Verse. 3999 (AR)

٣٨ - ص

38 - Sad (AR)

كِتٰبٌ اَنْزَلْنٰہُ اِلَيْكَ مُبٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوْۗا اٰيٰتِہٖ وَلِيَتَذَكَّرَ اُولُوا الْاَلْبَابِ۝۲۹
Kitabun anzalnahu ilayka mubarakun liyaddabbaroo ayatihi waliyatathakkara oloo alalbabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كتاب» خبر مبتدأ محذوف أي هذا «أنزلناه إليك مبارك ليدَّبروا» أصله يتدبروا أدغمت التاء في الدال «آياته» ينظروا في معانيها فيؤمنوا «وليتذكر» يتعظ «أولوا الألباب» أصحاب العقول.

29

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {كِتَابٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هذا {أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٌ لّيَدَّبَّرُواْ } أصله ليتدبروا أدغمت التاء في الدال {ءَايَٰتِهِ } ينظروا في معانيها فيؤمنوا {وَلِيَتَذَكَّرَ } يتعظ {أُوْلُواْ ٱلالْبَٰبِ } أصحاب العقول.

الخازن

تفسير : {كتاب أنزلناه إليك} أي هذا كتاب يعني القرآن أنزلناه إليك {مبارك} أي كثير خيره ونفعه {ليدبروا آياته} أي ليتدبروا ويتفكروا في أسراره العجيبة ومعانيه اللطيفة وقيل تدبر آياته اتباعه في أوامره ونواهيه {وليتذكر} أي وليتعظ {أولوا الألباب} أي ذوو العقول والبصائر. قوله تعالى: {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد} قيل إن سليمان عليه الصلاة والسلام غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ما أصاب وهو ألف فرس وقيل ورثها من أبيه وقيل إنها كانت خيلاً من البحر لها أجنحة فصلى سليمان عليه الصلاة والسلام الصلاة الأولى التي هي الظهر وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه فعرض عليه منها تسعمائة فرس فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت وفاتت الصلاة ولم يعلم بذلك هيبة له فاغتمَّ لذلك وقال ردّوها عليّ فأقبل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف تقرباً إلى الله تعالى وطلباً لمرضاته حيث اشتغل بها عن طاعته وكان ذلك مباحاً له وإن كن حراماً علينا وبقي منها مائة فرس فالذي في أيدي الناس من الخيل يقال إنه من نسل تلك المائة فلما عقرها الله تعالى أبدله الله تعالى خيراً منها وأسرع وهي الريح تجري بأمره كيف شاء، وقوله تعالى: {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد} قيل هي الخيل القائمة على ثلاث قوائم مقيمة الرابعة على طرف الحافر من رجل أو يد وقيل الصافن القائم وجاء في الحديث "حديث : من سرَّه أن يقوم له الناس صفوفاً فليتبوأ مقعده من النار" تفسير : أي قياماً الجياد: أي الخيار السراع في الجري واحده جواد قال ابن عباس يريد الخيل السوابق {فقال إني أحببت حب الخير} أي آثرت حب الخير وأراد بالخير الخيل سميت به لأنه معقود في نواصيها الخير الأجر والغنيمة وقيل حب الخير يعني المال ومنه الخيل التي عرضت عليه {عن ذكر ربي} يعني صلاة العصر {حتى توارت} أي استترت الشمس {بالحجاب} أي ما يحجبها من الأبصار يقال إن الحجاب جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لّيَدَّبَّرُواْ ءَايَـٰتِهِ} قال الغَزَّالِيُّ في «الإحْيَاءِ»: اعْلَمْ أن القرآن مِنْ أَوَّلِه إلى آخِرِه تحذيرٌ وتخويفٌ لاَ يَتَفَكَّرُ فيه مُتَفَكِّرٌ إلا وَيَطُولُ حُزْنُهُ، وَيَعْظُمُ خَوْفُه إنْ كَانَ مُؤْمِناً بِمَا فِيه وَتَرى النَّاسَ يَهْذُّونَهُ هَذًّا، يُخْرِجُونَ الحُروفَ مِنْ مُخَارِجِها، ويَتَنَاظَرُونَ عَلَىٰ خَفْضِها ورَفْعِها وَنَصْبِها، لاَ يَهُمُّهُمْ الالتِفَاتُ إلى مَعانِيها والعملِ بما فِيها، وَهَلْ في العِلم غُرُورٌ يَزِيدُ عَلَىٰ هذا، انتهى من «كِتَابِ ذَمِّ الغُرُور». واختلفَ المتأولونَ في قَصَصِ هذهِ الخيل المَعْرُوضَةِ عَلى سُلَيْمَانَ ـــ عَلَيْهِ السلامُ ـــ فقال الجُمْهُورُ: إنَّ سُلَيْمَانَ ـــ عَلَيْهِ السلام ـــ عُرِضَتْ عليه آلافٌ مِنَ الخَيْلِ تَرَكَهَا أَبُوهُ، فأُجْرِيَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ عِشَاءً، فَتَشَاغَلَ بجريها وَمَحَبَّتِهَا، حَتَّىٰ فَاتَهُ وَقْتُ صَلاَةِ العَشِيِّ، فَأَسِفَ لِذَلِكَ؛ وَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الخَيْلَ؛ فَطَفِقَ يَمْسَحُ سُوقَها وأعْنَاقَها بالسَّيْفِ، قَالَ الثَّعْلَبيُّ وغيره، وجَعَل يَنْحَرُهَا تَقَرُّباً إلَىٰ اللَّهِ تعالى؛ حيثُ اشْتَغَل بِهَا عَنْ طَاعَتِهِ، وكان ذلكَ مُبَاحاً لَهُمْ كما أُبِيحَ لَنا بهيمةُ الأنْعَامِ، قال * ع *: فَرُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تعالَىٰ أَبْدَلَهُ مِنْهَا أَسْرَعَ منها، وهي الرِّيحُ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: و{ٱلْخَيْرُ} هنا هي الخيل؛ وكذلكَ قَرأَها ابنُ مَسْعُود: «إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْلِ» انتهى، و«الصَّافِنُ»: الذي يَرْفَعُ إحْدَىٰ يديه؛ وقَدْ يَفْعَلُ ذلكَ برِجْلِهِ؛ وهي علامةُ الفَرَاهِيَة؛ وأَنْشَدَ الزَّجَّاجُ: [الكامل] شعر : أَلِفَ الصُّفُونَ فَمَا يَزَالُ كَأَنَّه مِمَّا يَقُومُ عَلَى الثَّلاَثِ كَسِيرَا تفسير : قالَ بَعْضُ العلَماء: {ٱلْخَيْرِ} هنَا أرادَ به الخَيْلَ، والعَرَبُ تُسَمي الخَيْلَ، الخَيْرَ، وفي مِصْحَفِ ابْن مَسْعُودٍ: «حُبَّ الخَيْلِ» باللامِ. والضميرُ في {تَوَارَتْ} للشمسِ، وإن كَانَ لَمْ يَتَقَدَّم لَهَا ذِكْرٌ: لأنَّ المَعْنَىٰ يَقْتَضِيهَا، وأيضاً فَذِكْرُ العَشِيِّ يَتَضَمَّنُهَا، وقالَ بعضُ المفسرينَ {حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ}، أَي: الخيلُ دَخَلَتْ إصْطَبْلاَتِهَا، وقال ابنُ عبَّاسٍ والزُّهْرِيُّ: مَسْحُهُ بالسُّوقِ والأَعْنَاقِ لَمْ يَكُنْ بالسَّيْفِ؛ بل بيدهِ تَكْرِيماً لَها؛ ورَجَّحَهُ الطبريُّ، وفي البخاري: {فَطَفِقَ مَسْحاً} يمسحُ أعْرَافَ الخَيلِ وعَرَاقِيبَهَا؛ انتهى، وعن بعضِ العلماءِ أَنَّ هذهِ القصةَ لَمْ يَكُنْ فيها فَوْتُ صلاةٍ، وقالوا: عُرِضَ على سليمانَ الخيلُ وهو في الصلاةِ، فأشَارَ إليهم؛ أي: إني في صلاةٍ، فأزَالُوهَا عَنْهُ حتى أَدْخَلُوها في الإصْطَبْلاَتِ، فقالَ هو، لَمَّا فَرَغَ من صلاته: إني أَحْبَبْتُ حُبَّ الخيرِ، أي: الذي عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرةِ؛ بسببِ ذِكْرِ ربي، كَأَنه يقول: فَشَغَلَنِي ذلكَ عَنْ رُؤْيَةِ الخيلِ، حتى أُدْخِلَتْ إصْطَبْلاَتِهَا، رُدُّوهَا عَليّ، فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْرَافَهَا وسُوقَهَا، تَكْرمةً لها، أي: لأَنَّها معدَّةٌ للجهَادِ، وهذا هو الراجحُ عند الفخر، قال: ولو كانَ مَعْنَىٰ مَسْحِ السُّوقِ والأعناقِ قَطْعَهَا لَكَانَ مَعْنَىٰ قوله: {أية : وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ }تفسير : [المائدة:6] قطعَهَا * ت *: وهَذَا لا يلزمُ للقرينَةِ في الموضعين، اهـــ. قال أبو حَيَّان: و{حُبَّ ٱلْخَيْرِ} قال الفراء: مفعولٌ بهِ، {أَحْبَبْتُ} مُضَمَّنٌ مَعْنَىٰ آثَرْتُ، وقيلَ: منصوبٌ على المصدرِ التَّشْبِيهِي، أي: حبًّا مِثْلَ حُبِّ الخير، انتهى. وقوله: {عَن ذِكْرِ رَبِّى} «عن» عَلَىٰ كُلِّ تَأويلٍ هنا للمُجَاوَزَةِ من شيءٍ إلى شَيْءٍ، وَتَدَبَّرْهُ فإنه مُطَّرِدٌ.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور عن الحسين رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ليدبروا آياته‏}‏ اتباعه بعمله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه ‏ {‏أولوا الألباب‏} ‏ قال‏:‏ أولوا العقول من الناس‏.‏

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} [الآية: 29]. قال بعضهم: لا سبيل إلى فهم كتاب الله إلا بقراءته بالتدبر والتفكر والتيقظ والتذكر وحضور القلب فيه كما قال عز وجل {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}. قال ابن عطاء: مبارك على من يسمعه منك فيفهم المراد منه وفيه ويحفظ آدابه وشرائعه وموعظة أولى العقول السليمة الراجحة إلى الله فى المشكلات. قال بعضهم: من أصابته بركة القراءة رزق التدبر فى آياته ومن رزق التدبر لم يحرم التذكر والاتعاظ به، قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}.

القشيري

تفسير : {مُبَارَكٌ} وهو القرآن، ومبارك أي كبيرُ النّفْعِ، ويقال مباركٌ أي دائمٌ باقٍ لا ينسخه كتابٌ؛ مِنْ قولهم بَرَكَ الطيرُ على الماء. ويقاَل مباركٌ لِمَنْ آمَنَ به وصَدَّقَ. ثم إنه بَيَّنَ أَنَّ البركةَ في تَدَبُّرِهِ والتفكُّرِ في معانيه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} ذكر النزول فى الكتاب شرط رسوم الامر وفى البرهان ظهور نور الصفة له يحكم التجلى وفى الحقيقة الا افتراق فى صفاته عن عينية الذات هو منزه عن التغائر لا ترى الى قوله مبارك اى منزه عن التفرق بل هو ثابت فى اصل الاصول مبارك عليك وعلى امتك الذين يفهمون حقائقه حيث وقعوا فى بحار التدبر والتفكر فيه هو مرأة الصفة اعطاها عباده لينظروا فيها بعيون الاهلية له حتى يبصروا فيها حقائق الانوار ويذكروا منها دقائق الاسرار فعم التدبر لعموم العلماء والفهماء وخص التذكر لخصوص العقلاء لان التدبر للفهم والتذكر لوقوع الاجلال وخشية الخاص فى قلوب اكابر اهل العلم الذين يرون بعيون الارواح عرائس الصفات فيه وينشكف لهم فيه غوامض علوم الالوهية قال ابن عطا مبارك على من سمعه منك فيفهم المراد منه وفيه ويحفظ أدابه وشرائعه وفيه موعظة اولى العقول السليمة الراجعة الى الله فى المشكلات قال بعضهم من اصابته بركة القرأن رزق التدبر فى أياته ومن رزق التدبر فى أياته لم يحرم التذكر والاتعاظ به قال الله تعالى كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا أياته قال بعضهم مبارك عليك بانزاله عليك فانك المخاطب به وانت المبين له ومبارك على من يتذكر فيه الاوامر والنواهى والمواعظ فيتعظ بما يعظ به الكتاب علمنا بانه من عند سيده فيختر بانه خاطبه بما خاطبه.

اسماعيل حقي

تفسير : {كتاب} خبر مبتدأ محذوف وهو عبارة عن القرآن اى هذا كتاب {انزلناه اليك} صفته {مبارك} خبر ثان للمبتدأ اى كثير المنفعة دنيا ودينا لمن آمن به وعمل باحكامه وحقائقه واشاراته فان البركة ثبوت الخير الآلهى فى الشىء والمبارك ما فيه ذلك الخير {ليدبروا آياته} متعلق بانزلنا واصله يتدبروا فادغمت التاء فى الدال اى انزلناه ليتفكروا فى آياته بالفكر السليم فيعرفوا ما يتبع ظاهرها من المعانى الفائقة والتأويلات اللائقة اى ليتفكروا فى معانيها فان التدبر عبارة عن النظر فى عواقب الامور والتفكر تصرف القلب فى معانى الاشياء لدرك المطلوب {وليتذكر اولوا الالباب} اى وليتعظ به اصحاب العقول الخالصة عن شوب الوهم عمم التدبر لعموم العلماء وخص التذكر بخصوص العقلاء لان التدبر للفهم والتذكر لوقوع الاجلال والخشية الخاص باكابر اهل العلم. قال بعضهم التفكر عند فقدان المطلوب لاحتجاب القلب بالصفات النفسانية واما التذكر فهو عند رفع الحجاب والرجوع الى الفطرة الاولى فيتذكر ما انطبع فى النفس فى الازل من التوحيد والمعارف انتهى فعلم ان المقصود من كلام الحق التفكر والتذكر والاتعاظ به لا حفظ الالفاظ فقط. قال الشبلى قدس سره قرأت اربعة آلاف حديث ثم اخترت منها حديثا واحدا وكان علم الاولين والآخرين مندرجا فيه وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبعض اصحابه "حديث : اعمل لدنياك بقدر مقامك فيها واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها واعمل لله بقدر حاجتك اليه واعمل للنار بقدر صبرك عليها" تفسير : وكان الصحابة يكتفون ببعض السور القرآنية ويشتغلون بالعمل بها فان المقصود من القرآن العمل به حديث : ـ روى ـ ان رجلا جاء الى النبى عليه السلام وقال علمنى مما علمك الله فدفعه الى رجل يعلمه القرآن فعلمه اذا زلزلت الارض حتى اذا بلغ فمن يعمل الخ قال حسبى فاخبر النبى عليه السلام بذلك فقال "دعوه فقد فقه الرجل " تفسير : وقال ابراهيم بن ادهم رحمه الله مررت بحجر مكتوب عليه قلبنى ينفعك فقلبته فاذا مكتوب عليه انت بما تعلم لا تعمل فكيف تطلب ما لم تعلم. وعن البصرى رحمه الله قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله حفظوا حروفه وضيعوا حدوده حتى ان احدهم ليقول والله لقد قرأت القرآن فما اسقطت منه حرفا والله وقد اسقط كله ما يرى عليه للقرآن اثر فى خلق ولا عمل والله ما هو بحفظ حروفه واضاعة حدوده والله ما هؤلاء بالحكماء ولا الوزعة لا اكثر الله فى الناس مثل هؤلاء فمن اقتفى بظاهر المتلوّ كان مثله كمثل من له لقحة درور لا يحلبها ومهرة نتوج لا يستولدها. قال انس رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تعوذوا بالله من فخر القراء فانهم اشد فخرا من الجبابرة" تفسير : ولا احد ابغض الى رسول الله من قارىء متكبر وعن على رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : تعوذوا بالله من دار الحزن فانها اذا فتحت استجارت منها جهنم سبعين مرة اعدها الله للقراء المرائين باعمالهم وان شر القراء لمن يزور الامراء"تفسير : : وفى سلسلة الذهب للمولى الجامى قدس سره شعر : رب تال يفوه بالقران وهو يفضى به الى الخذلان خواجه را نيست جزتلاوت كار ليكن آن طرد ولعنت آرد بار لعنتست اين كه بهرلهجه وصوت شود از تو حضور خاطر فوت نشود بر دل تو تا بنده كين كلام خداست يابنده لعنتست اين كه سازدت بىسيم روز شب با امير وخواجه نديم خانه شان مزبله است وقرآن نور دار اين نور را زمزبله دور معنىء لعن جيست مردودى بمقامات بعد خشنودى هركه ماند از خدا بيك سرمو آمد اندر مقام بعد فرو كرجه ملعون نشد زحق مطلق هست ملعون بقدر بعد ازحق

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "كتابٌ": خبر عن مضمر، أي: هذا، و "أنزلناه": صفة له، و "مبارك": خبر ثان، أو: صفة الكتاب، و "لِّيدبروا": متعلق بأنزلناه. قيل: لمَّا نفى التسوية بين الصالح المتقِّي، والمفسد الفاجر، بيَّن ما تحصل به لمتبعيه السعادة الأبدية، ويحصل به الصلاح التام، والتقوى الكاملة. وهو كتاب الله فقال جلّ جلاله: {كتابٌ}؛ وهو القرآن {أَنزلناه إليك مباركٌ}؛ كثير المنافع الدينية والدنيوية، أنزلناه {ليدَّبّروا آياته} أي: ليتفكروا في آياته، التي من جملتها هذه الآيات المعربة عن أسرار التكوين والتشريع، فيعرفوا ما في ظاهرها من المعاني الفائقة، والتأويلات اللائقة. وقرى: {لتدبروا} على الخطاب، أي: أنت وعلماء أمتك، بحذف إحدى التاءين. {وليتذكَّر أولوا الألباب} أي: وليتّعِظ به ذوو العقول الصافية، السليمة من الهوى، فيقفوا على ما فيه، ويعملوا به، فإنَّ الكتب الإلهية ما نزلت إلا ليُتدبر ما فيها، ويُعمَل به. وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن عبيدٌ وصبيان، لا علم لهم بتأويله، حفظوا حروفه وضيّعوا حدوده. هـ. الإشارة: كتاب الله العزيز بطاقة من عند الملك، والمراد من البطاقة فَهْمُ ما فيها، والعمل به، لا قراءة حروفها ورسومها فقط، فمَن فعل ذلك فهو مقصّر. وذكر في الإحياء أن آداب القراءة عشرة، أي: الآداب الباطنية: الأول: فَهْمُ عظمة الكلام وعُلوّه، وفضل الله سبحانه بخلقه، في نزوله عن عرش جلاله، إلى درجة أفهام خلقه، فلولا استتار كُنه جلال كلام الله تعالى، بكسوة الحروف، لما ثبت لكلام الله عرش ولا ثرى، ولَتَلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه، ولولا تثبيت الله موسى عليه السلام ما أطاق سماع كلامه، كما لم يطق الجبل مبادر نوره. الثاني: تعظيم المتكلم به، وهو الله سبحانه، فيخطر في قلبه عظمة المتكلم، ويعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر، وأن في تلاوة كتابه غاية الخطر، ولهذا كان عكرمة إذا نشر المصحف غشي عليه. الثالث: حضور القلب، وترك حديث النفس، فإذا قرأ آية غافلاً أعادها. الرابع: التدبُّر، وهو وراء الحضور، فإنه قد لا يتفكّر في غير القرآن، ولكنه مقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبّره. قال عليٌّ رضي الله عنه: لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا خير في قراءة لا تدبُّر فيها. الخامس: التفهُّم، وهو أن يستوضح كل آية ما يليق بها؛ إذ القرآن مشتمل على ذكر صفات الله تعالى، وذكر أفعاله، وذكر أحوال أنبيائه ـ عليهم السلام ـ، وذكر أحوال المكذّبين، وكيف أُهلكوا، وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "مَن أراد علم الأولين والآخرين فليثوّر القرآن" أي: فإنه مشتمل على فعل الله، وصفاته، وكشف أسرار ذاته، لمَن تأمّله حق تأمله. السادس: التخلي عن موانع الفهم، ومعظمها أربعة: أولها: صرف الهمة إلى إخراج الحروف من مخارجها، وهذا تولى حفظه شيطان وُكل بالقراء. وكذلك الاشتغال بضبط رواياته، فأنى تنكشف لهذا أسرار المعاني. ثانيها: أن يكون مقيَّداً بمذهب، أخذه بالتقليد، وجمد عليه، فهذا شخص قيَّده معتقدُه، فلا يمكن أن يخْطر بباله غير معتقده، فلا يتبحَّر في معاني القرآن؛ لأنه مقيّد بما جمد عليه. ثالثها: أن يكون مصرًّا على ذنب، أو متصفاً بكبر، أو: مبتلى بهوى في الدنيا، وبهذا ابتلى كثير من الناس، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَاتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فى الأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 146] أي: عن فهم آياتي. رابعها: أن يكون قد قرأ تفسيراً ظاهراً، واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما يتناوله النقل عن ابن عباس وغيره، وأمَّا ما وراء ذلك تفسير بالرأي، فهذا أيضاً من أعظم الحُجب؛ فإن القرآن العظيم له ظاهر وباطن، وحدّ ومُطلع، فالفهم فيه لا ينقطع إلى الأبد، فهو بحر مبذول، يغرف منه كل واحد على قدر وسعه، إلى يوم القيامة. السابع: التخصيص، وهو أن يعتقد أن المقصود بكل خطاب في القرآن، فإن سمع أمراً أو نهياً، قدر أنه المأمور والمنهي، وكذلك إن سمع وعداً ووعيداً، وإن سمع قصص الأولين عَلِمَ أن المقصود به الاعتبار، ليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه، ويتقوّى إيمانه، قال تعالى: {أية : وَكُّلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بشهِ فُؤَادَكَ} تفسير : [هود: 120] فالقرآن لم ينزل خاصّاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو شفاء ورحمة ونور للعالمين، فيثبت فؤاد كل مَن يسمعه. الثامن: التأثير، وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة، بحسب اختلاف الآيات، فيكون له بحسب كل فهم حال ووجد، يتصف به قلبه؛ من الخوف، والرجاء، والقبض، والبسط، وغير ذلك. التاسع: الترقي وهو أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من الله سبحانه، لا من نفسه، ولا من غيره. فدرجات القرآن ثلاث: أدناها: أن يُقدر العبد كأنه يقرأ على الله تعالى، واقفاً بين يديه، فيكون حاله السؤال والتملُّق. ثانيها: أن يشهد بقلبه كأن الله تعالى يُخاطبه بألفاظه، ويُناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه الحياء والتعظيم. الثالثة: أن يرى في الكلام المتكلِّم، فلا ينظر إلى نفسه، ولا إلى قراءته، بل يكون مقصور الهم على المتكلم، مستغرقاً في شهوده، وهذه درجة المقرَّبين، وما قبلها درجة أصحاب اليمين، وما خرج عن هذا فهو درجة الغافلين. وعن الدرجة العليا أخبر جعفر الصادق رضي الله عنه بقوله: والله لقد تجلّى الله لخلقه في كلامه ولكن لا يُبصرون. هـ. وقال بعض الحكماء: كنتُ أقرأ القرآن ولا أجد حلاوة، حتى تلوته كأنه أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوه على أصحابه، ثم رُفعت إلى مقام، كأني أسمعه من جبريل، يلقيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء الله بمنزلة أخرى، فأنا الآن أسمعه من المتكلِّم به، فعندها وجدت له لذة ونعيماً لا أصبر عنه. العاشر: التبري، وهو أن يتبرأ من حوله، وقوته، والالتفات إلى نفسه بعين الرضا. انظر بقية كلامه فقد اختصرناه غاية. ثم ذكر سليمان عليه السلام، فقال: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ}.

الجنابذي

تفسير : {كِتَابٌ} خبر مبتدءٍ محذوفٍ او مبتدء خبره مبارك او ليدّبّروا والمعنى انّ القرآن كتاب، او علىّ (ع) كتاب {أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} ذو بركة وخير على المتمسّك به والتّفسير بعلىّ (ع) اوفق بقوله ووهبنا لداود سليمان {لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ٱلأَلْبَابِ} قد مضى مكرّراً انّ الانسان ما لم يتّصل بالولاية كان بلا لبٍّ واذا اتّصل بالولاية بشروطه المقرّرة عندهم صار ذا لبٍّ فهو بدون الولاية يكون كالجوز الخالى عن اللّبّ ويكون لائقاً للنّار وبالولاية تصير كالجوز الّذى يكون له لبّ، عن الصّادق (ع) ليدّبّروا آياته امير المؤمنين والائمّة (ع) فهم اولوا الالباب.

الهواري

تفسير : قوله: {كِتَابٌ} أي: هذا كتاب، يعني القرآن {أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} أي: أولوا العقول، وهم المؤمنون. قوله: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} والأوّاب: المسبّح {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ}. يعني الخيل [السراع]. و (الصَّافِنُ) في تفسير مجاهد الفرس حين يرفع إحدى رجليه حتى تكون على طرف الحافر، أي بسنبكه. (الجِيَادُ)، الواحد منها جواد، وجماعتها جياد. وكان ابن سعود يقرأها صوافن أي معقولة يدها اليمنى قائمة على ثلاث قوائم، وهو قوله صوافن. قال الحسن: عرضت على سليمان فجعلت تجري بين يديه فلا يستبين منها قليلاً ولا كثيراً من سرعتها، وجعل يقول: اللهم اغضض بصري إلي، وجعل يقول: ردُّوها علي، اي: ليستبين منها شيئاً. قوله: {فَقَالَ: إِنِّيِ أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} أي: حبّ المال، يعني الخيل، وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: {حبّ الخيل} {عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ} أي غابت، يعني الشمس {بِالْحِجَابِ} ففاتته صلاة العصر. ذكروا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة الوسطى فقال: هي صلاة العصر . تفسير : ذكروا عن عبيدة السلماني عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: ما لهم، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس. قال الحسن: فقال سليمان ذلك.

اطفيش

تفسير : {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} وقرئ بنصب (مبارك) فالرفع على أنه خبر كتاب و (أنزلناه) صفة أو على أنه نعت آخر والمبتدأ محذوف خبره (كتاب) أو على أنه خبر ثان والأول (أنزلناه)، و (كتاب) مبتدأ أو على أنه خبر ثان والأول (كتاب) والمبتدأ محذوف و (أنزلناه) ثان والنصب على الحال من الهاء {لِّيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ} أصله ليتدبروا بدلت التاء دالاً وأدغمت في الدال وقرئ على الأصل وقرئ بتاء الخطاب والتدبر التفكر الموصل الى معرفة حقيقة الآيات والمراد بها فان من يقرأ ولا يتدبر كمن له ناقة كثيرة اللبن ومهرة كثيرة الولادة ولا يستولدها. وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن، عبيد وصبيان وغيرهم لا علم لهم بتأويله حفظوا حروفه وضيعوا حدوده حتى أن أحدهم ليقول والله لقد قرأت القرآن وما أسقط منه حرفاً وقد والله أسقطه كله ما يرى عليه أثر في خلق ولا عمل والله ما هو يحفظ حروفه واضاع حدوده والله ما هؤلاء بالحكمة ولا الورعة لا أكثر الله من هؤلاء في الناس وقد كثروا وغرضهم الرياء والسمعة. وقوم قرأوه ليصطادوا به المال من البلاد وقوم قرأوه وأسهرهم وهم قليل اللهم أكثرهم، وفي (الاحياء) القرآن من أوله لآخره تحذير وتخويف لا يفكر فيه متفكر الا ويطول حزنه ويعظم خوفه ان كان مؤمناً بما فيه وترى الناس يهذونه هذا يخرجون الحروف من مخارجها ويتناظرون على حفظها أو رفعها ونصبها لا يهم الالتفات الى معانيه والعمل بما فيه وهل غرور يزيد على هذا وقيل المراد بالتقدير العمل وعندي التفكر في المعنى والعمل* {وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} أي وليتعظ به أصحاب العقول السليمة أو ليستحضروا وأما هو كالمركوز في عقولهم (لشدة) تمكنهم من معرفة به بما نصب من الدلايل فان كتب الله بيان لما لا يعرف الا من الشرع وارشاد الى ما لا يكفي فيه العقل ويصح أن يكون التدبر لذوي العقول السليمة والتذكر لذوي العقول المركوز فيها. فيها عظيم المعرفة أو التدبر لما لا يعرف الا من الشرع والتذكر لما لا يستنقل به العقل

اطفيش

تفسير : {كتابٌ} خبر مبتدأ محذوف، أى هذا {أنزلنَاهُ إليكَ مُبارَكٌ لِّيَدَّبَّروا} أصله يتدبَّروا، أدغمت التاء فى الدال {آيَاته} أى ينظروا فى معانيها فيؤمنوا {وليتَذكَّر} يتعظ ويعتبر {أولو الألْباب} أى العقول.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {كِتَـٰبَ } خبر مبتدأ محذوف هو عبارة عن القرآن أو السورة، ويجوز على الثاني تقديره مذكراً أي هو أو هذا وهو الأولى عند جمع رعاية للخبر وتقديره مؤنثاً رعاية للمرجع، وقوله تعالى: {أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ } صفته. وقوله سبحانه: {مُّبَارَكٌ } أي كثير المنافع الدينية والدنيوية خبر ثان للمبتدأ أو صفة {كِتَابٌ } عند من يجوز تأخير الوصف الصريح عن غير الصحيح. وقرىء {مُبَارَكاً } بالنصب على أنه حال من مفعول {أَنزَلْنَا } وهي حال لازمة لأن البركة لا تفارقه جعلنا الله تعالى في بركاته ونفعنا بشريف آياته. وقوله عز وجل: {لّيَدَّبَّرُواْ ءايَـٰتِهِ } متعلق بأنزلناه، وجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف يدل عليه وأصله ليتدبروا بتاء بعد الياء آخر الحروف، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه بهذا الأصل أي أنزلناه ليتفكروا في آياته التي من جملتها هذه الآيات المعربة عن أسرار التكوين والتشريع فيعرفوا ما يدبر ويتبع ظاهرها من المعاني الفائقة والتأويلات اللائقة. وضمير الرفع لأولي الألباب على التنازع وإعمال الثاني أو للمؤمنين فقط أو لهم وللمفسدين. وقرأ أبو جعفر {لتدبروا} بتاء الخطاب وتخفيف الدال وجاء كذلك عن عاصم والكسائي بخلاف عنهما، والأصل لتتدبروا بتاءين فحذفت إحداهما على الخلاف الذي فيها أهي تاء المضارعة أم التاء التي تليها؟ والخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم وعلماء أمته على التغليب أي لتدبر أنت وعلماء أمتك {وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي وليتعظ به ذوو العقول الزاكية الخالصة من الشوائب أو ليستحضروا ما هو كالمركوز في عقولهم لفرط تمكنهم من معرفته لما نصب عليه من الدلائل فإن إرسال الرسل وإنزال الكتب لبيان ما لا يعرف إلا من جهة الشرع كوجوب الصلوات الخمس والإرشاد إلى ما يستقل العقل بإدراكه كوجود الصانع القديم جل جلاله وعدم نواله.

ابن عاشور

تفسير : عقب الإمعان في تهديد المشركين وتجهيلهم على إعراضهم عن التدبر بحكمة الجزاء ويوم الحساب عليه والاحتجاج عليهم، أعرض الله عن خطابهم ووجّه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالثناء على الكتاب المنزل عليه، وكان هذا القرآن قد بيّن لهم ما فيه لهم مقنع، وحجاجاً هو لشبهاتهم مقلع، وأنه إن حَرَم المشركون أنفسهم من الانتفاع به فقد انتفع به أولو الألباب وهم المؤمنون. وفي ذلك إدماجُ الاعتزاز بهذا الكتاب لمن أنزل عليه ولمن تمسك به واهتدى بهديه من المؤمنين. وهذا نظير قوله تعالى عقب ذكر خلق الشمس والقمر: {أية : مَا خَلَقَ الله ذٰلِكَ إلاَّ بالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَعْلَمُون}تفسير : في أول سورة [يونس: 5]. والجملة استئناف معتَرضٍ وفي هذا الاستئناف نظر إلى قوله في أول السورة {أية : والقُرآنِ ذي الذِكرِ} تفسير : [ص: 1] إعادة للتنويه بشأن القرآن كما سيعاد ذلك في قوله تعالى: {أية : هذا ذكر}تفسير : [ص: 49]. فقوله: {كِتابٌ} يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هذا كتاب، وجملة {أنزلناهُ} صفة {كِتابٌ}. ويجوز أن يكون مبتدأ وجملة {أنزلناهُ} صفة {كِتاب} و {مُبارَكٌ} خبراً عن {كِتابٌ}. وتنكير كِتابٌ للتعظيم، لأن الكتاب معلوم فما كان تنكيره إلا لتعظيم شأنه وهو مبتدأ سوغ الابتداء به وصفه بجملة {أنزلناهُ} و {مُبارَكٌ} هو الخبر. ولك أن تجعل ما في التنكير من معنى التعظيم مسوغاً للابتداء وتجعل جملة {أنزلناهُ} خبراً أول و {مُبارَكٌ} خبراً ثانياً و{لِيدَّبَّرُوا} متعلق بــــ {أنزلناهُ} ولكن لا يجعل {كِتابٌ} خبر مبتدأ محذوف وتقدره: هذا كتاب، إذ ليس هذا بمحَزّ كبير من البلاغة. والمبارك: المُنبَثّة فيه البركة وهي الخير الكثير، وكل آيات القرآن مبارك فيها لأنها: إمّا مرشدة إلى خير، وَإمّا صارفة عن شرّ وفساد، وذلك سبب الخير في العاجل والآجل ولا بركة أعظم من ذلك. والتدبر: التفكر والتأمل الذي يبلغ به صاحبه معرفة المراد من المعاني، وإنما يكون ذلك في كلام قليل اللفظ كثير المعاني التي أودعت فيه بحيث كلما ازداد المتدبر تدبراً انكشفت له معان لم تكن بادية له بادىء النظر. وأقربُ مثل للتدبر هنا هو ما مر آنفاً من معاني قوله تعالى: {أية : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً}تفسير : [ص: 27] إلى قوله: {أية : أم نجعل المتقين كالفجار}تفسير : [ ص: 28]، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : أفلا يتدبرون القرآن}تفسير : في سورة [النساء: 82]. وقرأ الجمهور: {ليَدَّبَّرُوَا} بياء الغيبة وتشديد الدال. وأصل «يدبروا» يتدبروا، فقلبت التاء دالاً لقرب مخرجيهما ليتأتى الإِدغام لتخفيفه وهو صيغة تكلف مشتقة من فعل: دَبَرَ بوزن ضرب، إذا تبع، فتدبَّره بمنزلة تتبَّعه، ومعناه: أنه يتعقب ظواهر الألفاظ ليعلم ما يَدْبر ظواهرها من المعاني المكنونة والتأويلات اللائقة، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : أفلم يدبروا القول}تفسير : في سورة [المؤمنين: 68]. وقرأ أبو جعفر {لتَدَبروا} بتاء الخطاب وتخفيف الدال وأصلها: لتتدبروا فحذفت إحدى التاءين اختصاراً، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين. والتذكُّر: استحضار الذهن ما كان يعلمه وهو صادق باستحضار ما هو منسي وباستحضار ما الشأن أن لا يُغفل عنه وهو ما يهمّ العلم به، فجُعل القرآن للناس ليتدبروا معانيه ويكشفوا عن غوامضه بقدر الطاقة فإنهم على تعاقب طبقات العلماء به لا يصلون إلى نهاية من مكنونه ولتذكرهم الآية بنظيرها وما يقاربها، وليتذكروا ما هو موعظة لهم وموقظ من غفلاتهم. وضمير «يدبروا» على قراءة الجمهور عائد إلى {أولوا الألباب} على طريقة الإِضمار للفعل المهمل عن العمل في التنازع، والتقدير: ليدَبَّر أولو الألباب آياته ويتذكروا، وأما على قراءة أبي جعفر فإسناد «يتذكر» إلى {أُولُوا الألبابِ} اكتفاء عن وصف المتدبرين بأنهم أولو الألباب لأن التدبر مُفْضٍ إلى التذكر. والتذكر من آثار التدبر فوصف فاعل أحد الفعلين يُغني عن وصف فاعل الفعل الآخر. و {أولوا الألباب}: أهل العقول وفيه تعريض بأن الذين لم يتذكروا بالقرآن ليسوا من أهل العقول، وأن التذكر من شأن المسلمين الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، فهم ممن تدبروا آياته فاستنبطوا من المعاني ما لم يعلموا، ومن قرأه فتذكر به ما كان علمه وتذكر به حقاً كان عليه أن يرعاه، والكافرون أعرضوا عن التدبر فلا جرم فاتهم التذكر.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: كتاب خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب، وقد ذكر جل وعلا، في هذه الآية الكريمة، أنه أنزل هذا الكتاب، معظماً نفسه جل وعلا، بصيغة الجمع، وأنه كتاب مبارك وأن من حكم إنزاله، أن يتدبر الناس آياته، أي يتفهموها ويتعقلوها ويمعنوا النظر فيها، حتى يفهموا ما فيها من أنواع الهدى، وأن يتذكر أولوا الألباب، أي يتعظ أصحاب العقول السليمة، من شوائب الاختلال. وكل ما ذكره في هذه الآية الكريمة جاء واضحاً في آيات أخر. أما كونه جل وعلا، هو الذي أنزل هذا القرآن، فقد ذكره في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر: 1] وقوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} تفسير : [الدخان: 3] وقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} تفسير : [آل عمران: 7]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وأما كون هذا الكتاب مباركاً، فقد ذكره في آيات من كتابه كقوله تعالى: {أية : وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 9] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} تفسير : [الأنعام: 155]. والمبارك كثير البركات، من خير الدنيا والآخرة. ونرجو الله القريب المجيب، إذ وفقنا لخدمة هذا الكتاب المبارك، أن يجعلنا مباركين أينما كنا، وأن يبارك لنا وعلينا، وأن يشملنا ببركاته العظيمة في الدنيا والآخرة، وأن يعم جميع إخواننا المسلمين، الذين يأتمرون بأوامره بالبركات والخيرات، في الدنيا والآخرة، إنه قريب مجيب. وأما كونه تدبر آياته، من حكم إنزاله: فقد أشار إليه في بعض الآيات، بالتحضيض على تدبره، وتوبيخ من لم يتدبره، كقوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} تفسير : [محمد صلى الله عليه وسلم: 24]. وقوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82] وقوله تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [المؤمنون: 68]. وأما كون تذكر أولي الألباب، من حكم إنزاله، فقد ذكره في غير هذا الموضع، مقترناً ببعض الحكم الأخرى، التي لم تذكر في آية ص هذه كقوله تعالى في سورة إبراهيم {أية : هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ } تفسير : [إبراهيم: 52] فقد بين في هذه الآية الكريمة، أن تذكر أولي الألباب، من حكم إنزاله مبيناً منها حكمتين أخريين، من حكم إنزاله، وهما إنذار الناس به، وتحقيق معنى لا إله إلا الله، وكون إنذار الناس وتذكر أولي الألباب، من حكم إنزاله، ذكره في قوله تعالى: {أية : الۤمۤصۤ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 1ـ2] لأن اللام في قوله لتنذر، متعلقة بقوله: أنزل، والذكرى اسم مصدر بمعنى التذكير، والمؤمنون في الآية لا يخفى أنهم هم أولوا الألباب. وذكر حكمة الإنذار في آيات كثيرة كقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1]. وقوله تعالى: {أية : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19]. وقوله تعالى: {أية : تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} تفسير : [يس: 5ـ6] الآية. وقوله تعالى: {أية : لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [يس: 70] الآية. وذكر في آيات أخر، أن من حكم إنزاله، الإنذار والتبشير معاً، كقوله تعالى: {أية : فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} تفسير : [مريم: 97]. وقوله تعالى:{أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} تفسير : [الكهف: 1ـ2] الآية. وبين جل وعلا أن من حكم إنزاله أن يبين صلى الله عليه وسلم للناس ما أنزل إليهم ولأجل أن يتفكروا، وذلك قوله تعالى: {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [النحل: 44]. وقد قدمنا مراراً كون لعل من حروف التعليل، وذكر حكمة التبيين المذكورة مع حكمة الهدى والرحمة، في قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [النحل: 64]. وبين أن من حكم إنزاله، تثبيت المؤمنين والهدى والبشرى للمسلمين في قوله تعالى: {أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [النحل: 102]. وبين أن من حكم إنزاله، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أن يحكم بين الناس بما أراه الله، وذلك في قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} تفسير : [النساء: 105] الآية. والظاهر أن معنى قوله: {بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} أي بما علمك من العلوم في هذا القرآن العظيم، بدليل قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [الشورى: 52] الآية. وقوله تعالى: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} تفسير : [يوسف: 3]. وبين جل وعلا أن من حكم إنزاله إخراج الناس من الظلمات إلى النور وذلك في قوله تعالى: {أية : الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} تفسير : [إبراهيم: 1] الآية. وبين أن من حَكَم إنزاله التذكرة لمن يخشى في قوله تعالى: {أية : طه مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} تفسير : [طه: 1ـ3] أي ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى. وهذا القصر على التذكرة إضافي، وكذلك القصر في قوله تعالى الذي ذكرناه قبل هذا {أية : وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} تفسير : [النحل: 64] الآية، بدليل الحِكَم الأخرى التي ذكرناها. وبين أن من حكم إنزاله قرآناً عربياً وتصريف الله فيه من أنواع الوعيد أن يتقي الناس الله، أو يحدث لهم هذا الكتاب ذكراً، أي موعظة وتذكراً، يهديهم إلى الحق، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} تفسير : [طه: 113] والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَابٌ} {أَنزَلْنَاهُ} {مُبَارَكٌ} {آيَاتِهِ} {أُوْلُواْ} {ٱلأَلْبَابِ} (29) - وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى إلَيْكَ، يَا مُحَمَّدُ، هَذَا القُرْآنِ، وَفِيهِ خَيرٌ وَبَرَكَةٌ، وَنَفْعٌ وَهُدىً لِلنَّاسِ، لِيُرْشدَهُمْ إِلَى مَا فِيهِ خَيْرُهُمْ وَسَعَادَتُهُمْ، وَلِيَتَدَبَّرَهُ أُولُو الأَفْهَامِ والعُقُولِ والأَلْبَابِ. وَتَدَبُّرُ القُرْآنِ لاَ يَكُونُ بِحُسْنِ تِلاَوَتِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونَ بِالعَمَلِ بِمَا فِيهِ، وَاتِّبَاعِ مَا جَاءَ فِيهِ مِنْ أَوَامِرَ، وَالانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الكتاب هو القرآن، والمبارك هو الشيء الذي يعطي من الفائدة والخير فوق ما يُتصوَّر منه، تقول: هذا الشيء نأخذ منه ولا ينقص، نسميه مبروك كرجل يعيش على راتب محدود، ومع ذلك تراه يُربِّي أولاده أحسن تربية ويعيش بين الناس عيشة الأغنياء، فيقولون: إنه رجل مبارك، وأن الله يبارك في راتبه القليل فيصير كثيراً، لكن كيف يبارك الله في القليل؟ قالوا: ينزل على القليل، القناعة أولاً فيرضى صاحبها، ثم يسلب المصارف فلا ينفق منها إلاَّ في المفيد، الناس يظنون أنَّ الرزق هو المال، ولا يدرون أن سَلْبَ المصارف لونٌ من ألوان الرزق، وقلنا: إن الرزق رزقُ إيجابٍ بأنْ يزيد الدَّخْل، ورزقُ سَلْب بأنْ تقلَّ المصارف. ومثَّلْنا لذلك بالرجل يعيش من الحلال، وحين يمرض ولده مثلاً يكفيه كوبٌ من الشاي وقرص أسبرين، أما الذي يعيش من الحرام ويكثُر المال في يده حين يمرض ولده لا بُدَّ أنْ يذهبَ به إلى أفضل الأطباء، وينفق على شفائه أضعاف ما يُنفق الأول. والقرآن مباركٌ، وآياته مباركة من حيث الأحكام الظاهرية، لأنه سيربي النفس على استقامة، هذه الاستقامة لو نظرتَ إليها اقتصادياً تجد أنها لا تُكلِّفك شيئاً، نعم الاستقامة لا تكلفك، أمَّا الانحراف فهو الذي يُكلِّف، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن يأكل في مِعَىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء ". تفسير : نعم الكافر يأكل كثيراً ليشبع، أما المؤمن فتكفيه لُقيمات يُقمْنَ صُلْبه، ثم هو لا يأكل إلا إذا جاع، وإذا جاع صار أيُّ طعام بالنسبة له لذيذاً، ولو كان الخبز الجاف والملح، لذلك قال العربي الحكيم: طعام الجائع هنيء. أما الآن فنراهم يجهزون قبل الطعام السَّلَطات والمشَهِّيات والمقبِّلات، لماذا؟ ليأكل الإنسان كثيراً، يأكل حتى التخمة، ثم بعد ذلك يحتاج إلى المسهِّلات والمهضمات .. إلخ. وهذا ليس من صفات المؤمن؛ لأن سيدنا رسول الله وضع لنا المنهج في ذلك، فقال: "حديث : نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع"تفسير : فهذا المنهج يراعي الناحية الاقتصادية، ويوفر الخير والسعادة للكل: اقتصادياً، واجتماعياً، وسياسياً، وأمنياً بدون تكلفة. ثم إن القرآن مُبَاركٌ من ناحية أخرى، فحين تتفاعل مع المنهج، وحين تعشقه يُبيِّن لك الحق سبحانه ألواناً من الأسرار يتعجَّب منها غيرك، ويفتح عليك فُتُوحات عجيبة، ألم يتعجَّبْ موسى - عليه السلام - وهو نبيّ الله من عمل العبد الصالح، والعبد الصالح عبد الله على منهج موسى، ومع ذلك أمر الله موسى أنْ يتبعَ العبد الصالح، وأن يتعلَّم منه، لكنه يتبعه بإخلاص وبعشق، فلما اتبعه موسى بعشق وإخلاص تعلَّم منه الأعاجيب، وهذا المعنى ورد في قوله تعالى: {أية : يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الأنفال: 29]. الفرقان هنا ليس هو القرآن، بل هو فرقانٌ خاصٌّ لمن يتبع الفرقان الأول وهو القرآن، ويصل به إلى درجة التقوى، يعطيه الحق سبحانه فرقاناً خاصاً لأنه اتبع القرآن بإخلاص وبعشق. ومعنى {لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِه ..} [ص: 29] والتدبُّر هو ألاَّ ننظر إلى الوسيلة نظرةً سطحية، إنما ننظر بتفكُّر وتمعُّن وحساب للعاقبة، ننظر إلى الخلفيات واللوازم لنستنبط ما في الشيء من العِبَر، لذلك لما خرقَ الخِضْر السفينة اعترض موسى؛ لأنه نظر إلى سطحية المسألة والمنطق. يقول: إن السفينة السليمة أفضل من المعيبة, إنما للعبد الصالح مقياسٌ آخر، فهو لا يقارن بين سفينة سليمة وأخرى مخروقة، إنما يُقارن بين سفينة مخروقة ولا سفينة أصلاً أيهما أفضل؟ لأن الرجل الظالم كان سيأخذ السفينة، إنْ كانت سليمة فَخُرقها هو الذي نجَّاها من هذا الظالم، وبقيتْ السفينةُ لأصحابها، هذا هو علم الملكوتيات والغيبيات التي يفيض الله بها على مَنْ يشاء من عباده الذين أخلصوا له سبحانه. وقوله: {وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [ص: 29] أي: أصحاب العقول الواعية، وتأمل هنا أن الحق سبحانه يُنبِّه العقول، ويُحرِّك الفهم إلى تأمُّل آياته في الكون، والمقابل لك أو الذي بينك وبينه صفقة لا ينبهك إليها، إلا لأنه واثق أنك ستُقبل عليها وإلا أخفاها ودلَّسَ عليك، كالذي يبيع لك سلعة جيدة تراه يشرح لك مزاياها، ويدعوك إلى اختبارها، والتأكد من جودتها ويُنبِّه عقلك إلى ما خَفِي عنك منها. أما صاحب السلعة الرديئة فإنه يصرف نظرك عن عيوبها، ويشغل عقلك بأمور أخرى، حتى لا تتنبه إلى عيوب السلعة، فمثلاً تدخل المحل لشراء حذاء مثلاً، فإنْ كان ضيقاً يقول لك البائع: إنه يتسع بالمشي فيه، وإنْ كان واسعاً سبقك هو بقول: أنا أرى أنه ضيق عليك قليلاً، المهم عنده أن (يلف) عقلك حتى تشتريه. فالحق - سبحانه وتعالى - يدعونا إلى تأمُّل آياته وتدبُّرها والبحث فيها، لأنه سبحانه واثق أننا حين ننظر وحين نبحث ونتأمل سنقتنع بها، وسنصل من خلالها إلى الحق والصواب. ومع ذلك نرى البعض يقف أمام بعض المسائل الدينية يقول: هذه مسألة فوق البحث ولا عملَ للعقل فيها، ونقول: لكن أمرنا بالتدبُّر والتفكّر والتأمّل في الكون، فلا مانع أنْ نبحث. ثم يعود بنا السياق القرآني مرة أخرى إلى سيدنا داود، لا ليقصَّ علينا قصته، إنما لأنه سيكون أباً لنبي آخر، هو سيدنا سليمان عليهما السلام: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ...}.