Verse. 4000 (AR)

٣٨ - ص

38 - Sad (AR)

وَوَہَبْنَا لِدَاوٗدَ سُلَيْمٰنَ۝۰ۭ نِعْمَ الْعَبْدُ۝۰ۭ اِنَّہٗۗ اَوَّابٌ۝۳۰ۭ
Wawahabna lidawooda sulaymana niAAma alAAabdu innahu awwabun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ووهبنا لداود سلمان» ابنه «نعم العبد» أي سليمان «إنه أوَّاب» رجّاع في التسبيح والذكر في جميع الأوقات.

30

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن هذا هو القصة الثانية وقوله: {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } فيه مباحث: الأول: نقول المخصوص بالمدح في {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } محذوف، فقيل هو سليمان، وقيل داود، والأول أولى لأنه أقرب المذكورين، ولأنه قال بعده {إِنَّهُ أَوَّابٌ } ولا يجوز أن يكون المراد هو داود، لأن وصفه بهذا المعنى قد تقدم في الآية المتقدمة حيث قال: {أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } تفسير : [ص: 17] فلو قلنا لفظ الأواب ههنا أيضاً صفة داود لزم التكرار، ولو قلنا إنه صفة لسليمان لزم كون الابن شبيهاً لأبيه في صفات الكمال في الفضيلة، فكان هذا أولى. الثاني: أنه قال أولاً {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } ثم قال بعده {إِنَّهُ أَوَّابٌ } وهذه الكلمة للتعليل، فهذا يدل على أنه إنما كان {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } لأنه كان أواباً، فيلزم أن كل من كان كثير الرجوع إلى الله تعالى في أكثر الأوقات وفي أكثر المهمات كان موصوفاً بأنه {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } وهذا هو الحق الذي لا شبهة فيه، لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ورأس المعارف ورئيسها معرفة الله تعالى، ورأس الطاعات ورئيسها الاعتراف بأنه لا يتم شيء من الخيرات إلا بإعانة الله تعالى، ومن كان كذلك كان كثير الرجوع إلى الله تعالى فكان أواباً، فثبت أن كل من كان أواباً وجب أن يكون {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ }. أما قوله: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ } ففيه وجوه الأول: التقدير {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } هو إذ كان من أعماله أنه فعل كذا الثاني: أنه ابتداء كلام. والتقدير اذكر يا محمد إذ عرض عليه كذا وكذا، والعشي هو من حين العصر إلى آخر النهار عرض الخيل عليه لينظر إليها ويقف على كيفية أحوالها، والصافنات الجياد الخيل وصفت بوصفين أولهما: الصافنات، قال صاحب «الصحاح»: الصافن الذي يصفن قدميه، وفي الحديث «حديث : كنا إذا صلينا خلفه فرفع رأسه من الركوع قمنا صفونا» تفسير : أي قمنا صافنين أقدامنا، وأقول على كلا التقديرين فالصفون صفة دالة على فضيلة الفرس والصفة الثانية: للخيل في هذه الآية الجياد، قال المبرد: والجياد جمع جواد وهو الشديد الجري، كما أن الجواد من الناس هو السريع البذل، فالمقصود وصفها بالفضيلة والكمال حالتي وقوفها وحركتها. أما حال وقوفها فوصفها بالصفون، وأما حال حركتها فوصفها بالجودة، يعني أنها إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها على أحسن الأشكال، فإذا جرت كانت سراعاً في جريها، فإذا طلبت لحقت، وإذا طلبت لم تلحق، ثم قال تعالى: {فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى } وفي تفسير هذه اللفظة وجوه الأول: أن يضمن أحببت معنى فعل يتعدى بعن، كأنه قيل أنبت حب الخير عن ذكر ربي والثاني: أن أحببت بمعنى ألزمت، والمعنى أني ألزمت حب الخيل عن ذكر ربي، أي عن كتاب ربي وهو التوراة، لأن ارتباط الخيل كما أنه في القرآن ممدوح فكذلك في التوراة ممدوح والثالث: أن الإنسان قد يحب شيئاً لكنه يحب أن لا يحبه كالمريض الذي يشتهي ما يزيد في مرضه، والأب الذي يحب ولده الرديء، وأما من أحب شيئاً، وأحب أن يحبه كان ذلك غاية المحبة فقوله أحببت حب الخير بمعنى أحببت حبي لهذه الخيل. ثم قال: {عَن ذِكْرِ رَبِى } بمعنى أن هذه المحبة الشديدة إنما حصلت عن ذكر الله وأمره لا عن الشهوة والهوى، وهذا الوجه أظهر الوجوه. ثم قال تعالى: {حَتَّىٰ تَوَارَتْ } أقول الضمير في قوله: {حَتَّىٰ تَوَارَتْ }، وفي قوله: {رُدُّوهَا } يحتمل أن يكون كل واحد منهما عائداً إلى الشمس، لأنه جرى ذكر ماله تعلق بها وهو العشي ويحتمل أن يكون كل واحد منهما عائداً إلى الصافنات، ويحتمل أن يكون الأول متعلقاً بالشمس والثاني بالصافنات، ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك، فهذه احتمالات أربعة لا مزيد عليها فالأول: أن يعود الضميران معاني إلى الصافنات، كأنه قال حتى توارت الصافنات بالحجاب ردوا الصافنات علي، والاحتمال الثاني: أن يكون الضميران معاً عائدين إلى الشمس كأنه قال حتى توارت الشمس بالحجاب ردوا الشمس، وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما اشتغل بالخيل فاتته صلاة العصر، فسأل الله أن يرد الشمس فقوله: {رُدُّوهَا عَلَيَّ } إشارة إلى طلب رد الشمس، وهذا الاحتمال عندي بعيد والذي يدل عليه وجوه الأول: أن الصافنات مذكورة تصريحاً، والشمس غير مذكورة وعود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر الثاني: أنه قال: {إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ } وظاهر هذا اللفظ يدل على أن سليمان عليه السلام كان يقول إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي. وكان يعيد هذه الكلمات إلى أن توارت بالحجاب، فلو قلنا المراد حتى توارت الصافنات بالحجاب كان معناه أنه حين وقع بصره عليها حال جريها كان يقول هذه الكلمة إلى أن غابت عن عينه وذلك مناسب، ولو قلنا المراد حتى توارت الشمس بالحجاب كان معناه أنه كان يعيد عين هذه الكلمة من وقت العصر إلى وقت المغرب، وهذا في غاية البعد الثالث: أنا لو حكمنا بعود الضمير في قوله حتى توارت إلى الشمس وحملنا اللفظ على أنه ترك صلاة العصر كان هذا منافياً لقوله: {أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى } فإن تلك المحبة لو كانت عن ذكر الله لما نسي الصلاة ولما ترك ذكر الله الرابع: أنه بتقدير أنه عليه السلام بقي مشغولاً بتلك الخيل حتى غربت الشمس وفاتت صلاة العصر؟، فكان ذلك ذنباً عظيماً وجرماً قوياً، فالأليق بهذه الحالة التضرع والبكاء والمبالغة في إظهار التوبة، فأما أن يقول على سبيل التهور والعظمة لإله العالم ورب العالمين، ردوها علي بمثل هذه الكلمة العارية عن كل جهات الأدب عقيب ذلك الجرم العظيم، فهذا لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير، فكيف يجوز إسناده إلى الرسول المطهر المكرٰ الخامس: أن القادر على تحريك الأفلاك والكواكب هو الله تعالى فكان يجب أن يقول ردها علي ولا يقول ردوها علي، فإن قالوا إنما ذكر صيغة الجمع للتنبيه على تعظيم المخاطب فنقول قوله: {رُدُّوهَا } لفظ مشعر بأعظم أنواع الإهانة فكيف يليق بهذا اللفظ رعاية التعظيم السادس: أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لكان ذلك مشاهداً لكل أهل الدنيا ولو كان الأمر كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وإظهاره، وحيث لم يقل أحد ذلك علمنا فساده السابع: أنه تعالى قال: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ } ثم قال: {حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ } وعود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى، وأقرب المذكورين هو الصافنات الجياد، وأما العشي فأبعدهما فكان عود ذلك الضمير إلى الصافنات أولى، فثبت بما ذكرنا أن حمل قوله: {حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ } على تواري الشمس وأن حمل قوله: {رُدُّوهَا عَلَىَّ } على أن المراد منه طلب أن يرد الله الشمس بعد غروبها كلام في غاية البعد عن النظم. ثم قال تعالى: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ } أي فجعل سليمان عليه السلام يمسح سوقها وأعناقها، قال الأكثرون معناه أنه مسح السيف بسوقها وأعناقها أي قطعها، قالوا إنه عليه السلام لما فاتته صلاة العصر بسبب اشتغاله بالنظر إلى تلك الخيل استردها وعقر سوقها وأعناقها تقرباً إلى الله تعالى، وعندي أن هذا أيضاً بعيد، ويدل عليه وجوه الأول: أنه لو كان معنى مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى قوله: {أية : وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ } تفسير : [المائدة: 6] قطعها، وهذا مما لا يقوله عاقل بل لو قيل مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق، أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم ألبتة من المسح العقر والذبح الثاني: القائلون لهذا القول جمعوا على سليمان عليه السلام أنواعاً من الأفعال المذمومة فأولها: ترك الصلاة وثانيها: أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا إلى حيث نسي الصلاة، وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : حب الدنيا رأس كل خطيئة» تفسير : وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة ألبتة ورابعها: أنه خاطب رب العالمين بقوله: {رُدُّوهَا عَلَىَّ } وهذه كلمة لا يذكرها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس وخامسها: أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل في سوقها وأعناقها، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله»، تفسير : فهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان عليه السلام مع أن لفظ القرآن لم يدل على شيء منها: وسادسها: أن هذه القصص إنما ذكرها الله تعالى عقيب قوله: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } تفسير : [ص: 17] وأن الكفار لما بلغوا في السفاهة إلى هذا الحد قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم اصبر يا محمد على سفاهتهم واذكر عبدنا داود: وذكر قصة داود، ثم ذكر عقبيها قصة سليمان، وكان التقدير أنه تعالى قال لمحمد عليه السلام اصبر يا محمد على ما يقولون واذكر عبدنا سليمان، وهذا الكلام إنما يكون لائقاً لو قلنا إن سليمان عليه السلام أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة، وصبر على طاعة الله، وأعرض عن الشهوات واللذات، فأما لو كان المقصود من قصة سليمان عليه السلام في هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة والذنوب الجسيمة لم يكن ذكر هذه القصة لائقاً بهذا الموضع، فثبت أن كتاب الله تعالى ينادي على هذه الأقوال الفاسدة بالرد والإفساد والإبطال بل التفسير المطابق للحق لألفاظ القرآن والصواب أن نقول إن رباط الخيل كان مندوباً إليه في دينهم كما أنه كذلك في دين محمد صلى الله عليه وسلم ثم إن سليمان عليه السلام احتاج إلى الغزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس، وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله عن ذكر ربي، ثم إنه عليه السلام أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره، ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها، والغرض من ذلك المسح أمور الأول: تشريفاً لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو الثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتضع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه الثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض، فهذا التفسير الذي ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن انطباقاً مطابقاً موافقاً، ولا يلزمنا نسبة شيء من تلك المنكرات والمحذورات، وأقول أنا شديد التعجب من الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل يردها، وليس لهم في إثباتها شبهة فضلاً عن حجة، فإن قيل فالجمهور فسروا الآية بذلك الوجه، فما قولك فيه؟ فنقول لنا ههنا مقامان: المقام الأول: أن ندعي أن لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرونها، وقد ظهر والحمد لله أن الأمر كما ذكرناه، وظهوره لا يرتاب العاقل فيه. المقام الثاني: أن يقال هب أن لفظ الآية لا يدل عليه إلا أنه كلام ذكره الناس، فما قولك فيه وجوابنا أن الدلالة الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء عليهم السلام، ولم يدل دليل على صحة هذه الحكايات ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية، فكيف الحكايات عن أقوام لا يبالي بهم ولا يلتفت إلى أقوالهم، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } لما ذكر داود ذكر سليمان. و«أَوَّابٌ» معناه مطيع. {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ } يعني الخيل جمع جواد للفرس إذا كان شديد الحُضر؛ كما يقال للإنسان جواد إذا كان كثير العطية غزيرها؛ يقال: قوم أجواد وخيل جِياد، جاد الرجلُ بماله يجود جُوداً فهو جواد، وقوم جُود مثال قَذَالٍ وقُذُلٍ، وإنما سكنت الواو لأنها حرف علة، وأجواد وأجاوِد وجُوداء، وكذلك امرأة جَوَاد ونسوة جُود مثل نوارٍ ونُور، قال الشاعر:شعر : صَناعٌ بِإِشْفاها حَصانٌ بِشَكْرِهَا جوادٌ بِقُوتِ البَطْنِ والعِرْقُ زاخِرُ تفسير : وتقول: سِرنا عُقْبة جَوَادا، وعُقْبتين جَوَادين، وعُقْبا جِيادا. وجاد الفرس أي صار رائعاً يجود جُودة (بالضم) فهو جواد للذكر والأنثى، من خيل جِياد وأجياد وأجاويد. وقيل: إنها الطوال الأعناق مأخوذ من الجِيد وهو العنق؛ لأن طول الأعناق (في) الخيل من صفات فَرَاهتها. وفي الصافنات أيضاً وجهان: أحدهما أن صفونها قيامها. قال القتبي والفراء: الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل أو غيرها. ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من سرّه أن يقوم له الرجال صفونا فليتبوّأ مقعده من النار»تفسير : أي يديمون له القيام؛ حكاه قطرب أيضاً وأنشد قول النابغة:شعر : لنا قُبَّةٌ مضْروبةٌ بفِنائها عِتاقُ المهَارى والجِياد الصَّوَافن تفسير : وهذا قول قتادة. الثاني أن صفونها رفع إحدى اليدين على طرف الحافر حتى يقوم على ثلاث؛ كما قال الشاعر:شعر : أَلِفَ الصُّفونَ فما يَزَالُ كَأَنَّهُ مِمَّا يقومُ على الثَّلاَثِ كَسِيرَا تفسير : وقال عمرو بن كُلْثوم: شعر : تَركْنا الخيل عاكِفَةً عَلَيْهِ مُقَلَّدَةً أَعِنَّتَهَا صُفونَا تفسير : وهذا قول مجاهد. قال الكلبي: غزا سليمان أهل دمشق ونَصِيبِين فأصاب منهم ألف فرس. وقال مقاتل: ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس، وكان أبوه أصابها من العمالقة. وقال الحسن: بلغني أنها كانت خيلاً خرجت من البحر لها أجنحة. وقاله الضحاك. وأنها كانت خيلاً أخرجت لسليمان من البحر منقوشة ذات أجنحة. ابن زيد: أخرج الشيطان لسليمان الخيل من البحر من مروج البحر، وكانت لها أجنحة. وكذلك قال علي رضي الله عنه: كانت عشرين فرساً ذوات أجنحة. وقيل: كانت مائة فرس. وفي الخبر عن إبراهيم التيمي: أنها كانت عشرين ألفاً، فالله أعلم. فقال: {إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي} يعني بالخير الخيل، والعرب تسميها كذلك، وتُعاقِب بين الراء واللام؛ فتقول: انهملت العين وانهمرت، وختلت وخترت إذا خدعت. قال الفراء: الخير في كلام العرب والخيل واحد. النحاس: في الحديث: «حديث : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»تفسير : فكأنها سمّيت خيراً لهذا. وفي الحديث: حديث : لما وفد زيد الخيل على النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: «أنت زيد الخير»تفسير : وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل: إنما سميت خيراً لما فيها من المنافع. وفي الخبر: إن الله تعالى عرض على آدم جميع الدواب، وقيل له: اختر منها واحداً فاختار الفرس؛ فقيل له: اخترت عزك؛ فصار اسمه الخير من هذا الوجه. وسمّي خيلاً؛ لأنها موسومة بالعز. وسمّي فرساً لأنه يفترس مسافات الجو افتراس الأسد وثبانا، ويقطعها كالالتهام بيديه على كل شيء خبطاً وتناولا. وسمّي عربياً لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت، وإسماعيل عربي فصارت له نِحْلة من الله؛ فسمي عربياً. و«حُبَّ» مفعول في قول الفراء. والمعني إني آثرت حبّ الخير. وغيره يقدره مصدراً أضيف إلى المفعول؛ أي أحببت الخير حبًّا فألهاني عن ذكر ربي. وقيل: إن معنى «أَحْبَبْتُ» قعدت وتأخرت من قولهم: أحَبَّ البعيرُ إذا برك وتأخر. وأحب فلان أي طأطأ رأسه. قال أبو زيد: يقال: بعير مُحِبٌّ، وقد أحبّ إحباباً وهو أن يصيبه مرض أو كسر فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت. وقال ثعلب: يقال أيضاً للبعير الحسير مُحِبُّ؛ فالمعنى قعدت عن ذكر ربي. و«حُبَّ» على هذا مفعول له. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان: أحببت بمعنى لزمت؛ من قوله:شعر : مِـثْـلَ بـعـيـرِ الـسَّـوْءِ إذْ أَحَـبَّـا تفسير : {حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} يعني الشمس كناية عن غير مذكور؛ مثل قوله تعالى: {أية : مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} تفسير : [فاطر: 45] أي على ظهر الأرض؛ وتقول العرب: هاجت باردة أي هاجت الريح باردة. وقال الله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ }تفسير : [الواقعة: 83] أي بلغت النفس الحلقوم. وقال تعالى: {أية : إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ }تفسير : [المرسلات: 32] ولم يتقدم للنار ذكر. وقال الزجاج: إنما يجوز الإضمار إذا جرى ذكر الشيء أو دليل الذكر، وقد جرى هاهنا الدليل وهو قوله: {بِٱلْعَشِيِّ}. والعشيّ ما بعد الزوال، والتواري الاستتار عن الأبصار، والحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق؛ قاله قتادة وكعب. وقيل: هو جبل قاف. وقيل: جبل دون قاف. والحجاب الليل سمّي حجاباً لأنه يستر ما فيه. وقيل: «حَتَّى تَوَارَتْ» أي الخيل في المسابقة. وذلك أن سليمان كان له ميدان مستدير يسابق فيه بين الخيل، حتى توارت عنه وتغيب عن عينه في المسابقة؛ لأن الشمس لم يجر لها ذكر. وذكر النحاس أن سليمان عليه السلام كان في صلاة، فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غُنِمت فأشار بيده، لأنه كان يصلّي حتى توارت الخيل، وسترتها جُدر الاصطبلات، فلما فرغ من صلاته قال: «رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً» أي فأقبل يمسحها مسحاً. وفي معناه قولان: أحدهما أنه أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراماً منه لها، وليرى أن الجليل لا يقبح أن يفعل مثل هذا بخيله. وقال قائل هذا القول: كيف يقتلها؟ وفي ذلك إفساد المال ومعاقبة من لا ذنب له. وقيل: المسح هاهنا هو القطع أُذِن له في قتلها. قال الحسن والكلبي ومقاتل: صلّى سليمان الصلاة الأولى وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه، وكانت ألف فرس؛ فعرض عليه منها تسعمائة فتنبه لصلاة العصر، فإذا الشمس قد غربت وفاتت الصلاة، ولم يُعلَم بذلك هيبة له فاغتم؛ فقال: «رُدُّوهَا عَليَّ» فردّت فعقرها بالسيف؛ قربة لله وبقي منها مائة، فما في أيدي الناس من الخيل العتاق اليوم فهي من نسل تلك الخيل. قال القشيري: وقيل: ما كان في ذلك الوقت صلاة الظهر ولا صلاة العصر، بل كانت تلك الصلاة نافلة فشغل عنها. وكان سليمان عليه السلام رجلاً مهيباً، فلم يذكِّره أحد ما نسي من الفرض أو النفل وظنوا التأخر مباحاً، فتذكر سليمان تلك الصلاة الفائتة، وقال على سبيل التلهف: «إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي» أي عن الصلاة، وأمر برد الأفراس إليه، وأمر بضرب عراقيبها وأعناقها، ولم يكن ذلك معاقبة للأفراس؛ إذ ذبح البهائم جائز إذا كانت مأكولة، بل عاقب نفسه حتى لا تشغله الخيل بعد ذلك عن الصلاة. ولعله عرقبها ليذبحها فحبسها بالعرقبة عن النفار، ثم ذبحها في الحال ليتصدق بلحمها؛ أو لأن ذلك كان مباحاً في شرعه فأتلفها لما شغلته عن ذكر الله، حتى يقطع عن نفسه ما يشغله عن الله، فأثنى الله عليه بهذا، وبين أنه أثابه بأن سخر له الريح، فكان يقطع عليها من المسافة في يوم ما يقطع مثله على الخيل في شهرين غدوّاً ورواحاً. وقد قيل: إن الهاء في قوله: {رُدُّوهَا عَلَيَّ} للشمس لا للخيل. قال ابن عباس: سألت عليًّا عن هذه الآية فقال: ما بلغك فيها؟ فقلت سمعت كعباً يقول: إن سليمان لما اشتغل بعرض الأفراس حتى توارت الشمس بالحجاب وفاتته الصلاة، قال؛ {إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي} أي آثرت {حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي} الآية {رُدُّوهَا عَلَيَّ} يعني الأفراس وكانت أربع عشرة؛ فضرب سوقها وأعناقها بالسيف، وأن الله سلبه ملكه أربعة عشر يوماً؛ لأنه ظلم الخيل. فقال علي بن أبي طالب: كذب كعب؛ لكن سليمان اشتغل بعرض الأفراس للجهاد حتى توارت؛ أي غربت الشمس بالحجاب؛ فقال بأمر الله للملائكة الموكّلين بالشمس: «رُدُّوهَا» يعني الشمس فردوها حتى صلّى العصر في وقتها، وأن أنبياء الله لا يظلمون؛ لأنهم معصومون. قلت: الأكثر في التفسير أن التي توارت بالحجاب هي الشمس، وتركها لدلالة السامع عليها بما ذكر مما يرتبط بها ويتعلق بذكرها، حسب ما تقدّم بيانه. وكثيراً ما يضمرون الشمس؛ قال لبيد:شعر : حتّى إذا ألْقَتْ يداً في كافِرٍ وأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغورِ ظلاَمُها تفسير : والهاء في «رُدُّوهَا» للخيل، ومسحها قال الزهري وابن كيسان: كان يمسح سوقها وأعناقها، ويكشف الغبار عنها حُبًّا لها. وقاله الحسن وقتادة وابن عباس. وفي الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رؤي وهو يمسح فرسه بردائه. وقال: «حديث : إني عوتبت الليلة في الخيل»تفسير : خرّجه الموطأ عن يحيـى بن سعيد مرسلاً. وهو في غير الموطأ مسند متصل عن مالك عن يحيـى بن سعيد عن أنس. وقد مضى في «الأنفال» قوله عليه السلام: «حديث : وامسحوا بنواصيها وأكفالها»تفسير : وروى ابن وهب عن مالك أنه مسح أعناقها وسوقها بالسيوف. قلت: وقد استدل الشبلي وغيره من الصوفية في تقطيع ثيابهم وتخريقها بفعل سليمان هذا. وهو استدلال فاسد؛ لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبيّ معصوم أنه فعل الفساد. والمفسرون اختلفوا في معنى الآية؛ فمنهم من قال: مسح على أعناقها وسوقها إكراماً لها وقال: أنت في سبيل الله؛ فهذا إصلاح. ومنهم من قال: عرقبها ثم ذبحها، وذبح الخيل وأكل لحمها جائز. وقد مضى في «النحل» بيانه. وعلى هذا فما فعل شيئاً عليه فيه جناح. فأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح فإنه لا يجوز. ومن الجائز أن يكون في شريعة سليمان جواز ما فعل، ولا يكون في شرعنا. وقد قيل: إنما فعل بالخيل ما فعل بإباحة الله جل وعز له ذلك. وقد قيل: إن مسحه إياها وسمُها بالكيّ وجعلها في سبيل الله؛ فالله أعلم. وقد ضعف هذا القول من حيث أن السّوق ليست بمحل للوسم بحال. وقد يقال: الكيّ على الساق علاطٌ، وعلى العنق وِثاق. والذي في الصحاح للجوهري: عَلط البعيرَ عَلْطاً كواه في عنقه بسمة العِلاَط. والعِلاَطان جانبا العنق. قلت: ومن قال إن الهاء في «رُدُّوهَا» ترجع للشمس فذلك من معجزاته. وقد اتفق مثل ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم. خرّج الطحاوي في مشكل الحديث عن أسماء بنت عُمَيْس من طريقين: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه في حجر عليّ، فلم يصلّ العصر حتى غربت الشمس؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أصليت يا علي» قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس»قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها بعدما غربت طلعت على الجبال والأرض، وذلك بالصَّهْباء في خيبرتفسير : . قال الطحاوي: وهذان الحديثان ثابتان، ورواتهما ثقات. قلت: وضعَّف أبو الفرج ابن الجوزي هذا الحديث فقال: وغلوّ الرافضة في حب عليّ عليه السلام حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله؛ منها أن الشمس غابت ففاتت عليّاً عليه السلام العصر فردّت له الشمس، وهذا من حيث النقل محال، ومن حيث المعنى فإن الوقت قد فات وعودها طلوع متجدّد لا يردّ الوقت. ومن قال: إن الهاء ترجع إلى الخيل، وأنها كانت تبعد عن عين سليمان في السباق، ففيه دليل على المسابقة بالخيل وهو أمر مشروع. وقد مضى القول فيه في «يوسف».

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً: أنه وهب لداود سليمان، أي: نبياً؛ كما قال عز وجل: {وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُودَ} أي: في النبوة، وإلا فقد كان له بنون غيره؛ فإنه قد كان عنده مئة امرأة حرائر. وقوله تعالى: {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} ثناء على سليمان بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله عز وجل. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا ابن جابر، حدثنا مكحول قال: لما وهب الله تعالى لداود سليمان، قال له: يا بني ما أحسن؟ قال: سكينة الله والإيمان؟ قال: فما أقبح؟ قال: كفر بعد إيمان، قال: فما أحلى؟ قال: روح الله بين عباده، قال: فما أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس، وعفو الناس بعضهم عن بعض، قال داود عليه السلام: فأنت نبي. وقوله تعالى: { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ} أي: إذ عرض على سليمان عليه الصلاة والسلام في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات. قال مجاهد: وهي التي تقف على ثلاث، وطرف حافر الرابعة، والجياد السراع. وكذا قال غير واحد من السلف، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن أبيه سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي في قوله عز وجل: { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ} قال: كانت عشرين فرساً ذات أجنحة، كذا رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم ابن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني إسرائيل عن سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي قال: كانت الخيل التي شغلت سليمان عليه الصلاة والسلام عشرين ألف فرس، فعقرها، وهذا أشبه، والله أعلم، وقال أبو داود: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثنا عمارة ابن غزية: أن محمد بن إبراهيم حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة رضي الله عنها: لعب، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : ما هذا يا عائشة؟» تفسير : قالت رضي الله عنها: بناتي، ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : ما هذا الذي أرى وسطهن؟» تفسير : قالت رضي الله عنها: فرس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما هذا الذي عليه؟» تفسير : قالت رضي الله عنها: جناحان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فرس له جناحان؟» تفسير : قالت رضي الله عنها: أما سمعت أن سليمان عليه الصلاة والسلام كانت له خيل لها أجنحة؟ قالت رضي الله عنها: فضحك صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه. وقوله تبارك وتعالى: { فَقَالَ إِنِّىۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر، والذي يقطع به أنه لم يتركها عمداً، بل نسياناً؛ كما شغل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر، حتى صلاها بعد الغروب، وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه، من ذلك عن جابر رضي الله عنه قال: جاء عمر رضي الله عنه يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، ويقول: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : والله ما صليتها» تفسير : فقال: فقمنا إلى بطحان، فتوضأ نبي الله صلى الله عليه وسلم للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. ويحتمل أنه كان سائغاً في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال، والخيل تراد للقتال. وقد ادعى طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعاً، فنسخ ذلك بصلاة الخوف، ومنهم من ذهب إلى ذلك في حال المسايفة والمضايقة حيث لا تمكن صلاة ولا ركوع ولا سجود؛ كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في فتح تستر، وهو منقول عن مكحول والأوزاعي وغيرهما، والأول أقرب؛ لأنه قال بعده: { رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} قال الحسن البصري: لا، قال: والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، ثم أمر بها فعقرت. وكذا قال قتادة، وقال السدي: ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها؛ حباً لها. وهذا القول اختاره ابن جرير، قال: لأنه لم يكن ليعذب حيواناً بالعرقبة، ويهلك مالاً من ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها، ولا ذنب لها. وهذا الذي رجح به ابن جرير فيه نظر لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا، ولا سيما إذا كان غضباً لله تعالى بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة، ولهذا لما خرج عنها لله تعالى، عوضه الله عز وجل ما هو خير منها، وهو الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، غدوها شهر ورواحها شهر، فهذا أسرع وخير من الخيل، قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي قتادة وأبي الدهماء، وكانا يكثران السفر نحو البيت، قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، فقال لنا البدوي: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يعلمني مما علمه الله عز وجل، وقال: «حديث : إنك لا تدع شيئاً اتقاء الله تعالى، إلا أعطاك الله عز وجل خيراً منه».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَوَهَبْنَا وَوَرِثَ سُلَيْمَٰنَ } ابنه {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } أي سليمان {إِنَّهُ أَوَّابٌ } رجّاع في التسبيح والذكر في جميع الأوقات.

ابن عطية

تفسير : الهبة والعطية بمعنى واحد، فوهب الله سليمان لداود ولداً، وأثنى تعالى عليه بأوصاف من المدح تضمنها قوله: {نعم العبد}. و {أواب}، معناه: رجاع ولفظة: {أواب} هو العامل في {إذ}، لأن أمر الخيل مقتض أوبة عظيمة. واختلف الناس في قصص هذه الخيل المعروضة، فقال الجمهور: إن سليمان عليه السلام عرضت عليه آلاف من الخيل تركها أبوه له، وقيل: ألف واحد فأجريت بين يديه عشاء، فتشاغل بحسنها وجريها ومحبتها حتى فاته وقت صلاة العشاء. قال قتادة: صلاة العصر ونحوه عن علي بن أبي طالب، فأسف لذلك، وقال: ردوا علي الخيل. قال الحسن: فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف عقراً لما كانت سبب فوت الصلاة، فأبدله الله أسرع منها: الريح. وقال قوم منهم الثعلبي: كانت بالناس مجاعة ولحوم الخيل لهم حلال، فإنما عقرها لتؤكل على وجه القربة لها ونحو الهدي عندنا، ونحو هذا ما فعله أبو طلحة الأنصاري بحائطه إذ تصدق به لما دخل عليه الدبسي في الصلاة فشلغه. و"الصافن": الفرس الذي يرفع إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه، وقد يفعل ذلك برجله، وهي علامة الفراهية، وأنشد الزجاج: [الكامل] شعر : ألف الصفون فلا يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا تفسير : وقال أبو عبيدة: "الصافن" الذي يجمع يديه ويسويها، وأما الذي يقف على طرف السنبك فهو المخيم. وفي مصحف ابن مسعود: "الصوافن الجياد". و {الجياد} جمع جود، كثوب وثياب، وسمي به لأنه يجود بجريه. وقال بعض الناس: {الخير} هنا أراد به الخيل. والعرب تسمي الخيل الخير، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد الخيل: أنت زيد الخير. و {حبَّ} منصوب على المفعول به عند فرقة، كأن {أحببت} بمعنى آثرت. وقالت فرقة: المفعول بــ {أحببت} محذوف، و {حبَّ} نصب على المصدر، أي أحببت هذه الخيل حب الخير، وتكون {الخير} على هذا التأويل غير الخيل، وفي مصحف ابن مسعود: "حب الحيل"، باللام. وقالت فرقة: {أحببت} معناه: سقطت إلى الأرض لذنبي، مأخوذ من أحب البعير إذا أعيا وسقط هزالاً. و {حب} على هذا مفعول من أجله. والضمير في {توارت} للشمس، وإن كان لم يجر لها ذكر صريح، لأن المعنى يقتضيها، وأيضاً فذكر العشي يقتضي لها ذكراً ويتضمنها، لأن العشي إنما هو مقدر متوهم بها. وقال بعض المفسرين في هذه الآية: {حتى توارت بالحجاب} يريد الخيل، أي دخلت اصطبلاتها. وقال ابن عيسى والزهري: إن مسحه بالسوق والأعناق لم يكن بالسيف، بل بيده تكريماً لها ومحبة، ورجحه الطبري. وقال بعضهم: بل غسلاً بالماء، وقد يقال للغسل مسح، لأن الغسل بالأيدي يقترن به، وهذه الأقوال عندي إنما تترتب على نحو من التفسير في هذه الآية. وروي عن بعض الناس، وذلك أنه رأى أن هذه القصة لم يكن فيها فوت صلاة ولا تضمن أمر الخيل أوبة ولا رجوعاً، فالعامل في: {إذ عرض} فعل مضمر تقديره: اذكر إذ عرض، وقالوا عرض على سليمان الخيل وهو في الصلاة، فأشار إليهم، أي في الصلاة، فأزالوها عنه حتى أدخلوها في الاصطبلات، فقال هو لما فرغ من صلاته: {أني أحببت حب الخير} أي الذي عند الله في الآخرة بسبب ذكر ربي، كأنه يقول: فشغلني ذلك عن رؤية الخيل حتى أدخلت اصطبلاتها {ردوها علي} فطفق يمسح أعناقها وسوقها محبة لها، وذكر الثعلبي أن هذا المسح إنما كان وسماً في السوق والأعناق بوسم حبس في سبيل الله. وجمهور الناس على أنها كانت خيلاً موروثة. قال بعضهم: قتلها حتى لم يبق منها أكثر من مائة فرس، فمن نسل تلك المائة كل ما يوجد اليوم من الخيل، وهذا بعيد. وقالت فرقة: كانت خيلاً أخرجتها الشياطين له من البحر وكانت ذوات أجنحة. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كانت عشرين فرساً. و {طفق} معناه: دام يقتل، كما تقول: جعل يفعل. وقرأ جمهور الناس: "بالسوْق" بسكون الواو وهو جمع ساق. وقرأ ابن كثير وحده: "السؤق" بالهمز. قال أبو علي: وهي ضعيفة، لكن وجهها في القياس أن الضمة لما كانت تلي الواو قدر أنها عليها فهمزت كما يفعلون بالواو المضمومة، وهذا نظير إمالتهم ألف "مقلات" من حيث وليت الكسرة القاف، قدروا أن القاف هي المكسورة، ووجه همزة السوق من السماع أن إباحية النميري كان يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة، وكان ينشد: شعر : لحب الموقدين إليَّ موسى تفسير : وقرأ ابن محيصن: "بالسؤوق" بهمزة بعدها الواو. وقوله تعالى: {عن ذكر ربي} فإن {عن} على كل تأويل هنا للمجاورة من شيء إلى شيء، وتدبره فإنه مطرد. ثم أخبر الله تعالى عن فتنته لسليمان وامتحانه إياه لزوال ملكه، وروي في ذلك أن سليمان عليه السلام قالت له حظية من حظاياه إن أخي له خصومة، فأرغب أن تقضي له بكذا وكذا بشيء غير الحق، فقال سليمان عليه السلام: أفعل، فعاقبه الله تعالى بأن سلط على خاتمه جنياً، وذلك أن سليمان عليه السلام كان لا يدخل الخلاء بخاتم الملك، توقيراً لاسم الله تعالى، فكان يضعه عند امرأة من نسائه، ففعل ذلك يوماً، فألقى الله شبهه على جني اسمه صخر فيما روي عن ابن عباس. وقيل غير هذا ما اختصرناه لعدم الصحة، فجاء إلى المرأة فدفعت إليه الخاتم فاستولى على ملك سليمان، وبقي فيه أربعين يوماً، وطرح خاتم سليمان في البحر، وجعل يعبث في بني إسرائيل، وشبه سليمان عليه حتى أنكروا أفعاله، ومكنه الله تعالى من جميع الملك. قال مجاهد: إلا من نساء سليمان فإنه لم يكشفهن، وكان سليمان خلال ذلك قد خرج فاراً على وجهه منكراً، لا ينتسب لقوم إلا ضربوه، وأدركه جوع وفاقة فمر يوماً بامرأة تغسل حوتاً فسألها منه لجوعه، وقيل بل اشتراه فأعطته حوتين، فجعل يفتح أجوافها، وإذا خاتمه في جوف أحدهما، فعاد إليه ملكه، وتسخرت له الجن والريح من ذلك اليوم بدعوته، وفي صخر الجني، فأمر سليمان به فسيق وأطبق عليه في حجارة، وسجنه في البحر إلى يوم القيامة، فهذه هي الفتنة التي فتن سليمان عليه السلام وامتحن بها. واختلف الناس في الجسد الذي ألقي على كرسيه، فقال الجمهور: هو الجني المذكور، سماه {جسداً} لأنه كان قد تمثل في جسد سليمان وليس به. قال القاضي أبو محمد: وهذا أصح الأقوال وأبينها معنى. وقالت فرقة: بل ألقي على كرسيه جسد ابن له ميت. وقالت فرقة: بل شق الولد الذي ولد له حين أقسم ليطوفن على نسائه ولم يستثن في قسمه. وقال قوم: مرض سليمان مرضاً كالإغماء حتى صار على كرسيه كأنه بلا روح، وهذا كله غير متصل بمعنى هذه الآية و {أناب} معناه ارعوى وانثنى وأجاب إلى طاعة ربه، ومعنى هذا من تلك الحوبة التي وقعت الفتنة بسببها، ثم إن سليمان عليه السلام استغفر ربه واستوهبه ملكاً. واختلف المتأولون في معنى قوله: {لا ينبغي لأحد من بعدي} فقال جمهور الناس: إراد أن يفرده بين البشر لتكون خاصة له وكرامة، وهذا هو الظاهر من قول النبي صلى الله عليه وسلم في خبر العفريت الذي عرض له في صلاته فأخذه وأراد أن يوثقه بسرية من سواري المسجد، قال: "حديث : ثم ذكرت قول أخي سليمان: {رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} فأرسلته" تفسير : ، وقال قتادة وعطاء بن أبي رباح: إنما أراد سليمان: {لا ينبغي لأحد من بعدي} مدة حياتي، أي لا أسلبه ويصير إلى أحد كما صار إلى الجني. وروي في مثالب الحجاج بن يوسف أنه لما قرأ هذه الآية قال: لقد كان حسوداً، وهذا من فسق الحجاج. وسليمان عليه السلام مقطوع بأنه إنما قصد بذلك قصداً براً جائزاً، لأن للإنسان أن يرغب من فضل الله فيما لا يناله أحد، لا سيما بحسب المكانة والنبوءة، وانظر أن قول عليه السلام: {ينبغي} إنما هي لفظة محتملة ليست بقطع في أنه لا يعطي الله نحو ذلك الملك لأحد، ومحمد صلى الله عليه وسلم لو ربط الجني لم يكن ذلك نقصاً لما أوتيه سليمان، لكن لما كان فيه بعض الشبه تركه جرياً منه عليه السلام على اختياره أبداً أيسر الأمرين وأقربهما إلى التواضع.

ابن عادل

تفسير : (قوله): {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ} المخصوص بالمدح محذوف أي نعم العبد سليمانُ، وقيل: داود؛ لأنه وصفه بهذا المعنى وقد تقدم حيث قال: {أية : دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} تفسير : [ص:17]. والأول أظهر لأنه هو المسوق للحديث عنه، وقرىء: بكسر العين وهي الأصل كقوله: شعر : 4268-.................. نِعْمَ السَّاعُونَ فِي القَوْمِ في القوم الشُّطُر تفسير : فصل قوله: "إِنَّهُ أَوَّابٌ" يدل على أنه كان نعم العبد لأنه كان أواباً؛ أي كثير الرجوع إلى الله في أكثر أوقاته ومهماته. قوله: "إِذْ عُرِضَ" في ناصبه أوجهٌ: أحدها: "نِعْمَ": وهو أضعفها؛ لأنه لا يتقيد مدحه بوَقْتٍ، (و) لِعدم تصرف "نِعْمَ". قال ابن الخطيب: التقدير نعم العبد إذْ كَانَ من أعماله أنَّه فَعَلَ كَذَا. الثاني: "أواب" وفيه تقييد وصفه بذلك بهذا الوقت. والثالث: اذكر مقدّراً، وهو أسلمها. والعَشِيُّ من العصر إلى آخر النهار. والصَّافِنَاتُ جمع صَافن، وفيه خلاف بين أهل اللغة فقال الزجاج: هو الذي يقف على إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه، وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه قال وعي علامة الفراهة وأنشد: شعر : 4269- أَلِفَ الصُّفُونَ فَلاَ يَزَالُ كَأَنَّهُ مِمّا يَقُومُ عَلَى الثَّلاثِ كَسِيرا تفسير : وقيل: هو الذي يجمع بين يديه ويسويهما، وأما الذي يقف على سنبكه فاسمه المُخِيم، قاله أبو عبيدة. وقيل: هو القائم مطلقاً أي سواء كان من الخيل، أو من غيرها، قاله القُتَبِيّ. واستدل (بحديث) وبقوله عليه (الصلاة و) السلام "حديث : مَنْ سَرَّهُ أنْ يَقُومَ النَّاسُ لَهُ صُفُوناً فَلْيَتَبوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" تفسير : أي يديمون له القيام. وحكاه قطرب أيضاً. وجاء في الحديث "قُمْنَا صُفُوناً" أي صافِّين أقدامَنا، وقيل: هو القيام مطلقاً سواء وقفت على طرف سنبك أم لا، قال الفراء: على هذا رأيت أشعارَ العرب، وقال النابغة: شعر : 4270- لَنَا قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ بِفنَائِهَا عِتَاقُ المَهَارَى والجِيَادُ الصَّوَافِنُ تفسير : والجياد إما من الجَوْدَة، يقال: جَادَ الفرسُ يَجودُ جَوْدَةً وجُودَةً بالفتح والضم فهو جَوَاد، للذكر والأنثى. والجمع جِيَادٌ وأجْوَادٌ، وأَجاوِيدُ، وقيل: جمع لِجَوْد بالفتح كثَوْبٍ وثِيَابٍ. وقيل: جمع جَيِّد. وإِما من الجِيدِ وهو العُنُق، والمعنى: طويلة الأعناق الأجياد. وهو دال على فراهَتِها. قوله: "حُبَّ الخَيْرِ" فيه أوجه: أحدها: هو مفعول أحببت لأنه بمعنى آثرت، و "عن" على هذا بمعنى "عَلَى" أي على ذكر ربِّي، لأنه روي أن عرض الخيل حتى شغلته عن صلاة العصر أول الوقت حتى غَربت الشَّمْسُ. وقال أبو حيان - وكأنه منقول عن الفراء - إنّه ضمن "أَحْبَبْتُ" معنى آثرتُ، حيث نصب "حب الخير" مفعولاً (به). وفيه نظر؛ لأنه متعد بنفسه وإنما يحتاج إلى التضمين وإن لم يكن مُتَعَدِّياً. الثاني: أن "حب" مصدر على حذف الزوائدة والناصب له "أَحْبَبْتُ". الثالث: أنه مصدر تشبيهي أي حُبًّا مِثْلَ حُبِّ الخَيْر. الرابع: أنه قيل: ضمن معنى أنبت فلذلك تعدى بعَنْ. الخامس: أن أحببت بمعنى لَزمْتُ. قال ابن الخطيب: إن الإنسان قد يحب (شيئاً ولكنه يجب أن) لا يحبه كالمريض الذي يشتهي في مرضه فأما من أحب شيئاً وأحب أن يحبه فذلك غاية المحبة، فقوله: {أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ} أي أحببت حبي للخير. السادس: أن أحببت من أَحَبَّ البعيرُ إذا سقط وَبَرَكَ من الإعياء، والمعنى قعدت عن ذكر ربي فيكون "حب الخير" على هذا مفعولاً من أجله، والمراد بقوله: {عَن ذِكْرِ رَبِّي}، قيل: عن صلاة العصر، وقيل: عن كتاب ربي وهو التوراة، لأن إرتباط الخيل كما أنه في القرآن ممدوحٌ فكذلك في التوراة ممدوح وقوله "ذِكْر ربِّي" يجوز أن يكون مضافاً للمفعول أي عن أن أذكر ربي، وأن يكون مضافاً للفاعل أي عن ذكر بي ربي والمراد بالخير: الخيل والعرب تعاقب بين الراء واللام (تقول): خَتَلْتُ الرجلَ وختَرْتُه أي خَدَعْتُه، وسميت الخيلُ (خيراً) لأنه معقود بنواصيها الخَيْر الأجرُ والمَغْنم. قوله: "حَتَّى تَوَارَتْ" في الفاعل وجهان: أحدهما: هو: "الصّافنات"،والمعنى: حتى دخلت إصْطَبْلاَتِها فتوارتْ وغابت. والثاني: أنه: "الشمس" أضمرت لدلالة السياق عليها، وقيل: لدلالة "العَشِيِّ" عليها فإنها تشعر بها، وقيل: يدل عليها الإشراق في قصة داودَ. وما أبْعَدَهُ. قوله: "رُدُّوهَا" هذا الضمير للصّافنات، وقيل: للشمس وهو غريب جدًّا. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لوجوه: منها: أن الصَّافِنَات مذكورة بالتصريح، والشمس غير مذكورة وعود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدَّر، ومنها: أنه لو اشتغل بالخيل حتى غربت الشمس وفاتت صلاة العصر كان ذلك ذنباً عظيماً ومن كان هذا حاله فطريقهُ التّضرع والبكاء والمبالغة في إظهار التوبة فإما أن يقول على سبيل العَظَمَة لربِّ العالمين مثل هذه الكلمة العارية عن كل جهات الأدب عقيب ذلك الجُرْم العظيم (فهذا) لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير فكيف يجوز إسناده للرسول المطهر المكرم ومنها أن القادر على تحريك الأفلاك والكواكب هو الله تعالى فكان يجب أن يقول رُدَّها عليَّ، ولا يقول: ردوها عليَّ لأن هذا اللفظ مشعر بأعظم أنواع الاستعلاء فيكف يليق بهذا اللفظ رعاية التعظيم؟ ومنها: أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لصار ذلك مشاهداً لأهل الدنيا ولو كان كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وحيث لم ينقل عَلِمْنَا فَسَادَهُ. قوله: "فَطَفِقَ مَسْحاً" نصب "مسحاً" بفعل مقدر، هو خبر طفق أي (فـ)ـطفق يَمْسَحُ مَسْحاً، لأن خبر هذه الأفعال لا يكون إلا مضارعاً في الأمر العام. وقال أبو البقاء - وبه بدأ -: مصدر في موضع الحال وهذا ليس بشيءٍ؛ لأن "طَفِقَ" لا بدّ لها من خَبَرٍ. وقرأ زيد بن علي: مِسَاحاً بزنة قِتَال، والباء في "بالسوق" مزيدة مثلها في قوله: {أية : وَٱمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ} تفسير : [المائدة:6]. وحكى سيبويه: مَسَحْتُ رَأْسَهُ وبرأسِهِ بمعنى واحدٍ. ويجوز أن تكون للإلصاق كما تقدم، وتقدم همز السوق وعدمه في النمل. وجعل الفارسيُّ الهمز ضعيفاً. وليس كما قال لما تقدم من الأدلة. وقرأ زيد بن عليّ (أيضاً) "بالسَّاقِ" مُفْرَداً اكتفاءً بالواحد لعدم اللَّبْسِ كقوله: شعر : 4271-................ وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ تفسير : وقوله: شعر : 4272-.................. كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكم تَعفُّوا تفسير : وقوله: شعر : 4273-................... فِي حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شَجِينَا تفسير : قال الزمخشري: فإن قلت: بِمَ اتَّصل قوله "ردوها علي"؟ قلت: بمحذوف تقديره قال ردوها فأضمر وأضمر ما هو جواب له كأنّ قائلاً قال: فماذا قال سليمان؟ لنه موضع مقتضٍ للسؤال اقتضاءاً ظاهراً. قال أبو حيان: وهذا لا يحتاج إليه لأن هذه الجملة مندرجة تحت حكاية القول وهو: {فَقَال: إنِّي أَحْبَبْتُ}. فصل قال المفسرون: إنه - عليه (الصلاة و ) السلام - لما فاتته صلاة العصر لاشتغاله بالنظر إلى تلك الخيل استردها وعقر سوقها وأعناقها تقرباً إلَى الله تعالى، وبقي منها مائة، فالخيل التي في أيدي الناس اليوم، من نسل تلك المائة، قال الحسن: فلما عقر الخيل، أبدله الله - عزّ وجلّ - خيرايً منها وأوسع وهي الريح تجري بأمره كيفْ شاء. قال ابن الخطيب: وهذا عندي بعيد لوجوه: الأول: أنه لو كان مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى فامسحوا برؤوسكم أي اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل، بل لو قيل: مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العُنُق، أما إذا لم يُذْكَر لفظ السيف لم يفهم منه البتة من المسح العقر والذبح. الثاني: أن القائلين بهذا القول جمعوا على سليمان - عليه (الصلاة و) السلام - أنواعاً من الأفعال المذمومة. فأولها: ترك الصلاة. وثانيها: أنه استولي عليه الاشتغال بحُبِّ الدنيا حيث نَسِيَ الصلاة وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: حديث : (حُبُّ) الدُّنْيَا رَأسُ كُلِّ خَطيئَةٍ . تفسير : وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة البتة. ورابعها: أنه خاطب رب العالمين بقوله: "رُدُّوهَا عَلَيَّ" وهذه كلمة لا يقولها الرجل الحَصِيف إلا مع الخادم الخسيس. وخامسها: أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل من سوقها وأعناقها وقد "نَهَى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذبح الحيوان إلا لمأكله"، وهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان- عليه (الصلاة و) السلام - مع أن لفظ القرآن لم يدلّ على شيء منها. وخلاصتها: أن هذه القصص إنما ذكرها الله تعالى عقيب قوله: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [ص:16] وأن الكفار لما لبلغوا في السفاهة إلى هذا الحد قال الله عزّ وجلّ لمحمد - عليه (الصلاة و) السلام -: يا محمد اصبر على سفاهتهم، واذكر عبدنا داود، ثم ذكر عقيبه قصّةَ سليمان فكان التقدير أنه تعالى قال لمحمد - عليه (الصلاة و) السلام -: يا محمد اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا سليمان. وهذا الكلام إنما يليق إذا قلنا: إن سليمان عليه (الصلاة و) السلام - أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة الله تعالى وأعرض عن الشهوات واللذات، فلو كان المقصود من قصة سليمان في هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة والذنوب لم يكن ذكر هذه القصة لائقاً. والصواب أن نقول: إن رِبَاط الخيل كان مندوباً إليه في دينهم كما هو في دين محمد عليه (الصلاة و) السلام؛ ثم إنَّ سليمانَ - عليه (الصلاة و) السلام - احتاج إلى الغزو فجلس وأمَرَ بإحْضَارِ الخَيْل وأمر بإجرائها، وذكر أني لا أجريها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما حبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله: {عَن ذِكْرِ رَبِّي}. ثم إنه - عليه السلام - أمر بإجرائها وسيَّرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره، ثم إنه أمر الرابضين بأن يردوها فردوا تلك الخيل إليه فلما عادت إليه طَفِقَ يَمْسَحُ سُوقَها وأعناقها. والغرض من ذلك أمور: الأول: تشريفاً لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو. الثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يَتَّضِعُ إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه. الثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل ومراميها وعيوبها فكان يمسحها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض. فهذا التفسير هو الذي ينطبق عليه لفظ القرآن ولا يلزم منه نسبة شيء من تلك المنكرات إلى سليمان عليه - (الصلاة و) السلام - والعَجَبُ منهم كيف قَبِلُوا هذه الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل يردها وليس لهم في إثباتها شبهة فضلاً عن حجة؟ فإن قيل: فالجمهور فسروا الآية بتلك الوجوه. فالجواب: أن نقول لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرونها لما ذكرنا، وأيضاً فإن الدلائل الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام - ولم يدل على صحة هذه الحكايات دليل قاطع، ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية فكيف الحكايات عن أقوام لا نلتفت إلى أقوالهم؟ والذي ذهبنا إليه قولُ الزهري وابن كيسان. قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} قال بعض المفسرين: إن سليمان - عليه (الصلاة و) السلام - بلغهُ خبرُ مدينة في البحر يقال لها: صيد، فخرج إليها بجنوده فأخذها وقتل ملكها وأخذ بنتاً له اسمها: "جرادة" من أحسن الناس وجهاً فاصطفاها لنفسه وأسلمت فأحبَّها فكانت تبكي على أبيها، فأمر سليمان الشيطان فمثل لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تذهب إلى تلك الصورة بُكْرةً وعَشِيًّا مع جواريها يَسْجُدُ(و)نَ لها فأخبر "آصف" سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة وخرج وحده إلى فلاة ففرش الرّماد وجلس عليه تائباً لله تعالى، وكانت له أم ولد يُقال لها: الأمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمة عندها وكان ملكه فيه موضعه عندها يوماً فأتاها الشيطان صاحب البحر واسمه صخر على صورة "سليمان" وقال لها يا أمينة: خاتمي فناولته الخاتم فَتَختَّم به وجلس على كرسي سليمان فعكفت عليه الطير والجن والإنس وتغيرت هيئة سليمان فأتى الأمينة لطلب الخاتم فأنكرته فعلم أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف، وإذا قال: أنا سليمان حَثَوا عليه التراب وسَبُّوه، وأخذ ينقل السمك للسَّماكين فيعطونه كل يوم سمكتين فمكث على هذه الحالة أربعين يوماً عدد ما عبد الوثن في بيته فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان وسأل آصف نساء سليمان فقُلْن: ما يدع امرأة (منا) في دمها ولا تغتسل من جنابة، وقيل: (بل) نفذ حكمه في كل شيء إلا فيهن، ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة، ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به ووقع ساجداً لله تعالى ورجع إليه ملكه وأخذ ذلك الشيطان فحبسه في صخرة ألقاها في البحر. وقيل: إن تلك المرأة لما أقدمت على عبادة تلك الصورة افتتن سليمان فكان يسقط الخاتم من يده ولا يتماسك فيها فقال له آصف إنك لمفتون بذنبك فتُبْ إلى الله تعالى. وقيل: إن سليمان قال لبعض الشياطين: كيف تفتنون الناس، فقال: أرني خاتَمَكَ أُخْبِرْك، فلما أعطاه إياه نبذه في البحر، وذهب ملكه وقعد هذا الشيطان على كرسيه ثم ذكر الحكاية إلى آخرها فقالوا: المراد من قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} أن الله تعالى ابتلاه، وقوله: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} عقوبة له. قال ابن الخطيب: واستبعد أهل التحقيق هذا الكلام من وجوه: الأول: أن الشيطان لو قدر على أن يتشبه في الصورة والخلقة بالأنبياء فحينئذ لا يبقى اعتماد على شيء من ذلك فلعل هؤلاء الذين رآهم الناس على صورة محمد وعيسى وموسى - عليهم (الصلاة و) السلام - ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة لأجل الإغواء والإضلال. وذلك يبطل الدين بالكلية. الثاني: أن الشيطان لو قدر أن يعامل نبي الله سليمان بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد وحينئذ يجب أن يقلتهم ويمزق تَصَانِيفَهُمْ، ويُخَرِّب دِيَارَهُم، ولما بطل ذلك في حق آحاد العلماء فلأن يبطل في حق أكابر الأنبياء أولَى. الثالث: كيف يليق بحكمة الله وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج سليمان؟ (ولا شك أنه قبيح. الرابع: لو قلنا: إن سليمان أذن لتلك المرأة في عبادتـ(ـها) تلك الصورة فهذا كفر منه) وإن لم يأذن فيه البتة فالذنب على تلك المرأة فكيف يؤاخذ الله سليمان بفعل لم يصدر منه؟ وأما أهل التحقيق فذكروا وجوهاً: الأول: أن فتنة سليمان أنه وُلِدَ له ابنٌ فقال الشيطان إن عاش صار ملكاً مثل أبيه فسبيلنا أن نقتله فعلم سليمان ذلك فكان يربيه في السحاب فبينما هو يشتغل بمهماته إذ لقي ذلك (الولد) ميتاً على كرسيه فتنبه على خطيئته في أنه لم يَثِقْ ويتوكلْ على الله فاستغفر ربه وتاب. الثاني: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: حديث : قَالَ سُلَيْمَانُ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأةً كُلُّ امْرَأةٍ تَأتِي بِفَارسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَم يَقُلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَطَافَ عَلَيْهنّ فَلَمْ تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشقّ رَجل والذي نفسي بِيَدِهِ لو قال إن شاء الله تعالى لَجَاهَدوا في سبيل الله فُرْسَاناً أجْمَعِينَ تفسير : فذَلك قولهُ تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} وذلك لشدة المرض. والعرب تقول في الضعيف: "إنه لَحْمٌ على وَضَم وجسمٌ بلاَ رُوح". "ثُمَّ أَنَاب" أي رَجَعَ إلى حال الصحة. فاللفظ يحتمل لهذه الوجوه ولا حاجة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة. الثالث: لا يبعد أيضاً أن يقال: إنه ابْتَلاه الله تعالى بتسليط خوفٍ أو وقوع بلاء تَوَقَّعه من بعض الجهات حتى صار بسبب قوة ذلك الخوف كالجَسَدِ الضعيف الخفي على ذلك الكرسي. ثم إن الله تعالى أزال عنه ذلك الخوف وأعاده إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب. قوله: "جَسَداً" فيه وجهان: أظهرهما: أنه مفعول به لأَلْقَيْنَا. والثاني: أنه حال، وصاحبها إما سُلَيْمَانُ لأنه يروى أنه مَرِضَ حتى صار كالجَسَد الذي لا رُوحَ فيه، وإما ولده، قالهما أبو البقاء ولكن "جَسَدٌ" جامد فلا بدّ من تأويله بمشتق أي ضعيفاً أو فارغاً. قوله: {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي} تمسك به من حَمَلَ الكلام المتقدم على صدور الزَّلَّة لأنه لو لا تقدم الذنب لما طلب المغفرة ويمكن أن يجاب: بأن الإنسان لا ينفك عن ترك الأفضل والأولى وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ولأنه أبداً في مقام هَضْم النفس وإظهار الذِّلَّة والخضوع كما قال - عليه (الصلاة و) السلام -: "حديث : إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ في الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً" تفسير : مع أنه غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قوله: {وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مُهِمّ الدين على مُهِمّ الدينا لأن سليمان طلب المغفرة أولاً ثم طلب المملكة بعده، ثم دلت الآية أيضاً على أن طلب المغفرة من الله تعالى سبب لافتتاح أبواب الخيرات في الدنيا لأن سليمان طلب المغفرة أولاً، ثم توسل به إلى طلب المملكة ونوح - عليه (الصلاة و) السلام - قال: {أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } تفسير : [نوح10-12] وقال لمحمد عليه (الصلاة و) السلام: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [طه:132]. فإن قيل: قول سليمان - عليه (الصلاة و) السلام -: {وَهَبْ لِي مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} مشعر بالحسد. فالجواب: أن القائلين بأن الشيطان استولى على مملكته قالوا معناه هو: أن يعطيه الله ملكاً لا يقدر الشيطان على أن يقوم فيه مقامه ألبتة، وأما المنكرون فأجابوا بوجوه: الأول: أن المُلْكَ هو القدرة فكان المراد أقدرنِي على{} أشياء لا يقدر عليها غيري ألبتة ليصير اقتداري عليها معجزة تدل على صحة نُبُوتي ورسالتي ويدل على صحة هذا قوله تعالى عقيبَه: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} فكون الريح جارية بأمره قدرة عجيبة وملك دال على صحة نبوته لا يقدر أحد على معارضته. الثاني: أنه - عليه (الصلاة و) السلام - لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا صائرة إلى التغيرات فسأل ربه ملكاً لا يمكن أن ينتقل عنّي إلى غيري. الثالث: أنَّ الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز عنها حالَ عَدَمِ القدرة فكأنه قال: يا إلهي أعطني مملكةً فائقةً على ممالك البشر بالكلية حتى أحْتَرِزَ عنها مع القدرة عليها ليصير (ثوابي) أكمل وأفضلَ. الرابع: سأل ذلك ليكون علماً على قبول توبته حيث أجاب الله دعاءه ورد عليه مُلْكَهُ وزاده فيه. قوله: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً} لَيّنة أي رخوة لَيّنة، وهي من الرخاوة والريحُ إذا كانت لينة لا تزعزع (ولا تمتنع عليه إذا كانت طيبة). فإن قيل: قد قال في آية أخرى: {أية : وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ} تفسير : [الأنبياء:81]. فالجواب: من وجهين: الأول: لا منافاة بين الآيتين فإن المراد أن تلك الريح كانت في قوة الرِّيح العاصفة إلا أنها لما أمرت بأمره كانت لذيذة طيبة وكانت رُخَاء. الثاني: أن تلك الريح كانت لينة مرة وعاصفة أخرى فلا منافاة بين الآيتين. قوله: "حَيْثُ أَصَابَ" ظرف لـ "تَجْرِي" أو "لسَخَّرْنَا" و "أَصَابَ" أراد بلغة حِمْيَرَ. وقيل: بلغة هَجَر. وحكى الأصمعي عن العرب أنهم يقولون: أصاب الصواب فأخطأ الجواب. وروي أن رجلين خرجا يقصدان "رُؤْبَةَ" ليسألاه عن هذا الحرف فقال لهما: أين تصيبان فعرفاها وقالا هذه بغيتنا، وأنشد الثعلبيُّ على ذلك: شعر : 4274-أَصَابَ الْجَوَابَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَأَخْطَا الْجَوَابَ لَدَى الْمَفْصَلِ تفسير : أي أراد الجواب ويقال: "أصَابَ اللَّهُ بكَ خَيْراً" أي أراد بك. وقيل: الهمزة في أصاب للتعدية من (أَ) صَابَ يَصُوبُ أي نزل، قال: شعر : 4275-................. تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ تفسير : والمفعول محذوف أي أصاب جنوده أي حيث وَجَّهَهُمْ وَجَعَلهُمْ يَصُوبُونَ صَوْبَ المطر، و"الشياطين" نسقٌ على "الريح" و"كل بناء" بدل من "الشياطين"، كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية. روي أن سليمان - عليه (الصلاة و) السلام - أمر الجانَّ فبنت له إصْطَخْرَ، فكانت فيها قرار مملكة النزل قديماً، وبنت هل الجان أيضاً "تَدْمُر" وبيت المقدس وباب جبرون وباب البريد الذين بدمشق على أحد الأقوال، وبنوا له ثلاثة قصور باليمن غدان وشالخين ويبنون ومدينة صنعاء. قوله: "وغواص" نسق على "بناء" أي يغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ. وأتى بصيغة المبالغة لأنه في معرض الامتنان. قوله: {وَآخَرِينَ} عطف على "كُلَّ" فهو داخل في حكم البدل وتقدم شرح {مُقَرَّنِينَ في الأصْفَادِ} آخِرَ سورة إبراهيم. فصل قال ابن الخطيب: دلت هذه الآيات على أن الشياطين لها قولة عظيمة قدروا بها على بناء تلك الأبنية العظيمة التي لا يقدر عليها البَشَر، وقدروا على الغوص في البحار واستخراج الآلىء وقيدهم سليمان - عليه (الصلاة و) السلام -. ولقائل أن يقول: هذه الشياطين إما أن تكون أجسادهُم كثيفةً أو لطيفةً؛ فإن كانت كثيفة وجب أن يراهم من كان شديد الحاسّة؛ إذْ لو جاز أن لا نراهم مع كثافة أجْسادهم فليَجُزْ أن تكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات هائلة ولا نراها ولا نسمعها وذلك دخول في السَّفْسَطَةِ وإن كانت أجسادهم لطيفةً فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفاً بالقوة الشديدة، ويلزم أيضاً أن تتفرق أجسادُهُمْ وأن تَتَمزَّق بالرِّياح العاصفة القوية وأن يموتوا (في الحال) وذلك يمنع وصفهم بالقوة وأيضاً فالجِنّ والشياطين وإن كانوا موصوفين بهذه القوة والشدة فِلَمَ لا يقتلون العُلَمَاء والزُّهَّاد في زماننا هذا ولِمَ لا يُخَرِّبُون ديار الناس مع أن المسلمين يبالغون في إظهار لعنتهم وعداوتهم وحيث لم يحس بشَيْءٍ مِنْ ذلكَ عَلِمْنَا أن القولَ بإثبات الجنِّ ضعيفٌ. قال ابن الخطيب: واعلم أن أصحابنا يجوزون أن تكون أجسادهم كثيفة مع أنا لا نراهم وأيضاً لا يبعد أن تكون أجسادهم لطيفة بمعنى عدم الكون ولكنها صُلبة بمعنى أنها لا تقبل التفرق. وأما الجُبَّائيّ فقد سلم أنها كانت كثيفة الأجسام، وزعم أن الناس كانوا يشاهدونَهُمْ في زمن سُلَيْمَانَ - عليه (الصلاة و) السلام - ثم إنه لما توفي سليمان - عليه (الصلاة و ) السلام - أمات الله أولئك الجنَّ والشياطين وخلق أنواعاً أخر من الجن والشياطين تكون أجسادهم في غاية الرّقَّة، ولا يكون لهم شيء من القوة، والموجود في زماننا من الجن والشياطين ليس إلا من هذا الجنس - والله أعلم -. قوله: "هَذَا عَطَاؤُنَا" أي قلنا له: هذَا عَطاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ، قال ابن عباس: أعطِ من شئت وامنع من شئت. قوله: "بغير حساب" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق "بعَطَاؤُنَا" أي أعطيناك بغَيْر حساب ولا تقدير. وهو دلالة على كثرة الإعطاء. الثاني: أنه حال من: "عَطَاؤُنَا" أي في حال كونه غَيْر مُحَاسَبٍ عليه لأن جَمٌّ كثيرٌ يعسر عَلى الحُسَّابَ ضَبطُهُ. الثالث: أنه متعلق "بامْنُنْ" أو "أَمْسِكْ"، ويجوز أن يكون حالاً من فاعلهما أي غير محاسَبٍ عليه. فصل قال المفسرون: معناه لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما (أَ) مْسَكْتَ، قال الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه تبعة إلا سليمان، فإنه (إنْ) أعْطى أجر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة. وقال مقاتل: هذا في أمر الشياطين يعني خل من شئت منهم وأمْسِكْ من شئت (منهم) في وثَاقِك لا تبعة عليك فيما تتعطاه. قوله: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ} نسقاً على اسم "إنَّ" هو "لَزُلْفَى". وقرأ الحسنُ وابنُ أبي عَبْلَةَ برفعه على الابتداء، وخبره مضمر، لدلالة ما تقدم عليه، ويقفان على (لَزُلْفَى) ويَبْتدَئانِ بـ "حُسْنَ مَآب"؛ أي وحسن مآب له أيضاً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن مكحول قال‏:‏ لما وهب الله لداود سليمان قال له‏:‏ يا بني ما أحسن‏؟‏ قال‏:‏ سكينة الله والإِيمان قال‏:‏ فما أقبح‏؟‏ قال‏:‏ كفر بعد إيمان قال‏:‏ فما أحلى‏؟‏ قال‏:‏ روح الله بين عباده قال‏:‏ فما أبرد‏؟‏ قال‏:‏ عفو الله عن الناس، وعفو الناس بعضهم عن بعض قال داود عليه السلام‏:‏ فأنت نبي‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود عليه السلام‏.‏ إني سائل ابنك عن سبع كلمات‏.‏ فإن أخبرك فورِّثه العلمَ والنبوَّة فقال له داود عليه السلام‏:‏ إن الله أوحى إليَّ أن أسألك عن سبع كلمات، فإن أخبرتني وَرَّثْتُكَ العلمَ والنبوَّة قال‏:‏ سلني عما شئت قال‏:‏ أخبرني ما أحلى من العسل، وما أبرد من الثلج، وما الين شيئاً من الخز، وما لا يرى أثره في الماء، وما لا يرى أثره في الصفاء، وما لا يرى أثره في السماء، ومن يسمن في الخصب والجدب‏.‏ قال‏:‏ أما ما أحلى من العسل فروح الله للمتحابين في الله‏.‏ واما ما أبرد من الثلج فكلام الله إذا قرع أفئدة أولياء الله‏.‏ وأما ما الين شيئاً من الخز فحكمة الله تعالى إذا أنشدها أولياء الله بينهم‏.‏ وأما ما لا يرى أثره في الماء فالفلك تمر فلا يرى أثرها‏.‏ وأما ما لا يرى أثره في الصفاء فالنملة تمر على الحجر فلا يرى أثرها‏.‏ وأما ما لا يرى أثره في السماء فالطير يطير ولا يرى أثره في السماء وأما من يسمن في الجدب والخصب فهو المؤمن إذا أعطاه الله شكر، وإذا ابتلاه صبر، فقلبه أجرد أزهر‏. قال‏:‏ انظر إلى ابنك فاسأله عن أربع عشرة كلمة، فإن أخبرك فورثه العلم والنبوّة، فسأله فقال‏:‏ ما لي من ذي علم فقال داود لسليمان عليه السلام‏:‏ أخبرني يا بني أين موضع العقل منك‏؟‏ قال‏:‏ الدماغ قال‏:‏ أين موضع الحياء منك‏؟‏ قال‏:‏ العينان قال‏:‏ أين موضع الباطل منك‏؟‏ قال‏:‏ الأذنان قال‏:‏ أين باب الخطايا منك‏؟‏ قال‏:‏ اللسان قال‏:‏ أين الطريق منك‏؟‏ قال‏:‏ المنخران قال‏:‏ أين موضع الأدب والبيان منك‏؟‏ قال‏:‏ الكلوتان قال‏:‏ أين باب الفظاظة والغلظة منك‏؟‏ قال‏:‏ الكبد قال‏:‏ أين بيت الريح منك‏؟‏ قال‏:‏ الرئة قال‏:‏ أين باب الفرح منك‏؟‏ قال‏:‏ الطحال قال‏:‏ أين باب الكسب منك‏؟‏ قال‏:‏ اليدان قال‏:‏ أين باب النصب منك‏؟‏ قال‏:‏ الرجلان قال‏:‏ أين باب الشهوة منك‏؟‏ قال‏:‏ الفرج قال‏:‏ أين باب الذرية منك‏؟‏ قال‏:‏ الصلب قال‏:‏ أين باب العلم والفهم والحكمة منك‏؟‏ قال‏:‏ القلب‏.‏ إذا صلح القلب صلح ذلك كله، وإذا فسد القلب فسد ذلك كله‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب‏} ‏ قال‏:‏ كان مطيعاً لله، كثير الصلاة ‏{‏إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد‏}‏ قال‏:‏ يعني الخيل وصفونها قيامها وبسطها قوائمها ‏{‏قال إني أحببت حب الخير‏} ‏ أي المال ‏ {‏عن ذكر ربي‏} ‏ عن صلاة العصر ‏ {‏حتى توارت بالحجاب‏}‏ ‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه ‏ {‏الصافنات الجياد‏} ‏ قال‏:‏ الخيل خيل خلقت على ما شاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏الصافنات‏}‏ قال‏:‏ صفون الفرس‏:‏ رفع إحدى يديه حتى يكون على أطراف الحافر‏.‏ وفي قوله الجياد قال‏:‏ السراع‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن وقتادة رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏الصافنات الجياد‏} ‏ قال‏:‏ الخيل إذا صفن قيامها عقرها تطلع أعناقها وسوقها‏.‏ وفي قوله ‏{‏أحببت حب الخير عن ذكر ربي‏}‏ قال‏:‏ الخير المال والخيل من ذلك، فقوله شغلته عن الصلاة قال‏:‏ لا والله لا تشغلني عن عبادة الله تعالى جرها عليك، فكشف عراقيبها، وضرب أعناقها‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عوف رضي الله عنه قال‏:‏ بلغني أن الخيل التي عقر سليمان عليه السلام كانت خيلاً ذات أجنحة، أخرجت له من البحر، لم تكن لأحد قبله ولا بعده‏.‏ وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏حب الخير‏}‏ قال‏:‏ المال وفي قوله ‏ {‏ردوها عليّ‏} ‏ قال‏:‏ الخيل ‏{‏فطفق مسحا‏ً} ‏ قال‏:‏ عقراً بالسيف‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ الصلاة التي فرط فيها سليمان عليه السلام صلاة العصر‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب رضي الله عنه في قوله ‏ {‏حتى توارت بالحجاب‏} ‏ قال‏:‏ حجاب من ياقوت أخضر محيط بالخلائق، فمنه اخضرت السماء التي يقال لها السماء الخضراء، واخضر البحر من السماء، فمن ثم يقال‏:‏ البحر الأخضر‏. وأخرج أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر، فجئت فكشفت ناحية الستر عن بنات لعب لعائشة فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏ما هذا يا عائشة‏؟‏ قالت‏:‏ بناتي‏.‏ ورأى بينهن فرساً لها جناحان من رقاع فقال‏:‏ ما هذا الذي أرى وسطهن‏؟ قالت‏:‏ فرس له جناحان قال‏:‏ وما هذا الذي عليه‏؟‏ فقلت‏:‏ جناحان قال‏:‏ فرس له جناحان‏!‏ قالت‏:‏ أما سمعت أن لسليمان عليه السلام خيلاً لها أجنحة، فضحك حتى رؤيت نواجذه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه في قوله ‏{‏إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد‏} ‏ قال‏:‏ عشرين ألف فرس ذات أجنحة، فعقرها‏. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله ‏{‏حتى توارت بالحجاب‏} ‏قال ‏ {‏توارت‏} ‏ من وراء قرية خضرة السماء منها‏. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان سليمان عليه السلام لا يكلم اعظاماً له، فلقد فاتته صلاة العصر، وما استطاع أحد أن يكلمه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏عن ذكر ربي‏} ‏ يقول‏:‏ من ذكر ربي ‏{‏فطفق مسحا‏ً}‏ يقول‏:‏ يمسح اعراف الخبل وعراقيبها‏. وأخرج الطبراني في الأوسط والاسماعيلي في معجمه وابن مردويه بسند حسن عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه ‏"حديث : ‏عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ‏{‏فطفق مسحاً بالسوق والأعناق‏} ‏ قال‏: قطع سوقها وأعناقها بالسيف ‏"‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَـٰنَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ} وقُرىء نعم العبدُ أي سليمانُ كما ينبىءُ عنه تأخيرُه عن داودَ مع كونِه مفعولاً صريحاً لوهبنا ولأنَّ قوله تعالى: {إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي رجَّاع إلى الله تعالى بالتَّوبة أو إلى التَّسبـيح مرجع له تعليلٌ للمدح وهو من حاله لما أنَّ الضَّميرَ المجرورَ في قوله تعالى: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ} راجع إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قطعاً وإذْ منصوبٌ باذكُر أي اذكُر ما صدرَ عنه إذْ عُرضَ عليه {بِٱلْعَشِيّ} هو من الظُّهرِ إلى آخرِ النَّهارِ {ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ} فإنَّه يشهدُ بأنَّه أوَّاب وقيل: لنعِم وتأخيرُ الصَّافنات عن الظَّرفينِ لما مرَّ مراراً من التَّشويقِ إلى المؤخَّرِ. والصَّافنُ من الخيلِ: الذي يقومُ على طَرَفِ سُنبكِ يدٍ أو رجلٍ، وهو من الصِّفاتِ المحمودةِ في الخيلِ لا يكادُ يتَّفقُ إلا في العِراب الخُلَّصِ، وقيل: هو الذي يجمعُ يديهِ ويسوِّيهما. وأمَّا الذي يقفُ على سنبكهِ فهو المنخيم {ٱلْجِيَادُ} جمعُ جوادٍ وجودٍ وهو الذي يُسرع في جريِه وقيل: الذي يجودُ عند الرَّكضِ، وقيل: وُصفتْ بالصُّفون والجَودةِ لبـيان جمعها بـين الوصفينِ المحمودينِ واقفةً وجاريةً أي إذا وقفتْ كانتْ ساكنةً مطمئنة في مواقفها وإذا جرتْ كانت سِراعاً خِفافاً في جَريها. وقيل: هو جمعُ جيِّد. رُوي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسلام غَزَا أهلَ دمشقَ ونصيبـين وأصابَ ألفَ فرسٍ وقيل: أصابها أبُوه من العمالقةِ فورثها منه وقيل: خرجتْ من البحرِ لها أجنحةٌ فقعد يوماً بعد ما صلَّى الظُّهر على كرسيِّه فاستعرضَها فلم تزلْ تُعرض عليه حتَّى غربتِ الشَّمسُ وغفلَ عن العصرِ أو عن وِردٍ كان له من الذِّكرِ وقتئذٍ وتهيَّبُوه فلم يعلموه فاغتمَّ لما فاتَه فاستردَّها فعقَرها تقرباً لله تعالى وبقي مائةٌ فما في أيدي النَّاسِ من الجياد فمن نسلها وقيل: لمَّا عقرَها أبدلَه الله خيراً منها وهي الرِّيحُ تجري بأمره. {فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى} قاله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عند غروب الشَّمسِ اعترافاً بما صدرَ عنه من الاشتغالِ بها عن الصَّلاةِ وندماً عليه وتمهيداً لما يعقبُه من الأمر بردِّها وعقرِها، والتَّعقيب باعتبار أواخرِ العرض المستمرِّ دون ابتدائِه والتَّأكيدُ للدِّلالةِ على أنَّ اعترافَه وندمَهُ عن صميم القلبِ لا لتحقيقِ مضمونِ الخيرِ، وأصلُ أحببتُ أنْ يعدَّى بعلى لأنَّه بمعنى آثرَ لكن لما أُنيب مُنابَ أنبتُ عُدِّي تعديتَه وحبَّ الخيرِ مفعولُه كأنَّه قيل: أنبتُ حبَّ الخيرِ عن ذكر ربِّـي ووضعتُه موضعه، والخبرُ المالُ الكثيرُ والمراد به الخيلُ التي شغلته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ويحتمل أنَّه سمَّاها خيراً لتعلُّق الخيرِ بها قال عليه الصَّلاة والسَّلام: « حديث : الخيرُ معقودٌ بنواصِي الخيلِ إلى يومِ القيامةِ » تفسير : . وقُرىء أنِّي {حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} متعلِّق بقوله أحببتُ باعتبار استمرار المحبَّةِ ودوامِها حسب استمرارِ العرضِ أي أنبتُ حبَّ الخيرِ عن ذكر ربِّـي واستمرَّ ذلك حتَّى توارتْ أي غربتْ الشَّمسُ تشبـيهاً لغروبِها في مغربِها بتوارى المخبأةِ بحجابها، وإضمارها من غير ذكر لدلالة العشي عليها وقيل: الضمير للصافنات أي توارتْ بحجابِ اللَّيلِ أي بظلامِه.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: العبودية هى الزبول عند موارد الربوبية والخمول تحت صفات الألوهية. سئل الجنيد رحمة الله عليه من العبد؟ فقال الذى يكون مطروحًا عند ربه كالميت فى يد الغاسل لا يكون له تدبير ولا حركة وإنما تدبيره ما يدبر فيه وحركته كما يحرك. قال بعضهم: العبد الذى لا يرى لنفسه ملكًا ولا حكمًا بل الأملاك وما دارت عليه الأفلاك لسيده وعلامة صدق العبودية إظهار وسم العبودية فيه وهو الانكسار والتذلل والاستكانة والخضوع. وسئل أبو حفص من العبد؟ قال من يرى نفسه مأمورًا لا آمرًا. قال عبد العزيز المكى: الأواب: الذى لا يطيع طاعة ولا يفعل خيرًا إلاَّ استغفر منها. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم المصرى يقول عن ابن عطاء فى قوله {أَوَّابٌ}. قال سريع الرجوع إلى ربه فى كل نازلة تنزل به والأواب الراجع إليه الذى لا يستغنى بغيره ولا يستعين بسواه.

القشيري

تفسير : {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ} لأنه كان أَوَّاباً إلى الله، راجعاً إليه في جميع الأحوال؛ في النعمة بالشكر، وفي المحنة بالصبر.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ} ذكر منته على عشقه داود بعد جريان حكم القدر فى امر الامتحان الذى اخرج من نفس العشق والمحبة العبد المحمود بثناء الحق عينه بقوله {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} وذلك انه لما خلعه الحق كسوة الربوبية نظر الى تلك ما نكسوه ولم يرضها لتقسمه شيئا علم انها هى الحق ظهر منه للعالمين احالها اليه بنعت رجوعه اليه فزعا خاشعا صابرا شاكرا مقرا بالعبودية وهذا وصف من البسه الحق لباس القدم فرجع منه اليه بنعت التضرع والفزع حيث قال اعوذ برضاك ممن سخطك واعوذ بمعافاتك من عقوبتك واعوذ بك منك فرّمنه اليه بعد ذوق مباشرة الصفة قال انا العبد لا اله الا الله لانه كان عالما بخفيات مكر الازل ليس كمن سكر واختر بسكره فقال انا الحق فانه من اوائل قطرات جرمه اقداح افراحه التى امتلأت من اشربة بحار الازال والاباد فوصف الله سليمان بهذا الوصف لعلمه بمكره القديم قال بعضهم العبودية هى الذبول عند مراد الربوبية والخمود تحت صفات الالوهية وقال الاستاذ كان اوّابا الى الله رجاما فى جميع الاحوال فى النعمة بالشكر وفى المحنة بالصبر.

اسماعيل حقي

تفسير : {ووهبنا لداود سليمان} [وبخشيديم داودرا فرزندى كه آن سليمانست] عليهما السلام. والهبة عطاء الواهب بطريق الانعام لا بطريق العوض والجزاء الموافق لاعمال الموهوب له فسليمان النعمة التامة على داود لان الخلافة الظاهرة الالهية قد كملت لداود وظهرت اكمليتها فى سليمان وكذا على العالمين لما وصل منه اليهم من آثار اللطف والرحمة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال اولادنا من مواهب الله ثم قرأ {أية : يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور} تفسير : ـ روى ـ ان داود عليه السلام عاش مائة سنة ومات يوم السبت فجأة ويوم السبت لهم كيوم الجمعة لنا اتاه ملك الموت وهو يصعد فى محرابه اى الغرفة وينزل وقال جئت لاقبض روحك فقال دعنى حتى انزل وارتقى فقال مالى الى ذلك سبيل نفدت الايام والشهور والسنون والآثار والارزاق فما انت بمؤثر بعدها فسجد داود على مرقاة من الدرج فقبض نفسه على تلك الحال. وموت الفجأة رحمة للصالحين وتخفيف ورفق بهم اذ هم المنقطعون المستعدون فلا يحتاجون الى الايصاء وتجديد التوبة ورد المظالم بخلاف غيرهم ولذا كان من آثار غضب الله على الفاسقين واوصى داود لابنه سليمان بالخلافة {نعم العبد} سليمان لصلاحية استعداده للكمال النوعى الانسانى وهو مقام النبوة والخلافة. قال بعضهم العبودية هى الذبول عن موارد الربوبية والخمول تحت صفات الالوهية {انه اواب} رجاع الى الحضرة باخلاص العبودية بلا علة دنيوية ولا اخروية او رجاع الى الله فى جميع الاحوال فى النعمة بالشكر وفى المحنة بالصبر [بظاهر ملك ومملكت ميراند وبباطن فقر وفاقت همىبرورد سليمان روزى تمنى كرد كفت بار خدايا جن وانس وطيور ووحوش بفرمان من كردى جه بود كه ابليس را نيز بفرمان من كنى تا اورا بند كنم كفت اى سليمان اين تمنى مكن كه دران مصلحت نيست كفت بار خدايا كر هم دو روز باشد اين مراد من بده كفت دادم سليمان ابليس را در بند كرد ومعاش سليمان با آن همه ملك ومملكت از دست رنج خويش بود هر روز زنبيلى ببافتى وبدو قرص بدادى ودر مسجد با درويشى بهم بخوردى وكفتى] مسكين وجالس مسكينا شعر : يك كدا بود سليمان بعصا وزنبيل يافت از لطف تو آن حشمت وملك آرايى تفسير : آن روز كه ابليس را در بند كرد زنبيل ببازار فرستاد وكس نخريد كه در بازار آن روز هيج معاملت وتجارت نبود ومردم همه بعبادت مشغول بودند آن روز سليمان هيج طعام نخورد ديكر روز همجنان بر عادت زنبيل بافت وكس نخريد سليمان كرسنه شد بالله ناليد كفت بار خدايا كرسنه ام وكس زنبيلى نمى خرد فرمان آمد كه اى سليمان نمى دانى كه جون تو مهتر بازاريان در بند كنى در معاملات بر خلق فروبسته شود ومصلحت خلق نباشد او معمار دنياست ومشارك خلق در اموال واولاد] يقول الله تعالى {أية : وشاركهم فى الاموال والاولاد} تفسير : فظهر من هذه الحكاية حال سليمان مع الله تعالى وكونه متخليا عن المال فارغا عن الملك فى الحقيقة شعر : جو هر ساعت از تو بجايى رود دل بتنهايى اندر صفايى نبينى ورت مال وجاهست وزرع وتجارت جو دل باخدايست خلوت نشينى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ووهبنا لداودَ سليمانَ نِعْمَ العبدُ} أي: سليمان، فهو المخصوص، {إِنه أوابٌ} أي: رجَّاع إلى الله تعالى في السرّاء والضراء، وفي كل أموره، {إِذ عُرِضَ عليه} أي: واذكر ما صدر عنه حين عُرض عليه {بالعشِيّ}؛ وهو ما بين الظهر إلى آخر النهار، {الصافناتُ الجياد} أي: الخيل الصافنات، وهي التي تقوم على طرف سنبك يدٍ أو رِجل. وهي من الصفات المحمودة، لا تكاد توجد إلا في الخيل العِراب، الخُلَّص. وقيل: هو الذي يجمع يديه ويستبق بهما، والجياد: جمع جواد، أو: جود، وهو الذي يسرع في جريه، أو: الذي يجود عند الركض، وقيل: وصفت بالصفون والجودة؛ لبيان جمعها بين الوصفين المحمودين، واقفة وجارية، أي: إذا وقفت كانت ساكنة، وإذا جرت كانت سِراعاً خفافاً في جريها. رُوي أنه عليه السلام غزا أهل دمشق ونصيبين، وأصاب ألف فرس، وقيل: أصابها أبوه من العمالقة، وورثها منه، وفيه نظر؛ فإن الأنبياء لا يورثون، إلا أن يكون تركها حبساً، فورث النظر فيها. ويكون عقرها بنية إبدالها. وقيل: خرجت من البحر لها أجنحة، فقعد يوماً بعدما صلّى الظهر على كرسيه، فاستعرضها، فلم تزل تُعرض عليه حتى غربت الشمس، وغفل عن العصر، أو: عن الوِرد، كان له من الذكْر وقتئذ، وهو أليق بالعصمة، فاغتم لِما فاته، فاستردها، فعقرها، تقرُّباً إلى الله تعالى، وبقي مائة، فما في أيدي الناس اليوم مِن الجياد فمِن نسلها. وقيل: لَمَّا عقرها أبدل الله تعالى له خيراً منها، وهي الريح تجري بأمره، {فقال إِني أحببتُ حُبَّ الخيرِ عن ذكر ربي}، قاله عليه السلام عند غروب الشمس، اعترافاً بما صدر عنه من الاشتغال بها عن الصلاة أو الذكر، وغايته حينئذ: أن الأَوْلى استغراق الأوقات في ذكر الله من الاشتغال بالدنيا. فترَكَ الأَوْلى، وتحسّر لذلك، وأمر بالقطع. وأما حمله على الصلاة والاشتغال بها حتى يفوت الوقت، فذنب عظيم، تأباه العصمة. قاله شيخ شيوخنا الفاسي. وقد يُجاب بأنَّ تركه كان نسياناُ وذهولاً، لا عمداً، فلا معصية. وعدّى "أحببتُ" بـ "عن" دون "على"؛ لتضمنه معنى النيابة، أي: أَنَبْتُ حبَّ الخير، وهو المال الكثير، والمراد: الخيل التي شغلته عن ذكر ربه، {حتى توارتْ} أي: استترت {بالحجابِ} أي: غربت واحتجبت عن العيون، و "عن": متعلق بأحببت، باعتبار استمرار المحبة ودوامها. حسب استمرار العَرض، أي: أنبتُ حب الخير عن ذكر ربي، واستمر ذلك حتى غربت الشمس. وإضمارها من غير تقدُّم ذكر لدلالة "العَشي" عليها. {رُدُّوها عليَّ}، هو من مقالة سليمان، {فطَفِقَ مسْحاً}، الفاء فصيحة، مفصحة عن جملة حُذفت، لدلالة الكلام عليها، إيذاناً بسرعة الامتثال، أي: فَردُّوها عليه، فأخذ بمسح السيف مسحاً {بالسُّوقِ والأعناقِ} أي: بسوقها وأعناقها يقطعها، من قولهم: مسح عنقه بالسيف، وقيل: جعل يمسح بيده أعناقها وسوقها، حبّاً لها، وإعجاباً بها، وهو يُنافي سياق الكلام. الإشارة: لم يذكر الحق تعالى لسليمان ترجمة مخصوصة، كما ذكر لغيره بقوله: {واذكر عبدنا داود}، {واذكر عبدنا أيوب} ، بل خرطه في سلك ترجمة أبيه، وجعله هبة له؛ تنبيهاً على أن مقام أهل الجمال الدنيوي، لا يبلغ مقام أهل الجلال؛ ففيه تنبيه على أن الفقير الصابر أعظم من الغني الشاكر. قاله في القوت. وقوله تعالى: {فَطَفِقَ مَسْحاً بالسُوق}، فيه: أن مَن ترك شيئاً عوَّضه الله خيراً منه، فمَن كان في الله تلفه، كان على الله خلفه، وفيه حجة للصوفية على إتلاف كل ما شغل القلب عن الله، كما فعل الشبلي من تمزيق الثياب الرفهة. والله تعالى أعلم. ثم ذكر امتحانه فقال: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وحده {بالسؤق} مهموزة. وقال ابن مجاهد: الرواية الصحيحة عنه {بالسوق} على فعول، ولما ضمنت الواو همزها، مثل وفيت وأفيت، فهذه رواية قنبل. وقرأ البزي {بالسوق} مثل أبي عمرو، جمع ساق مثل باح وبوح. والباحة والصرح والعرصة والفناء واحد. ومثله قارة وقور للخيل الصغير. ومن همز سوق فعلى لغة من قال: (أحب المؤفدين إلى موسى)، فهمز انشده ابو الحسن لابي حبة النميري، ولانه لما لم يكن بينها وبين الضمة حاجز صار كأن الضمة عليه فهمز. اخبر الله تعالى انه وهب لداود سليمان. فقال {نعم العبد} كان سليمان {إنه أواب} أي رجاع إلى طاعة الله وطلب ثوابه. وقوله {إذ عرض} يجوز أن يتعلق بقوله {نعم العبد} أي نعم العبد حين عرض عليه، ويجوز ان يكون العامل فيه واذكر يا محمد إذ عرض على سليمان {بالعشي} يعني آخر النهار {الصافنات الجياد}والصافنات جمع صافنة، قال ابن زيد: صفن الخيل قيامها على ثلاث مع رفع رجل واحدة. يكون طرف الحافر على الارض وقال مجاهد: صفون الفرس رفع احدى يديه حتى يكون على طرف الحافر صفنت الخيل تصفن صفوناً إذا وقفت كذلك قال الشاعر: شعر : الف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا تفسير : وقال الزجاج والفراء وغيرهما: كل قائم على ثلاث صافن. والجياد السراع من الخيل فرس جواد كأنه يجود بالركض، كأنه جمع جود كما يقال: مطر جود إذا كان مدراراً ونظيره سوط وسياط. والعرض إظهار الشيء بحيث يرى ليميز من غيره، ومنه قوله {وعرضوا على ربك صفاً} واصله الاظهار قال عمرو بن كلثوم: شعر : واعرضت اليمامة واشمخرت كأسياف بأيدى مصلتينا تفسير : أي ظهرت وأعرض عني معناه أظهر جفوة بتوليه عني، وعرض الشيء إذا صار عريضاً. وقوله تعالى {إني أحببت حب الخير} قال قتادة والسدي المراد بالخير - ها هنا - الخيل والعرب تسمي الخيل الخير، وبذلك سمي (زيد الخيل) أي زيد الخير، وقيل في ذلك وجهان: احدهما - انه أراد احببت الخير، ثم اضاف الحب إلى الخير. والثاني - انه أراد احببت اتخاذ الخير، لأن ذوات الخير لا تراد ولا تحب فلا بد من شيء يتعلق بها، والمعنى آثرت حب الخيل على ذكر ربي ويوضع الاستحباب موضع الايثار. كما قال تعالى {أية : الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة}تفسير : أي يؤثرون، وقوله {عن ذكر ربي} معناه إن هذا الخيل شغلني عن صلاة العصر حتى فات وقتها، وهو قول علي عليه السلام وقتادة والسدي، وروي أصحابنا انه فاته الوقت الأول، وقال الجبائي: انه لم يفته الفرض، وإنما فاته نفل كان يفعله آخر النهار ففاته لاشتغاله بالخيل. وقوله {حتى توارت بالحجاب} معناه توارت الشمس بالحجاب يعني بالغيبوبة وجاز الاضمار قبل الذكر، لانه معلوم قال لبيد: شعر : حتى إذا القت يداً في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها تفسير : وقال ابو مسلم محمد بن بحر وغيره: وذكر الرماني أن الكناية عن الخيل وتقديره حتى توارت الخيل بالحجاب بمعنى أنها شغلت فكره إلى تلك الحال. ثم قال لاصحابه {ردّوها عليّ} يعني الخيل فلما ردت عليه {طفق مسحاً بالسوق والأعناق} وقيل: ان الخيل هذه حربها من غنيمة جيش فتشاغل باعتراضها حتى غابت الشمس وفاتته العصر، قال الحسن: كشف عراقيبها وضرب اعناقها، وقال لا تشغلني عن عبادة ربي مرة اخرى. وقيل: انه إنما فعل ذلك على وجه القربة إلى الله تعالى بأن ذبحها ليتصدق بلحومها لا لعقوبتها بذلك. وإنما فعل ذلك لانها كانت أعز ماله فاراد بذلك ما قال الله تعالى {أية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} تفسير : وقال ابو عبيدة: يقولون: مسح علاوته أي ضربها. وقال ابن عباس: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حباً لها. وقال ابو مسلم محمد بن بحر: غسل اعرافها وعراقيبها إكراماً لها، قال: لان المسح يعبر به عن الغسل من قولهم: تمسحت للصلاة. ثم قال تعالى على وجه القسم {ولقد فتنا سليمان} ومعناه اختبرناه وابتليناه وشددنا المحنة عليه {والقينا على كرسيه جسداً} قال ابن عباس: القي شيطاناً اسمه صخر على كرسيه. وقال مجاهد: كان اسمه أصف. وقال السدي: كان اسمه خنفيق وكان ملكه في خاتمه يخدمه الجن والشياطين ما دام في يده، فلما أذنب سليمان نزع الله منه الخاتم، وجعل مع الجني فاجتمعت عليه الجن والشياطين. وقيل: انه كان ذنبه انه وطئ في ليلة عدة كثيرة من جواريه حرصاً على كثرة الولد. وقيل: كان ذنبه انه وطئ امرأته في الحيض. وقوله {ثم أناب} يعني تاب إلى الله من خطيئته، فرد الله عليه الملك لان الجني لما اخذ خاتمه رمى به في البحر فرده عليه من بطن سمكة - ذكر ما قلناه المفسرون - والذي قاله المفسرون من أهل الحق ومن نزه الانبياء عن القبائح ونزه الله تعالى عن مثل ذلك هو انه لا يجوز أن يمكن الله تعالى جنياً ليتمثل في صورة نبي لما في ذلك من الاستبعاد. وإن النبوة لا تكون في الخاتم وانه تعالى لا يسلب النبي نبوته، وليس في الآية شيء من ذلك، وإنما قال فيها انه ألقى على كرسيه جسداً. وقيل في معنى ذلك الجسد اقوال: منها - إن سليمان قال يوماً في مجلسه وفيه جمع كثير لاطوفن الليلة على مئة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاماً يضرب بالسيف في سبيل الله، وكان له في ما يروى عدد كثير من السراري، فاخرج الكلام على سبيل المحبة لهذا الحال، فنزهه الله عما ظاهره الحرص على الدنيا، لئلا يقتدى به في ذلك، فلم يحمل من نسائه إلا امرأة واحدة ولداً ميتاً، فحمل حتى وضع على كرسيه جسداً بلا روح، تنبيها له على انه ما كان يجب ان يظهر منه ما ظهر، فاستغفر الله وفزع إلى الصلاة والدعاء على وجه الانقطاع، لا على أن ذلك كان صغيرة، ومن قال من حيث انه لم يستثن مشيئة الله في ذلك، فقوله فاسد، لأنه وإن لم يذكر مشيئة الله لفظاً فلا بد من تقديرها في المعنى وإلا لم يأمن أن يكون خبره كذباً، وذلك لا يجوز على الانبياء عند من جوز الصغائر عليهم. قال الحسن وغيره لا يجوز على الانبياء. ومنها - انه روي ان الجن لما ولد لسليمان ولد قالوا: لنلقين منه ما لقينا من سليمان، فلما ولد له ولد اشفق منهم، فاسترضعه في المزن، فلم يشعر إلا وقد وضع على كرسيه ميتاً تنبيهاً على ان الحذر لا ينفع مع القدر. ومنها - انه ذكر انه ولد لسليمان ولد ابتلاه بصبره في إماتة ولده على كرسيه. وقيل: انه أماته في حجره، وهو على كرسيه، فوضعه من حجره. ومنها - ما ذكره ابو مسلم فأنه قال: يجوز ان يكون الجسد جسد سليمان وأن يكون ذلك لمرض امتحنه الله به، وتقديره والقينا منه على كرسيه جسداً لشدة المرض، كما يقولون: فلان لحم على وضم إذا كان ضعيفاً، وجسد بلا روح تغليظاً للعلة، وقوة الضعف. ثم حكى ما قاله سليمان حين أناب إلى الله، فانه سأل الله تعالى وقال {رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} أي لا تسلبنه كما سلبته في الدفعة الاولى، وقال ابو عبيدة معنى {لا ينبغي} لا يكون، وانشد لابن احمر: شعر : ما ام غفر على دعجاء ذي علق تنفي القراميد عنها الاعصم الوقل في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة لا ينبغي دونها سهل ولا جبل تفسير : وقال ابو عبيدة: أي لا يكون فوقها سهل ولا جبل احصن منها. فان قيل: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي الشح والضن لانه لم يرض بأن سأل الملك، حتى اضاف إلى ذلك ألا يكون لأحد بعده مثله؟! قلنا قد ثبت أن الانبياء لا يجوز أن يسألوا بحضرة قومهم ما لم يأذن الله لهم في ذلك، فعلى هذا لم لا يجوز ان يكون الله تعالى أعلم سليمان أنه إن سأل ملكاً لا يكون لغيره كان لطفاً له في الدين، وأعلمه أن غيره لو سأل ذلك لم يجب اليه، لانه يكون مفسدة لغيره ولا صلاح له فيه، ولو أن احدنا صرح بمسألة بهذا الشرط بأن يقول: اللهم اجعلني ايسر اهل زماني وارزقني ما لا يساويني فيه احد إذا كانت المصلحة لي في ذلك لكان هذا جائزاً حسناً، ولم يكن منسوباً إلى بخل، فلا يمتنع أن يسأل النبي ايضاً مثل ذلك. وقيل: انه لا يمتنع أن يسأل النبي مثل هذه المسألة من غير إذن إذا لم يكن بمحضر من قومه بعد ان يكون الشرط فيه مقدراً. وقيل فيه وجه أخر، وهو انه عليه السلام إنما سأل ان يكون ملكه معجزة لنبوته يبين بها من غيره ممن ليس بنبي. وقوله {لا ينبغي لأحد من بعدي} معناه لا ينبغي لاحد غيري ممن أنا مبعوث اليه، ولم يرد من بعدي إلى يوم القيامة من النبيين. وقيل: انه لا يمتنع ان يكون المراد انه سأل ملك الآخرة وثواب الجنة الذي لا يناله المستحق إلا بعد أنقطاع التكليف. ومعنى {لا ينبغي لأحد من بعدي} لا يستحقه بعد وصولي اليه أحد من حيث لا يصح أن يعمل ما يستحق به الثواب لانقطاع التكليف. ثم بين بعد ذلك انه اعطاه ما سأله فقال {فسخرنا له الريح} أي ذللناها له، والتسخير التذليل {تجري بأمره} يعني الريح تتوجه إلى حيث شاء {رخاء} قال قتادة معناه طيبة سريعة، وقال ابن زيد: لينة. وقال ابن عباس: مطيعة، وبه قال الضحاك والسدي والرخاء الريح: اللينة وهو رخاوة المرور سهولته ووصفت باللين، لانها إذا عصفت لم يتمكن منها، وإذا لانت أمكنت. وقوله {حيث أصاب} قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي: معناه حيث أراد، يقول القائل: اصاب الله بك الرشاد أي اراد الله، والمعنى انها تنطاع له كيف أراد، وقال الحسن: كان يغدو من أبله، ويقيل بغزوين ويبيت بكابل. والاصابة لحاق البغية، يقال اصاب الهدف بالسهم يصيبه إصابة. ومنه الصواب إدراك الحق بالميل اليه، وقوله {والشياطين} نصبه بالعطف على مفعول {فسخرنا} وتقديره وسخرنا له الشياطين كل بناء وغواص ونصب (كل) على البدل من الشياطين وهو بعضه فالغواص هو الذي يغوص في الماء أي ينزل فيه تقول: غاص يغوص غوصاً فهو غائص وغوصه تغويصاً وكل الشياطين يغوصون له في البحار وغيرها من الانهار بحسب ما يريد منهم ويبنون له الأبنية العجيبة التي يعجز الناس عن مثلها. وقال قتادة: كانوا يغوصون في البحار يستخرجون له الحلي منها، وغير ذلك {وآخرين مقرنين في الأصفاد} الاصفاد واحدها صفاد، وهو الغل وجمعه اغلال. وقال السدي: السلاسل تجمع اليدين إلى العنق والصفد الغل. والصفد العطاء، وبعضهم يقول: اصفدني قال الاعشى: شعر : [تضيفته يوماً فقرب مقعدي] واصفدني على الزمانة قائداً تفسير : وذلك انه ارتبط من شكره بمثل الغل، و {مقرنين} هم الذين قرن بعضهم إلى بعض بالسلاسل. ثم قال تعالى {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} قال الحسن: معناه هذا الملك الذي اعطيناك، فاعط ما شئت وامنع ما شئت. وقال قتادة والضحاك: معناه لا تحاسب على ما تعطي وتمنع منه يوم القيامة ليكون اهنأ لك ومعناه ليس عليك تبعة. وقيل: معناه بغير مقدار يجب عليك إخراجه من يدك، ويكون بغير حساب، فامنن او أمسك وقال الزجاج: المعنى سخرنا لك الشياطين عطاء لك منا فاطلق منهم من شئت واحبس من شئت فلا حساب عليك منه. ثم قال تعالى {وإن له} يعني سليمان {عندنا لزلفى} أي لقربى زيادة على ما أعطيناه في الدنيا {وحسن مآب} أي وحسن مآل في العاقبة.

الجنابذي

تفسير : {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ} سليمان (ع) {إِنَّهُ أَوَّابٌ} مثل داود (ع).

اطفيش

تفسير : {وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ} أي خلقناه له ابناً {نِعْمَ الْعَبْدُ} سليمان وعلل المدح بقوله* {إِنَّهُ أَوَّابٌ} بكسر الهمزة فهو تعليل استئنافي كأنه قال لانه رجاع في التسبيح والذكر في جميع الأوقات

اطفيش

تفسير : {ووهَبْنا لدَاوُد سُليمان} أعطيناه ابنه {نِعْم العَبْد} أى سليمان بن داود {إنَّه أَوَّابٌ} رجَّاع أى كثير الرجوع الى الله، والتسبيح والذكر فى جميع الأوقات.

الالوسي

تفسير : {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَـٰنَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } وقرىء {نعم} على الأصل. والمخصوص بالمدح محذوف أي نعم العبد هو أي سليمان كما ينبـىء عنه تأخيره عن داود مع كونه مفعولاً صريحاً لوهبنا ولأن قوله تعالى: {إِنَّهُ أَوَّابٌ } أي رجاع إلى الله تعالى بالتوبة كما يشعر به السياق أو إلى التسبيح مرجع له أو إلى مرضاته عز وجل تعليل للمدح وهو من حاله لما أن الضمير المجرور في قوله سبحانه:{إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ...}.

ابن عاشور

تفسير : جُعل التخلصُ إلى مناقب سليمان عليه السلام من جهة أنه من مِنن الله على داود عليه السلام، فكانت قصة سليمان كالتكملة لقصة داود. ولم يكن لحال سليمان عليه السلام شَبه بحال محمد صلى الله عليه وسلم فلذلك جزمنا بأن لم يكن ذكر قصته هنا مِثالاً لحال محمد صلى الله عليه وسلم وبأنها إتمام لما أنعم الله به على داود إذ أعطاه سليمان ابناً بهجةً له في حياته وورث ملكه بعد مماته، كما أنبأ عنه قوله تعالى: {ووهبنا لداوُود سُليمان} الآية. ولهذه النكتة لم تفتتح قصة سليمان بعبارة: واذكر، كما افتتحت قصة داود ثم قصة أيوب، والقصص بعدها مفصَّلها ومجملها غير أنها لم تخل من مواضع إسوة وعبرة وتحذير على عادة القرآن من افتراض الإِرشاد. ومن حسن المناسبة لذكر موهبة سليمان أنه ولد لداود من المرأة التي عوتب داود لأجل استنزال زوجها أوريا عنها كما تقدّم، فكانت موهبة سليمان لداود منها مكرمة عظيمة هي أثر مغفرة الله لداود تلك المخالفة التي يقتضي قدره تجنبها وإن كانت مباحة وتحققه لتعقيب الأخبار عن المغفرة له بقوله: {أية : وإنَّ له عندنا لزُلفَىٰ وحُسن مئَابٍ}تفسير : [ص: 40] فقد رضي الله عنه فوهب له من تلك الزوجة نبيئاً ومَلِكاً عظيماً. فجملة {ووهبنا لداود سُليمانَ} عطف على جملة {أية : إنا سخرنا الجبال معه}تفسير : [ ص: 18] وما بعدها من الجمل. وجملة {نِعْمَ العَبْدُ} في موضع الحال من {سُلَيْمانَ} وهي ثناء عليه ومدح له من جملة من استحقوا عنوان العبد لله، وهو العنوان المقصود منه التقريب بالقرينة كما تقدم في قوله تعالى: {أية : إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم}تفسير : في سورة [الصافات: 40 - 41]. والمخصوص بالمدح محذوف لدلالة ما تقدم عليه وهو قوله: {سُلَيْمان} والتقدير: نعم العبد سليمان. وجملة {إنَّه أوَّابٌ} تعليل للثناء عليه بــــ {نِعْمَ العَبْدُ}. والأوّاب: مبالغة في الآيب أي كثير الأوْب، أي الرجوع إلى الله بقرينة أنه مادحه. والمراد من الأوب إلى الله: الأوب إلى أمره ونهيه، أي إذا حصل له ما يبعده عن ذلك تذكر فآب، أي فتاب، وتقدم ذلك آنفاً في ذكر داود.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ} الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة، أنه وهب سليمان لداود، وقد بين في سورة النمل أن الموهوب ورث الموهوب له، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُود} تفسير : [النمل: 16] وقد بينا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى عن زكريا {أية : فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} تفسير : [مريم: 5ـ6] الآية أنها وراثة علم ودين لا وراثة مال.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ووهبنا لداود سليمان: أي ومن جملة هباتنا لداود الأواب أن وهبنا له سليمان ابنه. نعم العبد إنه أواب: أي سليمان أي رجاع إلى ربّه بالتوبة والإِنابة. الصافنات الجياد: أي الخيل الصافنات أي القائمة على ثلاث الجياد أي السوابق. حب الخير: أي حب الخيل عن ذكر ربي وهي صلاة العصر لإِنشغاله باستعراض الخيل للجهاد. حتى توارت بالحجاب: أي استترت الشمس في الأفق وتغطت عن أعين الناظرين. ردوها علي: أي ردوا الخيل التي استعرضتها آنفا فشغلتني عن ذكر ربّي. فطفق مسحاً بالسوق: أي فأخذ يمسح بسوق تلك الخيل وأعناقها. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر إفضال الله على داود حيث قال {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ} فذكر تعالى أنه وهبه سليمان وأثنى على سليمان بأنه نعم العبد لله، وعلل لتلك الأفضليّة بقوله {إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي كثير الأوبة إلى الله تعالى، وهي الرجوع إلى الله بذكره واستغفاره عند الغفلة والنسيان العارض للعبد، وأشار تعالى إلى ذلك بقوله {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ} أي الخيل القوية على السير التي إذا وقفت تأبى أن تقف على أربع كالحمير بل تقف على ثلاثٍ وترفع الرابعة، والجياد هي السريعة العدو، وهذا العرض كان استعراضا منه لها إعداداً لغزو أراده فاستعرض خيله فانشغل بذلك عن صلاة العصر فلم يشعر إلا وقد غربت الشمس وهو معنى قوله تعالى. {حَتَّىٰ تَوَارَتْ} أي استترت الشمس {بِٱلْحِجَابِ} أي بالأفق الذي حجبها عن أعين الناظرين. فندم لذلك وقال {إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ} أي الخيل {عَن ذِكْرِ رَبِّي} وصلى العصر، ثم عاد إلى إكمال الاستعراض فردها رجاله عليه فجعل يمسح بيده سوقها وأعناقها حتى أكمل استعراضها هذا وجه الأوبة التي وصف بها سليمان عليه السلام في قوله تعالى {إِنَّهُ أَوَّابٌ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الولد الصالح هبة إلهيّة لوالده فليشكر الله تعالى من وهب ذلك. 2- الثناء على العبد بالتوبة الفوريّة التي تعقب الذنب مباشرة. 3- جواز استعراض الحاكم القائد قواته تفقداً لها لما قد يحدثه فيها. 4- اطلاق لفظ الخير على الخيل فيه تقرير أن الخيل إذا ربطت في سبيل الله كان طعامها وشرابها حسنات لمن ربطها في سبيل الله كما في الحديث الصحيح "الخيل لثلاث.....". 5- ربط الطائرات النفاثة في الحظائر اليوم والمدرعات وإعدادها للقتال في سبيل الله حل محل ربط الجياد من الخيل في سبيل الله.

القطان

تفسير : الصافنات: جمع صافن من الخيل الأصائل، وغالباً ما يقف على ثلاث قوائم، ويرفع احدى يديه. الجياد: جمع جواد، وهو السريع العدو، كما ان الجواد من الناس هو السريع البذل والعطاء. حب الخير: حب الخيل. توارت: غابت عن الانظار. طفق: شرع. مسحاً بالسُّوق والاعناق: جعل يمسح أعناقها وسوقها ترفقاً بها وحباً لها. فتناه: ابتليناه. لا ينبغي لأحد بعدي: لا يليق بأحد بعدي. رخاء: لينة. حيث اصاب: حيث قصد وأراد. مقرّنين بالأصفاد: مربوطين بالسلاسل، والاغلال. فامنن، أعطِ. وامسك: امنع. ورزقنا داودَ ابنه سليمان، وكان عبداً مطيعاً لربه يستحق كل ثناء ومدح. ومن أخباره انه عُرضت عليه الخيل الأصيلة بالعشيّ لينظر اليها، ويُسرّ برؤيتها، فأطال الوقوف عندها حتى اضاع وقت الصلاة، فلام نفسه: {فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي} والخير هنا هو الخيل، وهي من اجود المال عند العرب، و {عَن ذِكْرِ رَبِّي} عن الصلاة، حتى توارت الشمس بالحجاب. ثم امر بردّها اليه فأخذ يمسح أعناقها وسوقها ترفقاً بها وحباً لها. وقال بعض المفسرين انه أخذ يضرب سوقها واعناقها بالسيف. ومن الصعب ترجيح رواية على الأخرى، ولكن ابن حزم لم يقبل رواية قتل الخيل. وكذلك الرازي والطبري، بل رأوا انه أخذ يمسح اعناقها وسوقها ترفقاً بها وحبا لها. لقد امتحنّا سليمان فابتليناه بمرضٍ شديد فألقيناه جسدا على كرسيه لا يستطيع تدبير الأمور، فتنبّه الى هذا الامتحان، فرجع الى الله تعالى، وتاب ثم اناب، ودعا ربه بقوله {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} انك انت الكثير العطاء. وهنا عند قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} تكلم المفسرون كلاما كثيرا وكله من الاسرائيليات لا صحة له، فأعرضنا عنه. ثم اخبر اللهُ بانه أجاب دعاءه ووفقه لما اراد وعدّد نعمه عليه فقال: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} فذللّنا له الريح تجري حسب مشيئته، رطبة هينة، الى اي جهة قصد. وتقدم في سورة سبأ: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}. وفي سورة الانبياء: {أية : وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ.... }تفسير : [الانبياء:81]. وذلّّلنا له كل بناء في الارض، وغوّاص في أعماق البحار من الشياطين الأقوياء، حتى إنه قَرَنَ قسماً من الشياطين المتمردين في السلاسل والقيود، ليكفّ شرهم عن الناس. واوحى الله تعالى اليه بأن يتصرف في ملكه الواسع كما يشاء دون رقيب ولا حسيب فقال: {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} هذا عطاؤنا الخاص بك، فأعطِ من شئت وامنع من شئت، غير محاسَب على شيء من ذلك. ثم بين ان له في الآخرة عند ربه مقاماً كريما في جنات النعيم بقوله: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ} ومرجعٍ الينا.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِدَاوُودَ} {سُلَيْمَانَ} (30) - وَأَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى دَاوُدَ بِأَنْ وَهَبَهُ وَلَدَهُ سُلَيْمَانَ، وَكَانَ عَبداً مُحْسِناً مُطِيعاً للهِ، حَسَنَ الاعْتِقَادِ والإِيْمَانِ، كَثِيرَ الإِنَابَةِ والرُّجُوعِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.

الثعلبي

تفسير : {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ}. قال الكلبي: غزا سليمان (عليه السلام) أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ألف فرس. وقال مقاتل: ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس وكان أبوه أصابها من العمالقة. وقال عوف عن الحسن: بلغني أنها كانت خيلاً خرجت من البحر لها أجنحة. قالوا: فصلى سليمان الصلاة الأولى وقعد على كرسيّه وهي تعرض عليه، فعرضت عليه منها تسعمائة فتنبه لصلاة العصر، فإذا الشمس قد غابت وفاتته الصلاة ولم يعلم بذلك بفتنته له، واغتم لذلك فقال: ردوها عليَّ. فردوها عليه فعرقبت وعقرت بالسيف ونحرها لله سبحانه، وبقى منها مائة فرس، فما في أيدي الناس اليوم من الخيل فهو من نسل تلك المائة. قال الحسن: فلما عقر الخيل، أبدله الله سبحانه مكانها خيراً منها وأسرع [من] الريح التي تجري بأمره كيف يشاء، وكان يغدوا من إيليا فيقيل بقرير الأرض باصطخر ويروح من قرير [بكابل]. وقال ابن عبّاس: سألت علي بن أبي طالب عن هذه الآية فقال: ما بلغك في هذا يا ابن عبّاس؟ فقلت له: سمعت كعب الأحبار يقول: إن سليمان اشتغل ذات يوم بعرض الأفراس والنظر اليها حتّى توارت الشمس بالحجاب. فقال لما فاتته الصلاة: {إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ} يعني الأفراس وكانت أربعة وعشرون، وبقول: أربعة عشر، فردوها عليه فأمر بضرب سوقها وأعناقها بالسيف فقتلها، وأن الله سلبه ملكه أربعة عشر يوماً، لأنه ظلم الخيل بقتلها. فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كذب كعب الأحبار، لكن سليمان اشتغل بعرض الأفراس ذات يوم، لأنه أراد جهاد عدو حتّى توارت الشمس بالحجاب، فقال بأمر الله للملائكة الموطنين بالشمس: ردّوها عليَّ. يعني الشمس، فردوها عليه حتّى صلى العصر في وقتها. فإن أنبياء الله لايظلمون ولايأمرون بالظلم ولايرضون بالظلم، لأنهم معصومون مطهّرون، فذلك قوله سبحانه: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ} وهي الخيل القائمة على ثلاث قوائم، وقد أقامت الأخرى على طرف الحافر من يد أو رجل. قال عمر بن كلثوم: تركنا الخيل عاكفة عليه مقلدة أعنتها صفونا. وقال القتيبي: الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل وغيرها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سرّه أن يقوم له الرجال صفونا فليتبؤا مقعده من النار"تفسير : أي وقوفاً {ٱلْجِيَادُ} الخيار السراع واحدها جواد {فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ} يعني الخيل، والعرب تعاقب بين الراء واللام فيقول: انهملت العين وانهمرت، وختلت الرجل وخترته أي خدعته. وقال مقاتل: {حُبَّ ٱلْخَيْرِ} يعني المال وهي الخيل التي عرضت عليه {عَن ذِكْرِ رَبِّي} يعني الصلاة، نظيرها {أية : لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [النور: 37]، {حَتَّىٰ تَوَارَتْ} يعني الشمس، كناية عن غير مذكور. كقول لبيد: شعر : حتّى إذا ألقت يداً في كافر تفسير : يعني الشمس {بِٱلْحِجَابِ} وهو جبل دون قاف بمسيرة سنة، تغرب الشمس من ورائها. {رُدُّوهَا} كرّوها {عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} أي فأقبل يمسح سوقها وأعناقها بالسيف، وينحرها تقرباً بها إلى الله سبحانه وطلباً لرضاه، حيث اشتغل بها عن طاعته، وكان ذلك قرباناً منه ومباحاً له، كما أُبيح لنا ذبح بهيمة الأنعام. وقال قوم: معناه حبسها في سبيل الله، وكوى سوقها وأعناقها بكيّ الصدقة. ويقال للكيّة على الساق: علاظ، وللكيّة على العنق: دهاو. وقال الزهري وابن كيسان: كان يمسح سوقها وأعناقها، ويكشف الغبار عنها حباً لها. وهي رواية ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس. {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} هذه قصة محنة نبي الله سليمان وسبب زوال ملكه مدة، واختلفوا في سبب ذلك. فروى محمّد بن إسحاق عن بعض العلماء قال: قال وهب بن منبه: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون، بها ملك عظيم الشأن لم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر، وكان الله قد أتى سليمان في ملكه سلطاناً لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب إليه [إذا ركب على] الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجنّ والإنس، فقتل ملكها واستقام فيها وأصاب فيما أصاب بنتاً لذلك الملك يقال لها: جرادة، لم يرَ مثلها حسناً وجمالاً، واصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت على جفاء منها وقلة ثقة، وأحبها حباً لم يحبه شيئاً من نسائه، وكانت على منزلتها عنده، لايذهب حزنها ولايرقأ دمعها، فشق ذلك على سليمان فقال لها: ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب والدمع الذي لايرقأ؟ قالت: إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك. فقال سليمان: فقد أبدلك الله به ملكاً هو أعظم من ملكه، وسلطاناً أعظم من سلطانه، وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كله. قالت: إن ذلك لكذلك، ولكنني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين فصوّروا صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشياً، لرجوت أن يُذهب ذلك حزني، وأن يسلّى عني بعض ما أجد في نفسي. فأمر سليمان الشياطين فقال: مثّلوا لها صورة أبيها في دارها حتّى لاتنكر منه شيئاً. فمثّلوا لها حتّى نظرت إلى أبيها بعينه، إلاّ أنّه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه فأزّرته وقمّصته وعمّمته، وردّته بمثل ثيابه التي كان يلبس، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدوا عليه في ولائدها حتّى تسجد له ويسجدن معها كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح كل عشية بمثل ذلك، وسليمان لايعلم بشيء من ذلك أربعين صباحاً وبلغ ذلك آصف بن برخيا، وكان صدّيقاً وكان لايرد عن باب سليمان أيّ ساعة أراد دخول شيء من بيوته، حاضراً كان [سليمان] أو غائباً، فأتاه فقال: يانبي الله كبرت سني، ودق عظمي، ونفد عمري، وقد حان مني الذهاب، وقد أحببت أن أقوم مقاماً قبل الموت، أذكر فيه من مضى من أنبياء الله، وأثني عليهم بعلمي فيهم،وأُعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم. فقال: إفعل. فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيباً، فذكر من مضى من أنبياء الله، فأثنى على كل نبي بما فيه وذكر ما فضّله الله به، حتّى انتهى إلى سليمان فقال: ما كان أحلمك في صغرك، وأورعك في صغرك، وأفضلك في صغرك، وأحكم أمرك في صغرك، أبعدك من كل ما يكره في صغرك، ثم انصرف. فوجد سليمان في نفسه من ذلك حتّى ملأه غضباً، فلما دخل سليمان داره أرسل إليه فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله، وأثنيت عليهم خيراً في كل زمانهم وعلى كل حال من أمرهم، فلما ذكرتني جعلت تثني عليَّ بخير في صغري، وسكت عمّا سوى ذلك من أمري في كبري فما الذي أحدثت في آخر عمري؟ قال: إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحاً في هوى امرأة. فقال: في داري؟ فقال: في دارك. قال: إنّا لله وإنا إليه راجعون، لقد علمت أنك ماقلت الذي قلت إلاّ عن شيء بلغك. ثم رجع سليمان إلى داره فكسّر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الطهرة فأتى بها وهي ثياب لا يغزلها إلاّ الأبكار ولم تمسها امرأة رأت الدم فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده، وأمر برماد ففرش له، ثم أقبل تائباً إلى الله عزّ وجلّ حتّى جلس على ذلك الرماد وتمعك فيه بثيابه تذللاً لله سبحانه وتضرعاً إليه، يبكي ويدعو ويستغفر ممّا كان في داره ويقول فيما يقول: رب ماذا ببلائك عند آل داود أن يعبدوا غيرك وأن يقرّوا في دورهم وأهاليهم عبادة غيرك. فلم يزل كذلك يومه ذلك حتى أمسى، ثم يرجع إلى داره، وكانت أم ولد له يقال لها: الأمينة، كان إذا دخل مذهبه أو أراد إصابه امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتّى يتطهر، وكان لايلبس خاتمة إلاّ وهو طاهر، وكان ملكه في خاتمه، فوضعه يوماً من تلك الأيام عندها كما كان يضعه ثم دخل مذهبه، فأتاها الشيطان صاحب البحر وكان إسمه: صخر، على صورة سليمان لاينكر منه شيئاً. فقال: يا أمينة خاتمي. فناولته إياه فجعله في يده ثم خرج حتّى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والانس، وخرج سليمان فأتى الأمينة، وقد غيرت حاله وهيبته عند كل من رأى فقال: يا أمينة خاتمي. فقالت: ومن أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود. فقالت: كذبت لست بسليمان وقد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس على سريره في ملكه. عرف سليمان أن خطيئته قد أدركته، فخرج فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول: أنا سليمان بن داود. فيحثون عليه التراب ويسبونه ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان بن داود. فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق، فيعطونه كل يوم سمكتين فإذا امسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى الأُخرى فأكلها، فمكث بذلك أربعين صباحاً، عدة ما كان عُبِدَ ذلك الوثن في داره، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين اليوم. فقال آصف: يامعشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم. قال: أمهلوني حتّى أدخل على نسائه فأسألهن: هل أنكرن منه في خاصة أمره، ما أنكرناه في عامة أمر الناس وعلانيته؟ فدخل على نسائه فقال: ويحكن هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرناه فقلن: أشدّه مايدع امرأة منّا في دمها، ولايغتسل من جنابة. فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين. ثم خرج إلى بني إسرائيل فقال: مافي الخاصة أعظم ممّا في العامة. فلما قضى أربعون صباحاً طار الشيطان عن مجلسه، ثم مرَّ بالبحر فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكة وأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك حتّى إذا كان العشي أعطاه سمكته وأعطى السمكة التي أخذت الخاتم، وخرج سليمان بسمكتيه فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها، فاستقبله خاتمه في جوفها فأخذه فجعله في يده، ووقع ساجداً وعكفت عليه الطير والجنّ وأقبل عليه الناس، وعرف الذي كان دخل عليه لما كان أحدث في داره، فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه وأمر الشياطين فقال: ائتوني بصخر. فطلبته له الشياطين حتّى أُخذ له فأتى به فجاءت له صخرة، فأدخله فيها ثم شد عليه أخرى ثم أوثقها بالرصاص والحديد، ثم أمر به فقذف في البحر. فهذا حديث وهب بن منبه. قال السديّ في سبب ذلك: كان لسليمان (عليه السلام) مائة امرأة، وكانت امرأة منهُنّ يقال لها: جرادة، وهي أبرّ نسائه وآمنهن عنده، فكان إذا أحدث أو أتى حاجة، نزع خاتمه ولم يأتمن عليه أحداً من الناس غيرها، فجاءته يوماً من الأيام فقالت له: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك. فقال: نعم. ولم يفعل، فابتلي بقوله وأعطاها خاتمه ودخل المخرج فخرج الشيطان في صورته، فقال لها: هات الخاتم. فأعطته، فجاء حتّى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان بعده فسألها أن تعطيه خاتمه. فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا. وخرج من مكانه تائهاً، ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوماً. قال: فأنكر الناس حكمه، فاجتمع قرّاء بني إسرائيل وعلمائهم، فجاؤا حتّى دخلوا على نسائه، فقالوا: إنّا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله، وأنكرنا أحكامه، فبكى النساء عند ذلك قال: فأقبلوا يمشون حتّى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرأوها، فلما قرأوا التوراة طار من بين أيديهم حتّى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتّى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعته حوت. قال: فأقبل سليمان في حاله التي كان فيها، حتّى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع وقد إشتد جوعه، فاستطعمه من صيدهم، وقال: إني أنا سليمان. فقام إليه بعضهم فضربه بعصاً فشجه. قال: فجعل يغسل دمه وهو على شاطىء البحر، فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، وقالوا: بئس ما صنعت حين ضربته. فقال: إنه زعم أنه سليمان. فأعطوه سمكتين ممّا قد مذر عندهم، فلم يشغله ما كان به من الضرب، حتّى قام إلى شط البحر فشق بطونهما وجعل يغسلهما، فوجد خاتمه في بطن أحديهما فأخذه فلبسه، فردَّ الله عليه ملكه وبهاءه، وجاءت الطير حتّى حامت عليه، فعرف القوم أنه سليمان، فقاموا يعتذرون مما صنعوا. فقال: ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم هذا أمر كان لابدّ منه. ثم جاء حتّى أُتي ملكه وأمر حتّى أتى بالشيطان الذي أخذ خاتمه، وجعله في صندوق من حديد ثم أطبق عليه، وأقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمره فألقي في البحر، وهو كذلك حيٌّ حتّى الساعة. وفي بعض الروايات: أن سليمان لما افتتن، سقط الخاتم من يده وكان فيه ملكه، فأخذه سليمان فأعاده إلى يده فسقط من يده، فلما رآه سليمان لايثبت في يده أيقن بالفتنة، وأن آصف قال لسليمان: إنك مفتون بذنبك والخاتم لايتماسك في يدك أربعة عشر يوماً. ففرّ إلى الله تائباً من ذنبك، وأنا أقوم مقامك وأسير في عالمك وأهل بيوتك بسيرتك، إلى أن يتوب الله عليك ويردك إلى ملكك. ففرّ سليمان هارباً إلى ربّه، وأخذ أصف الخاتم فوضعه في يده فثبت، وأن الجسد الذي قال الله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} كان هو أصف كاتباً لسليمان، وكان عنده علم من الكتاب، فأقام أصف في ملك سليمان وعالمه يسير بسيرته ويعمل بعمله أربعة عشر يوماً، إلى أن رجع سليمان إلى منزله تائباً إلى الله سبحانه وردَّ الله عليه ملكه، فقام أصف من مجلسه وجلس سليمان على كرسيه، وأعاد الخاتم في يده فثبت فيها. وأخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب: أن سليمان بن داود احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أن ياسليمان احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي، ولم تنصف مظلوماً من ظالم. وذكر حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه كما رويناه. وقال في آخره: قال علي: فذكرت ذلك للحسن فقال: ما كان الله عزّ وجلّ يسلطه على نسائه. وقال بعض المفسرين: كان سبب فتنة سليمان أنه أُمر أن لايتزوج امرأة [إلاّ] من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غيرهم فعوقب على ذلك. وقيل: ان سليمان لما أصاب ابنة ملك صيدون أعجب بها، فعرض عليها الإسلام فأبت وامتنعت فخوّفها سليمان. فقالت: إن أكرهتني على الإسلام قتلت نفسي. فخاف سليمان أن تقتل نفسها، فتزوج بها وهي مشركة، وكانت تعبد صنماً لها من ياقوت أربعين يوماً في خفية من سليمان إلى أن أسلمت، فعوقب سليمان بزوال ملكه أربعين يوماً. وقال الشعبي في سبب ذلك: ولد لسليمان ابن، فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لم ننفك مما نحن فيه من البلاء والسحرة، فسبيلنا أن نقتل ولده أو نحيله. فعلم سليمان بذلك فأمر السحاب حتّى حملته الريح وغدا ابنه في السحاب خوفاً من معرة الشيطان، فعاقبه الله لخوفه من الشيطان، ومات الولد فأُلقى ميتاً على كرسيّه، فهو الجسد الذي قال الله سبحانه: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ}. وقيل: هو ان سليمان قال يوماً: لأطوفن الليلة على نسائي كلهن، حتّى يولد لي من كل واحدة منهن ابن فيجاهد في سبيل الله. ولم يستثن، فجامعهن كلهن في ليلة واحدة، فما خرج له منهن إلاّ شق مولود، فجاءت به القابلة والقته على كرسي سليمان. فذلك قوله عزّ وجلّ: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} وهو ما أخبرنا عبد الله بن حامد عن آخرين قالوا: حدثنا ابن الشرقي، قال: حدثنا محمّد بن عقيل وأحمد بن حفص قالا: حدثنا حفص قال: حدثني إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة، قال: اخبرني أبو الزناد عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال سليمان بن داود لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله. فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلاّ امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمّد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون"تفسير : فذلك قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ}. قال مقاتل: فُتن سليمان بعد ملك عشرين سنة، وملك بعد الفتنة عشرين سنة. {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} أيّ شيطاناً، عن أكثر المفسرين. واختلفوا في اسمه، فقال مقاتل وقتادة: اسمه صخر بن عمر بن عمرو بن شرحبيل وهو الذي دل سليمان على الألماس حين أُمر ببناء بَيْت المقدس وقيل له: لايسمعن فيه صوت حديد، فأخذوا الألماس فجعلوا يقطعون به الحجارة والجواهر ولاتصوت، وكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء والحمام لم يدخل بخاتمه، فدخل الحمام وذكر القصة في أخذ الشيطان الخاتم. قال: وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب في القوة فقال: أما والله لأُجربنّه، فقال: يانبي الله وهو لا يرى أنه نبي الله أرأيت أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمداً حتّى تطلع الشمس، أترى عليه بأساً؟ قال: لا. فرخص له في ذلك، وذكر الحديث. وروى أبو إسحاق عن عمارة بن عبد عن عليح قال: بينما سليمان جالس على شاطىء البحر وهو يلعب بخاتمه، إذ سقط في البحر وكان ملكه في خاتمه. وروى حماد بن سلمة عن عمر بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان نقش خاتم سليمان بن داود لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ". تفسير : رجع إلى حديث علي قال: فانطلق سليمان وخلّف شيطاناً في أهله وأتى عجوزاً فآوى إليها فقالت له العجوز: أن شئت ان تنطلق فاطلب فأكفيك عمل البيت وإن شئت أن تكفيني البيت وانطلق والتمس. قال: فانطلق يلتمس، فأتى قوم يصيدون السمك فجلس إليهم فنبذوا إليه سمكات، فانطلق بهن حتّى أتى العجوزة، فأخذت تصلحه فشقت بطن سمكة، فإذا فيها الخاتم فأخذته وقالت لسليمان: ماهذا؟ فأخذه سليمان فلبسه، فأقبلت الشياطين والجنّ والإنس والطير والوحوش، وهرب الشيطان الذي خلّف في أهله، فأتى جزيرة في البحر فبعث إليه الشياطين فقالوا: لانقدر عليه، ولكنه يرد علينا في الجزيرة في كل سبعة أيام يوماً، لانقدر عليه حتّى يسكر. قال: فنزح ماءها وجعل فيها خمراً. قال: فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر فقال: والله إنك لشراب طيب إلاّ أنك تصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً. ثم رجع حتّى عطش عطشاً شديداً ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب إلاّ أنك تصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً. قال: ثم شربها حتّى غلبته على عقله، ثم أروه الخاتم فقال: سمع وطاعة. قال: فأتى به سليمان فأوثقه ثم بعث به إلى جبل، فذكروا أنه جبل الدخان الذي يرون من نفسه، والماء الذي يخرج من الجبل هو بوله. وقال السدي: اسم ذلك الشيطان اسمذي وقيل خبفيق. وقال مجاهد: اسمه آصف. أخبرنا أبو صالح بن أبي الحسن البيهقي الفقيه قال: أخبرنا أبو حاتم التميمي قال: حدثنا أبو الأزهر العبدي قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} قال: شيطاناً يقال له: آصف. قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان فذهب ملكه وقعد آصف على كرسيّه ومنعه الله سبحانه نساء سليمان فلم يقربهن، وأنكر الناس أمر سليمان، وكان سليمان يستطعم فيقول: اتعرفونني؟ أنا سليمان فيكذبونه حتّى أعطته امرأة يوماً حوتاً فبطّ بطنه، فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفرَّ آصف فدخل البحر. وقيل: إن الجسد هو آصف ابن برخيا الصدّيق، وقد مضت القصة. وقيل: هو الولد الميت الذي غدا في السحاب. وقيل: هو الولد الناقص الخلق. وقيل: معنى قوله: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} أن سليمان ضرب بعلّة أشرف منها على الموت، حتّى صار جسداً في المثل بلا روح، وقد وصف المريض المضني بهذه الصفة، فيقال كالجسد المُلقى ولم يبق منه إلاّ جسده وتقدير الآية {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً}. وأما صفة كرسي سليمان فرويّ ان سليمان لما ملك بعد أبيه، أمر باتخاذ كرسي ليجلس عليه للقضاء، وأمر بأن يعمل بديعاً مهولاً، بحيث إن لو رآه مبطل أو شاهد زور ارتدع وتهيّب. قال: فعمل له كرسي من أنياب الفيل، وفصصوه بالياقوت واللؤلؤ والزبرجد وأنواع الجواهر،وحففوه بأربع نخلات من ذهب شماريخها الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، على رأس نخلتين منها طاووسان من ذهب وعلى رأس الآخرين نسران من ذهب بعضها مقابل لبعض، وقد جعلوا من جنبتي الكرسي أسدين من الذهب، على رأس كل واحد منهما عمود من الزمرد الأخضر، وقد عقدوا على النخلات أشجار كروم من الذهب الأحمر، واتخذوا عناقيدها من الياقوت الأحمر، بحيث أظل عريش الكروم النخل والكرسي. قال: وكان سليمان إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى، فيستدير الكرسي كله بما فيه دوران الرحى المسرعة، وتنشر تلك النسور والطواويس أجنحتها ويبسط الأسدان أيديهما فيضربان الأرض بأذنابهما، وكذلك يفعل في كل درجة يصعدها سليمان، فإذا إستوى بأعلاه أخذ النسران اللذان على النخلتين تاج سليمان فوضعاه على رأس سليمان، ثم يستدير الكرسي بما فيه ويدور معه النسران والطاووسان والأسدان مائلات برؤسها إلى سليمان ينضحن عليه من أجوافها المسك والعنبر ثم تناولت حمامة من ذهب قائمة على عمود من جوهر من أعمدة الكرسي التوراة،فيفتحها سليمان ويقرأها على الناس ويدعوهم إلى فصل القضاء، ويجلس عظماء بني إسرائيل على كراسي الذهب المفصصة وهي ألف كرسي عن يمينه، ويجيء عظماء الجنّ ويجلسون على كراسي من الفضة عن يساره وهي ألف كرسي حافين جميعاً، به ثم تحف بهم الطير تظلهم، ويتقدم إليه الناس للقضاء، فإذا دعى بالبينات وتقدمت الشهود لإقامة الشهادات، دار الكرسي بما فيه من جميع ماحوله دوران الرحى المسرعة، ويبسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض باذنابهما وينشر النسران والطاووسان أجنحتهما، فيفزع منه الشهود ويدخلهم من ذلك رعب شديد، فلا يشهدون إلاّ بالحق. {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي} ذنبي {وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ}. وقال ابن كيسان: أي لايكون لأحد. {مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} المعطي. قال عطاء بن أبي رباح: يريد هب لي ملكاً لا أُسلبه في باقي عمري كما سلبته في ماضي عمري. وقال مقاتل بن حيان: كان سليمان ملكاً ولكنه أراد بقوله {لاينبغي لأحد من بعدي} تسخير الرياح والطير، يدل عليه مابعده. وقيل: إنما سأل ذلك ليكون آية لنبوته ودلالاً على رسالته ومعجزاً لمن سواه. وقيل: إنما سأل ذلك ليكون علماً له على المغفرة وقبول التوبة، حيث أجاب الله سبحانه وتعالى دعاءه ورد إليه ملكه وزاد فيه. وقال عمر بن عثمان الصدفي: أراد به ملك النفس وقهر الهوى. يؤيده ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد الأفريقي قال: حدثنا سلمان بن عامر الشيباني قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أرأيتم سليمان وما أعطاه الله من ملكه؟ فإنه لم يرفع طرفه إلى السماء تخشعاً لله عز وجل حتّى قبضه الله عزّ وجلّ ". تفسير : وأخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أبو الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا هشام عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قد عرض لي الشيطان في مصلاي الليلة كأنه هرّكم هذا، فأخذته فأردت أن أحبسه حتّى أصبح،فذكرت دعوة أخي سليمان {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} فتركته ". تفسير : ومنه عن روح عن شعبة عن محمّد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن عفريتاً من الجن جعل يتقلب عليَّ البارحة ليقطع عليَّ صلاتي وأن الله عزّ وجلّ أمكنني منه [فرعته] فلقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتّى يصبح فتنظرون إليه كلكم، فتذكرت قول سليمان: {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} فردّه الله عزّ وجلّ خاسئاً ". تفسير : {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً} ليّنة رطبة {حَيْثُ أَصَابَ} حيث أراد وشاء، بلغة حمير. تقول العرب: أصاب الصواب وأخطا الجواب، أي أراد الصواب. قال الشاعر: شعر : أصاب الكلام فلم يستطع فأخطأ الجواب لدى المفصل تفسير : {وَٱلشَّيَاطِينَ} أي وسخرنا له الشياطين {كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} يستخرجون له اللألىء من البحر، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ} يعني مشدودين في القيود واحدها صفد {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ} فأعط، من قوله سبحانه: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ}تفسير : [المدثر: 6]. وتقول العرب: منَّ عليَّ برغيف، أي أعطانيه. قال الحسن: إن الله عزّ وجلّ لم يعط أحداً عطية إلاّ جعل فيها حساباً، إلاّ سليمان فإن الله سبحانه أعطاه عطاءً هنيئاً فقال: {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ}. {أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} قال: إن أعطى أجر وان لم يعط لم يكن عليه تبعة. قال مقاتل: هو في أمر الشياطين، خذ من شئت منهم في وثاقك لاتبعة عليك فيما تتعاطاه. {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ} قربة {وَحُسْنَ مَآبٍ} مصير. {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ}. قال مقاتل: كنيته أبو عبد الله. {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} بتعب ومشقة وبلاء وضر. قال مقاتل: بنصب في الجسد وعذاب في المال. وفيه أربع لغات: (نُصُب) بضمتين وهي قراءة أبي جعفر، و(نَصَب) بفتح النون والصاد وهي قراءة يعقوبُ و(نَصْب) بفتح النون وجزم الصاد وهي رواية هبيرة عن حفص عن عاصم، و (نُصْب) بضم النون وجزم الصاد وهي قراءة الباقين. واختلفوا في سبب ابتلاء أيوب: فقال وهب: استعان رجل أيوب على ظلم يدرأه عنه، فلم يعنه فابتلي. وروى حيان عن الكلبي: أن أيوب كان يغزوا ملكاً من الملوك كافراً، وكانت مواشي أيوب في ناحية ذلك الملك، فداهنه ولم يغزه فابتلي. وقال غيرهما: كان أيوب كثير المال فأعجب بماله فابتلى. {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ} الأرض، أي ادفع وحرك {هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ}. ثم نبعث له عين أُخرى باردة فقال: هذا {بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً} أي حزمة من الحشيش {فَٱضْرِب بِّهِ} إمرأتك {وَلاَ تَحْنَثْ} في يمينك {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : من عجائب السياق القرآني في ذكر داود وسليمان أنهما يشتركان في مسألة واحدة، فلو نظرتَ إلى أول آية ذكرت سيدنا داود تجدها في سورة البقرة في قوله تعالى: {أية : فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ..} تفسير : [البقرة: 251]. وآخر ذكر له هنا في سورة (ص): {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ..} [ص: 30]. كذلك أول ذِكْر لسيدنا سليمان ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ..} تفسير : [البقرة: 102]. وآخر ذكر له في سورة (ص) في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} تفسير : [ص: 34]. قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ..} [ص: 30] الوهْب: عطاءٌ بلا مقابل، فإنْ قُلْتَ: فالإنجاب كله يُعَدُّ بلا مقابل، نعم لكن الخالق سبحانه يهبك ذاتاً، ثم يزيد عليها هبة أخرى هي الصفات التي تتوفر للذات، مثل: الملك والحكمة وغيرها؛ لذلك الذين يطلبون الأشياء على غير مَظانِّها من الأسباب يطلبونها بالهبة، كما في قوله تعالى: {أية : وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ ..} تفسير : [ص: 35]. وقوله تعالى: {أية : فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} تفسير : [مريم: 5-6]. فسيدنا زكريا حين طلب من الله الولد كان شيخاً كبيراً، وكانت امرأته عاقراً، فالأسباب كلها ليست مُواتية وليست صالحة للإنجاب، لذلك طلبها على سبيل الهبة من الله، لا بالقانون والأسباب. وإنْ كانت الأسبابُ في ذاتها هبةً إلا أنها هبة عامة، لكن ما يلحق الذات من الصفات الخاصة تُعَدُّ هبة خاصة. وقوله تعالى: {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ..} [ص: 30] نعرف أن نِعْم تُقَالُ للمدح، والمدح هنا بالصفة العقدية، وهي العبودية لله تعالى. وسبق أنْ قلنا: إن كلمة عبد وعبودية كلمة ممقوتة عند الناس ولهم الحق في مَقْتها، لأن العبودية للبشر يأخذ فيها السيدُ خَيْر عبده، لكن العبودية لله تعالى يأخذ العبد من خير سيده، فهذه هي العبودية الحقة التي تُعَدُّ عِزَّاً للعبد ورفعة. لذلك لما تجلى الحق سبحانه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بنعمة الإسراء والمعراج، قال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 1] فكأن عبوديته لربه هي التي أوصلْته إلى هذه المنزلة. لذلك - ولله المثل الأعلى - الرجل صاحب الصنعة (أسطى) أو معلم وتحت يده صبيان، يُقرِّب منهم المخلص الذي يُحسن صنعته، ويجيد الخضوع له والطاعة والخدمة، لذلك يختصه بمواهبه، ولا يضِنُّ عليه بخفايا الصَّنْعة ودقائقها، ويعطيه خصوصيات لا يعطيها لغيره. ومع أنه - عليه السلام - كان مَلِكاً إلا أن ربه مدحه بصفة العبودية {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ..} [ص: 30] ثم بيَّن لنا مَناط المدح بالعبودية، فقال {إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30] يعني: رجَّاع إلى الله إنْ هفت نفسه هفوة أنَّبَ نفسه عليها، ورجع إلى ربه، ويتوب إليه، لذلك يقول تعالى في بيان التوبة: {أية : إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ..} تفسير : [النساء: 17]. معنى {أية : بِجَهَالَةٍ} تفسير : [النساء: 17] يعني: لم يخطط لها ولم يرتب للمعصية، وإذا حدثتْ منه لا يفرح بها ولا يجاهر، بل يحزن ويلوم نفسه {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [النساء: 17-18]. وضربنا مثلاً لهذين النوعين بطلاب العلم الذين كانوا يسافرون في بعثات علمية إلى فرنسا، فكان منهم المستقيم الملتزم بمنهج الله، لكن تفاجئه إحدى الفتيات المنحرفات ليلاً، وتعرض نفسها عليه، وتظل تغريه حتى يرتكبَ معها الفاحشة، هذا فعلها بجهالة ودون قَصْد أو تدبير، على خلاف الآخر الذي يسعى إلى الفاحشة ويتتبع عناوين أصحابها، وهذا هو الذي يقصد المعصية ويسعى إليها. وكلمة {أَوَّابٌ} [ص: 30] يعني: كثير الأَوْبة والرجوع، فهي صيغة مبالغة بمعنى رجَّاع إلى الحق، فهو لم يفرح بالمعصية، وإنما ندم عليها وتدارك خطأه وصوَّب طريقه، بدليل قوله تعالى بعدها: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ} [ص: 31]. العشيّ: ما بعد الظهر إلى المغرب، وعرض عليه مثل العرض العسكري الذي يستعرض فيه القائد جنوده وقواته. ومعنى {ٱلصَّافِنَاتُ ..} [ص: 31] جمع صَافِن، وهو الجَواد العريق الأصيل، وتستطيع أنْ تلاحظ الجواد الأصيلَ من وقفته، فهو لا يقف على أربع، إنما على ثلاث في رشاقة، وكأنه على أُهبة الاستعداد. ومعنى {ٱلْجِيَادُ} [ص: 31] جمع: جَوَاد وهو القوي السريع، فلما عُرِضَتْ على سيدنا سليمان الصافناتُ الجيادُ من خَيْلِه وقواته، قال {إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} [ص: 32] قالوا: الخير هنا يُرَاد به الخيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الخيل مَعْقُود بنواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة ". تفسير : وقال: "حديث : خَيْر ما ربيت فرس تُمسك عَنَانه، حتى تسمع كل صيحة تطير إليها ". تفسير : لذلك لما أمرنا ربنا أنْ نستعدَّ لأعداء الدين والمنهج، قال: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ..} تفسير : [الأنفال: 60] أي: قوة عامة. ثم خَصَّ الخيل، فقال: {أية : وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 60]. فلما عُرِضَتْ الخيل على سليمان قال {إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي ..} [ص: 32] يعني: حباً ليس للتباهي والخيلاء، كالذين يُربُّون الخيل للمظهر ودخول السباق وذياع الصيت، إنما أحببتها حباً صادراً عن ذِكْر ربي وذكر منهج ربي، الذي أمر بإعداد الخيل والرباط والقوة التي تستطيع أنْ تفرض منهج الله في الأرض. {حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} [ص: 32] الفاعل هنا مستتر، والفاعل حين يأتي مستتراً لا بد أنْ يكون له مرجع كما تقول: جاءني رجل فأكرمتهُ يعني: أكرمتُ الرجل المذكور. وقوله: {تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} [ص: 32] مشهود في الشمس حين تغيب، فالمعنى حتى توارت الشمس وغابت. وقالوا: إنه فاتته صلاة العشي لانشغاله باستعراض الخيل، فلما فاتَتْه الصلاة {رُدُّوهَا عَلَيَّ ..} [ص: 33] أي: الخيل، أرجعوها إليَّ {فَطَفِقَ ..} [ص: 33] شرع {مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} [ص: 33]. يعني: يمسح على سُوق الخيل وأعناقها دلالةً على إكرامها والاهتمام بها، وخصَّ السُّوق والأعناق من الخيل لأنها أكرمُ ما فيها، فالأعناق بها الأعراف، والسُّوق أداة الحَمْل والجري، والمعنى أنه سُرَّ منها فمسح بيده على السُّوق والأعناق. بعض المفسرين لهم رأي آخر، قالوا: المسح هنا يُراد به أنه أراد قَتْلها وذبْحها؛ لأنها أَلْهَتْهُ عن الصلاة، وهذا الكلام أقربُ إلى الإسرائيليات؛ لأن الخيل لم تشغله، بل هو الذي شغلها وشغل الدنيا كلها من حوله، فما ذنب الخيل؟ والعجيب أن في الإسرائيليات أشياء كثيرة تقدح في نبوة الأنبياء في بني إسرائيل، وكثيراً ما نراهم يتهمون أنبياءهم بما لا يليق أبداً بالأنبياء، والعلة في ذلك أن الذي يسرف على نفسه وهو تابع لدين يريد أنْ يلتمس فيمن جاءه بهذا الدين شيئاً من النقيصة ليبرر إسرافه هو على نفسه، من هنا اتهموا أنبياءهم وخاضوا في أعراضهم.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما كرمناه بتشريف خلعة الخلافة {وَهَبْنَا لِدَاوُودَ} ولداً خلفاً عنه، وارثاً لملكه وخلافته، محيياً اسمه ومراسم دينه ومعالم ملته؛ يعني: {سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ} سليمان؛ لأنه مقبول عندنا، مقرب من حضرتنا، مكرم لدينا، وكيف يكون كذلك { إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30] رجَّاع إلينا، ملتجئ نحونا في عموم الأوقات وشمول الحالات على وجه الخلوص والتفويض التام. اذكر يا أكمل الرسل كمال رجوعه وإخلاصه في وقت {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ} وهو مشمر إلى الغزو ومهيّئ لأسبابه، متمكن على كرسيه لضبط العسكر وآلات القتال بالعشي {ٱلصَّافِنَاتُ} من الخيل، وهي التي تدور سريعاً كالرحى على طرف حافر من حوافره، إن أراد الركاب تدويره، وهي من أكمل أوصاف الخيل وأحمدها عند أصحاب القتال؛ لأن المبارز كثيراً ما يحتاج إلى تدوير فرسه يوم الوغى {ٱلْجِيَادُ} [ص: 31] سريعة الجري والعدو. وذلك أنه جلس على كرسيه يوماً بعدما فرغ من ورده في الظهيرة؛ لإعداد أسباب الغزو والقتال الذي قصد أن يخرج إليه يومئذ، فأمر بعرض الخيول عليه، فأشغله الالتفات والتجه نحو الخيول عن ورد عصره، فتذكر والشمس قد غربت، فاغتم غمّاً شديداً، وتحزَّن تحزناً بليغاً إلى حيث لم يطرأ عليه مثله. {فَقَالَ} من شد’ أسفه وضجرته متأوهاً لائماً على نفسه: {إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ} الخيل {حُبَّ ٱلْخَيْرِ} أي: كحب الخير والتوجه المقرب إلى الله، لذلك ألهاني {عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ} الشمس {بِٱلْحِجَابِ} [ص: 32] وفات عني وردي الذي كا نقبل الغروب. وبعدما وقع ما وقع من الغفلة، تسارع إلى التدارك والتلافي، فأخذ يقطع عرق الباعث إلى الإلهاء والإغفال، فقال للشرطة: {رُدُّوهَا} أي: الصافنات {عَلَيَّ} وكُرّوها إليّ، فأعدوها معرضين ثانياً {فَطَفِقَ} سليمان، وأخذ السيف الصارم بيده، يمسح ويمضي {مَسْحاً} وإمضاء ملاصقاً {بِٱلسُّوقِ} وهي جمع: ساق {وَٱلأَعْنَاقِ} [ص: 33] يعني: أخذ بقطع قوائمها ورءوسها، ليزول حبها عن قلبه، ويتصدق بها طلباً لمرضاة ربه، وجبراً لما انكسر من ورده. وعن المرتضى المجتبى - كرم الله وجهه -: أن الضمير في {رُدُّوهَا} راجع إلى الشمس؛ يعني: أمر سليمان الموكلين على الشمس بإذن الله ووحيه أياه، أن يردوا الشمس بعدما غربت؛ ليأتي سليمان بورده، فأتى بما أتى، وذلك من كمال كرم الله معه. {وَ} مع كونه مقبولاً عندنا ممدوحاً لدينا {لَقَدْ فَتَنَّا} وابتلينا {سُلَيْمَانَ} بفتنة عظيمة، وأخذنا منه ملكه بجريمة صدرت من أهل بيته بأدنى ملابسة له ورضا من جانبه. وذلك أنه عليه السلام غزا "صيدون" من الجزائر، فقتل ملكها فأصاب ابنته اسمها جرادة، وهي من أجمل النساء وأحسنها شكلاً، فأعجب سليمان بحسنها وخصها لنفسه، وهي أحب عليه من سائر نسائه، وكانت من شدة حزنها وكآبتها على أبيها لا يرقى دمعها، ولا يزال همها، فأمر عليه السلام الشياطين فمثل لها صورة أبيها، فكانت تغدو إليها و تروح مع ولائدها يسجدون لها، على ما هي عادتها في حياته وملكه. ومضى عليها أربعون يوماً، فاستشعر بها آصف بن برخيا فأخبره، فكسر الصورة وضرب المرأة والولائد، فخرج عليه السلام إلى الصحراء باكياً متألماً مستحيياً من ربه، وكان من عادته عليه السلام إذا دخل الخلاء أعطى خاتمه الذي فيه ملكه إلى أمة له اسمها أمينة، فأعطاها يوماً فتمثل بصورة سليمان شيطان امسه صخر، فجاء فطلب الخاتم من أمينة فأخذه فتختم به، وجلس على كرسيه، واجتمع الخلق عليه، وقضى ما قضى ونفذ حكمه في كل شيء إلا في نسائه، وغيّر سليمان عن هيئته وسلطنته، فأتى أمينة بطلب الخاتم فطردته وأنكرت عليه، فعرف أن الفتنة قد أدركته. فأخذ يدور حول البيوت يتكفف حتى مضى أربعون يوماً عاد ما عبد في بيته الصورة، وبعد انقضاء المدة المذكورة، طار الشيطان من كرسيه وقذف الخاتم في البحر، فابتلعته سمكة فوقعت في يد سليمان من قضاء الله ومزيد كرمه وعطائه عليه، فبقر بطنها فوجد الخاتم فتختم به، فعاد ملكه عليه، وخرَّ ساجداً وأناب إلى الله متضرعاً كما أخبر سبحانه. وبعدما فتناه بفتنة عظيمة وهي عبادة غيرنا في بيته برضاء منه، وأخذناه عليها وأخرجناه من ملكه بفقد الخاتم عنه {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ} وأجلسنا بدله عليها {جَسَداً} تمثالاً وصورة لا حقيقة لها، {ثُمَّ} بعدما ابتليناه بما ابتليناه قد {أَنَابَ} [ص: 34] إلينا مخلصاً متضرعاً، فقبلنا توبته عناية منَّا إياه؛ حيث {قَالَ} في مناجاته معنا، وعرض حاجاته إلينا: {رَبِّ} يا من رباني بمقتضى لطفك وجودك، وأعطيتني من مواهبك ما لم تعطِ أحداً من خلقك {ٱغْفِرْ لِي} ذنبي، واعفُ زلتي بسعة رحمتك وجودك {وَ} بعدما غفرتني ومحوت عني معصيتي {هَبْ لِي مُلْكاً} كما وهبتني قبل هذا، وخصصتني به بمقتضى جودك وإحسانك علي؛ إذ {لاَّ يَنبَغِي} ويليق بشأنك وبمزيد لطفك وإحسانك أن تعطيه {لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} إذ لا راد لفظلك، ولا مانع لعطائك {إِنَّكَ أَنتَ} المحسن {ٱلْوَهَّابُ} [ص: 35] المقصور المنحصر على إعطاء المواهب والكرامات، بلا عوض ولا غرض؛ إذ لا معطي سواك ولا مفضل غيرك. وبعدما توجه إلينا وتضرع نحونا على وجه الإنابة والخضوع والتذلل والخشوع، آتينا ملكه، وأجرينا حكمه كما كان {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ} بعدما انتقمنا عنه، وجعلناها مقهورة له، محكومة بحكمة؛ حيث {تَجْرِي بِأَمْرِهِ} منقادة بحكمه {رُخَآءً} لينة هينة، بلا تضعضع وتزعزع يتعب منه الراكب {حَيْثُ أَصَابَ} [ص: 36] أي: يجري بأمره أي صوب أراد، وجانب قصد. {وَ} أيضاً سخرنا له {ٱلشَّيَاطِينَ} وجعلناهم منقادين لحكمه {كُلَّ بَنَّآءٍ} منهم يبني له أبنية عجيبة، وقصوراً مشيدة منيعة، وحصوناً محكمة، لا يسع للإنس أن يعمل مثلها {وَ} كل {غَوَّاصٍ} [ص: 37] منهم يغوصون لأجله في لجج البحار، ويستخرجون لخزائنه من اللآلئ النفيسة ما لا يعد ولا يحصى. {وَآخَرِينَ} من الشياطين، وهم المردة الممتنعون عن الإطاعة والانقياد، جعلناههم {مُقَرَّنِينَ} مشدودين محبوسين {فِي ٱلأَصْفَادِ} [ص: 38] أي: القيود والأغلال المضيقة بمقتضى أمره وحكمه. ثم قال سبحانه امتناناً عليه، وتنبيهاً على تعظيمه وتكريمه: {هَـٰذَا} المذكور من الحكومة والخلافة والتسخيرات السالفة {عَطَآؤُنَا} عليك يا من اصطفيناك لوارثة النبوة والخلافة {فَٱمْنُنْ} منه لمن شئت، واجعل حق المستحقين محفوظاً به {أَوْ أَمْسِكْ} لنفسك، ولا تعطِ أحداً؛ يعني: لكل الخيار في المنع والإعطاء {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39] عليك، وسؤال عن فعلك، إذ أمره مفوض إليك. {وَ} كيف لا يفوض لأمر ما أعطيناه إياه إلينا {إِنَّ لَهُ} أي: لسليمان عليه السلام {عِندَنَا} وفي ساحة عز حضورنا {لَزُلْفَىٰ} درجة قريبة من درجات الوصال {وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 40] أي: خبر مرجع ومنقلب من مراتب التمكن في التوحيد، والتقرب في مقر القبول.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ} [ص: 30]؛ أي: لداود الروح {سُلَيْمَانَ} [ص: 30] القلب، {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30]، رجع إلى الحضرة بإخلاص العبودية بلا علة الدنيوية والأخروية. {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ} [ص: 31]؛ وهي مراكب صفات البشرية، وبقوله: {فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} [ص: 32]، يشير إلى أن حب غير الله شاغل عن الله وموجب للحجاب. وبقوله: {رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} [ص: 33]، يشير إلى أن كل محبوب سوى الله إذا حجبك عن الله لحظة يلزمك أن تعالجه بسيف نفي لا إله إلا الله، وبقوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} [ص: 34]، يشير إلى إلقاء وسوسة شيء من الشهوات الجسدانية على كرسي صدر سليمان القلب، فافتتن به إلى أن تاب منه، ورجع إلى الحضرة. ثم أخبر عن الإجابة بعد الإنابة بقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} [ص: 35]، يشير إلي معانٍ مختلفة: منها: إنه أراد طلب المُلك الذي هو رفعة الدرجة، بني الأمر في ذلك على التواضع الموجب للرفقة؛ وهو قوله: {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي} [ص: 35]. ومنها: إنه قدم طلب المغفرة؛ لأنه لو كان طلب المُلك ذلة عن حق الأنبياء - عليهم السلام - تكون مسبوقة بالمغفرة لا يطالب بها. ومنها: إن المُلك مهما يكن في يد مغفور له منظور بنظر العناية ما يصدر منه تصرف في الملك إلا مقروناً بالعدل والنصفة، وهو محفوظ من آفات الملك وتبعاته. ومنها: قوله: {وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} [ص: 35]؛ أي: يكون ذلك موهوباً له، بحيث لا ينزعه منه ويؤتيه من يشاء، كما هي السنة الإلهية جارية فيه. ومنها: قوله: {لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ} [ص: 35]؛ أي: لا يطلبه أحد غيري؛ لئلا يقع في فتنة الملك على مقتضى قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]، فإن المُلك جالب للفتنة، كما كان جالباً إلى سليمان عليه السلام بقوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} [ص: 34]؛ ولئلا يكون هو سبب افتتانهم. ومنها: قوله: {مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ} [ص: 35]؛ أي مُلكاً لا يطلع على حقيقته وكماليته أحد حتى يطلبه منك؛ يعني: يكون في جملة "حديث : ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"تفسير : ليطلبه. ومنها: قوله: {لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ} [ص: 35]؛ أي لا يكون هذا الملك ملتمس أحد منك غير للتمتع والانتفاع به، وهو بمعزل عن قصدي ونيِّتي عن طلب هذا، فإن لي في هذا المُلك نية لنفسي، ونية لقلبي، ونية لروحي، ونية للرعايا، ونية للملك. وأما نيته لنفسه: فتزكيتها عن صفاتها الذميمة وأخلاقها اللئيمة، وذلك في منعها عن استيفاء شهواتها الحيوانية، وترك مستلذاتها النفسانية بالاختيار دون الاضطرار، وإنما يتيسر ذلك بعد القدرة الكاملة عليه بالمالكية والملكية بلا مانع ولا منازع، وكمالية في المملكة بحيث يعوذ فيها مما تحرك داعية من دواعي البشرية المركوزة في جبل الإنسانية؛ ليكون كل واحد من المشتهيات والمستلذَّات النفسانية محرك لراعية تناسبها عند تملكها، والقدرة عليها عند توقان النفس إليها، وغلبات هواها، فيحرم على النفس مراضعها، ويحرمها عن مشاربها، ونهاها عن هداها خالصاً لله وطالباً لمرضاته، فتموت النفس عن صفاتها كما يمةت البدن عن إعواز ما هو غذاء يعيش به، فلما ماتت النفس عن صفاتها الذميمة يحييها الله تعالى بالصفات الحميدة، كما قال تعالى: {أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} تفسير : [النحل: 97]، وقال: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}تفسير : [الشمس: 9]، فلا يبقى لها نظر إلى الدنيا وسائر نعيمها، كما كان حال سليمان لم يكن له نظر إلى الدنيا ونعيمها، إنما كان مع تلك الوسعة في المملكة يأكل كسيرة من كسب يده مع جليس مسكين، ويقول: جالس مسكيناً. وأما نيته لقلبه: فتصفيته عن محبة الدنيا وزينتها وشهواتها، وتوجهه إلى الآخرة بالإعراض عنها عن القدرة عليها والتمكن فيها، ثم صرفها في سبيل الله وقلع أصلها من أرض القلب؛ ليبقى القلب صافياً نقياً من الدنس قابلاً للفيض الإلهي، فإنه خلق مرآة لجميع الصفات الإلهية. وأما نيته لروحه: فلتحليته بالأخلاق الحميدة الربَّنية، ولا سبيل إليها إلا بعلو الهمة وخلوص النية، فإن المرء يطير بهمته كالطائر {أية : يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}تفسير : [الأنعام: 38]، وتزينه الهمة بحسب نيل المقاصد الدنيوية الدنية، وصرفها عن نيل المراتب الدنية الأخروية الباقية، وإن لترك المقاصد الدنيوية وإن كان أثراً لتربية الهمة، ولكن لا يبلغ حد أثر صرفه ما يملك من المقاصد الدنيوية لنيل الدرجات العلية، فلما كان من أخلاق الله تعالى أنه يحب معالي الأمور ويبغض سفاسفها، التمس سليمان عليه السلام أقصى مراتب الدنيا ونهاية مقاصدها؛ لئلا يلتفت إليها ويستعملها في تربية الهمة؛ لتتجلى روحه بحب معالي الأمور ويبغض سفاسفها متخلقاً بأخلاق الله تعالى. وأما نيته للرعايا: بأن يحسن إليهم ويؤلف قلوبهم ببذل المال والجاه، فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، فإنهم إذا أحبوا نبي الله لزمهم حب الله، فيكون حب الله وحب نبيه في قلوبهم محض الإيمان، ومن لم يكن منهم أن يؤمن بالإحسان فيدخلهم في الإيمان بالقهر والغلبة بأن يأتيهم {أية : بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا}تفسير : [التوبة: 40]، كما أدخل بلقيس وقومها في الإيمان. وأما نيته للملك: بأن يجعل الممالك الدنيوية الفانية أخروية باقية، بأن يتوسل بها إلى الحضرة بصرفها في إظهار الدين، ولإقامة الحق، وإعلاء كلمة الإسلام، فإن قيل قوله: {لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} [ص: 35]، هل يتناوله النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ قلنا: إما بالصورة: فيتناول، ولكن لعلو همته وكمال قدره لا بعدم استحقاقه؛ لأنه عُرض عليه صلى الله عليه وسلم مُلك أعظم من ملكه فلم يقبله، وقال: "حديث : الفقر فخري ". تفسير : وإما بالمعنى: فلا يتناول النبي صلى الله عليه وسلم: لأنه قال: "حديث : فضلت على الأنبياء بست"تفسير : ؛ يعني: على جميع الأنبياء، ولا خفاء بأن سليمان عليه السلام ما بلغ درجة واحدة من أولى العزم من الرسل اختصاصه بصورة الملك منهم، وهم معه مفضلون بست فضائل من النبي صلى الله عليه وسلم، فمن الملك الحقيقي الذي كان كان ملك سليمان صورته بلا ريب يكون داخلاً في الفضائل التي اختصه الله بها، وأخبر عنها بقوله: {أية : وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} تفسير : [النساء: 113]؛ بل أعطاه الله تعالى ما كان مطلوب سليمان عليه السلام من صورة الملك ومعناه، أو فسر ما أعطى سليمان وفتنه به من غير رحمة مباشرة صورة الملك، والافتتان فلم يقبله به عزة ودلالاً. وبقوله: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص: 36]، يشير إلى أن لسليمان لما فعل بالصافنات الجياد، وما فعل في سبيل الله عوضه الله تعالى مركباً مثل: الريح كان {أية : غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}تفسير : [سبأ: 12]. وبقوله: {وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ * هَـٰذَا عَطَآؤُنَا} [ص: 37-39]، يشير إلى أن الإنسان إذا كمل في إنسانيته يصير قابلاً للفيض الإلهي بلا واسطة، فيعطيه الله من آثار الفيض تسخير ما في السماوات من الملائكة، كما سخر لآدم بقوله: {أية : ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} تفسير : [البقرة: 34] وما في الأرض، كما سخر لسليمان الجن والإنس والشياطين والوحوش والطيور؛ وذلك لأن كل ما في السماوات وفي الأرض أجزاء وجود الإنسان الكامل، فإذا أنعم الله عليه بفيض سخر له أجزاء وجوده في المعنى، أما في الصورة فيظهر على بعض الأنبياء تسخير بعضها إعجازاً له، كما أظهر على نبينا صلى الله عليه وسلم تسخير القمر عند انشقاقه بإشارة إصبعه؛ ولهذا قال: {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا} [ص: 39] ، وبقوله: {فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39]، يشير إلى أن الأنبياء بتأييد الفيض الإلهي ولاية إفاضته الفيض على من هو أهله عند استفاضته، ولهم إمساك الفيض عند عدم الاستفاضة من غير أهله، ولا حرج عليهم في الحالتين. {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ} [ص: 40] في الإفاضة والإمساك، {وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 40]؛ لأنه كان متقرباً إلينا بالعطاء والنعم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما أثنى تعالى على داود، وذكر ما جرى له ومنه، أثنى على ابنه سليمان عليهما السلام فقال: { وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ } أي: أنعمنا به عليه، وأقررنا به عينه. { نِعْمَ الْعَبْدُ } سليمان عليه السلام، فإنه اتصف بما يوجب المدح، وهو { إِنَّهُ أَوَّابٌ } أي: رجَّاع إلى اللّه في جميع أحواله، بالتأله والإنابة، والمحبة والذكر والدعاء والتضرع، والاجتهاد في مرضاة اللّه، وتقديمها على كل شيء. ولهذا، لما عرضت عليه الخيل الجياد السبق الصافنات أي: التي من وصفها الصفون، وهو رفع إحدى قوائمها عند الوقوف، وكان لها منظر رائق، وجمال معجب، خصوصا للمحتاج إليها كالملوك، فما زالت تعرض عليه حتى غابت الشمس في الحجاب، فألهته عن صلاة المساء وذكره. فقال ندما على ما مضى منه، وتقربا إلى اللّه بما ألهاه عن ذكره، وتقديما لحب اللّه على حب غيره: { إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ } وضمن { أحببت } معنى { آثرت } أي: آثرت حب الخير، الذي هو المال عموما، وفي هذا الموضع المراد الخيل { عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ }. { رُدُّوهَا عَلَيَّ } فردوها { فَطَفِقَ } فيها { مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ } أي: جعل يعقرها بسيفه، في سوقها وأعناقها. { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ } أي: ابتليناه واختبرناه بذهاب ملكه وانفصاله عنه بسبب خلل اقتضته الطبيعة البشرية، { وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا } أي: شيطانا قضى اللّه وقدر أن يجلس على كرسي ملكه، ويتصرف في الملك في مدة فتنة سليمان، { ثُمَّ أَنَابَ } سليمان إلى اللّه تعالى وتاب. فـ { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } فاستجاب اللّه له وغفر له، ورد عليه ملكه، وزاده ملكا لم يحصل لأحد من بعده، وهو تسخير الشياطين له، يبنون ما يريد، ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدر والحلي، ومن عصاه منهم قرنه في الأصفاد وأوثقه. وقلنا له: { هَذَا عَطَاؤُنَا } فَقَرَّ به عينا { فَامْنُنْ } على من شئت، { أَوْ أَمْسِكْ } من شئت { بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حساب، لعلمه تعالى بكمال عدله، وحسن أحكامه، ولا تحسبن هذا لسليمان في الدنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خير عظيم. ولهذا قال: { وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } أي: هو من المقربين عند اللّه المكرمين بأنواع الكرامات للّه. فصل فيما تبين لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام فمنها: أن اللّه تعالى يقص على نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم أخبار من قبله، ليثبت فؤاده وتطمئن نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدة صبرهم وإنابتهم، ما يشوقه إلى منافستهم، والتقرب إلى اللّه الذي تقربوا له، والصبر على أذى قومه، ولهذا - في هذا الموضع - لما ذكر اللّه ما ذكر من أذية قومه وكلامهم فيه وفيما جاء به، أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به. ومنها: أن اللّه تعالى يمدح ويحب القوة في طاعته، قوة القلب والبدن، فإنه يحصل منها من آثار الطاعة وحسنها وكثرتها، ما لا يحصل مع الوهن وعدم القوة، وأن العبد ينبغي له تعاطي أسبابها، وعدم الركون إلى الكسل والبطالة المخلة بالقوى المضعفة للنفس. ومنها: أن الرجوع إلى اللّه في جميع الأمور، من أوصاف أنبياء اللّه وخواص خلقه، كما أثنى اللّه على داود وسليمان بذلك، فليقتد بهما المقتدون، وليهتد بهداهم السالكون، {أية : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ }. تفسير : ومنها: ما أكرم اللّه به نبيه داود عليه السلام، من حسن الصوت العظيم، الذي جعل اللّه بسببه الجبال الصم، والطيور البهم، يجاوبنه إذا رجَّع صوته بالتسبيح، ويسبحن معه بالعشي والإشراق. ومنها: أن من أكبر نعم اللّه على عبده، أن يرزقه العلم النافع، ويعرف الحكم والفصل بين الناس، كما امتن اللّه به على عبده داود عليه السلام. ومنها: اعتناء اللّه تعالى بأنبيائه وأصفيائه عندما يقع منهم بعض الخلل بفتنته إياهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذور، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى، كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. ومنها: أن الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن اللّه تعالى، لأن مقصود الرسالة لا يحصل إلا بذلك، وأنه قد يجري منهم بعض مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكن اللّه يتداركهم ويبادرهم بلطفه. ومنها: أن داود عليه السلام، [كان] في أغلب أحواله ملازما محرابه لخدمة ربه، ولهذا تسور الخصمان عليه المحراب، لأنه كان إذا خلا في محرابه لا يأتيه أحد، فلم يجعل كل وقته للناس، مع كثرة ما يرد عليه من الأحكام، بل جعل له وقتا يخلو فيه بربه، وتقر عينه بعبادته، وتعينه على الإخلاص في جميع أموره. ومنها: أنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على الحكام وغيرهم، فإن الخصمين لما دخلا على داود في حالة غير معتادة ومن غير الباب المعهود، فزع منهم، واشتد عليه ذلك، ورآه غير لائق بالحال. ومنها: أنه لا يمنع الحاكم من الحكم بالحق سوء أدب الخصم وفعله ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم داود عليه السلام، فإنه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملك، ولا انتهرهما، ولا وبخهما. ومنها: جواز قول المظلوم لمن ظلمه "أنت ظلمتني" أو "يا ظالم" ونحو ذلك أو باغ علي لقولهما: { خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ }. ومنها: أن الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدر، جليل العلم، إذا نصحه أحد، أو وعظه، لا يغضب، ولا يشمئز، بل يبادره بالقبول والشكر، فإن الخصمين نصحا داود فلم يشمئز ولم يغضب ولم يثنه ذلك عن الحق، بل حكم بالحق الصرف. ومنها: أن المخالطة بين الأقارب والأصحاب، وكثرة التعلقات الدنيوية المالية، موجبة للتعادي بينهم، وبغي بعضهم على بعض، وأنه لا يرد عن ذلك إلا استعمال تقوى اللّه، والصبر على الأمور، بالإيمان والعمل الصالح، وأن هذا من أقل شيء في الناس. ومنها: أن الاستغفار والعبادة، خصوصا الصلاة، من مكفرات الذنوب، فإن اللّه، رتب مغفرة ذنب داود على استغفاره وسجوده. ومنها: إكرام اللّه لعبده داود وسليمان، بالقرب منه، وحسن الثواب، وأن لا يظن أن ما جرى لهما منقص لدرجتهما عند اللّه تعالى، وهذا من تمام لطفه بعباده المخلصين، أنه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم، أزال الآثار المترتبة عليه كلها، حتى ما يقع في قلوب الخلق، فإنهم إذا علموا ببعض ذنوبهم، وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال اللّه تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. ومنها: أن الحكم بين الناس مرتبة دينية، تولاها رسل اللّه وخواص خلقه، وأن وظيفة القائم بها الحكم بالحق ومجانبة الهوى، فالحكم بالحق يقتضي العلم بالأمور الشرعية، والعلم بصورة القضية المحكوم بها، وكيفية إدخالها في الحكم الشرعي، فالجاهل بأحد الأمرين لا يصلح للحكم، ولا يحل له الإقدام عليه. ومنها: أنه ينبغي للحاكم أن يحذر الهوى، ويجعله منه على بال، فإن النفوس لا تخلو منه، بل يجاهد نفسه بأن يكون الحق مقصوده، وأن يلقي عنه وقت الحكم كل محبة أو بغض لأحد الخصمين. ومنها: أن سليمان عليه السلام من فضائل داود، ومن منن اللّه عليه حيث وهبه له، وأن من أكبر نعم اللّه على عبده، أن يهب له ولدا صالحا، فإن كان عالما، كان نورا على نور. ومنها: ثناء اللّه تعالى على سليمان ومدحه في قوله { نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ }. ومنها: كثرة خير اللّه وبره بعبيده، أن يمن عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. ومنها: تقديم سليمان محبة اللّه تعالى على محبة كل شيء. ومنها: أن كل ما أشغل العبد عن اللّه، فإنه مشئوم مذموم، فَلْيُفَارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفع له. ومنها: القاعدة المشهورة "من ترك شيئا لله عوضه اللّه خيرا منه" فسليمان عليه السلام عقر الجياد الصافنات المحبوبة للنفوس، تقديما لمحبة اللّه، فعوضه اللّه خيرا من ذلك، بأن سخر له الريح الرخاء اللينة، التي تجري بأمره إلى حيث أراد وقصد، غدوها شهر، ورواحها شهر، وسخر له الشياطين، أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدر عليها الآدميون. ومنها: أن تسخير الشياطين لا يكون لأحد بعد سليمان عليه السلام. ومنها: أن سليمان عليه السلام، كان ملكا نبيا، يفعل ما أراد، ولكنه لا يريد إلا العدل، بخلاف النبي العبد، فإنه تكون إرادته تابعة لأمر اللّه، فلا يفعل ولا يترك إلا بالأمر، كحال نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم، وهذه الحال أكمل.