Verse. 401 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

تِلْكَ اٰيٰتُ اللہِ نَتْلُوْھَا عَلَيْكَ بِالْحَـقِّ۝۰ۭ وَمَا اللہُ يُرِيْدُ ظُلْمًا لِّلْعٰلَمِيْنَ ۝۱۰۸
Tilka ayatu Allahi natlooha AAalayka bialhaqqi wama Allahu yureedu thulman lilAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تلك» أي هذه الآيات «آيات الله نتلوها عليك» يا محمد «بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين» بأن يأخذهم بغير جرم.

108

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ} ٱبتداء وخبر، يعني القرآن. {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} يعني نُنْزِلْ عليك جبريل فيقرؤها عليك. {بِٱلْحَقِّ} أي بالصدق. وقال الزجاج: «تلك آيات الله» المذكورة حُجَجُ الله ودلائله. وقيل: «تلك» بمعنى هذه ولكنها لما ٱنقضت صارت كأنها بَعُدَتْ فقيل «تلك» ويجوز أن تكون «آيات الله» بدلاً من «تلك» ولا تكون نعتاً؛ لأن المبْهَم لا ينعت بالمضاف. {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} يعني أنه لا يعذبهم بغير ذنب. {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} قال المهدويّ: وجه ٱتصال هذا بما قبله أنه لما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين وأنه لا يريد ظلماً للعالمين، وصله بذكر ٱتِّساع قدرته وغناه عن الظلم لكون ما في السموات وما في الأرض (في قبضته، وقيل: هو ٱبتداء كلام، بيّن لعباده أن جميع ما في السموات وما في الأرض) له حتى يسألوه ويعبدوه ولا يعبدوا غيره.

البيضاوي

تفسير : {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ} الواردة في وعده ووعيده {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقّ} ملتبسة بالحق لا شبهة فيها. {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ} إذ يستحيل الظلم منه لأنه لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يمنع عن شيء فيظلم بفعله، لأنه المالك على الإِطلاق كما قال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تِلْكَ } أي هذه الآيات {آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } يا محمد {بِٱلْحَقِّ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَٰلَمِينَ } بأن يأخذهم بغير جرم.

ابن عطية

تفسير : الإشارة بتلك إلى هذه الآيات المتقدمة المتضمنة تعذيب الكفار وتنعيم المؤمنين، ولما كان فيها ذكر التعذيب، أخبر تعالى: أنه لا يريد أن يقع منه ظلم لأحد من العباد، وإذا لم يرد ذلك فلا يوجد البتة، لأنه لا يقع من شيء إلا ما يريد تعالى، وقوله تعالى: {بالحق} معناه: الإخبار الحق، ويحتمل أن يكون المعنى: {نتلوها عليك} مضمنة الأفاعيل التي هي "حق" في أنفسها، من كرامة قوم، وتعذيب آخرين، وقرأ أبو نهيك: "يتلوها" بالياء، وجاء الإعلام بأنه تعالى لا يريد ظلماً في حكمه، فإذا لا يوجد. ولما كان للذهن أن يقف هنا في الوجه الذي به خص الله قوماً بعمل يرحمهم من أجله، وآخرين بعمل يعذبهم عليه، ذكر تعالى الحجة القاطعة في ملكه جميع المخلوقات، وأن "الحق" لا يعترض عليه، وذلك في قوله، {ولله ما في السموات وما في الأرض} الآية، وقال: {ما} ولم يقل "من" من حيث هي جمل وأجناس، وذكر الطبري: أن بعض البصريين نظر قوله تعالى: {وإلى الله} فأظهر الاسم، ولم يقل إليه بقول الشاعر: شعر : لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ نَغَّصَ الموتُ ذا الغنى والْفَقيرا تفسير : وما جرى مجراه، وقاله الزجّاج، وحكي أن العرب تفعل ذلك إرادة تفخيم الكلام والتنبيه على عظم المعنى. قال القاضي أبو محمد: والآية تشبه البيت في قصد فخامة النظم، وتفارقه من حيث الآية جملتان مفترقتان في المعنى، فلو تكررت جمل كثيرة على هذا الحد لحسن فيها كلها إظهار الاسم، وليس التعرض بالضمير في ذلك بعرف، وأما البيت وما أشبهه فالضمير فيه هو العرف، إذ الكلام في معنى واحد، ولا يجوز إظهار الاسم إلا في المعاني الفخمة في النفوس من التي يؤمن فيها اللبس على السامع، وقرأ بعض السبعة، "تَرجع الأمور" بفتح التاء على بناء الفعل للفاعل، وقد تقدم ذكر ذلك. واختلف المتأولون في معنى قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} فقال عمر بن الخطاب: هذه لأولنا، ولا تكون لآخرنا وقال عكرمة: نزلت في ابن مسعود وسالم ومولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل. قال القاضي أبو محمد: يريد من شاكلهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. قال القاضي: فهذا كله قول واحد، مقتضاه أن الآية نزلت في الصحابة، قيل لهم {كنتم خير أمة}، فالإشارة بقوله {أمة} إلى أمة محمد معينة، فإن هؤلاء هم خيرها، وقال الحسن بن أبي الحسن وجماعة من أهل العلم: معنى الآية، خطاب الأمة بأنهم {خير أمة أخرجت للناس}، فلفظ {أمة}، على هذا التأويل اسم جنس كأنه قيل لهم كنتم خير الأمم، ويؤيد هذا التأويل كونهم شهداء على الناس، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : نحن الآخرون السابقون تفسير : الحديث. وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً وهو مسند ظهره إلى الكعبة، حديث : نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها تفسير : قال مجاهد: معنى الآية "كنتم خير الناس" - وقال الحسن: نحن آخرها وأكرمها على الله تعالى، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: معنى الآية كنتم للناس خير الناس. قال القاضي أبو محمد: {فأمة} على هذا التأويل، اسم جنس، قال أبو هريرة: يجيئون بالكفار في السلاسل فيدخلونهم في الإسلام. قال القاضي: ولم يبعث نبي إلى الأمم كافة إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو وأمته يدعون إلى الإيمان ويقاتلون العالم عليه، فهم خير الناس للناس، وليس يلزم على هذا التأويل أنها أفضل الأمم من نفس لفظ الآية، لكن يعلم هذا من لفظ آخر، وهي كقوله صلى الله عليه وسلم: أرأف أمتي بأمتي أبو بكر، فليس يقتضي هذا اللفظ أن أبا بكر أرأف الناس على الإطلاق، في مؤمن وكافر. قال القاضي: والرأفة على الإطلاق ليست بجارية مع الشرع كما يجب، وأما قوله، {كنتم} على صيغة المضي، فإنها التي بمعنى الدوام، كما قال: {أية : وكان الله غفوراً رحيماً} تفسير : [النساء: 96- 99- 100- 152، الفرقان: 70، الأحزاب: 5- 50- 59- 73، الفتح: 14]، إلى غير هذا من الأمثلة، وقال قوم: المعنى كنتم في علم الله، وقيل: في اللوح المحفوظ، وقيل فيما أخبر به الأمم قديماً عنكم و {خير} على هذه الأقوال كلها خبر كان، ويحتمل أن تكون كان التامة، ويكون {خير أمة} نصباً على الحال، وهذا يتجه على بعض التأويلات التي ذكرناها دون بعض. قال القاضي : وهذه الخيرية التي فرضها الله لهذه الأمة إنما يأخذ بحظه منها من عمل هذه الشروط من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وقوله: {تأمرون بالمعروف} وما بعده، أحوال في موضع نصب، ثم أخبر تعالى عن أهل الكتاب على جهة التوبيخ المقرون بالنصح، أنهم لو آمنوا لنحّوا أنفسهم من عذاب الله، وجاءت لفظة {خير} في هذه الآية وهي صيغة تفضيل، ولا مشاركة بين كفرهم وإيمانهم في الخير، وإنما جاز ذلك لما في لفظة {خير} من الشياع وتشعب الوجوه، وكذلك هي لفظة أفضل وأحب وما جرى مجراها، وقد بيّن هذا المعنى في غير هذا الموضع بأوعب من هذا، وقوله تعالى: {منهم المؤمنون} تنبيه على حال عبد الله بن سلام وأخيه وثعلبة بن سعية وغيرهم ممن آمن، ثم حكم الله على أكثرهم بالفسق في كفره لأنهم حرفوا وبدلوا وعاندوا بعد معرفتهم بحقيقة أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فهم كفار فسقة في الكفر قد جمعوا المذمتين.

ابن عادل

تفسير : قوله: "تلْكَ" مبتدأ، {آيَاتُ ٱللَّهِ} خبره، و "نَتْلُوهَا" جملة حالية. وقيل: {آيَاتُ ٱللَّهِ} بدل من "تِلْكَ"، و "نَتْلُوها" جملة واقعة خبر المتبدأ، و "بِالحَقِّ" حال من فاعل "نتلُوهَا"، أو مفعولة، وهي حال مؤكدة؛ لأنه - تعالى - لا ينزلها إلا على هذه الصفة. وقال الزَّجَّاج: "في الكلام حذف، تقديره: تلك آيات القرآن حُجَجُ الله ودلائله". قال أبو حيان: فعلى هذا الذي قدَّره يكون خبر المبتدأ محذوفاً؛ لأنه عنده بهذا التقدير يتم معنى الآية، وهذا التقدير لا حاجة إليه؛ [إذ الكلام مُسْتَغْنٍ عنه، تامٌّ بنفسه]. والإشارة بـ "تِلْكَ" إلى الآيات المتقدمة المتضمنة تعذيب الكفار، وتنعيم الأبرار، وإنما جاز إقامة "تلك" مقام هذه؛ لأن هذه الآيات المذكورة قد انقضت بعد الذكر، فصارت كأنها بعدت، فقيل فيها: "تلك". وقيل: لأن الله - تعالى - وعده أن يُنزل عليه كتاباً مشتملاً على ما لا بدّ منه في الدين، فلما أنزل هذه الآيات قال: تلك الآيات الموعودة هي التي نتلوها عليك. وقرأ العامة "نَتْلُوها" - بنون العظمة - وفيه التفات من الغيبة إلى التكلَّم. وقرأ أبو نُهَيْك: "يتلوها" بالياء - من تحت - وفيه احتمالان: أحدهما: أن يكون الفاعل ضمير الباري - تعالى - لتقدُّم ذكره في قوله: {آيَاتُ ٱللَّهِ} ولا التفات في هذا التقدير، بخلاف قراءة العامة. الثاني: أن يكون الفاعل ضمير جبريل. قوله: {بِٱلْحَقِّ} فيه وجهان: لأول: ملتبسة بالحق والعدل من جزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه. الثاني: بالحق، أي: بالمعنى الحق؛ لأن معنى المتلُوِّ حَقّ. قوله: {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} اللام - في "لِلْعَالَمِينَ" - زائدة - لا تعلُّق لها بشيء، زيدت في مفعول المصدر وهو ظلم والفاعل محذوف، وهو - في التقدير - ضمير الباري، والتقدير: وما الله يريد أن يظلم العالمين، فزيدت اللام، تقوية للعامل؛ لكونه فرعاً، كقوله: {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} تفسير : [البروج: 16]. فصل وقيل: معنى الكلام: وما الله يريد ظلم العالمين بعضهم لبعض، ورُدَّ هذا بأنه لو كان المراد هذا لكان التركيب بـ "من" أولى منه باللام، فكان يقال: ظلماً من العالمين، فهذا معنى ينبو عنه اللفظ. ونكر "ظلماً"؛ لأنه في سياق النفي، فهو يعم كل أنواع الظلم، وحسن ذكر الظلم - هنا -، لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة، وهو تعالى أكرم الأكرمين، فكأنه - تعالى يعتذر عن ذلك، فقال: إنهم إنما وقعوا في هذا العذاب بسبب أفعالهم. فصل قال الجبائي: هذه الآية تدل على أنه - تعالى - لا يريد شيئاً من القبائح، لا من أفعاله، ولا من أفعال عباده, ولا يفعل شيئاً من ذلك، لأن الظلم إما أن يُفْرَض صدوره من الله - تعالى - أو من العبد، وصدوره من العبد إما أن يظلم العبد نفسه بعصيانه - أو يظلم غيره، فهذه الأقسام الثلاثة هي أقسام الظلم، وقوله: {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} نكرة في سياق النفي، فوجب ألا يريد شيئاً يكون ظلماً، سواء كان منه أو من غيره، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يفعل الظلم أصلاً - ويلزم منه أن يكون فاعلاً لأعمال العباد؛ لأن من جملة أعمالهم ظلمهم لأنفسهم، وظلم بعضهم لبعض، فثبت بهذه الآية أنه - تعالى - غير فاعل للظلم، وغير فاعل لأعمال العباد، وغير مريد للقبائح من أفعال العباد، قالوا: ويؤيده قوله - بعد ذلك -: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [آل عمران: 109] وإنما ذكر هذه الآية - عقيب ما تقدم - لوجهين: الأول: نه لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح، استدل عليه بأن فاعل القبيح، إنما يفعل القبيح إما للجهل، أو للعجز، أو للحاجة، وكل ذلك - على الله - محال؛ لأنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض وهذه المالكية تنافي العَجْزَ والجَهْلَ والحاجة، فامتنع كونه فاعلاً للقبيح. الثاني: أنه لما ذكر أنه لا يريد الظلم بوجهٍ من الوجوه، كان لقائل أن يقولَ: إنا نشاهد وجودَ الظلم في العالم، فإذا لم يكن وقوعه بإرادة الله - تعالى - كان على خلاف إرادته، فيلزم منه كونه ضعيفاً عاجزاً مغلوباً، وذلك محال. فأجاب الله - تعالى - بقوله: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي: أنه تعالى قادر على أن يمنع الظلم عن الظالم - على سبيل الإلجاء والقَهْر - وإذا كان قادراً على ذلك لا يكون عاجزاً، ضعيفاً؛ إلا أنه - تعالى - أراد منهم ترك المعصية - اختياراً - ليستحقوا الثواب، فلو قهرهم على الترك لبطلت هذه الفائدة. وأجيب بأن المراد من الآية أنه - تعالى - لا يريد أن يظلم أحداً من عباده. وقوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} يدل على كونه خالقاً لأفعالِ العبادِ؛ لأن أفعالَ العبادِ من جملة ما في السموات وما في الأرض. وأجاب الجبائي: بأن قوله: "ولله" إضافة ملك، لا إضافة فعل، ألا ترى أنه يقال: هذا البناء لفلان. ويريدون أنه مملوكه، لا أنه مفعوله، وأيضاً فالمقصود من الآية تعظيم الله - تعالى - لنفسه، وتَمدُّحه لإلهية نفسه، ولا يجوز أن يتمدح بأن ينسب إلى نفسه الأفعال القبيحة، وأيضاً فقوله: {مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}، إنما يتناول ما كان مظروفاً في السموات والأرض، وذلك من صفات الأجسام، لا مِنْ صفات الأفعال التي هي أعراض. وأجيب بأن هذه إضافة الفعل؛ لأن القادر على الحَسَن والقبيح، لا يرجح الحَسَن على القبيح إذا حصل في قلبه ما يدعوه إلى الفعل الحَسَن، وتلك الداعية حاصلة بتخليق الله - تعالى - دَفْعاً للتسلسل، ولمَّا كان المؤثِّر في حصول فعل العبد هي مجموع القدرة والداعية بخلق الله - تعالى - ثبت أن فعل العبد مخلوق لله تعالى. وقوله: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} المراد منه رجوع الخلق إلى حُكمه وقضائه، لا لحكم غيره.

القشيري

تفسير : نُدِيمُ مخاطبتنا معك على دوام الأوقات في كل قليل وكثير، عمارة لسبيل الوداد: {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} وأنَّى يجوز الظلم في وصفه تقديراً ووجوداً - والخلق كلُّهم خَلْقُه - والحكمُ عليهم حُكْمُه؟ {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} حُكماً.

اسماعيل حقي

تفسير : {تلك} اشارة الى الآيات المشتملة على تنعيم الابرار وتعذيب الكفار وهو مبتدأ {آيات الله} خبره {نتلوها} جملة حالية من الآيات {عليك} اى نقرأها عليك يا محمد بواسطة جبريل {بالحق} حال مؤكدة من فاعل نتلوها او من مفعوله اى ملتبسين او ملتبسة بالحق والعدل ليس فى حكمها شائبة جور بنقص ثواب المحسن او بزيادة عقاب المسيئ او بالعقاب من غير جرم بل كل ذلك موفى لهم حسب استحقاقهم باعمالهم بموجب الوعد والوعيد {وما الله يريد ظلما} اى شيأ من الظلم {للعالمين} لاحد من خلقه كيف والظلم تصرف فى ملك الغير وهو تعالى انما يتصرف فى ملك نفسه او انه وضع الشىء فى غير موضعه وذلك قد يكون بمنع حق المستحق منه وقد يكون بفعل ما منع منه ولا ينبغى له ان يفعله وكل ذلك لا يتصور فى حقه تعالى فيستحيل تصور الظلم من الله فانه لا حق لاحد فيظلم بمنعه ولا يمنع عن شىء فيظلم بفعله بل هو المالك على الاطلاق وافعاله محض حكمة وعدل.

الطوسي

تفسير : المعنى: قال الفراء معنى {تلك آيات الله نتلوها عليك} أي مواعظه وحججه ومعنى {نتلوها} أي نقرأها عليك. والفرق بين تلك، وهذه أن تلك إشارة إلى ما هو بعيد فجازت الاشارة بها إليه لانقضاء الآية وصلح هذه لقربها في التلاوة، ولو كانت بعيدة لم يصلح أحدهما مكان الآخر. وانما قال {آيات الله نتلوها عليك بالحق} فقيده {بالحق}، لأنه لما حقق الوعيد بأنه واقع لا محالة نفى عنه حال الظلم كعادة أهل الخير، ليكون الانسان على بصيرة في سلوك الضلالة مع الهلاك أو الهدى مع النجاة، ومعنى {نتلوها عليك بالحق} أي معاملتي حق، ويحتمل أن يكون المراد {نتلوها} المعنى الحق، لأن معنى التلاوة حق من حيث يتعلق معتقدها بالشيء على ما هو به. اللغة، والمعنى: والفرق بين تلوت عليه، وتلوت لديه أن عليه يدل على إقرار التلاوة، لأن معنى عليه استعلاء الشيء، فهي تنبىء عن استعلائه بالظهور للنفس، كما يظهر لها بعلو الصوت وليس كذلك لديه، لأن معناه عنده. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة: أن الله تعالى يريد الظلم، لأنه لو أراد ظلم بعضهم لبعض، لكان قد أراد ظلمهم وكذلك لو أراد ظلم الانسان لغيره، لجاز أن يريد أن يظلمه هو، لأنه لا فرق بينها في القبح، ويدل أيضاً على أنه لا يفعل ظلمهم، لأنه لا يفعل ما لا يريده. وقوله: {وما الله يريد ظلماً للعالمين} فيه نفي لأرادة ظلمهم على كل حال بخلاف ما يقولونه.

الجنابذي

تفسير : {تِلْكَ} المذكورات من كون البيت اوّل بيت وضع للنّاس الى انجرار التفرّق فى الاعتصام والاختلاف الى اسوداد الوجوه وظهور الظّلمة من الباطن فى الظّاهر والى دخول العذاب وانجرار الاجتماع فى الاعتصام بحبل الله وولىّ الامر الى ابيضاض الوجوه ودخول الرّحمة {آيَاتُ ٱللَّهِ} الدّالّة على حقّيّته ومجازاته على الاعمال {نَتْلُوهَا} فى الآيات التّدوينيّة {عَلَيْكَ} او تلك الآيات المقروءة آيات كتاب الله نتلوها عليك {بِٱلْحَقِّ} متلبّسة بالحقّ او بواسطة الحقّ المخلوق به {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} باسوداد الوجوه وذوق العذاب بل هو نتيجة أعمالهم المنجرّة اليهم، ولمّا كان تقديم الفاعل وادخال النّفى عليه مفيداً لنفى الفعل عن الفاعل مع اثباته لغيره فهو فى قوّة ان يقال: ولكنّهم يريدون الظّلم للعالمين.

اطفيش

تفسير : {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ}: أى هؤلاء الآيات المذكورة فى الوعد والوعيد آيات الله، فتلك مبتدأ، وآيات خبر، أو جملة قوله: {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ}: حال من آيات، أو تلك مبتدأ، وآيات بدل، ونتلوها خبر، وبالحق: متعلق بمحذوف حال من المستكن فى نتلوا، ومن "ها" ملتبسين بالحق، أو ملتبسة بالحق، وهو إثابة المحسن وعقاب المسىء، وهو حال مؤكد لأنه لا ينزلها إلا بالحق، وقيل: الإشارة إلى آيات القرآن كلها، ما نزل وما ينزل وذلك أن الله وعده، أن ينزل عليه كتاباً مشتملا على ما لا بد منه، وقيل: إلى ما نزل، والحق على القولين مطلق الصواب الذى أنزل الله. {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِين}: أى لا يؤاخذهم بلا جرم منهم ولا أكثر مما استوجبوا، أو لا ينقص من ثواب المحسن، فلو كان يؤاخذهم بلا جرم لكان ظلماً، تعالى الله عنه، وكذا لو كان يؤاخذهم أكثر مما استوجبوا، أو كان ينقص من ثواب المحسن، فإنما وقع الذين ابيضت وجوههم والذين اسودت وجوههم، فيما نالهم، وأقوالهم، واعتقادهم، وأكد الله نفى الظلم عنه تعالى، بنفى إرادته، وتنكير ظلماً، أى ظلما ما لأحد من العالمين ما، والعالمين مفعول ظلماً، فقوى ظلماً على العمل باللام الجارة والله، جل وعلا، مريد للكائنات القبائح والحسنات، فلا يعصى إلا بإرادته، بمعنى أنه عالم بمعصية العاصى قبل وجودها وبعده، ومقدر لها ولم يعصه عاص قهراً من العاصى، وعليه فسبحان من يحلم عن الزمخشرى: وأضرابه النافين عنه إرادة ما يكون من القبائح، كالمعاصى فيلزم أن يكون الله مغلوباً، وأن تقع الأشياء فى ملكه بلا قضاء منه، وقدر، وليست بارادته تعالى، حبا للمعصية، ولا رضى بها، كما توهم، وليس المدح بنفى الشىء مستلزماً لإمكانه، فقد مدح الله نفسه، بأنه لا يريد ظلماً، وإرادة الظلم مستحيلة عنه، كما مدح نفسه بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وبأنه يطعم ولا يطعم، مع الذم إمكانها له تعالى، ووجه آخر فى نفى الظلم فى الآية، أن الظلم إنما يتصف به من كان مقهوراً تحت حسن جدله جدا يكون بالقصور عنه، أو بمجاوزة ظالما، لأنه لا يملك ذلك الأمر بخلاف الله، جل وعلا، فإنه لا حكم عليه، ولا قاهر، ولا شىء خارج عن ملكه تعالى، كما قال: {وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ}.

اطفيش

تفسير : {تِلْكَ ءَايآتُ اللهِ نَتْلوهُا عَلَيْكَ} يا محمد بواسطة جبريل، كقوله تعالى {سنقرئك}، وفى إسناد التلاوة إليه تعالى مع التكلم مبالغة فى تعظيم الآيات المتلوة وتعظيم المتلو عليه صلى الله عليه وسلم، ولا داعى إلى الإعراض عن جعل آيات خبراً إلى جعله بدلا، فنتلوها حال من آيات {بِالحَقِّ} لا شبهة فيها {وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لَّلْعَالَمِينَ} لا يريد أن يظلمهم بعقاب ما لم يفعلوا، فضلا عن أن يوقع ظلمهم، ولو ظلموا أنفسهم، وظلم بعض بعضاً، فتعذيبه الكفرة بالنار عمل بأفعالهم، لا ظلم وذلك أوى من أن تحمل الإرادة على مبينها، ولا رمها البيان وهو الظلم.

الالوسي

تفسير : {تِلْكَ } أي التي مرّ ذكرها وعظم قدرها {ءايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } أي نقرؤها شيئاً فشيئاً، وإسناد ذلك إليه تعالى مجاز إذ التالي جبريل عليه السلام بأمره سبحانه وتعالى وفي عدوله عن الحقيقة مع الالتفات إلى التكلم بنون العظمة ما لا يخفى من العناية بالتلاوة والمتلو عليه، والجملة الفعلية في موضع الحال من الآيات والعامل فيها معنى الإشارة. وجوز أن تكون في موضع الخبر لتلك، و {ءايَـٰتُ } بدل منه، وقرىء {يتلوها} على صيغة الغيبة. { بِٱلْحَقّ } أي متلبسة أو متلبسين بالصدق أو بالعدل في جميع ما دلت عليه تلك الآيات ونطقت به فالظرف في موضع الحال المؤكدة من الفاعل أو المفعول. {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ } بأن يحلهم من العقاب / ما لا يستحقونه عدلاً أو ينقصهم من الثواب عما استحقوه فضلاً، والجملة مقررة لمضمون ما قبلها على أتم وجه حيث نكر {ظُلْماً } ووجه النفي إلى إرادته بصيغة المضارع المفيد بمعونة المقام دوام الانتفاء، وعلق الحكم بآحاد الجمع المعرف والتفت إلى الاسم الجليل؛ والظلم وضع الشيء في غير موضعه اللائق به أو ترك الواجب وهو يستحيل عليه تعالى للأدلة القائمة على ذلك ونفي الشيء لا يقتضي إمكانه فقد ينفى المستحيل كما في قوله تعالى: {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }تفسير : [الإخلاص: 3]، وقيل: الظاهر أن المراد أن الله لا يريد ما هو ظلم من العباد فيما بينهم لا أن كل ما يفعل ليس ظلماً منه لأن المقام مقام بيان أنه لا يضيع أجر المحسنين ولا يهمل الكافر ويجازيه بكفره، ولو كان المراد أن كل ما يفعل ليس ظلماً لا يستفاد هذا، وفيه ما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : تذييلات، والإشارة في قوله {تلك} إلى ائفة من آيات القرآن السابقة من هذه السورة كما اقتضاه قوله {نتلوها عليك بالحق}. والتلاوة اسم لحكاية كلام لإرادة تبليغه بلفظه وهي كالقراءة إلاّ أن القراءة تختصّ بحكاية كلام مكتوب فيتّجه أن تكون الطائفة المقصودة بالإشارة هي الآيات المبدوءة بقوله تعالى {أية : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم}تفسير : [آل عمران: 59] إلى هنا لأن ما قبله ختم بتذييل قريب من هذا التذييل، وهو قوله {أية : ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم}تفسير : [آل عمران: 58] فيكون كل تذييل مستقلاً بطائفة الجمل الَّتي وقع هو عقبها. وخصّت هذه الطائفة من القرآن بالإشارة لما فيها من الدلائل المثبتة صحة عقيدة الإسلام، والمبطلة لدعاوي الفرق الثلاث من اليهود والنَّصارى والمشركين، مثل قوله {أية : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم}تفسير : [آل عمران: 59] وقوله {أية : ومَا من إله إلاّ إله واحد}تفسير : [المائدة: 74] الآية. وقوله {أية : فلِمَ تُحاجّون فيما ليس لكم به علم}تفسير : [آل عمران: 66] الآية. وقوله {أية : إنّ أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه}تفسير : [آل عمران: 68] الآية. وقوله {أية : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة}تفسير : [آل عمران: 79] الآية. وقوله {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين}تفسير : [آل عمران: 81] الآية. وقوله {أية : فأتوا بالتَّوراة فاتلوها}تفسير : [آل عمران: 93] وقوله {أية : إنّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً}تفسير : [آل عمران: 96]، وما تخلّل ذلك من أمثال ومواعظ وشواهد. والباء في قوله {بالحق} للملابسة، وهي ملابسة الإخبار للمخبَر عنه، أي لما في نفس الأمر والواقع، فهذه الآيات بيّنت عقائد أهل الكتاب وفصّلت أحوالهم في الدنيا والآخرة. ومن الحقّ استحقاق كلا الفريقين لما عومل به عدلاً من الله، ولذا قال {وما الله يريد ظلماً للعالمين} أي لا يريد أن يظلم النَّاس ولو شاء ذلك لفعله، لكنَّه وعَد بأن لا يظلم أحداً فحقّ وعدُه، وليس في الآية دليل للمعتزلة على استحالة إرادة الله تعالى الظلم إذ لا خلاف بيننا وبين المعتزلة في انتفاء وقوعه، وإنَّما الخلاف في جواز ذلك واستحالته. وجيء بالمسند فعلاً لإفادة تقوي الحكم، وهو انتفاء إرادة ظلم العالمين عن الله تعالى، وتنكير (ظلماً) في سياق النَّفي يدلّ على انتفاء جنس الظلم عن أن تتعلّق به إرادة الله، فكلّ ما يعدّ ظلماً في مجال العقول السليمة منتف أن يكون مراد الله تعالى. وقوله {أية : ولله ما في السماوات وما في الأرض}تفسير : [البقرة: 284] عطف على التذييل: لأنَّه إذا كان له ما في السموات وما في الأرض فهو يريد صلاح حالهم، ولا حاجة له بإضرارهم إلا للجزاء على أفعالهم. فلا يريد ظلمهم، وإليه ترجع الأشياء كُلّها فلا يفوته ثواب محسن ولا جزاء مسيء. وتكرير اسم الجلالة ثلاث مرات في الجمل الثلاث التي بعد الأولى بدون إضمار للقصد إلى أن تكون كلّ جملة مستقلّة الدلالة بنفسها، غير متوقّفة على غيرها، حتَّى تصلح لأن يتمثّل بها، وتستحضرها النُّفوس وتحفظها الأسماع.

القطان

تفسير : تلك الآيات الواردة بجزاء المحسن ومجازاة المسيء انما هي من عند الله نتلوها عليك يا محّمد مقررة للحق والعدل. والله لا يريد ظلماً لأحد من الناس أجمعين، فهو مالك العباد والمتصرف في شئونهم بحسب سنّته الحكيمة التي لا تتغير ولا تتبدل، وإليه مصيرهم أجمعين. والظلم الوارد هنا والذي ينفيه تعالى عن نفسه هو ما ينافي مصلحة العباد من حاجتهم الى العدالة.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتُ} {لِّلْعَالَمِينَ} (108) - وَهَذِهِ آيَاتُ اللهِ وَحُجَجُهُ وَبَيِّنَاتُهُ نَتْلُوهَا عَلَيك، يَا مُحَمَّدُ، مُقَرِّرَةً مَا هُوَ الحَقُّ الذِي لاَ مَجَالَ لِلشُّبْهَةِ فِيهِ (بِالحَقِّ)، لِتَعْرِفَ أَمْرَ الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ حَاكِمٌ عَادِلٌ لا يُرِيدُ ظُلْماً بِالعِبَادِ، لأنَّهُ قَادِرٌ قَاهِرٌ لاَ يَحْتَاجُ إلى ظُلْمِ مُخَالِفي أمْرِهِ. بِالحَقِّ - عَلَى الوَجْهِ الثَّابِتِ المُتَحَقِّقِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن آيات الله هي حججه وبراهينه وجزاءاته، فمن اسود وجهه يوم القيامة نال العذاب، ومن ابيض وجهه نال الرحمة وهو فيها خالد {تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} [آل عمران: 108]، فما الذي يجعل إنساناً لا يخبر بالحق؟ لابد أن هناك داعياً عند ذلك الإنسان، فلأنّ الحق يُتبعه، فهو يخبر بغير الحق. لكن هل هناك ما يتعب الخالق؟ لا؛ فسبحانه وتعالى منزه عن ذلك وعن كل نقص أو عيب إذن فلابد ألاَّ يقول إلا الحق، فلا شيء خارج عن ملكه بعد ذلك يقول سبحانه: {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108]. إنه سبحانه ينفي الظلم عن نفسه كما قال: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}تفسير : [فصلت: 46]. والحق لا يريد الظلم على إطلاقه, من نفسه ومنكم أنتم أيها العباد. وكيف يأتي الظلم؟ إن مظاهر الظلم هي - كما نعرف - أن تأخذ إنساناً بغير جرم .. هذا ظلم، أو أن تعاقب إنساناً فوق الجرم .. هذا ظلم. أو ألا تعطي إنسانا مستوى إحسانه .. هذا ظلم. وماذا يفعل من يقوم بالظلم؟ إنه يريد أن يعود الأمر بالنفع له، فإن كان يريد أَخْذَ إنسانٍ بغير جرم فهو يفعل ذلك ليروي حقداً وغلا في نفسه، وقد يلفق لإنسان جرماً؛ لأنه يرى أن هذا الإنسان قد يهدده في أي مصلحة من المصالح، وهو يعلم انحرافه فيها، فيعتقله مثلاً، أو يضعه في السجن حتى لا يفضحه. إذن لا يمكن أن يذهب إنسان عن الحق إلى الظلم إلا وهو يريد أن يحقق منفعة أو يدفع عن نفسه ضرراً، والله لن يحقق لذاته منفعة بظلم، أو يدفع ضرراً يقع من خلقه عليه؛ إنه منزه عن ذلك؛ فهو القاهر فوق عباده. والحديث القدسي يقول: "حديث : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي. وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ". تفسير : والظالم من البشر جاهل. لماذا؟ لأنه قَوَّى الذي ظلمه، ولم يضعفه، فالظالم يظلم ليضعف المظلوم أمامه، فنقول له: أنت غبي، قليل الذكاء؛ لأنك قويته على نفسك وفعلت عكس ما تريد. ولنوضحْ ذلك - ولله المثل الأعلى - نحن جميعاً عيال الله، سننتقل إلى دائرة حياتنا اليومية ونرى عيالنا، إن الواحد منا عندما يكون له أولاد، وجاء ولد من الأولاد وظلم أخاه فَقَلْبُ الوالد يكون مع المظلوم، ويحاول الوالد أن يترضّى ابنه المظلوم. إذن فالولد الظالم ضر أخاه ضرراً يناسب طفولته، ولكنه أعطاه نفعا يناسب قوة والده، إنه يجهل حقيقة تقويته لأخيه. وما دمنا جميعاً عيال الله فماذا يفعل الله حين يرى سبحانه واحداً من خلقه يظلم آخر من خلقه؟ لابد أن الحق سيشمل المظلوم برعايته، وهكذا يقوى الظالم المظلوم، والظالم بذلك يعلن عن غبائه، فلو كان ذكياً، لم ظلم، ولضنّ على عدوه أن يظلمه، ولقال: إنه لا يستأهل أن أظلمه؛ لأنه عن طريق ظلمي له سيعطيه الله مكافأة كبرى، وهي أن يجعله في كنفه ورعايته مباشرة. وقد نجد واحداً يظلم من أجل نفع عاجل، وينسى هذا الإنسان أنه لن يشرد أبداً ممن خلقه. ونقول لمثل هذا الإنسان: أنت لن تشرد ممن خلقك، ولكنك شردت من المخلوق وداريت نفسك، وحاولت أن تحقق النفع العاجل لنفسك، لكن الخالق قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم. وكأن الحق سبحانه يطمئننا بأن ننام ملء جفوننا لأنه سبحانه لا تأخذه سنة ولا نوم. {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108] لأن الظلم لا ينشأ إلا عن إرادة نفعية بغير حق، أو إرادة الضرر بغير جرم، والله غني عن ذلك، ولذلك نجد الحق يؤكد غناه عن الخلق وأنه مالك للكون كله فيقول: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ...}.