٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ } نحن {خَصْمَانِ } قيل فريقان ليطابق ما قبله من ضمير الجمع. وقيل اثنان، والضمير بمعناهما، والخصم يطلق على الواحد وأكثر وهما ملكان جاءا في صورة خصمين وقع لهما ما ذكر على سبيل الفرض لتنبيه داود عليه السلام على ما وقع منه، وكان له تسع وتسعون امرأة وطلب امرأة شخص ليس له غيرها وتزوّجها ودخل بها {بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ } تَجُرْ {وَٱهْدِنَآ } أرشدنا {إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرٰطِ } وسط الطريق الصواب.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَفَزِعَ} لتسورهم من غير باب، أو لإتيانهم في غير وقت جلوسه للنظر {بِالْحَقِّ} بالعدل {تُشْطِطْ} تمِل، أو تَجُر، أو تسرف، مأخوذ من البعد شطت الدار بعُدت، أو من الإفراط {سَوَآءِ الصِّرَاطِ} أرشدنا إلى قصد الحق، أو عدل القضاء.
النسفي
تفسير : {إِذْ } بدل من الأولى {دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ } رُوي أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين، فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس فتسوروا عليه المحراب فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان، ففزع منهم لأنهم دخلوا عليه المحراب في غير يوم القضاء، ولأنهم نزلوا عليه من فوق وفي يوم الاحتجاب والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه {قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ } خبر مبتدأ محذوف أي نحن خصمان {بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ } تعدى وظلم {فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ } ولا تجر من الشطط وهو مجاوزة الحد وتخطى الحق {وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرٰطِ } وأرشدنا إلى وسط الطريق ومحجته والمراد عين الحق ومحضه. رُوي أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم عادة في المواساة بذلك وكان الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك، فاتفق أن داود عليه السلام وقعت عينه على امرأة أوريا فأحبها فسأله النزول له عنها فاستحى أن يرده ففعل فتزوجها وهي أم سليمان. فقيل له: إنك مع عظم منزلتك وكثرة نسائك لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلاً ليس له إلا امرأة واحدة النزول عنها لك بل كان الواجب عليك مغالبة هواك وقهر نفسك والصبر على ما امتحنت به. وقيل: خطبها أوريا ثم خطبها داود فآثره أهلها فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. وما يحكى أنه بعث مرة بعد مرة أوريا إلى غزوة البلقاء وأحب أن يقتل ليتزوجها فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أفناء المسلمين فضلاً عن بعض أعلام الأنبياء. وقال علي رضي الله عنه: من حدثكم بحديث داود عليه السلام ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حد الفرية على الأنبياء. ورُوي أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق فكذب المحدث به وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله فما ينبغي أن يلتمس خلافها وأعظم بأن يقال غير ذلك، وإن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها ستراً على نبيه فما ينبغي إظهارها عليه. فقال عمر: لسماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله بقصته عليه السلام ليس إلا طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل له عنها فحسب، وإنما جاءت على طريق التمثيل والتعريض دون التصريح لكونها أبلغ في التوبيخ من قبل أن التأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه وأشد تمكناً من قلبه وأعظم أثراً فيه مع مراعاة حسن الأدب بترك المجاهرة. {إِنَّ هَذَا أَخِى } هو بدل من {هَـٰذَا } أو خبر لـ {إن}، والمراد أخوة الدين أو إخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة لقوله {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلْخُلَطَاء } {لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِى نَعْجَةٌ وٰحِدَةٌ } {وَلِيَ} حفص. والنعجة كناية عن المرأة. ولما كان هذا تصويراً للمسئلة وفرضاً لها لا يمتنع أن يفرض الملائكة في أنفسهم كما تقول لي: أربعون شاة ولك أربعون فخلطناها وما لكما من الأربعين أربعة ولا ربعها {فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} ملكنيها وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: اجعلها كفلي أن نصيبي { وَعَزَّنِى } وغلبني يقال عزه يعزه {فِى ٱلْخِطَابِ } في الخصومة أي أنه كان أقدر على الاحتجاج مني. وأراد بالخطاب مخاطبة المحاج المجادل، أو أراد خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني خطاباً أي غالبني في الخطبة فغلبني حيث زوجها دوني. ووجه التمثيل أن مثلت قصة أوريا مع داود بقصة رجل له نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون، فأراد صاحبه تتمة المائة فطمع في نعجة خليطة وأراده على الخروج من ملكها إليه وحاجّة في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده، وإنما كان ذلك على وجه التحاكم إليه ليحكم بما حكم به من قوله {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ } حتى يكون محجوجاً بحكمه. وهذا جواب قسم محذوف وفي ذلك استنكار لفعل خليطه والسؤال مصدر مضاف إلى المفعول وقد ضمن معنى الإضافة فعدي تعديتها كأنه قيل: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه السؤال والطلب. وإنما ظلّم الآخر بعدما اعترف به خصمه ولكنه لم يحك في القرآن لأنه معلوم. ويُروى أنه قال: أنا أريد أن آخذها منه وأكمل نعاجي مائة فقال داود: إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا وأشار إلى طرف الأنف والجبهة. فقال: يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا وأنت فعلت كيت وكيت. ثم نظر داود فلم ير أحداً فعرف ما وقع فيه {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ} الشركاء والأصحاب {لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٱ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِيْنَ ءَأمَنُوا وَعَملُوا ٱلَّصٱلِحَٱتِ} المستنثى منصوب وهو من الجنس والمستثنى منه بعضهم {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } {مَا } للابهام و{هُمْ } مبتدأ و{قَلِيلٌ } خبره {وَظَنَّ دَاوُدُ} أي علم وأيقن وإنما استعير له لأن الظن الغالب يداني العلم {أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ } ابتليناه {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ } لزلته {وَخَرَّ رَاكِعاً } أي سقط على وجهه ساجداً لله، وفيه دليل على أن الركوع يقوم مقام السجود في الصلاة إذا نوي لأن المراد مجرد ما يصلح تواضعاً عند هذه التلاوة والركوع في الصلاة يعمل هذا العمل بخلاف الركوع في غير الصلاة {وَأَنَابَ } ورجع إلى الله بالتوبة. وقيل: إنه بقي ساجداً أربعين يوماً وليلة لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة أو ما لا بد منه، ولا يرقأ دمعه حتى نبت العشب من دمعه ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دمع {فَغَفَرْنَا لَهُ ذٰلِكَ } أي زلته {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ } لقربة {وَحُسْنَ مَـئَابٍ } مرجع وهو الجنة. {يٰدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ } أي استخلفناك على الملك في الأرض أو جعلناك خليفة ممن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق، وفيه دليل على أن حاله بعد التوبة بقيت على ما كانت عليه لم تتغير {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ } أي بحكم الله إذ كنت خليفته أو بالعدل {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ } أي هوى النفس في قضائك {فَيُضِلَّكَ } الهوى {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } دينه {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ } أي بنسيانهم يوم الحساب.
اسماعيل حقي
تفسير : {اذ دخلوا على داود} بدل مما قبله {ففزع منهم} الفزع انقباض ونفار يعترى الانسان من الشىء المخيف وهو من جنس الجزع ولا يقال فزعت من الله كما يقال خفت منه وانما فزع منهم لانه كان الباب مغلقا وهو يتعبد فى البيت فنزلوا عليه بغتة من فوق اى من غير الباب على خلاف العادة. وفيه اشارة الى كمال ضعف البشرية مع انه كان اقوى الاقوياء اذ فزع منهم ولعل فزع داود كان لاطلاع روحه على انه تنبيه له وعتاب فيما سلف منه كما سيأتى فلما رأوه فزعا {قالوا} ازالة لفزعه {لا تخف} منا. قال فى التأويلات النجمية يشير الى انه لا تخف من صورة احوالنا فانا جئنا لتحكم بيننا بالحق ولكن خف من حقيقة احوالنا فانها كشف احوالك التى جرت بينك وبين خصمك اوريا {خصمان} اى نحن فريقان متخاصمان على تسمية مصاحب الخصم خصما تجوزا والحاصل انه اطلق لفظ الخصم فيما سبق على الجمع بدليل تسوروا ثم ثنى بتأويل الفريق وهم وان لم يكونوا فريقين بل شخصين اثنين بدليل ان هذا اخى الآية لكن جعل مصاحب الخصم خصما فكانا بمن معهما فريقين من الخصوم فحصل الانطباق بين صيغة التثنية فى قوله خصمان وبين ما مر من ارادة الجمع {بغى} [ستم وجور كرد] {بعضنا على بعض} هو على الفرض وقصد التعريض بداود لا على تحقيق البغى من احدهما فلا يلزم الكذب اذ الملائكة منزهون عنه فلا يحتاج الى ما قيل ان المتخاصمين كانا لصين دخلا عليه للسرقة فلما رآهما اخترعا الدعوى كما فى شرح المقاصد {فاحكم بيننا بالحق} بالعدل: وبالفارسية [بس حكم كن درميان ما براستى] {ولا تشطط] [الاشطاط: بيدا كردن واز حد در كذشتن] من الشطط وهو مجاوزة الحد وتخطى الحق. والمعنى لا تجر فى الحكومة وهو تأكيد للامر بالحكم بالحق والمقصود من الامر والنهى الاستعطاف {واهدنا الى سواء الصراط} الى وسط طريق الحق بزجر الباغى عما سلكه من طريق الجور وارشاده الى منهاج العدل
الجنابذي
تفسير : {إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ} لانّهم دخلوا فى غير وقت دخول الاغيار ودخلوا من دون اذن ومن غير المحلّ المعتاد للدّخول {قَالُواْ} بعد ما رأوا انّه فزع منهم {لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ} كأنّهم كانوا جماعةً وقال بعضهم: هذان خصمان، او: نحن خصمان {بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ} لا تجر فى الحكومة {وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ} المرضىّ لله وللعقل.
اطفيش
تفسير : {إِذْ} متعلق بتسوروا أو بدل من (اذ) الأولى* {دَخَلُواْ عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ} أي خاف بسبب تسورهم وهجومهم عليه في يوم احتجابه وعلى الباب الحرس لا يتركون الداخل وذلك أنه جزأ زمانه يوماً للعبادة ويوماً للقضاء ويوماً للوعظ ويوماً للاشتغال بحاجته ولما رأوه فازعاً أو قال لهم ما أدخلكم علي؟* {قَالُواْ لاَ تَخَفْ} منا؛ نحن رجلان أو فريقان* {خَصْمَانِ} فعلى انهما اثنان فضماير الجمع لهما مجازاً أو حقيقة خلاف وعلى أنهما فريقان فهي على أصلها بلا إشكال* {بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} خرج عما حده الله فجئناك لتقضي بيننا وهذا معراض وكناية عن قولهم انك يا داود باغ على غيرك أو عن قولهم رأينا خصمين بغى أحدهما على الآخر والا فالملائكة لا يبغون والمراد بالقائلين (لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض) الملائكة باتفاق أهل التأويل وظاهر كلام القاضي أنه قد قيل أيضاً غير الملائكة وانما أطلقوا على داود البغي مع أنه كسائر الأنبياء لا يفعل كبيرة باتفاق وان الصغيرة في مثلهم كالكبيرة وقيل لا أو لأنهم أرادوا به ما لا يليق بمقامه ولو كان غير كبيرة وغير صغيرة* {فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ} أى لا تجر في حكمك بضم التاء وكسر الطاء الأولى وسكون الشين من أشط بتشديد الطاء وقرئ ولا تشطط بضم التاء وفتح الشين وتشديد الطاء وقرئ ولا تشطط بفتح التاء وسكون الشين وضم الطاء وكسرها من شط الثلاثى وقرئ ولا تشاطط بضم التاء وكسر الطاء والكل من الشطط وهو البعد أو مجاوزة الحد* {وَاهْدِنَآ} أى ارشدنا* {إِلَى سَوَآءِ الصِّرَاطِ} أي وسط الطريق وهو العدل والصواب أو الصراط المستوى أي المستقيم وهو العدل والصواب أيضاً فقال لهما داود تكلما فقال أحدهما
اطفيش
تفسير : {إذْ دَخلُوا عَلى داوُد} إذ بدل من اذ الأولى على الاتساع المذكور، لا بدل اشتمال، لأن بدل الاشتمال ملابس للمبدل منه بغير الجزئية والكلية، واذا اعتبرنا وقت الدخول جزءا من ذلك المتسع، كانت الملابسة بالجزئية والكلية، وجاز كونه مفعولا به لا ذكر محذوفا {فَفَزعَ} انقبض خوفا من الأذى، اذ دخلوا من غير الباب وبلا اذن مع كثرة الحرس، مع طول الحائط، ولأن ذلك ليلا، ولأن كل آخذ برأس الآخر، وقيل خاف أن يكون قومه اجترءا على دين الله، فدخلوا بلا اذن، وذلك بعد منع الحرس لهما يوم عبادته، وكأنه قيل: فما وقع بعد فزعه، فأجاب سبحانه وتعالى بقوله: {قالوا} أى الاثنان المعبر عنهما بضمير الثلاثة فصاعدا، ومن الجائز أن يكون معهما ملكان آخران كالشاهدين والمعينين، فكان القول من أحد الأربعة {لا تَخَف} منا {خَصْمان} أى فينا خصمان، أو القائل أحد الخصمين، نحن خصمان وهو أنسب بقوله: {بَغَى بعْضُنا عَلَى بعْضٍ} والمراد إنا بصورة خصمين، بغى أحدهما على الآخر، وأبهما عنه لا كذب فى ذلك، ويجوز نحن فوجان خصمان كما مر، وكل ذلك الى "أية : عزَّني في الخطاب" تفسير : [ص: 23] محكى بقالوا، قيل: يجوز أن يحكى به لا تخف، وقوله: {خصمان} الى "أية : في الخطاب " تفسير : [ص: 23] منصوب بقول محذوف، قالوا: لا تخف فسكتوا، فقال عليه السلام: ما لكم؟ فقالوا: خصمان، ولا دليل على هذا. {فاحْكُم بيْنَنا بالحقِّ ولا تُشْطط} لا تبعد عنه بأدنى جور، ذلك منهما حرص فى اظهار الحق، وتأكيد فى نصح داود عما صدر منه، ولا يرتابان فى أنه يعدل ويرجع الى العدل {واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراط} الصراط السواء أى المستوى الذى لم يعوج بالجور.
الالوسي
تفسير : {إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ} إذ هذه بدل من{أية : إذ} تفسير : [ص:21] الأولى بدل كل من كل بأن يجعل زمان التسور وزمان الدخول لقربهما بمنزلة المتحدين أو بدل اشتمال بأن يعتبر الامتداد أو ظرف لتسوروا ويعتبر امتداد وقته وإلا فالتسور ليس في وقت الدخول، ويجوز أن يراد بالدخول إرادته وفيه تكلف لأنه مع كونه مجازاً لا يتفرع عليه قوله تعالى: {فَفَزِعَ مِنْهُمْ } فيحتاج إلى تفريعه على التسور وهو أيضاً كما ترى، وجوز تعلقه باذكر مقدراً. والفزع انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف. روي أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين قيل هما جبريل وميكائيل عليهما السلام فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس فتسورا عليه المحراب فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان. وكان عليه السلام كما روي عن ابن عباس جزأ زمانه أربعة أجزاء يوماً للعبادة ويوماً للقضاء ويوماً للاشتغال بخاصة نفسه ويوماً لجميع بني إسرائيل فيعظهم ويبكيهم. وسبب الفزع قيل: إنهم نزلوا من فوق الحائط وفي يوم الاحتجاب والحرس حوله لا يتركون من يريد الدخول عليه فخاف عليه السلام أن يؤذوه لا سيما على ما حكي أنه كان ليلاً، وقيل: إن الفزع من أجل أنه ظن أن أهل مملكته قد استهانوه/ حتى ترك بعضهم الاستئذان فيكون في الحقيقة فزعاً من فساد السيرة لا من الداخلين، وقال أبو الأحوص: فزع منهم لأنهما دخلا عليه وكل منهما آخذ برأس صاحبه، وقيل: فزع منهم لما رأى من تسورهم موضعاً مرتفعاً جداً لا يمكن أن يرتقي إليه بعد أشهر مع أعوان وكثرة عدد. والظاهر أن فزعه ليس إلا لتوقع الأذى لمخالفة المعتاد فلما رأوه قد فزع {قَالُواْ لاَ تَخَفْ } وهو استئناف وقع جواباً عن سؤال نشأ من حكاية فزعه عليه السلام كأنه قيل: فماذا قالوا عند مشاهدتهم فزعه؟ فقيل: قالوا له إزالة لفزعه لا تخف {خَصْمَانِ } خبر مبتدأ محذوف أي نحن خصمان، والمراد هنا فوجان لا شخصان متخاصمان وقد تقدم أن الخصم يشمل الكثير فيطابق ما مر من جمع الضمائر، ويؤيده على ما قيل قوله سبحانه: {بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ } فإن نحو هذا أكثر فيطابق استعمالاً في قول الجماعة، وقراءة بعضهم {بغى بعضهم على بعض} أظهر في التأييد، ولا يمنع ذلك كون التحاكم إنما وقع بين اثنين لجواز أن يصحب كلاً منهما من يعاضده والعرف يطلق الخصم على المخاصم ومعاضده وإن لم يخاصم بالفعل، وجوز أن يكون المراد اثنين والضمائر المجموعة مراد بها التثنية فيتوافقان وأيد بقوله سبحانه {أية : إِنَّ هَذَا أَخِى }تفسير : [ص: 23] وقيل: يجوز أن يقدر خصمان مبتدأ خبره محذوف أي فينا خصمان وهو كما ترى. والظاهر أن جملة {بغى} الخ في موضع الصفة لخصمان وأن جملة نحن خصمان الخ استئناف في موضع التعليل للنهي فهي موصولة بلا تخف، وجوز أن يكونوا قد قالوا لا تخف وسكتوا حتى سألوا ما أمركم؟ فقالوا: خصمان بغى الخ أي جار بعضنا على بعض. واستشكل قولهم هذا على القول بأنهم كانوا ملائكة بأنه إخبار عن أنفسهم بما لم يقع منهم وهو كذب والملائكة منزهون عنه. وأجيب بأنه إنما يكون كذباً لو كانوا قصدوا به الإخبار حقيقة أما لو كان فرضاً لأمر صوروه في أنفسهم لما أتوا على صورة البشر كما يذكر العالم إذا صور مسألة لأحد أو كان كناية وتعريضاً بما وقع من داود عليه السلام فلا. وقرأ أبو يزيد الجرار عن الكسائي {خصمان} بكسر الخاء. {فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقّ وَلاَ تُشْطِطْ } أي ولا تتجاوزه. وقرأ أبو رجاء وابن أبـي عبلة وقتادة والحسن وأبو حيوة {ولا تشطط} من شط ثلاثياً أي ولا تبعد عن الحق، وقرأ قتادة أيضاً {تشط} مدغماً من أشط رباعياً، وقرأ زر {تشاطط} بضم التاء وبألف على وزن تفاعل مفكوكاً، وعنه أيضاً {تشطط} من شطط. والمراد في الجميع لا تجر في الحكومة وأرادوا بهذا الأمر والنهي إظهار الحرص على ظهور الحق والرضا به من غير ارتياب بأنه عليه السلام يحكم بالحق ولا يجوز في الحكم وأحد الخصمين قد يقول نحو ذلك للإيماء إلى أنه المحق وقد يقوله اتهاماً للحاكم وفيه حينئذ من الفظاظة ما فيه؛ وعلى ما ذكرنا أولاً فيه بعض فظاظة. وفي تحمل داود عليه السلام لذلك منهم دلالة على أنه يليق بالحاكم تحمل نحو ذلك من المتخاصمين لا سيما إذا كان ممن معه الحق فحال المرء وقت التخاصم لا يخفى. والعجب من حاكم أو محكم أو من للخصوم نوع رجوع إليه كالمفتي كيف لا يقتدي بهذا النبـي الأواب عليه الصلاة والسلام في ذلك بل يغضب كل الغضب لأدنى كلمة تصدر ولو فلتة من أحد الخصمين يتوهم منها الحط لقدره ولو فكر في نفسه لعلم أنه بالنسبة إلى هذا النبـي الأواب لا يعدل والله العظيم متك ذباب. اللهم وفقنا لأحسن الأخلاق واعصمنا من الأغلاط. {وَٱهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاء ٱلصّرٰطِ } أي وسط طريق الحق بزجر الباغي عما سلكه من طريق الجور وإرشاده إلى منهاج العدل.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 22- إذ دخلوا على داود فخاف منهم واضطرب. قالوا: لا تخف نحن متخاصمان، ظلم بعضنا بعضاً، فاحكم بيننا بالعدل ولا تتجاوزه، وأرشدنا إلى الطريقة المثلى. 23- قال أحد الخصمين: إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة، ولى نعجة واحدة فقال: اجعلنى كافلها كما أكفل ما تحت يدى، وغلبنى فى المخاطبة. 24- قال داود - قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر -: لقد ظلمك بطلب ضم نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيراً من المتخالطين ليجور بعضهم على بعض، إلا من استقر الإيمان فى قلوبهم، وكان عمل الصالحات من دأبهم، وهم قلة نادرة، وعرف داود أن الأمر ما هو إلا امتحان منا له فطلب من الله المغفرة، وانحنى راكعاً لله، ورجع إليه خاشعاً. 25- فغفرنا له تعجّله فى الحكم، وإن له عندنا لقربى وحسن مرجع. 26- وأوحى الله إليه: يا داود إنا صيَّرناك خليفة عنا فى الأرض، فاحكم بين الناس بما شرعت لك، ولا تَسِر فى الحكم وراء الهوى، فيحيد بك عن سبيل الله، إن الذين يحيدون عن سبيل الله باتباع أهوائهم لهم عذاب شديد بغفلتهم عن يوم الجزاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {دَاوُودَ} {ٱلصِّرَاطِ } (22) - وَقَدْ دَخَلَ الخَصْمَانِ عَلَى دَاوُدَ وَهُوَ مُنْشَغِلٌ بِالعِبَادَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِ جُلُوسِهِ لِلْحُكْمِ، وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ حَتَّى يَخْرُجَ هُوَ إِلَى النَّاسِ، فَخَافَ هُوَ مِنَ الدَّاخِلَيْنِ عَلَيْهِ بِالتَّسَوُّرِ لأَِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ بِالتَّسَوُّرِ إِلاَّ مَنْ أَرَادَ شَرّاً، فَطَمْأَنَهُ الخَصْمَانِ، وَقَالاَ لَهُ إِنَّهُمَا خَصْمَانِ تَجَاوَزَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، وَقَدْ جَاءَا إِلَيْهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِالحَقِّ والعَدْلِ، وَطَلَبَا إِلَيْهِ أَنْ لاَ يَجُورَ فِي حُكْمِهِ، وَأَنْ يَهْدِيَهُمَا إِلَى الحُكْمِ السَّوِيِّ العَادِلِ. بَغَى بَعْضُنَا - تَعَدَّى وَظَلَمَ وَجَارَ. لاَ تُشْطِطْ - لاَ تَجُرْ فِي حُكْمِكَ. سَوَاءَ الصِّرَاطِ - وَسَطَ الطَّرِيقِ، وَهُوَ عَيْنُ الحَقِّ.
الثعلبي
تفسير : {إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ} قال الفراء: قد كرر إذ مرتين، ويكون معناهما كالواحد، كقولك: ضربتك إذ دخلت علي إذ اجترأت، فالدخول هو الاجتراء، ويجوز أن يجعل أحديهما على مذهب لما. {فَفَزِعَ مِنْهُمْ} حين همّا عليه محرابه بغير إذنه. {قَالُواْ لاَ تَخَفْ} ياداود {خَصْمَانِ} أي نحن خصمان {بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ} ولا تجز، عن ابن عبّاس والضحاك. وقال السدي: لاتسرف. المؤرخ: لاتفرط. وقرأ أبو رجاء العطاردي: ولا تَشطُط بفتح التاء وضم الطاء الأولى، والشطط والأشطاط مجاوزة الحد، وأصل الكلمة من حدهم شطت الدار، وأشطت إذا بعدت. {وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ} أيّ وسط الطريق، فإن قيل: كيف قال: إن هذا أخي فأوجب الأخوة بين الملائكة ولامناسبة بينهم، لأنهم لاينسلون. في الجواب: أن معنى الآية: نحن لخصمين كما يقال وجهه: القمر حسناً، أيّ كالقمر. قال أحد الخصمين {إِنَّ هَذَآ أَخِي} على التمثيل لا على التحقيق، على معنى كونهما على طريقة واحدة وجنس واحد، كقوله سبحانه: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}تفسير : [الحجرات: 10] وقد قيل: إن المتسورين كانا أخوين من بني إسرائيل لأب وأم، وإن أحدهما كان ملكاً والآخر لم يكن ملكاً، فنبها داود على ما فعل. {لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} وهذا من أحسن التعريض، حتّى كنّى بالنعاج عن النساء. والعرب تفعل ذلك كثيراً توري عن النساء بالظباء والشاة والبقر وهو كثير وأبين في أشعارهم. قال الحسن بن الفضل: هذا تعريض التنبيه والتفهيم، لأنه لم يكن هناك نعاج ولابغي، وإنما هو كقول الناس ضرب زيد عمراً، وظلم عمرو زيداً، واشترى بكر داراً وما كان هناك ضرب ولاظلم ولاشراء. {فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا}. قال ابن عبّاس: أعطنيها. ابن جبير عنه: تحوّل لي عنها. مجاهد: أنزل لي عنها. أبو العالية: ضمها إليَّ حتّى أكفلها. ابن كيسان: اجعلها كفلي، أي نصيبي. {وَعَزَّنِي} وغلبني {فِي ٱلْخِطَابِ}. قال الضحاك: إن تكلم كان أفصح مني، وإن حارب كان أبطش مني. وقرأ عبيد بن عمير: وعازني في الخطاب بالألف من المعاز وهي المغالبة. فقال داود: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ} فإن قيل: كيف جاز لداود أن يحكم وهو لم يسمع كلام الخصم الآخر؟ قيل: معنى الآية أن أحدهما لمّا ادّعى على الآخر عرّف له صاحبه، فعند اعترافه فصل القضية بقوله: (لقد ظلمك) فحذف الاعتراف، لأن ظاهر الآية دال عليه، كقول العرب: أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال. وقال الشاعر: شعر : تقول ابنتي لما رأتني شاحباً كأنك سعيد يحميك الطعام طبيب تتابع أحداث تخر من إخوتي فشيّبن رأسي والخطوب تشيب تفسير : {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ} الشركاء {لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} فليسوا كذلك {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} ودليل ماذكرنا من التأويل. ما قاله السدي، بإسناده: إن احدهما لما قال: {إِنَّ هَذَآ أَخِي} الآية فقال داود للآخر: ما تقول؟ فقال إن لي تسعاً وتسعين نعجة، ولأخي هذا نعجة واحدة، وأنا أريد ان آخذها منه فأكمل نعاجي مائة. قال: وهو كاره. قال: إذاً لاندعك وذلك، وإن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يعني طرف الأنف وأصله الجبهة. فقال: ياداود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا، حيث لك تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلاّ امرأة واحدة، فلم تزل به تعرضه للقتل حتّى قُتل وتزوجت امرأته. قال: فنظر داود فلم ير أحداً، فعرف ما قد وقع فيه، فذلك قوله سبحانه: و{وَظَنَّ} وأيقن {دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} ابتليناه. قال سعيد بن جبير: إنما كانت فتنة داود النظر. قلت: ولم يتعمد داود النظر إلى المرأة، ولكنه أعاد النظر إليها فصارت عليه. فهذه أقاويل السلف من أهل التفسير في قصة امتحان داود. وقد روى عن الحرث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: من حدّث بحديث داود على ماروته القصاص معتقداً صحته جلدته حدّين لعظيم ما ارتكب وجليل ما احتقب من الوزر والإثم، برمي من قد رفع الله سبحانه وتعالى محله، وأبانه رحمة للعالمين وحجة للمهتدين. فقال القائلون بتنزيه المرسلين في هذه القصة: إن ذنب داود لما كان أنه تمنى أن تكون له امرأة أوريا حلالاً له وحدث نفسه بذنب، واتفق غزو أوريا وتقدمه في الحرب وهلاكه، فلما بلغه قتله لم يجزع عليه ولم يتوجع له، كما جزع على غيره من جنده إذا هلك، ثم تزوج امرأته، عاتبه الله سبحانه على ذلك، لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند الله سبحانه وتعالى. وقال بعضهم: كان ذنب داود أن أوريا كان قد خطب تلك المرأة ووطّن نفسه عليها، فلما غاب في غزاته خطبها داود فزوجت منه لجلالته، فاغتم لذلك أوريا غماً شديداً، فعاتبه الله تعالى على ذلك حيث لم تزل هذه الواحدة لخاطبها الأول،وقد كانت عنده تسع وتسعون امرأة. وممّا يصدق ماذكرنا [ما] قيل عن المفسرين المتقدمين، ما أخبرني عقيل بن محمّد بن أحمد الفقيه: أن المعافي بن زكريا القاضي ببغداد أحمد بن زكريا أخبره عن محمّد بن جرير قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرني ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة عن أبي صخر عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك سمعه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن داود النبيّ حين نظر إلى المرأة وأهم، قطع على بني إسرائيل، وأوصى صاحب البعث فقال: إذا حضرالعدو فقرّب فلاناً بين يدي التابوت، وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به من قدم بين يدي التابوت وكان التابوت لم يرجع حتّى يقتل أو ينهزم عنه الجيش، فقتل زوج المرأة ونزل الملكان يقصان عليه قصته، ففطن داود فسجد، فمكث أربعين ليلة ساجداً حتّى نبت الزرع من دموعه وأكلت الأرضة من جبينه، وهو يقول في سجوده: ربّ زلّ داود زلة أبعد ممّا بين المشرق والمغرب، ربّ إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثاً في الخلوف من بعده. فجاءه جبرئيل (عليه السلام) من بعد أربعين ليلة فقال: ياداود إن الله غفر لك الهمّ الذي هممت به. فقال داود: عرفت أن الربّ قادر على أن يغفر لي الهمّ الذي هممت به، وقد عرفت أن الله عدل لايميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال: ربّ دمي الذي عند داود؟ فقال جبرئيل: ما سألت ربك عن ذلك، ولئن شئت لأفعلن. قال: نعم. فعرج جبرئيل وسجد داود فمكث ماشاء الله ثم نزل، فقال: قد سألت الله تعالى ياداود عن الذي أرسلتني فيه فقال: قل لداود إن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول له هِب [لي] دمك الذي عند داود. فيقول: هو لك يارب. فيقول: فإن لك في الجنّة ما شئت وما اشتهيت عوضاً ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا الباقرجي قال: حدثنا الحسن بن علوية قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدثنا إسحاق بن بشير قال: أخبرنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عبّاس قال: واخبرنا سعيد بن بشير وعصمة بن حداس القطعي، عن قتادة عن الحسن وابن سمعان، عمن يخبره عن كعب الأحبار قال: وأخبرني أبو الياس عن وهب بن منبه قالوا جميعاً: إن داود لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه، فتحولا في صورتهما فعرجا وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه. وعلم داود إنه عني به، فخر ساجداً أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلاّ لحاجة ولوقت صلاة مكتوبة، ثم يعود ساجداً ثم لايرفع رأسه إلاّ لحاجة لابدّ منها، ثم يعود ويسجد تمام أربعين يوماً، لايأكل ولايشرب وهو يبكي حتّى نبت [الزرع] حول رأسه وهو ينادي ربّه عزّ وجلّ ويسأله التوبة، وكان يقول في سجوده: سبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء، سبحان خالق النور، سبحان الحائل بين القلوب، سبحان خالق النور، إلهي خليت بيني وبين عدوي إبليس، فلم أقم لفتنته إذ نزلت بي، سبحان خالق النور، إلهي تبكي الثكلى على ولدها إذا فقدته وداود يبكي على خطيئته، سبحان خالق النور، إلهي لم اتعظ بما وعظت به غيري، سبحان خالق النور، إلهي أنت خلقتني، وكان في سابق علمك ما أنا إليه صائر، سبحان خالق النور، إلهي يُغسل الثوب فيذهب درنه ووسخه والخطيئة لازمة بي لا تذهب عني، سبحان خالق النور، إلهي أمرتني أن أكون لليتيم كالأب الرحيم وللأرملة كالزوج الرحيم فنسيت عهدك، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود إذا كشف عنه الغطاء فيقال: هذا داود الخاطىء، سبحان خالق النور، إلهي بأي عينين أنظر بهما إليك يوم القيامة، وإنما ينظر الظالمون من طرف خفي، إلهي بأي قدم أقوم بها أمامك يوم تزول أقدام الخاطئين، سبحان خالق النور، إلهي ويل للخاطئين يوم القيامة من سوء الحساب، سبحان خالق النور، إلهي مضت النجوم وكنت أعرفها بأسمائها، فتركتني والخطيئة لازمة بي، سبحان خالق النور، إلهي من أين تطلب المغفرة إلاّ من عند سيده، سبحان خالق النور، إلهي مطرت السماء ولم تمطر حولي، سبحان خالق النور، إلهي أعشبت الأرض ولم تعشب حولي بخطيئتي، سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق حرّ شمسك فكيف أطيق حرّ نارك، سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق صوت رعدك فكيف أطيق صوت جهنم، سبحان خالق النور، إلهي كيف يستتر الخاطئون بخطاياهم دونك وأنت شاهدهم حيث كانوا، سبحان خالق النور، إلهي قرح الجبين وجمدت العينان من مخافة الحريق على جسدي، سبحان خالق النور، إلهي الطير تسبّح لك بأصوات ضعاف تخافك وأنا العبد الخاطىء الذي لم ارع وصيتك، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصاب، سبحان خالق النور، إلهي أنت المغيث وأنا المستغيث فمن يدعوا المستغيث إلاّ المغيث، سبحان خالق النور، إلهي قد تعلم سري وعلانيتي فاقبل عذري، سبحان خالق النور. اللهمّ إني أسألك إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، أن تعطيني سؤلي فإن إليك رغبتي، سبحان خالق النور، اللهم برحمتك اغفر لي ذنوبي ولاتباعدني من رحمتك لهواني، سبحان خالق النور، اللهمّ إني أعوذ بك من دعوة لاتستجاب وصلاة لا تُتَقَبَّل وذنب لايغفر وعذر لا يقبل، سبحان خالق النور، إلهي أعوذ بنور وجهك الكريم من ذنوبي التي أوبقتني، سبحان خالق النور، فررت إليك بذنوبي وأعترف بخطيئتي، فلا تجعلني من القانطين ولا تخزني يوم الدين،سبحان خالق النور، إلهي قرح الجبين وجمدت الدموع وتناثر الدود من ركبتي وخطئيتي الزم بي من جلدي، سبحان خالق النور. قال: فأتاه نداء: يا داود أجائع أنت فتطعم، أظمآن أنت فتسقى، أمظلوم أنت فتنصر؟ ولم يجبه في ذكر خطيئته بشيء، فصاح صيحة هاج ماحوله ثم نادى: يارب الذنب الذنب الذي أصبته. ونودي: ياداود ارفع رأسك فقد غفرت لك. فلم يرفع رأسه حتّى جاء جبرئيل (عليه السلام) فرفعه. قال وهب: إن داود (عليه السلام) أتاه نداء: أني قد غفرت لك. قال: يا رب كيف وأنت لاتظلم أحداً. قال: إذهب إلى قبر أوريا فناده وأنا أسمعه نداك فتحلل منه. قال: فانطلق حتّى أتى قبره وقد لبس المسوح حتّى جلس عند قبره ثم نادى: يا أوريا. فقال: لبيك من هذا الذي قطع عليَّ لذتي وايقظني؟ قال: أنا داود. قال: ما جاء بك يانبي الله؟ قال: أسألك أن تجعلني في حل ممّا كان مني إليك قال: وما كان منك إليَّ؟ قال: عرضتك للقتل. قال: عرضتني للجنّة وأنت في حلّ. فأوحى الله تعالى إليه: ياداود ألم تعلم أنّي حكم عدل لا أقضي بالتعنت والتغرير، ألا أعلمته أنك قد تزوجت إمراته. قال: فرجع إليه فناداه فأجابه. فقال: من هذا الذي قطع عليَّ لذتي؟ قال: أنا داود. قال: يانبي الله أليس قد عفوت عنك؟ قال: نعم، ولكن إنما فعلت ذلك بك لمكان امرأتك وتزوجتها. قال: فسكت فلم يجبه، ودعاه فلم يجبه، وعاوده فلم يجبه، فقام عند قبره وجعل التراب على رأسه ثم نادى: الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يؤخذ برقبته فيدفع إلى المظلوم، سبحان خالق النور، الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النّار، سبحان خالق النور، الويل لداود ثم الويل الطويل له حين تقربه الزبانية مع الظالمين إلى النّار، سبحان خالق النور. قال: فأتاه نداء من السماء: يا داود قد غفرت لك ذنبك ورحمت بكاءك واستجبت دعاءك وأقلت عثرتك. قال: يارب كيف لي أن تعفو عني وصاحبي لم يعف عني. قال: ياداود أعطيه يوم القيامة مالم تر عيناه ولم تسمع أُذناه فأقول له: رضى عبدي؟ فيقول: يارب من أين لي هذا ولم يبلغه عملي. فأقول له: هذا عوض من عبدي داود فأستوهبك منه فيهبك لي. قال: يا رب الآن قد عرفت أنك قد غفرت لي. فذلك قوله سبحانه: {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} يعني ذلك الذنب {وَإِنَّ لَهُ} بعد المغفرة {عِندَنَا} يوم القيامة {لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ} يعني حسنٌ مرجع. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا مخلد بن جعفر قال: حدثنا الحسن بن علوية قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرنا أبو الياس ومقاتل وأبو عبد الرحمن الجندي عن وهب بن منبه قال: إن داود لما تاب الله عزّ وجّل عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة، لاترقأ له دمعة ليلاً ونهاراً، وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة، فقسّم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام: فكان يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم لنسائه، ويوم يسيح في الفيافي وفي الجبال والساحل، ويوم يخلوا في دار له فيها أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه ويساعدونه على ذلك، فإذا كان يوم سياحته، يخرج في الفيا في فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي وتبكي معه الشجر والرمال والطير والوحوش حتّى تسيل من دموعهم مثل الأنهار، ثم يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالمزامير فيبكي وتبكي معه الحجارة والجبال والدواب والطير حتّى تسيل أودية من بكائهم، ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته بالمزامير فيبكي وتبكي معه الحيتان ودواب البحر والسباع وطير الماء، فإذا أمسى رجع. فإذا كان يوم نوحه على نفسه، نادى مناديه: أن اليوم يوم نَوح داود على نفسه، فليحضر من يساعده. قال: فيدخل الدار التي فيها المحاريب فيبسط له ثلاث فرش من مسوح، حشوها ليف فيجلس عليها وتجيء الرهبان أربعة آلاف راهب عليهم البرانس وفي أيديهم العصي فيجلسون في تلك المحاريب، ثم يرفع داود صوته بالبكاء والنوح على نفسه، ويرفع الرهبان معه أصواتهم، فلا يزال يبكي حتى يغرق الفراش من دموعه، ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب فيجيء ابنه سليمان فيحمله، فيأخذ داود من تلك الدموع بكفيه ثم يمسح بها وجهه ويقول: يارب اغفر ماترى، فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدُّنيا لعدله. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن ماجَة قال: حدثنا الحسن بن أيوب قال: حدثنا عبد الله بن أبي زياد قال: حدثنا سيار عن جعفر قال: سمعت ثابتاً يقول: ماشرب داود شراباً بعد المغفرة إلاّ وهو ممزوج بدموع عينيه. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن مالك قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا عثمان بن أبي العاتكة: أنه كان من دعاء داود: سبحانك إلهي إذا ذكرت خطيئتي، ضاقت عليَّ الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتدت إليّ روحي، إلهي أتيت أطباء عبادك ليداووا إليّ خطيئتي، فكلهم عليك يدلني. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدثنا محمّد ابن موسى الحلواني قال: حدثنا مهنى بن يحيى الرملي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خَدّ الدموع في وجه داود(عليه السلام) خديد الماء في الأرض ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ظفران بن الحسن بن جعفر بن هاشم قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن موسى بن سليمان قال: حدثنا أبو حفص عمر بن محمّد النسائي قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله عن ابن بشر بن محمّد بن أبان قال: حدثنا الحسن بن عبد الله القرشي قال: لما أصاب داود (عليه السلام) الخطيئة فزع إلى العباد، فأتى راهباً في قلة جبل فناداه بصوت عال فلم يجبه، فلما أكثر عليه الصوت قال الراهب: مَن هذا الذي يناديني؟ قال: أنا داود نبي الله. قال: صاحب القصور الحصينة والخيل المسوّمة والنساء والشهوات، لئن نلت الجنّة بهذا لأنت أنت. فقال داود: فمن أنت؟ قال: أنا راهب راغب مترقب. قال: فمن أنيسك وجليسك؟ قال: اصعد تره إن كنت تريد ذلك. قال: فتخلل داود الجبل حتّى صار إلى القلة فإذا هو بميت مسجىً. فقال له: هذا جليسك وهذا أنيسك؟ قال: نعم. قال: من هذا؟ قال: تلك قصته مكتوب في لوح من نحاس عند رأسه. قال: فقرأ الكتاب فإذا فيه: أنا فلان ابن فلان ملك الأملاك، عشت ألف عام وبنيت ألف مدينة وهَزمت ألف عسكر وألف امرأة أحصنت وافتضضت ألف عذراء، فبينا أنا في ملكي أتاني ملك الموت وأخرجني ممّا أنا فيه، فهذا التراب فراشي والدود جيراني. قال: فخرَّ داود مغشياً عليه. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا أحمد بن محمّد بن علي الهمداني قال: حدثنا عثمان بن نصر البغدادي قال: حدثنا محمّد بن عبد الرحمن بن غزوان قال: حدثنا الأشجعي عن الثوري عن عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان الناس يعودون داود يظنون أن به مرضاً، ومابه مرض ومابه إلاّ الحياء والخوف من الله سبحانه ". تفسير : وقال وهب: لما تاب الله تعالى على داود كان يبدأ إذا دعا [يستغفر]ٍ للخاطئين قبل نفسه. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا الباقرجي قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا إسحاق بن بشر قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال: كان داود ساجداً من بعد الخطيئة لايجالس إلاّ الخاطئين ثم يقول: تعالوا إلى داود الخاطىء. ولايشرب شراباً إلاّ مزجه بدموع عينيه، وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قصعته، فلا يزال يبكي حتّى يبتل بدموع عينيه، وكان يذر عليه الملح والرماد فيأكل ويقول هذا أكل الخاطئين. قال: وكان داود قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم النصف من الدهر، فلما كان من خطيئته ما كان، صام الدهر كله وقام الليل كله. وأخبرنا عن إسحاق قال: حدثنا مقاتل وأبو الياس قالا: حدثنا وهب بن منبه: أن داود لما تاب الله عليه قال: يارب غفرت لي؟ قال: نعم. قال: فكيف لي أن لا أنسى خطيئتي فأستغفر منها وللخطائين إلى يوم القيامة. قال: فوسم الله عزّ وجلّ خطيئته في يده اليمنى، فما رفع فيها طعاماً ولاشراباً إلاّ بكى إذا رآها، وما كان خطيباً في الناس إلاّ بسط راحته فاستقبل الناس، ليروا وسم خطيئته. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدثنا يوسف بن عبد الله بن ماهان قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدلي قال: مارفع داود رأسه بعد الخطيئة إلى السماء حتّى مات. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدثنا محمّد بن خالد قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا أبو أسامة عن محمّد بن سليمان قال: حدثنا ثابت قال: كان داود إذا ذكر عقاب الله تخلعت أوصاله لايسدها إلاّ الأسر وإذا ذكر رحمته تراجعت. قال: وروى المسعودي عن يونس بن حباب وعلقمة بن مرثد قالا: لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع داود أكثر حيث أصاب الخطيئة، ولو أن دموع داود ودموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم (عليه السلام) أكثر حيث أخرجه الله تعالى من الجنّة وأهبط إلى الأرض. ويروى أن داود كان إذا قرأ الزبور بعد الخطيئة لايقف له الماء ولاتصغي إليه البهائم والوحوش والطيور كما كان قبلها، ونقصت نعمته فقال: إلهي ماهذا؟ فأوحى الله سبحانه: ياداود إن الخطيئة هي التي غيرّت صوتك وحالك. فقال: إلهي أوليس قد غفرتها لي؟ فقال: نعم قد غفرتها لك، ولكن ارتفعت الحالة التي كانت بيني وبينك من الودّ والقربة، فلن تدركها أبداً فذلك قوله: {فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ}. قال الحسين بن الفضل: سألني عبد الله بن طاهر وهو الوالي عن قوله سبحانه: {وَخَرَّ رَاكِعاً} هل يقال للراكع خرَّ؟ قلت: لا. قال: فما معنى الآية؟ قلت: معناها فخرَّ بعد أن كان راكعاً، أي سجد. أخبرني الحسن بن محمّد بن الحسين قال: حدثنا هارون بن محمّد بن هارون العطار قال: حدثنا محمّد بن عبد العزي قال: حدثنا سليمان بن داود قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي سعيد الخدري قال: رأيتني أكتب سورة ص والقرآن ذي الذكر، فلما أتيت على هذه الآية {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ}، رأيت فيما يرى النائم كأنّ القلم خرّ ساجداً، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : تقول كما قال وتسجد كما سجد»تفسير : فتلاها فسجدوا وأمرنا أن نسجد فيها. وأخبرني الحسين بن محمّد قال: حدثنا صمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدثنا أبو حفص بكر بن أحمد بن مقبل قال: حدثنا عمر بن علي الصيرفي قال: حدثنا اليمان بن نصر الكعبي قال: حدثنا عبد الله أبو سعد المدني قال: حدثني محمّد بن المنكدر عن محمّد بن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثني أبو سعيد الخدري قال:" حديث : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يارسول الله إني رأيت الليلة في منامي كأني تحت شجرة، والشجرة تقرأ ص، فلما بلغت السجدة سجدت، فسمعتها تقول في سجودها: اللهم أكتب لي بها أجراً، وحط عني بها وزراً، وارزقني بها شكراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أفسجدت أنت يا أبا سعيد؟". قلت: لا يا رسول الله. قال: "أنت كنت أحق بالسجدة من الشجرة" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى بلغ السجدة فسجد ثم قال مثل ما قالت الشجرة ". تفسير : وأخبرني الحسين بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن علي بن الحسن قال: حدثنا بكر بن أحمد بن مقبل قال: حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا محمّد بن يزيد بن خنيس قال: حدثنا الحسن بن محمّد بن عبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريح: حدثنا حسن قال: حدثني جدّك عبيد الله بن أبي يزيد قال: حدثني ابن عبّاس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله إني رأيت الليلة فيما يرى النائم كأني أُصلي خلف شجرة، فرأيت كأني قرأت السجدة فسجدت فرأيت الشجرة كأنها سجدت، فسمعتها وهي ساجدة تقول: اللّهم اكتب لي عندك بها أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع عني بها وزراً،واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود. قال ابن عبّاس: فرأيت النبييّ صلى الله عليه وسلم قرأ السجدة ثم سجد فسمعته وهو ساجد يقول مثل ما قال الرجل من كلام الشجرة، قال الله سبحانه وتعالى فغفرنا له ذلك {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ}. روى أبو معشر عن محمّد بن كعب ومحمّد بن قيس أنهما قالا في قوله عزّ وجلّ: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ}. روى أبو معشر عن محمّد بن كعب قال: إن أول من يشرب الكأس يوم القيامة داود. {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ} تركوا الأيمان بيوم الحساب {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ * كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ} ليتدبروا {آيَاتِهِ}. هذه قراءة العامة. وقرأ أبو جعفر وعاصم في رواية الأعشى والترجمني: (لِّيَدَّبَّرُوۤاْ) بياء واحدة مفتوحة مخففة على الحذف. قال الحسن: تُدبر آياته، إتباعه. {وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تُشْطِطْ} معناه لا تُسرِفْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):