذه الألفاظ الأربعة كلها صيغ الجمع، وهم كانوا اثنين بدليل أنهم قالوا خصمان، قالوا فهذه الآية تدل على أن أقل الجمع اثنان والجواب: لا يمتنع أن يكون كل واحد من الخصمين جمعاً كثيرين، لأنا بينا أن الخصم إذا جعل اسماً فإنه لا يثنى ولا يجمع، ثم قال تعالى: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودُ } والفائدة فيه أنهم ربما تسوروا المحراب وما دخلوا عليه، فلما قال: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ } دل على أنهم بعد التسور دخلوا عليه، قال الفراء: وقد يجاء بإذ مرتين ويكون معناهما كالواحد، كقولك ضربتك إذ دخلت علي إذ اجترأت، مع أنه يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحداً، ثم قال تعالى: {فَفَزِعَ مِنْهُمْ } والسبب أن داود عليه السلام لما رآهما قد دخلوا عليه لا من الطريق المعتاد، علم أنهم إنما دخلوا عليه للشر، فلا جرم فزع منهم، ثم قال تعالى: {قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: خصمان خبر مبتدأ محذوف، أي نحن خصمان. المسألة الثانية: ههنا قولان الأول: أنهما كانا ملكين نزلا من السماء وأرادا تنبيه داود عليه السلام على قبح العمل الذي أقدم عليه والثاني: أنهما كانا إنسانين دخلا عليه للشر والقتل، فظنا أنهما يجدانه خالياً، فلما رأيا عنده جماعة من الخدم اختلقا ذلك الكذب لدفع الشر، وأما المنكرون لكونهما ملكين فقد احتجوا عليه بأنهما لو كانا ملكين لكانا كاذبين في قولهما {خَصْمَانِ } فإنه ليس بين الملائكة خصومة، ولكانا كاذبين في قولهما: {بَغَىٰ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } ولكانا كاذبين في قولهما: {إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً } فثبت أنهما لو كانا ملكين كاذبين والكذب على الملك غير جائز لقوله تعالى: {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ } تفسير : [الأنبياء: 27] ولقوله: {أية : وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [النحل: 50] أجاب الذاهبون إلى القول الأول عن هذا الكلام بأن قالوا إن الملكين إنما ذكرا هذا الكلام على سبيل ضرب المثل لا على سبيل التحقيق فلم يلزم الكذب، وأجيب عن هذا الجواب بأن ما ذكرتم يقتضي العدول عن ظاهر اللفظ، ومعلوم أنه على خلاف الأصل، أما إذا حملنا الكلام على أن الخصمين كانا رجلين دخلا عليه لغرض الشر ثم وضعا هذا الحديث الباطل، فحينئذٍ لزم إسناد الكذب إلى شخصين فاسقين فكان هذا أولى من القول الأول، والله أعلم، وأما القائلون بكونهما ملكين فقد احتجوا بوجوه الأول: اتفاق أكثر المفسرين عليه والثاني: أنه أرفع منزلة من أن يتسور عليه آحاد الرعية في حال تعبده فيجب أن يكون ذلك من الملائكة الثالث: أن قوله تعالى: {قَالُواْ لاَ تَخَفْ } كالدلالة على كونهما ملكين لأن من هو من رعيته لا يكاد يقول له مثل ذلك مع رفعة منزلته الرابع: أن قولهما: {وَلاَ تُشْطِطْ } كالدلالة على كونهما ملكين لأن أحداً من رعيته لا يتجاسر أن يقول له لا تظلم ولا تتجاوز عن الحق، واعلم أن ضعف هذه الدلائل ظاهر، ولا حاجة إلى الجواب، والله أعلم. المسألة الثالثة: {بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ } أي تعدى وخرج عن الحد يقال بغى الجرح إذا أفرط وجعه وانتهى إلى الغاية، وقال بغت المرأة إذا زنت، لأن الزنا كبيرة منكرة، قال تعالى: {أية : وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَاء } تفسير : [النور: 33] ثم قال: {فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقّ } معنى الحكم إحكام الأمر في إمضاء تكليف الله عليهما في الواقعة، ومنه حكمة الدابة لأنها تمنع من الجماح، ومنه بناء محكم إذا كان قوياً، وقوله: {بِٱلْحَقّ } أي بالحكم الحق وهو الذي حكم الله به {وَلاَ تُشْطِطْ } يقال شط الرجل إذا بعد، ومنه قوله: شطت الدار إذا بعدت، قال تعالى: {أية : لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } تفسير : [الكهف: 14] أي قولاً بعيداً عن الحق، فقوله: {وَلاَ تُشْطِطْ } أي لا تبعد في هذا الحكم عن الحق، ثم قال: {وَٱهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاء ٱلصّرٰطِ } وسواء الصراط هو وسطه، قال تعالى: {أية : فَٱطَّلَعَ فَرَءاهُ فِى سَوَاء ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [الصافات: 55] ووسط الشيء أفضله وأعدله، قال تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] وأقول إنهم عبروا عن المقصود الواحد بثلاث عبارات أولها: قولهم فاحكم بالحق وثانيها: قولهم: {وَلاَ تُشْطِطْ } وهي نهي عن الباطل وثالثها: قولهم: {وَٱهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاء ٱلصّرٰطِ } يعني يجب أن يكون سعيك في إيجاد هذا الحق. وفي الاحتراز عن هذا الباطل أن تردنا من الطريق الباطل إلى الطريق الحق، وهذا مبالغة تامة في تقرير المطلوب، واعلم أنهم لما أخبروا عن وقوع الخصومة على سبيل الإجمال أردفوه ببيان سبب تلك الخصومة على سبيل التفصيل، فقال: {إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صحاب «الكشاف» {أَخِى } يدل من هذا أو خبر لقوله: {إن } والمراد أخوة الدين أو أخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة، لقوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلْخُلَطَاء } وكل واحدة من هذه الأخوات توجب الامتناع من الظلم والاعتداء. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» قرىء {تِسْعٌ وَتِسْعُونَ } بفتح التاء ونعجة بكسر النون، وهذا من اختلاف اللغات نحو نطع ونطع، ولقوة وهي الأنثى من العقبان. المسألة الثالثة: قال الليث: النعجة الأنثى من الضأن والبقرة الوحشية والشاة الجبلية، والجمع النعجات، والعرب جرت عادتهم بجعل النعجة والظبية كناية عن المرأة. المسألة الرابعة: قرأ عبد الله: {تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنثَىٰ } وهذا يكون لأجل التأكيد كقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـَٰهيِن ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ } تفسير : [النحل: 51]، ثم قال: {أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ } قال صاحب «الكشاف»: {أَكْفِلْنِيهَا } حقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي {وَعَزَّنِى } غلبني، يقال عزه يعزه، والمعنى جاءني بحجاج لم أقدر أن أورد عليه ما أورده به، وقرىء وعازني من المعازة، وهي المغالبة، واعلم أن الذين قالوا إن هذين الخصمين كانا من الملائكة زعموا أن المقصود من ذكر النعاج التمثيل، لأن داود كان تحته تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة، فذكرت الملائكة تلك الواقعة على سبيل الرمز والتمثيل. ثم قال تعالى: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ } أي سؤال إضافة نعجتك إلى نعاجه، وروي أنه قال له: إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا، وأشار إلى الأنف والجبهة فقال: يا داود أنت أحق أن نضرب منك هذا وهذا، وأنت فعلت كيت وكيت، ثم نظر داود فلم ير أحداً فعرف الحال، فإن قيل كيف جاز لداود أن يحكم على أحد الخصمين بمجرد قول خصمه؟ قلنا ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال محمد بن إسحاق: لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال لئن صدق لقد ظلمته، والحاصل أن هذا الحكم كان مشروطاً بشرط كونه صادقاً في دعواه والثاني: قال ابن الأنباري: لما ادعى أحد الخصمين اعترف الثاني فحكم داود عليه السلام ولم يذكر الله تعالى ذلك الاعتراف لدلالة ظاهر الكلام عليه، كما تقول أمرتك بالتجارة فكسبت تريد اتجرت فكسبت، وقال تعالى: {أية : أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ } تفسير : [الشعراء: 63] أي فضرب فانفلق، والثالث: أن يكون التقدير أن الخصم الذي هذا شأنه يكون قد ظلمك. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلْخُلَطَاء لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } قال: الليث خليط الرجل مخالطه، وقال الزجاج: الخلطاء الشركاء، فإن قيل لم خص داود الخلطاء يبغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء قد يفعلون ذلك، والجواب لا شك أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة، وذلك لأنهما إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفيسة إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه، فيفضي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة، فلهذا السبب خص داود عليه السلام الخلطاء بزيادة البغي والعدوان، ثم استثنى عن هذا الحكم الذي آمنوا وعلموا الصالحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون إلا لأجل الدين وطلب السعادات الروحانية الحقيقية، فلا جرم مخالطتهم لا توجب المنازعة، وأما الذين تكون مخالطتهم لأجل حب الدنيا لا بد وأن تصير مخالتطهم سبباً لمزيد البغي والعدوان، واعلم أن هذا الاستثناء يدل على أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يبغي بعضهم على بعض، فلو كان داود عليه السلام قد بغى وتعدى على ذلك الرجل لزم بحكم فتوى داود أن لا يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ومعلوم أن ذلك باطل، فثبت أن قول من يقول المراد من واقعة النعجة قصة داود قول باطل. ثم قال تعالى: {وَقليل مَّـا هُم } واعلم أن الحكم بقلة أهل الخير كثير في القرآن، قال تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ } تفسير : [سبأ: 13] وقال داود عليه السلام في هذا الموضع {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } وحكى تعالى عن إبليس أنه قال: {أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 17] وسبب القلة أن الدواعي إلى الدنيا كثيرة، وهي الحواس الباطنة والظاهرة وهي عشرة والشهوة والغضب والقوى الطبيعية السبعة فالمجموع تسعة عشر واقفون على باب جهنم البدن، وكلها تدعو إلى الخلق والدنيا واللذة الحسية، وأما الداعي إلى الحق والدين فليس إلا العقل واستيلاء القوة الحسية والطبيعية على الخلق أكثر من القوة العقلية فيهم، فلهذا السبب وقعت القلة في جانب أهل الخير والكثرة في جانب أهل الشر، قال صاحب «الكشاف» وما في قوله: {وَقليل مَّـا هُم } للإبهام وفيه تعجب من قلتهم، قال وإذا أردت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرىء القيس: وحديث ما على قصره - وانظر هل بقي له معنى قط. ثم قال تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ } قالوا معناه وعلم داود أنما فتناه أي امتحناه، قالوا والسبب الذي أوجب حمل لفظ الظن على العلم ههنا أن داود عليه السلام لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك، ثم صعد إلى السماء قبل وجهه، فعلم داود أن الله ابتلاه بذلك فثبت أن داود علم ذلك وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم لأن العلم الاستدلالي يشبه الظن مشابهة عظيمة، والمشابهة علة لجواز المجاز، وأقول هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين أما إذا لم نقل ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العلم، بل لقائل أن يقول إنه لما غلب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة. أما قوله: {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ } أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا بأنه قد صدرت زلة منه، حملنا هذا الاستغفار عليها، وإن لم نقل به قلنا فيه وجوه الأول: أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله، وإنه كان سلطاناً شديد القهر عظيم القوة، ثم أنه مع أنه مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع حصول الفزع في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئاً قرب الأمر من أن يدخل في قلبه شيء من العجب، فاستغفر ربه عن تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله، فغفر الله له وتجاوز عنه بسبب طريان ذلك الخاطر الثاني: لعله هم بإيذاء القوم، ثم قال: إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر عن ذلك الهم الثالث: لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم لأجل أن يقبل توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله، فغفر الله ذنوبهم بسبب شفاعته ودعائه، وكل هذه الوجوه محتملة ظاهرة، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه وإذا كان اللفظ محتملاً لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام المنكرات التي يذكرونها، فما الذي يحملنا على التزامها والقول بها، والذي يؤكد أن الذي ذكرناه أقرب وأقوى أن يقال ختم الله هذه القصة بقوله: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزلفى وَحُسْنُ مَـئَابٍ } ومثل هذه الخاتمة إنما تحسن في حق من صدر منه عمل كثير في الخدمة والطاعة، وتحمل أنواعاً من الشدائد في الموافقة والانقياد، أما إذا كان المذكور السابق هو الإقدام على الجرم والذنب فإن مثل هذه الخاتمة لا تليق به، قال مالك بن دينار؛ إذا كان يوم القيامة أتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة، ويقال يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا، والله أعلم، بقي ههنا مباحث فالأول: قرىء فتناه وفتناه على أن الألف ضمير الملكين الثاني: المشهور أن الاستغفار إنما كان بسبب قصة النعجة والنعاج، وقيل أيضاً إنما كان بسبب أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن سمع كلام الثاني وذلك غير جائز الثالث: قوله؛ {خَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ } يدل على حصول الركوع، وأما السجود فقد ثبت بالأخبار وكذلك البكاء الشديد في مدة أربعين يوماً ثبت بالأخبار الرابع: أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة قال لأن توبة نبي فلا توجب سجدة التلاوة الخامس: استشهد أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية في سجود التلاوة على أن الركوع يقوم مقام السجود.

القرطبي

تفسير : فيه أربع وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } «الْخَصْم» يقع على الواحد والاثنين والجماعة؛ لأن أصله المصدر. قال الشاعر:شعر : وَخَصْم غِضابٌ يَنْفُضُونَ لِحَاهُمُ كنفضِ البَرَاذينِ العِرابِ المَخَالِيَا تفسير : النحاس: ولا خلاف بين أهل التفسير أنه يراد به هاهنا مَلَكان. وقيل: «تَسَوَّرُوا» وإن كانا اثنين حملاً على الخصم، إذ كان بلفظ الجمع ومضارعاً له، مثل الركب والصحب. وتقديره للاثنين ذوا خصم وللجماعة ذوو خصمٍ. ومعنى: «تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ» أتوه من أعلى سوره. يقال: تسوّر الحائط تسلّقه، والسور حائط المدينة وهو بغير همز، وكذلك السُّوَرُ جمع سورةٍ مثل بُسْرَةٍ وبُسَرٍ وهي كل منزلة من البناء. ومنه سورة القرآن؛ لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى. وقد مضى في مقدّمة الكتاب بيان هذا. وقول النابغة:شعر : ألم تَرَ أنَ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دونها يتذبذب تفسير : يريد شرفاً ومنزلة. فأما السؤر بالهمز فهو بقية الطعام في الإناء. ابن العربي: والسؤر الوليمة بالفارسي. وفي الحديث: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: «حديث : إن جابراً قد صنع لكم سؤراً فَحَيَّهلاً بكم»تفسير : . والمحراب هنا الغرفة؛ لأنهم تسوّروا عليه فيها؛ قاله يحيـى بن سلام. وقال أبو عبيدة: إنه صدر المجلس، ومنه محراب المسجد. وقد مضى القول فيه في غير موضع. {إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ} جاءت «إِذْ» مرتين؛ لأنهما فعلان. وزعم الفرّاء: أن إحداهما بمعنى لما. وقول آخر أن تكون الثانية مع ما بعدها تبييناً لما قبلها. قيل: إنهما كانا إنسيين؛ قاله النقاش. وقيل: ملَكَين؛ قاله جماعة. وعينهما جماعة فقالوا: إنهما جبريل وميكائيل. وقيل: ملَكَين في صورة إنسيين بعثهما الله إليه في يوم عبادته. فمنعهما الحرس الدخول، فتسوّروا المحراب عليه، فما شعر وهو في الصلاة إلا وهما بين يديه جالسين؛ وهو قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } أي علوا ونزلوا عليه من فوق المحراب؛ قاله سفيان الثوري وغيره. وسبب ذلك ما حكاه ابن عباس أن داود عليه السلام حدّث نفسه إن ابتلي أن يعتصم. فقيل له: إنك ستبتلى وتعلم اليوم الذي تبتلى فيه فخذ حِذرك. فأخذ الزبور ودخل المحراب ومنع من الدخول عليه، فبينا هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر كأحسن ما يكون من الطير، فجعل يَدرُج بين يديه. فهمّ أن يتناوله بيده، فاستدرج حتى وقع في كوّة المحراب، فدنا منه ليأخذه فطار، فاطلع ليبصره فأشرف على امرأة تغتسل، فلما رأته غطت جسدها بشعرها. قال السدّي: فوقعت في قلبه. قال ابن عباس: وكان زوجها غازياً في سبيل الله وهو أورِيا بن حنان، فكتب داود إلى أمير الغزاة أن يجعل زوجها في حملة التابوت، وكان حملة التابوت إما أن يفتح الله عليهم أو يقتلوا، فقدّمه فيهم فقتل، فلما انقضت عدّتها خطبها داود، واشترطت عليه إن ولدت غلاماً أن يكون الخليفة بعده، وكتبت عليه بذلك كتاباً، وأشهدت عليه خمسين رجلاً من بني إسرائيل، فلم تستقر نفسه حتى ولدت سليمان وشَبَّ، وتسوّر الملكان وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه. ذكره الماوردي وغيره. ولا يصح. قال ابن العربي: وهو أمثل ما روي في ذلك. قلت: ورواه مرفوعاً بمعناه الترمذيّ الحكيم في «نوادر الأصول» عن يزيد الرقاشيّ، سمع أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن داود النبي عليه السلام حين نظر إلى المرأة فهمّ بها قطع على بني إسرائيل بَعْثاً وأوصى صاحب البعث فقال: إذا حضر العدوّ قَرِّب فلاناً وسماه، قال فقرَّبه بين يدي التابوت ـ قال ـ وكان ذلك التابوت في ذلك الزمان يُستنصر به فمن قُدِّم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش الذي يقاتله فقُدِّم فقُتِل زوج المرأة ونزل الملَكان على داود فقصّا عليه القصّة»تفسير : . وقال سعيد عن قتادة: كتب إلى زوجها وذلك في حصِار عَمَّان مدينة بلقاء أن يأخذوا بحلقة الباب، وفيه الموت الأحمر، فتقدّم فقتل. وقال الثعلبي قال قوم من العلماء: إنما امتحن الله داود بالخطيئة؛ لأنه تمنى يوماً على ربه منزلة إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأله أن يمتحنه نحو ما امتحنهم، ويعطيه نحو ما أعطاهم. وكان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام، يوم يقضي فيه بين الناس، ويوم يخلو فيه بعبادة ربه، ويوم يخلو فيه بنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب. فقال: يا رب! إن الخير كله قد ذهب به آبائي؛ فأوحى الله تعالى إليه: إنهم ابتلوا ببلايا لم يبتل بها غيرهم فصبروا عليها؛ ابتلي إبراهيم بنمروذ وبالنار وبذبح ابنه، وابتلي إسحاق بالذبح، وابتلي يعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره، ولم تبتل أنت بشيء من ذلك. فقال داود عليه السلام: فابتلني بمثل ما ابتليتهم، وأعطني مثل ما أعطيتهم، فأوحى الله تعالى إليه: إنك مبتلى في شهر كذا في يوم الجمعة. فلما كان ذلك اليوم دخل محرابه، وأغلق بابه، وجعل يصلّي ويقرأ الزبور. فبينا هو كذلك إذ مثل له الشيطان في صورة حمامة من ذهب، فيها من كل لون حسن، فوقف بين رجليه، فمدّ يده ليأخذها فيدفعها لابن له صغير، فطارت غير بعيد ولم تؤيسه من نفسها، فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتى وقعت في كوّة، فذهب ليأخذها فطارت ونظرُ داود يرتفع في إثرها ليبعث إليها من يأخذها، فنظر امرأة في بستان على شط بركة تغتسل؛ قاله الكلبي. وقال السدي: تغتسل عريانة على سطح لها؛ فرأى أجمل النساء خَلْقاً، فأبصرت ظله فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده إعجاباً بها. وكان زوجها أوريا بن حنان، في غزوة مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود، فكتب داود إلى أيوب أن ابعث بأوريا إلى مكان كذا وكذا، وقدِّمه قبل التابوت، وكان من قدّم قبل التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله عليه أو يستشهد. فقدّمه ففتح له فكتب إلى داود يخبره بذلك. قال الكلبي: وكان أوريا سيف الله في أرضه في زمان داود، وكان إذا ضرب ضربة وكبّر كبّر جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، وكبّرت ملائكة السماء بتكبيره حتى ينتهي ذلك إلى العرش، فتكبر ملائكة العرش بتكبيره. قال: وكان سيوف الله ثلاثة؛ كالب بن يوفنا في زمن موسى، وأوريا في زمن داود، وحمزة بن عبد المطلب في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كتب أيوب إلى داود يخبره أن الله قد فتح على أوريا كتب داود إليه: أن ابعثه في بعث كذا وقدمه قبل التابوت؛ ففتح الله عليه، فقتل في الثالثة شهيداً. فتزوج داود تلك المرأة حين انقضت عدّتها. فهي أم سليمان بن داود. وقيل: سبب امتحان داود عليه السلام أن نفسه حدثته أنه يطيق قطع يومٍ بغير مقارفة شيء. قال الحسن: إن داود جزأ الدهر أربعة أجزاء؛ جزءاً لنسائه، وجزءاً للعبادة، وجزءاً لبني إسرائيل يذاكرونه ويذاكرهم ويبكونه ويبكيهم، ويوماً للقضاء. فتذاكروا هل يمرّ على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود أنه يطيق ذلك؛ فأغلق الباب على نفسه يوم عبادته، وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكبَّ على قراءة الزبور، فوقعت حمامة من ذهب بين يديه. وذكر نحو ما تقدّم. قال علماؤنا: وفي هذا دليل وهي: الثانية: على أنه ليس على الحاكم أن ينتصب للناس كل يوم، وأنه ليس للإنسان أن يترك وطء نسائه وإن كان مشغولاً بالعبادة. وقد مضى هذا المعنى في «النساء». وحكم كعب بذلك في زمن عمر بمحضره رضي الله عنهما. وقد حديث : قال عليه السلام لعبد الله بن عمرو: «إنّ لزوجك عليك حقا» تفسير : الحديث. وقال الحسن أيضاً ومجاهد: إن داود عليه السلام قال لبني إسرائيل حين استخلِف: والله لأعدلنّ بينكم، ولم يستثن فابتلي بهذا. وقال أبو بكر الورّاق: كان داود كثير العبادة فأعجب بعمله وقال: هل في الأرض أحد يعمل كعملي. (فأرسل) الله إليه جبريل؛ فقال: إن الله تعالى يقول لك: عجبتَ بعبادتك، والعجب يأكل العبادة كما تأكل النار الحطب، فإن أعجبت ثانية وَكَلْتُك إلى نفسك. قال: يا رب كِلني إلى نفسي سنة. قال: إن ذلك لكثير. قال: فشهراً. قال: إن ذلك لكثير. قال: فيوماً. قال: إن ذلك لكثير. قال: يا رب فكِلني إلى نفسي ساعة. قال: فشأنك بها. فوكَّل الأحراس، ولبس الصوف، ودخل المحراب، ووضع الزبور بين يديه؛ فبينما هو في عبادته إذ وقع الطائر بين يديه، فكان من أمر المرأة ما كان. وقال سفيان الثوري: قال داود ذات يوم: يا رب ما من يوم إلا ومن آل داود لك فيه صائم، وما من ليلة إلا ومن آل داود لك فيها قائم. فأوحى الله إليه: يا داود منك ذلك أو مني؟ وعزتي لأكِلَنَّك إلى نفسك. قال: يا رب اعف عنّي. قال: أكلك إلى نفسك سنة. قال: لا بعزتك. قال: فشهراً. قال: لا بعزتك. قال: فأسبوعاً. قال: لا بعزتك. قال: فيوماً. قال: لا بعزتك. قال: فساعة. قال: لا بعزتك. قال: فلحظة. فقال له الشيطان: وما قدر لحظة. قال: كِلْني إلى نفسي لحظة. فوكله الله إلى نفسه لحظة. وقيل له: هي في يوم كذا في وقت كذا. فلما جاء ذلك اليوم جعله للعبادة، ووكل الأحراس حول مكانه. قيل: أربعة آلاف. وقيل: ثلاثين ألفاً أو ثلاثة وثلاثين ألفاً. وخلا بعبادة ربه، ونشر الزبور بين يديه، فجاءت الحمامة فوقعت له، فكان من أمره في لحظته مع المرأة ما كان. وأرسل الله عز وجل إليه الملَكين بعد ولادة سليمان، وضربا له المثل بالنعاج؛ فلما سمع المثل ذكر خطيئته فخرّ ساجداً أربعين ليلة على ما يأتي. الثالثة: قوله تعالى: {فَفَزِعَ مِنْهُمْ} لأنهما أتياه ليلاً في غير وقت دخول الخصوم. وقيل: لدخولهم عليه بغير إذنه. وقيل: لأنهم تسوّروا عليه المحراب ولم يأتوه من الباب. قال ابن العربي: وكان محراب داود عليه السلام من الامتناع بالارتفاع، بحيث لا يرتقي إليه آدميّ بحيلة إلا أن يقيم إليه أياماً أو أشهراً بحسب طاقته، مع أعوان يكثر عددهم، وآلات جمة مختلفة الأنواع. ولو قلنا: إنه يوصل إليه من باب المحراب لما قال الله تعالى مخبراً عن ذلك: «تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ» إذ لا يقال تسوّر المحراب والغرفة لمن طلع إليها من درجها، وجاءها من أسفلها إلا أن يكون ذلك مجازاً؛ وإذا شاهدت الكوة التي يقال إنه دخل منها الخصمان علمت قطعاً أنهما ملَكَان؛ لأنها من العلو بحيث لا ينالها إلا عُلْويّ. قال الثعلبي: وقد قيل: كان المتسوِّران أخوين من بني إسرائيل لأب وأم. فلما قضى داود بينهما بقضية قال له مَلَك من الملائكة: فهلا قضيت بذلك على نفسك يا داود. قال الثعلبي: والأول أحسن أنهما كانا مَلَكين نَبَّهَا داود على ما فعل. قلت: وعلى هذا أكثر أهل التأويل. فإن قيل: كيف يجوز أن يقول الملكان «خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» وذلك كذب والملائكة عن مثله منزَّهون. فالجواب عنه أنه لا بد في الكلام من تقدير؛ فكأنهما قالا: قدِّرنا كأننا خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق، وعلى ذلك يحمل قولهما: {إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} لأن ذلك وإن كان بصورة الخبر فالمراد إيراده على طريق التقدير لينبه داود على ما فعل؛ والله أعلم. الرابعة: إن قيل: لِم فزع داود وهو نبيّ، وقد قويت نفسه بالنبوّة، واطمأنت بالوحي، ووثقت بما آتاه الله من المنزلة، وأظهر على يديه من الآيات، وكان من الشجاعة في غاية المكانة؟ قيل له: ذلك سبيل الأنبياء قبله، لم يأمنوا القتل والأذِية ومنهما كان يخاف. ألا ترى إلى موسى وهارون عليهما السلام كيف قالا: {إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ} [طه: 45] فقال الله عز وجل: «لاَ تَخَافا». وقالت الرسل للوط: {أية : لاَ تَخَفْ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ}تفسير : [هود: 81] وكذا قال الملكان هنا: «لاَ تَخَفْ». قال محمد بن إسحاق: بعث الله إليه ملكين يختصمان إليه وهو في محرابه ـ مثلاً ضربه الله له ولأوريا فرآهما واقفين على رأسه؛ فقال: ما أدخلكما عليّ؟ قالا: {لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ} فجئناك لتقضي بيننا. الخامسة: قال ابن العربي: فإن قيل كيف لم يأمر بإخراجهما إذ قد علم مطلبهما، وهلا أدّبهما وقد دخلا عليه بغير إذن؟ فالجواب عليه من أربعة أوجه: الأوّل: أنا لم نعلم كيفية شرعه في الحجاب والإذن، فيكون الجواب بحسب تلك الأحكام، وقد كان ذلك في ابتداء شرعنا مهملاً في هذه الأحكام، حتى أوضحها الله تعالى بالبيان. الثاني: أنا لو نزلنا الجواب على أحكام الحجاب، لاحتمل أن يكون الفزع الطارىء عليه أذهله عما كان يجب في ذلك له. الثالث: أنه أراد أن يستوفي كلامهما الذي دخلا له حتى يعلم آخر الأمر منه، ويرى هل يحتمل التقحم فيه بغير إذن أم لا؟ وهل يقترن بذلك عذر لهما أم لا يكون لهما عذر فيه؟ فكان من آخر الحال ما انكشف أنه بلاء ومحنة، ومثل ضربه الله في القصة، وأدب وقع على دعوى العصمة. الرابع: أنه يحتمل أن يكون في مسجد ولا إذن في المسجد لأحد إذ لا حجر فيه على أحد. قلت: وقول خامس ذكره القشيري؛ وهو أنهما قالا: لما لم يأذن لنا الموكلون بالحجاب، توصلنا إلى الدخول بالتّسور، وخفنا أن يتفاقم الأمر بيننا. فقبل داود عذرهم، وأصغى إلى قولهم. السادسة: قوله تعالى: {خَصْمَانِ} إن قيل: كيف قال: «خَصْمَانِ» وقبل هذا: «إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَاب» فقيل: لأن الاثنين جمع؛ قال الخليل: كما تقول نحن فعلنا إذا كنتما اثنين. وقال الكسائي: جمع لما كان خبراً، فلما انقضى الخبر وجاءت المخاطبة، خبّر الاثنان عن أنفسهما فقالا خصمان. وقال الزجاج: المعنى نحن خصمان. وقال غيره: القول محذوف؛ أي يقول: {خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ} قال الكسائي: ولو كان بغى بعضهما على بعض لجاز. الماوردي: وكانا ملكين، ولم يكونا خصمين ولا باغيين، ولا يتأتى منهما كذب؛ وتقدير كلامهما ما تقول: إن أتاك خصمان قالا بغى بعضنا على بعض. وقيل: أي نحن فريقان من الخصوم بغى بعضنا على بعض. وعلى هذا يحتمل أن تكون الخصومة بين اثنين ومع كل واحد جمع. ويحتمل أن يكون لكل واحد من هذا الفريق خصومة مع كل واحد من الفريق الآخر، فحضروا الخصومات ولكن ابتدأ منهم اثنان، فعرف داود بذكر النكاح القصة. وأغنى ذلك عن التعرّض للخصومات الأخر. والبغي التعدّي والخروج عن الواجب. يقال: بغى الجُرْح إذا أفرط وجعه وترامى إلى ما يفحش، ومنه بغت المرأة إذا أتت الفاحشة. السابعة: قوله تعالى: {فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ} أي لا تَجُرْ؛ قاله السدّي. وحكى أبو عبيد: شططت عليه وأشططت أي جُرت. وفي حديث تميم الدارِيّ: (إنك لشَاطِّي) أي جائر عليّ في الحكم. وقال قتادة: لا تَمِل. الأخفش: لا تُسرِف. وقيل: لا تُفرط. والمعنى متقارب. والأصل فيه البعد من شطتِ الدار أي بعدت؛ شطّتِ الدار تَشِطّ وتَشُطّ شطًّا وشُطوطاً بعدت. وأشطَّ في القضية أي جار، وأَشطّ في السَّوْم واشتط أي أبعد، وأشطُّوا في طلبي أي أمعنوا. قال أبو عمرو: الشطط مجاوزة القدر في كل شيء. وفي الحديث: «حديث : لها مهر مثلها لا وَكْسَ ولا شطط» تفسير : أي لا نقصان ولا زيادة. وفي التنزيل: {أية : لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً}تفسير : [الكهف: 14] أي جوراً من القول وبعداً عن الحق. {وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ} أي أرشدنا إلى قصد السبيل. الثامنة: قوله تعالى: {إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} أي قال الملَكَ الذي تكلم عن أورِيا «إِنَّ هَذَا أَخِي» أي على ديني، وأشار إلى المدّعى عليه. وقيل: أخي أي صاحبي. «لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً» وقرأ الحسن: «تَسْعٌ وَتَسْعُونَ نَعْجَةً» بفتح التاء فيهما وهي لغة شاذة، وهي الصحيحة من قراءة الحسن؛ قاله النحاس. والعرب تكني عن المرأة بالنعجة والشاة؛ لما هي عليه من السكون والمعجَزة وضعف الجانب. وقد يكنى عنها بالبقرة والحِجْرة والناقة؛ لأن الكل مركوب. قال ابن عون:شعر : أنا أبوهنّ ثلاثٌ هُنَّهْ رابعةٌ في البيت صُغْرا هُنَّهْ ونعجتي خمسا تُوفِّيهِنَّهْ أَلاَ فتًى سمحٌ يُغذِّيهِنَّهْ طَيُّ النَّقَا في الجوع يَطْوِيهِنَّهْ ويلُ الرَّغِيف ويلَهُ منْهُنَّهْ تفسير : وقال عنترة:شعر : يا شاةَ ما قَنَصٍ لِمن حَلَّتْ لَهُ حَرُمتْ عليّ وليتَها لم تَحْرُمِ فَبَعَثْتُ جاريتي فقلتُ لها اذْهَبِي فتَجَسَّسِي أخبارَها لي وَاعْلَمِ قالتْ رأيْتُ مِن الأعادي غِرَّةً والشّاةُ مُمْكِنَةٌ لمن هو مُرْتَمِ فكَأَنَّمَا الْتَفَتَتْ بِجيدِ جِدايةٍ رَشَإٍ مِنَ الغِزْلانِ حُرٍّ أَرْثَمِ تفسير : وقال آخر:شعر : فرَمَيْتُ غَفْلَةَ عَيْنِهِ عَنْ شَاتِهِ فَأَصَبْتُ حَبَّةَ قَلْبِها وطِحَالَهَا تفسير : وهذا من أحسن التعريض حيث كنى بالنعاج عن النساء. قال الحسين بن الفضل: هذا من الملكين تعريض وتنبيه كقولهم ضرب زيد عمرا، وما كان ضرب ولا نعاج على التحقيق، كأنه قال: نحن خصمان هذه حالنا. قال أبو جعفر النحاس: وأحسن ما قيل في هذا أن المعنى: يقول: خصمان بغى بعضنا على بعض على جهة المسألة؛ كما تقول: رجل يقول لامرأته كذا؛ ما يجب عليه؟ قلت: وقد تأوّل المزنيّ صاحب الشافعي هذه الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن شهاب الذي خرجه «الموطأ» وغيره: «حديث : هو لكَ يا عبدُ بنَ زَمْعَة» تفسير : على نحو هذا؛ قال المزني: يحتمل هذا الحديث عندي ـ والله أعلم ـ أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أجاب عن المسألة فأعلمهم بالحكم أنّ هذا يكون إذا ادعى صاحب فراش وصاحب زنى، لا أنه قبل على عتبة قول أخيه سعد، ولا على زَمْعَة قول ابنه إنه ولد زنى، لأن كل واحد منهما أخبر عن غيره. وقد أجمع المسلمون أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره. وقد ذكر الله سبحانه في كتابه مثل ذلك في قصة داود والملائكة؛ إذ دخلوا عليه ففزع منهم، قالوا: لا تخف خصمان ولم يكونوا خصمين، ولا كان لواحد منهم تسع وتسعون نعجة، ولكنهم كلموه على المسألة ليعرِف بها ما أرادوا تعريفه. فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم حكم في هذه القصة على المسألة، وإن لم يكن أحد يؤنسني على هذا التأويل في الحديث؛ فإنه عندي صحيح. والله أعلم. التاسعة: قال النحاس: وفي قراءة ابن مسعود «إِنَّ هَذَا أَخِي كَانَ لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى» و«كان» هنا مثل قوله عز وجل: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 96] فأما قوله: «أنثى» فهو تأكيد، كما يقال: هو رجل ذكر وهو تأكيد. وقيل: لما كان يقال هذه مائة نعجة، وإن كان فيها من الذكور شيء يسير، جاز أن يقال: أنثى ليعلم أنه لا ذكر فيها. وفي التفسير: له تسع وتسعون امرأة. قال ابن العربي: إن كان جميعهن أحراراً فذلك شرعه، وإن كنّ إماء فذلك شرعنا. والظاهر أن شرع من تقدم قبلنا لم يكن محصوراً بعدد، وإنما الحصر في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، لضعف الأبدان وقلة الأعمار. وقال القشيري: ويجوز أن يقال: لم يكن له هذا العدد بعينه، ولكن المقصود ضرب مثل، كما تقول: لو جئتني مائة مرة لم أقض حاجتك، أي مراراً كثيرة. قال ابن العربي: قال بعض المفسرين: لم يكن لداود مائة امرأة، وإنما ذكر التسعة والتسعين مثلاً؛ المعنى: هذا غنيّ عن الزوجة وأنا مفتقر إليها. وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن العدول عن الظاهر بغير دليل لا معنى له، ولا دليل يدلّ على أن شرع من قبلنا كان مقصوراً من النساءِ على ما في شرعنا. الثاني: أنه روى البخاري وغيره أن سليمان قال: «لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله ونسي أن يقول إن شاء الله» وهذا نص. العاشرة: قوله تعالى: {وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} أي امرأة واحدة: {فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} أي انزل لي عنها حتى أكفلها. وقال ابن عباس: أعطنيها. وعنه: تحوّل لي عنها. وقاله ابن مسعود. وقال أبو العالية: ضمها إليّ حتى أكفلها. وقال ابن كيسان: اجعلها كِفلي ونصيبي. {وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} أي غلبني. قال الضحاك: إن تكلم كان أفصح مني، وإن حارب كان أبطش مني. يقال: عزّه يَعُزُّه (بضم العين في المستقبل) عَزًّا غلبه. وفي المثل: من عَزَّ بَزَّ؛ أي من غَلَبَ سَلَب. والاسم العزة وهي القوّة والغلبة. قال الشاعر:شعر : قَطاةٌ عَزَّها شَرَكٌ فباتَتْ تُجاذِبهُ وقد عَلِقَ الْجنَاحُ تفسير : وقرأ عبد الله بن مسعود وعبيد بن عمير: «وَعَازَّنِي فِي الْخطَابِ» أي غالبني؛ من المعازَّة وهي المغالبة؛ عازَّهُ أي غالبه. قال ابن العربي: واختلف في سبب الغلبة؛ فقيل: معناه غلبني ببيانه. وقيل: غلبني بسلطانه؛ لأنه لما سأله لم يستطع خلافه. كان ببلادنا أمير يقال له: سير بن أبي بكر فكلمته في أن يسأل لي رجلاً حاجة، فقال لي: أما علمت أن طلب السلطان للحاجة غصب لها. فقلت: أما إذا كان عدلاً فلا. فعجبت من عجمته وحفظه لما تمثل به وفطنته، كما عجب من جوابي له واستغربه. الحادية عشرة: قوله تعالى: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ} قال النحاس: فيقال إن هذه كانت خطيئة داود عليه السلام؛ لأنه قال: لقد ظلمك من غير تثبت ببيّنة، ولا إقرار من الخصم؛ هل كان هذا كذا أو لم يكن. فهذا قول. وسيأتي بيانه في المسألة بعد هذا، وهو حسن إن شاء الله تعالى. وقال أبو جعفر النحاس: فأما قول العلماء الذين لا يدفع قولهم؛ منهم عبد الله بن مسعود وابن عباس، فإنهم قالوا: ما زاد داود صلى الله على نبينا وعليه على أن قال للرجل انزل لي عن امرأتك. قال أبو جعفر: فعاتبه الله عز وجل على ذلك ونبّهه عليه، وليس هذا بكبير من المعاصي، ومن تخطى إلى غير هذا فإنما يأتي بما لا يصح عن عالم، ويلحقه فيه إثم عظيم. كذا قال: في كتاب «إعراب القرآن». وقال: في كتاب «معاني القرآن» له بمثله. قال رضي الله عنه: قد جاءت أخبار وقصص في أمر داود عليه السلام وأوريا، وأكثرها لا يصح ولا يتصل إسناده، ولا ينبغي أن يجترأ على مثلها إلا بعد المعرفة بصحتها. وأصح ما روي في ذلك ما رواه مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: ما زاد داود عليه السلام على أن قال: «أَكْفِلْنِيهَا» أي انزل لي عنها. وروى المنهال عن سعيد بن جبير قال: ما زاد داود صلى الله عليه وسلم على أن قال: «أَكْفِلْنِيهَا» أي تحوّل لي عنها وضمها إليّ. قال أبو جعفر: فهذا أجلّ ما روي في هذا، والمعنى عليه أن داود عليه السلام سأل أوريا أن يطلق امرأته، كما يسأل الرجل الرجل أن يبيعه جاريته، فنبهه الله عز وجل على ذلك، وعاتبه لما كان نبياً وكان له تسع وتسعون أنكر عليه أن يتشاغل بالدنيا بالتزيد منها، فأما غير هذا فلا ينبغي الاجتراء عليه. قال ابن العربي: وأما قولهم إنها لما أعجبته أمر بتقديم زوجها للقتل في سبيل الله فهذا باطل قطعاً؛ فإن داود صلى الله عليه وسلم لم يكن ليريق دمه في غرض نفسه، وإنما كان من الأمر أن داود قال لبعض أصحابه: انزل لي عن أهلك وعزم عليه في ذلك، كما يطلب الرجل من الرجل الحاجة برغبة صادقة؛ كانت في الأهل أو في المال. وقد قال سعيد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف حين آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما: إن لي زوجتين أنزل لك عن أحسنهما؛ فقال له: بارك الله لك في أهلك. وما يجوز فعله ابتداء يجوز طلبه، وليس في القرآن أن ذلك كان، ولا أنه تزوجها بعد زوال عصمة الرجل عنها، ولا ولادتها لسليمان، فعمن يروى هذا ويسند؟ٰ وعلى من في نقله يعتمد، وليس يأثره عن الثقات الأثبات أحد. أما أن في سورة «الأحزاب» نكتة تدل على أن داود قد صارت له المرأة زوجة، وذلك قوله: {أية : مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ}تفسير : [الأحزاب: 38] يعني في أحد الأقوال: تزويج داود المرأة التي نظر إليها، كما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش؛ إلا أن تزويج زينب كان من غير سؤال للزوج في فراق، بل أمره بالتمسك بزوجته، وكان تزويج داود للمرأة بسؤال زوجها فراقها. فكانت هذه المنقبة لمحمد صلى الله عليه وسلم على داود مضافة إلى مناقبه العلية صلى الله عليه وسلم. ولكن قد قيل: إن معنى {أية : سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} تفسير : [الأحزاب: 62] تزويج الأنبياء بغير صداق من وهبت نفسها لهم من النساء بغير صداق. وقيل: أراد بقوله: {أية : سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} تفسير : [الأحزاب: 62] أن الأنبياء صلوات الله عليهم فرض لهم ما يمتثلونه في النكاح وغيره. وهذا أصح الأقوال. وقد روى المفسرون أن داود عليه السلام نكح مائة امرأة؛ وهذا نص القرآن. وروي أن سليمان كانت له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة جارية؛ وربك أعلم. وذكر الكيا الطبري في أحكامه في قول الله عز وجل: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } الآية: ذكر المحققون الذين يرون تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن الكبائر، أن داود عليه السلام كان قد أقدم على خِطبة امرأة قد خطبها غيره، يقال: هو أوريا؛ فمال القوم إلى تزويجها من داود راغبين فيه، وزاهدين في الخاطب الأوّل، ولم يكن بذلك داود عارفاً، وقد كان يمكنه أن يعرف ذلك فيعدل عن هذه الرغبة، وعن الخطبة بها فلم يفعل ذلك، من حيث أعجب بها إما وصفاً أو مشاهدةً على غير تعمد؛ وقد كان لداود عليه السلام من النساء العدد الكثير، وذلك الخاطب لا امرأة له، فنبهه الله تعالى على ما فعل بما كان من تسوّر الملَكَين، وما أورداه من التمثيل على وجه التعريض؛ لكي يفهم من ذلك موقع العتب فيعدل عن هذه الطريقة، ويستغفر ربه من هذه الصغيرة. الثانية عشرة: قوله تعالى: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ} فيه الفتوى في النازلة بعد السماع من أحد الخصمين، وقبل أن يسمع من الآخر بظاهر هذا القول. قال ابن العربي: وهذا مما لا يجوز عند أحد، ولا في ملّة من الملل، ولا يمكن ذلك للبشر. وإنما تقدير الكلام أن أحد الخصمين ادعى والآخر سلّم في الدعوى، فوقعت بعد ذلك الفتوى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر»تفسير : وقيل: إن داود لم يقض للآخر حتى اعترف صاحبه بذلك. وقيل: تقديره لقد ظلمك إن كان كذلك. والله أعلم بتعيين ما يمكن من هذه الوجوه. قلت: ذكر هذين الوجهين القشيري والماورديّ وغيرهما. قال القشيري: وقوله: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ} من غير أن يسمع كلام الخصم مشكل؛ فيمكن أن يقال: إنما قال هذا بعد مراجعة الخصم الآخر وبعد اعترافه. وقد روي هذا وإن لم تثبت روايته، فهذا معلوم من قرائن الحال، أو أراد لقد ظلمك إن كان الأمر على ما تقول، فسكّته بهذا وصبره إلى أن يسأل خصمه. قال ويحتمل أن يقال: كان من شرعهم التعويل على قول المدّعي عند سكوت المدّعى عليه، إذا لم يظهر منه إنكار بالقول. وقال الحليمي أبو عبد الله في كتاب منهاج الدين له: ومما جاء في شكر النعمة المنتظرة إذا حضرت، أو كانت خافية فظهرت: السجود لله عز وجل. قال والأصل في ذلك قوله عز وجل: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ} إلى قوله: {وَحُسْنَ مَـآبٍ}. أخبر الله عز وجل عن داود عليه السلام: أنه سمع قول المتظلم من الخصمين، ولم يخبر عنه أنه سأل الآخر، إنما حكى أنه ظلمه، فكان ظاهر ذلك أنه رأى في المتكلم مخائل الضعف والهضيمة، فحمل أمره على أنه مظلوم كما يقول، ودعاه ذلك إلى ألاّ يسأل الخصم؛ فقال له مستعجلاً: «لَقَدْ ظَلَمَكَ» مع إمكان أنه لو سأله لكان يقول: كانت لي مائة نعجة ولا شيء لهذا، فسرق مني هذه النعجة، فلما وجدتها عنده قلت له ارددها، وما قلت له أكفلنيها، وعلم أني مرافعه إليك، فجرّني قبل أن أجرّه، وجاءك متظلماً من قبل أن أحضره، لتظنّ أنه هو المحق وأني أنا الظالم. ولما تكلم داود بما حملته العجلة عليه، علم أن الله عز وجل خلاه ونفسه في ذلك الوقت، وهو الفتنة التي ذكرناها، وأن ذلك لم يكن إلا عن تقصير منه، فاستغفر ربه وخَرَّ راكعاً لله تعالى شكراً على أن عصمه، بأن اقتصر على تظليم المشكو، ولم يزده على ذلك شيئاً من انتهار أو ضرب أو غيرهما، مما يليق بمن تصوّر في القلب أنه ظالم، فغفر الله له ثم أقبل عليه يعاتبه؛ فقال: «يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» فبان بما قصه الله تعالى من هذه الموعظة، التي توخاه بها بعد المغفرة، أن خطيئته إنما كانت التقصيرَ في الحكم، والمبادرةَ إلى تظليم من لم يثبت عنده ظلمه. ثم جاء عن ابن عباس أنه قال: سجدها داود شكراً، وسجدها النبي صلى الله عليه وسلم اتباعاً، فثبت أن السجود للشكر سنة متواترة عن الأنبياء صلوات الله عليهم. {بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ} أي بسؤاله نعجتك؛ فأضاف المصدر إلى المفعول، وألقى الهاء من السؤال؛ وهو كقوله تعالى: {أية : لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ} تفسير : [فصلت: 49] أي من دعائه الخير. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ} يقال: خلِيط وخلطاء، ولا يقال طويل وطولاء؛ لثقل الحركة في الواو. وفيه وجهان: أحدهما أنهما الأصحاب. الثاني أنهما الشركاء. قلت: إطلاق الخلطاء على الشركاء فيه بعد، وقد اختلف العلماء في صفة الخلطاء، فقال أكثر العلماء: هو أن يأتي كل واحد بغنمه فيجمعهما راع واحد والدّلو والمراح. وقال طاوس وعطاء: لا يكون الخلطاء إلا الشركاء. وهذا خلاف الخبر؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يُجْمع بين متفرّق ولا يفَرّق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» وروي «فإنهما يترادّان الفضل»تفسير : ولا موضع لتراد الفضل بين الشركاء؛ فاعلمه. وأحكام الخلطة مذكورة في كتب الفقه. ومالك وأصحابه وجمع من العلماء لا يرون (الصدقة) على من ليس في حصته ما تجب فيه الزكاة. وقال الربيع والليث وجمع من العلماء منهم الشافعي: إذا كان في جميعها ما تجب فيه الزكاة أخذت منهم الزكاة. قال مالك: وإن أخذ المصَّدِّق بهذا ترادّوا بينهم للاختلاف في ذلك، وتكون كحكم حاكم اختلف فيه. الرابعة عشرة: قوله تعالى: {لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي يتعدّى ويظلم. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} فإنهم لا يظلمون أحداً. {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} يعني الصالحين، أي وقليل هم فـ«ـما» زائدة. وقيل: بمعنى الذين وتقديره وقليل الذين هم. وسمع عمر رضي الله عنه رجلاً يقول في دعائه: اللهم اجعلني من عبادك القليل. فقال له عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال أردت قول الله عز وجل: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} فقال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر! الخامسة عشرة: قوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} أي ابتليناه. «وَظَنَّ» معناه أيقن. قال أبو عمرو والفراء: ظن بمعنى أيقن، إلا أن الفراء شرحه بأنه لا يجوز في المعاين أن يكون الظن إلا بمعنى اليقين. والقراءة «فَتَنَّاهُ» بتشديد النون دون التاء. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه «فَتَّنَّاهُ» بتشديد التاء والنون على المبالغة. وقرأ قتادة وعبيد بن عمير وابن السَّمَيْقَع «فَتَنَاهُ» بتخفيفهما. ورواه علي بن نصر عن أبي عمرو، والمراد به الملَكَان اللذان دخلا على داود عليه السلام. السادسة عشرة: قيل: لما قضى داود بينهما في المسجد، نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك، فلم يفطن داود؛ فأحبَّا أن يعرفهما، فصعدا إلى السماء حِيال وجهه، فعلم داود عليه السلام أن الله تعالى ابتلاه بذلك، ونبهه على ما ابتلاه. قلت: وليس في القرآن ما يدل على القضاء في المسجد إلا هذه الآية، وبها استدل من قال بجواز القضاء في المسجد، ولو كان ذلك لا يجوز كما قال الشافعي لما أقرَّهم داود على ذلك. ويقول: انصرفا إلى موضع القضاء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء يقضون في المسجد، وقد قال مالك: القضاء في المسجد من الأمر القديم. يعني في أكثر الأمور. ولا بأس أن يجلس في رحبته؛ ليصل إليه الضعيف والمشرك والحائض، ولا يقيم فيه الحدود؛ ولا بأس بخفيف الأدب. وقد قال أشهب: يقضي في منزله وأين أحب. السابعة عشرة: قال مالك رحمه الله: وكان الخلفاء يقضون بأنفسهم، وأوّل من استقضى معاوية. قال مالك: وينبغي للقضاة مشاورة العلماء. وقال عمر بن عبد العزيز: لا يستقضي حتى يكون عالماً بآثار من مضى، مستشيراً لذوي الرأي، حليماً نزها. قال: ويكون ورعاً. قال مالك: وينبغي أن يكون متيقظاً كثير التحذر من الحيل، وأن يكون عالماً بالشروط، عارفاً بما لا بُدَّ له منه من العربية؛ فإن الأحكام تختلف باختلاف العبارات والدعاوى والإقرارات والشهادات والشروط التي تتضمن حقوق المحكوم له. وينبغي له أن يقول قبل إنجاز الحكم للمطلوب: أبقيت لك حجة؟ فإن قال لا حكم عليه، ولا يقبل منه حجة بعد إنفاذ حكمه إلا أن يأتي بما له وجه أو بينة. وأحكام القضاء والقضاة فيما لهم وعليهم مذكورة في غير هذا الموضع. الثامنة عشرة: قوله تعالى: {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} اختلف المفسرون في الذنب الذي استغفر منه على أقوال ستة: الأوّل أنه نظر إلى المرأة حتى شبع منها. قال سعيد بن جبير: إنما كانت فتنته النظرة. قال أبو إسحاق: ولم يتعمد داود النظر إلى المرأة لكنه عاود النظر إليها، فصارت الأولى له والثانية عليه. الثاني أنه أغزى زوجها في حملة التابوت. الثالث أنه نوى إن مات زوجها أن يتزوجها. الرابع أن أوريا كان خطب تلك المرأة، فلما غاب خطبها داود فزوِّجت منه لجلالته، فاغتم لذلك أوريا، فعتب الله على داود إذ لم يتركها لخاطبها، وقد كان عنده تسع وتسعون امرأة. الخامس أنه لم يجزع على قتل أوريا، كما كان يجزع على من هلك من الجند، ثم تزوج امرأته، فعاتبه الله تعالى على ذلك؛ لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند الله. السادس أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر. قال القاضي ابن العربي: أما قول من قال: إنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر فلا يجوز على الأنبياء، وكذلك تعريض زوجها للقتل. وأما من قال: إنه نظر إليها حتى شبع فلا يجوز ذلك عندي بحال؛ لأن طموح النظر لا يليق بالأولياء المتجردين للعبادة، فكيف بالأنبياء الذين هم وسائط الله المكاشفون بالغيب! وحكى السديّ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لو سمعت رجلاً يذكر أن داود عليه السلام قارف من تلك المرأة محرَّماً لجلدته ستين ومائة؛ لأن حدّ (قاذف) الناس ثمانون وحدّ (قاذف) الأنبياء ستون ومائة. ذكره الماوردي والثعلبي أيضاً. قال الثعلبي: وقال الحارث الأعور عن عليّ: من حدّث بحديث داود على ما ترويه القصاص معتقداً جلدته حدّين؛ لعظم ما ارتكب برمي من قد رفع الله محله، وارتضاه من خلقه رحمة للعالمين، وحجة للمجتهدين. قال ابن العربي: وهذا مما لم يصح عن عليّ. فإن قيل: فما حكمه عندكم؟ قلنا: أما من قال إن نبيًّا زنى فإنه يقتل، وأما من نسب إليه ما دون ذلك من النظر والملامسة، فقد اختلف (نقل) الناس في ذلك؛ فإن صمم أحد على ذلك فيه ونسبه إليه قتلته، فإنه يناقض التعزير المأمور به، فأما قولهم: إنه وقع بصره على امرأة تغتسل عريانة، فلما رأته أسبلت شعرها فسترت جسدها، فهذا لا حرج عليه فيه بإجماع من الأمة؛ لأن النظرة الأولى تكشف المنظور إليه ولا يأثم الناظر بها، فأما النظرة الثانية فلا أصل لها. وأما قولهم: إنه (نوى) إن مات زوجها تزوجها فلا شيء فيه إذ لم يعرّضه للموت. وأما قولهم: إنه خطب على خطبة أوريا فباطل يردّه القرآن والآثار التفسيرية كلها. وقد روى أشهب عن مالك قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريباً من داود عليه السلام وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها فكانت قرب يده، ثم صنع مثل ذلك مرتين، ثم طارت واتبعها ببصره فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغتسل ولها شعر طويل؛ فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموع عينيه. قال ابن العربي: وأما قول المفسرين إن الطائر درج عنده فهمّ بأخذه واتبعه فهذا لا يناقض العبادة؛ لأنه مباح فعله، لاسيما وهو حلال وطلب الحلال فريضة، وإنما اتبع الطير لذاته لا لجماله فإنه لا منفعة له فيه، وإنما ذِكرهم لحسن الطائر خرقٌ في الجهالة. أما أنه روي أنه كان طائراً من ذهب فاتبعه ليأخذه؛ لأنه من فضل الله سبحانه وتعالى كما روي في الصحيح: حديث : «إن أيوب عليه السلام كان يغتسل عرياناً فخرَّ عليه رِجل من جراد (من ذهب) فجعل يحثي منه ويجعل في ثوبه؛ فقال الله تعالى له: «يا أيوب ألم أكن أغنيتك» قال: «بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك»تفسير : . وقال القشيري: فهمّ داود بأن يأخذه ليدفعه إلى ابن له صغير فطار ووقع على كُوّة البيت، وقاله الثعلبي أيضاً وقد تقدّم. التاسعة عشرة: قوله تعالى: {وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} أي خر ساجداً، وقد يعبر عن السجود بالركوع. قال الشاعر:شعر : فخرّ على وَجهِه راكِعاً وتابَ إلى الله مِنْ كُلِّ ذنب تفسير : قال ابن العربي: لا خلاف بين العلماء أن المراد بالركوع هاهنا السجود؛ فإن السجود هو الميل، والركوع هو الانحناء، وأحدهما يدخل على الآخر، ولكنه قد يختص كل واحد بهيئته، ثم جاء هذا على تسمية أحدهما بالآخر، فسمى السجود ركوعاً. وقال المهدوي: وكان ركوعهم سجوداً. وقيل: بل كان سجودهم ركوعاً. وقال مقاتل: فوقع من ركوعه ساجداً لله عز وجل. أي لما أحس بالأمر قام إلى الصلاة، ثم وقع من الركوع إلى السجود؛ لاشتمالهما جميعاً على الانحناء. {وَأَنَابَ} أي تاب من خطيئته ورجع إلى الله. وقال الحسين بن الفضل: سألني عبد الله بن طاهر وهو الوالي عن قول الله عز وجل: {وَخَرَّ رَاكِعاً} فهل يقال للراكع خَرَّ؟. قلت: لا. قال: فما معنى الآية؟ قلت: معناها فخرّ بعد أن كان راكعاً أي سجد. الموفية عشرين: واختلف في سجدة داود هل هي من عزائم السجود المأمور به في القرآن أم لا؟ فروى أبو سعيد الخدري: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر {صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ } فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأ بها فتَشَزَّنَ الناس للسجود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنها توبة نبيّ ولكني رأيتكم تَشَزَّنتم للسجود»تفسير : ونزل وسجد. وهذا لفظ أبي داود. وفي البخاري وغيره عن ابن عباس أنه قال: «صۤ» ليست من عزائم القرآن، وقد رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. وقد روي من طريق عن ابن مسعود أنه قال: «صۤ» توبة نبيّ ولا يسجد فيها؛ وعن ابن عباس أنها توبة نبيّ ونبيكم ممن أمر أن يقتدى به. قال ابن العربي: والذي عندي أنها ليست موضع سجود، ولكن النبيّ صلى الله عليه وسلم سجد فيها فسجدنا بالاقتداء به. ومعنى السجود أن داود سجد خاضعاً لربه، معترفاً بذنبه، تائباً من خطيئته؛ فإذا سجد أحد فيها فليسجد بهذه النية، فلعل الله أن يغفر له بحرمة داود الذي اتبعه، وسواء قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ فإن هذا أمر مشروع في كل أمة لكل أحد. والله أعلم. الحادية والعشرون: قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: قوله: {وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} فيه دلالة على أن السجود للشكر مفرداً لا يجوز؛ لأنه ذكر معه الركوع؛ وإنما الذي يجوز أن يأتي بركعتين شكراً فأما سجدة مفردة فلا؛ وذلك أن البشارات كانت تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده، فلم ينقل عن أحد منهم أنه سجد شكراً، ولو كان ذلك مفعولاً لهم لنقل نقلاً متظاهراً لحاجة العامة إلى جوازه وكونه قربة. قلت: وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى يوم بُشِّر برأس أبي جهل ركعتين. وخرّج من حديث أبي بكرة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسرّه ـ أو يسّر به ـ خر ساجداً شكراً لله. وهذا قول الشافعي وغيره. الثانية والعشرون: روى الترمذي وغيره واللفظ للغير: أن رجلاً من الأنصار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل يستتر بشجرة وهو يقرأ: {صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ } فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً. قلت: خرّج ابن ماجه في سننه عن ابن عباس قال: كنت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل فقال: إني رأيت البارحة فيما يرى النائم، كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة (فسجدت) فسجدتْ الشجرة لسجودي، فسمعتها تقول: اللهم احطط بها عني وزراً، واكتب لي بها أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً. قال ابن عباس: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ «السجدة» فسجد، فسمعته يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة. ذكره الثعلبي حديث : عن أبي سعيد الخدري؛ قال: قلت يا رسول الله رأيتُني في النوم كأني تحت شجرة والشجرة تقرأ «صۤ» فلما بلغت السجدة سجدتْ فيها، فسمعتها تقول في سجودها: اللهم اكتب لي بها أجراً، وحط عني بها وزراً، وارزقني بها شكراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته، فقال لي النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أفسجدت أنت يا أبا سعيد» فقلت: لا والله يا رسول الله. فقال: «لقد كنت أحق بالسجود من الشجرة» ثم قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم «صۤ» حتى بلغ السجدة فسجد، ثم قال مثل ما قالت الشجرة.تفسير : الثالثة والعشرون: قوله تعالى: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} أي فغفرنا له ذنبه. قال ابن الأنباري: «فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ» تام، ثم تبتدىء «وَإِنَّ لَهُ» وقال القشيري: ويجوز الوقف على «فَغَفَرْنَا لَهُ» ثم تبتدىء «ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ» كقوله: {أية : هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ} تفسير : [صۤ: 55] أي الأمر ذلك. وقال عطاء الخراساني وغيره: إن داود سجد أربعين يوماً حتى نبت المرعى حول وجهه وغمر رأسه، فنودي: أجائع فتطعَم أو عارٍ فتكسَى؛ فَنَحب نحبة هاج المرعى من حرّ جوفه، فغفِر له وستر بها. فقال: يا رب هذا ذنبي فيما بيني وبينك قد غفرته، وكيف بفلان وكذا وكذا رجلاً من بني إسرائيل، تركت أولادهم أيتاما، ونساءهم أرامل؟ قال: يا داود لا يجاوزني يوم القيامة ظلم أمكنه منك ثم أستوهبك منه بثواب الجنة. قال: يا رب هكذا تكون المغفرة الهينة. ثم قيل: يا داود ارفع رأسك. فذهب ليرفع رأسه فإذا به قد نَشِب في الأرض، فأتاه جبريل فاقتلعه عن وجه الأرض كما يقتلع من الشجرة صمغها. رواه الوليد بن مسلم عن ابن جابر عن عطاء. قال الوليد: وأخبرني مُنِير بن الزبير، قال: فلزق مواضع مساجده على الأرض من فروة وجهه ما شاء الله. قال الوليد قال ابن لهيعة: فكان يقول في سجوده سبحانك هذا شرابي دموعي، وهذا طعامي في رماد بين يدي. في رواية: إنه سجد أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة، فبكى حتى نبت العُشْب من دموعه. وروي مرفوعاً من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن داود مكث أربعين ليلة ساجداً حتى نبت العشب من دموعه على رأسه وأكلت الأرض من جبينه وهو يقول في سجوده: يا رب داود زلّ زلّة بَعُد بها ما بين المشرق والمغرب ربّ إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثاً في الخلق من بعده فقال له جبريل بعد أربعين سنة يا داود إن الله قد غفر لك الهَمّ الذي هممت به»تفسير : وقال وهب: إن داود عليه السلام نودي إني قد غفرت لك. فلم يرفع رأسه حتى جاءه جبريل فقال: لم لا ترفع رأسك وربك قد غفر لك؟ قال: يا رب كيف وأنت لا تظلم أحداً. فقال الله لجبريل: اذهب إلى داود فقل له يذهب إلى قبر أوريا فيتحلل منه، فأنا أسمعه نداءه. فلبس داود المسوح وجلس عند قبر أوريا، ونادى يا أوريا فقال: لبيك! من هذا الذي قطع عليّ لذتي وأيقظني؟ فقال: أنا أخوك داود أسألك أن تجعلني في حلٍّ فإني عرّضتك للقتل؛ قال: عرضتني للجنة فأنت في حلّ. وقال الحسن وغيره: كان داود عليه السلام بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين، ويقول: تعالوا إلى داود الخطَّاء، ولا يشرب شراباً إلا مزجه بدموع عينيه. وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قَصْعة فلا يزال يبكي حتى يبتل بدموعه، وكان يذرّ عليه الرماد والملح فيأكل ويقول: هذا أكل الخاطئين. وكان قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر، ثم صام بعده الدهر كله وقام الليل كله. وقال: يا رب اجعل خطيئتي في كفي فصارت خطيئته منقوشة في كفه. فكان لا يبسطها لطعام ولا شراب ولا شيء إلا رآها فأبكته، وإن كان ليؤتى بالقدح ثلثاه ماء، فإذا تناوله أبصر خطيئته فما يضعه عن شفته حتى يفيض من دموعه. وروى الوليد بن مسلم: حّدثني أبو عمرو الأوزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما مثل عيني داود مثل القِربتين تَنْطُفان ولقد خدّد الدموع في وجه داود خديد الماء في الأرض»تفسير : . قال الوليد: وحدّثنا عثمان بن أبي العاتكة أنه كان في قول داود إذ هو خلوٌ من الخطيئة شدّة قوله في الخطائين أن كان يقول: اللهم لا تغفر للخطائين. ثم صار إلى أن يقول: اللهم رب اغفر للخاطئين لكي تغفر لداود معهم؛ سبحان خالق النور. إلهي! خرجت أسأل أطباء عبادك أن يداووا خطيئتي فكلهم عليك يدلني. إِلهي! أخطأت خطيئة قد خفت أن تجعل حصادها عذابك يوم القيامة إن لم تغفرها؛ سبحان خالق النور. إلهي! إذا ذكرت خطيئتي ضاقت الأرض برحْبها عليّ، وإذا ذكرت رحمتك ارتد إليّ روحي. وفي الخبر: أن داود عليه السلام كان إذا علا المنبر رفع يمينه فاستقبل بها الناس ليريهم نقش خطيئته؛ فكان ينادي: إِلهي! إذا ذكرت خطيئتي ضاقت عليّ الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتد إليّ روحي؛ رب اغفر للخاطئين كي تغفر لداود معهم. وكان يقعد على سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد، فكانت تستنقع دموعه تحت رجليه حتى تنفذ من الأفرشة كلها. وكان إذا كان يوم نَوْحه نادى مناديه في الطرق والأسواق والأودية والشّعاب وعلى رؤوس الجبال وأفواه الغيران: ألا إن هذا يوم نوحِ داود، فمن أراد أن يبكي على ذنبه فليأت داود فيسعده؛ فيهبط السياح من الغيران والأودية، وترتج الأصوات حول منبره والوحوش والسباع والطير عُكَّفٌ؛ وبنو إسرائيل حول منبره، فإذا أخذ في العويل والنوح، وأثارت الحرقات منابع دموعه، صارت الجماعة ضجة واحدة نوحاً وبكاء، حتى يموت حول منبره بشر كثير في مثل ذلك اليوم. ومات داود عليه السلام فيما قيل يوم السبت فجأة؛ أتاه مَلَك الموت وهو يصعد في محرابه وينزل؛ فقال: جئت لأقبض روحك. فقال: دعني حتى أنزل أو أرتقي. فقال: مالي إلى ذلك سبيل؛ نفدت الأيام والشهور والسنون والآثار والأرزاق، فما أنت بمؤثر بعدها أثراً. قال: فسجد داود على مرقاة من الدرج فقبض نفسه على تلك الحال. وكان بينه وبين موسى عليهما السلام خمسمائة وتسع وتسعون سنة. وقيل: تسع وسبعون، وعاش مائة سنة، وأوصى إلى ابنه سليمان بالخلافة. الرابعة والعشرون: قوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ} قال محمد بن كعب ومحمد بن قيس: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ} قربة بعد المغفرة. {وَحُسْنَ مَـآبٍ} قالا: والله إن أوّل من يشرب الكأس يوم القيامة داود. وقال مجاهد عن عبد الله بن عمر: الزلفى الدنو من الله عز وجل يوم القيامة. وعن مجاهد: يبعث داود يوم القيامة وخطيئته منقوشة في يده: فإذا رأى أهاويل يوم القيامة لم يجد منها محرزاً إلا أن يلجأ إلى رحمة الله تعالى. قال: ثم يرى خطيئته فيقلق فيقال له هاهنا؛ ثم يرى فيقلق فيقال له هاهنا، ثم يرى فيقلق فيقال له هاهنا؛ (حتى يقرّب فيسكن) فذلك قوله عز وجل: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ} ذكره الترمذي الحكيم. قال: حدّثنا الفضل بن محمد، قال حدّثنا عبد الملك بن الأصبغ قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال حدّثنا إبراهيم بن محمد الفزاري عن عبد الملك بن أبي سليمان عن مجاهد فذكره. قال الترمذي: ولقد كنت أمر زماناً طويلاً بهذه الآيات فلا ينكشف لي المراد والمعنى من قوله: {أية : رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا}تفسير : [صۤ: 16] والقِط الصحيفة في اللغة؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا عليهم {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } تفسير : [الانشقاق: 7]: وقال لهم: «إنكم ستجدون هذا كله في صحائفكم تعطونها بشمائلكم» فقالوا: «رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا» أي صحيفتنا «قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ» قال الله تعالى: {أية : ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ}تفسير : [صۤ: 17] فقص قصة خطيئته إلى منتهاها، فكنت أقول: أمره بالصبر على ما قالوا، وأمره بذكر داود فأي شيء أريد من هذا الذكر؟ وكيف اتصل هذا بذاك؟ فلا أقف على شيء يسكن قلبي عليه، حتى هداني الله يوماً فألهمته أن هؤلاء أنكروا قول أنهم يعطون كتبهم بشمائلهم، فيها ذنوبهم وخطاياهم استهزاء بأمر الله؛ وقالوا: «رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ» فأوجعه ذلك من استهزائهم، فأمره بالصبر على مقالتهم، وأن يذكر عبده داود؛ سأل تعجيل خطيئته أن يراها منقوشة في كفه، فنزل به ما نزل من أنه كان إذا رآها اضطرب وامتلأ القدح من دموعه، وكان إذا رآها بكى حتى تنفذ سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد، فإنما سألها بعد المغفرة وبعد ضمان تبعة الخصم، وأن الله تبارك وتعالى اسمه يستوهبه منه، وهو حبيبه ووليه وصفيه؛ فرؤية نقش الخطيئة بصورتها مع هذه المرتبة صنعت به هكذا، فكيف كان يحلّ بأعداء الله وبعصاته من خلقه وأهل خزيه، لو عجلت لهم صحائفهم فنظروا إلى صورة تلك الخطايا التي عملوها على الكفر والجحود، وماذا يحل بهم إذا نظروا إليها في تلك الصحائف، وقد أخبر الله عنهم فقال: {أية : فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} تفسير : [الكهف: 49] فداود صلوات الله عليه مع المغفرة والبشرى والعطف لم يقم لرؤية صورتها. وقد روينا في الحديث: إذا رآها يوم القيامة منقوشة في كفه قلق حتى يقال له هاهنا، ثم يرى فيقلق ثم يقال هاهنا، ثم يرى فيقلق حتى يُقرِّب فيسكن.

البيضاوي

تفسير : {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا ٱلْخَصْمِ } استفهام معناه التعجيب والتشويق إلى استماعه، والخصم في الأصل مصدر ولذلك أطلق على الجمع. {إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } إذ تصعدوا سورة الغرفة،تفعل من السور كتسنم من السنام، وإذ متعلق بمحذوف أي نبأ تحاكم الخصم {إِذْ تَسَوَّرُواْ }، أو بالنبأ على أن المراد به الواقع في عهد داوود عليه الصلاة والسلام، وأن إسناد أتى إليه على حذف مضاف أي قصة نبأ الخصم لما فيه من معنى الفعل لا بأتى لأن إتيانه الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن حينئذ {وَإِذْ } الثانية في {إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ } بدل من الأولى أو ظرف لـ {تَسَوَّرُواْ }. {فَفَزِعَ مِنْهُمْ } نزلوا عليه من فوق في يوم الاحتجاب والحرس على الباب لا يتركون من يدخل عليه، فإنه عليه الصلاة والسلام كان جزأ زمانه: يوماً للعبادة، ويوماً للقضاء، ويوماً للوعظ، ويوماً للاشتغال بخاصته، فتسور عليه ملائكة على صورة الإِنسان في يوم الخلوة. {قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ } نحن فوجان متخاصمان على تسمية مصاحب الخصم خصماً. {بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ } وهو على الفرض وقصد التعريض إن كانوا ملائكة وهو المشهور. {فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقّ وَلاَ تُشْطِطْ } ولا تجر في الحكومة، وقرىء «وَلاَ تُشْطِطْ» أي ولا تبعد عن الحق ولا تشطط ولا تشاط، والكل من معنى الشطط وهو من مجاوزة الحد. {وَٱهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاء ٱلصّرٰطِ } أي إلى وسطه وهو العدل. {إِنَّ هَذَا أَخِى} بالدين أو بالصحبة. {لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِى نَعْجَةٌ وٰحِدَةٌ } هي الأنثى من الضأن وقد يكنى بها عن المرأة، والكناية والتمثيل فيما يساق للتعريض أبلغ في المقصود، وقرىء«تِسْعٌ وَتِسْعُونَ» بفتح التاء ونعجة بكسر النون، وقرأ حفص بفتح ياء {لِى نَعْجَةً}. {فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} ملكنيها وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، وقيل اجعلها كفلي أي نصيبي. {وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ } وغلبني في مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج لم أقدر على رده، أو في مغالبته إياي في الخطبة يقال: خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني خطاباً حيث زوجها دوني، وقرىء «وعازني» أي غالبني «وعزني» على تخفيف غريب. {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ} جواب قسم محذوف قصد به المبالغة في إنكار فعل خليطه وتهجين طمعه ولعله قال ذلك بعد اعترافه، أو على تقدير صدق المدعي والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله وتعديته إلى مفعول آخر بإلى لتضمنه معنى الإِضافة. {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلْخُلَطَاءِ} الشركاء الذين خلطوا أموالهم جمع خليط {لَيَبْغِى } ليتعدى. {بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} وقرىء بفتح الياء على تقدير النون الخفيفة وحذفها كقوله: شعر : اضْرُبْ عَنْكَ الهُمُومِ طَارِقُهَاتفسير : وبحذف الياء اكتفاء بالكسرة. {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } أي وهم قليل، و {مَا} مزيدة للإبهام والتعجب من قلتهم. {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ } ابتليناه بالذنب أو امتحناه بتلك الحكومة هل يتنبه بها. {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ } لذنبه. {وَخَرَّ رَاكِعاً } ساجداً على تسمية السجود ركوعاً لأنه مبدؤه، أو خر للسجود راكعاً أي مصلياً كأنه أحرم بركعتي الاستغفار. {وَأَنَابَ } ورجع إلى الله بالتوبة، وأقصى ما في هذه القضية الإِشعار بأنه عليه الصلاة والسلام ود أن يكون له ما لغيره، وكان له أمثاله فنبهه الله بهذه القصة فاستغفر وأناب عنه. وما روي أن بصره وقع على امرأة فعشقها وسعى حتى تزوجها ولدت منه سليمان، إن صح فلعله خطب مخطوبته أو استنزله عن زوجته، وكان ذلك معتاداً فيما بينهم وقد واسى الأنصار المهاجرين بهذا المعنى. وما قيل إنه أرسل أوريا إلى الجهاد مراراً وأمر أن يقدم حتى قتل فتزوجها هزء وافتراء، ولذلك قال علي رضي الله عنه: من حدث بحديث داوود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين. وقيل إن قوماً قصدوا أن يقتلوه فتسوروا المحراب ودخلوا عليه فوجدوا عنده أقواماً فتصنعوا بهذا التحاكم فعلم غرضهم وأراد أن ينتقم منهم، فظن أن ذلك ابتلاء من الله له {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} مما هم به {وَأَنَابَ}. {فَغَفَرْنَا لَهُ ذٰلِكَ } أي ما استغفر عنه. {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ} لقربة بعد المغفرة. {وَحُسْنَ مَـئَابٍ} مرجع في الجنة. {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ} استخلفناك على الملك فيها، أو جعلناك خليفة ممن قبلك من الأنبياء القائمين بالحق. {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقّ } بحكم الله. {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ } ما تهوى النفس، وهو يؤيد ما قيل إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي وتظليم الآخر قبل مسألته. {فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } دلائله التي نصبها على الحق. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ } بسبب نسيانهم وهو ضلالهم عن السبيل، فإن تذكره يقتضي ملازمة الحق ومخالفة الهوى. {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاءَ وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً } لا حكمة فيه، أو ذوي باطل بمعنى مبطلين عابثين كقوله: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ}تفسير : [الدخان: 38] أو للباطل الذي هو متابعة الهوى، بل للحق الذي هو مقتضى الدليل من التوحيد والتدرع بالشرع كقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] على وضعه موضع المصدر مثل هنيئاً {ذٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الإِشارة إلى خلقها باطلاً والظن بمعنى المظنون. {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ } بسبب هذا الظن.

ابن كثير

تفسير : قد ذكر المفسرون ها هنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم حديثاً لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه، ويزيد وإن كان من الصالحين، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يرد علمها إلى الله عز وجل؛ فإن القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضاً. وقوله تعالى: {فَفَزِعَ مِنْهُمْ} إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه، وهو أشرف مكان في داره، وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم، فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب، أي: احتاطا به، يسألانه عن شأنهما. وقوله عز وجل: {وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ} أي: غلبني، يقال: عز يعز إذا قهر وغلب. وقوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي: اختبرناه. وقوله تعالى: {وَخَرَّ رَاكِعاً} أي: ساجداً {وَأَنَابَ} ويحتمل أنه ركع أولاً، ثم سجد بعد ذلك، وقد ذكر أنه استمر ساجداً أربعين صباحاً {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ} أي: ما كان منه مما يقال فيه: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد اختلف الأئمة في سجدة {صۤ} هل هي من عزائم السجود؟ على قولين، الجديد من مذهب الشافعي رضي الله عنه أنها ليست من عزائم السجود، بل هي سجدة شكر، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا إسماعيل، هو ابن علية، عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: السجدة في {صۤ} ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. ورواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في تفسيره من حديث أيوب به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال النسائي أيضاً عند تفسير هذه الآية: أخبرني إبراهيم بن الحسن، هو المقسمي، حدثنا حجاج بن محمد عن عمرو بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في {صۤ} وقال: «حديث : سجدها داود عليه الصلاة والسلام توبة، ونسجدها شكراً» تفسير : تفرد بروايته النسائي، ورجال إسناده كلهم ثقات. وقد أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا أبو إسحاق المدرجي، أخبرنا زاهر بن أبي طاهر الثقفي حدثنا زاهر بن أبي طاهر الشحامي، أخبرنا أبو سعد الكنجروذي، أخبرنا الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو العباس السراج، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريج: يا حسن حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة، فقرأت السجدة فسجدت، فسجدت الشجرة بسجودي، فسمعتها تقول وهي ساجدة: اللهم اكتب لي عندك أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع بها عني وزراً، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام فقرأ السجدة ثم سجد، فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة، رواه الترمذي عن قتيبة، وابن ماجه عن أبي بكر بن خلاد، كلاهما عن محمد بن يزيد بن خنيس نحوه، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال البخاري عند تفسيرها أيضاً: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام قال: سألت مجاهداً عن سجدة {صۤ} فقال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما: من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ} تفسير : [الأنعام: 84] {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90] فكان داود عليه الصلاة والسلام ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به، فسجدها داود عليه الصلاة والسلام، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حميد، حدثنا بكر هو ابن عبد الله المزني أنه أخبره: أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه رأى رؤيا أنه يكتب {صۤ} فلما بلغ إلى الآية التي يسجد بها، رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجداً، قال: فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يسجد بها بعد، تفرد به أحمد، وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر {صۤ} فلما بلغ السجدة، نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر، قرأها، فلما بلغ السجدة، تشزن الناس للسجود، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشنزتم» تفسير : فنزل وسجد. وتفرد به أبو داود، وإسناده على شرط الصحيح. وقوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـئَابٍ} أي: وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله عز وجل بها، وحسن مرجع، وهو الدرجات العالية في الجنة؛ لتوبته وعدله التام في ملكه؛ كما جاء في الصحيح: «حديث : المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يقسطون في أهليهم وما ولوا» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا فضيل عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأقربهم منه مجلساً، إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة، وأشدهم عذاباً، إمام جائر» تفسير : ورواه الترمذي من حديث فضيل، وهو ابن مرزوق الأغر، عن عطية به، وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان، سمعت مالك بن دينار في قوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـئَابٍ} قال: يقام داود يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا، فيقول: وكيف وقد سلبته؟ فيقول الله عز وجل: إني أرده عليك اليوم، قال: فيرفع داود عليه الصلاة والسلام بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهَلْ } معنى الاستفهام هنا التعجيب والتشويق إلى استماع ما بعده {ءاتَاكَ } يا محمد صلى الله عليه وسلم { نَبَؤُا ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا ٱلْمِحْرَابَ} محراب داود؟ أي مسجده، حيث منعوا الدخول عليه من الباب لشغله بالعبادة، أي خبرهم وقصتهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وهل أتاك نبأ الخَصْم} والخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة لأن أصله المصدر. {إذ تسوروا المحراب} ومعنى تسوروا أنهم أتوه من أعلى سورة وفي المحراب أربعة أقاويل: أحدها: أنه صدر المجلس، ومنه محراب المسجد، قاله أبو عبيدة. الثاني: مجلس الأشراف الذي يتحارب عليه لشرف صاحبه، حكاه ابن عيسى. الثالث: أنه المسجد، قاله يحيى بن سلام. الرابع: أنه الغرفة لأنهم تسوروا عليه فيها. {إذ دخلوا على داود ففزع منهم} وسبب ذلك ما حكاه ابن عيسى: إن داود حدث نفسه إن ابتلي أن يعتصم، فقيل له إنك ستبتلى وتعلم اليوم الذي تبتلى فيه فخذ حذرك، فأخذ الزبور ودخل المحراب ومنع من الدخول عليه، فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر كأحسن ما يكون من الطير فجعل يدرج بين يديه، فهمّ أن يستدرجه بيده فاستدرج حتى وقع في كوة المحراب فدنا منه ليأخذه فانتفض فاطلع لينظره فأشرف على امرأة تغتسل فلما رأته غطت جسدها بشعرها، قال السدي فوقعت في قلبه، قال ابن عباس وكان زوجها غازياً في سبيل الله، قال مقاتل وهو أوريا بن حنان، فكتب داود إلى أمير الغزاة أن يجعل زوجها في حملة التابوت، وكان حملة التابوت إما أن يفتح الله عليهم أو يقتلوا، فقدمه فيهم فقتل، فلما انقضت عدتها خطبها داود فاشترطت عليه إن ولدت غلاماً أن يكون الخليفة بعده، وكتبت عليه بذلك كتاباً وأشهدت عليه خمسين رجلاً من بني إسرائيل فلم يشعر بفتنتها حتى ولدت سليمان وشب وتسور عليه الملكان وكان من شأنهما ما قَصَّه الله في كتابه. وفي فزعه منهما قولان: أحدهما: لأنهم تسوروا عليه من غير باب. الثاني: لأنهم أتوه في غير وقت جلوسه للنظر. {قالوا لا تخف خصمان بَغَى بعضنا على بعض} وكانا ملكين ولم يكونا خصمين ولا باغيين، ولا يأتي منهما كذب، وتقدير كلامها: ما تقول إن أتاك خصمان وقالا بغى بعضنا على بعض. وثنى بعضهم هنا وجمعه في الأول حيث قال: {وهل أتاك نبأ الخصم} لأن جملتهم جمعت، وهم فريقان كل واحد منهما خصم. {فاحكم بيننا بالحق} أي بالعدل. {ولا تشطط} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لا تملْ، قاله قتادة. الثاني: لا تَجُر، قاله السدي. الثالث: لا تسرف، قاله الأخفش. وفي أصل الشطط قولان: أحدهما: أن أصله البعد من قولهم شطط الدار إذا بعدت، قال الشاعر: شعر : تشطط غداً دار جيراننا والدار بعد غد أبعد تفسير : الثاني: الإفراط. قال الشاعر: شعر : ألا يالقومي قد اشطّت عواذلي وزعمن أن أودى بحقّي باطلي تفسير : {واهدِنا إلى سواءِ الصراط} فيه وجهان: أحدهما: أرشدنا إلى قصد الحق، قاله يحيى. الثاني: إلى عدل القضاء، قاله السدي. {إن هذا أخي} فيه وجهان: أحدهما: يعني على ديني، قاله ابن مسعود. الثاني: يعني صاحبي، قاله السدي. {له تسع وتسعونَ نعجةً وليَ نعجةٌ واحدةٌ} فيها وجهان: أحدهما: أنه أراد تسعاً وتسعين امرأة، فكنى عنهن، بالنعاج، قاله ابن عيسى. قال قطرب: النعجة هي المرأة الجميلة اللينة. الثاني: أنه أراد النعاج ليضربها مثلاً لداود، قاله الحسن. {فقال أكفلنيها} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ضمها إليَّ، قاله يحيى. الثاني: أعطنيها، قاله الحسن. الثالث: تحوّل لي عنها، قاله ابن عباس وابن مسعود. {وعزّني في الخطاب} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أي قهرني في الخصومة، قاله قتادة. الثاني: غلبني على حقي، من قولهم من عزيز أي من غلب سلب، قاله ابن عيسى. الثالث: معناه إن تكلم كان أبين، وإن بطش كان أشد مني، وإن دعا كان أكثر مني، قاله الضحاك. قوله عز وجل: {قال لقد ظَلَمَكَ بسؤال نعجتِك إلى نعِاجه} فإن قيل فكيف يحكم لأحد الخصمين على الآخر بدعواه؟ ففيه جوابان: أحدهما: أن الآخر قد كان أقر بذلك فحكم عليه داود عليه السلام بإقراره، فحذف اكتفاء بفهم السامع، قاله السدي. الثاني: إن كان الأمر كما تقول لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه. {وإنَّ كثيراً من الخُلَطاءِ} يحتمل وجهين: أحدهما: الأصحاب. الثاني: الشركاء. {لَيَبْغِي بعضهم على بعض} أي يتعدى. {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تقديره فلا يبغي بعضهم على بعض، فحذف اكتفاء بفهم السامع. {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} فيه وجهان: أحدهما: وقليل ما فيه من يبغي بعضهم على بعض، قاله ابن عباس. الثاني: وقليل من لا يبغي بعضهم على بعض، قاله قتادة. وفي {ما} التي في قوله {وقليل ما هم} وجهان: أحدهما: انها فضلة زائدة تقديره: وقليل هم. الثاني: أنها بمعنى الذي: تقديره: وقليل الذي هم كذلك. {وظن داود أنما فتناه} قال قتادة أي علم داود أنما فتناه وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: اختبرناه، قاله ابن عباس. الثاني: ابتليناه، قاله السدي. الثالث: شددنا عليه في التعبد، قاله ابن عيسى. {فاستغفر ربَّه} من ذنبه. قال قتادة: قضى نبي الله على نفسه ولم يفطن لذلك، فلما تبين له الذنب استغفر ربه. واختلف في الذنب على أربعة أقاويل: أحدها: أنه سمع من أحد الخصمين وحكم له قبل سماعه من الآخر. الثاني: هو أن وقعت عينه على امرأة أوريا بن حنان واسمها اليشع وهي تغتسل فأشبع نظره منها حتى علقت بقلبه. الثالث: هو ما نواه إن قتل زوجها تزوج بها وأحسن الخلافة عليها، قاله الحسن. وحكى السدي عن علي كرم الله وجهه قال: لو سمعت رجلاً يذكر أن داود قارف من تلك المرأة محرَّماً لجلدته ستين ومائة لأن حد الناس ثمانون وحد الأنبياء ستون ومائة، حَدّان. {وخَرّ راكعاً وأناب} أي خرّ ساجداً وقد يعبر عن السجود بالركوع، قال الشاعر: شعر : فخر على وجهه راكعاً وتاب إلى الله من كل ذنب تفسير : قال مجاهد: مكث أربعين يوماً ساجداً لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموع عينه فغطى رأسه إلى أن قال الله تعالى: {فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} أي مرجع. في الزلفى وجهان: أحدهما: الكرامة، وهو المشهور. الثاني: الرحمة قاله الضحاك. فرفع رأسه وقد قرح جبينه. واختلف في هذه السجدة على قولين: أحدهما: أنها سجدة عزيمة تسجد عند تلاوتها في الصلاة وغير الصلاة، قاله أبو حنيفة. الثاني: أنها سجدة شكر لا يسجد عند تلاوتها لا في الصلاة، ولا في غير الصلاة وهو قول الشافعي. قال وهب بن منبه: فمكث داود حيناً لا يشرب ماء إلا مزجه بدموعه، ولا يأكل طعاماً إلا بلّه بدموعه، ولا ينام على فراش إلا غرقه بدموعه. وحكي عن داود أنه كان يدعو على الخطائين فلما أصاب الخطيئة كان لا يمر بواد إلا قال: اللهم اغفر للخاطئين لعلك تغفر لي معهم.

ابن عطية

تفسير : هذه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم واستفتحت بالاستفهام تعجيباً من القصة وتفخيماً لها، لأن المعنى: هل أتاك هذا الأمر العجيب الذي هو عبرة، فكأن هذا الاستفهام إنما هو تهيئة نفس المخاطب وإعدادها للتلقي. و {الخصم} جار مجرى عدل وزور، يوصف به الواحد والاثنان والجميع، ومنه قول لبيد: [الطويل] شعر : وخصم يعدو الذخول كأنهم قروم غيارى كل أزهر مصعب تفسير : وتحتمل هذه الآية أن يكون المتسور للمحراب اثنين فقط، لأن نفس الخصومة إنما كانت بين اثنين، فتجيء الضمائر في: {تسوروا} و: {دخلوا} و: {قالوا} على جهة التجوز، والعبارة عن الاثنين بلفظ الجمع، ويحتمل أنه جاء مع كل فرقة، كالعاضدة والمؤنسة، فيقع على جميعهم خصم، وتجيء الضمائر حقيقة. و: {تسوروا} معناه: علوا سوره وهو جمع سورة، وهي القطعة من البناء، هذا كما تقول: تسنمت الحائط أو البعير، إذا علوت على سنامه. و{المحراب}: الموضع الأرفع من القصر أو المسجد، وهو مضوع التعبد، والعامل في: {إذ} الأولى {نبأ} وقيل: {أتاك}. والعامل في: {إذ} الثانية {تسوروا}، وقيل هي بدل من {إذ} الأولى وقوله تعالى: {ففزع منهم} يحتمل أن يكون فزعه من الداخلين أنفسهم لئلا يؤذوه، وإنما فزع من حيث دخلوا من غير الباب ودون استئذان، وقيل إن ذلك كان ليلاً، ذكره الثعلبي، ويحتمل أن يكون فزعه من أين يكون أهل ملكه قد استهانوه حتى ترك بعضهم الاستئذان، فيكون فزعه على فساد السيرة لا من الداخلين. ويحتمل قولهم: {لا تخف} أنهم فهموا منه عليه السلام خوفه. وهنا قصص طول الناس فيها، واختلفت الروايات به، ولا بد أن نذكر منه ما لا يقوم تفسير الآية إلا به، ولا خلاف بين أهل التأويل أنهم إنما كانوا ملائكة بعثهم الله ضرب مثل لداود عليه السلام، فاختصموا إليه في نازلة قد وقع هو في نحوها، فأفتى بفتيا هي واقفة عليه في نازلته، ولما شعر وفهم المراد، خر وأناب واستغفر، وأما نازلته التي وقع فيها، فروي أنه عليه السلام جلس في ملإ من بني إسرائيل فأعجب بعمله، وظهر منه ما يقتضي أنه لا يخاف على نفسه الفتنة، ويقال بل وقعت له في مثل هذا مجاورة مع الملكين الحافظين عليه فقال لهما: جرباني يوماً، فإني وإن غبتما عني لا أواقع مكروهاً. وقال السدي: كان داود قد قسم دهره: يوماً يقضي فيه بين الناس، ويوماً لعبادته، ويوماً لشأن نفسه، ففتن يوم خلوه للعبادة لما تمنى أن يعطى مثل فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، والتزم أن يمتحن كما امتحنوا، وقيل في السبب غير هذا مما لا يصح تطويله. قال ابن عباس ما معناه: أنه أخذ داود يوماً في عبادته وانفرد في محرابه يصلي ويسبح إذ دخل عليه طائر من كوة، فوقع بين يديه، فروي أنه كان طائراً حسن الهيئة: حمامة، فمد داود يده ليأخذه فزال مطمعاً له فما زال يتبعه حتى صعد الكوة التي دخل منها فصعد داود ليأخذه، فتنحى له الطائر، فتطلع داود عليه السلام، فإذا هو بامرأة تغتسل عريانة، فرأى منظراً جميلاً فتنه، ثم إنها شعرت به، فأسبلت شعرها على بدنها فتجللت به، فزاده ولوعاً بها، ثم إنه انصرف وسأل عنها، فأخبر أنها امرأة رجل من جنده يقال له: أوريا وإنه في بعث كذا وكذا، فيروى أنه كتب إلى أمير تلك الحرب أن قدم فلاناً يقاتل عند التابوت، وهو موضع بركاء الحرب قلما يخلص منه أحد، فقدم ذلك الرجل حتى استشهد هنالك. ويروى أن داود كتب أن يؤمر ذلك الرجل على جملة من الرجال، وترمى به الغارة والوجوه الصعبة من الحرب، حتى قتل في الثالثة من نهضاته، وكان لداود فيما روي تسع وتسعون امرأة، فلما جاءه الكتاب بقتل من قتل في حربه، جعل كلما سمي رجل يسترجع ويتفجع، فلما سمي الرجل قال: كتب الموت على كل نفس، ثم إنه خطب المرأة وتزوجها، فكانت أم سليمان فيما روي عن قتادة فبعث الله تعالى إليه الخصم ليفتي بأن هذا ظلم. وقالت فرقة: إن هذا كله هم به داود ولم يفعله، وإنما وقعت المعاتبة على همه بذلك. وقال آخرون: إنما الخطأ في أن لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده، إذ كان عنده أمر المرأة. قال القاضي أبو محمد والرواة على الأول أكثر، وفي كتب بني إسرائيل في هذه القصة صور لا تليق. وقد حدث بها قصاص في صدر هذه الأمة، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من حدث بما قال هؤلاء القصاص في أمر داود عليه السلام جلدته حدين لما ارتكب من حرمة من رفع الله محله. وقوله: {خصمان} تقديره: نحن خصمان، وهذا كقول الشاعر: [الطويل] شعر : وقولا إذا جاوزتما أرض عامر وجاوزتما الحيين نهداً وخثعما نزيعان من جرم ابن زبان إنهم أبوا أن يميروا في الهزاهز محجما تفسير : ونحوه قال العرب في مثل: محسنة فهيلي، التقدير: أنت محسنة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : آيبون تائبون" تفسير : . و: {بغى} معناه: اعتدى واستطال، ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : ولكن الفتى حمل بن بدر بغى والبغي مرتعه وخيم تفسير : وقوله: {فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط} إغلاظ على الحاكم واستدعاء بعدله، وليس هذا بارتياب منه، ومنه قول الرجل للنبي عليه السلام: فاحكم بيننا بكتاب الله. وقرأ جمهور الناس: "ولا تُشطِط" بضم التاء وكسر الطاء الأولى، معناه: ولا تتعد في حكمك. وقرأ أبو رجاء وقتادة: "تَشطُط" بفتح التاء وضم الطاء، وهي قراءة الحسن والجحدري، ومعناه: ولا تبعد، يقال: شط إذا بعد، وأشط إذا أبعد غيره. وقرأ زر بن حبيش "تُشاطط" بضم التاء وبالألف. و: {سواء الصراط} معناه: وسط الطريق ولا حبه. وقوله: {إن هذا أخي} إعراب أخي عطف بيان، وذلك أن ما جرى من هذه الأشياء صفة كالخلق والخلق وسائر الأوصاف، فإنه نعت محض، والعامل فيه هو العامل في الموصوف، وما كان منها مما ليس ليوصف به بتة فهو بدل، والعامل فيه مكرر، وتقول: جاءني أخوك زيد، فالتقدير: جاءني أخوك جاءني زيد، فاقتصر على حذف العامل في البدل والمبدل منه في قوله: {أية : ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون} تفسير : [يس: 31] وما كان منها مما لا يوصف به واحتيج إلى أن يبين به ويجري مجرى الصفة فهو عطف بيان، وهو بين في قول الشاعر: [الرجز] شعر : يا نصر نصراً نصرا تفسير : فإن الرواية في الثاني بالتنوين، فدل ذلك على أن النداء ليس بمكرر عليه، فليس ببدل، وصح فيه عطف البيان، وهذه الأخوة مستعارة، إذ هما ملكان، لكن من حيث تصورا آدميين تكلما بالأخوة التي بينهما في الدين والإيمان، والله أعلم. و"النعجة" في هذه الآية، عبر بها عن المرأة. والنعجة في كلام العرب تقع على أنثى بقر الوحش، وعلى أنثى الضأن، وتعبر العرب بها عن المرأة، وكذلك بالشاة، قال الأعشى: [الكامل] شعر : فرميت غفلة عينه عن شاته فأصبت حبة قلبها وطحالها تفسير : أراد عن امرأته، وفي قراءة ابن مسعود: "وتسعون نعجة أنثى". وقرأ حفص عن عاصم: "وليَ" بفتح الياء. وقرأ الباقون بسكونها، وهما حسنان. وقرأ الحسن والأعرج: "نِعجة" بكسر النون، والجمهور على فتحها. وقرأ الحسن: "تَسع وتَسعون" بفتح التاء فيهما وهي لغة. وقوله: {أكفلنيها} أي ردها في كفالتي، وقال ابن كيسان، المعنى: اجعلها كفلي، أي نصيبي. {وعزني}: معناه غلبني، ومنه قول العرب: من عز بز، أي من غلب سلب وقرأ أبو حيوة: "وعزني" بتخفيف الزاي. قال أبو الفتح: أراد عززني، فحذف الزاي الواحدة تخفيفاً كما قال أبو زيد: شعر : أحسن به فهن إليه شوس تفسير : قال أبو حاتم: ورويت "عزني" بتخفيف الزاي عن عاصم. وقرأ ابن مسعود وأبو الضحى وعبيد بن عمير: "وعازني"، أي غالبني. ومعنى قوله: {في الخطاب} كان أوجه مني وأقوى، فإذا خاطبته كان كلامه أقوى من كلامي، وقوته أعظم من قوتي، فيروى أن داود عليه السلام لما سمع هذه الحجة قال للآخر: ما تقول؟ فأقر وألد، فقال له داود: لئن لم ترجع إلى الحق لأكسرن الذي فيه عيناك. وقال للثاني: لقد ظلمك، فتبسما عند ذلك، وذهبا ولم يرهما لحينه، فشعر حينئذ للأمر. وروي أنهما ذهبا نحو السماء بمرأى منه. وقيل بل بينا فعله في تلك المرأة وزوجها، وقالا له: إنما نحن مثال لك. وقال بعض الناس: إن داود قال: لقد ظلمك، قبل أن يسمع حجة الآخر، وهذه كانت خطيئة ولم تنزل به هذه النازلة المروية قط. قال القاضي أبو محمد عبد الحق ابن عطية رضي الله عنه: وهذا ضعيف من جهات، لأنه خالف متظاهر الروايات، وأيضاً فقوله: {لقد ظلمك} إنما معناه إن ظهر صدقك ببينة أو باعتراف، وهذا من بلاغة الحاكم التي ترد المعوج إلى الحق، وتفهمه ما عند القاضي من الفطنة. وقال الثعلبي: كان في النازلة اعتراف من المدعى عليه حذف اختصاراً، ومن أجله قال داود: {لقد ظلمك}. وقوله عليه السلام: {لقد ظلمت بسؤال نعجتك} أضاف الضمير إلى المفعول، و {الخلطاء} الأشراك والمتعاقبون في الأملاك والأمور، وهذا القول من داود وعظ وبسط لقاعدة حق ليحذر من الوقوع في خلاف الحق. وما في قوله: {وقليل ما هم} زائدة مؤكدة. وقوله تعالى: {وظن داود} معناه: شعر للأمر وعلمه. وقالت فرقة: {ظن} هنا بمعنى أيقن. قال القاضي أبو محمد: والظن أبداً في كلام العرب إنما حقيقته توقف بين معتقدين يغلب أحدهما على الآخر، وتوقعه العرب على العلم الذي ليس على الحواس ولا له اليقين التام، ولكن يخلط الناس في هذا ويقولون ظن بمعنى: أيقن، ولسنا نجد في كلام العرب على العلم الذي ليس على الحواس شاهداً يتضمن أن يقال: رأى زيد كذا وكذا فظنه. وانظر لى قوله تبارك وتعالى في كتابه: {أية : ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها} تفسير : [الكهف: 53] وإلى قول دريد بن الصمة [الطويل] شعر : فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم بالفارسي المسرد تفسير : وإلى هذه الآية: {وظن داود} فإنك تجد بينها وبين اليقين درجة، ولو فرضنا أهل النار قد دخلوها وباشروا، لم يقل "ظن" ولا استقام ذلك، ولو أخبر جبريل داود بهذه الفتنة لم يعبر عنها بـ"ظن"، فإنما تعبر العرب بها عن العلم الذي يقارب اليقين وليس به، لم يخرج بعد إلى الإحساس وقرأ جمهور الناس: "فَتنّاه" بفتح التاء وشد النون، أي ابتليناه وامتحناه. وقرأ عمر بن الخطاب وأبو رجاء والحسن: بخلاف عنه، "فتّنّاه" بشد التاء والنون على معنى المبالغة. وقرأ أبو عمرو في رواية علي ابن نصر: "فتَنَاه" بتخفيف التاء والنون على أن الفعل للخصمين، أي امتحناه عن أمرنا، وهي قراءة قتادة. وقرأ الضحاك: "افتتناه". وقوله: {وخر} أي ألقى بنفسه نحو الأرض متضامناً متواضعاً، والركوع والسجود: الانخفاض والترامي نحو الأرض، وخصصتها الشرائع على هيئات معلومه. وقال قوم يقال: "خر"، لمن ركع وإن كان لم ينته إلى الأرض. وقال الحسن بن الفضل، والمعنى: خر من ركوعه، أي سجد بعد أن كان راكعاً. وقال أبو سعيد الخدري: رأيتني في النوم وأنا أكتب سورة: {ص} فلما بلغت هذه الآية سجد القلم، ورأيتني في منام آخر وشجرة تقرأ: {ص} فلما بلغت هذا سجدت، وقالت: اللهم اكتب لي بها أجراً، وحط عني بها وزراً، وارزقني بها شكراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : وسجدت أنت يا أبا سعيد؟ قلت لا، قال: أنت كنت أحق بالسجدة من الشجرة تفسير : ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات حتى بلغ: {وأناب}، فسجد، وقال كما قالت الشجرة. {وأناب} معناه: رجع وتاب، ويروى عن مجاهد أن داود عليه السلام بقي في ركعته تلك لاصقاً بالأرض يبكي ويدعو أربعين صباحاً حتى نبت العشب من دمعه، وروي غير هذا مما لا تثبت صحته. وروي أنه لما غفر الله له أمر المرأة، قال: يا رب فكيف لي بدم زوجها إذا جاء يطلبني يوم القيامة، فأوحى الله إليه أني سأستوهبه ذلك يا داود، وأجعله أن يهبه راضياً بذلك، فحينئذ سر داود عليه السلام واستقرت نفسه، وروي عن عطاء الخراساني ومجاهد أن داود عليه السلام نقش خطيئته في كفه فكان يراها دائماً ويعرضها على الناس في كل حين من خطبه وكلامه وإشاراته وتصرفه تواضعاً لله عز وجل وإقراراً، وكان يسيح في الأرض ويصيح: إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت علي الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتد إلي روحي، سبحانك، إلهي أتيت أطباء الدين يداووا علتي، فكلهم عليك دلني. وكان يدخل في صدر خطبته الاستغفار للخاطئين، وما رفع رأسه إلى السماء بعد خطيئته حياء صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء المرسلين.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْخَصْمِ} يقع على الواحد والأثنين والجماعة لكونه مصدراً {تَسَوَّرُواْ} أتوه من أعلى سوره {الْمِحْرَابَ} صدر المجلس ومنه محراب المسجد، أو مجلس الأشراف الذي يحارب عنه لشرف صاحبه، أو الغرفة. حدث داود نفسه أنه إن ابتُلي اعتصم فقيل له إنك ستبتلى وتعلم اليوم الذي تبتلى فيه فخد حذرك فأخذ الزبور ودخل المحراب ومنع من الدخول عليه فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر من أحسن ما يكون فدرج بين يديه فهم بأخذه فاستدرج حتى وقع في كوة المحراب فدنا ليأخذه فانقض فاطلع لينظره فأشرف على امرأة تغتسل فلما رأته غطت جسدها بشعرها وكان زوجها في الغزاة فكتب داود إلى أميرهم أن يجعل زوجها في حملة التابوت وكان حملة التابوت إما أن يفتح عليهم، أو يقتلوا فقدمه فيهم فقتل فخطب زوجته بعد عدتها فشرطت عليه إن ولدت غلاماً أن يكون الخليفة من بعده وكتبت عليه بذلك كتاباً فأشهدت فيه خمسين رجلاً من بني إسرائيل فلم يشعر بفتنتها حتى ولدت سليمان وشبَّ، وتسور الملكان المحراب "ع" ولم يكونا خصمين ولا بغى أحدهما على الآخر وإنما قالا ذلك على الفرض والتقدير إن أتاك خصمان فقالا: كيت وكيت.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وهل أتاك} أي وقد أتاك يا محمد {نبأ الخصم} أي خبر الخصم فاستمع له نقصصه عليك. وقيل ظاهره الاستفهام ومعناه الدلالة على أنه من الأخبار العجيبة والتشويق إلى استماع كلام الخصماء والخصم يقع على الواحد والجمع {إذ تسوروا المحراب} أي صعدوا وعلوا المحراب أي بالبيت الذي كان يدخل فيه داود يشتغل بالطاعة والعبادة والمعنى أنهم أتوا المحراب من سوره وهو أعلاه, وفي الآية قصة امتحان داود عليه الصلاة والسلام. واختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب ذلك وسأذكر ما قاله المفسرون ثم أتبعه بفصل فيه ذكر نزاهة داود عليه الصلاة والسلام عما لا يليق بمنصبه صلى الله عليه وسلم لأن منصب النبوة أشرف المناصب وأعلاها فلا ينسب إليها إلا ما يليق بها؛ وأما ما قال المفسرون إن داود عليه الصلاة والسلام تمنى يوماً من الأيام منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب وذلك أنه كان قد قسم الدهر ثلاثة أيام يوم يقضي فيه بين الناس, ويوم يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل ويوم لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقال يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي, فأوحى الله تعالى إليه أنهم ابتلوا ببلايا لم تبتل بها فصبروا عليها ابتلي إبراهيم عليه الصلاة والسلام بنمرود وذبح ابنه, وابتلي إسحاق بالذبح وبذهاب بصره وابتلي يعقوب بالحزن على يوسف. فقال داود عليه الصلاة والسلام رب لو ابتليتني بمثل ما ابتليتهم صبرت أيضاً فأوحى الله عز وجلّ إنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا فاحترس. فلما كان اليوم الذي وعده الله به دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور فبينما هو كذلك إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن وجناحاها من الدر والزبرجد فوقعت بين رجليه فأعجبه حسنها فمد يده ليأخذها ويريها بني إسرائيل لينظروا إلى قدرة الله تعالى فلما قصد أخذها طارت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة فذهب ليأخذها فطارت من الكوة فنظر داود أين تقع فيبعث من يصيدها له, فأبصر امرأة في بستان على شاطىء بركة تغتسل وقيل رآها تغتسل على سطح لها فرآها من أجمل النساء خلقاً فعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطى بدنها فزاده ذلك إعجاباً بها فسأل عنها فقيل هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود فكتب داود إلى ابن أخته أن أبعث أوريا إلى موضع كذا وقدمه قبل التابوت وكان من قدم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد فبعثه ففتح له فكتب إلى داود بذلك فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا أشد منه بأساً فبعثه ففتح له فكتب إلى داود بذلك فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا أشد منه بأساً فبعثه فقتل في المرة الثالثة فلما انقضت عدة المرأة تزوجها داود فهي أم سليمان عليه الصلاة والسلام. وقيل إن داود أحب أن يقتل أوريا فيتزوج امرأته فهذا كان ذنبه. وقال ابن مسعود: كان ذنب داود أنه التمس من الرجل أن ينزل له عن امرأته. وقيل كان مباحاً لهم غير أن الله عز وجل لم يرض لداود ذلك لأنه رغبة في الدنيا وازدياد من النساء وقد أغناه الله تعالى عنها بما أعطاه من غيرها. وقيل في سبب امتحان داود أنه كان جزأ الدهر أجزاء يوماً لنسائه ويوماً للعبادة ويوماً للحكم بين بني إسرائيل ويوماً يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً, فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك وقيل إنهم ذكروا فتنة النساء فأضمر داود في نفسه أنه إن ابتلى اعتصم فلما كان يوم عبادته أغلق عليه الأبواب وأمر أن لا يدخل عليه أحد وأكبَّ على قراءة التوراة فبينما هو يقرأ إذ دخلت حمامة وذكر نحو ما تقدم فلما دخل بالمرأة لم يلبث إلا يسيراً حتى بعث الله عز وجلّ الملكين إليه. وقيل إن داود عليه السلام ما زال يجتهد في العبادة حتى برز له حافظاه من الملائكة فكانوا يصلون معه فلما استأنس منهم قال أخبروني بأس شيء أنتم موكلون, قالوا نكتب صالح أعمالك ونوافقك ونصرف عنك السوء فقال في نفسه: ليت شعري كيف أكون لو خلوني ونفسي وتمنى ذلك ليعلم كيف يكون فأوحى الله تعالى إلى الملكين أن يعتزلاه ليعلم أنه لا غنى له عن الله تعالى فلما فقدهم جد واجتهد في العبادة إلى أن ظن أنه قد غلب نفسه فأراد الله تعالى أن يعرفه ضعفه فأرسل طائراً من طيور الجنة وذكر نحو ما تقدم. وقيل إن داود قال لبني إسرائيل لأعدلن بينكم ولم يستثن فابتلى وقيل إنه أعجبه عمله فابتلى فبعث الله إليه ملكين في صورة رجلين وذلك في بوم عبادته فطلبا أن يدخلا عليه فمنعهما الحرس فتسورا عليه المحراب فما شعر إلا وهما بين يديه جالسان وهو يصلي يقال كانا جبريل وميكائيل فذلك قوله عز وجل: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم} أي خاف منهما حين هجما عليه في محرابه بغير إذنه فقال لهما من أدخلكما عليّ {قالوا لا تخف خصمان} أي نحن خصمان {بغى بعضنا على بعض} أي تعدى وخرج عن الحد جئناك لتقضي بيننا. فإن قلت إذ جعلتهما ملكين فكيف يتصور البغي منهما والملائكة لا يبغي بعضهم على بعض؟. قلت هذا من معاريض الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما والمعنى رأيت خصمين بغى أحدهما على الآخر {فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط} أي لا تجر في حكمك {واهدنا إلى سواء الصراط} أي أرشدنا إلى طريق الحق والصواب فقال لهما داود تكلما فقال أحدهما.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما؛‏ أن داود عليه السلام حدث نفسه إن ابتلي أن يعتصم، فقيل له إنك ستبتلى وستعلم اليوم الذي تبتلى فيه، فخذ حذرك فقيل له‏:‏ هذا اليوم الذي تبتلى فيه، فأخذ الزبور، ودخل المحراب، وأغلق باب المحراب، وأدخل الزبور في حجره، وأقعد منصفاً على الباب، وقال لا تأذن لأحد عليّ اليوم‏.‏ فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر مذهب كأحسن ما يكون للطير، فيه من كل لون، فجعل يدرج بين يديه، فدنا منه، فأمكن أن يأخذه، فتناوله بيده ليأخذه، فطار فوقه على كوّة المحراب، فدنا منه ليأخذه، فطار فأشرف عليه لينظر أين وقع، فإذا هو بامرأة عند بركتها تغتسل من الحيض، فلما رأت ظله حركت رأسها، فغطت جسدها أجمع بشعرها، وكان زوجها غازياً في سبيل الله، فكتب داود عليه السلام إلى رأس الغزاة‏.‏ انظر فاجعله في حملة التابوت، أما أن يفتح عليهم، وإما أن يقتلوا‏.‏ فقدمه في حملة التابوت فقتل‏. فلما انقضت عدتها خطبها داود عليه السلام، فاشترطت عليه أن ولدت غلاماً أن يكون الخليفة من بعده، وأشهدت عليه خمساً من بني إسرائيل، وكتبت عليه بذلك كتاباً، فأشعر بنفسه أنه كتب حتى ولدت سليمان عليه الصلاة والسلام وشب، فتسوّر عليه الملكان المحراب، فكان شأنهما ما قص الله تعالى في كتابه، وخر داود عليه السلام ساجداً، فغفر الله له، وتاب عليه‏. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ما أصابه القدر إلا من عجب عجب بنفسه‏.‏ وذلك أنه قال يا رب ما من ساعة من ليل ونهار إلا وعابد من بني إسرائيل يعبدك، يصلي لك، أو يسبح، أو يكبر، وذكر أشياء، فكره الله ذلك فقال ‏"‏يا داود إن ذلك لم يكن إلا بي، فلولا عوني ما قويت عليه‏؛‏ وجلالي لآكِلُكَ إلى نفسك يوماً‏.‏ قال‏:‏ يا رب فاخبرني به، فأصابته الفتنة ذلك اليوم‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ حديث : إن داود عليه السلام حين نظر إلى المرأة قطع على بني إسرائيل، وأوصى صاحب الجيش فقال‏:‏ إذا حضر العدو تضرب فلاناً بين يدي التابوت، وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به، من قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل، أو ينهزم منه الجيش‏.‏ فقتل وتزوّج المرأة، ونزل الملكان على داود عليه السلام، فسجد فمكث أربعين ليلة ساجداً حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه، فأكلت الأرض جبينه وهو يقول في سجوده‏:‏ رب زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب‏.‏ رب إن لم ترحم ضعف داود، وتغفر ذنوبه جعلت ذنبه حديثاً في المخلوق من بعده‏.‏ فجاء جبريل عليه السلام من بعد أربعين ليلة فقال‏:‏ يا داود إن الله قد غفر لك، وقد عرفت أن الله عدل لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال‏:‏ يا رب دمي الذي عند داود‏؟‏ قال جبريل‏:‏ ما سألت ربك عن ذلك، فإن شئت لأفعلن فقال‏:‏ نعم‏.‏ ففرح جبريل، وسجد داود عليه السلام، فمكث ما شاء الله، ثم نزل فقال‏:‏ قد سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه‏.‏ فقال‏:‏ قل لداود إن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول ‏"‏هب لي دمك الذي عند داود فيقول‏:‏ هو لك يا رب فيقول‏:‏ فإن لك في الجنة ما شئت، وما اشتهيت عوضا‏ً" "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ لما أصاب داود عليه السلام الخطيئة، وإنما كانت خطيئته، أنه لما أبصرها أمر بها فعزلها فلم يقربها، فأتاه الخصمان، فتسورا في المحراب، فلما أبصرهما قام إليهما فقال‏:‏ أخرجا عني ما جاء بكما إليَّ فقالا‏:‏ إنما نكلمك بكلام يسير ‏ {‏إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة‏}‏ وأنا ‏{‏لي نعجة واحدة‏} ‏ وهو يريد أن يأخذها مني فقال داود عليه السلام‏:‏ والله أنا أحق أن ينشر منه من لدن هذه إلى هذه‏.‏ يعني من أنفه إلى صدره فقال رجل‏:‏ هذا داود فعله فعرف داود عليه السلام إنما عني بذلك، وعرف ذنبه، فخر ساجداً لله عز وجل أربعين يوماً، وأربعين ليلة، وكانت خطيئته مكتوبة في يده، ينظر إليها لكي لا يغفل حتى نبت البقل حوله من دموعه، ما غطى رأسه، فنودي أجائع فتطعم، أم عار فتكسى، أم مظلوم فتنصر، قال‏:‏ فنحب نحبة هاج ما يليه من البقل حين لم يذكر ذنبه، فعند ذلك غفر له، فإذا كان يوم القيامة قال له ربه‏:‏ ‏"‏كن امامي فيقول أي رب ذنبي ذنبي‏.‏‏.‏‏.‏ فيقول الله‏:‏ كن خلفي فيقول له‏:‏ خذ بقدمي فيأخذ بقدمه‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوّروا المحراب‏}‏ قال‏:‏ إن داود عليه السلام قال‏:‏ يا رب قد أعطيت إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، من الذكر ما لو وددت أنك أعطيتني مثله‏.‏ قال: الله عز وجل ‏"‏إني ابتليتهم بما لم ابتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم‏"‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال له‏:‏ فاعمل حتى أرى بلاءك‏. فكان ما شاء الله أن يكون، وطال ذلك عليه، فكاد أن ينساه، فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة، فأراد أن يأخذها، فطارت على كوة المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت فاطلع من الكوة، فرأى امرأة تغتسل، فنزل من المحراب فذهب ليأخذها، فأرسل إليها، فجاءته فسألها عن زوجها، وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السرية أن يؤمره على السرايا ليهلك زوجها، ففعل فكان يصاب أصحابه وينجو، وربما نصروا‏. وإن الله عز وجل لما رأى الذي وقع فيه داود عليه السلام أراد أن ينفذ أمره، فبينما داود عليه السلام ذات يوم في محرابه، إذ تسور عليه الملكان من قبل وجهه، فلما رآهما وهو يقرأ، فزع وسكت وقال‏:‏ لقد استضعفت في ملكي، حتى أن الناس يتسوّرون على محرابي فقالا له ‏ {‏لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض‏} ‏ ولم يكن لنا بد من أن نأتيك، فاسمع منا فقال أحدهما ‏{‏إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها‏}‏ يريد أن يتم مائة، ويتركني ليس لي شيء ‏ {‏وعزني في الخطاب‏}‏ قال‏:‏ إن دعوت ودعا كان أكثر مني، وإن بطشت وبطش كان أشد مني‏.‏ فذلك قوله ‏ {‏وعزني في الخطاب‏} ‏ قال له داود عليه السلام‏:‏ أنت كنت أحوج إلى نعجتك منه ‏ {‏لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏وقليل ما هم‏} ‏ ونسي نفسه صلى الله عليه وسلم، فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال، فتبسم أحدهما إلى الآخر، فراه داود عليه السلام، فظن إنما فتن ‏ {‏فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب‏}‏ أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من دموع عينيه، ثم شدد الله ملكه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أن داود عليه السلام جزأ الدهر أربعة أجزاء:‏ يوماً لنسائه، ويوماً للعبادة، ويوماً للقضاء بين بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل‏.‏ ذكروا فقالوا‏:‏ هل يأتي على الإِنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا‏ً؟‏ فاضمر داود عليه السلام في نفسه أنه سيطيق ذلك، فلما كان في يوم عبادته غلق أبوابه، وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة‏. فبينما هو يقرأها إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فاهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير مرتبتها، فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل، فاعجبه حسنها وخلقها، فلما رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاد ذلك أيضاً بها اعجاباً، وكان قد بعث زوجها على بعض بعوثه، فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا‏.‏‏.‏‏.‏ مكان إذا سار إليه قتل ولم يرجع، ففعل، فاصيب، فخطبها داود عليه السلام‏،‏ فتزوجها‏. فبينما هو في المحراب، إذ تسور الملكان عليه، وكان الخصمان إنما يأتونه من باب المحراب، ففزع منهم حين تسوّروا المحراب فقالوا‏:‏ ‏{‏لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط‏}‏ أي لا تمل ‏{‏واهدنا إلى سواء الصراط‏}‏ أي أعدله، وخيره ‏ {‏إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة‏} ‏ يعني تسعاً وتسعين امرأة لداود، وللرجل نعجة واحدة فقال ‏{‏أكفلْنيها وعزني في الخطاب‏}‏ أي قهرني وظلمني ‏ {‏قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب‏} ‏ قال‏:‏ سجد أربعين ليلة حتى أوحى الله إليه‏:‏ أني قد غفرت لك‏.‏ قال‏:‏ رب كيف تغفر لي وأنت حكم عدل لا تظلم أحدا‏ً؟‏ قال ‏"‏إني أقضيك له، ثم استوهبه دمك، ثم أثيبه من الجنة حتى يرضى‏"‏ قال‏:‏ الآن طابت نفسي، وعلمت أن قد غفرت لي‏.‏ قال الله تعالى {‏فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لَزُلْفى وحسن مآب‏}‏‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه في قوله ‏{‏وهل أتاك نبأ الخصم‏}‏ فجلسا فقال لهما قضاء فقال أحدهما إلى الآخر ‏{‏أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب‏} ‏ فعجب داود عليه السلام، وقال ‏ {‏لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه‏} ‏ فاغلظ له أحدهما وارتفع‏.‏ فعرف داود إنما ذلك بذنبه، فسجد فكان أربعين يوماً وليلة لا يرفع رأسه إلا إلى صلاة الفريضة حتى يبست، وقرحت جبهته، وقرحت كفاه وركبتاه، فاتاه ملك فقال‏:‏ يا داود إني رسول ربك إليك، وإنه يقول لك ارفع رأسك فقد غفرت لك فقال‏:‏ يا رب كيف وأنت حكم عدل كيف تغفر لي ظلامة الرجل‏؟‏ فترك ما شاء الله، ثم أتاه ملك آخر فقال‏:‏ يا داود إني رسول ربك إليك، وإنه يقول لك، إنك تأتيني يوم القيامة وابن صوريا تختصمان إليّ، فأقضي له عليك، ثم أسألها إياه فيهبها لي، ثم أعطيه من الجنة حتى يرضى‏.‏ وأخرج ابن جرير والحاكم عن السدي قال‏:‏ إن داود عليه السلام قد قسم الدهر ثلاثة أيام‏:‏ يوماً يقضي فيه بين الناس، ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه، ويوماً يخلو فيه بنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب قال‏:‏ يا رب أرى الخير قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي‏.‏ فاعطني مثل ما أعطيتهم، وافعل بي مثل ما فعلت بهم،‏ فأوحى الله إليه ‏"‏إن آباءك قد ابتلوا ببلايا لم تبتل بها‏.‏ ابتلى إبراهيم بذبح ولده، وابتلى إسحاق بذهاب بصره، وابتلى يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل بشيء من ذلك‏.‏ قال‏:‏ رب ابتلني بما ابتليتهم به، واعطني مثل ما أعطيتهم، فأوحى الله إليه‏:‏ إنك مبتلي فاحترس‏. فمكث بعد ذلك ما شاء الله تعالى أن يمكث، إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة حتى وقع عند رجليه، وهو قائم يصلي، فمدَّ يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوّة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوّة، فنظر أين يقع، فبعث في أثره، فابصر امرأة تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خلقاً، فحانت منها التفاتة فابصرته، فالتَفَّتْ بشعرها فاستترت به، فزاده ذلك فيها رغبة، فسأل عنها، فاخبر أن لها زوجاً غائباً بمسلحة كذا وكذا‏.‏‏.‏ فبعث إلى صاحب المسلحة يأمره‏.‏ أن يبعث إلى عدوّ كذا وكذا‏.‏‏.‏. فبعثه ففتح له أيضاً، فكتب إلى داود عليه السلام بذلك، فكتب إليه أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا‏.‏‏.‏‏.‏ فبعثه فقتل في المرة الثالثة، وتزوّج امرأته‏. فلما دخلت عليه لم يلبث إلا يسيراً حتى بعث الله له ملكين في صورة انسيين، فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه الحراب، فما شعر وهو يصلي إذ هما بين يديه جالسين، ففزع منهما فقالا ‏ {‏لا تخف‏} ‏ إنما نحن ‏ {‏خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط‏} ‏ يقول‏:‏ لا تخف ‏{‏واهدنا إلى سواء الصراط‏} ‏ إلى عدل القضاء فقال‏:‏ قصا عليَّ قصتكما فقال أحدهما ‏ {‏إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة‏} ‏ قال الآخر‏:‏ وأنا أريد أن آخذها فاكمل بها نعاجي مائة قال وهو كاره قال إذاً لا ندعك وذاك قال‏:‏ يا أخي أنت على ذلك بقادر قال‏:‏ فإن ذهبت تروم ذلك ضربنا منك هذا وهذا‏.‏ يعني طرف الأنف والجبهة‏. قال‏:‏ يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا‏.‏ حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، فلم تزل تعرضه للقتل حتى قتلته‏.‏ وتزوجت امرأته، فنظر فلم ير شيئاً، فعرف ما قد وقع فيه، وما قد ابتلى به ‏ {‏فخر ساجداً‏}‏ فبكى، فمكث يبكي أربعين يوماً، لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي، ثم يدعو حتى نبت العشب من دموع عينيه، فأوحى الله إليه بعد أربعين يوماً ‏"‏يا داود ارفع رأسك قد غفر لك قال‏:‏ يا رب كيف أعلم أنك قد غفرت لي، وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء‏؟‏ إذا جاء يوم القيامة أخذ رأسه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دماً فيّ يقول‏:‏ يا رب سل هذا فيم قتلني، فأوحى الله إليه: إذا كان ذلك دعوت أوريا، فاستوهبك منه، فيهبك لي، فاثيبه بذلك الجنة‏"‏ قال‏:‏ رب الآن علمت أنك غفرت لي، فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه‏،‏ نحوه‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إذ تسوّروا المحراب‏} ‏ قال‏:‏ المسجد‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي الأحوص قال‏:‏ دخل الخصمان على داود عليه السلام، وكل واحد منهما آخذ برأس صاحبه‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏{‏ففزع منهم‏} ‏ قال‏:‏ كان الخصوم يدخلون من الباب، ففزع من تسوّرهما‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏ولا تشطط‏} ‏ أي لا تمل‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله ‏{‏إن هذا أخي‏} ‏ قال‏:‏ على ديني‏. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأحمد في الزهد وابن جرير والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ ما زاد داود عليه السلام على أن قال ‏ {‏أكفلنيها‏}‏ ‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏فقال أكفلنيها‏} ‏ قال‏:‏ فما زال داود عليه السلام على أن قال‏:‏ تحوّل لي عنها‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ ما زاد داود عليه السلام على أن قال‏:‏ انزل لي عنها‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏{‏أكفلنيها‏}‏ قال‏:‏ أعطنيها، طلقها لي أنكحها وخل سبيلها ‏{‏وعزني في الخطاب‏} ‏ قال‏:‏ قهرني ذلك العز الكلام والخطاب‏. ‏وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أكفلنيها‏}‏ قال‏:‏ أعطنيها ‏{‏وعزني في الخطاب‏} ‏ قال‏:‏ إذا تكلم كان أبلغ مني، وإذا دعا كان أكثر قال أحد الملكين‏:‏ ما جزاؤه‏؟‏ قال‏:‏ يضرب ههنا وههنا وههنا‏.‏ ووضع يده على جبهته، ثم على أنفه، ثم تحت الأنف، قال‏:‏ ترى ذلك جزاءه‏.‏ فلم يزل يردد ذلك عليه حتى علم أنه ملك، وخرج الملك، فخر داود ساجداً قال‏:‏ ذكر أنه لم يرفع رأسه أربعين صباحاً يبكي، حتى أعشب الدموع ما حول رأسه حتى إذا مضى أربعون صباحاً، زفر زفرة هاج ما حول رأسه من ذلك العشب‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وقليل ما هم‏}‏ يقول‏:‏ قليل الذين هم فيه‏.‏ وفي قوله ‏{‏إنما فتناه‏} ‏ قال‏:‏ اختبرناه‏. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وظن داود‏} ‏ قال‏ علم داود‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وظن داود أنما فتناه‏} ‏ قال‏:‏ ظن إنما ابتلي بذلك‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال‏:‏ إنما كان فتنة داود عليه السلام النظر‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وخر راكعاً‏} ‏ قال‏:‏ ساجداً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ سجد داود نبي الله أربعين يوماً، وأربعين ليلة لا يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس، وكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال‏:‏ يا رب رزقتني العافية فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر، فإن تعذبني فأنا أهل ذاك، وإن تغفر لي فانت أهل ذاك‏.‏ قال‏:‏ وإذا جبريل عليه السلام قائم على رأسه، قال‏:‏ يا داود إن الله قد غفر لك، فارفع رأسك، فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال‏:‏ يا رب كيف تغفر لي وأنت الحكم العدل‏؟‏ قال ‏"‏إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا، ثم استوهبك منه، فيهبك لي، وأثيبه الجنة قال‏:‏ يا رب الآن علمت أنك قد غفرت لي، فذهب يرفع رأسه، فإذا هو يابس لا يستطيع، فمسحه جبريل عليه السلام ببعض ريشه فانبسط، فأوحى الله تعالى إليه بعد ذلك‏:‏ يا داود قد أحللت لك امرأة أوريا، فتزوجها فولدت له سليمان عليه الصلاة والسلام‏.‏ لم تلد قبله ولا بعده‏"‏ قال كعب رضي الله عنه‏:‏ فوالله لقد كان داود بعد ذلك يظل صائماً اليوم الحار، فيقرب الشراب إلى فيه، فيذكر خطيئته، فينزل دمعه في الشراب حتى يفيضه، ثم يرده ولا يشربه‏. وأخرج أحمد وعبد بن حميد عن يونس بن خباب رضي الله عنه أن داود عليه السلام بكى أربعين ليلة، حتى نبت العشب حوله من دموعه، ثم قال‏:‏ يا رب قرح الجبين، ورقا الدمع، وخطيئتي عليَّ كما هي، فنودي‏:‏ أن يا داود أجائع فتطعم، أم ظمآن فتسقى، أم مظلوم فتنصر، فنحب نحبة هاج ما هنالك من الخضرة، فغفر له عند ذلك‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عبيد بن عمير الليثي رضي الله عنه‏،‏ أن داود عليه السلام سجد حتى نبت ما حوله خضراً من دموعه، فأوحى الله إليه‏:‏ أن يا داود سجدت أتريد أن أزيدك في ملكك، وولدك، وعمرك‏؟‏ فقال‏:‏ يا رب أبهذا ترد علي‏َّ؟‏ أريد أن تغفر لي‏. وأخرج أحمد في الزهد والحكيم الترمذي عن الأوزاعي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏مثل عيني داود كالقربتين ينطفان ماء، ولقد خددت الدموع في وجهه خديد الماء في الأرض‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد من طريق عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدلي قال‏:‏ ما رفع داود عليه السلام رأسه إلى السماء بعد الخطيئة حتى مات‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد عن صفوان بن محرز قال‏:‏ كان لداود عليه السلام يوم يتأوّه فيه يقول‏:‏ أوه من عذاب الله، أوه من عذاب الله، أوه من عذاب الله، قيل لا أوه‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لما أوحى الله إلى داود عليه السلام‏:‏ ارفع رأسك فقد غفرت لك فقال‏:‏ يا رب كيف تكون هذه المغفرة وأنت قضاء بالحق، ولست بظلام للعبيد‏؟‏ ورجل ظلمته، غصبته، قتلته، فأوحى الله تعالى إليه‏:‏ بلى يا داود إنكما تجتمعان عندي، فاقضي له عليك، فإذا برز الحق عليك أستوهبك منه، فوهبك لي وأرضيته من قبلي، وأدخلته الجنة، فرفع داود رأسه، وطابت نفسه، وقال‏:‏ نعم‏.‏ يا رب هكذا تكون المغفرة ". تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ لما أصاب داود الخطيئة ‏{‏خر ساجداً‏}‏ أربعين ليلة، حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطى رأسه، ثم نادى رب قرح الجبين، وجمدت العين، وداود لم يرجع إليه في خطيئته شيء‏.‏ فنودي أجائع فَتُطعَم‏؟‏ أم مريض فتشفى‏؟‏ أم مظلوم فتنصر‏؟‏ فنحب نحباً هاج منه نبت الوادي كله، فعند ذلك غفر له، وكان يؤتى بالاناء، فيشرب فيذكر خطيئته، فينتحب فتكاد مفاصله تزول بعضها من بعض، فما يشرب بعض الاناء حتى يمتلىء من دموعه، وكان يقال دمعة داود عليه السلام تعدل دمعة الخلائق، ودمعة آدم عليه السلام تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق، فيجيء يوم القيامة مكتوبة بكفه يقرأها يقول‏:‏ ذنبي ذنبي‏.‏‏.‏ فيقول رب قدمني، فيتقدم فلا يأمن، ويتأخر فلا يأمن، حتى يقول تبارك وتعالى‏:‏ خذ بقدمي‏. وأخرج أحمد في الزهد عن علقمة بن يزيد قال‏:‏ لو عدل بكاء أهل الأرض ببكاء داود ما عدله، ولو عدل بكاء داود وبكاء أهل الأرض ببكاء آدم عليه السلام حين أهبط إلى الأرض ما عدله‏. وأخرج أحمد عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، أن داود عليه السلام كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول‏:‏ ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام، واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ‏{‏أية : ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون‏}‏تفسير : ‏[‏التحريم: 6‏].‏ وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وابن جرير عن عطاء الخراساني أن داود عليه السلام نقش خطيئته في كفه لكيلا ينساها، وكان إذا رآها اضطربت يداه‏. وأخرج عن مجاهد قال‏:‏ يحشر داود عليه السلام. سبحانك إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت عليَّ الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتدت إليَّ روحي، سبحانك إلهي! فكلهم [رآني] عليل بذنبي. وأخرج أحمد عن ثابت قال‏:‏ اتخذ داود عليه السلام سبع حشايا من سعد، وحشاهن من الرماد، ثم بكى حتى أنفذها دموعاً، ولم يشرب شراباً إلا مزجه بدموع عينيه‏.‏ وأخرج أحمد عن وهب بن منبه قال‏:‏ بكى داود عليه السلام حتى خددت الدموع في وجهه، واعتزل النساء، وبكى حتى رعش‏.‏ وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال‏:‏ إذا خرج داود عليه السلام من قبره، فرأى الأرض ناراً، وضع يده على رأسه وقال‏:‏ خطيئتي اليوم موبقتي‏. وأخرج عن عبد الرحمن بن جبير‏،‏ أن داود عليه السلام كان يقول‏:‏ اللهم ما كتبت في هذا اليوم من مصيبة، فخلصني منها ثلاث مرات، وما أنزلت في هذا اليوم من خير، فائتني منه نصيباً ثلاث مرات، وإذا أمسى قال مثل ذلك، فلم ير بعد ذلك مكروها‏ً. وأخرج أحمد عن معمر؛‏ أن داود عليه السلام لما أصاب الذنب قال‏:‏ رب كنت أبغض الخطائين، فانا اليوم أحب أن تغفر لهم‏.‏ وأخرج عبد الله ابنه والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن سعيد بن أبي هلال‏.‏ أن داود عليه السلام كان يعوده الناس، وما يظنون إلا أنه مريض، وما به إلا شدة الفرق من الله سبحانه وتعالى‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال‏:‏ كان داود عليه السلام إذا أفطر استقبل القبلة‏.‏ وقال‏:‏ اللهم خلصني من كل مصيبة نزلت من السماء ثلاثاً، وإذا طلع حاجب الشمس قال‏:‏ اللهم اجعل لي سهماً في كل حسنة نزلت الليلة من السماء إلى الأرض ثلاثاً‏. وأخرج أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه قال‏:‏ في السجود في ‏ {صۤ‏}‏ ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها‏. وأخرج النسائي وابن مردويه بسند جيد عن ابن عباس ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ‏ {‏صۤ}‏ وقال‏: سجدها داود، ونسجدها شكراً‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري عن العوام قال‏:‏ سألت مجاهداً عن سجدة‏ "‏ص‏"‏ فقال‏:‏ سألت ابن عباس من أين سجدت‏؟‏ فقال‏:‏ أو ما تقرأ ‏{أية : ‏ومن ذريته داود وسليمان‏}تفسير : ‏ ‏[‏الأنعام: 84‏]‏ إلى قوله ‏{أية : ‏أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده‏}تفسير : [الأنعام: 90] فكان داود ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به، فسجد بها داود عليه السلام، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال‏:‏ ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسجد في‏ "‏ص‏"‏ حتى نزلت ‏{أية : ‏أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده‏}تفسير : ‏ ‏[‏الأنعام: 90‏] فسجد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏. حديث : وأخرج الترمذي وابن ماجة والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله إني رأيت في هذه الليلة فيما يرى النائم كأني أصلي عند شجرة، وكأني قرأت سورة السجدة، فسجدت فرأيت الشجرة سجدت بسجودي، وكأني أسمعها وهي تقول اللهم اكتب لي بها عندك ذكراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها إليّ عندك ذخراً، وأعظم بها أجراً، وتقبل مني كما تقبلت من عبدك داود‏.‏ قال ابن عباس فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم السجدة، فسمعته يقول في سجوده كما أخبر الرجل عن قول الشجرة‏ . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة‏، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في ‏"‏ص‏"‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن السائب بن يزيد قال‏:‏ صليت خلف عمر الفجر فقرأ بنا سورة‏ "‏ص‏"‏ فسجد فيها، فلما قضى الصلاة قال له رجل‏:‏ يا أمير المؤمنين ومن عزائم السجود هذه‏؟‏ فقال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها‏.‏ أخرج ابن مردويه عن أنس‏.‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في ‏"‏ص‏"‏‏. وأخرج الدارمي وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ ‏"‏قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ‏"‏ص‏"‏ فلما بلغ السجدة، نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان آخر يوم قرأها، فلما بلغ السجدة تهيأ الناس للسجود فقال‏:‏ إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تهيأتم للسجود، فنزل فسجد‏"‏‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة‏ "‏ص‏"‏ وهو على المنبر، فلما أتى على السجدة قرأها، ثم نزل فسجد‏"‏‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير‏،‏ أن عمر بن الخطاب كان يسجد في‏ "‏ص‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال‏:‏ في‏ "‏ص‏"‏ سجدة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن مسعود،‏ أنه كان لا يسجد في‏ "‏ص‏"‏ ويقول‏:‏ إنما هي توبة نبي ذكرت‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية قال‏:‏ كان بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسجد في ‏"‏ص‏"‏ وبعضهم لا يسجد، فأي ذلك شئت فافعل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مريم قال‏:‏ لما قدم عمر الشام أتى محراب داود عليه السلام، فصلى فيه، فقرأ سورة‏ "‏ص‏"‏ فلما انتهى إلى السجدة سجد‏. وأخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد‏،‏ أنه رأى رؤيا أنه يكتب‏ "‏ص‏"‏ فلما انتهى إلى التي يسجد بها، رأى الدواة، والقلم، وكل شيء بحضرته انقلب ساجداً، فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يسجد بها بعد‏. وأخرج أبو يعلى عن أبي سعيد قال‏:‏ حديث : رأيت فيما يرى النائم كأني تحت شجرة، وكأن الشجرة تقرأ ‏"‏ص‏"‏ فلما أتت على السجدة، سجدت فقالت في سجودها‏:‏ اللهم اغفر لي بها، اللهم حط عني بها وزراً، واحدث لي بها شكراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبرته فقال "‏سجدت أنت يا أبا سعيد‏؟‏ فقلت‏:‏ لا فقال: أنت أحق بالسجود من الشجرة"، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ص‏"‏ ثم أتى على السجدة، وقال في سجوده ما قالت الشجرة في سجودها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني والخطيب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ‏"‏حديث : السجدة التي في‏ "‏ص‏"‏ سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكراً‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال‏:‏ دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في سفره وهو يقرأ ‏"‏ص‏"‏ فسجد فيها‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا ٱلْخَصْمِ} استفهامٌ معناه التَّعجيبُ والتَّشويقُ إلى استماع ما في حيِّزهِ لإيذانه بأنَّه من الأنباء البديعة التي حقُّها أنْ تشيعَ فيما بـين كلِّ حاضرٍ وبادٍ. والخَصمُ في الأصل مصدرٌ ولذلك يُطلق على الواحدِ وما فوقه كالضَّيفِ، ومعنى خصمانِ فريقانِ {إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} إذا تصعدوا سورَه ونزلُوا إليه. والسُّورُ الحائطُ المرتفعُ ونظيرُه تسنَّمه إذا علا سنامَهُ وتذرَّاهُ إذا علا ذِرْوَتُه. وإذْ متعلِّقةٌ بمحذوفٍ أي نبأ تحاكم الخصم إذْ تسوَّروا أو بالنبأ على أنَّ المرادَ به الواقع في عهد داودَ عليه السَّلامُ وأنَّ إسنادَ الإتيان إليه على حذف مضافٍ أي قصَّةً نبأ الخصم أو بالخصم لما فيه من معنى الخُصومةِ لا بأتى لأنَّ إتيانَه الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم لم يكن حينئذٍ وقوله تعالى: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ} بدلٌ ممَّا قبله أو ظرف لتسوَّروا {فَفَزِعَ مِنْهُمْ} رُوي أنَّه تعالى بعثَ إليه مَلكين في صورة إنسانينِ قيل: هما جبريلُ وميكائيلُ عليهما السَّلامُ فطلبا أنْ يدخلا عليه فوجداهُ في يوم عبادته فمنعهُما الحَرَسُ فتسوَّروا عليه المحراب بمن معهُما من الملائكةِ فلم يشعرْ إلاَّ وهُما بـين يديه جالسانِ ففزِع منهم لأنَّهم نزلُوا عليه من فوق على خلافِ العادةِ والحَرَسُ حوله في غير يوم الحُكومةِ والقضاء. قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: إنَّ داودَ عليه السَّلامُ جزَّأ زمانَه أربعةَ أجزاءٍ يوماً للعبادة ويوماً للقضاء ويوماً للاشتغال بخاصَّةِ نفسه ويوماً للوعظ والتَّذكيرِ. {قَالُواْ} استئناق وقع جواباً عن سؤالٍ نشأ من حكايةِ فزعِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكأنَّه قيل: فماذا قالتِ الملائكةُ عند مشاهدتِهم لفزعِه، فقيل قالوا إزالةً لفزعِه {لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ} أي نحنُ فوجانِ متخاصمانِ على تسمية مصاحب الخصم خَصْماً {بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ} هو على الفرض وقصد التَّعريضِ فلا كذبَ فيه{فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقّ وَلاَ تُشْطِطْ} أي لا تجُر في الحُكومةِ وقرىء ولا تشطُطْ أي لا تبعُد عن الحقِّ وقرىء ولا تشطّط ولا تشاطِطْ وكلُّها من معنى الشَّططِ وهو مجاوزةُ الحدِّ وتخطِّي الحقِّ {وَٱهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاء ٱلصّرٰطِ} إلى وسطِ طريقِ الحقِّ بزجر الباغي عمَّا سلكه من طريق الجَوْرِ وإرشاده إلى منهاجِ العدلِ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} الآيات. أرسل اللَّهُ إلى داود عليه السلام مَلَكَيْنِ من السماء على صورة رجلين فتحاكَمَا إليه تنبيهاً له على ما كان منه من تَزَوُّجِه بامرأة أوريا، وكان تَرْكُ ذلك أَوْلَى - هذا على طريق مَنْ رأى تنزيهَ الأنبياءِ عليهم السلام من جميع الذنوب. وأمَّا مَنْ جَوَّزَ عليهم الصغائر فقال: هذا من جملته. وكنَّى الخَصْمان باسم النعجة عن النساء. وكان داود عليه السلام قال لله سبحانه وتعالى: إِنَّي لأَجِدُ في التوراة أنَّكَ أعطيتَ الأنبياءَ الرُّتَبَ فـأَعْطِنِيها، فقال: إِنهم صبروا فيما ابتَلَيْتُهم به، فوعد داودُ من نَفْسِه الصبرَ إذا ابتلاه طمعاً في نَيْلِ الدرجات، فأخبر اللَّهُ تعالى أنه يبتليه يومَ كذا، فجعل داودُ ذلك اليوم يوم عبادة، واختلى في بيته، وأَمَرَ حُرَّاسَه ألا يؤذيَه أحدٌ بالدخول عليه، وأغلق على نَفْسِه البابَ، وأخذ يُصَلِّي زماناً، ويقرأ التوراةَ زماناً يتعبَّد. أغلق على نفسه الباب ولكن لم يمكنه غَلْق بابِ السماء. وأَمَرَ حَرَسَه أن يدفعوا عنه الناسَ وكانوا ثلاثين ألف رجل - ويقال أربعة آلاف - ولكن لم يُمْكِنْهم أَنْ يدفعوا عنه حُكْمَ القضاء، ولقد قال الحكماء: الهاربُ مما هو كائن في كَفِّ الطالبِ يتقلب. وكانت في البيت كوَّةٌ يدخل منها الضوء، فَدَخَلَ طيرٌ صغيرٌ من الذهب، ووقع قريباً منه، وكان لداود ابنٌ صغيرٌ فَهَمَّ أن يأخذَه ليدفعَه إلى ابنه، فتباعَدَ عنه. وجاء في التفاسير: أنه كان إبليس، قد تصوَّر له في صورة طير، فَتَبِعَه داود، ولم يزل الطائرُ يتباعد قليلاً قليلاً، وداود يتبعه حتى خَرَجَ من الكوة، وَنَظَر داود في إثره فَوَقَعَ بَصَرُه على امرأة أوريا وهي تغتسل متجردةً، فعاد إلى قلبه منها شيء، فكان هذا السبب. ويقال لم يَرْعَ الاهتمامَ بسبب وَلَدِه حتى فعل به ما فعل، وفي ذلك لأولي الأبصار عِبْرَةٌ. ويقال لم يكن أوريا قد تزوَّجَ بها بَعْدُ، وقد كان خَطَبَها، وأجابَتْه في التزوج به، فَخَطَبَ داود على خِطْبَتِه. وقيل بل كانت امرأتَه وسأله أن ينزل عنها، فَنَزَلَ على أمره وتزوجها. وقيل بل أرسل أوريا إلى قتال الأعداء فقُتِلَ وتزوَّج بها. فلمَّا تَسَوَّرَ الخصمان عليه، وقيل دَخَلاَ من سور المحراب أي أعلاه ولذلك:- {فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ}. نحن خصمان ظَلَمَ بعضُنا بعضاً، فاحكُمْ بيننا بالعدل: {إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ}. {أَكْفِلْنِيهَا} أي انزلْ عنها حتى أكفلَها أنا، {وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ}. أي غلبني، فقال داود: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ}. فضحك أحدهما في وجه صاحبه، وصَعدَ إلى السماء بين يديه، فَعَلِمَ داودُ عند ذلك انه تنبيهٌ له وعتابٌ فيما سَلَفَ منه، وظنَّ واستيقن أنه جاءَتْه الفتنةُ الموعودة: {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ}. أخذ في التضرع، وجاء في التفسير أنه سجد أربعين يوماً لا يرفع رأسَه من السجود إلا (للصلاة) المكتوبة عليه، وأخذ يبكي حتى نَبَتَ العُشبُ من دموعه، ولم يأكل ولم يشرب في تلك المدة، حتى أوحى اللَّهُ إليه بالمغفرة، فقال: يا رب، فكيف بحديث الخصم؟ فقال: إني استوهبْتُك منه، وقال تعالى: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ}. إن له عندنا لَقُربةً وحُسْنَ رجوع، وقيل: كان لا يشرب الماء إلا ممزوجاً بدموعه. ويقال لمَّا التجأ داود عليه السلام في أوائل البلاء إلى التوبة والبكاء والتضرع والاستخذاء وَجَدَ المغفرةَ والتجاوز... وهكذَا مَنْ رجع في أوائل الشدائد إلى الله فاللَّهُ يكفيه مما ينوبه، وكذلك مَنْ صَبَرَ إلى حين طالت عليه المحنة. ويقال إنَّ زَلّةً أَسَفُكَ عليها يوصلك إلى ربِّك أَجْدَى عليك من طاعةٍ إعجابُكَ بها يُقْصِيكَ عن ربِّك.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهل اتاك نبأ الخصم} استفهام معناه التعجب والتشويق الى استماع ما فى حيزه للايذان بانه من الاخبار البديعة التى حقها ان لا تخفى على احد. والنبأ الخبر العظيم والخصم بمعنى المخاصم واصل المخاصمة ان يتعلق كل واحد بخصم الآخر بالضم اى جانبه ولما كان الخصم فى الاصل مصدرا متساويا افراده وجمعه اطلق على الجمع فى قوله تعالى {اذ تسوروا المحراب} يقال تسور المكان اذا علا سوره وسور المدينة حائطها المشتمل عليها وقد يطلق على حائط مرتفع وهو المراد هنا. والمراد من المحراب البيت الذى كان داود عليه السلام يدخل فيه ويشتغل بطاعة ربه. قيل كان ذلك البيت غرفة وسمى ذلك البيت محرابا لاشتماله على المحراب على طريقة تسمية الشىء باشرف اجزائه واذ متعلقة بمحذوف وهو التحاكم اى نبأ تحاكم الخصم اذ تسوروا المحراب اى تصعدوا سور الغرفة ونزلوا اليه. والمراد بالخصم المتسورين جبرائيل وميكائيل بمن معهما من الملائكة على صورة المدعى والمدعى عليه والشهود والمزكين من بنى آدم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وهل أتاك نبأ الخصم}؛ استفهام، معناه التعجُّب والتشويق إلى استماع ما في حيزه؛ لأنه من الأنباء البديعة، والأخبار العجيبة. والخصم ـ في الأصل: مصدر، ولذلك يطلق على الواحد والجمع، كالضيف والزوْر. وأريد هنا اثنان، وإنما جمع الضمير بناء على أن أقل الجمع اثنان. {إذ تسوَّروا المحراب} أي: تصعّدوا سوره ونزلوا إليه. والسور: الحائط المرتفع، ونظيره: تسنمه: إذا علا سنمه. والمحراب: الغرفة، أو: المسجد، سمي محراباً لتحارب الشيطان فيه والخواطر الردية. و "إذ": متعلق بمحذوف، أي: نبأ تحاكم الخصمين، أو بالخصم؛ لِمَا فيه من معنى الخصومة، {إِذ دخلوا على داودَ}: بدل مما قبله، أو: ظرف لتَسوروا، {فَفَزِعَ منهم}: تروَّع منهم. رُويَ أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين، قيل: جبريل وميكائيل، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في عبادته، فمنعهما الحرس، فتسوّروا عليه المحراب، فلم يشعر إلا وهما بين يديه، جالسان، ففزع منهم؛ لأنهم دخلوا عليه في غير يوم القضاء، ولأنهم نزلوا من فوق، وفي يوم الاحتجاب، والحرس حوله لا يتركون مَن يدخل عليه. قال الحسن: جزأ داود عليه السلام الدهر أربعة أجزاء؛ يوماً لنسائه، ويوماً للعبادة، ويوماً للقضاء، ويوماً للمذاكرة مع بني إسرائيل. فدخلوا عليه يوم عبادته. فلما فزع {قالوا لا تخفْ}، نحن {خصمانِ بَغَى بعْضُنا على بعض} أي: ظلم وتطاول عليه، {فاحكمْ بيننا بالحق ولا تشْطِطْ}؛ لا تَجُرْ، من: الشطط، وهو مجاوزةُ الحدّ وتخطي الحق، {واهدنا إِلى سواء الصراط}؛ وأرشدنا إلى وسط الطريق ومحجته، والمراد: عين الحق وصريحه. رُوي: أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسألُ بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته، فيتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم عادة في المواساة بذلك. وكان في أول الإسلام شيء من ذلك بين المهاجرين والأنصار، فاتفق أنَّ عَيْنَ داودَ عليه السلام وقعت على امرأة أورِيا، وكانت جميلة، فأحبّها، فسأله النزولَ له عنها، فاستحيا أن يردّه، ففعل، فتزوجها، وهي أم سليمان؛ فعُوتب في ذلك، وقيل له: إنك مع عظيم منزلتك، وكثرة نسائك، لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلاً ليس له إلا امرأة واحدة، كان الواجب عليك مغالبةُ هواك، وقهر نفسك، واصبر على ما امتحِنْتَ به. وقيل: خطبها أوريا، وخطبها داود، فآثره أهلها، فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. هـ. ولعلم لم يكن محرماً في شرعهم، وإنما كان خلاف الأَولى. وقال شيخ شيوخنا في حاشيته: لا يصح هذا في حق الأنبياء، وما يُحكى أنه بعث أوريا إلى الغزو مرة بعد مرة، وأحبّ أن يُقتل ليتزوجها، فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أبناء الناس، فضلاً عن بعض أعلام الأنبياء. وقال عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ: مَن حدّثكم بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصَّاص جلدتْه مائةً وستين، وهو حدّ الفرية على الأنبياء ـ يعني الحدّ مرتين ـ. ورُويَ: أن رجلاً حدّث بها عند عُمر بن عبد العزيز، وعند رجلٌ من أهل الحق، فكذَّب المحدِّث، وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله، فما ينبغي أن يُلتمَس خلافُها، ولا أن يُقال غير ذلك، وإن كانت على ما ذكرتَ، وقد سترها الله على نبيه، فما ينبغي إظهارَها عليه، فقال عمر: لَسَماعي لهذا الكلام أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس. والذي يدلُّ عليه المثل الذي ضربه الله لقصته عليه السلام ليس إلا أنه طلب من زوج المرأة أن ينزل عنها فحسب، فتزوجها، وإنما جاءت على طريق التمثيل والتعريض، دون التصريح؛ لكونها أبلغ في التوبيخ، من قِبَل أنّ المتأمل إذا أدّاه إلى الشعور بالمعرِّض به كان أوقع في نفسه، وأَشَدّ تمكُّناً من قلبه، وأعظم أثراً فيه، مع مراعاة حسن الأدب، بترك المجاهرة بالعتاب. قاله النفسي. ثم ذكر التعريض بقوله: {إِن هذا أَخي} في الدين، أو: في الصداقة، أو: الشركة. والتعبير به لبيان كمال قُبح ما فعل به صاحبه، {له تِسعٌ وتسعونَ نَعْجَةً}؛ النعجة: الأنثى من الضأن، وقد يُكنى بها عن المرأة، والكناية والتعريض أبلغ من التصريح. {وَلِيَ نَعْجةٌ واحدة} لا أملك غيرها، {فَقال اكْفِلنيهَا} أي: ملِّكنيها، واجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، {وعَزَّني}؛ غلبني {في الخطاب}؛ في الخصومة، أي: كان أقدر مني على الاحتجاج والمجادلة، أو: غلبني في الخِطبة، حيث خطبتُ وخطبَ، فأخذها، وهذا منهما تعريض وتمثيل، كأنهما قالا: نحن كخصمين هذه حالهما، فمثّلت قصة أورِيا مع داود بقصة رجل له نعجة واحدة، وخليطه له تسع وتسعون، فأراد صاحبه تتمة المائة، فطمع في نعجة خليطه، وحاجّه في أخذها، محاججة حريص على بلوغ مراده. وإنما كان ذلك على وجه التحاكم إليه، ليحكم بما حكم به من قوله: {قال لقد ظَلَمَكَ بسؤال نعجَتِكَ إلى نِعَاجِه}، حتى يكون محجوباً بحكمه. وهو جوابُ عن قسم محذوف، قصد به عليه السلام المبالغة في إنكار فعل صاحبه به، وتهجين طمعه في نعجة مَن ليس له غيرها، مع أنَّ له قطيعاً منها. ولعله عليه السلام قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما ادّعاه عليه، أو: بناه على تقدير صدق المدعي، أي: إن كنت صدقت فقد ظلمك، والسؤال: مصدر مضاف إلى المفعول، وتعديته إلى مفعول آخر لتضمينه معنى الضم {وإِنَّ كثيراً من الخُلَطاءِ}؛ الشركاء الذين خلطوا أموالهم، {لَيبغي بعضُهم على بعضٍ}؛ غير مراع لحق الصحبة والشركة، {إِلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} منهم، فإنهم يتحامَوْن عن البغي والعدوان، {وقليلٌ ماهم} أي: وهم قليل. و "ما": مزيدة للإبهام، والتعجُّب من قِلتهم. والجملة: اعتراض. {وظنَّ داودُ أَنما فتناه}، الظن مستعار للعلم الاستدلالي؛ لما بينهما من المشابهة الظاهرة، أي: علم بما جرى في مجلس الحكومة؛ وقيل: لمّا قضى بينهما نظر أحدُهما إلى الآخر، فضحك، ثم صعدا إلى السماء فعلم عليه السلام أنه تعالى ابتلاه. والقصر مُنصَّب على الفتنة، أي: علم أنما فعلناه به فتنة وامتحان. واختلف في سبب امتحانه، قيل: لأنه تمنّى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقال: يا رب أرى الخير كله ذهب به آبائي، فأوحى إليه: إني ابتليتهم، فصبروا، فابتلي إبراهيم بنمروذ وبذبح ولده، وإسحاق بالذبح. ويعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره، وأنت لم تُبتل بشيءٍ، فقال: يا رب ابتلني بمثل ما ابتليتهم به، فابتلي بالمرأة. وقيل: إنه ادعى القوة، وقال: إنه لا يخاف من نفسه قط، فامتُحن، {فاستغفر ربَّه} إثر ما علم أن ما صدر منه ذنب؛ {وخَرَّ راكعاً} أي: ساجداً، على تسمية السجود ركوعاً، أو: خرَّ راكعاً مصلياً صلاة التوبة، {وأنابَ} أي: رجع إلى الله بالتوبة، رُوي: أنه بقي ساجداً أربعين يوماً يبكي، حتى نبت البقل من دموعه، ولم يشرب ماءً إلا وثلثاه دموع، واشتغل بذلك عن المُلك، حتى وثب ابن له، يقال له: "إيشا" على ملكه ودعا إلى نفسه، واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل، فلما غفر له حاربه فهزمه. هـ. وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك، خلافاً للشافعي، إلا أنه اختلف في مذهب مالك؛ هل سجد عند قوله: {وأناب} أو عند قوله: {وحُسنَ مآبٍ}. وروى الترمذي حديث : عن أبي سعيد الخدري: أنه رأى في المنام شجرة تقرأ سورة "ص"، فلما بلغت: "وأناب" سَجَدَت، وقالت: اللهم اكتب لي بها أجراً، وحطّ عني بها وزراً، وارزقني بها شكراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، فقال له ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "وسجدتً أنت يا أبا سعيد؟" قلت: لا. قال: "كنتَ أحق بالسجود من الشجرة" تفسير : ،ثم تلى نبي الله الآيات، حتى بلغ: {وأناب} فسجد، وقال كما قالت الشجرة. {فغفرنا له ذلك} أي: ما استغفر منه. قال القشيري: ولمّا أوحى الله بالمغفرة، قال: يا رب كيف بحديث الخصم؟ ـ أي: الرجل الذي ظلمته ـ فقال: قد استوهبتك منه. هـ. وفي رواية: إني أعطيه يوم القيامة ما لم ترَ عيناه، فأستوهِبك منه فيهبك لي، قال: يا رب الآن قد عرفتُ أنك غفرت لي. هـ. قال تعالى: {وإِن له عندنا لزُلْفَى}؛ لقُربى وكرامة بعد المغفرة، {وحُسْنَ مَآبٍ}؛ مرجع في الجنة. الإشارة: إنما عُوتب داود عليه السلام لأنه التفت إلى الجمال الحسي الفرقي، دون الجمال المعنوي الجمعي، ولو سبته المعاني بجمالها ما التفت إلى الجمال الفرقي، فلما نبّهه الحق تعالى استغفر ورجع إلى الجمال المعنوي، الذي هو جمال الحضرة القدسية، وعبارة شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: عدَّ عليه التفاته عن الجمال المطلق عن الأشكال والصُور إلى المقيد بهما، وهي مقام تفرقة، لا مقام جمع، فاستغفر ورجع إلى شهود الفاعل جمعاً، عن شهود فعله فرقاً، فخلع عليه خلعة الخلافة والله أعلم. هـ. قال القشيري: قال داود عليه السلام: يا رب إني أجد في التوراة أنك أعطيت الأنبياء الرتب العالية، فأعطينها؟ فقال: إنهم صبروا لمّا ابتليتهم، فوعد من نفسه الصبر إذا ابتلاه، طمعاً في مثل تلك الرتب، فأخبر أنه يبتليه يوم كذا، فلما جاء ذلك اليوم دخل خلوته، وأغلق أبوابه، ولم يُمكنه غلق باب السماء. وقد قال الحكماء: الهارب مما هو كائن في كف الطالب يتقلّب. ثم إنه كان في البيت كوة، يدخل منها النور، فدخل منها طير صغير، كأنه من ذهب، وكان لداود ولد صغير، فهمَّ أن يقبضه لابنه، فما زال يحاول ويتبعه حتى وقع بصره على المرأة، فامتحن بها، فلم يدع به الاهتمام بولده حتى فعل ما فعل، وفي ذلك لأولي الأبصار عبرة. هـ. وقال عند قوله: {فغفرنا له ذلك}: التجأ داود عليه السلام في أوائل البلاء إلى التوبة، والبكاء، والتضرُّع، والاستكانة، فوجد المغفرةَ والتجاوز. وهكذا مَن رَجع في أوائل الشدائد إلى الله، فالله يكفيه ويتوب عليه، وكذلك مَن صَبَرَ إلى حينِ طالت عليه المحنة. ويقال: إن زلة قدّرها عليك، توصلك إليه بندمك، أحرى بك من طاعة، إعجابك بها يُقصيك عن ربك. هـ. وفي الحِكَم: "معصية أورثت ذُلاًّ وافتقاراً، خير من طاعة أورثت عزًّا واستكباراً" وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: كل سوء أدب يُثمر لك حُسن أدب؛ فهو أدب. هـ. ولمَّا تحققتْ إنابته، جعله اللهُ خليفةً، كما قال: {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ}.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لنبيه وصورته صورة الاستفهام والمراد اخباره بما كان من قصة داود من الحكم بين الخصمين وتنبيهه على موضع إخلاله ببعض ما كان ينبغي أن يفعله فقال {وهل أتاك نبؤ الخصم} يعني خبره فالنبأ الخبر بما يعظم حاله {إذ تسوروا المحراب} يعني حين صعدوا اليه. والخصم هو المدعي على غيره حقاً من الحقوق المنازع له فيه، ويعبر به عن الواحد والاثنين والجماعة بلفظ واحد، لان أصله المصدر، فتقول: رجل خصم، ورجلان خصم، ورجال خصم، ولذلك قال {إذ تسوروا المحراب} لأنه أراد المدعي والمدعى عليه ومن أتبعهما، فلا يمكن أن يتعلق به في أن أقل الجمع اثنان، لما قال {خصمان بغى بعضنا على بعض} لانه أراد بذلك الفريقين، والخصم من خصمته اخصمه خصماً. والتسور الاتيان من جهة السور، يقال تسور فلان الدار إذا أتاها من قبل سورها، وكانوا أتوه من اعلى المحراب، فلذلك فزع منهم، والمحراب مجلس الاشراف الذى يحارب دونه لشرف صاحبه، ومنه سمى المصلي محراباً وموضع القبلة ايضاً محراب. وقوله {إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض} معناه إن هؤلاء حين دخلوا على داود من غير الجهة التي اعتاد الدخول عليه منها فزع منهم، لانه ظنهم أعداء يريدون به سوء فقالوا له {خصمان} ولم يقولا: نحن خصمان يعني فريقان لأنهما كانا ملكين ولم يكونا خصمين ولا بغى احدهما على الآخر، وإنما هو على المثل {فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط} معناه ولا تجاوز الحق ولا تجر ولا تسرف في حكمك بالميل مع أحدهما - على الآخر، يقال أشط في حكمه إذا جار يشط فهو مشط وشططت علي في السوم تشط شططاً قال الشاعر: شعر : ألا يا لقومي قد اشطت عواذلي ويزعمن أن اودى بحقي باطلي تفسير : وقال آخر: شعر : يشط غداً دار جيراننا وللدار بعد غد بعد تفسير : وقوله {واهدنا إلى سواء الصراط} معناه أرشدنا إلى قصد الطريق الذي هو طريق الحق ووسطه، كما قال {أية : فاطلع فرآه في سواء الجحيم} تفسير : ثم حكى تعالى ما مكان أحد الخصمين لصاحبه، فقال {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة} قال وهب بن منية: يعني أخي في ديني وقال اكثر المفسرين انه كنى بالنعاج عن تسع وتسعين إمرأة كانت له وان الآخر له نعجة واحدة يعني امرأة واحدة. وقال الحسن: لم يكن له تسع وتسعون امرأة وإنما هو على وجه المثل. وقال أبو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني: أراد النعاج باعيانها، وهو الظاهر غير انه خالف أقوال المفسرين. وقال هما من ولد آدم، ولم يكونا ملكين وإنما فزع منهما لانهما دخلا عليه في غير الوقت المعتاد، وهو الظاهر غير انه خلاف أقوال المفسرين على ما قلناه. وقوله {فقال أكفلنيها} معناه اجعلني كفيلا بها أي ضامناً لامرها. ومنه قوله {أية : وكفلها زكريا} تفسير : وقال ابو عبيدة معناه ضمها اليها، وقال ابن عباس وابن مسعود معنى اكفلنيها انزل لي عنها {وعزني في الخطاب} أي غلبني في المخاطبة من قولهم: من عز بزّ أي من غلب سلب. وقال ابن زيد: معناه قهرني. وقال ابو عبيدة: معناه صار أعز مني، فقال له داود {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه. وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض} ومعناه إن كان الامر على ما تدعيه لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فاضاف السؤال إلى المفعول به وهي النعجة وإن أضيف اليها. ثم اخبر ان كثيراً من الشركاء والخلطاء ليبغي بعضهم على بعض فيظلمه. وقال أصحابنا: كان موضع الخطيئة أنه قال للخصم لقد ظلمك من غير ان يسأل خصمه عن دعواه وفي آداب القضاء ألا يحكم بشيء ولا يقول حتى يسأل خصمه عن دعوى خصمه، فما أجاب به حكم به. وهذا ترك الندب في ذلك، وفي ذلك قول آخر، وهو إن في الناس من قال: إن ذلك كان صغيرة منه وقعت مكفرة، والشرط الذي ذكرناه لا بد فيه، لانه لا يجوز ان يخبر النبي ان الخصم ظلم صاحبه قبل العلم بذلك على وجه القطع، وإنما يجوز مع تقرير الشرط الذي ذكرناه. ثم استثنى من جملة الخلطاء الذين بعضهم يبغي على بعض الذين آمنوا بالله وعملوا بما يوجب عليهم، فانهم لا يفعلون ذلك. ثم قال وقليل الذين كذلك، فروي أن الملكين غابا من بين يديه فظن عند ذلك أن الله اختبره بهذه الحكومة وابتلاه. وقرئ {فتناه} بالتخفيف بمعنى أن الملكين فتناه بها. وقال قوم الظن العلم كأنه قال: وعلم داود ذلك وقال آخرون: إنما ظن ظناً قوياً وهو الظاهر. وقوله {فاستغفر ربه} معناه سأل الله المغفرة والستر عليه {وخر راكعاً وأناب} اليه أي رجع اليه بالتوبة. ثم اخبر تعالى انه أجاب دعوته وغفر له ذلك، وأخبر ان له مع المغفرة عند الله لزلفى، والزلفى القربة من رحمة الله، وثوابه في جنته {وحسن مآب} فالمآب والمرجع والمصير والمآل واحد. ومن قال ان ذلك كان صغيرة وقعت مكفرة يقول: معنى قوله {فغفرنا له} بعد الانابة، وإن كانت الخطيئة غفرت في الدنيا. وقيل: انه خطب امرأة كان اوريا ابن حيان قد خطبها فدخل في سومه، فاختاروه عليه فعاتبه الله على ذلك، لان الانبياء يتنزهون عن ذلك، وإن كان مباحاً لأنه مما ينفر على بعض الوجوه. وقيل: بل انفذ به إلى غزوة، وكان يحب ان يستشهد ليتزوج امرأته لأنهما كانا تحاكما اليه فوقعت امرأته في قلبه واشتهاها شهوة الطباع من غير أن يحدث أمراً قبيحاً. وأولى الوجوه ما قدمناه انه ترك الندب في ما يتعلق بأدب القضاء. لأن باقي الوجوه ينبغي ان ينزه الانبياء عنها لانها تنفر في العادة عن قبول أقوالهم، فأما ما يقول بعض الجهال من القصاص أن داود عشق امرأة أوريا، وأنه امره بأن يخرج إلى الغزو، وأن يتقدم امام التابوت وكان من يتقدم التابوت من شرطه ألا يرجع إلى أن يغلب او يقتل، فخبر باطل موضوع، وهو مع ذلك خبر واحد لا أصل له ولا يجوز أن تقبل اخبار الآحاد في ما يتضمن في الانبياء ما لا يجوز على ادون الناس، فان الله نزههم عن هذه المنزلة واعلى قدرهم عنها. وقد قال الله تعالى {أية : الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس} تفسير : وقال {أية : ولقد اخترناهم على علم على العالمين} تفسير : فكيف يختار تعالى من يتعشق نساء اصحابه ويعرضهم للقتل من غير استحقاق ولا يجوز مثل هذا على الانبياء إلا من لا يعرف مقدارهم ولا يعتقد منزلتهم التي خصهم الله فيها نعوذ بالله من سوء التوفيق. وقد روي عن علي عليه السلام انه قال: لا أوتى برجل يقول إن داود ارتكب فاحشة إلا ضربته حدين احدهما للقذف والآخر لأجل النبوة. وقرأ ابن مسعود {تسع وتسعون نعجة} انثى، قال النحويون: هذا تأكيد، كما قال النبي: ابن لبون ذكر، وكما قال {طائر يطير بجناحية} وقال ابن جرير: معناه تسع وتسعون نعجة انثى أي حسناء، قال ابن خالويه هذا حسن جداً.

الجنابذي

تفسير : {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ} تنبيه له (ص) ولامّته على انّ الامتحانات الالهيّة كثيرة تكون بصورة اتيان المتخاصمين وبصورة الاذلال والاعزاز وبصورة عناد المعاندين ومحبّة المحبّين فلا تغفلوا عن امتحانه ولا تغترّوا بانعامه واعزازه، واتى بالاستفهام للتّعجيب من حاله (ع) ومبادرته بنسبة الظّلم الى الخصم من غير تثبّتٍ واستظهارٍ ليكون آكد فى ذلك التّنبيه {إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} التّسوّر الدّخول من قبل السّور، والمحراب مجلس الاشراف الّذى يحارب دونه وهو مقامهم الخاصّ لعبادتهم او نزاهتهم وخلوتهم.

الهواري

تفسير : ثم استأنف وقال: {وَهَل أَتَاكَ نَبَؤُاْ الْخَصْمِ} أي: خبر الخصم، أي: إِنك لم تعلمه حتى أعلمتك. {إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ} أي: المسجد. {إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ} أي: ولا تَجُر {وَاهْدِنَا} اي: وأرشدنا {إِلَى سَوَآءِ الصِّراطِ}. أي: إلى قصد الحق. وقال بعضهم: إلى سواء الصراط، أي: إِلى عدل القضاء. {إِنَّ هذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} أي: امرأة {وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} [أي انزل عنها لي وضُمَّها إليّ]. {وَعَزَّنِي} أي: وغلبني وقهرني. وهي تقرأ على وجه آخر: وعازني {فِي الْخِطَابِ} وتفسير ذلك بعد هذا الموضع.

اطفيش

تفسير : {وَهَلْ} استفهام معناه التعجب والتقرير بما عنده من الاتيان أو عدم الاتيان أو الاستبطاء وعلى كل حال فالمراد التشويق الى استماع ما بعده وهو مجاز فان (هل) ونحوها وضعت للاستفهام الحقيقي وانما استعملت فى غيره كالتعجب توسعاً بجامع الجهل فانه كما أن المستقيم تحقيقاً جاهل بما يستفهمون عنه كذلك المتعجب مثلاً جاهل بالسبب وانما يصرف التعجب للمخاطب تعالى الله عنه* {أَتَاكَ} يا محمد* {نَبَأُ} أى خبر* {الْخَصْمِ} مصدر فى الأصل ولذلك يطلق على الواحد وغيره كالمصدر يطلق على القليل والكثير وأطلق هنا على الجمع أو الاثنين* {إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ} أي علوا سوره والسور القطعة من البناء المحيطة يقال تسورت الحائط أي علوته بالصعود عليه كما يقال تسنمت البعير أي علوت سنامه والمحراب الغرفة والبيت يتعبد فيها أو قبة أو المسجد أو الموضع الرفيع من القصر أو المسجد والمراد محراب داود والمتسور ثلاثة بل مع كل واحد من الخصمين جماعة أو اثنان فقط وعبر عنهما بالواو و (اذ) ظرف ماض متعلق بمضاف محذوف أي نبئه تحاكم الخصم اذ تسوروا أو متعلق بـ (نبئه) لتأويله بالواقع ويقدر مضاف أي قصة الواقع في عهد داود أو متعلق بالخصم لانه فى معنى الذين تخاصموا أي المتخاصمين لا متعلق بأتاك لان اتيان النبأ بالتسور لم يكن في ذلك الزمان الماضي وانما تسوروا عليه حين منعهما الدخول من الباب لشغله بالعبادة فيما تسوروا إلا بعد منعهم من الدخول منه ولا خلاف أن هؤلاء الخصم ملائكة بعثهم الله ضرب مثلاً لداود ليختصموا اليه فى نازلة وقع فى مثلها على ما يأتي

اطفيش

تفسير : {وهل أتاكَ نبأ الخَصْم} تشويق وتعجيب الى معرفة خبر الذى يخاصم داود عليه السلام، ولاخصم فى الأصل مصدر خصمه بمعنى خاصمه أو غلبه، ولذلك صح اطلاقه على الواحد فصاعدا، والعطف على محذوف، أى وهل وصلك ما ذكر؟ أو عطف على أنا سخرنا عطف قصة على أخرى، أو عطف على اذكر {إذْ تَسوَّروا} واو الجمع عائد الى الخصم لجواز استعماله للجماعة، أى اذ علوا سور المحراب، ونزلوا اليه من الأفعال المأخوة من اسم الشىء، كتسنمت البعير، علوت سنامه، وتدريت الجبل، علوت دروته، والمراد بالجماعة الاثنان، بدليل قوله بعد خصمان، قيل: ملكان، ويقال: جبريل وميكائيل، أو المراد فوجان خصمان، واذ متعلق بنعت محذوف لنبأ أى نبأ الخصم الواقع وقت تسورهم على الاتساع فى الوقت بما يلى ذلك، وعلى أن الخبر ما يخبر أو بمضاف الى الخصم محذوف، أى نبأ تحاكم الخصم اذ الخ لا متعلق بنبأ لأنه لم يخبر وقت التسور، ولا بأننى لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأته الخبر وقت التسور، بل بعد، وجاز بالخصم اذ تخاصموا وقت التسور على الاتساع. {المحْراب} بوزن اسم الآلة وضع للغرفة، واستعمل بمعنى المسجد لا جامع الشرف أو لانفصاله عن المسجد كالغرفة عما تحتها أو صلة صدر المسجد ومحراب المسجد صدره أو أصله فى المسجد، ويطلق على صدر البيت تشبيها به، أو لأنه آلة لمحاربة الشيطان والهوى، أو من حرب عن كذا خلا عنه، ومن شأن من فى المحراب خلو قلبه عن أمور الدنيا، وهذه المحاريب مأخوذة عن أهل الكتاب، ولا توجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآن صارت أمرا مجمعا عليه.

الالوسي

تفسير : { وَهَلْ أَتَٰكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ} استفهام يراد منه التعجب والتشويق إلى استماع ما في حيزه لإيذانه بأنه من الأنباء البديعة التي حقها أن تشيع فيما بين كل حاضر وبادي. والجملة قيل عطف على {أية : إِنَّا سَخَّرْنَا }تفسير : [ص: 18] من قبيل عطف القصة على القصة، وقيل: على {أية : ٱذْكُرْ}تفسير : [ص: 17]. والخصم في الأصل مصدر لخصمه بمعنى خاصمه أو غلبه ويراد منه المخاصم ويستعمل للمفرد والمذكر وفروعهما؛ وجاء للجمع هنا على ما قال جمع لظاهر ضمائره بعد وربما ثني وجمع على خصوم وأخصام، وأصل المخاصمة على ما قال الراغب أن يتعلق كل واحد بخصم الآخر أي بجانبه أو أن يجذب كل واحد خُصْم الجوالق من جانب. {إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } أي علوا سوره ونزلوا إليه فتفعل للعلو على أصله نحو تسنم الجمل أي علا سنامه وتذرى الجبل علا ذروته، والسور الجدار المحيط المرتفع، والمحراب الغرفة وهي العلية ومحراب المسجد مأخوذ منه لانفصاله عما عداه أو لشرفه المنزل منزلة علوه قاله الخفاجي، وقال الراغب: محراب المسجد قيل: سمي بذلك لأنه موضع محاربة الشيطان والهوى، وقيل: لكون حق الإنسان فيه أن يكون حريبا من أشغال الدنيا ومن توزع الخاطر، وقيل: الأصل فيه أن محراب البيت صدر المجلس ثم لما اتخذت المساجد سمي صدره به، وقيل: بل المحراب أصله في المسجد وهو اسم خص به صدر المجلس فسمي صدر البيت محراباً تشبيهاً بمحراب المسجد وكأن هذا أصح انتهى، وصرح الجلال السيوطي أن المحاريب التي في المساجد بهيئتها المعروفة اليوم لم تكن في عهد النبـي صلى الله عليه وسلم وله رسالة في تحقيق ذلك. و (إذ) متعلقة بمحذوف مضاف إلى الخصم أي نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا أو بنبأ على أن المراد به الواقع في عهد داود عليه السلام، وإسناد الإتيان إليه على حذف مضاف أي قصة نبأ الخصم، وجوز تعلقها به بلا حذف على جعل إسناد الإتيان إليه مجازياً أو بالخصم وهو في الأصل مصدر والظرف قنوع يكفيه رائحة الفعل، وزعم الحوفي تعلقها بأتى ولا يكاد يصح لأن إتيان نبأ الخصم لم يكن وقت تسورهم المحراب.

ابن عاشور

تفسير : جملة {وهل أتاكَ نَبأ الخَصمِ} إلى آخرها معطوفة على جملة {أية : إنَّا سخرنا الجبال معه}تفسير : [ ص:18]. والإِنشاء هنا في معنى الخبر، فإن هذه الجملة قصت شأناً من شأن داود مَع ربه تعالى فهي نظير ما قبلها. والاستفهام مستعمل في التعجيب أو في البحث على العلم فإن كانت القصة معلومة للنبي صلى الله عليه وسلم كان الاستفهام مستعملاً في التعجيب وإن كان هذا أول عهده بعلمها كان الاستفهام للحث مثل {أية : هل أتاكَ حديثُ الغاشِيَةِ}تفسير : [الغاشية:1]. والخطاب يجوز أن يكون لكل سامع والوجهان الأولان قائمان. والنبأ: الخبر. والتعريف في {الخَصْمِ} للعهد الذهني، أي عهد فرد غير معيّن من جنسه أي نبأ خصم معيّن هذا خبره، وهذا مثل التعريف في: ادخل السوق. والخصام والاختصام: المجادلة والتداعي، وتقدم في قوله: {أية : هذان خصمان}تفسير : في سورة [الحج: 19]. و {الخصم}: اسم يطلق على الواحد وأكثر، وأريد به هنا خصمان لقوله بعده {خَصْمَانِ}. وتسميتهما بالخصم مجاز بعلاقة الصورة وهي من علاقة المشابهة في الذات لا في صفة من صفات الذات، وعادة علماء البيان أن يمثلوها بقول القائل إذَا رأى صورة أسد: هذا أَسد. وضمير الجمع مراد به المثنى، والمعنى: إذ تسورا المحراب، والعرب يعدلون عن صيغة التثنية إلى صيغة الجمع إذا كانت هناك قرينة لأن في صيغة التثنية ثقلاً لنْدرة استعمالها، قال تعالى: {أية : فقد صغت قلوبكما}تفسير : [التحريم: 4] أي قلباكما. و {إذْ تَسَوَّرُوا} إذا جعلت {إذ} ظرفاً للزمن الماضي فهو متعلق بمحذوف دل عليه {الخَصم}، والتقدير: تحاكم الخصم حين تَسوروا المحراب لداود. ولا يستقيم تعلقه بفعل {أتاكَ} ولا بــــ {نَبَأ} لأن النبأ الموقت بزمنِ تسوّر الخصم محراب داود لا يأتي النبي صلى الله عليه وسلم. ولك أن تجعل {إذ} اسماً للزمن الماضي مجرداً عن الظرفية وتجعله بدل اشتمال من {الخصم} لما في قوله تعالى: {أية : واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها}تفسير : [مريم: 16]، فالخصم مشتمل على زمن تسورهم المحراب، وخروج {إذ} عن الظرفية لا يختص بوقوعها مفعولاً به بل المراد أنه يتصرف فيكون ظرفاً وغير ظرف. والتسور: تفعل مشتق من السور، وهو الجدار المحيط بمكان أو بلدٍ يقال: تَسوّر، إذا اعتلى على السور، ونظيره قولهم: تسنم جملَهُ، إذا علا سَنامه، وتَذَرأه إذا علا ذروته، وقريب منه في الاشتقاق قولهم: صَاهى، إذا ركب صهوة فرسه. والمعنى: أن بيت عبادة داود عليه السلام كان محوطاً بسُور لئلا يدخله أحد إلا بإذن من حارس السور. و {المحراب}: البيت المتّخذ للعبادة، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : يعملون له ما يشاء من محاريب}تفسير : في سورة [سبأ: 13]. و {إذْ دَخلُوا} بدل من {إذْ تَسَوَّرُوا} لأنهم تسوروا المحراب للدخول على داود. والفزع: الذُّعر، وهو انفعال يظهر منه اضطراب على صاحبه من توقع شدة أو مفاجأة، وتقدم في قوله: {أية : لا يحزنهم الفزع الأكبر}تفسير : في سورة [الأنبياء: 103]. قال ابن العربي في كتاب «أحكام القرآن»: إن قيل: لِم فَزع داود وقد قويت نفسه بالنبوءة؟ وأجاب بأن الله لم يضمن له العصمة ولا الأمن من القتل وكان يخاف منهما وقد قال الله لموسى {لا تَخَف} وقبلَه قيل للوط. فهم مُؤمَّنون من خوف ما لم يكن قيل لهم إنكم منه معصومون اهــــ. وحاصل جوابه: أن ذلك قد عرض للأنبياء إذ لم يكونوا معصومين من إصابة الضرّ حتى يؤمّن الله أحدَهم فيطمئن والله لم يؤمن داود فلذلك فزع. وهو جواب غير تام الإِقناع لأن السؤال تضمن قول السائل وقد قويت نفسه بالنبوءة فجعل السائل انتفاءَ تطرّق الخوف إلى نفوس الأنبياء أصلاً بنى عليه سؤاله، وهو أجاب بانتفاء التأمين فلم يطابق سؤال السائل. وكان الوجه أن ينفي في الجواب سلامة الأنبياء من تطرق الخوف إليهم. والأحسن أن نجيب: أولاً: بأن الخوف انفعال جبليّ وضعه الله في أحوال النفوس عند رؤية المكروه فلا تخلو من بوادره نفوس البشر فيعرض لها ذلك الانفعال بادِىءَ ذي بَدءٍ ثم يطرأ عليه ثبات الشجاعة فتدفعه على النفس ونفوس الناس متفاوتة في دوامه وانقشاعه، فأمَّا إذا أمَّن الله نبيئاً فذلك مقام آخر كقوله لموسى {لا تخف} وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم {أية : فسيكفيكهم اللَّه}تفسير : [البقرة: 137]. وثانياً: بأن الذي حصل لداود عليه السلام فزع وليس بخوف. والفَزع أعمّ من الخوف إذ هو اضطراب يحصل من الإِحساس بشيء شأنُه أن يتخلص منه وقد جاء في حديث خسوف الشمس «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فَزِعاً، أي مسرعاً مبادراً للصلاة توقّعاً أن يكون ذلك الخسوف نذير عذاب»تفسير : ، ولذلك قال القرآن {فَفَزِعَ منهم} ولم يقل: خاف. وقال في إبراهيم عليه السلام {أية : فأوجس منهم خِيفَة}تفسير : [الذاريات: 28] أي توجُّساً ما لم يبلغ حدّ الخوف. وأما قول الخصم لداود {لاَ تَخَف} فهو قول يقوله القادِم بهيئة غير مألوفة من شأنها أن تريب الناظر. وثالثاً: أن الأنبياء مأمورون بحفظ حياتهم لأن حياتهم خير للأمة فقد يفزع النبي من توقع خطر خشية أن يكون سبباً في هلاكه فينقطع الانتفاع به لأمته. وقدحديث : جاء في حديث عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أرق ذات ليلة فقال: ليَت رجلاً صالحاً من أصحابي يَحرسنِي الليلةَ إذ سمعنا صوت السلاح فقال: من هذا؟ قال: سَعد بن أبي وقاص جئتُ لأحرسك. قالت: فنام النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا غطيطه»تفسير : . وروى الترمذي: أن العباس كان يحرس النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى: {أية : واللَّه يعصمك من الناس}تفسير : [المائدة: 67] فتركت الحراسة. ومعنى {بَغَى بعضنا} اعتدى وظلم. والبغي: الظلم، والجملة صفة لــــ {خَصْمَانِ} والرابط ضمير {بعضنا}، وجاء ضمير المتكلم ومعه غيره رعياً لمعنى {خصمان}. ولم يبينا الباغي منهما لأن مقام تسكين روع داود يقتضي الإِيجاز بالإِجمال ثم يعقبه التفصيل، ولإِظهار الأدب مع الحاكم فلا يتوليان تعيين الباغي منهما بل يتركانه للحاكم يعيّن الباغي منهما في حكمه حين قال لأحدهما: {لقد ظلمكَ بسؤالِ نعجتك إلى نعاجه}. والفاء في {فاحْكم بيننا بالحق} تفريع على قوله: {خصمان} لأن داود عليه السلام لمّا كان مَلِكاً وكان اللذان حضرا عنده خصمين كان طلب الحكم بينهما مفرعاً على ذلك. والباء في {بالحق} للملابسة، وهي متعلقة بــــ {احكم}. وهذا مجرد طلب منهما للحق كقول الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم الذي افتدى ابنَه ممن زنى بامرأته: {فاحكم بيننا بكتاب اللَّه}. والنهي في {لا تشطط} مستعمل في التذكير والإِرشاد. و {تشطط}: مضارع أشط، يقال: أشط عليه، إذا جَار عليه، وهو مشتق من الشطط وهو مجاوزة الحد والقدر المتعارف. ومخاطبة الخصم داود بهذا خارجة مخرج الحرص على إظهار الحق وهو في معنى الذكرى بالواجب فلذلك لا يعدّ مثلها جفاء للحاكم والقاضِي، وهو من قبيل: اتَّق الله في أمري. وصدوره قبل الحكم أقرب إلى معنى التذكير وأبعد عن الجفاء، فإن وقع بعد الحكم كان أقرب إلى الجفاء كالذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم في قسمة قسمها «اعْدِل، فقال له الرسول: ويلك فمن يعدل إن لم أعدل». وقد قال علماؤنا في قول الخصم للقاضي: (اتق الله في أمري) إنه لا يعد جفاء للقاضي ولا يجوز للقاضي أن يعاقبه عليه كما يعاقب من أساء إليه. وأفتى مالك بسجن فتى، فقال أبوه لمالك: اتق الله يا مالك، فوالله ما خُلقت النار باطلاً، فقال مالك: من الباطل ما فعله ابنك. فهذا فيه زيادة بالتعريض بقوله فوالله ما خلقت النار باطلاً. وقولهما: {واهدنا إلى سواء الصراطِ} يصرف عن إرادة الجفاء من قولهما: {ولا تُشْطِط} لأنهما عرفا أنه لا يقول إلا حقاً وأنهما تطلبا منه الهُدى. والهدى: هنا مستعار للبيان وإيضاح الصواب. و {سواء الصراط}: مستعار للحق الذي لا يشوبه باطل لأن الصراط الطريق الواسع، والسواء منه هو الذي لا التواء فيه ولا شُعب تتشعب منه فهو أسرع إيصالاً إلى المقصود باستوائه وأبعد عن الالتباس بسلامته من التشعب. ومجموع {اهدنا إلى سواء الصراط} تمثيل لحال الحاكم بالعدل بحال المرشد الدال على الطريق الموصلة فهو من التمثيل القابِل تجزئة التشبيه في أجزائه، ويؤخذ من هنا أن حكم القاضي العدل يُحمل على الجري على الحق وأن الحكم يجب أن يكون بالحق شرعاً لأنه هدي فهو والفتيا سواء في أنهما هدي إلا أن الحكم فيه إلزام. ومعنى {أكفِلْنِيها} اجعلها في كفالتي، أي حفظي وهو كناية عن الإِعطاء والهبة، أي هَبْهَا لي. وجملة {إنَّ هٰذَا أخِي} إلى آخرها بيان لجملة {خصمان بغى بعضنا على بعضٍ} وظاهر الأخ أنهما أرادا أخوّة النسب. وقد فرضا أنفسهما أخوين وفرضا الخصومة في معاملات القرابة وعلاقة النسب واستبقاء الصلات، ثم يجوز أن يكون {أخِي} بدلاً من اسم الإِشارة. ويجوز أن يكون خبر {إنَّ} وهو أولى لأن فيه زيادة استفظاع اعتدائه عليه. و {عَزّني} غلبني في مخاطبته، أي أظهر في الكلام عزّة عليّ وتطاولاً. فجَعل الخطاب ظرفاً للعزّة مجازاً لأن الخطاب دل على العزة والغلبة فوقع تنزيل المدلول منزلة المظروف وهو كثير في الاستعمال. والمعنى: أنه سأله أن يعطيه نعجته، ولمّا رأى منه تمنّعاً اشتدّ عليه بالكلام وهدّده، فأظهر الخصم المتشكي أنه يحافظ على أواصر القرابة فشكاه إلى الملك ليصدّه عن معاملة أخيه معاملة الجفاء والتطاول ليأخذ نعجته عن غير طيب نفس. وبهذا يتبين أن موضع هذا التحاكم طلب الإِنصاف في معاملة القرابة لئلا يفضي الخلافُ بينهم إلى التواثب فتنقطع أواصر المبرة والرحمة بينهم. وقد عَلم داود من تساوقهما للخصومة ومن سكوت أحد الخصمين أنهما متقاربان على ما وصفه الحاكي منهما، أو كان المدعَى عليه قد اعترف. فحكم داود بأن سؤال الأخ أخاه نعجته ظلم لأن السائل في غنى عنها والمسؤول ليس له غيرها فرغبة السائل فيما بيد أخيه من فرط الحرص على المال واجتلاب النفع للنفس بدون اكتراث بنفع الآخر. وهذا ليس من شأن التحابّ بين الأخوين والإِنصاف منهما فهو ظلم وما كان من الحق أن يسأله ذلك أعطاه أو منعه، ولأنه تطاول عليه في الخطاب ولامه على عدم سماح نفسه بالنعجة، وهذا ظلم أيضاً. والإِضافة في قوله: {بسؤال نعجتِكَ} للتعريف، أي هذا السؤال الخاص المتعلق بنعجة معروفة، أي هذا السؤال بحذافره مشتمل على ظلم، وإضافة سؤال من إضافة المصدر إلى مفعوله. وتعليق {إلىٰ نعاجه} بــــ «سؤال» تعليق على وجه تضمين «سؤال» معنى الضم، كأنه قيل: بطلب ضم نعجتك إلى نعاجه. فهذا جواب قولهما: {فاحكم بيننا بالحق ولا تُشطط} ثم أعقبه بجواب قولهما: {واهدنا إلى سواءِ الصراط} إذ قال: {وإنَّ كثيراً من الخُلطاءِ ليبغي بعضهم على بعضٍ إلاَّ الذين ءَامنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ} المفيد أن بَغْي أحد المتعاشرين على عشيره متفشَ بين الناس غير الصالحين من المؤمنين، وهو كناية عن أمرهما بأن يكونا من المؤمنين الصالحين وأن ما فعله أحدهما ليس من شأن الصالحين. وذِكر غالب أحوال الخلطاء أراد به الموعظة لهما بعد القضاء بينهما على عادة أهل الخير من انتهاز فرص الهداية فأراد داود عليه السلام أن يرغبهما في إيثار عادة الخلطاء الصالحين وأن يكرّه إليهما الظلم والاعتداء. ويستفاد من المقام أنه يَأسف لحالهما، وأنه أراد تسلية المظلوم عما جرى عليه من خليطه، وأن له أسوة في أكثر الخلطاء. وفي تذييل كلامه بقوله: {وقليلٌ ما هُم} حثّ لهما أن يكونا من الصالحين لما هو متقرر في النفوس من نفاسة كل شيء قليل، قال تعالى: {أية : قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرةُ الخبيث}تفسير : [المائدة: 100]. والسبب في ذلك من جانب الحكمة أن الدواعي إلى لذات الدنيا كثيرة والمشي مع الهوى محبوب ومجاهدة النفس عزيزة الوقوع، فالإِنسان محفوف بجواذب السيئات، وأمّا دواعي الحق والكمال فهو الدين والحكمة، وفي أسباب الكمال إعراض عن محركات الشهوات، وهو إعراض عسير لا يسلكه إلا من سما بدينه وهمته إلى الشرف النفساني وأعرض عن الداعي الشهواني، فذلك هو العلة في هذا الحكم بالقلة. وزيادة {ما} بَعد {قليل} لقصد الإِبهام كما تقدم آنفاً في قوله: {أية : جند ما هنالك}تفسير : [ص:11]، وفي هذا الإِبهام إيذان بالتعجب من ذلك بمعونة السياق والمقام كما أفادت زيادتها في قول امرىء القيس:شعر : وحديث الركب يوم هُنا وحديث مَّا على قِصره تفسير : معنى التلهف والتشوق. وقد اختلف المفسرون في ماهية هاذين الخصمين، فقال السديّ والحسن ووهب ابن مُنبّه: كانا ملَكَيْن أرسلهما الله في صورة رجلين لداود عليه السلام لإِبلاغ هذا المثل إليه عتاباً له. ورواه الطبري عن أنس مرفوعاً. وقيل كانا أخوين شقيقين من بني إسرائيل، أي ألهمهما الله إيقاع هذا الوعظ. واعلم أن سوق هذا النبأ عقب التنويه بداود عليه السلام ليس إلا تتميماً للتنويه به لدفع مَا قد يُتوهم أنه ينقض ما ذكر من فضائله مما جاء في كتاب «صمويل الثاني» من كتب اليهود في ذكر هذه القصة من أغلاط باطلة تنافي مقام النبوءة فأريد بيان المقدار الصادق منها وتذييله بأن ما صدر عن داود عليه السلام يستوجب العتاب ولا يقتضي العقاب ولذلك ختمت بقوله تعالى: {أية : وإن له عندنا لزُلفى وحُسن مآبٍ}تفسير : [ ص:40]. وبهذا تعلم أن ليس لهذا النبأ تعلق بالمقصد الذي سيق لأجله ذكر داود ومن عطف عليه من الأنبياء. وهذا النبأ الذي تضمنته الآية يُشير به إلى قصة تزوج داود عليه السلام زوجة (أُوريا الحثّي) من رجال جيشه وكان داود رآها فمال إليها ورام تزوجها فسأله أن يتنازل له عنها وكان في شريعتهم مباحاً أن الرجل يتنازل عن زوجه إلى غيره لصداقة بينهما فيطلقها ويتزوجها الآخر بعد مضيّ عدتها وتحقق براءة رحمها كما كان ذلك في صدر الإِسلام. وخرج أُوريا في غزو مدينة (رَبة) للعمونيّين وقيل في غزو عَمَّان قصبة البلقاء من فلسطين فقُتل في الحرب وكان اسم المرأة (بثشبع بنت اليعام وهي أم سليمان). وحكى القرآن القصة اكتفاء بأن نبأ الخصمين يشعر بها لأن العبرة بما أعقبه نبأ الخصمين في نفس داود فعتب الله على داود أن استعمل لنفسه هذا المباح فعاتبه بهذا المثل المشخص، أرسل إليه ملكين نزلا من أعلى سور المحراب في صورة خصمين وقصّا عليه القصة وطلبا حكمه وهديه فحكم بينهما وهداهما بما تقدم تفسيره لتكون تلك الصورة عظة له ويشعر أنه كان الأليق بمقامه أن لا يتناول هذا الزواج وإن كان مباحاً لما فيه من إيثار نفسه بما هو لغيره ولو بوجه مباح لأن الشعور بحسن الفعل أو قبحه قد لا يحصل عليه حين يفعله فإذا رأى أو سمع أن واحداً عمله شعر بوصفه. ووقع في سفر «صمويل الثاني» من كتب اليهود سوق هذه القصة على الخلاف هذا. وليس في قول الخصمين: {هٰذَا أخِي} ولا في فرضهما الخصومة التي هي غير واقعة ارتكابُ الكذب لأن هذا من الأخبار المخالفة للواقع التي لا يريد المخبِر بها أن يظن المخبَر (بالفتح) وقوعَها إلاّ ريثما يحصل الغرض من العبرة بها ثم ينكشف له باطنها فيعلم أنها لم تقع. وما يجري في خلالها من الأوصاف والنسب غير الواقعة فإنما هو على سبيل الفرض والتقدير وعلى نية المشابهة. وفي هذا دليل شرعي على جواز وضع القِصص التمثيلية التي يقصد منها التربية والموعظة ولا يتحمل واضعها جرحة الكذب خلافاً للذين نبزوا الحريري بالكَذب في وضع «المقامات» كما أشار هو إليه في ديباجتها. وفيها دليل شرعي لجواز تمثيل تلك القصص بالأجسام والذوات إذا لم تخالف الشريعة، ومنه تمثيل الروايات والقصص في ديار التمثيل، فإن ما يجري في شرع من قبلنا يصلح دليلاً لنا في شرعنا إذا حكاه القرآن أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد في شرعنا ما ينسخه. وأخذ من الآية مشروعية القضاء في المسجد، قالوا: وليس في القرآن ما يدل على ذلك سوى هذه الآية بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكاه الكتاب أو السنة. وقد حكيت هذه القصة في سفر «صمويل الثاني» في الإِصحاح الحادي عشر على خلاف ما في القرآن وعلى خلاف ما تقتضيه العصمة لنبوءة داود عليه السلام فاحذروه. والذي في القرآن هو الحق، والمنتظم مع المعتاد وهو المهيمن عليه، ولو حكي ذلك بخبر آحاد في المسلمين لوجب ردُّه والجزم بوضعه لمعارضته المقطوع به من عصمة الأنبياء من الكبائر عند جميع أهل السنة ومن الصغائر عند المحققين منهم وهو المختار.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: هل أتاك: الاستفهام هنا للتعجب أي حمل المخاطب على التعجب. نبأ الخصم: أي خبر الخصم الغريب في بابه العجيب في واقعه. إذ تسوروا المحراب: أي محراب مسجده إذ منعوا من الدخول من الباب فقصدوا سوره ونزلوا من أعلى السور. بغى بعضنا على بعض: أي تعدّى بعضنا على بعض. فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط: أي احكم بالعدل ولا تجر في حكمك. واهدنا إلى سواء الصراط: أي أرشدنا إلى العدل في قضيتنا هذه ولا تمل بنا إلى غير الحق. إن هذا أخي: أي عَلَى ديني في الإِسلام. فقال أكفلنيها: أي اجعلني كافلها بمعنى تنازل لي عنها وملكنيها. وعزتي في الخطاب: أي غلبني في الكلام الجدلي فأخذها مني. لقد ظلمك بسؤال نعجتك: أي بطلبه نعجتك وضمها إلى نعاجه. من الخلطاء ليبغي بعضهم: أي الشركاء يظلم بعضهم بعضا. وظن داود أنما فتناه: أي أيقن داود أنما فتنه ربه أي اختبره. فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب: أي طلب المغفرة من ربه بقوله استغفر الله وسقط ساجدا على الأرض وأناب أي رجع تائبا إلى ربه. وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب: أي وحسن مرجع عندنا وهي الجنة والدرجات العلا فيها. معنى الآيات: ما زال السياق في تسلية الرسول وحمله على الصبر على ما يعاني من كفار قريش من تطاول وأذى فقال له ربّه تعالى {وَهَلْ أَتَاكَ} إلى آخر الآيات. وذلك أن داود عليه السلام ذكر مرة في نفسه ما أكرم الله تعالى به إبراهيم وإسحاق ويعقوب من حسن الثناء الباقي لهم في الناس، فتمنى مثله فقيل له إنهم امتحنوا فصبر فسأل أن يبتلى كالذي ابتلوا به ويعطى كالذي أُعطوا إن هو صبر فاختبره الله تعالى بناء على رغبته فأرسل إليه ملكين في صورة رجلين فتسورا عليه المحراب كما يأتي تفصيله في الآيات وهو قوله تعالى {وَهَلْ أَتَاكَ} يا رسولنا نبأ الخصم وهما ملكان في صورة رجلين، ولفظ الخصم يطلق على الواحد والأكثر كالعدو فيقال هذا خصمي وهؤلاء خصمي، وهذا عدوي، وهؤلاء عدوٌّ لي. وقوله {إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} أي طلعوا على سور المنزل الذي هو المحراب في عرف بني إسرائيل ولم يدخلوا من الباب لأن الحرس منعهم من ذلك، لأن لداود وقتا ينقطع فيه للعبادة فلا يسمح بمقابلة أحد وقوله {إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ} أي ارتاع واضطرب نفسا {قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ} أي نحن خصمان {بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ} أي اعتدى بعضنا على بعض جئنا نتحاكم إليك {فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ} أي لا تجر في الحكم {وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ} أي إلى وسط الطريق فلا تمل بنا عن الحق. ثم عرضنا عليه القضية فقال أحدهما وهو المظلوم عارضاً مظلمته {إِنَّ هَذَآ أَخِي} أي في الإِسلام {لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} أي ملكنيها أضمها إلى نعاجي، {وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} أي وغلبني في الكلام والجدال وأخذها مني. فقال داود على الفور وبدون أن يسمع من الخصم الثاني {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ} وعلل لذلك بقوله {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ} أي الشركاء في زرع أو ماشية أو تجارة {لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} وهم أهل الإِيمان والتقوى فإِنهم يسلمون من مثل هذه الاعتداءات، {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} أي وهم قليل جداً، وهنا طار الملكان من بين يدي داود وعرجا إلى السماء فعلم عندئذ أنما فتنه ربّه كما رغب إليه وأنه لم يصبر حيث قضى بدون أن يسمع من الخصم الثاني فكانت زلة صغيرة أرته أن ما ناله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الكمال كان نتيجة ابتلاء عظيم، وهنا استغفر داود ربّه {وَخَرَّ رَاكِعاً} يبكي ويطلب العفو وأناب إلى ربّه في أمره كله، وذكر تعالى أنه قبل توبته وعفا عنه فقال تعالى {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ} أي لقُربه عندنا {وَحُسْنَ مَـآبٍ} أي مرجع وهو الدرجات العلا في دار الأبرار، جعلنا الله تعالى من أهلها بفضله ورحمته. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فائدة عرض مثل هذا القصص تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاده وحمله على الصبر. 2- تقرير نبوة النبي صلى الله عليه وسلم إذ مثل هذا القصص لا يتأتّى له قصه إلا بوحي إلهي. 3- تقرير جواز تشكل الملائكة في صورة بني آدم. 4- حرمة إصدار القاضي أو الحاكم الحكم قبل أن يسمع الدعوى من الخصمين معاً إذ هذا محل الفتنة التي كانت لداود عليه السلام. 5- وجوب التوبة عند الوقوع في الذنب. 6- مشروعية السجود عند قراءة هذه الآية {وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ}.

القطان

تفسير : الخصم: المخاصم، يطلق على المفرد المثنى والجمع، ويُجمع على خصوم. تسوّروا: تسلقوا السور. المحراب: مكان العبادة، والغرفة، واكرم مكان في المنزل، ومقام الإمام في المسجد. ففزع: خاف. بغى بعضنا على بعض: جار وظلم. ولا تشطط: ولا تبعد عن الحق، ولا تتجبّر في الحكم. سواء الصراط: طريق الحق. النعجة: انثى الضأن. اكفلنيها: أعطني اياها، واجعلني كافلها. وعزّني في الخطاب: وغلبني في الكلام. الخلطاء: الشركاء: فتنّاه: ابتليناه. خر: سقط على وجهه. راكعا: ساجداً لربه. وأناب: رجع الى ربه. زلفى: قربى: مآب: مرجع. لا يزال الحديث في قصة داود. هل أتاك يا محمد خبر الخصمين اللذين تسلّقا السور ودخلا عليه في مكان عبادته، لا من الباب. وعندما دخلوا عليه بهذه الطريقة الغريبة خاف منهم واضطرب، قالوا: لا تخف، نحن خصمان ظلم بعضُنا بعضا، وجئناك لتحكم بيننا بالعدل، لا تجُرْ في حُكمك وأرشِدنا الى الحق. ان هذا أخي له تسع وتسعون نعجة، ولي نعجة واحدة، فقال أعطِني إياها لتكون في كفالتي وغلبني بكلامه وحججه. قال داود قبل ان يسمع كلام الخصم الآخر: لقد ظلمك يا هذا حين طلب ضمَّ نعجتك إلى نعاجه، ان كثيراً من الشركاء والمتخالطين ليجور بعضهم على بعض، {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} ولكنهم قلة نادرة. {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} وعرف داود ان الأمر ما هو الا امتحان من الله، فطلب المغفرة، وخرّ ساجدا لله، وأناب اليه بالتوبة. فغفرنا له تعجُّلة في الحكم، وان له عندنا مكانةً عالية وحُسنَ مآب. وهنا عند قوله فخرّ راكعاً وأناب موضع سجدة. نقل كثير من المفسرين ما جاء في التوراة، من ان داود كان يحب امرأة أُوريا الحثّي، وانه أرسله الى الحرب حتى قُتل ثم تزوجها، ولم يثبت عندنا في الأثرِ شيء من هذا، ولذلك يجب ان نكون على حذر من هذه الأمور، فان التوراة قد حُرِّفت من الدفة الى الدفة كما يقول "لوثر" وغيره، وكما نص القرآن الكريم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَتَاكَ} {نَبَأُ} (21) - وَهَلْ جَاءَكَ يَا مُحَمَّدُ خَبَرُ ذَلِكَ النَّبَإِ العَجِيبِ، نَبَأ الخُصُومِ الذِينَ تَسَلَّقُوا سُورَ الغُرْفَةِ التِي كَانَ دَاوُدُ يَتَعَبَّدُ رَبَّهُ فِيهَا (المِحْرَابَ)، وَدَخَلُوا عَلَيْهِ مِنَ السُّورِ، لاَ مِنَ البَابِ، وَهُوَ مُنْشَغِلٌ بِالعِبَادَةِ؟. تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ - تَسَلَقُوا سُورَ غُرْفَةِ مُصَلاَّهُ وَنَزَلُوا إِلَيْهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : حين يستفهم منك بقوله {وَهَلْ أَتَاكَ} [ص: 21] فاعلم أنه دليلٌ على أن هذا الشيء كان يجب أنْ تعلمه، تقول: هل أتاك كذا وكذا يعني: أتاك ومثله قوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} تفسير : [الإنسان: 1]. المعنى: أتى على الإنسان وقت من الدهر لم يكُنْ شيئاً مذكوراً إنما أتى الأسلوبُ بصيغة الاستفهام لتأتي أنت بالمراد، فيكون إقراراً منك، والإقرار لا يُكذِّب على خلاف الإخبار بالمراد فالإخبار يحتمل عقلاً الصدقَ ويحتمل الكذبَ. أو: أن هذا الأسلوب للتشويق للنبأ. والنبأ ليس هو مطلق الخبر إنما هو الخبر العظيم الذي ينبغي أنْ يُعلم لذلك يُهتم به، فليس من قبيل النبأ أنْ تقول مثلاً: أكلتُ اليوم كذا وكذا، لذلك حين يخبرنا الحق سبحانه عن أمر القيامة يقول: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ * ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} تفسير : [النبأ: 1-3]. وكلمة {ٱلْخَصْمِ} [ص: 21] تطلق على المفرد والمثنى والجمع بنوعيه تقول: هذا خصم وهذه خصم، وهؤلاء خَصْم .. إلخ وقد تُثنَّى مع المثنى كما في: {أية : هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} تفسير : [الحج: 19] لذلك جاءت بعدها {إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} [ص: 21] بصيغة الجمع. ومعنى تسوروا: تسلقوا: لأنهم لم يدخلوا من الباب، إنما دخلوا من أعلى السور، وهذا دليل على أن هؤلاء الخَصْم لم يأتوا من جهة الأرض، إنما من جهة السماء، فكانوا جماعة من الملائكة في صورة بشر، والمحراب: هو المكان المقدَّس الذي يجعله الإنسان لخُلْوته ومناجاته لربه، ومن ذلك قوله تعالى في السيدة مريم: {أية : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ..} تفسير : [آل عمران: 37] ونحن نُسميه الآن القبلة. ثم يقول سبحانه: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ} [ص: 22] الإشكال هنا كيف يفزع سيدنا داود لرؤية هؤلاء وهو في حضرة الله وفي حضانته، وبين يديه يصلي ويتعبَّد ويُسبِّح؟ وكيف أن الحق سبحانه يُفزع عبده ونبيه، وهو بين يديه؟!! قالوا: الفزع على قسمين: فزع يُحرِّك قلبك بالجزع ولكن قالبك سليم لم يتأثر. وفزع آخر ينضح من القلب على القالب فيتأثر حتى تظهر عليه علامات الفزع. وقد كان فزع سيدنا داود من النوع الثاني، لماذا؟ قالوا: لأن الملائكة حين رأوْه على هذه الحال قالوا له {لاَ تَخَفْ} [ص: 22] ولا يقولون له ذلك إلا إذا انفعلَ قالبُه انفعالاً يدلُّ على الخوف، فهذا دليل على أن الفزع تجاوز قلبه إلى قالبه. ونفهم أيضاً من قولهم له {لاَ تَخَفْ} [ص: 22] أنهم ليسوا من رعيته، وليسوا من البشر؛ لأن واحداً من الرعية لا يجرؤ أنْ يقول للملك: لا تخف. وقولهم: {خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ} [ص: 22] يدلُّ على اتفاقهم رغم خصومتهم، فقد تكلَّموا جميعاً في نَفَس واحد، أو تكلَّموا بالترتيب، أو تكلم واحد منهم وأمَّن الباقون، والمُؤمِّن أحد الداعين، فكونهم تكلموا بهذه الصورة المنظمة وأيديهم في أيدي بعض، فهذا يدلنا على أنه خلافَ بينهم، ولا يطمع أحد منهم في الآخر، إذن: ما المسألة؟ وما حقيقة مجيء هؤلاء على هذه الصورة؟ لا بُدَّ أن لهم هدفاً آخر. ومعنى (بغى) حاول أنْ يطغى وأنْ يظلم {فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ} [ص: 22] هذا القول منهم دلَّ على جراءتهم، ودلَّ على أنهم من ملأ آخر غير البشر من الملائكة. ومعنى {وَلاَ تُشْطِطْ} [ص: 22] يعني: لا تبتعد عن الحق ولا تَجُرْ. {وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ} [ص: 22] اهدنا أي جميعاً دون تمييز بين واحد وآخر، فهم خصم لكن سواء بدل قولهم {بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ} [ص: 22] دون أن يميزوا الباغي من الذي بُغِي عليه، والصراط هو الطريق المستقيم، وسواء الصراط يعني وسطه، والمعنى: دُلَّنا على الحق أو عين الحق، ثم أخذوا في عرض قضيتهم: {إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَهَلْ أَتَاكَ} وحصل عندك يا أكمل الرسل {نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ} أي: خبر الملكين المكلفين المصورين بصورة الخصمين اللذين جاءوا للحكومة عند أخيك داوود عليه السلام، حين اعتزل في محرابه للعبادة على ما هو عادته في تقسيم أيامه ثلاثة أقسام: يوم لعيش النساء، ويوم لقطع الخصومات بين الأنام، ويوم للتوجه نحو الحق والمناجاة معه سبحانه في محرابه. وكان في محرابه والباب مغلق عليه، والحراس على الباب فجاءا - أي: الملكان - في صورة رجلين متخاصمين على الباب، فمنعهما البواب، فأخذا يستعليان المحراب. اذكر نبأهما وقت {إِذْ تَسَوَّرُواْ} أي: صعدوا على حائط {ٱلْمِحْرَابَ} [ص: 21] واستعلوا على سوره بقصد الدخول عليه. اذكر وقت {إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ} من غير الباب بأن شُق لهما الجدار، فدخلا عليه {فَفَزِعَ} داوود {مِنْهُمْ} واستوحش من دخولهم لا من الطريق المعهود، وبعدما تفرسوا منه الرعب والفزع {قَالُواْ} له تسلية وتسكيناً: {لاَ تَخَفْ} منَّا، ولا تحزن من إلمامنا إياك؛ إذ نحن {خَصْمَانِ} تحاكمنا إليك حتى تقضي بيننا، وقد {بَغَىٰ} أي: ظلم واستولى {بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ} أي: أحدنا على الآخر {فَٱحْكُمْ} أيها الحاكم العدل العالم {بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ} أي: بالعدل السوي {وَلاَ تُشْطِطْ} أي: لا تجر ولا تتجاوز عن مقتضى القسط الإلهي {وَ} بالجملة: {ٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ} [ص: 22] أي: أعدل الطرق وأقوم السبل في سلوك طريق النجاة. ثم أخذوا في تقرير المسألة، فقال أحدهما: {إِنَّ هَذَآ أَخِي} في الدين ورفيقي في سلوك طريق التوحيد واليقين {لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} وهي الأنثى من الضأن، كنى بها العرب عن المرأة {وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} فقط، {فَقَالَ} لي عدواناً وظلماً: {أَكْفِلْنِيهَا} أي: اجعلني كافلاً لها، مالكاً إياها، حتى صارت نعاجي مائة، ولم تبقَ لك نعجة {وَ} لم يقتصر على مجرد القول، بل {عَزَّنِي} وغلب عليّ {فِي} مضمون {ٱلْخِطَابِ} [ص: 23] المذكور بحجج لا أقدر على دفع، ولا أسمع المقاومة معه. وبعدما سمع كلام المدعي وتأمل في تقريره، قال للمدعى عليه: هل تصدقه فيما ادعاه عليك؟ قال: بلى. ثم التفت عليه السلام نحو المدعي، متعجباً مستبعداً عما جرى عليه من الظلم والعدوان حيث {قَالَ}: تالله {لَقَدْ ظَلَمَكَ} هذا الظالم ظلماً صريحاً {بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ} ليأخذها منك ويضيفها {إِلَىٰ نِعَاجِهِ} ليكثرها بها ويخلطها عليه حرصاً منه إلى تكميل مشتهاة نفسه الأمارة {وَ} لا تستبدع هذا الأمر، ولا تستبعد منه هذا، بل {إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ} الذين خلطوا أموالهم وتشاركوا فيها {لَيَبْغِيۤ} أي: يظلم ويتعدى {بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} ظلماً وزوراً {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} من الخلطاء بالله، واستقاموا على صراطه الموضوع من عنده على العدالة الاستقامة {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المرضية عنده سبحانه، سيما في الأمور المتعلقة لحقوق عباده، ولكن {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} أي: هم قليل في الدنيا في غاية القلة والندرة، و"ما" مزيدة لكمال القلة والإبهام. ثم التفت عليه السلام إلى المدعى عليه، فقال له بعدما سمع منه اعترافه: إن رمت هذا، ضربنا منك هذا، إشارة إلى طرف أنفه، فقال المدعى عليه: أنت أيها الحاكم أحق بذلك الضرب، فنظر عليه السلام ولم يرَ أحداً {وَ} حنيئذ {ظَنَّ} بل تيقن {دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} وابتليناه بالذنب {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} عما جرى عليه من افتتان الله إياه {وَخَرَّ} ساجداً من خشية الله، بعدما كان {رَاكِعاً} مكسور الظهر، منكوس الرأس عن ارتكاب الذنب {وَأَنَابَ} [ص: 24] إلينا على وجه الندم والخجل مستحيياً عنَّا، مستوحشاً عن سخطنا وغضبنا إياه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى أنه آتى نبيه داود الفصل في الخطاب بين الناس، وكان معروفا بذلك مقصودا، ذكر تعالى نبأ خصمين اختصما عنده في قضية جعلهما اللّه فتنة لداود، وموعظة لخلل ارتكبه، فتاب اللّه عليه، وغفر له، وقيض له هذه القضية، فقال لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ } فإنه نبأ عجيب { إِذْ تَسَوَّرُوا } على داود { الْمِحْرَابَ } أي: محل عبادته من غير إذن ولا استئذان، ولم يدخلوا عليه مع باب، فلذلك لما دخلوا عليه بهذه الصورة، فزع منهم وخاف، فقالوا له: نحن { خَصْمَانِ } فلا تخف { بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ } بالظلم { فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ } أي: بالعدل، ولا تمل مع أحدنا { وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ }. والمقصود من هذا، أن الخصمين قد عرف أن قصدهما الحق الواضح الصرف، وإذا كان ذلك، فسيقصان عليه نبأهما بالحق، فلم يشمئز نبي اللّه داود من وعظهما له، ولم يؤنبهما. فقال أحدهما: { إِنَّ هَذَا أَخِي } نص على الأخوة في الدين أو النسب أو الصداقة، لاقتضائها عدم البغي، وأن بغيه الصادر منه أعظم من غيره. { لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً } أي: زوجة، وذلك خير كثير، يوجب عليه القناعة بما آتاه اللّه. { وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ } فطمع فيها { فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا } أي: دعها لي، وخلها في كفالتي. { وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ } أي: غلبني في القول، فلم يزل بي حتى أدركها أو كاد. فقال داود - لما سمع كلامه - ومن المعلوم من السياق السابق من كلامهما، أن هذا هو الواقع، فلهذا لم يحتج أن يتكلم الآخر، فلا وجه للاعتراض بقول القائل: " لم حكم داود، قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر " ؟ { لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ } وهذه عادة الخلطاء والقرناء الكثير منهم، فقال: { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } لأن الظلم من صفة النفوس. { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } فإن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح، يمنعهم من الظلم. { وَقَلِيلٌ مَا هُمْ } كما قال تعالى {أية : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } تفسير : { وَظَنَّ دَاوُدُ } حين حكم بينهما { أَنَّمَا فَتَنَّاهُ } أي: اختبرناه ودبرنا عليه هذه القضية ليتنبه { فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ } لما صدر منه، { وَخَرَّ رَاكِعًا } أي: ساجدا { وَأَنَابَ } للّه تعالى بالتوبة النصوح والعبادة. { فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ } الذي صدر منه، وأكرمه اللّه بأنواع الكرامات، فقال: { وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى } أي: منزلة عالية، وقربة منا، { وَحُسْنَ مَآبٍ } أي: مرجع. وهذا الذنب الذي صدر من داود عليه السلام، لم يذكره اللّه لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه اللّه علينا من لطفه به وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها. { يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ } تنفذ فيها القضايا الدينية والدنيوية، { فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ } أي: العدل، وهذا لا يتمكن منه، إلا بعلم بالواجب، وعلم بالواقع، وقدرة على تنفيذ الحق، { وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى } فتميل مع أحد، لقرابة أو صداقة أو محبة، أو بغض للآخر { فَيُضِلَّكَ } الهوى { عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ويخرجك عن الصراط المستقيم، { إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } خصوصا المتعمدين منهم، { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } فلو ذكروه ووقع خوفه في قلوبهم، لم يميلوا مع الهوى الفاتن.

همام الصنعاني

تفسير : 2585- عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَر، عن عمرو بن عُبَيْد، عن الحسن في قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ}: [الآية: 21]، قال: جَزَّأَ داود (الدهر) أربعة أجزاء: فَيَوْمٌ لنِسائه، ويوم لقضائه، ويَوْمٌ يخلو فيه لعبادة ربه، ويَوْمٌ لبني إسْرائيل يسائلونه، فقال يوماً لبني إسرائيل: أيُّكم يستطيع أن يتفرغ لربه لا يستطيع الشيطان منه شيئاً؟ فقالوا: لاَ أيُّنَا والله، فَحَدَّثَ نفسه أنه يستطيع ذلك، فدخل محرابه، وأغلق أبوابه، فقام يُصَلِّي فجاء طائر في أحسن صُورَةٍ، مزَيّن كأحسن ما يَكُونُ فوقع قريباً منه، فنظر إليه فأعجبه. فوقع في نفسه منه شيء وأعجبه فدنا منه ليأخذه، فضَرَبَ يده عليه فأخطأه فوقع قريباً، وأطمعه أن سيأخذه، ففعل ذلك ثلاث مرات، حتى إذا كان في الرابعة، ضرب بيده عليه فأخطأه، فوقع على سور المحراب، قال: وحول المحراب حوض يغتسل فيه النِّساء، نساء بني إسرائيل، أحسبه قال: الحُيَّض، قال: فضرب بيده عليه، وهو على سور المحراب، فأخطأه، وهبط الطائر، فأشرف فإذا هو بامرأة تغتسل فَنَفَضت شعرها فغطَّى جسدَهَا، فوقع في نفسه مِنْهَا ما شَغَلَهُ عن صلاته، فنزل من محرابه، ولبست المرأة ثيابها، وخرجت إلى بيتها، فخرج حتى [عَرَفَ بيتها، وسألها] من أنتِ؟ فأخبرته. قال: هَلْ لكِ زوج، قال، نعم، قال: أيْن هُوَ؟ قالت: في بعث كذا وكذا، وجند كذا وكذا، فرجع وكتب إلى عامله: إذا جاءك كتابي هذا، فاجعل فلاناً في أول الخيل التي تلي العدوَّ، قال: فقدم في فوارس في عادية الخيل فاقتل حتَّ قُتِلَ، قال: فبينا داود في المِحراب تَسَوَّرَ عليه ملكانِ فأفزعاه، وراعاه فقالا: {لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ} حتى بلغ {وَلاَ تُشْطِطْ}: أي لا تَجُرْ. {وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ} [الآية: 22]، حتى بلغ فقال: {أَكْفِلْنِيهَا}: [الآية: 23]، يقول: أعْطِنيها، {وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ}: [الآية: 23]، يقول: قهرني في الخصوم {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ...} حتى بلغ: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ}: [الآية: 24]، قال: عَلِمَ دَاوُد أَنَّه هو المعني بذلك. {وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ}: [الآية: 24]. 2586- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {وَأَنَابَ}: [الآية: 24]، أي تاب. 2589- عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: ما زاد داود على أن قال: {أَكْفِلْنِيهَا}: [الآيةك 23]، أي أنزل لي عَنْها. 2590- عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما زاد داود على أن قال {أَكْفِلْنِيهَا}: أي تحول لي عنها.