٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
109
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} فيجازي كلا بما وعد له وأوعد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَْضِ } ملكاً وخلقاً وعبيداً {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ } تصير {ٱلأُمُورُ }.
الخازن
تفسير : {ولله ما في السموات وما في الأرض} لما ذكر الله أنه لا يريد ظلماً للعالمين لأنه لا حاجة به إلى الظلم، وذلك أن الظالم إنما يظلم غيره ليزداد مالاً أو عزاً أو سلطاناً أو يتم نقصاً فيه بما يظلم به غيره ولما كان الله عز وجل مستغنياً عن ذلك، وله صفة الكمال أخبر أن له ما في السموات وما في الأرض وأن جميع ما فيها ملكه وأهلها عبيده، وإذا كان كذلك يستحيل في حقه سبحانه وتعالى أن يظلم أحداً من خلقه لأنهم عبيده، وفي قبضته ثم قال: {وإلى الله ترجع الأمور} يعني وإليه مصير جميع الخلائق المؤمن والكافر والطائع والعاصي فيجازي الكل على قدر استحقاقهم ولا يظلم أحداً منهم. قوله عز وجل: {كنتم خير أمة} سبب نزول هذه الآية أن مالك بن الصيف ووهب بن يهودا اليهوديين قالا لعبدالله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة: نحن أفضل منكم وديننا خير من دينكم الذي تدعوننا إليه فأنزل الله هذه الآية واختلف في لفظة كان فقيل هي بمعنى الحدوث والوقوع والمعنى حدثتم ووجدتم وخلقتم خير أمة وقيل كان هنا ناقصة وهي عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض ولا تدل على انقطاع طارئ بدليل قوله: {وكان الله غفوراً رحيماً} فعلى هذا التقدير يكون المعنى: كنتم في علم الله خير أمة وقيل كنتم مذكورين في الأمم الماضية بأنكم خير أمة، وقيل كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة وقيل معناه كنتم منذ آمنتم خير أمة وقيل قوله خير أمة تابع لقوله: {فأما الذين ابيضّت وجوههم} والتقدير أنه يقال لهم عند دخول الجنة: كنتم في دنياكم خير أمة فلهذا استحققتم ما أنتم فيه من بياض الوجوه والنعيم المقيم، وقيل كنتم بمعنى أنتم وقيل يحتمل أن يكون كان بمعنى صار فمعنى قوله كنتم أي صرتم خير أمة. فـأما المخاطبون بهذا من هم ففيه خلاف قال ابن عباس في قوله كنتم خير أمة هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى ابن جرير عن عمر بن الخطاب قال لو شاء الله تعالى لقال: أنتم فكنا كلنا ولكن في خاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صنع مثل ما صنعتم كانوا خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وقال الضحاك: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني به كانوا هم الرواة الدعاة الذين أمر الله عز وجل المسلمين باتباعهم وطاعتهم. (ق) عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ثم إن بعدهم قوماً يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن" تفسير : زاد في رواية: "حديث : ويحلفون ولا يستحلفون"تفسير : . (ق) عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" تفسير : قوله: "حديث : خير الناس قرني" تفسير : يعني أصحابي القرن أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران فكأنه الزمان الزمان الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، وقيل القرن أربعون سنة وقيل ثمانون وقيل مائة. (ق) عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تسبوا أصحابي فلو أن أحداً أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" تفسير : النصيف النصف. وقال ابن عباس في رواية عطاء في قوله: كنتم خير أمة هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال الزّجاج قوله كنتم خير أمة الخطاب فيه مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عام في كل أمة ونظيره قوله: "كتب عليكم الصيام، كتب عليكم القصاص" فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ، ولكنه عام في حق الكل كذا ههنا عن "حديث : بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال أنتم الأمة تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وأصل الأمة الجماعة المجتمعة على الشيء. وأمة محمد صلى الله عليه وسلم هم الجماعة الموصوفين بالإيمان بالله عز وجل وبمحمد صلى الله عليه وسلم (خ) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" تفسير : عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله لا يجمع أمتي او قال أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة ويد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار" تفسير : أخرجه الترمذي عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أمتي أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل" تفسير : أخرجه أبو داود عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل أمتي كمثل المطر لا يدري آخره خير أم أوله"تفسير : أخرجه الترمذي وله عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم" تفسير : وله عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : باب أمتي الذي يدخلون منه الجنة عرضه مسيرة الراكب المسرع المجد ثلاثاً ثم إنهم يتضاغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول" تفسير : قال الترمذي سألت محمداً يعني البخاري عن هذا الحديث فلم يعرفه وقال لخالد بن أبي بكر مناكير عن سالم بن عبدالله زاد غيره في الحديث وهم شركاء الناس في سائر الأبواب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أمتي من يشفع في الفئام من الناس ومنهم من يشفع في القبيلة ومنهم من يشفع للعصبة من يشفع للواحد" تفسير : أخرجه الترمذي (خ) عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً أو سبعمائة ألف سماطين متماسكين آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر" تفسير : عن أبي أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب ومع كل ألف سبعون ألفاً وثلاث حثيات من حثيات ربي" تفسير : أخرجه الترمذي. وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي" تفسير : وقوله تعالى: {أخرجت للناس} معناه كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار ومعنى أخرجت أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وقيل معناه كنتم للناس خير أمة أخرجت (خ) عن أبي هريرة قال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام، وقيل: أخرجت صلة والتقدير كنتم خير أمة للناس وقيل معناه ما أخرج للناس أمة خير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} هذا كلام مستأنف والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية وكونهم خير أمة كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم. والمعروف هو التوحيد، والمنكر هو الشرك، المعنى تأمرون الناس بقول لا إله إلا الله وتنهونهم عن الشرك {وتؤمنون بالله} أي وتصدقون بالله وتخلصون له التوحيد والعبادة. فإن قلت لم قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الذكر مع أن الإيمان يلزم أن يكون مقدماً على كل الطاعات والعبادات؟. قلت الإيمان بالله أمر يشترك فيه جميع الأمم المؤمنة وإنما فضلت هذه الأمة الإسلامية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سائر الأمم، وإذا كان كذلك كان المؤثر في هذه الخيرية هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما الإيمان بالله فهو شرط في هذا الحكم لأنه ما لم يوجد الإيمان لم يضر شيء من الطاعات مقبولاً فثبت أن الموجب لهذه الخيرية لهذه الأمة هو كونهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، فلهذا السبب حسن تقديم ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ذكر الإيمان وقوله تعالى: {ولو آمن أهل الكتاب} يعني ولو آمن اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالدين الذي جاء به {لكان خيراً لهم} يعني مما هم عليه من اليهودية والنصرانية وإنما حملهم على ذلك حب الرياسة واستتباع العوام ولو أنهم آمنوا لحصلت لهم الرياسة في الدنيا، والثواب العظيم في الآخرة وهو دخول الجنة {منهم} يعني من أهل الكتاب {المؤمنون} يعني عبدالله بن سلام وأصحابه الذين أسلموا من اليهود والنجاشي وأصحابه الذين أسلموا من النصارى {وأكثرهم الفاسقون} أي المتمردون في الكفر، وقيل إن الكافر قد يكون عدلاً في دينه وهؤلاء مع كفرهم فاسقون.
ابو السعود
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي له تعالى وحده من غير شِرْكةٍ أصلاً، ما فيهما من المخلوقات الفائتةِ للحصر مُلكاً وخلقاً إحياءً وإماتةً وإثابةً وتعذيباً، وإيرادُ كلمةِ {مَا} إما لتغليب غيرِ العقلاءِ وإما لتنزيلهم منزلةَ غيرِهم إظهاراً لحقارتهم في مقام بـيانِ عظمتِه تعالى {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ} أي إلى حُكمه وقضائِه لا إلى غيره شِرْكةً أو استقلالاً {تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي أمورُهم فيجازي كلاً منهم بما وَعد له وأوعده من غير دخلٍ في ذلك لأحد قطُّ. فالجملةُ مقررةٌ لمضمون ما ورد في جزاء الفريقين، وقيل: هي معطوفةٌ على ما قبلها مقرّرةٌ لمضمونه فإن كونَ العالمين عبـيدَه تعالى ومخلوقَه ومرزوقَه يستدعي إرادةَ الخير بهم. {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} كلامٌ مستأنفٌ سيق لتثبـيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق والدعوةِ إلى الخير، وكنتم من كان الناقصةِ التي تدل على تحقق شيءٍ بصفة في الزمان الماضي من غير دَلالةٍ على عدم سابقٍ أو لاحق كما في قوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } تفسير : [النساء، الآية 96. وفي غيرها] وقيل: كنتم كذلك في علم الله تعالى أو في اللوح أو فيما بـين الأمم السالفةِ، وقيل: معناه أنتم خيرُ أمة {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} صفةٌ لأمة واللام متعلقةٌ بأخرجت أي أظهِرَت لهم، وقيل: بخير أمةٍ أي كنتم خيرَ الناسِ للناس، فهو صريحٌ في أن الخيريةَ بمعنى النفعِ للناس وإن فُهم ذلك من الإخراج لهم أيضاً أي أخرجَتْ لأجلهم ومصلحتِهم، قال أبو هريرة رضي الله عنه: معناه كنتم خيرَ الناسِ للناس تأتون بهم في السلاسل فتُدخِلونهم في الإسلام. وقال قتادة: هم أمةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم لم يُؤمر نبـيٌّ قبله بالقتال فهم يقاتلون الكفارَ فيدخلونهم في الإسلام فهم خيرُ أمةٍ للناس. {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} استئنافٌ مبـينٌ لكونهم خيرَ أمة كما يقال: زيدٌ كريمٌ يطعم الناسَ ويكسوهم ويقوم بمصالحهم، أو خبرٌ ثانٍ لكنتم، وصيغةُ المستقبلِ للدِلالة على الاستمرار، وخطابُ المشافهةِ وإن كان خاصاً بمن شاهد الوحيَ من المؤمنين لكن حُكمَه عامٌ للكل. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أمةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم. وقال الزجاج: أصلُ هذا الخطابِ لأصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو يعمُّ سائرَ أمتِه. وروىٰ الترمذيُّ عن بَهْزِ بنِ حكيم عن أبـيه عن جده أنه سمع النبـي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران، الآية: 110]: «حديث : أنتم تُتِمّون سبعين أمةً أنتم خيرُها وأكرمُها على الله تعالى»تفسير : . وظاهرٌ أن المرادَ بكل أمةٍ أوائلُهم وأواخرُهم لا أوائلُهم فقط فلا بد أن تكون أعقابُ هذه الأمةِ أيضاً داخلةً في الحكم، وكذا الحالُ فيما رُوي أن مالك بنَ الصيف ووهْبَ بنَ يهوذا اليهوديَّـين مرّا بنفرٍ من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم فيهم ابنُ مسعود وأبـيُّ بنُ كعبٍ ومعاذُ بنُ جبل وسالمٌ مولى حذيفةَ رضوانُ الله عليهم فقالا لهم: نحن أفضلُ منكم ودينُنا خيرٌ مما تدعوننا إليه. وروىٰ سعيدُ بنُ جبـير عن ابن عباس رضي الله عنهما: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ورُوي عن الضحاك أنهم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً الرواةُ والدعاةُ الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم. {وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} أي إيماناً متعلقاً بكل ما يجب أن يؤمَنَ به من رسول وكتابٍ وحساب وجزاءٍ وإنما لم يصرِّح به تفصيلاً لظهور أنه الذي يؤمِن به المؤمنون وللإيذان بأنه هو الإيمانُ بالله تعالى حقيقةً وأن ما خلا عن شيء من ذلك كإيمان أهلِ الكتابِ ليس من الإيمان بالله تعالى في شيء، قال تعالى: {أية : وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقّاً } تفسير : [النساء، الآية 150، 151] وإنما أُخِّر ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجوداً ورُتبةً لأن دَلالتَهما على خيريتهم للناس أظهرُ من دلالته عليها وليقترن به قوله تعالى: {وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أي لو آمنوا كإيمانكم لكان ذلك خيراً لهم مما هم عليه من الرياسة واستتباعِ العوامِّ ولازدادت رياستُهم وتمتُّعهم بالحظوظ الدنيويةِ مع الفوز بما وُعِدوه على الإيمان من إيتاء الأجرِ مرتين، وقيل: مما هم فيه من الكفر، فالخيريةُ إنما هي باعتبار زعمِهم، وفيه ضربُ تهكّمٍ بهم وإنما لم يتعرَّضْ للمؤمَنِ به أصلاً للإشعار بظهور أنه الذي يُطلق عليه اسمُ الإيمانِ لا يذهب الوهمُ إلى غيره ولو فُصِّل المؤمَنُ به هٰهنا أو فيما قبلُ لربما فُهم أن لأهل الكتاب أيضاً إيماناً في الجملة لكن إيمانَ المؤمنين خيرٌ منه وهيهاتَ ذلك {مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ} جملةٌ مستأنفة سيقت جواباً عما نشأ من الشرطية الدالةِ على انتفاء الخيريةِ لانتفاء الإيمانِ عنهم كأنه قيل: هل منهم من آمن أو كلُّهم على الكفر؟ فقيل: منهم المؤمنون المعهودون الفائزون بخير الدارين كعبد اللَّه بن سلام وأصحابه. {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} المتمرِّدون في الكفر الخارجون عن الحدود.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولله ما فى السموات وما فى الارض} اى له تعالى وحده من غير شركة اصلا ما فيهما من المخلوقات الفائتة للحصر ملكا وخلقا احياء واماتة اثابة وتعذيبا وايراد كلمة ما اما لتغليب غير العقلاء على العقلاء واما لتنزيلهم منزلة غيرهم اظهارا لحقارتهم فى مقام بيان عظمته تعالى {والى الله} اى الى حكمه وقضائه لا الى غيره شركه واستقلالا {ترجع الامور} اى امورهم فيجازى كلا منهم بما وعد له واوعده من غير دخل فى ذلك لاحد قط. فان قيل الرجوع اليه يكون بعد الذهاب عنه ولم يكن فلم قال ذلك قلنا كانت كالذاهبة بهلاكها ثم اعادتها لان فى الدنيا يملك بعض الخلق بالتدبير وفى القيامة يكون كل ذلك لله تعالى.
الطوسي
تفسير : النظم: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها، وجه اتصال الدليل بالمدلول عليه، لأنه لما قال: {وما الله يريد ظلماً للعالمين} وصله بذكر غناه عن الظلم إذ الغني عنه العالم بقبحه، ومعناه لا يجوز وقوعه منه. المعنى: وقوله: {وإلى الله ترجع الأمور} لا يدل على أن الامور كانت ذاهبة عنه، لأمرين: أحدهما - لأنها بمنزلة الذاهبة بهلاكها وفنائها ثم اعادتها، لأنه تعالى يعيدها للجزاء على الاعمال والعوض على الآلام. والثاني - لأنه قد ملك العباد كثيراً من التدبير في الدنيا فيزول جميع ذلك في الآخرة ويرجع إليه كله. وقوله: {ولله ما في السماوات} معناه ولله ملك ما في السماوات. والملك: هو ماله أن يتصرف فيه. ولا يجوز أن يقول مكان ذلك ولله خلق ما في السماوات، لأن ذلك يدخل فيه معاصي العباد، والله تعالى منزه عنها والآية خرجت مخرج التعظيم لله تعالى، وذكر عظيم المدح. وفي وقوع المظهر بموقع المضمر في قوله: {وإلى الله ترجع الأمور} فيه قولان: أحدهما - ليكون كل واحد من الكلامين مكتفياً بنفسه. والثاني - لأن المظهر في اسم الله تعالى أفخم في الذكر من المضمر وصفة ملكه موضع تفخيم، وليس كقول الشاعر شعر : لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا تفسير : لأن البيت مفتقر إلى الضمير والآية مستغينة عنه وإنما احتاج البيت إليه، لأن الخبرالذي هو جملة لا يتصل بالمخبر عنه إلا بضمير يعود إليه. (وما) تقع على ما يعقل وما لا يعقل إذا ذهب به مذهب الجنس، فما يعقل داخل فيه حقيقة ولو قال بدلا منه ولله من في السماوات بلفظة (من) لما دخل فيه إلا العقلاء أو الكل على جهة التغليب دون الحقيقة.
الجنابذي
تفسير : {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} جملة حاليّة او معطوفة لرفع ما توهّم من نسبة الافعال السّابقة الى العباد من استقلالهم فى الوجود وفى الافعال ولتعليل نفى الظّلم عنه فانّ الظّلم امّا لجهل الظّالم بقبح الظّلم او لكون المظلوم وما يملكه ممّا يظلم به خارجاً عن ملك الظّالم واراد ادخاله فى ملكه، والّلام فى مثله يدخل على الفاعل مثل ان يقال: هذا البناء للبنّاء الفلانى، ويدخل على المالك مثل ان يقال: هذا البستان لفلان اى ملكه، وعلى الغاية مثل ان يقال: هذا البناء للعبادة {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} لانّه غاية الغايات ونهاية الطّلبات لانّ كلّ فعل يستعقب فعليّة وكلّ فعليّة تنتهى الى فعليّة اخرى حتّى تنتهى الى فعليّة لا فعليّة فوقها وهى الرّبوبيّة سواء تنتهى الفعليّات على طريق المظاهر اللّطفيّة او على طريق المظاهر القهريّة الى الفعليّة الاخيرة وغاية الخلقة لجميع الموجودات الانسان، وغاية الانسان الرّبوبيّة كما فى الحديث القدسىّ: حديث : خلقت الاشياء لاجلك وخلقتك لاجلىتفسير : ، وهذا رجوع بطريق العود فى نفس الامر، او اليه ترجع الامور لانّه مبدء المبادى ومصدر المصادر وكلّ موجود جوهر او عرض مخلوق وكلّ مخلوق ذو مصدر، وكلّ مصدر ذو مصدر آخر الى ان ينتهى الى المصدر الاخير كحركة القلم فانّ مصدرها حركة اليد، ومصدرها حركة الاعصاب والرّباطات، ومصدرها حركة القوّة المحرّكة، ومصدرها حركة القوّة الفكريّة، ومصدرها النّفس، ومصدرها العقل، ومصدره المشيئة، ومصدرها الرّبوبيّة، وهذا انتهاء ورجوع بطريق النّظر، وهذا الرّجوع اشارة الى مبدئيّته تعالى وذلك يدلّ على منتهائيّته.
اطفيش
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ}: فلا شىء خارجاً عن ملكه، فضلا عن أن يكون بالتصرف فيه ظالما - تعالى - عن كل نقص. {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ}: فيثيب المحسنَ ويُعَاقِبَ المُسىِء.
اطفيش
تفسير : {وَلِلهِ} وحده {ما فِى السَّمَاواتِ وَمَا فَى الأَرْضِ} ليس لأحد فى ملكه حق، فيظلم بنقصه ولا منع من شىء فيظلم بفعله، فما هو بفاعل ما سمى ظلماً بين العباد، فهو يثيب المطيع بلا وجوب، ولا نقص عن حقه، بل فضلا، ويعاقب العاصى عدلا بلا زيادة على عمله {وَإِلَى اللهِ} وحده، إلى قضائه وحكمه {تُرْجَعُ الأُمُورُ} أمور الخلق فيجازيهم.
الالوسي
تفسير : {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَْرْضِ } أي له سبحانه وحده ما فيهما من المخلوقات ملكاً وخلقاً وتصرفاً والتعبير بما للتغليب أو للإيذان بأن غير العقلاء بالنسبة إلى عظمته كغيرهم {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } أي أمورهم فيجازي كلاًّ بما تقتضيه الحكمة من الثواب والعقاب، وتقديم الجار للحصر أي إلى حكم الله تعالى وقضائه لا إلى غيره شركة أو استقلالاً، والجملة مقررة لمضمون ما ورد في جزاء الفريقين، وقيل: معطوفة على ما قبلها مقررة لمضمونه والإظهار في مقام الإضمار لتربية المهابة، وقرأ يحيـى بن وثاب (ترجع) بفتح التاء وكسر الجيم في جميع القرآن.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (109) - جَميعُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَبيدٌ للهِ، وَهُمْ مُلْكٌ لَهُ، يَتَصَّرفُ فِي شُؤُونِهِمْ بِحَسَب سُنَنهِ الحَكِيمَةِ التِي لاَ تَغْيِيرَ فِيها وَلاَ تَبْدِيلَ، وَهُوَ الحَاكِمُ المُتَصَرِّفُ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَإليهِ تَصيرُ أمُورُ الخَلْقِ جَميعاً فَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنه مالك الملك، كل شيء له وبه وملكه، وإليه يُرجع كل أمر. ونحن نعلم أن القرآن الكريم قد نزل من عند الله بقراءات متعددة وقد ورد وفي بعضها (تَرجِعُ الأمور) بفتح التاء بالبناء للفاعل، وفي قراءة أخرى: (ترجِعُ الأمور) بضم التاء بالبناء للمجهول، وكذلك (ترجعون) تأتي أيضاً بضم التاء وفتحها، وكلها - كما قلنا - قراءات من عند الله. وعندما يقول الحق: "وإليه تَرجعون" بفتح التاء فمعنى ذلك أننا نعود إليه مختارين؛ لأن المؤمن يُحبُّ ويرغب أنْ يصل إلى الآخرة، لأن عمله طيب في الدنيا، فكأنه يجري ويسارع إلى الآخرة، ومرة يقول تعالى: "وإليه تُرجعون" بضم التاء. وهذا ينطبق على الكافر أو العاصي. إنّ كُلاًّ منهما يحاول ألا يذهب إلى الآخرة، لكن المسألة ليست بإرادته، إنه مقهور على العودة إلى الآخرة ولذلك نجد التعبير القرآني: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا}تفسير : [الطور: 13]. هناك من يدفعهم إلى النار دفعاً. وفي حياتنا - ولله المثل الأعلى - نجد الشرطي يمسك بالمجرم من ملابسة ويدفعه إلى السجن .. ذلك هو الدع. وهكذا يكون قول الحق: "وإليه تُرجعون" بضم التاء وفتح الجيم، أي أنه مدفوع بقوة قاهرة إلى النهاية. أما المؤمن الواثق فهو يهرول إلى آخرته مشتاقاً لوجه ربه. وعندما تقرأ {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} [آل عمران: 109]. قد يقول قائل: ومتى خرجت الأمور منه حتى ترجع إليه؟ ونقول: حين خلق الله الدنيا، خلقها بقهر تسخيري لنفع الإنسان، وجعل فيها أشياء بالأسباب، فإن فعل الإنسان السبب فإنه يأخذ المسبب - بفتح الباء - المشددة، فالشمس تشرق علينا جميعاً، والضوء والدفء والحرارة، هي - بأمر الله - للمؤمن والكافر معاً، ولم يصدر الله لها أمراً أن تختص المؤمن وحده بمزاياها، والهواء لا يمر على المؤمن وحده، إنما يمر على المؤمن والكافر، وكذلك الماء، والأرض يزرعها الكافر فيأخذ منها الثمار، ويزرعها المؤمن كذلك. إذن ففي الكون أشياء تسخيرية، وهي التي لا تدخل فيها طاقة الإنسان، وهناك أشياء سببية، فإن فعلت السبب يأتي لك المسبب، والله قد جعل الأسباب للمؤمن والكافر. وعندما يُمَلِّك الله بعض الخلق أسباب الخلق فهو القيوم فوق الجميع، لكن في الآخرة، فلا أسباب ولا مسببات؛ ولذلك يكون الأمر له وحده، اقرأوا جيداً: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]. إنّ في الدنيا أناساً - بإرادة الله - تملك أسباباً، وتملك عبيداً، وتملك سلطاناً؛ لأن الدنيا هي دنيا الأسباب. أما في الآخرة فلا مجال لذلك. لقد بدأت الدنيا بأسبابها مِنَّة منه، ورجعت مِنْهُ إليه "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار" ومن يعتز بالسببية نقول له: كن أسير السببية لو كنت تستطيع. ومن يعتز بالقوة لأنها - ظاهراً - سبب للحركة، نقول له: احتفظ بقوتك إن كنت قادراً. ومن يعتز بالملك نقول له: لتحتفظ بالملك لو كنت تستطيع. ولا أحد بقادر على أَنْ يحتفظ بأي شيء، فكل شيء مرده إلى الله، وإن كان في ظاهر الأمر أن بعض الأشياء لك الآن، وفي الآخرة لله يكون كل أمر، ويرجع إليه كل شيء، لقد بدأت به، ورجعت إليه. ويقول الحق بعد ذلك: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ...}.
الأندلسي
تفسير : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} هي من تمام الخطاب الأول في قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [آل عمران: 102] وتوالت جعل هذا مخاطبات المؤمنين من أوامر ونواه وكان قد استطرد من ذلك لذكر من يبيض وجهه ويسود وشيء من أحوالهم في الآخرة ثم عاد إلى الخطاب الأول فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ}. تحريضاً بهذا الاخبار على الانقياد والطواعية والظاهر أن الخطاب هو لمن وقع الخطاب له أولاً وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتناول من يجيء بعدهم ممن يتصف بأوصافهم واللام في الناس متعلقة بأخرجت وقيل بخير وهو الأحسن. و{تَأْمُرُونَ} ما بعده تفسير للخيرية التي في قوله: خير أمة، قال الزمخشري: كان عبارة عن وجود الشيء في زمن ماض على سبيل الإِبهام، وليس فيه دليل على عدم سابق، ولا على انقطاع طارىء ومنه قوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : [النساء: 96]. ومنه قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} كأنه قيل وجدتم خير أمة، "انتهى". فقوله: انها لا تدل على عدم سابق هذا إذا لم تكن بمعنى صار فإِذا كانت بمعنى صار دلت على عدم سابق، فإذا قلت: كان زيد عالماً بمعنى صار دلنا على أنه انتقل من حالة الجهل إلى حالة العلم وقوله: ولا على انقطاع طارىء الصحيح انها كسائر الأفعال، ثم قد تستعمل حيث لا يراد الانقطاع، وفرق بين الدلالة والاستعمال ألا ترى أنك تقول هذا اللفظ يدل على العموم، ثم يستعمل حيث لا يراد العموم بل المراد الخصوص. وقول الزمخشري كأنه قال: وجدتم خير أمة هذا يعارض أنها مثل قوله: وكان الله غفوراً رحيماً لأن تقديره وجدتم خير أمة يدل على أنها تامة وان خير أمة حال، وقوله: وكان الله غفوراً، لا شك أنها هنا الناقصة، فتعارضا وخير مضاف للنكرة وهي أفضل، فيجب أفعل تفضيل فيجب إفرادها وتذكيرها وإن كانت جارية على جمع والمعنى أن الأمم إذا فضلوا أمة كانت هذه الأمة خيرها وحكم عليهم بأنهم خير أمة، ولم يبن جهة الخيرية في اللفظ وهي سبقهم إلى الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وبدارهم إلى نصرته ونقلهم عن علم الشريعة وافتتاحهم البلاد وهذه فضائل اختصوا بها مع ما لهم من الفضائل وكل من عمل بعدهم حسنة فلهم مثل أجرها لأنهم سبب في إيجادها إذ هم الذين سنوها وأوضحوا طريقها من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً. {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أي ولو آمن من عامتهم وسائرهم، ويعني الإِيمان التام النافع واسم كان ضمير يعود على المصدر المفهوم من آمن من كما تقول من صدق كان خيراً له، أي: لكان هو أي الإِيمان وعلق كينونة الإِيمان خيراً لهم على تقدير حصوله توبيخاً لهم مقروناً بنصحه تعالى لهم. إذا لو آمنوا لنجوا أنفسهم من عذاب الله وخيراً هنا أفضل التفضيل والمعنى: لكان خيراً لهم مما هم عليه لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإِسلام حب في الرياسة واستتباع العوام فلهم في هذا حظ دنيوي، وإيمانهم يحصل به الحظ الدنيوي من كونهم يصيرون رؤساء في الإِسلام، والحظ الاخروي الجزيل بما وعدوه على الإِيمان في إيتائهم أجرهم مرتين. {مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ} كعبد الله بن سلام وأخيه وثعلبة بن سعيد ومن أسلم من اليهود كالنجاشي وبحيرا من أسلم في النصارى إذ كانوا مصدقين برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث وبعده وعلى هذا يكون أهل الكتاب ليس عاماً إذ قد وجد الإِيمان من بعضهم. {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} هاتان الجملتان تضمنتا الاخبار بمعنيين مستقبلين وهو أن ضررهم إياكم لا يكون إلا أذى أي شيئاً تتأذون منه لا ضرراً يكون فيه غلبة واستئصال ولذلك ان قاتلوكم خذلوا وبصرتم، وكلا هذين الامرين وقع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأضرهم أحد من أهل الكتاب ضرراً يبالون به ولا قصدوا جهة كافر إلا كان النصر لهم والغلبة عليهم إلا أذى استثناء متصل وهو يفرغ من المصدر المحذوف والتقدير لمن يضروكم إلا ضرراً يسيراً لا نكاية فيه ولا إجحاف. {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} هذا استئناف إخبار انهم لا ينصرون أبداً ولم يشرك في الجزاء فيجزم لأنه ليس مترقباً على الشرط بل التولية مترتبة على المقاتلة والنصر منفي عنهم أبداً سواء قاتلوا أم لم يقاتلوا إذ تبع النصر سببه الكفر فهي جملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء كما أن جملة الشرط والجزاء معطوفة على أن يضروكم إلا أذى وليس امتناع الجزم لأجل ثم كما زعم بعضهم زعم أن جواب الشرط يقع عقيب المشروط، قال: وثم للتراخي فلذلك لم تصلح لجواب الشرط والمعطوف على الجواب كالجواب وما ذهب إليه هذا الذاهب خطأ لأن ما زعم أنه لا يجوز قد جاء في أفصح الكلام. قال تعالى: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ}تفسير : [محمد: 38] ثم لا يكونوا أمثالكم فحزم المعطوف ثم على جواب الشرط وثم هنا ليست للمهلة في الزمان وإنما هي للتراخي في الاخبار، فالإِخبار بتوليهم في القتال وخذلانهم والظفر بهم أبهج وأسر للنفس ثم أخبر تعالى بعد ذلك بانتفاء النصر عنهم مطلقاً. {أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ} عام في الأمكنة وهو شرط وجوابه محذوف يدل عليه ما قبله ومن أجاز تقديم جواب الشرط، قال: ضربت جواب الشرط. {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ} ظاهره انه استثناء منقطع قاله الفراء والزجاج، واختاره ابن عطية، وقال: لأن بادىء الرأي يعطي أن الحبل من الله ومن الناس يزيل ضربت الذلة وليس الأمر كذلك وإنما في الكلام مذوق يدركه فهم السامع الناظر في الأمور وتقديره في آيتنا فلا نجاة من الموت إلا بحبل، "انتهى". وعلى ما قدره لا يكون استثناء منقطعاً لأن مستثنى من جملة مقدرة وهي قوله: فلا نجاة من الموت وهو معتل عتل على هذا التقدير فلا يكون استثناء منقطعاً في الأول ضرورة أن الاستثناء الواحد لا يكون منقطعاً متصلاً وذهب الزمخشري وغيره إلى أنه استثناء متصل قال: وهو استثناء من أعم عام الأموال والمعنى ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل من الله وحبل من الناس يعني ذمة الله وذمة المسلمين أي لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من الجزية، "انتهى كلامه". وهو متجه وشبه العهد بالحبل لأنه يصل قوماً بقدم كما يفعل حبل في الإِجرام والظاهر في تكرار الحبل أنه أريد حبلان وفسر حبل الله بالإِسلام وميل الناس بالعهد والذمة وقيل حبل الله هو الذي نص الله تعالى عليه من أخذ الخبرية والثاني هو هو الذي فوض إلى رأي الإِمام فيزيد فيه وينقص بحسب الاجتهاد وفي هذه الآية توكيد بعموم الظرف في قوله: {أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ} وبتكرار ضرب. {وَبَآءُوا} الآية، تقدم تفسير نظيرها في البقرة وهنا الأنبياء جمع تكسير وهناك جمع سلامة وهنا بغير حق نكرة وهناك بغير الحق معرفة، وذلك من التفنن في الكلام.
الجيلاني
تفسير : {وَ} لا يتصور الظلم والتعدي من جانبه سبحانه؛ إذ {للَّهِ} لظهوره واستوائه على عروش ذرائر الكائنات بالقسط والاعتدال الحقيقي محافظة {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: ما ظهر في عالم الغيب وعالم الأرواح {وَمَا} ظهر {فِي ٱلأَرْضِ} أي: عالم الشهادة والأشباح {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ} لا إلى غيره؛ إذ لا غير {تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} [آل عمران: 109] المتعلقة بالمظاهر كلها؛ إذ هو الفاعل المطلق لا فعل لسواه، بل لا سواه ولا رجوع إلا إياه. {كُنْتُمْ} أيها المحمديون {خَيْرَ أُمَّةٍ} في علم الله مستوية على صراط التوحيد، معتدلة بين طرفي الإفراط والتفريط {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} أي: قدرت ظهوركم؛ لتكميل الناقصين من الناس، حتى {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} المفروض في سلوك طريق التوحيد {وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} المحظور فيه {وَ} ذلك الأمر والنهي إنما صدر منكم؛ لكونكم {تُؤْمِنُونَ} توقنون {بِٱللَّهِ} المستوي على عروش ذرائر الكائنات، بالاعتدال الذي هو صراط الله الأقوم {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} بأجمعهم بدينكم وملتكم {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} ينجيهم عن ورطتي الإفراد والتفريط، ويوصلهم إلى صراط مستقيم، وإن كان القليل {مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ} الداخلون في حصار الإيمان مع المؤمنين {وَ} لكن {أَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] الخارجون عن حدوده وأحكامه. لا تبالوا أيها الموحدون بفسهم وكفرهم؛ إذ {لَن يَضُرُّوكُمْ} ضراراً فاحشاً {إِلاَّ أَذًى} صدرت من سقطات ألسنتهم من التقريع والتشنيع {وَإِن} بالغوا في العداوة إلى أن {يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ} اضطراراً والزاماً {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} [آل عمران: 111] بالكبر عليكم بعد الفر منكم، بل ينصركم الله عليهم بنصره العزيز، ويخذلهم ويذلهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: هو المالك لما في السماوات وما في الأرض، الذي خلقهم ورزقهم ويتصرف فيهم بقدره وقضائه، وفي شرعه وأمره، وإليه يرجعون يوم القيامة فيجازيهم بأعمالهم حسنها وسيئها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):