Verse. 403 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

كُنْتُمْ خَيْرَ اُمَّۃٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَتَنْہَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُوْنَ بِاؘ۝۰ۭ وَلَوْ اٰمَنَ اَھْلُ الْكِتٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّھُمْ۝۰ۭ مِنْھُمُ الْمُؤْمِنُوْنَ وَاَكْثَرُھُمُ الْفٰسِقُوْنَ۝۱۱۰
Kuntum khayra ommatin okhrijat lilnnasi tamuroona bialmaAAroofi watanhawna AAani almunkari watuminoona biAllahi walaw amana ahlu alkitabi lakana khayran lahum minhumu almuminoona waaktharuhumu alfasiqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كنتم» يا أمة محمد في علم الله تعالى «خير أمة أخرجت» أظهرت «للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان» الإيمان «خيرا لهم منهم المؤمنون» كعبد الله بن سلام رضي الله عنه وأصحابه «وأكثرهم الفاسقون» الكافرون.

110

Tafseer

الرازي

تفسير : في النظم وجهان الأول: أنه تعالى لما أمر المؤمنين ببعض الأشياء ونهاهم عن بعضها وحذرهم من أن يكونوا مثل أهل الكتاب في التمرد والعصيان، وذكر عقيبه ثواب المطيعين وعقاب الكافرين، كان الغرض من كل هذه الآيات حمل المؤمنين المكلفين على الانقياد والطاعة ومنعهم عن التمرد والمعصية، ثم إنه تعالى أردف ذلك بطريق آخر يقتضي حمل المؤمنين على الانقياد والطاعة فقال {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } والمعنى أنكم كنتم في اللوح المحفوظ خير الأمم وأفضلهم، فاللائق بهذا أن لا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة، وأن لا تزيلوا عن أنفسكم هذه الخصلة المحمودة، وأن تكونوا منقادين مطيعين في كل ما يتوجه عليكم من التكاليف الثاني: أن الله تعالى لما ذكر كمال حال الأشقياء وهو قوله {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ } تفسير : [آل عمران: 106] وكمال حال السعداء وهو قوله {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ } تفسير : [آل عمران: 107] نبه على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله {أية : وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [آل عمران: 108] يعني أنهم إنما استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة، ثم نبه في هذه الآية على ما هو السبب لوعد السعداء بقوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } أي تلك السعادات والكمالات والكرامات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لفظة {كَانَ } قد تكون تامة وناقصة وزائدة على ما هو مشروح في النحو واختلف المفسرون في قوله {كُنتُمْ } على وجوه الأول: أن (كان) ههنا تامة بمعنى الوقوع والحدوث وهو لا يحتاج إلى خبر، والمعنى: حدثتم خير أمة ووجدتم وخلقتم خير أمة، ويكون قوله {خَيْرَ أُمَّةٍ } بمعنى الحال وهذا قول جمع من المفسرين الثاني: أن (كان) ههنا ناقصة وفيه سؤال: وهو أن هذا يوهم أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة وأنهم ما بقوا الآن عليها. والجواب عنه: أن قوله (كان) عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام، ولا يدل ذلك على انقطاع طارىء بدليل قوله {أية : ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } تفسير : [نوح: 10] قوله {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } تفسير : [الفتح: 14] إذا ثبت هذا فنقول: للمفسرين على هذا التقدير أقوال أحدها: كنتم في علم الله خير أمة وثانيها: كنتم في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة وهو كقوله {أية : أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } تفسير : [الفتح: 29] إلى قوله {أية : ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ } تفسير : [الفتح: 29] فشدتهم على الكفار أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وثالثها: كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة ورابعها: كنتم منذ آمنتم خير أمة أخرجت للناس وخامسها: قال أبو مسلم قوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } تابع لقوله {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ }تفسير : [آل عمران: 107] والتقدير: أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة: كنتم في دنياكم خير أمة فاستحقيتم ما أنتم فيه من الرحمة وبياض الوجه بسببه، ويكون ما عرض بين أول القصة وآخرها كما لا يزال يعرض في القرآن من مثله وسادسها: قال بعضهم: لو شاء الله تعالى لقال (أنتم) وكان هذا التشريف حاصلاً لكلنا ولكن قوله {كُنتُمْ } مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وهم السابقون الأولون، ومن صنع مثل ما صنعوا وسابعها: كنتم مذ آمنتم خير أمة تنبيهاً على أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة مذ كانوا. الاحتمال الثالث: أن يقال (كان) ههنا زائدة، وقال بعضهم قوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } هو كقوله {أية : وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } تفسير : [الأعراف: 86] وقال في موضع آخر {أية : وَٱذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ } تفسير : [الأنفال: 26] وإضمار كان وإظهارها سواء إلا أنها تذكر للتأكيد ووقوع الأمر لا محالة: قال ابن الأنباري: هذا القول ظاهر الاختلال، لأن (كان) تلغى متوسطة ومؤخرة، ولا تلغى متقدمة، تقول العرب: عبد الله كان قائم، وعبد الله قائم كان على أن كان ملغاة، ولا يقولون: كان عبد الله قائم على إلغائها، لأن سبيلهم أن يبدؤا بما تنصرف العناية إليه، والمعنى لا يكون في محل العناية، وأيضاً لا يجوز إلغاء الكون في الآية لانتصاب خبره، وإذا عمل الكون في الخبر فنصبه لم يكن ملغى. الاحتمال الرابع: أن تكون (كان) بمعنى صار، فقوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } معناه صرتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، أي صرتم خير أمة بسبب كونكم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر ومؤمنين بالله. ثم قال: {وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } يعني كما أنكم اكتسبتم هذه الخيرية بسبب هذه الخصال، فأهل الكتاب لو آمنوا لحصلت لهم أيضاً صفة الخيرية والله أعلم. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن إجماع الأمة حُجَّة، وتقريره من وجهين الأول: قوله تعالى: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ } تفسير : [الأعراف: 159] ثم قال في هذه الآية {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } فوجب بحكم هذه الآية أن تكون هذه الآية أفضل من أولئك الذين يهدون بالحق من قوم موسى، وإذا كان هؤلاء أفضل منهم وجب أن تكون هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق إذ لو جاز في هذه الآية أن تحكم بما ليس بحق لامتنع كون هذه الأمة أفضل من الأمة التي تهدي بالحق، لأن المبطل يمتنع أن يكون خيراً من المحق، فثبت أن هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق، وإذا كان كذلك كان إجماعهم حجة. الوجه الثاني: وهو (أن الألف واللام) في لفظ {ٱلْمَعْرُوفِ } ولفظ {ٱلْمُنْكَر } يفيدان الاستغراق، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف، وناهين عن كل منكر ومتى كانوا كذلك كان إجماعهم حقاً وصدقاً لا محالة فكان حجة، والمباحث الكثيرة فيه ذكرناها في الأصول. المسألة الثالثة: قال الزجاج: قوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } ظاهر الخطاب فيه مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه عام في كل الأمة، ونظيره قوله {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } تفسير : [البقرة: 183] {أية : كتب عَلَيْكُم ٱلْقِصَاصُ } تفسير : [البقرة: 178] فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ، ولكنه عام في حق الكل كذا ههنا. المسألة الرابعة: قال القفال رحمه الله: أصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد فأمة نبينا صلى الله عليه وسلم هم الجماعة الموصوفون بالإيمان به والإقرار بنبوته، وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته أنهم أمته إلا أن لفظ الأمة إذا أطلقت وحدها وقع على الأول، ألا ترى أنه إذا قيل أجمعت الأمة على كذا فهم منه الأول وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أمتي لا تجتمع على ضلالة»تفسير : وروي أنه عليه الصلاة والسلام يقول يوم القيامة «حديث : أمتي أمتي»تفسير : فلفظ الأمة في هذه المواضع وأشباهها يفهم منه المقرون بنبوته، فأما أهل دعوته فإنه إنما يقال لهم: إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم إلا لفظ الأمة بهذا الشرط. أما قوله {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } ففيه قولان الأول: أن المعنى كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار، فقوله {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } أي أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها والثاني: أن قوله {لِلنَّاسِ } من تمام قوله {كُنتُمْ } والتقدير: كنتم للناس خير أمة، ومنهم من قال: {أُخْرِجَتْ } صلة، والتقدير: كنتم خير أمة للناس. ثم قال: {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ }. واعلم أن هذا كلام مستأنف، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية، كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم، وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقروناً بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فههنا حكم تعالى بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم وهذه الطاعات، أعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات. وههنا سؤالات: السؤال الأول: من أي وجه يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله كون هذه الأمة خير الأمم مع أن هذه الصفات الثلاثة كانت حاصلة في سائر الأمم؟. والجواب: قال القفال: تفضيلهم على الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بآكد الوجوه وهو القتال لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد، وأقواها ما يكون بالقتال، لأنه إلقاء النفس في خطر القتل وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات: الكفر بالله، فكان الجهاد في الدين محملاً لأعظم المضار لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع، وتخليصه من أعظم المضار، فوجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات، ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع، لا جرم صار ذلك موجباً لفضل هذه الأمة على سائر الأمم، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: قوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إلٰه إلا الله ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه و «لا إلٰه إلا الله» أعظم المعروف، والتكذيب هو أنكر المنكر. ثم قال القفال: فائدة القتال على الدين لا ينكره منصف، وذلك لأن أكثر الناس يحبون أديانهم بسبب الألف والعادة، ولا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم فإذا أكره على الدخول في الدين بالتخويف بالقتل دخل فيه، ثم لا يزال يضعف ما في قلبه من حب الدين الباطل، ولا يزال يقوى في قلبه حب الدين الحق إلى أن ينتقل من الباطل إلى الحق، ومن استحقاق العذاب الدائم إلى استحقاق الثواب الدائم. السؤال الثاني: لم قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الذكر مع أن الإيمان بالله لا بد وأن يكون مقدماً على كل الطاعات؟. والجواب: أن الإيمان بالله أمر مشترك فيه بين جميع الأمم المحقة، ثم إنه تعالى فضل هذه الأمة على سائر الأمم المحقة، فيمتنع أن يكون المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الإيمان الذي هو القدر المشترك بين الكل، بل المؤثر في حصول هذه الزيادة هو كون هذه الأمة أقوى حالاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من سائر الأمم، فإذن المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما الإيمان بالله فهو شرط لتأثير هذا المؤثر في هذا الحكم لأنه ما لم يوجد الإيمان لم يصر شيء من الطاعات مؤثراً في صفة الخيرية، فثبت أن الموجب لهذه الخيرية هو كونهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، وأما إيمانهم فذاك شرط التأثير، والمؤثر ألصق بالأثر من شرط التأثير، فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ذكر الإيمان. السؤال الثالث: لم اكتفى بذكر الإيمان بالله ولم يذكر الإيمان بالنبوة مع أنه لا بد منه. والجواب: الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالنبوّة، لأن الإيمان بالله لا يحصل إلا إذا حصل الإيمان بكونه صادقاً، والإيمان بكونه صادقاً لا يحصل إلا إذا كان الذي أظهر المعجز على وفق دعواه صادقاً لأن المعجز قائم مقام التصديق بالقول، فلما شاهدنا ظهور المعجز على وفق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم كان من ضرورة الإيمان بالله الإيمان بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، فكان الاقتصار على ذكر الإيمان بالله تنبيهاً على هذه الدقيقة. ثم قال تعالى: {وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } وفيه وجهان الأول: ولو آمن أهل الكتاب بهذا الدين الذي لأجله حصلت صفة الخيرية لأتباع محمد عليه الصلاة والسلام لحصلت هذه الخيرية أيضاً لهم، فالمقصود من هذا الكلام ترغيب أهل الكتاب في هذا الدين الثاني: إن أهل الكتاب إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة واستتباع العلوم ولو آمنوا لحصلت لهم هذه الرياسة في الدنيا مع الثواب العظيم في الآخرة، فكان ذلك خيراً لهم مما قنعوا به. واعلم أنه تعالى أتبع هذا الكلام بجملتين على سبيل الابتداء من غير عاطف إحداهما: قوله {أية : مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [آل عمران: 110] وثانيتهما: قوله {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } قال صاحب «الكشاف»: هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل: وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت، ولذلك جاء {آمن } غير عاطف. أما قوله {مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } ففيه سؤالان: السؤال الأول: الألف واللام في قوله {ٱلْمُؤْمِنُونَ } للاستغراق أو للمعهود السابق؟. والجواب: بل للمعهود السابق، والمراد: عبد الله بن سلاّم ورهطه من اليهود، والنجاشي ورهطه من النصارى. السؤال الثاني: الوصف إنما يذكر للمبالغة فأي مبالغة تحصل في وصف الكافر بأنه فاسق. والجواب: الكافر قد يكون عدلاً في دينه وقد يكون فاسقاً في دينه فيكون مردوداً عند الطوائف كلهم، لأن المسلمين لا يقبلونه لكفره، والكفار لا يقبلونه لكونه فاسقاً فيما بينهم، فكأنه قيل أهل الكتاب فريقان: منهم من آمن، والذين ما آمنوا فهم فاسقون في أديانهم، فليسوا ممن يجب الاقتداء بهم ألبتة عند أحد من العقلاء. أما قوله تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً } فاعلم أنه تعالى لما رغب المؤمنين في التصلب في إيمانهم وترك الالتفات إلى أقوال الكفار وأفعالهم بقوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } رغبهم فيه من وجه آخر، وهو أنهم لا قدرة لهم على الاضرار بالمسلمين إلا بالقليل من القول الذي لا عبرة به، ولو أنهم قاتلوا المسلمين صاروا منهزمين مخذولين، وإذا كان كذلك لم يجب الالتفات إلى أقوالهم وأفعالهم، وكل ذلك تقرير لما تقدم من قوله {أية : إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [آل عمران: 100] فهذا وجه النظم، فأما قوله {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً } فمعناه: أنه ليس على المسلمين من كفار أهل الكتاب ضرر وإنما منتهى أمرهم أن يؤذوكم باللسان، إما بالطعن في محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وإما بإظهار كلمة الكفر، كقولهم {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 30] و {أية : ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30] و {أية : ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ } تفسير : [المائدة: 73] وإما بتحريف نصوص التوراة والإنجيل، وإما بإلقاء الشبه في الأسماع، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين، ومن الناس من قال: إن قوله {إِلاَّ أَذىً } استثناء منقطع وهو بعيد، لأن كل الوجوه المذكورة يوجب وقوع الغم في قلوب المسلمين والغم ضرر، فالتقدير لا يضروكم إلا الضرر الذي هو الأذى، فهو استثناء صحيح، والمعنى لن يضروكم إلا ضرراً يسيراً، والأذى وقع موقع الضرر، والأذى مصدر أذيت الشيء أذى. ثم قال تعالى: {وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } وهو إخبار بأنهم لو قاتلوا المسلمين لصاروا منهزمين مخذولين {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } أي إنهم بعد صيرورتهم منهزمين لا يحصل لهم شوكة ولا قوة ألبتة، ومثله قوله تعالى:{أية : وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَـٰرَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } تفسير : [الحشر: 12] قوله {أية : قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ } تفسير : [آل عمران: 12] وقوله {أية : نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ }تفسير : [القمر: 44، 45] وكل ذلك وعد بالفتح والنصرة والظفر. واعلم أن هذه الآية اشتملت على الإخبار عن غيوب كثيرة، منها أن المؤمنين آمنون من ضررهم، ومنها أنهم لو قاتلوا المؤمنين لانهزموا، ومنها أنه لا يحصل لهم قوة وشوكة بعد الانهزام وكل هذه الأخبار وقعت كما أخبر الله عنها، فإن اليهود لم يقاتلوا إلا انهزموا، وما أقدموا على محاربة وطلب رياسة إلا خذلوا، وكل ذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزاً وههنا سؤالات: السؤال الأول: هب أن اليهود كذلك، لكن النصارى ليسوا كذلك فهذا يقدح في صحة هذه الآيات قلنا: هذه الآيات مخصوصة باليهود، وأسباب النزول على ذلك فزال هذا الإشكال. السؤال الثاني: هلا جزم قوله {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ }. قلنا: عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الأخبار ابتداء كأنه قيل أخبركم أنهم لا ينصرون، والفائدة فيه أنه لو جزم لكان نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم كتولية الأدبار، وحين رفع كان نفي النصر وعداً مطلقاً كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم لا يجدون النصرة بعد ذلك قط بل يبقون في الذلة والمهانة أبداً دائماً. السؤال الثالث: ما الذي عطف عليه قوله {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ }؟. الجواب: هو جملة الشرط والجزاء، كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون وإنما ذكر لفظ {ثُمَّ } لإفادة معنى التراخي في المرتبة، لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الاخبار بتوليتهم الأدبار.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} فيه ثلاث مسائل: الأولى: روى الترمذيّ عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جدّه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: «حديث : أنتم تُتمّون سبعين أُمَّة أنتم خيرها وأكرمها عند الله»تفسير : . وقال: هذا حديث حسن. وقال أبو هريرة: نحن خير الناس للناس نسوقهم بالسلاسل إلى الإسلام. وقال ٱبن عباس: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وشهدوا بَدْراً والحُديبِيّة. وقال عمر بن الخطاب: من فعل فعلهم كان مثلهم. وقيل: هم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، يعني الصالحين منهم وأهل الفضل. وهم الشهداء على الناس يوم القيامة؛ كما تقدّم في البقرة. وقال مجاهد: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} على الشرائط المذكورة في الآية. وقيل: معناه (كنتم) في اللوح المحفوظ. وقيل: كنتم مُذْ آمنتم خيرَ أمَّةٍ. وقيل: جاء ذلك لتقدّم البشارة بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وأمّته. فالمعنى كنتم عند من تقدّمكم من أهل الكتب خيرَ أمّةٍ. وقال الأخفش: يريد أهل أمّةٍ، أي خير أهل دين؛ وأنشد:شعر : حلفتُ فلم أتْركْ لنفسك رِيبةً وهلْ يأْثَمَنْ ذو أمَّةٍ وهو طائعُ تفسير : وقيل: هي كان التامّة، والمعنى خُلِقْتم ووُجِدتُم خيرَ أمّةٍ. «فخير أمّة» حال. وقيل: كان زائدة، والمعنى أنتم خير أمّةٍ. وأنشد سيبويه:شعر : وجِيـرانٍ لنـا كانـوا كـرامِ تفسير : ومثله قوله تعالى: {أية : كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} تفسير : [مريم: 29]. وقوله: {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} تفسير : [الأعراف: 86]. وقال في موضع آخر: {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} تفسير : [الأنفال: 26]. وروى سفيان عن مَيْسَرة الأشجعيّ عن أبي حازم عن أبي هريرة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: تجرّون الناس بالسلاسل إلى الإسلام. قال النحاس: والتقدير على هذا كنتم للناس خير أمّة. وعلى قول مجاهد: كنتم خيرَ أمّةٍ إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. وقيل: إنما صارت أمَّةٍ محمد صلى الله عليه وسلم خير أمَّةٍ لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أَفْشَى. فقيل: هذا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير الناس قرني»تفسير : أي الذين بعثت فيهم. الثانية: وإذا ثبت بنَصِّ التنزيل أن هذه الأمة خير الأمم؛ فقد روى الأئمّة من حديث عِمران بن حصين عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»تفسير : . (الحديث) وهذا يدل على أن أوّل هذه الأمة أفضل ممن بعدهم، وإلى هذا ذهب معظم العلماء، وأن من صحب النبيّ صلى الله عليه وسلم ورآه ولو مرّة في عمره أفضل ممن يأتي بعده، وأن فضيلة الصحبة لا يعدِلها عمل. وذهب أبو عمر بن عبد البِّر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وأن قوله عليه السَّلام: «حديث : خير الناس قرني» تفسير : ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول. وقد جمع قرنه جماعة من المنافقين المظهِرين للإيمان وأهلِ الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود، وقال لهم: ما تقولون في السارق والشارب والزاني. وقال مُوَاجهةً لمن هو في قرنه: «حديث : لا تسبوا أصحابي»تفسير : . وحديث : قال لخالد بن الوليد في عمّار: «لا تسب من هوخير منك» تفسير : وروى أبو أمَامة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى سبع مرّات لمن لم يرني وآمن بي»تفسير : . وفي مسند أبي داود الطيالِسِيّ عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : «أتدرون أي الخلق أفضل إيماناً» قلنا الملائكة. قال: «وحق لهم بل غيرهم» قلنا الأنبياء. قال: «وحق لهم بل غيرهم» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الخلق إيماناً قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني يجِدون ورقا فيعملون بما فيها فهم أفضل الخلق إيماناً»تفسير : . وروى صالح بن جبير عن أبي جُمْعَة قال: حديث : قلنا يا رسول الله، هل أحد خير منا؟ قال: «نعم قوم يجِيئون من بعدكم فيجدون كتاباً بين لوحين فيؤمنون بما فيه ويؤمنون بي ولم يروني»تفسير : . وقال أبو عمر: وأبو جمعة له صحبة وٱسمه حَبِيب بن سِبَاع، وصالح بن جبير من ثِقَات التابعين. وروى أبو ثعلبة الخشنِي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : «إن أمامكم أياماً الصّابر فيها على دينه كالقابض على الجَمْر للعامل فيها أجر خمسين رجلاً يعمل مثل عمله»قيل: يا رسول الله، منهم؟ قال: «بل منكم»تفسير : . قال أبو عمر: وهذه اللفظة {بَلِ مِّنكُمْ} قد سكت عنها بعض المحدّثين فلم يذكرها. وقال عمر بن الخطاب في تأويل قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: من فعل مثل فعلِكم كان مثلكم. ولا تعارض بين الأحاديث؛ لأن الأوّل على الخصوص، والله الموفِّق. وقد قيل في توجيه أحاديث هذا الباب: إن قرنه إنما فُضِّل لأنهم كانوا غُرَبَاء في إيمانهم لكثرة الكفار وصبرِهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، وإن أواخر هذه الأمّة إذا أقاموا الدِّين وتمسّكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفسق والهَرَج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك أيضاً غُرَبَاء، وزكت أعمالهم في ذلك الوقت كما زَكَتْ أعمال أوائلهم، و (مما) يشهد لهذا قوله عليه السَّلام: «حديث : بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء»تفسير : . ويشهد له أيضاً حديث أبي ثعلبة، ويشهد له أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أُمَّتي كالمطر لا يُدْرَى أوّلُه خيرٌ أم آخره»تفسير : . ذكره أبو داود الطيالسِيّ وأبو عيسى الترمذي، ورواه هشام بن عبيد الله الرازي عن مالكٍ عن الزهري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مثل أمتي مثل المطرِ لا يُدْرَى أوّله خيرٌ أم آخره»تفسير : . ذكره الدارقطنِي في مسند حديث مالك. قال أبو عمر: هشام بن عبيد الله ثقةٌ لا يختلفون في ذلك. وروي أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن ٱكتب إليّ بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها؛ فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر؛ فأنت أفضل من عمر لأن زمانك ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر. وكتب إلى فقهاء زمانه، فكلُّهم كتب إليه بمثل قول سالم. وقد عارض بعض الجِلّة من العلماء قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير الناس قرنِي»تفسير : بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير الناس من طال عمره وحَسُن عملُه وشرُّ الناس من طال عمره وساء عمله»تفسير : . قال أبو عمر: فهذه الأحاديث تقتضي مع تَوَاتُر طرقها وحسنها التّسْويةَ بين أوّلِ هذه الأمّة وآخرِها. والمعنى في ذلك ما تقدّم ذكره من الإيمان والعمل الصالح في الزمان الفاسد الذي يرفع فيه من أهل العلم والدين، ويكثر فيه الفسق والهَرَج، ويُذَلّ المؤمنُ ويُعَزُّ الفاجر ويعود الدين غَرِيباً كما بدا غَرِيباً ويكون القائمُ فيه كالقابض على الجمر، فيستوي حينئذ أوّل هذه الأمّة بآخرها في فضل العمل إلاَّ أهل بدَرُ والحُديبية، ومن تدبّر آثار هذا الباب بان له الصّواب، والله يؤتي فضله من يشاء. الثالثة: قوله تعالىٰ: {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} مدح هذه الأمّة ما أقاموا ذلك وٱتصفوا به. فإذا تركوا التغيير وتَواطَئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم ٱسم الذَّمِّ، وكان ذلك سبباً لهلاكهم. وقد تقدّم الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أوّل السورة. قوله تعالىٰ: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أخبر أن إيمان أهل الكتاب بالنبيّ صلى الله عليه وسلم خيرٌ لهم، وأخبر أن منهم مؤمناً وفاسقاً، وأن الفاسق أكثر.

البيضاوي

تفسير : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} دل على خيريتهم فيما مضى ولم يدل على انقطاع طرأ كقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} وقيل كنتم في علم الله أو في اللوح المحفوظ، أو فيما بين الأمم المتقدمين. {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } أي أظهرت لهم. {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} استئناف بين به كونهم {خَيْرَ أُمَّةٍ}، أو خبر ثان لكنتم. {وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} يتضمن الإِيمان بكل ما يجب أن يؤمن به، لأن الإِيمان به إنما يحق ويعتد به إذا حصل الإِيمان بكل ما أمر أن يؤمن به، وإنما أخره وحقه أن يقدم لأنه قصد بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيماناً بالله وتصديقاً به وإظهاراً لدينه، واستدل بهذه الآية على إن الاجماع حجة لأنها تقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر، إذ اللام فيهما للاستغراق فلو أجمعوا على باطل كان أمرهم على خلاف ذلك. {وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ} إيماناً كما ينبغي {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} لكان الإِيمان خيراً لهم مما هم عليه. {مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } كعبد الله بن سلام وأصحابه. {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} المتمردون في الكفر، وهذه الجملة والتي بعدها واردتان على سبيل الاستطراد.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، فقال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، عن سفيان عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام، وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} يعني: خير الناس للناس، والمعنى أنهم خير الأمم، وأنفع الناس للناس، ولهذا قال: {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن زوج دُرّة بنت أبي لهب، عن درة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: حديث : خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم تفسير : ورواه أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة. والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} تفسير : [البقرة: 143] أي: خياراً {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 143] الآية. وفي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه، ومستدرك الحاكم، من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأنتم أكرمها على الله عز وجل تفسير : وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذي، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه، وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أشرف خلق الله، وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا ابن زهير، عن عبد الله، يعني: ابن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي، وهو ابن الحنفية: أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء تفسير : فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ قال: حديث : نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو العلاء الحسن بن سوار، حدثنا ليث عن معاوية عن أبي حَلْبَس يزيد بن ميسرة، قال: سمعت أم الدرداء رضي الله عنها تقول: سمعت أبا الدرداء رضي الله عنه يقول: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها يقول: حديث : إن الله تعالى يقول: يا عيسى إني باعث بعدك أمة، إن أصابهم ما يحبون، حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون، احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم، قال: يا رب كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي.تفسير : وقد وردت أحاديث يناسب ذكرها هاهنا، قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا المسعودي حدثنا بكير بن الأخنس، عن رجل، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أعطيت سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي عز وجل، فزادني مع كل واحد سبعين ألفاً تفسير : قال أبو بكر رضي الله عنه: فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى ومصيب من حافات البوادي. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا هشام بن حسان، عن القاسم بن مهران، عن موسى بن عبيد، عن ميمون بن مهران، عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن ربي أعطاني سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب تفسير : فقال عمر: يا رسول الله فهلا استزدته، فقال: حديث : استزدته، فأعطاني مع كل ألف سبعين ألفاًتفسير : . قال عمر: فهلا استزدته؟ قال: حديث : قد استزدته فأعطاني هكذاتفسير : ، وفرج عبد الرحمن بن أبي بكر بين يديه، وقال عبد الله: وبسط باعيه، وحثا عبد الله، وقال هشام: وهذا من الله لا يدرى ما عدده. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة قال: قال شريح ابن عبيدة: مرض ثوبان بحمص، وعليها عبد الله بن قرط الأزدي، فلم يعده، فدخل على ثوبان رجل من الكلاعين عائداً له، فقال له ثوبان: أتكتب؟ قال: نعم، قال: اكتب، فكتب: للأمير عبد الله بن قرط من ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد، فإنه لو كان لموسى وعيسى عليهما السلام بحضرتك خادم لعدته، ثم طوى الكتاب، وقال له: أتبلغه إياه؟ قال: نعم، فانطلق الرجل بكتابه، فدفعه إلى ابن قرط، فلما رآه، قام فزعاً، فقال الناس: ما شأنه، أحدث أمر؟ فأتى ثوبان حتى دخل عليه، فعاده وجلس عنده ساعة، ثم قام فأخذ ثوبان بردائه، وقال: اجلس حتى أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: حديث : ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفاً تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناد رجاله كلهم ثقات شاميون حمصيون، فهو حديث صحيح، ولله الحمد والمنة. (طريق أخرى): قال الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن زِبْريق الحمصي، حدثنا محمد بن إسماعيل، يعني: ابن عياش، حدثني أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : إن ربي عز وجل وعدني من أمتي سبعين ألفاً لا يحاسبون، مع كل ألف سبعون ألفاً تفسير : هذا لعله هو المحفوظ بزيادة أبي أسماء الرحبي بين شريح وبين ثوبان، والله أعلم. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: أكثرنا الحديث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ثم غدونا إليه، فقال: حديث : عرضت علي الأنبياء الليلة بأممها، فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة، والنبي ومعه العصابة، والنبي ومعه النفر، والنبي وليس معه أحد، حتى مر علي موسى عليه السلام، ومعه كَبْكَبَة من بني إسرائيل، فأعجبوني، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هذا أخوك موسىٰ معه بنو إسرائيل. قال: فقلت: فأين أمتي؟ فقيل: انظر عن يمينك، فنظرت فإذا الظراب قد سد بوجوه الرجال. ثم قيل لي: انظر عن يسارك، فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقيل لي: أرضيت؟ فقلت: رضيت يا رب. قال: فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب تفسير : فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : فداكم أبي وأمي، إن استطعتم أن تكونوا من السبعين ألفاً فافعلوا، فإن قصرتم، فكونوا من أهل الظراب، فإن قصرتم، فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناساً يتهاوشون تفسير : فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، أي: من السبعين، فدعا له، فقام رجل آخر فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم، فقال: حديث : قد سبقك بها عكاشة تفسير : قال: ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعين الألف، قوم ولدوا في الإسلام لم يشركوا بالله شيئاً حتى ماتوا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون تفسير : هكذا رواه أحمد بهذا السند وهذا السياق، ورواه أيضاً عن عبد الصمد عن هشام عن قتادة بإسناده مثله، وزاد بعد قوله: حديث : رضيت يا رب، رضيت يا رب، قال: رضيت؟ قلت: نعم. قال: انظر عن يسارك قال: فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقال: رضيت؟ قلت: رضيت تفسير : وهذا إسناد صحيح من هذا الوجه تفرد به أحمد، ولم يخرجوه. (حديث آخر) قال أحمد بن منيع: حدثنا عبد الملك ابن عبد العزيز، حدثنا حماد عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : عرضت عليّ الأمم بالموسم، فراثت عليّ أمتي، ثم رأيتهم، فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم، قد ملؤوا السهل والجبل، فقال: أرضيت يا محمد؟ فقلت: نعم. قال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون تفسير : فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: حديث : أنت منهمتفسير : . فقام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: حديث : سبقك بها عكاشة تفسير : رواه الحافظ الضياء المقدسي، وقال: هذا عندي على شرط مسلم. (حديث آخر) قال الطبراني: حدثنا محمد بن محمد الجذوعي القاضي، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا محمد بن أبي عدي عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب تفسير : قيل: من هم؟ قال: حديث : هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون تفسير : ورواه مسلم من طريق هشام بن حسان، وعنده ذكر عكاشة. (حديث آخر) ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة، حدثه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : يدخل الجنة من أمتي زمرة، وهم سبعون ألفاً، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر تفسير : فقال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اللهم اجعله منهم تفسير : ثم قام رجل من الأنصار، فقال مثله، فقال: حديث : سبقك بها عكاشة.تفسير : (حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا أبو غسان عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً أو سبعمائة ألف آخذ بعضهم ببعض، حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر تفسير : أخرجه البخاري ومسلم جميعاً عن قتيبة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه عن سهل، به. (حديث آخر) قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، أنبأنا حصين بن عبد الرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال، أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب الأسلمي أنه قال: "لا رقية إلا من عين أو حمة"، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : عرضت عليّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذابتفسير : ، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: حديث : ما الذي تخوضون فيه تفسير : ؟ فأخبروه، فقال: حديث : هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون تفسير : فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: حديث : أنت منهمتفسير : ، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: حديث : سبقك بها عكاشة تفسير : وأخرجه البخاري عن أسيد بن زيد عن هشيم، وليس عنده: لا يرقون. (حديث آخر) قال أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر حديثاً، وفيه: حديث : فتنجو أول زمرة، وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفاً لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كَأَضْوإِ نجم في السماءتفسير : ، ثم كذلك، وذكر بقيته، رواه مسلم من حديث روح، غير أنه لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم. (حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنن له: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً، مع كل ألف سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل تفسير : وكذا رواه الطبراني من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش، به، وهذا إسناد جيد. (طريق أخرى) عن أبي أمامة. قال ابن أبي عاصم: حدثنا دحيم، حدثنا الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، عن أبي اليمان الهَوْزني، واسمه عامر بن عبد الله بن لُحَيّ، عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حديث : إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب تفسير : فقال يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمتك يا رسول الله إلا مثل الذباب الأصهب في الذباب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : فإن الله وعدني سبعين ألفاً، مع كل ألف سبعون ألفاً، وزادني ثلاث حثياتتفسير : ، وهذا أيضاً إسناد حسن. (حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام: أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة ابن عبد السلمي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن ربي عز وجل وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب، ثم يشفع كل ألف لسبعين ألفاً، ثم يحثي ربي عز وجل بكفيه ثلاث حثيات تفسير : فكبر عمر وقال: إن السبعين الأول يشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم، وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الأواخر، قال الحافظ الضياء أبو عبد الله المقدسي في كتابه صفة الجنة: لا أعلم لهذا الإسناد علة، والله أعلم. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثني يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، يعني: الدستوائي، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة، حدثنا عطاء بن يسار: أن رفاعة الجهني حدثه، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنا بالكديد، أو قال: بقديد، فذكر حديثاً، وفيه: ثم قال: حديث : وعدني ربي عز وجل أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوؤوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة تفسير : قال الضياء: وهذا عندي على شرط مسلم. (حديث آخر) قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألفتفسير : . قال أبو بكر رضي الله عنه: زدنا يا رسول الله. قال: حديث : والله هكذاتفسير : . فقال عمر: حسبك يا أبا بكر، فقال أبو بكر: دعني، وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا، فقال عمر: إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : صدق عمر تفسير : هذا الحديث بهذا الإسناد تفرد به عبد الرزاق، قاله الضياء وقد رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن مخلد، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا أبو هلال عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مائة ألف تفسير : فقال له أبو بكر: يا رسول الله زدنا، قال: حديث : وهكذا تفسير : وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك، قلت: يا رسول الله زدنا، فقال عمر: إن الله قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : صدق عمرتفسير : ، هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأبو هلال اسمه محمد بن سليم الراسبي بصري. (طريق أخرى) عن أنس. قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي، حدثنا حميد عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً تفسير : قالوا: زدنا يا رسول الله قال: حديث : لكل رجل سبعون ألفاًتفسير : . قالوا: زدنا، وكان على كثيب، فقال: حديث : هكذا تفسير : وحثا بيده، قالوا: يا رسول الله أبعد الله من دخل النار بعد هذا، وهذا إسناد جيد، ورجاله كلهم ثقات، ما عدا عبد القاهر بن السري، وقد سئل عنه ابن معين فقال: صالح. (حديث آخر) روى الطبراني من حديث قتادة عن أبي بكر بن أنس، عن أبي بكر بن عمير، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: حديث : إن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلثمائة ألف الجنة بغير حساب تفسير : فقال عمير: يا رسول الله زدنا، فقال: وهكذا بيده، فقال عمير: يا رسول الله زدنا، فقال عمر: حسبك، إن الله إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة أو بحثية واحدة، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم:حديث : صدق عمر.تفسير : (حديث آخر) قال الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام: أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله بن عامر: أن قيساً الكندي حدثه: أن أبا سعيد الأنماري حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حديث : إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب، ويشفع كل ألف لسبعين ألفاً، ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيهتفسير : . كذا قال قيس، فقلت لأبي سعيد: آنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم بأذني، ووعاه قلبي، قال أبو سعيد: فقال، يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : وذلك إن شاء الله عز وجل يستوعب مهاجري أمتي، ويوفي الله بقيته من أعرابنا تفسير : وقد روى هذا الحديث محمد بن سهل بن عسكر عن أبي توبة الربيع بن نافع بإسناده مثله، وزاد: قال أبو سعيد: فحسب ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ أربعمائة ألف ألف، وتسعين ألف ألف. (حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أما والذي نفس محمد بيده ليبعثن منكم يوم القيامة إلى الجنة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يَخْبِطون الأرض، تقول الملائكة: لم جاء مع محمد أكثر مما جاء مع الأنبياء تفسير : ؟ وهذا إسناد حسن. (نوع آخر) من الأحاديث الدالة على فضيلة هذه الأمة وشرفها وكرامتها على الله عز وجل، وأنها خير الأمم في الدينا والآخرة، قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابراً أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي يوم القيامة ربع الجنة تفسير : قال: فكبرنا، ثم قال: حديث : أرجو أن يكونوا ثلث الناس تفسير : قال: فكبرنا، ثم قال: حديث : أرجو أن تكونوا الشطرتفسير : ، وهكذا رواه عن روح عن ابن جريج، به، وهو على شرط مسلم. وثبت في الصحيحين من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة تفسير : ؟ فكبرنا، ثم قال: حديث : أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة تفسير : ؟ فكبرنا، ثم قال: حديث : إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة.تفسير : (طريق أخرى) عن ابن مسعود. قال الطبراني: حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثني الحارث بن حَصِيرة، حدثني القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : كيف أنتم وربع الجنة لكم، ولسائر الناس ثلاثة أرباعها تفسير : ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: حديث : كيف أنتم وثلثها تفسير : ؟ قالوا: ذاك أكثر، قال: حديث : كيف أنتم والشطر لكم تفسير : ؟ قالوا: ذاك أكثر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أهل الجنة عشرون ومائة صف، لكم منها ثمانون صفاً تفسير : قال الطبراني: تفرد به الحارث بن حَصِيرة. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا ضرار ابن مرة أبو سنان الشيباني عن محارب بن دِثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أهل الجنة عشرون ومائة صف، هذه الأمة من ذلك ثمانون صفاً تفسير : وكذا رواه عن عفان عن عبد العزيز، به، وأخرجه الترمذي من حديث أبي سنان، به، وقال: هذا حديث حسن، ورواه ابن ماجه من حديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، به. (حديث آخر) روى الطبراني من حديث سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي: حدثنا خالد بن يزيد البجلي، حدثنا سليمان بن علي بن عبد الله ابن عباس عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:حديث : أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من أمتي تفسير : تفرد به خالد بن يزيد البجلي، وقد تكلم فيه ابن عدي. (حديث آخر) قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا موسى بن غيلان، حدثنا هاشم بن مخلد، حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان، عن أبي عمرو، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت: {أية : ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَخِرِينَ} تفسير : [الواقعة: 39 ـ 40] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة».تفسير : وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولاً الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، الناسُ لنا فيه تبع، غداً لليهود، للنصارى بعد غد» تفسير : رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن طاوس عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً بنحوه، ورواه مسلم أيضاً من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة» تفسير : وذكر تمام الحديث. (حديث آخر) روى الدارقطني في الأفراد من حديث عبد الله ابن محمد بن عقيل عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي»تفسير : ، ثم قال: انفرد به ابن عقيل عن الزهري، ولم يرو عنه سواه، وتفرد به زهير بن محمد عن ابن عقيل، وتفرد به عمرو بن أبي سلمة عن زهير. وقد رواه أبو أحمد بن عدي الحافظ، فقال: حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق، حدثنا أبو بكر الأعين محمد بن أبي عَتَّاب، حدثنا أبو حفص التنيسي ـ يعني عمرو بن أبي سلمة - حدثنا صدقة الدمشقي عن زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الزهري. ورواه الثعلبي: حدثنا أبو العباس المخلدي أنبأنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد، أنبأنا أحمد بن عيسى التنيسي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا صدقة بن عبد الله، عن زهير ابن محمد، عن ابن عقيل، به. فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات، دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها، رأى من الناس رِعَةً، فقرأ هذه الآية: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله فيها، رواه ابن جرير، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى: {أية : كَانُواْ لاَ يَتَنَـٰهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ}تفسير : [المائدة: 79] الآية، ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى: {وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ} أي: بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} أي: قليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان. ثم قال تعالى مخبراً عباده المؤمنين ومبشراً لهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين، فقال تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} وهكذا وقع، فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم أنوفهم، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم كذلك، ويحكم بملة الإسلام وشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام. ثم قال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} أي: ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا، فلا يأمنون {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ} أي: بذمة من الله، وهو عقد الذمة لهم، وضرب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام الملة {وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} أي: أمان منهم لهم، كما في المهادن والمعاهَد والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين، ولو امرأة، وكذا عبد، على أحد قولي العلماء، قال ابن عباس: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} أي: بعهد من الله، وعهد من الناس، وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي والربيع بن أنس. وقوله: {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي: ألزموا فالتزموا بغضب من الله، وهم يستحقونه {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ} أي: ألزموها قدراً وشرعاً. ولهذا قال {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِـآيَـاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} أي: وإنما حملهم على ذلك الكبر والبغي والحسد فأعقبهم ذلك الذلة والصغار والمسكنة أبداً متصلاً بذل الآخرة، ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} أي: إنما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله، وقيضوا لذلك أنهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله عز وجل، والغشيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله، فعياذاً بالله من ذلك، والله عز وجل المستعان. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر الأزدي، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقلهم آخر النهار.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كُنتُمْ } يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم في علم الله تعالى {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ } أظْهِرَت {لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ لَكَانَ } الإيمان {خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } كعبد الله بن سلام رضي الله عنه وأصحابه {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ } الكافرون.

الشوكاني

تفسير : قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} هذا كلام مستأنف يتضمن بيان حال هذه الأمة في الفضل على غيرها من الأمم، و"كان" قيل: هي التامة، أي: وجدتم، وخلقتم خير أمة، ومثله ما أنشده سيبويه:شعر : وَجِيرانٍ لَنا كَانُوا كرام تفسير : ومنه قوله تعالى {أية : كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً }تفسير : [مريم: 29] وقوله: {أية : وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ }تفسير : [الأعراف: 86]. وقال الأخفش: يريد أهل أمة: أي خير أهل دين، وأنشد:شعر : فحلفتُ فلم أتْركْ لِنَفْسِك رِيبةً وَهَلْ يْأثَمَنْ ذُو أمَّةٍ وَهُوطَائِعَ تفسير : وقيل: معناه: كنتم في اللوح المحفوظ، وقيل: كنتم منذ آمنتم. وفيه دليل على أن هذه الأمة الإسلامية خير الأمم على الإطلاق، وأن هذه الخيرية مشتركة ما بين أول هذه الأمة، وآخرها بالنسبة إلى غيرها من الأمم، وإن كانت متفاضلة في ذات بينها. كما ورد في فضل الصحابة على غيرهم. قوله: {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } أي: أظهرت لهم. وقوله: {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } الخ كلام مستأنف يتضمن بيان كونهم خير أمة مع ما يشتمل عليه من أنهم خير أمة ما أقاموا على ذلك، واتصفوا به، فإذا تركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر زال عنهم ذلك، ولهذا قال مجاهد: إنهم خير أمة على الشرائط المذكورة في الآية، وهذا يقتضي أن يكون تأمرون، وما بعده في محل نصب على الحال أي: كنتم خير أمة حال كونكم آمرين ناهين مؤمنين بالله، وبما يجب عليكم الإيمان به من كتابه، ورسوله، وما شرعه لعباده، فإنه لا يتم الإيمان بالله سبحانه إلا بالإيمان بهذه الأمور. قوله: {وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ } أي: اليهود إيماناً كإيمان المسلمين بالله، ورسله وكتبه: {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } ولكنهم لم يفعلوا ذلك؛ بل قالوا: نؤمن ببعض الكتاب، ونكفر ببعض، ثم بين حال أهل الكتاب بقوله: {مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } وهم الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، فإنهم آمنوا بما أنزل عليه، وما أنزل من قبله: {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } أي: الخارجون عن طريق الحق المتمردون في باطلهم المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولما جاء به، فيكون هذا التفصيل على هذا كلاماً مستأنفاً جواباً، عن سؤال مقدر، كأنه قيل: هل منهم من آمن فاستحق ما وعده الله. قوله: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } أي: لن يضروكم بنوع من أنواع الضرر إلا بنوع الأذى، وهو الكذب، والتحريف، والبهت، ولا يقدرون على الضرر الذي هو الضرر في الحقيقة بالحرب، والنهب، ونحوهما، فالاستثناء مفرغ، وهذا وعد من الله لرسوله، وللمؤمنين أن أهل الكتاب لا يغلبونهم، وأنهم منصورون عليهم، وقيل: الاستثناء منقطع. والمعنى: لن يضروكم ألبتة لكي يؤذونكم، ثم بين سبحانه ما نفاه من الضرر بقوله: {وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأدُبَارَ } أي: ينهزمون ولا يقدرون على مقاومتكم فضلاً عن أن يضروكم. وقوله: {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } عطف على الجملة الشرطية، أي: ثم لا يوجد لهم نصر، ولا يثبت لهم غلب في حال من الأحوال، بل شأنهم الخذلان ما داموا. وقد وجدنا ما وعدنا سبحانه حقاً، فإن اليهود لم تخفق لهم راية نصر، ولا اجتمع لهم جيش غلب بعد نزول هذه الآية، فهي من معجزات النبوة. قوله: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ } قد تقدم في البقرة معنى هذا التركيب. والمعنى: صارت الذلة محيطة بهم في كل حال، وعلى كل تقدير في أي مكان وجدوا {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ } أي: إلا أن يعتصموا بحبل من الله، قاله الفراء: أي: بذمة الله، أو بكتابه {وَحَبْلٍ مّنَ ٱلنَّاسِ } أي: بذمة من الناس، وهم المسلمون، وقيل المراد بالناس: النبي صلى الله عليه وسلم {وَبَاءوا } أي: رجعوا {بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ } وقيل: احتملوا، وأصل معناه في اللغة اللزوم، والاستحقاق، أي: لزمهم غضب من الله هم مستحقون له. ومعنى ضرب المسكنة: إحاطتها بهم من جميع الجوانب، وهكذا حال اليهود، فإنهم تحت الفقر المدقع، والمسكنة الشديدة إلا النادر الشاذ منهم. والإشارة بقوله {ذلك} إلى ما تقدم من ضرب الذلة، والمسكنة، والغضب، أي: وقع عليهم ذلك بسبب أنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون الأنبياء بغير حق، والإشارة بقوله: {ذلك} إلى الكفر، وقتل الأنبياء بسبب عصيانهم لله، واعتدائهم لحدوده. ومعنى الآية: أن الله ضرب عليهم الذلة، والمسكنة، والبواء بالغضب منه لكونهم كفروا بآياته، وقتلوا أنبياءه بسبب عصيانهم، واعتدائهم. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأحمد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في الآية قال: قال عمر بن الخطاب: لو شاء الله لقال: أنتم فكنا كلنا، ولكن قال {كنتم} في خاصة أصحاب محمد، ومن صنعهم مثل صنعهم كانوا خير أمة أخرجت للناس، وفي لفظ عنه أنه قال: يكون لأولنا، ولا يكون لآخرنا. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية، ثم قال: يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله منها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة في الآية قال: نزلت في ابن مسعود، وعمار بن ياسر، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل. وأخرج البخاري، وغيره، عن أبي هريرة في الآية قال: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن معاوية بن حيدة: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الآية: "حديث : إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها"تفسير : . وروى من حديث معاذ، وأبي سعيد نحوه. وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين، وغيرهما أنه يدخل من هذه الأمة الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، ولا عذاب، وهذا من فوائد كونها خير الأمم. وأخرج ابن جرير عن الحسن: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } قال: تسمعون منهم كذباً على الله بدعوتكم إلى الضلالة. وأخرج أيضاً، عن ابن جريج قال: إشراكهم في عزير، وعيسى، والصليب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن، وقتادة: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ } قالا: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وروى ابن المنذر، عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مّنَ ٱلنَّاسِ } قال: بعهد من الله، وعهد من الناس.

الماوردي

تفسير : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} فإن قيل:فَلِمَ قال كنتم خير أمة ولم يقل أنتم خير أمة؟ ففيه أربعة أجوبة: أحدها: أن الله تعالى قد كان قدم البشارة لهم بأنهم خير أمة، فقال: {كُنْتُمْ} يعني إلى ما تقدم في البشارة، وهذا قول الحسن البصري. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أَنتُم تُتِمَّونَ سَبْعِن أُمةً أَنْتُم خَيرُها وأَكْرمُها عَلَى اللهِ ". تفسير : والثاني: أن ذلك لتأكيد الأمر لأن المتقدم مستصحب وليس الآنف متقدماً، وذلك مثل قوله تعالى: {وكان الله غفوراً رحيماً}. والثالث: معناه خلقهم خير أمّة. والرابع: كنتم خير أمّة في اللوح المحفوظ.

ابن عبد السلام

تفسير : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ} أي كنتم في اللوح المحفوظ، أو خلقتم، أو أراد التأكيد لأن المتقدم مستصحب بخلاف المستأنف، أو أشار إلى ما قدمه من البشارة بأنهم خير أمة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...} الآية: اختلفَ في تأويل هذه الآية. فقيل: نزلَتْ في الصحابة، وقال الحسَنُ بْنُ أبي الحَسَن وجماعةٌ مِنْ أَهْل العلْمِ: الآيةُ خطَابٌ لجميع الأمة؛ بأنهم خير أمة أخرجَتْ للنَّاس؛ ويؤيِّد هذا التأويلَ كونُهم شهداءَ عَلَى النَّاس. وأمَّا قوله: «كُنْتُمْ»؛ على صيغة المُضِيِّ؛ فإنها التي بمعنَى الدَّوامِ؛ كما قال تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [الأحزاب:73] وقال قوم: المعنَىٰ: كنتم فِي عِلْمِ اللَّه، وهذه الخَيْريَّة التي خَصَّ اللَّه بها هذه الأمَّة، إنما يأخذ بحَظِّه منها مَنْ عمل بهذه الشُّروط مِنَ الأمر بالمعروفِ، والنَّهْيِ عن المنكر، والإيمانِ باللَّه؛ ممَّا جاء في فَضْل هذه الأمَّة ما خرَّجه مُسْلِمٌ في صحيحه، عن أبي هريرة، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامةِ»تفسير : وفي رواية: «حديث : السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّة»تفسير : ، وفي رواية: «حديث : نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، والأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، المَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الخَلاَئِقِ»تفسير : ، وفي رواية: «حديث : المَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ»تفسير : . اهـــ. وخرَّج ابن مَاجَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : نَحْنُ آخرُ الأُمَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبَ، يُقَالُ: أَيْنَ الأَمَّةُ الأَمِّيَّةُ ونَبِيُّها، فَنَحْنُ الآخرُونَ الأَوَّلُونَ»تفسير : ، وفي روايةٍ عن ابن عَبَّاس: «حديث : فتُفَرِّجُ لَنَا الأَمَمُ عَنْ طَرِيقَنَا، فَنَمْضِي غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الطُّهُورِ، فَتَقُولُ الأُمَمُ: كَادَتْ هَذِهِ الأَمَّةُ أَنْ تَكُونَ أَنْبِيَاءَ كُلُّهَا»تفسير : ، وخَرَّجهُ أيضاً أبو داود الطَّيَالِسِيُّ في مسنده بمعناه. اهـــ من «التذكرة». وروى أبو داود في سننه، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبة، عن أبيه، عن أبي مُوسَىٰ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ؛ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا؛ الفِتَنُ، وَالزَّلاَزِلُ، وَالقَتْل»تفسير : اهـــ، وقد ذكرنا هذا الحديثَ أيضاً عن غَيْر أبي داود، وهذا الحديثُ ليس هو علَىٰ عمومه في جميعِ الأمَّة؛ لثبوت نُفُوذِ الوعيدِ في طائفةٍ من العُصَاة. اهـــ. وقوله: {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ}، وما بعده: أحوالٌ في موضعِ نصبٍ. وفي الحديثِ: «حديث : خَيْرُ النَّاسِ أتُقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآمَرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ»تفسير : ، رواه البغويُّ في «منتخبه». اهـــ من «الكوكب الدري». وقوله سبحانه: {مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ}: تنبيهٌ علَىٰ حال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وأخيهِ، وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ، وغيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ. وقوله تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى}، أي: إلا أَذًى بالألسنة فَقَطْ، وأخبر سبحانه في قوله: {وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ}، بخبر غَيْب، صحَّحه الوجودُ، فهي مِنْ آيات نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وفائدةُ الخَبَرِ هي في قولِهِ: {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}، أي: لا تكونُ حَرْبُ اليهودِ معكم سِجَالاً، وخص الأدبار بالذِّكْر دون الظَّهْرِ، تَخْسِيساً للفَارِّ، وهكذا هو حيثُ تصرَّفَ. وقوله تعالى: {ضُرِبَتْ}: معناه: أُثْبِتَتْ بشدَّةٍ وإلزامٍ، وهذا وصْفُ حالٍ تقرَّرت على اليهودِ في أقطار الأرْضِ قبل مَجِيء الإسلام، وثُقِفُوا: معناه أُخِذُوا بحالِ المذْنِبِ المستحِقِّ الإهلاك، وقوله: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ} في الكلامِ محذوفٌ يدركُهُ فهُمْ السامعِ، تقديره: فلا نجاة لهم مِنَ القَتْلِ أو الاستئصالِ إلاَّ بحَبْلٍ، وهو العَهْدُ. وقوله: {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى الغَضَب، وضَرْب الذلَّة والمَسْكَنَة، وباقي الآية تقدَّم تفسير نظيره.

ابن عادل

تفسير : في "كان" هذه - ستة أقوال: أحدها: أنها ناقصة على بابها - وإذا كانت كذلك، فلا دلالة لها على مُضِيٍّ وانقطاع، بل تصلح للانقطاع نحو: كان زيدٌ قائماً، وتصلح للدوام، كقوله: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 96]، وقوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} تفسير : [الإسراء: 32]، فهي - هنا - بمنزلة: لم يزل، وهذا بحسب القرائن. وقال الزمخشري: "كان عبارة عن وجود الشيء في زمنٍ ماضٍ، على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على عدم سابق، ولا على انقطاع طارئ، ومنه قوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 96]، وقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]. كأنه قيل: وُجِدتم خيرَ أمة". قال أبو حيان: قوله: "لم يدل على عدم سابق"، هذا إذا لم يكن بمعنى: "صار"، فإذا كان بمعنى: "صار" دلت على عدم سابق، فإذا قلتَ: كان زيدٌ عالماً - بمعنى: صار زيدٌ عالماً - دل على أنه نقل من حالة الجَهْل إلى حالة العلم. وقوله:؛ "ولا على انقطاع طارئ"، قد ذكرنا - قبل - أن الصحيح أنها كسائر الأفعال، يدل لفظ المُضِيّ منها على الانقطاع، ثم قد يستعمل حيث لا انقطاع، وفرق بين الدلالة والاستعمال؛ ألا ترى أنك تقول: "هذا اللفظ يدل على العموم" ثم قد يستعمل حيث لا يراد العموم، بل يراد الخصوص. وقوله: كأنه قيل: "وجدتم خير أمة"، هذا يعارض قوله: إنها مثل قوله: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 96]؛ لأن تقديره: وجدتم خير أمة يدل على أنها التامة، وأن {خَيْرَ أُمَّةٍ} حال، وقوله: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 96] لا شك أنها - هنا - الناقصة، فتعارضا. قال شهابُ الدين: "لا تعارُضَ؛ لأن هذا تفسير معنًى، لا إعراب". الثاني: أنها بمعنى: "صرتم"، و "كان" تأتي بمعنى: "صار" كثيراً. كقوله: [الطويل] شعر : 1571- بِتَيْهَاءَ قَفْرٍ وَالْمَطِيُّ كأنَّهَا قَطَا الْحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا تفسير : أي: صارت فراخاً. الثالث: أنها تامة، بمعنى: "وجدتم"، و {خَيْرَ أُمَّةٍ} - على هذا منصوب على الحال، أي: وجدتم على هذه الحال. الرابع:؛ أنها زائدة، والتقدير: أنتم خير أمة، وهذا قول مرجوح، أو غلط، لوجهين: أحدهما: أنها لا تزاد أولاً، وقد نقل ابنُ مالك الاتفاق على ذلك. الثاني: أنها لا تعمل في "خير" مع زيادتها. وفي الثاني نظر، إذ الزيادة لا تنافي العمل، لما تقدم عند قوله: "وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله"؟ الخامس: أنها على بابها، و المراد: كنتم في علم الله، أو في اللوح المحفوظ، أو في الأمم السالفة، مذكورين بأنكم خير أمة. السادس: أن هذه الجملة متصلة بقوله: "ففي رحمة الله"، أي: فيقال لهم يوم القيامة: "كنتم خير أمة"، وهو بعيد جِدًّا. قوله: {أُخْرِجَتْ} يجوز في هذه الجملة أن تكون في مَحَلِّ جَرٍّ؛ نعتاً لـ "أمةٍ" - وهو الظاهر - وأن تكون في محل نصب؛ نعتاً لـ "خَيْر"، وحينئذ يكون قد روعي لفظ الاسم الظاهر بعد وروده بعد ضمير الخطاب، ولو روعي ضمير الخطاب لكان جائزاً - أيضاً - وذلك أنه إذا تقدم ضميرُ حاضرٍ - متكلِّماً كان أو غائباً أو مخاطباً - ثم جاء بعده خبره اسماً ظاهراً، ثم جاء بعد ذلك الاسم الظاهر ما يصلح أن يكون وصفاً له كان للعرب فيه طريقان: أحدهما: مراعاة ذلك الضمير السابق، فيطابقه بما في تلك الجملة الواقعة صفة للاسم الظاهر. الثانية: مراعاة ذلك الاسم الظاهر، فيبعد الضمير عليه منها غائباً، وذلك كقولك: أنت رجل يأمر بالمعروف، بالخطاب، مراعاة لـ "أنت"، وبالغيبة، مراعاة للفظ "رجل"، وأنا امرؤ أقول الحق - بالمتكلم؛ مراعاة لـ "أنا" ويقول الحقّ، مراعاة لامرىءٍ، وبالغيبة مراعة للفظ امرىء، ومن مراعاة الضمير قوله تعالى: {أية : بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} تفسير : [النمل: 55]، وقوله: {أية : بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}تفسير : [النمل: 47]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ". تفسير : وقول الشاعر: [الطويل] شعر : 1572- وَأنْتَ امْرُؤٌ قَدْ كَثَّأتْ لَكَ لِحْيَةٌ كَأنَّكَ مِنْهَا قَاعِدٌ في جُوَالِقِ تفسير : ولو قيل: - في الآية الكريمة -: أخْرِجْتُمْ؛ مراعاة لـ "كُنْتُمْ" لكان جائزاً - من حيث اللفظ - ولكن لا يجوز أن يُقْرأ به؛ لأن القراءةَ سنَّة مُتَّبَعَةٌ، فالأولَى أن تُجْعَل الجملة صفة لـ "أمَّةٍ"، لا لـ "خَيْرَ", لتناسب الخطاب في قوله: {تَاْمُرُونَ}. قوله: {لِلنَّاسِ} فيه أوجه: أحدها: أن تتعلق بـ {أُخْرِجَتْ} ومعناه: ما أخرج الله أمة خيراً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث: "حديث : ألا وَإنَّ هَذِه الأمة تُوفِّي سبعين أمة، أنتم خَيْرُهَا وَأكْرَمُهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى ". تفسير : الثاني: أنه متعلق بـ "خَيْرَ" أي: أنتم خير الناس للناس. قال أبو هريرة: معناه:؛ كنتم خير الناس للناس؛ تجيئون بهم في السلاسل، فتُدْخلونهم في الإسلام. وقال قتادة: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم يؤمر نبيٌّ قبله بالقتال، فهم يقاتلون الكفار، فيُدْخلونهم في الإسلام، فهم خير أمةٍ للناس. والفرق بينهما - من حيث المعنى - أنه لا يلزم أن يكونوا أفضلَ الأمم - في الوجه الثاني - من هذا اللفظ بل من موضع آخرَ. الثالث: أنه متعلِّق - من حيث المعنى، لا من حيث الإعراب، بـ "تَأمُرُونَ" على أن مجرورَها مفعول به، فلما تقدم ضَعُفَ العامل، فَقُوِّيَ بزيادة اللام، كقوله: {أية : إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} تفسير : [يوسف: 43] أي: إن كنتم تعبرون الرؤيا. قوله: {تَأْمُرُونَ} في هذه الجملة أوجُهٌ: الأول: أنها خبر ثان لِـ "كُنْتُمْ"، ويكون قد راعى الضمير المتقدم - في "كُنْتُمْ"، ولو راعى الخبر لقال: يأمرون - بالغيبة، وقد تقدم تحقيقه. الثاني: أنها في محل نصب على الحال، قاله الراغب وابن عطية. الثالث: أنها في محل نصب؛ نعتاً لِـ {خَيْرَ أُمَّةٍ}، وأتى بالخطاب لما تقدم، قاله الحوفي. الرابع: أنها مستأنفة، بيَّن بها كونهم خير أمة، كأنه قيل: السبب في كونكم خير الأمم هذه الخصال الحميدة، والمقصود بيان علة تلك الخيرية - كقولك: زيد كريم؛ يُطعِم الناسَ ويكسوهم - لأن ذِكْرَ الحكم مقروناً بالوصف المناسِب له يُشْعِر بالعلِّيَّةِ، فها هنا لما ذكر - عقيب الخيرية - أمْرَهم بالمعروف، ونَهْيَهُم عن المنكر، أوجب أن تكون تلك الخيرية لهذا السبب، وهذا أغرب الأوجه. فصل في كيفية النظم وجهان: أحدهما: أنه لما حذَّر المؤمنين من أن يكونوا مثل أهل الكتاب - في التفرُّق والاختلاف، وذكر ثواب المطيعين، وعقاب الكافرين، وكان الغرض من ذلك حَمْلَ المؤمنين على الانقياد والطاعة، أرْدَفه بطريق آخر يقتضي الحمل على الانقياد والطاعة، فقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}، فاللائق بكم ألا تُبْطِلوا على أنفسكم هذه الفضيلة المحمودة، وإن كنتم منقادين للطاعات. الثاني: أنه - تعالى - لما ذكر وعيدَ الأشقياء، وتسويد وجوههم - ونبَّه على السبب بقوله: {أية : وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 108] يعني: أنهم إنما استحقُّوا ذلك بأفعالهم القبيحةِ؛ نبَّه في هذه الآية على سبب وعد السعداء بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} يعني: أن تلك السعادات التي فازوا بها في الآخرة؛ لأنهم كانوا خير أمةٍ أخْرِجَتْ للناس. قال عكرمة، ومُقَاتِلٌ: نزلت في ابن مسعود، وأبَي بن كعب، ومُعَاذِ بن جبلٍ، وسالم مولي أبي حذيفة، وذلك أن مالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا اليهوديَّيْن قالا لهم: نحن أفضل منكم، وديننا خير مما تدعوننا إليه. [فأنزل الله هذه الآية]. وروى الترمذيُّ - عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده - أنه سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول - في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} قال: "حديث : أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أمَّةً، أنْتُمْ خَيْرُهَا وَأكْرَمُهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى"تفسير : . قال: هذا حديث حسن. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وقال جويبر - عن الضَّحَّاك -: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصَّة الدعاة والرواة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم. وروي عن عمر بن الخطاب، قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تكون لأولنا، ولا تكون لآخرنا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خَيْرُكم قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قال عمران بن حصين: لا أدري، أذَكَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعد قرنه قرنين أم ثلاثة؟ - ثم إن بعدكم قوماً يخونون ولا يُؤتَمَنُون، ويَشهدون ولا يُستشهَدون، ويَنْذِرون ولا يُوفون، ويظهر فيهم السمن ". تفسير : فصل قال القفال: أصل الأمة: الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد، فأمة نبينا صلى الله عليه وسلم، هم الجماعة الموصوفون بالإيمان به، والإقرار بنبوته، وقد يُقال - لكل من جمعته الدعوة - إنهم أمته، إلا أن لفظ: "الأمة" إذا أطْلِقَت وَحْدَها، وقع على الأول، إلا أنه إذا قيل: أجمعت الأمة على كذا، فهم منه الأول، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ"تفسير : . وروي أنه صلى الله عليه وسلم يقول - يوم القيامة -: "حديث : أمتي، أمَّتِي"تفسير : فلفظ "الأمة" في هذه المواضع وأشباهها - يُفْهَم منه المُقِرُّون بنبوته، فأما أهل دعوته فإنهم إنما يُقال لهم: أمَّة الدعوة، ولا يطلق عليهم لفظ "الأمة" إلا بهذا الشرط. فصل احتج بعض العلماء بهذه الآية على أن إجماعَ الأمة حجة من وجهين: الأول: أنه - تعالى - قال: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}تفسير : [الأعراف: 159] ثم قال - في هذه الآية: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ}، فوجب أن تكون - بحكم هذه الآية - هذه الأمة أفضل من تلك الأمة، الذين يهدون بالحق من قوم موسى، وإذا كان كذلك وجب أن تكون هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق، إذْ لو جاز - في هذه الأمة - أن تحكم بما ليس بحَقٍّ، لامتنع كونهم أفضل من الأمة التي تهدي بالحق؛ لأن المبطل لا يكون خيراً من الحَقِّ، وإذا ثبت أن هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق كان إجماعهم حجة. الثاني: أن الألف واللام في لفظ: "المعروف"، و "المنكر"، يفيدان الاستقرار، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف، وناهين عن كل منكرٍ، ومتى كانوا كذلك كان إجماعهم حقًّا، وصدقاً - لا محالة - فكان حُجَّةً. فإن قيل: الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، والإيمان بالله، هذه الصفات الثلاث كانت حاصلة في سائر الأمم، فمن أي وَجْهٍ كانت هذه الأمة خير الأمم؟ والجواب: قال القفال: إن تفضيلهم على سائر الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر بآكد الوجوه - وهو القتال -: لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان، واليد، وأقواها القتال؛ لأنه إلقاء للنفس في خطر القتل، وأعرف المعروفات الدين الحق، والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات الكفر بالله، فلما كان الجهاد في الدين تحملاً لأعظم المضارّ؛ لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع، وتخليصه من أعظم المضار، وجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات، وهو في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع - فلا جرم - صار ذلك موجباً لفَضْل العبادات، وهو في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع - فلا جرم - صار ذلك موجباً لفَضْل هذه الأمة على سائر الأمم. وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويُقِرُّوا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، و "لا إله إلا الله" أعظم المعروف، والتكذيب هو أنكر المنكر. ثم قال القفال: فائدة: القتال على الدين لا يُنكره مُنْصف، لأن أكثر الناس يحبون أديانهم بسبب الإلف والعادة، ولا يتأملون في الدلائل الواردة عليهم، فإذا أكره - بالتخويف بالقتل - على الدخول في الدين، دخل فيه، ثم لا يزال يَضْعُف في قلبه ما كان من حب الباطل، ويقوى حُبُّ الدين الحقِّ في قلبه إلى أن ينتقل من الباطل إلى الحقّ، ومن استحقاق العذاب الأليم إلى استحقاقِ الثوابِ الدائم، والنعيم المقيم. فإن قيل: لم قدم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على الإيمان بالله، في الذكر - مع أن الإيمان بالله - لا بد وأن يكون مُقَدَّماً على كل الطاعات. فالجواب: أن الإيمان بالله مشترك فيه بين جميع الأمم المُحِقَّةِ، ثم إنه - تعالى - ذكر أن فَضْل هذه الأمَّة أقوى حالاً - في الأمر بالمعروف، والنَّهْيِ عن المنكر - من سائر الأمم، فالمؤثر - إذَنْ - في هذه الخيرية هو الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، وأما الإيمان بالله فهو شرط لتأثير هذا المؤثر في هذا الحكم؛ لأنه ما لم يوجد الإيمان لم يصر شيء من الطاعات وصْفاً من صفات الخيرية. فإن قيل: لم اكتفى بذكر الإيمان بالله، ولم يذكر الإيمان بالنبوة، مع أنه لا بُدَّ منه؟ فالجواب: أنّ الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالنبوة، لأن الإيمان بالله لا يحصل إلا إذا حصل الإيمان بكونه صادقاً، والإيمان بكونه صادقاً لا يحصل إلا إذا كان الذي أظهر المعجزة، على وفق دعواه صادقاً؛ لأن المعجز قائم مقام التصديق بالقول، فلما شاهد ظهور المعجز على وفق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم كان من ضرورة الإيمان بالله الإيمان بنبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم فكان الاقتصار على ذِكْر الإيمان بالله تنبيهاً على هذه الدقيقة. قوله: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: لو آمن أهل الكتاب بهذا الذي حصلت به صفة الخيريَّةِ لأتباع محمد صلى الله عليه وسلم، لحصلت هذه الخيرية - أيضاً - لهم. الثاني: أن أهل الكتاب إنما آثروا دينهم، حُبًّا للرياسة، واستتباع العوام، ولو آمنوا لحصلت لهم الرياسة في الدنيا مع الثواب العظيم في الآخرة، فكان ذلك خيراً مما قَنِعُوا به. قوله: {لَكَانَ خَيْرًا} اسم "كان" ضمير يعود على المصدر المدلول عليه بفعله، والتقدير لكان الإيمان خيراً لهم كقولهم: "من كذب كان شراً له" أي: كان الكذب شراً له، كقوله تعالى: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [المائدة: 8]. وقول الشاعر: [الوافر] شعر : 1573- إذَا نُهِيَ السَّفِيةُ جَرَى إلَيْهِ وَخَالفَ، وَالسَّفِيةُ إلى خِلاَفِ تفسير : أي: جرى إليه السفه. والمفضل عليه محذوف، أي: خيراً لهم من كُفْرهم، وبقائهم على جَهْلهم. وقال ابن عطية: ولفظة "خير" صيغة تفضيل، ولا مشاركة بين كُفْرهم وإيمانهم في الخير، وإنما جاز ذلك لما في لفظه "خير" من الشياع وتشعب الوجوه، وكذلك هي لفظة "أفضل"، و "أحب" وما جرى مجراها. قال أبو حيان: "وإبقاؤها على موضوعها الأصلي أوْلَى - إذا أمكن ذلك - وقد أمكن ذلك؛ إذ الخيرية مطلقة، فتحصل بأدْنى مشاركة". قوله: {مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} جملة مستأنفة، سِيقت للإخبار بذلك. قال الزمخشريّ: "هما كلامان واردان على طريق الاستطراد، عند إجراء ذِكْر أهل الكتاب، كما يقول القائل - إذا ذكر فلاناً - من شأنه كيت وكيت - ولذلك جاء من غير عاطف". الألف واللام في قوله: {الْمُؤْمِنُونَ} للعهد، لا للاستغراق، والمراد عبد الله بن سلام ورهطه من "اليهود"، والنجاشي ورَهْطه من "النصارى". فإن قيل: الوصْف إنما يُذْكَر للمبالغة، فأي مبالغة تحصل في وصف الكافر بأنه فاسق؟ فالجواب: أن الكافر قد يكون عَدْلاً في دينه، وفاسقاً في دينه، فالفاسق في دينه يكون مردوداً عند جميع الطوائف؛ لأن المسلمين لا يقبلونه لكفْره، والكفّار لا يقبلونه لفِسْقِه عندهم، فكأنه قيل: أهل الكتاب فريقان: منهم مَنْ آمن، والذين لم يؤمنوا فهم فاسقون في أديانهم، فليسوا ممن يُقْتَدَى بهم ألبتة عند أحدٍ من العقلاء.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والفريابي وأحمد والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن ابي عباس في قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: قال عمر بن الخطاب: لو شاء الله لقال: أنتم. فكنا كلنا، ولكن قال {كنتم} في خاصة أصحاب محمد، ومن صنع مثل صنيعهم كانوا {خير أمة أخرجت للناس}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي عمن حدثه عن عمر في قوله {كنتم خير أمة} قال: تكون لأوّلنا، ولا تكون لآخرنا. وأخرج ابن جرير وابن المنذرعن عكرمة في الآية قال: نزلت في ابن مسعود، وعمار بن يسار، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية {كنتم خير أمة أخرجت للناس} الآية. ثم قال: يا أيها الناس من سرَّه أن يكون من تلكم الأمة فليؤدِّ شرط الله منها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} يقول: على هذا الشرط: أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله. يقول: لمن أنتم بين ظهرانيه كقوله {أية : ولقد اخترناهم على علم على العالمين}تفسير : [الدخان: 32]. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن أبي هريرة في قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام. وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: خير الناس للناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة، فمن ثم قال {كنتم خير أمة أخرجت للناس}. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن معاوية بن حيدة. أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال "حديث : إنكم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله ". تفسير : وأخرج ابن جرير "حديث : عن قتادة قال ذكر لنا نبي الله صلى لله عليه وسلم قال ذات يوم وهو مسند ظهره إلى الكعبة: نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة، نحن آخرها وخيرها ". تفسير : وأخرج أحمد بسند حسن عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطية في الآية قال: خير الناس للناس. شهدتم للنبيين الذين كذبهم قومهم بالبلاغ. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: لم تكن أمة دخل فيها من أصناف الناس غير هذه الأمة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف} يقول: تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله ويقاتلونهم عليه. ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف {وتنهونهم عن المنكر} والمنكر هو التكذيب وهو أنكر المنكر. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {منهم المؤمنون} قال: استثنى الله منهم ثلاثة كانوا على الهدى والحق. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وأكثرهم الفاسقون} قال: ذم الله أكثر الناس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {لن يضروكم إلا أذى} قال: تسمعونه منهم. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج {لن يضروكم إلا أذى} قال: إشراكهم في عزير، وعيسى، والصليب. وأخرج عن الحسن {لن يضروكم إلا أذى} قال: تسمعون منهم كذباً على الله، يدعونكم إلى الضلالة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ضربت عليهم الذلة} قال: هم أصحاب القبالات. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن {ضربت عليهم الذلة} قال: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: أدركتهم هذه الأمة، وأن المجوس لتجتنيهم الجزية. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة {ضربت عليهم الذلة} قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك {ضربت عليهم الذلة} قال: الجزية. وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} قال: بعهد من الله وعهد من الناس. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} قال اجتنبوا المعصية والعدوان، فإن بهما هلك من هلك قبلكم من الناس.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ}. لمّا كان المصطفى صلوات الله عليه أشرفَ الأنبياء كانت أُمَّتُه - عليه السلام - خيرَ الأمم. ولمَّا كانوا خيرَ الأمم كانوا أشرفَ الأمم، ولمَّا كانوا أشرف الأمم كانوا أشْوَقَ الأمم، فلمَّا كانوا أشوق الأمم كانت أعمارُهم أقْصَرَ الأعمار، وخَلقَهم آخِرَ الخلائق لئلا يطولَ مُكْثُهم تحت الأرض. وما حصلت خيريتُهم بكثرة صلواتهم وعبادتهم، ولكن بزيادة إقبالهم، وتخصيصه إياهم. ولقد طال وقوف المتقدمين بالباب ولكن لما خرج الإذنُ بالدخول تقدَّم المتأخرون: شعر : وكم باسطين إلى وَصْلِنا أكُفَّهُم لم ينالوا نصيبا تفسير : قوله جلّ ذكره: {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ}. المعروف خدمة الحق، والمنكر صحبة النفس. المعروف إيثار حقِّ الحق، والمنكر اختيار حظ النفس. المعروف ما يُزْلِفُك إليه، والمنكر ما يحجبك عنه. وشرط الآمر بالمعروف أن يكون متصفاً بالمعروف، وحقُّ النَّاهي عن المنكر أن يكون منصرفاً عن المنكر. {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}. لو دَخَلَ الكافةُ تحت أمرنا لوصلوا إلى حقيقة العزِّ في الدنيا والعقبى، ولكن بَعُدُوا عن القبول في سابق الاختيار فصار أكثرُهم موسوماً بالشِّرْك.

البقلي

تفسير : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} مدحهم بالخيرة ثم شرح الخيرية ثم شرح الخيرية بامر المعروف ونهى المنكى وذلك ربته لانهما اخر درجات لقوم هو محل التمكين وتقديس النفس عن الخطرات ولم يكن ذلك الا بعد التباسه بلباس العظمة الكبرياء مثل الانبياء عليهم السلام وخيريتهم بخيرة نبيه عليه السلام واستعدادهم وصحبته وموافقته وخيريتهم مقرون بخيرته وهو خير الانبياء وقومه خير الامم وامر المعروف دعا المريدين بلسان المحبة مع مدح المشاهدة والنهى عن المنكر نهيهم وردهم منهم اليه قال يحيى بن معاذ قال يحيى معاذ هذه مدحه لهم ولم يكن قوم اثم يعذبهم قال جعفر صادق المعروف موافقة الكتاب والسنة.

اسماعيل حقي

تفسير : {كنتم خير امة} كنتم من كان الناقصة التى تدل على تحقق شىء بصفة فى الزمان الماضى من غير دلالة على عدم سابق او لاحق ويحمل على الدوام او الانقطاع بحسب معونة المقام ودلالة القرائن فقولك كان زيد قائما محمول على الانقطاع وقوله تعالى {أية : وكان الله غفورا رحيما} تفسير : [الأحزاب: 59]. محمول على الدوام ومنه قوله تعالى {كنتم خير امة} {اخرجت للناس} صفة لامة اظهرت لاجلهم ومصلحتهم ونفعهم {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} جملة مستأنفة بين بها كونهم خير امة كأنه قيل السبب فى كونهم خير الامم هذه الخصال الحميدة والمقصود بيان علة تلك الخيرية كقولك زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم لان ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يشعر بالعلية {وتؤمنون بالله} اى ايمانا متعلقا بكل ما يجب ان يؤمن به من رسول وكتاب وحساب وجزاء {ولو آمن اهل الكتاب لكان خيرا لهم} اى لو آمنوا كايمانكم لكان ذلك خيرا لهم مما هم عليه من الرياسة واستتباع العوام ولازدادت رياستهم وتمتعهم بالحظوظ الدنيوية مع الفوز بما وعدوه على الايمان من ايتاء الاجر مرتين {منهم المؤمنون} كأنه قيل هل منهم من آمن او كلهم على الكفر فقيل منهم المؤمنون المعهودون الفائزون بخير الدارين كعبد الله بن سلام واصحابه {واكثرهم الفاسقون} المتمردون فى الكفر الخارجون عن الحدود.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {كان}: على بابها من الدلالة على المُضِيِّ، أي: كنتم في اللوح المحفوظ، أو في علم الله، أو فيما بين الأمم المتقدمة، أو: صلة، أي: أنتم خير أمة، و {للناس}: يتعلق بأخرجت، أو بكنتم، أي: كنتم خير الناس للناس. يقول الحقّ جلّ جلاله: لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {كنتم} في سابق علمي {خير أمة} ظهرت {للناس} تجيئون بهم إلى الجنة بالسلاسل. ثم بيَّن وجه فضلهم فقال: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} وبجميع ما يجب الإيمان به. وقد ورد في مدح هذه الأمة المحمدية أحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : حُرِّمتْ الجنةُ على الأنبياء حتى أدخلها أنا، وحُرّمتْ الجنة على الأُمَمِ حتى تدخلها أمتي"تفسير : . ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أمتي أمةٌ مَرْحُومَةٌ، إذَا كَانَ يَوْمُ القِيامةِ أَعطى الله كُلَّ رَجُلٍ مِن هذه الأمة رجُلاً فيقال: هذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ ". تفسير : وعن أنس قال: "خرجت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا صوت يجيء من شِعْبِ، فقال: يا أنس: قُمْ فانظرْ ما هذا الصوت، فانطلقت فإذا برجلٍ يُصلّي إلى شجرة، ويقول: اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الأمة المرحومة، المغفور لها، المستجاب لها، المتاب عليها، فأتيتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: انطلق، فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام، ويقول لك: من أنت؟ فأتيت، فأعلمته ما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ مني السلام على رسول الله صلى لله عليه وسلم، وقل له: أخوك الخضر يقول لك: ادع الله أن يجعلني من أمتك المرحومة المغفور لها". وقيل لعيسى ابن مريم: هل بعد هذه الأمة أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد. قيل: وما أمة أحمد؟ قال: علماء، حكماء، أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون باليسير من الرزق، ويرضى الله عنهم باليسير من العمل، يدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله. هـ. وليس أولها أولى بالمدح من آخرها، لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أُمتي كالمَطَرِ، لا يُدْرَى أولهُ خيرٌ أو آخرُه"تفسير : ؟ وفي خبر آخر عنه صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : اشتقْتُ إلى إخواني، فقال أصحابُه: نحن إخوانُك يا رسول الله، فقال أنتم أصْحَابي، إخْواني: ناس يأتُون بعدي، يُؤمنون بي ولم يَرَوْنِي، يَوَدُّ أحدُهم لو يَرَاني بجميع ما يَمْلِكُ. يَعْدِلُ عملُ أحدهم سبعين منكم. قالوا: مِنْهم يا رسول الله؟ قال: منكم. قالوا: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنكم وَجَدْتُم على الخير أعْواناً، وهم لا يَجِدُوا عليه أعواناً"تفسير : . أو كما قال - عليه الصلاة والسلام -. قلت: التفضيل باعتبار أجور الأعمال، وأما باعتبار اليقين والمعرفة، فالصحابة أفضل الخلق بعد الأنبياء - عليهم السلام - ويدل على هذا قوله - عليه الصلاة والسلام - "حديث : يعدل عمل أحدهم"تفسير : ، ولم يقل إيمان أحدهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كنتم يا معرش الصوفية خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالجمع على الله والغيبة عما سواه، وتنهونَ عن كلِّ ما يُبعد عن الله ويفرق العبدَ عن مولاه، وتؤمنون بالله وبما وعد به الله، إيمان الشهود والعيان، الذي هو مقام الإحسان. قال القشيري في رسالته: (قد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضَّلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه). وقال الجنيد رضي الله عنه: لو نعلم أن تحت أديمِ السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا، لسعيت إليه ولو حبواً. هـ. وكان كثيراً ما ينشد: شعر : عِلْمُ التصوفِ عِلمٌ ليس يَعْرِفُهُ إلاَّ أَخْو فِطْنَةِ بِالحقِّ معروفُ وليسَ يُبْصِرهُ مَنْ ليس يَشْهدهُ وكيفَ يَشْهَدُ ضوءَ الشمس مكفوفُ تفسير : وقال الشيخ الصقلي: (كلُّ من صدَّقَ بهذا العلم فهو من الخاصة، وكل من فهمه فهو من خاصة الخاصة، وكل من عبّر به وتكلم فيه فهو من النجم الذي لا يُدرك والبحر الذي لا ينزف). وقال في الإحياء - لمَّا تكلم على معرفة الله والعلم بالله، قال: (والرتبةُ العليا في ذلك للأنبياء، ثم للأولياء العارفين، ثم للعماء الراسخين، ثم للصالحين). فقد قدَّم الأولياء على العلماء. قال ابن رشد: وما قاله القشيري والغزالي متفق عليه. قال: ولا يشكُّ عاقلٌ أنَّ العارفين بالله وما يجب له من الكمال، أفضل من العارفين بأحكام الله. انظر تمامه في المعيار. وقال في المباحث: شعر : حُجَّةُ من يُرَجِّعُ الصُوفية على سواهم حُجَّةٌ قويَّة هُمْ أَتْبَعُ النَّاسِ لخيرِ النَّاس مِنْ سَائِرِ الأَنَامِ والأُنَاس تفسير : ثم قال: شعر : ثُمَّ بِشَيْئَيْنِ تقومُ الحُجَّه أنَّهمْ قَطْعاً على المَحَجَّه وَمَأ أَتَوْا فيه بخَرْقِ الْعَادَه إذْ لمْ تَكُنْ لِمَنْ سِوَاهُم عَادَه قَدْ رَفَضُوا الآثَامَ والعُيوب وطَهَّرُوا الأبدَانَ والقُلُوب وَبَلَغُوا حقيقَةَ الإيمَان وانْتَهَجُوا منَاهِجَ الإحْسَان تفسير : ثم دعا أهل الكتاب إلى الإيمان، وهوَّن أمرهم، فقال: {... وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} قلت: الاستثناء في قوله {إلا بحبل}: من أعم الأحوال، أي: ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال، إلا متلبسين بذمة من الله وذمة من الناس. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولو آمن أهل الكتاب} إيماناً كإيمانكم، {لكان خيراً لهم} مما هم عليه. وليس أهل الكتاب سواء، بل {منهم المؤمنين} كعبد الله بن سلام وأصحابه، {وأكثرهم الفاسقون} المتمردون في الكفر والفسوق، فلا يهولكم أمرهم، فإنهم {لن يضروكم} إلا ضرراً يسيراً؛ كأذى باللسان من عيب وسب وتحريش بينكم، ولا قدرة لهم على القتال، {وإن يقاتلوكم} ينهزموا، و {يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون} أبداً عليكم. وهذه الآية من المُغيبات التي وافقها الواقع، إذ كان كذلك في بني قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر، فلم تُرْفع لهم راية أبداً، بل {ضُربت عليهم الذلة} والخزي والهوان، أي: أحاطت بهم إحاطة البيت المضروب على أهله، أو لزمتهم لزوم الدرهم المضروب لضربه، فلا تنفك عنهم {أيم ما ثقفوا} ووُجدوا، فلا يأمنون {إلا بحبل من الله} أي: بسبب عهد من الله، وهو عقد الذمة التي أمر الله بها، إذا أدوا الجزية للمسلمين، فلهم حرمة بسبب هذا العقد، فلا يجوز التعرض لهم في مال ولا دم ولا أهل، {وحبل من الناس}، وهو عقد الذمة التي يعقدها مع الكفار إذا كانوا تحت ذمتهم. والحاصل أن الذلة لازمة لهم فلا يأمنون إلا تحت الذمة، إما من المسلمين وإما من الكفار. {وباءوا بغضب من الله} أي: انقلبوا به مستحقين له، {وضربت عليهم المسكنة} أي: أحاطت بهم، فاليهود في الغالب فقراء مساكين، لأن قلوبهم خاوية من اليقين، فالفقر والجزع لازم لهم، ولو ملكوا الدنيا بأجمعها. {ذلك} الذل والمسكنة والبواء بالغضب بسبب أنهم {كانوا يكفرون بآيات الله} المنزلة على رسوله، أو الدالة على توحيده، {ويقتلون الأنبياء بغير حق} بل ظلماً وعدواناً، ذلك الكفر بسبب عصاينهم واعتدائهم حدود الله، فإن الإصرار على الصغائر يُفضي إلى الكبائر، والإصرار عل الكبائر يؤدي إلى الكفر؛ لأن المعاصي بريد الكفر، والعياذ بالله. الإشارة: ولو آمن أهل الظاهر بطريق الخصوص، وحطو رؤوسهم لأهل الخصوصية لكان خيراً لهم، للتسع عليهم دائرة العلوم، وتفتح لهم مخازن الفهوم، منهم من يقر بوجود الخصوصية، ويعجز عن حمل شروطها، وأكثرهم ينكرونها ويحتجون لأنفسهم بقول من قال: انقطعت التربية في القرن الثامن، فيموتون مصرين على الإنكار والعصيان، فلن يضركم إنكارهم أيها الفقراء، فإنهم لا قدرة لهم عليكم، للرعاية التي أحاطت بكم، إلا أذى بلسانهم، وعلى تقدير لحوق ضررهم في الظاهر، فإن الله يُغيِّبْ ألمّ ذلك عنكم في الباطن، كما شاهدناه من بعض الفقراء، وإن يُهددوكم بالقتل والجلاء، فإن الله لا يَنْصُرُهم في الغالب. قلت: وقد هددونا بالضرب والرفع إلى السلطان والجلاء إلى برِّ النصارى، فلم يقدروا على شيء من ذلك، وقد وقع ذلك لبعض الصوفية زيادةً في شرفهم وعزّهم، فالمنكر على الصوفية لا يزال في هَمٍّ وغمٍّ وذُلٍّ ومسكنة، لخراب باطنه من نور اليقين. فإنَّ الانتقاد على الأولياء جناية واعتقادهم عناية، فإن استمر على أذاهم كان عاقبته سوء الخاتمة، فيبوء بغضب من الله سبب اعتدائه على أولياء الله،"حديث : ومن آذى لي وليّاً فقد أذتني بالحرب"تفسير : . رزقنا الله الأدب معهم، وأماتنا على محبتهم، آمين.

الطوسي

تفسير : النظم: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها اتصال المدح على الفعل الذي تقدم به الأمر، لأنه قد تقدم إيجاب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ثم مدح على قبوله والتمسك به، ويجوز أيضاً ان يكون اتصال التعظيم لله تعالى بمدح المطيعين له في الاشياء التي بينت، لأنهم بلطف الله تعالى أطاعوا. المعنى: وقوله: {كنتم خير أمة} إنما لم يقل أنتم لأحد أمور: أحدها - قال الحسن أن ذلك لما قد كان في الكتب المتقدمة ما يسمع من الخير في هذه الأمة من جهة البشارة. وقال نحن آخرها وأكرمها على الله. وكذلك روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال "حديث : أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله"تفسير : فهو موافق لمعنى أنتم خير أمة إلا أنه ذكر {كنتم} لتقدم البشارة به، ويكون التقدير {كنتم خير أمة} في الكتب الماضية فحققوا ذلك بالافعال الجميلة. الثاني - أن كان زائدة ودخولها وخروجها بمعنى، إلا أن فيها تأكيد وقوع الأمر لا محالة، لأنه بمنزلة ما قد كان في الحقيقة، كما قال {أية : واذكروا إذ أنتم قليل}تفسير : وفي موضع آخر {أية : واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم}تفسير : ونظيره قوله: {وكان الله غفوراً رحيماً} لأن مغفرته المستأنفة كالماضية في تحقيق الوقوع لا محالة. الثالث - أن (كان) تامة ها هنا ومعناه حدثتم خير أمة ويكون خير أمة نصباً على الحال. والرابع - {كنتم خير أمة} في اللوح المحفوظ. والخامس - كنتم مذ أنتم ليدل على أنه كذلك مذ أول أمرهم. واختلف المفسرون في المعني بقوله: {كنتم خير أمة} فقال قوم: هم الذين هاجروا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) ذكره ابن عباس، وعمر بن الخطاب، والسدي. وقال عكرمة: نزلت في ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل. وقال الضحاك: هم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خاصة. وقال مجاهد معناه {كنتم خير أمة} إذا فعلتم، ما تضمنته الآية من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. والايمان بالله والعمل بما أوجبه. وقال الربيع: معناه {كنتم خير أمة}، لأنه لم يكن أمة أكثر استجابة في الاسلام، من هذه الأمة. فان قيل: لم قيل للحسن معروف مع أن القبيح أيضاً يعرف أنه قبيح، ولا يجوز أن يطلق عليه اسم معروف؟ قلنا: لأن القبيح بمنزلة ما لا يعرف لخموله وسقوطه. والحسن بمنزلة النبيه الذي يعرف بجلالته وعلو قدره. ويعرف أيضاً بالملابسة الظاهرة والمشاهدة فأما القبيح، فلا يستحق هذه المنزلة. وقوله: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم} معناه لو صدقوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وقوله: {منهم المؤمنون} يعني معترفون بما دلت عليه كتبهم في صفة نبينا (صلى الله عليه وسلم)، والبشارة به. وقيل: إنها تناولت من آمن منهم كعبد الله بن سلام، وأخيه، وغيرهما. وقوله: {وأكثرههم الفاسقون} يعني من لم يؤمن منهم، وإنما وصفهم بالفسق دون الكفر الذي هو أعظم، لأن الغرض الاشعار بأنهم خرجوا بالفسق عما يوجبه كتابهم من الاقرار بالحق في نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم). وأصل الفسق الخروج. ووجه آخر وهو أنهم في الكفار بمنزلة الفساق في العصاة بخروجهم إلى الحال الفاحشة التي هي أشنع وأفظع من حال من لم يقدم إليه ذكر فيه، وليس في الآية ما يدل على أن الاجماع حجة على ما بيناه في أصول الفقه. وتلخيص الشافي، وجملته أن هذا الخطاب لا يجوز أن يكون المراد به جميع الأمة، لأن أكثرها بخلاف هذه الصفة بل فيها من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف. ومتى كان المراد بها بعض الأمة، فنحن نقول ان في الامة من هذه صفته، وهو من دل الدليل على عصمته، فمن أين لو أنا، فرضنا فقدهم، لكان إجماعهم حجة واستوفينا هناك ما تقتضيه الاسئلة والجوابات، فلا نطول بذكره ها هنا.

الجنابذي

تفسير : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} استئناف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل من المبيّض الوجوه؟ - فقال: كنتم مبيّضى الوجوه، وقال: خير امّة للاشارة الى وصفٍ آخر لهم، ولفظ كان لمحض التّأكيد منسلخ عن الزّمان او المقصود انّكم كنتم فى النّشئات السّابقة خير امّة {أُخْرِجَتْ} من العدم الى الوجود او من العوالم العالية والحجب الغيبيّة الى عالم الشّهادة {لِلنَّاسِ} لانتفاعهم {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ او صفة او حال او خبر بعد خبر وعلى اىّ تقدير فالمقصود تعليل كونهم خير امّة ويجوز ان يكون مستأنفاً لقصد المدح {وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} ولمّا كان المخاطبون الائمّة المعصومين (ع) كما روى عنهم بطرق كثيرةٍ والفاظٍ متخالفة ومتوافقةٍ وكانوا من اوّل تميزهم واوان طفوليّتهم معصومين وآمرين قواهم وجنودهم فطرةً بالمعروف وناهين لها عن المنكر الى زمان تعلّق التّكليف بهم بحسب الظّاهر واوان بيعتهم ودخولهم فى الايمان ثمّ صاروا باقتضاء العصمة وظهور الولاية آمرين وناهين لاهل مملكتهم ولمن خرج عن مملكتهم بحسب التّكليف الالهىّ والامر والنّهى الشّرعيّين اخبر عنهم بالمضارع الدّالّ على الاستمرار مسبوقاً بكان الدّالّ على انّه كان شأنهم وشغلهم الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر قديماً، وقدّمهما على الايمان لانّ حدوث الايمان المذكور كان بعد الامر والنّهى المذكورين، او لانّ الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر يدلاّن على الايمان فطريّهما على فطريّة وتكليفيّهما على تكليفيّه {وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} ولمّا كان للايمان بالله درجات والمؤمن السّالك الى الله يحصل له كلّ يوم درجة من الايمان غير ما فى السّابق اتى بالايمان ايضاً مضارعاً دالاًّ على التجدّد، وما قيل: انّما اخّر الايمان مع انّه حقّه ان يقدّم لانّه قصد بذكره الدّلالة على انّهم امروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ايماناً بالله وتصديقاً به واظهاراً لدينه ليس فى محلّه لانّ هذا المعنى يستفاد من التّقديم ايضاً بل مقتضى التّرتيب الذّكرىّ الدّلالة على انّهم آمنوا بالله لكونهم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر كما بيّناه خصوصاً مع ملاحظة ما ورد عنهم انّ الواو فى القرآن يفيد التّرتيب مع انّ الاغلب انّ الترتيب الذّكرىّ يكون للترتيب المعنوىّ. وعن الصّادق (ع) انّه قرأ عليه {كنتم خير امّةٍ} فقال: خير امّة يقتلون امير المؤمنين (ع) والحسن (ع) والحسين بن علىّ (ع) فقال القارى: جعلت فداك كيف نزلت؟ - فقال: نزلت {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} الا ترى مدح الله لهم: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله والاخبار فى انّ النازل من الله خير ائمّة وانّ المراد بهم محمّد (ص) واوصياؤه كثيرة، ولمّا كانت الامّة تطلق على من يؤتمّ به وعلى من يأتمّ بغيره يجوز ان يراد بالامّة معنى الائمّة، ويجوز ان يكون مرادهم من خير ائمّة انّ الآية بهذا المعنى نزلت لا بالمعنى الّذى توهّموه {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} عطف على قوله {كنتم خير امّة} او على قوله {تأمرون} على ان يكون مستأنفاً وكان المناسب ان يقول ولو امر اهل الكتاب بالمعروف ونهوا عن المنكر وآمنوا {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} لكن لمّا لم يكن فطرتهم فطرة الامر بالمعروف قبل الايمان ولا تكليفهم الامر بالمعروف بعد الايمان الاّ بعد الكمال فى الايمان واراد تعالى ان يقول: لو حصل لهم اصل الايمان من دون التفات الى الاستكمال فيه اقتصر على الايمان {مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ} كأنّه قيل: اما آمن منهم احد؟ - فقال جواباً له: منهم المؤمنون الّذين آمنوا بمحمّد (ص) قبل مبعثه وبعد بعثته مثل الانصار من يهود مدينة ومثل بعض النّصارى من اهل الحبشة واهل اليمن {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} الخارجون من مقتضى دينهم وكتابهم ووصيّة نبيّهم وللاشارة الى هذا المعنى لم يقل اكثرهم الكافرون.

اطفيش

تفسير : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}: أصل كان أن تستعمل لما وجد وانقطع، وكثر استعمالها فى الاستمرار، فإذا لم يكن دليل الاستمرار حملت على الأصل، وهو الانقطاع، ودليل الاستمرار هنا حالى، وقيل: وضعت كان وحدها من دون الأفعال الماضية لمجرد وجود الشىء فيما مضى، ولا دلالة لها على الاستمرار ولا على الانقطاع، وإنما تحمل على أحدهما بدليل، والدليل هنا على بقاء الخيرية إلى الآن، وإلى قيام الساعة حالى ومقالى، والمقالى ما وردت الأخبار فى تفضيل هذه الأمة. وأما ثبوت خيريتها فيما مضى فقيل: هو أنهم كانوا فى علم الله بلا أول لهُ خير أمة وعلمه مستمر، لا آخر له أيضاً، وأيضاً الأصل فى الثابت الممكن الاستمرار وقيل: إنهم كانوا فى اللوح المحفوظ خير أمة. وقيل: كانوا بين الأمم المتقدمين خير أمة موصوفين عندهم بأنكم خير أمة. وقيل: المعنى صرتم بالأمر والنهى الآن خير أمة، أى خير خلق الله كلهم. وقيل: كان زائدة أى أنتم خير أمة، والجملة مستأنفة فى المدح والإغراء، منقطعة، عما قبلها، وقيل: هى على تقدير القول متصلة بقوله {أية : وأما الّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم} تفسير : أى يقال لهم عند دخول الجنة: كنتم فى الدنيا خير أمة فلهذا ابيضت وجوهكم وصرتم إلى النعيم الخالد، والخطاب لأمة محمد، صلى الله عليه وسلم، المؤمنين. وعن ابن عباس: الخطاب للذين هاجروا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال الضحاك: للصحابة. قيل العموم للأمة المؤمنين كلهم أولى. وبه قال الحسن، ويدل لهُ كونهم شهداء على الناس. وروى أن مالك ابن الصيف، ووهب ابن يهوذا اليهوديين، قالا لعبد الله بن مسعود، وأبى بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسلام مولى حذيفة: نحن أفضل منكم وديننا خير من دينكم الذى تدعونا إليه فنزلت الآية ويكون مؤمنوا هذه الأمة فاضلوها ومفضولوها خيراً من مؤمنى الأمم الماضية، فلا يشكل على التعميم ما رواه عمران بن حصين: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال "حديث : خير الناس قربى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتى من بعدهم قوم يشهدون ولم يستشهدوا، ويأتمنون ويخونون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمين"تفسير : وروى: يحلفون ولا يستحلفون. وما روى عن ابن مسعود رضى اللهُ عنه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم "حديث : خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجىء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" تفسير : لأن الحديثين فى تفضيل بعض الأمة على بعض، والآية تفضيل لها لها على غيرها، ثم إنهُ ليس المراد أن الأمة فى هؤلاء الذين ذمهم، بل يأتى بعدهم من هو خير من سبعين رجلا، كأبى بكر عمر، لأنهم لا يجدون على الخير أعواناً، كما فى الحديث، وقد قال أيضاً، صلى الله عليه وسلم، من رواية أنس "حديث : مثل أمتى كمثل المطر، لا يدرى آخره خير أم أوله"تفسير : وهذا قبل أن يعلم من كون قون خير من قرن بعده، وأنه يأتى من هو خير من السبعين، ثم إنه قد يقال من أراد التخصيص بالصحابة أو المهاجرين إنما أراده لفظاً، ويحم لمن فعل الخير من الأمة، وأمر ونهى بحكمهم، كما روى عطاء عن ابن عباس رضى الله عنه: أن الآية فى الصحابة ولكنها عامة فى الأمة، ويدل للتعميم حديث : ما رواه بهن بن حكيم عن أبيه عن جده أنهُ سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول: فى قوله تعالى {كُنْتُم خَيْر أمةٍ أخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}: "أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى"تفسير : . وروى ابن جبير عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لو شاء الله لقال أنتم فكنا كلنا، ولكن فى خاصة من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن صنع مثل ما صنعوا؟ كانوا خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فتراه قال: ومن صنع مثل ما صنعوا؟ وفى الحديث رد على من قال بزيادة كان مع أن الأصل أيضاً عدم زيادتها، وعن أبى سعيد الخدرى عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تسبوا أصحابى فلو أن أحداً أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"تفسير : أى نصفه، يعنى إلا ما ذمه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو ظهر منه موجب البراءة فإنه يبرأ منه، فإنه لا شىء أعظم من حكم الله، فنترك حكم الله له. وعن أبى هريرة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: حديث : "أمتى يدخلون الجنة إلا من أبى". قالوا: ومن يأبى؟ قال: "من أطاعنى دخل الجنة ومن عصانى فقد أبى"تفسير : . قال عمر: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله لا يجمع أمتى - أو قال - أمة محمد على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ فى النار"تفسير : . يعنى أنهُ لو اجتمع الناس عل ضلالة لكان واحد منهم ولا بد على حق يخالفهم فى الضلالة، فهو الجماعة حينئذ، فلو اجتمع أهل الدنيا على ضلالة، فلا بد أن يكون واحد ولو من قومنا على هدى فى تلك المسألة، واجتماع الأمة على ضلالة، أن يكون الموحدون كلهم فى عصر واحد على ضلالة فى شىء من الفروع، أو الأصول، وليس الاجتماع على الضلالة أو يجتمع ثلاثة وعدد مخصوص، أو أهل بلد أو قبيلة أو أهل بلد أو نحو ذلك فقط. قال أبو موسى الأشعرى قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمتى أمة مرحومة ليس عليها عذاب فى الآخرة، وعذابها فى الدنيا الفتن والزلازل والقتل" تفسير : يعنى أن مؤمنى أمته لا عذاب عليهم فى الآخرة، وكفارة ذنوبهم ما يصيبهم فى الدنيا من الفتن والزلازل والقتل، لا مسخ، ولا قذف، ولا خسف، ولا تصيب الثلاثة أيضاً سائر أمته منافقيها ومشركيها. وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم"تفسير : . وعن ابن عمر، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : باب أمتى الذى يدخلون منه الجنة عرضه مسيرة الراكب المسرع المجد ثلاثاً، ثم إنهم يزدحمون عليه تكاد مناكبهم تزول وهم شركاء الناس فى سائر الأبواب"تفسير : . وعن أبى سعيد الخدرى قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أمتى من يشفع فى الكثير من الناس ومنهم من يشفع فى القبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم من يشفع للواحد"تفسير : وقال سهل بن سعد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليدخلن الجنة من أمتى سبعون ألفاً، أو سبعمائة ألف سماطين، يأخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر"تفسير : . وقال أبو أمامة سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : وعدنى ربى أن يدخل من أمتى الجنة سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، ومع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حفنات من حفنات ربى" تفسير : وحفنة الله: مقدار معلوم عند الله تبارك وتعالى، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : حرمت الجنة على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتى" تفسير : وجملة أخرجت للناس: نعت أمة، أى أظهرت للناس تميزت لهم فعرفوها، أو أخرجت من الناس، وقيل: {للناس} يتعلق بـ {كنتم}، أى كنتم للناس خير أمة أخرجت. كما قال أبو هريرة فى تفسير الآية: خير الناس للناس، يأتون بهم فى السلاسل فى أعناقهم حتى يدخلوا فى الإسلام. {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه} بيان لعلة كونهم خير أمة، أى لأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله، فجملة {تأمرون} مستأنفة لبيان علة ذلك، لأن الأمر والنهى والإيمان بالله ولو كان أيضاً فى غير هذه الأمة، لأن ذلك فى هذه الأمة أقوى وأخلص، ولأن ذلك الأمر والنهى يكون بما دون القتل من كلام وضرب وحبس وبالقتال، والقتال ولو كان فى غير هذه الأمة لكنه فى هذه أقوى. وإيمان هذه الأمة بالإدراك للدليل لا بالتقليد، فى الكثير لا القليل، ويجوز كون {تأمرون} خبراً ثانياً لـ {كنتم}، أو حلال من التاء فى {كنتم}، وإنما أخر ذكر الإيمان عن ذكر الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع أنه أعظم، ليدل بتأخيره على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيماناً بالله وتصديقاً به، وإظهاراً لدينه لا لبغض المأمور أو المنهى، ولا لحبه فى غير الله، ولا لجلب نفع دنيوى، ودفع ضر دنيوى، أو المراد بالإيمان بالله الإيمان به تعالى من كل وجه، من وجه وجوده، وكمال قدرته، وتنزهه عن صفات الخلق، ووجه إرساله وإنزاله الرسل، والكتب والحساب، والعقاب، والثواب، وبعث الأجساد والأرواح لا الأرواح فقط، لا كإيمان اليهود والنصارى، يؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض، وتقول النصارى: ببعث الأرواح فقط، وقالت اليهود: عزير ابن الله - تعالى الله - وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالت جماعة منهم: ثالث ثلاثة، وجماعة: إن الله هو المسيح، ودلت الآية على أن الإجماع حجة، لأنها تقتضى أنهم آمرون بكل معروف، وناهون عن كل منكر، لأن "أل" فيها للاستغراق فلو أجمعوا على باطل كان أمرهم على خلاف ذلك، ذكره القاضى. {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ}: لو آمن اليهود والنصارى بمحمد، وما جاء به كله، ومن ذلك أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، لكان إيمانهم خيراً لهم، أى منفعة لهم، دنيوية وأخروية ويجوز أن يكون اسم تفضيل باعتبار دعواهم أنهم على صواب من دينهم ودنياهم، وباعتبار ما أحبوه من رياسة ومال، أى لكان إيمانهم خيراً لهم مما هم عليه إذ زعموا أن ما هم عليه حسن، ومن الرياسة والأموال التى يأخذون، وذلك أنه تحقن دماءهم وأموالهم وذريتهم ويكون لهم ما للمسلمين والجنة، لو آمنوا لكنهم أحبوا الرياسة وأخذ الأموال على المداهنة والتحريف والتسهيل، والمراد: عامة أهل الكتاب لقوله تعالى: {مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}: أى بعضهم القليل موفون بدين الله، آمنوا بمحمد وما جاء به واتبعوه، كعبد الله بن سلام، وأخيه ثعلبة بن سعية، وصهيب، وأكثرهم الكافرون الجامعون بين ما هو شرك وما هو كبيرة، دون الشرك، وذكر الفسق تأكيد لخروجهم عن الإيمان والإسلام، فإن المشرك قد يكون عدلا فى دينه، وهؤلاء مع شركهم خارجون عن العدل، وما يستحسن، وقوله {مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} وقوله: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}.

اطفيش

تفسير : {كُنتُمْ} الخطاب للأمة كلها، أمة الإجابة، كما قال عمر رضى الله عنه، من سره أن يكون من تلكم الأمة فليؤد شكر الله تعالى، يعنى قوله تعالى، تأمرون الخ، فإما أن يريد تلك الآية عمت، وإما أن يريد خصت الصحابة، كما قيل أو المهاجرين وأن غيرهم فى حكمهم، وكذا إذا قيل إنها فى أهل البيت، أو قيل فى عمار ابن مسعود وسالم مولى أبى حذيفة وأبى بن كعب ومعاذ بن جبل، والصحيح الأول، الحديث: حديث : أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد وجعل لى التراب طهوراً، وجعلت أُمتي خير أمةتفسير : ، والمراد كنتم فى علم الله، أو فى اللوح، أو بين الأمم، أو فى كتب الله السابقة، لا ما قيل، إنَّ كان مقحم، وأن الأصل أنتم خير أمة، ولا ما قيل أنها لا تدل على عدم سابق أو لاحق، ولو رجح فى نحو هذا المقام، وأما كان الله غفوراً رحيما فمعناه كان فى الأزل أو فى اللوح أو نحو ذلك، وما قضى الله لا بد منه فتكون هذه الأمة فى زمانها خير أمة كما قال {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِجَتْ} خلقها الله من العدم، الجملة نعت لأمة، وهو أولى لقربه ومناسبة اللفظ، وإن جعلت نعتاً لخير فلوقوعه على أمة ساغ تأنيثه {لِلنَّاسِ} لنفعهم متعلق بأخرجت، أو نعت لأمة، وذكر علة الخبرية بقوله {تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنونَ باللهِ} بجميع ما يجب الإيمان به، فمن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر مع القدرة فقد أضاع دينه، ولو يم يكن له فضل الأمة، وكأنه من غير أمة الإجابة والأمر والنهى ولو كانا فى الأمم لكنهما فى هذه الأمة أقوى، لأنه باللسان والبراءة الحبس والتغرير والنكال والأدب والقتال والهجران، ومنع أمور عن ذى المنكر، وعدم قبول معروف لبعض أهل المنكر، وآخر الإيمان مع أنه أولى بالتقديم لذاته، وأنه لا يقبل عمل بدونه ليشير إلى أنه علة الأمر والنهى، ولشركة الأمم فيه، ولو أمرت الأمة كلها بشىء أو نهت عنه كان إجماعا وحجة لهذه الآية روى: حديث : لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطاناً ظالماً لا يجل كبيركم ولا يرحم كبيركم ولا يرحم صغيركم، ويدعوا خياركم فلا يستجاب لهم، وتستنصرون فلا تنصرون تفسير : {وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الكِتَابِ} اليهود {لَكَانَ} إيمانهم {خَيْراً لَّهُمْ} نفعاً أو أفضل من كفرهم، وذلك أن كفرهم يدعوهم حسناً، كإنكارهم النبى وصفاته والقرآن، وأخذ الرشا على ذلك، وعَلَى زعمهم يكون الإيمان بمحمد أحسن، وذلك أن الإيمان فى الآية هو الإيمان بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء كالأمر والنهى، فإن الإيمان التام يكون أفضل لو علموا {مِّنهُمْ المُؤْمِنُونَ} بالتوراة كلها والأنبياء كلهم، والكتب كلها قبل محمد صلى الله عليه وسلم، ولما جاء آمنوا به وبكتابه كعبد الله بن سلام، وأخيه، وثعلبة ابن شعبة، وكعب الأحبار والنجاشى، أو كفروا قبله وآمنوا حين جاء {وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ} فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله، وكثر إسلام النصارى بعده، وقل إسلام اليهود.

الالوسي

تفسير : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } كلام مستأنف سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق والدعوة إلى الخير كذا قيل، وقيل: هو من تتمة الخطاب الأول في قوله سبحانه وتعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ }تفسير : [آل عمران: 102] وتوالت بعد هذا خطابات المؤمنين من أوامر ونواهي واستطرد بين ذلك من يبيض وجهه ومن يسود وشيء من أحوالهم في الآخرة، ثم عاد إلى الخطاب الأول تحريضاً على الانقياد والطواعية ـ وكان ـ ناقصة ولا دلالة لها في الأصل على غير الوجود في الماضي من غير دلالة على انقطاع أو دوام، وقد تستعمل للأزلية كما في صفاته تعالى نحو {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيماً }تفسير : [الأحزاب: 40] وقد تستعمل للزوم الشيء وعدم انفكاكه نحو {أية : وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىءٍ جَدَلاً } تفسير : [الكهف: 54]، وذهب بعض النحاة إلى أنها تدل بحسب الوضع على الانقطاع كغيرها من الأفعال الناقصة والمصحح هو الأول وعليه لا تشعر الآية بكون المخاطبين ليسوا خير أمة الآن، وقيل: المراد كنتم في علم الله تعالى أو في اللوح المحفوظ أو فيما بين الأمم أي في علمهم كذلك، وقال الحسن: معناه أنتم خير أمة، واعترض بأنه يستدعي زيادة كان وهي لا تزاد في أول الجملة. {أُخْرِجَتْ } أي أظهرت وحذف الفاعل للعلم به {لِلنَّاسِ } متعلق بما عنده، وقيل: بخير أمة، وجملة أخرجت صفة ـ لأمة ـ وقيل: لخير، والأول أولى، والخطاب قيل: لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وإليه ذهب الضحاك، وقيل: للمهاجرين من بينهم وهو أحد خبرين عن ابن عباس، وفي آخر أنه عام لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما أخرجه الإمام أحمد بسند حسن عن أبـي الحسن كرم الله تعالى وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض وسميت أحمد وجعل التراب لي طهوراً وجعلت أمتي خير الأمم»تفسير : وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه أن الآية في أهل بيت النبـي صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنها نزلت في ابن مسعود وعمار بن ياسر / وسالم مولى أبـي حذيفة وأبـيّ بن كعب ومعاذ بن جبل، والظاهر أن الخطاب وإن كان خاصاً بمن شاهد الوحي من المؤمنين أو ببعضهم لكن حكمه يصلح أن يكون عاماً للكل كما يشير إليه قول عمر رضي الله تعالى عنه فيما حكى قتادة «يا أيها الناس من سره أن يكون من تلكم الأمة فليؤد شرط الله تعالى منها» وأشار بذلك إلى قوله سبحانه: {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } فإنه وإن كان استئنافاً مبيناً لكونهم خير أمة أو صفة ثانية لأمة على ما قيل إلا أنه يفهم الشرطية والمتبادر من المعروف الطاعات ومن المنكر المعاصي التي أنكرها الشرع. وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس في الآية أن المعنى تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقرّوا بما أنزل الله تعالى وتقاتلونهم عليهم ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف وتنهونهم عن المنكر والمنكر هو التكذيب وهو أنكر المنكر وكأنه رضي الله تعالى عنه حمل المطلق على الفرد الكامل وإلا فلا قرينة على هذا التخصيص. {وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } أريد بالإيمان به سبحانه الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به لأن الإيمان إنما يعتد به ويستأهل أن يقال له إيمان إذا آمن بالله تعالى على الحقيقة وحقيقة الإيمان بالله تعالى أن يستوعب جميع ما يجب الإيمان به فلو أخل بشيء منه لم يكن من الإيمان بالله تعالى في شيء، والمقام يقتضيه لكونه تعريضاً بأهل الكتاب وأنهم لا يؤمنون بجميع ما يجب الإيمان به كما يشعر بذلك التعقيب بنفي الإيمان عنهم مع العلم بأنهم مؤمنون في الجملة وأيضاً المقام مقام مدح للمؤمنين بكونهم خير أمة أخرجت للناس وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها المعلل للخيرية فلو لم يرد الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به لم يكن مدحاً فلا يصلح للتعليل والعطف يقتضيه وإنما أخر الإيمان عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجوداً ورتبة كما هو الظاهر لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم دون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهما أظهر في الدلالة على الخيرية، ويجوز أن يقال قدمهما عليه للاهتمام وكون سوق الكلام لأجلهما، وأما ذكره فكالتتميم، ويجوز أيضاً أن يكون ذلك للتنبيه على أن جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدين أظهر مما اشتمل عليه الإيمان بالله تعالى لأنه من وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولو قيل قدما وأخر للاهتمام وليرتبط بقوله تعالى: {وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } لم يبعد أي لو آمنوا إيماناً كما ينبغي لكان ذلك الإيمان خيراً لهم مما هم عليه من الرياسة في الدنيا لدفع القتل والذل عنهم، والآخرة لدفع العذاب المقيم، وقيل: لو آمن أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم لكان خيراً لهم من الإيمان بموسى وعيسى فقط عليهما السلام، وقيل: المفضل عليه ما هم فيه من الكفر فالخيرية إنما هي باعتبار زعمهم، وفيه ضرب تهكم بهم وهذه الجملة معطوفة على {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } مرتبطة بها على معنى ولو آمن أهل الكتاب كما آمنتم وأمروا بالمعروف كما أمرتم ونهوا عن المنكر كما نهيتم لكان خيراً لهم. {مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } كعبد الله بن سلام وأخيه وثعلبة بن شعبة. {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } أي الخارجون عن طاعة الله تعالى وعبر عن الكفر بالفسق إيذاناً بأنهم خرجوا عما أوجبه كتابهم، وقيل: للإشارة إلى أنهم في الكفار بمنزلة الكفار في العصاة لخروجهم إلى الحال الفاحشة التي هي منهم أشنع وأفظع.

ابن عاشور

تفسير : يتنزّل هذا منزلة التَّعليل لأمرهم بالدّعوة إلى الخير، وما بعده فإن قوله {تأمرون بالمعروف} حال من ضمير كنتم، فهو موذن بتعليل كونهم خيرَ أمَّة فيترتب عليه أنّ ما كان فيه خيريتهم يجدر أن يفرض عليهم، إن لم يكن مفروضاً من قبل، وأن يؤكد عليهم فرضه، إن كان قد فرض عليهم من قبل. والخطاب في قوله {كنتم} إمَّا لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ونقل ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عبَّاس. قال عمر: هذه لأوّلنَا ولا تكون لآخِرنا. وإضافة خير إلى أمّة من إضافة الصفة إلى الموصوف: أي كنتم أمَّة خير أمَّة أخرجت للنَّاس، فالمراد بالأمّة الجماعة، وأهل العصر النبوي، مثل القَرن، وهو إطلاق مشهور ومنه قوله تعالى: {أية : وادّكَر بعد أمَّة}تفسير : [يوسف: 45] أي بعد مدة طويلة كمدة عصر كامل. ولا شكّ أن الصحابة كانوا أفضل القرون التي ظهرت في العالم، لأن رسولهم أفضل الرسل، ولأن الهدى الذي كانوا عليه لا يماثله هدى أصحاب الرسل الذين مضوا، فإن أخذت الأمة باعتبار الرسول فيها فالصحابة أفضل أمة من الأمم مع رسولها، قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : خير القرون قرني»تفسير : . والفضل ثابت للجموع على المجموع، وإن أخذت الأمة من عدا الرسول، فكذلك الصحابة أفضل الأمم التي مضت بدون رُسلها، وهذا تفضيل للهدى الذي اهتدوا به، وهو هدى رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته. وإمّا أن يكون الخطاب بضمير {كنتم} للمسلمين كلّهم في كلّ جيل ظهروا فيه، ومعنى تفضيلهم بالأمر بالمعروف مع كونه من فروض الكفايات لا تقوم به جميع أفراد الأمّة لا يخلو مسلم من القيام بما يستطيع القيام به من هذا الأمر، على حسب مبلغ العلم ومنتهى القدرة، فمن التغيير على الأهل والولد، إلى التغيير على جميع أهل البلد، أو لأن وجود طوائف القائمين بهذا الأمر في مجموع الأمّة أوجب فضيلة لجميع الأمّة، لكون هذه الطوائف منها كما كانت القبيلة تفتخر بمحامد طوائقها، وفي هذا ضمان من الله تعالى بأنّ ذلك لا ينقطع من المسلمين إن شاء الله تعالى. وفعل (كان) يدل على وجود ما يسند إليه في زمن مضى، دون دلالة على استمرار، ولا على انقطاع، قال تعالى {أية : وكان الله غفوراً رحيماً}تفسير : [النساء: 96] أي وما زال، فمعنى {كنتم خير أمة} وجدتم على حالة الأخيرية على جميع الأمم، أي حصلت لكم هذه الأخيرية بحصول أسبابها ووسائلها، لأنّهم اتّصفوا بالإيمان، والدّعوة للإسلام، وإقامته على وجهه، والذبّ عنه النقصانَ والإضاعة لتحقّق أنّهم لمّا جُعل ذلك من واجبهم، وقد قام كُلّ بما استطاع، فقد تحقّق منهم القيام به، أو قد ظهر منهم العزم على امتثاله، كُلّما سنح سانح يقتضيه، فقد تحقّق أنهم خير أمَّة على الإجمال فأخبر عنهم بذلك. هذا إذا بنَينا على كون الأمر في قوله آنفاً {أية : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}تفسير : [آل عمران: 104] وما بعده من النهي في قوله {أية : ولا تكونوا كالذين تفرقوا}تفسير : [آل عمران: 105] الآية، لم يكن حاصلاً عندهم من قبل. ويجوز أن يكون المعنى: {كنتم خير أمة} موصوفين بتلك الصّفات فيما مضى تفعلونها إمَّا من تلقاء أنفسكم، حرصاً على إقامة الدّين واستحساناً وتوفيقاً من الله في مصادفتكم لمرضاته ومراده، وإمّا بوجوب سابق حاصل من آيات أخرى مثل قوله: {أية : وتواصوا بالحق}تفسير : [العصر: 3] وحينئذٍ فلمَّا أمرهم بذلك على سبيل الجزم، أثنى عليهم بأنَّهم لم يكونوا تاركيه من قبل، وهذا إذا بنَينا على أنّ الأمر في قوله {أية : ولتكن منكم أمة}تفسير : [آل عمران: 104] تأكيداً لما كانوا يفعلونه، وإعلام بأنَّه واجب، أو بتأكيد وجوبه على الوجوه التي قدّمتها عند قوله {ولتكن منكم أمة}. ومن الحيرة التجاء جمع من المفسرين إلى جعل الإخبار عن المخاطبين بكونهم فيما مضى من الزمان أمة بمعنى كونهم كذلك في علم الله تعالى وقَدَره أو ثبوت هذا الكون في اللوح المحفوظ أو جعل كان بمعنى صار. والمراد بأمَّة عمومُ الأمم كلّها على ما هو المعروف في إضافة أفعل التفضيل إلى النكرة أن تكون للجنس فتفيد الاستغراق. وقوله {أخرجت للناس} الإخراج مجاز في الإيجاد والإظهار كقوله تعالى {أية : فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار}تفسير : [طه: 88] أي أظهر بصوغه عجلاً جسداً. والمعنى: كنتم خير الأمم التي وجدت في عالم الدنيا. وفاعل {أخرجت} معلوم وهو الله موجد الأمم، والسائق إليها ما به تفاضلها. والمراد بالناس جميع البشر من أوّل الخليقة. وجملة: {تأمرون بالمعروف} حال في معنى التَّعليل إذ مدلولها ليس من الكيفيات المحسوسة حتّى تحكى الخيرية في حال مقارنتها لها، بل هي من الأعمال النَّفسية الصالحة للتعليل لا للتوصيف، ويجوز أن يكون استئنافاً لبيان كونهم خير أمَّة. والمعروف والمنكر تقدّم بيانهما قريباً. وإنّما قدّم {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} على قوله {وتؤمنون بالله} لأنهما الأهم في هذا المقام المسوق للتنويه بفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحاصلة من قوله تعالى: {أية : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}تفسير : [آل عمران: 104] والاهتمام الذي هو سبب التقديم يختلف باختلاف مقامات الكلام ولا ينظر فيه إلى ما في نفس الأمر لأنّ إيمانهم ثابت محقّق من قبل. وإنَّما ذكر الإيمان بالله في عداد الأحوال التي استحقوا بها التفضيل على الأمم، لأنّ لكلّ من تلك الأحوال الموجبة للأفضلية أثراً في التفَّضيل على بعض الفرق، فالإيمان قصد به التفضيل على المشركين الذين كانوا يفتخرون بأنهم أهل حرم الله وسدنة بيته وقد ردّ الله ذلك صريحاً في قوله: {أية : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله}تفسير : [التوبة: 19] وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قصد به التفضيل على أهل الكتاب، الذين أضاعوا ذلك بينهم، وقد قال تعالى فيهم {أية : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه}تفسير : [المائدة: 79]. فإن قلت إذا كان وجه التفضيل على الأمم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، فقد شاركنا في هذه الفضيلة بعض الجماعات من صالحي الأمم الذين قبلنا، لأنَّهم آمنوا بالله على حسب شرائعهم، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، لتعذّر أن يترك الأمم بالمعروف لأنّ الغيرة على الدين أمر مرتكز في نفوس الصادقين من أتباعه. قلت: لم يثبت أن صالحي الأمم كانوا يلتزمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إمّا لأنه لم يكن واجباً عليهم، أو لأنَّهم كانوا يتوسعّون في حل التقية، وهذا هارون في زمن موسى عبدت بنو إسرائيل العجل بمرآى منه ومسمع فلم يغيّر عليهم، وقد حكى الله محاورة موسى معه بقوله {أية : قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني أفعصيت أمري قال يابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي}تفسير : [طه: 92 ـــ 94] وأما قوله تعالى {أية : من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}تفسير : [آل عمران: 113، 114] الآية فتلك فئة قليلة من أهل الكتاب هم الذين دخلوا في الإسلام مثل عبد الله ابن سلام، وقد كانوا فئة قليلة بين قومهم فلم يكونوا جمهرة الأمّة. وقد شاع عند العلماء الاستدلال بهذه الآية على حجيّة الإجماع وعصمته من الخطأ بناء على أن التعريف في المعروف والمنكر للاستغراق، فإذا أجمعت الأمَّة على حكم، لم يجز أن يكون ما أجمعوا عليه منكراً، وتعيّن أن يكون معروفاً، لأنّ الطائفة المأمورة بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في ضمنهم، ولا يجوز سكوتها منكر يقع، ولا عن معروف يترك، وهذا الاستدلال إن كان على حجية الإجماع بمعنى الشرع المتواتر المعلوم من الدين بالضرورة فهو استدلال صحيح لأن المعروف والمنكر في هذا النوع بديهي ضروري، وإن كان استدلالاً على حجية الإجماعات المنعقدة عن اجتهاد، وهو الذي يقصده المستدلون بالآية، فاستدلالهم بها عليه سفسطائي لأنّ المنكر لا يعتبر منكراً إلاّ بعد إثبات حكمه شرعاً، وطريق إثبات حكمه الإجماع، فلو أجمعوا على منكر عند الله خطأ منهم لما كان منكراً حتَّى ينهي عنه طائفة منهم لأنّ اجتهادهم هو غاية وسعهم. عطف على قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} لأن ذلك التفضيل قد غمر أهل الكتاب من اليهود وغيرهم فنبّههم هذا العطف إلى إمكان تحصيلهم على هذا الفضل، مع ما فيه من التعريض بهم بأنَّهم متردّدون في اتباع الإسلام، فقد كان مخيريق متردّداً زماناً ثمّ أسلم، وكذلك وفد نجران تردّدوا في أمر الإسلام. وأهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى، لكن المقصود الأول هنا هم اليهود، لأنَّهم كانوا مختلطين بالمسلمين في المدينة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام، وقصد بيت مدراسهم، وٌّصهم قد أسلم منهم نفر قليل وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود كلهم»تفسير : . ولم يذكر متعلق (آمن) هنا لأنّ المراد لو اتَّصفوا بالإيمان الذي هو لقب لدين الإسلام وهو الذي منه أطلقت صلة الذين آمنوا على المسلمين فصار كالعلم بالغلبة، وهذا كقولهم أسْلَم، وَصَبَأ، وأشْرَكَ، وألْحَد، دون ذكر متعلّقات لهاته الأفعال لأن المراد أنَّه اتَّصف بهذه الصّفات التي صارت أعلاماً على أديان معروفة، فالفعل نُزّل منزلة اللازم، وأظهر منه: تَهَوّد، وتَنَصّر، وتَزَنْدق، وتَحَنَّف، والقرينة على هذا المعنى ظاهرة وهي جعل إيمان أهل الكتاب في شرط الامتناع، مع أنّ إيمانهم بالله معروف لا ينكره أحد. ووقع في «الكشاف» أنّ المراد: لو آمنوا الإيمان الكامل، وهو تكلّف ظاهر، وليس المقام مقامه.. وأجمل وجه كون الإيمان خيراً لهم لتذهب نفوسهم كلّ مذهب في الرجاء والإشفاق. ولمَّا أخبر عن أهْل الكتاب بامتناع الإيمان منهم بمقتضى جعل إيمانهم في حيز شرط (لو) الامتناعية، تعيّن أن المراد من بقي بوصف أهل الكتاب، وهو وصف لا يبقى وصفهم به بعد أن يتديّنوا بالإسلام، وكان قد يتوهّم أن وصف أهل الكتاب يشمل من كان قبل ذلك منهم ولو دخل في الإسلام، وجيء بالاحتراس بقوله: {منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} أي منهم من آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم فصدق عليه لقب المؤمن، مثل عبد الله بن سلام، وكان اسمه حُصيناً وهو من بني قينقاع، وأخيه، وعمصته خالدة، وسعية أو سنعة بن غريض بن عاديا التيماوي، وهو ابن أخي السموأل بن عاديا، وثعلبة بن سعية، وأسد بن سعية القرظي، وأسد بن عبيد القرظي، ومخيريق مِن بني النضير أو من بني قينقاع، ومثل أصْمحة النَّجاشي، فإنَّه آمن بقلبه وعوّض عن إظهاره إعمالَ الإسلام نصره للمسلمين، وحمايته لهم ببلده، حتَّى ظهر دين الله، فقبل الله منه ذلك، ولذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه بأنَّه كان مؤمناً وصلّى عليه حين أوحي إليه بموته. ويحتمل أن يكون المعنى من أهل الكتاب فريق متقّ في دينه، فهو قريب من الإيمان بمحمَّد صلى الله عليه وسلم وهؤلاء مثل من بقي متردّداً في الإيمان من دون أن يتعرّض لأذى المسلمين، مثل النَّصارى من نجران ونصارى الحبشة، ومثل مخيريق اليهودي قبل أن يسلم، على الخلاف في إسلامه، فإنَّه أوصى بماله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالمراد بإيمانهم صدق الإيمان بالله وبدينهم. وفريق منهم فاسق عن دينه، محرّف له، مناوٍ لأهل الخير، كما قال تعالى: {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} مثل الذين سَمُّوا الشاة لرسول الله يوم خيْبر، والذين حاولوا أن يرموا عليه صخرة.

الواحدي

تفسير : {كنتم خير أمة} عند الله في اللَّوح المحفوظ. يعني: أمَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم {أُخرجت للناس} أُظهرت لهم، وما أَخرج الله تعالى للنَّاس أُمَّة خيراً من أُمَّة محمَّد عليه السَّلام، ثمَّ مدحهم بما فيهم من الخصال فقال: {تأمرون بالمعروف...} الآية. {لن يضرُّوكم} أَي: اليهود {إلاَّ أذىً} إلاَّ ضرراً يسيراً باللِّسان، مثل الوعيد والبهت {وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار} منهزمين. وعد الله نبيَّه والمؤمنين النُّصرة على اليهود، فصدق وعده فلم يقاتل يهود المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاًّ انهزموا. {ضربت عليهم الذلة} ذكرناه {أينما ثقفوا} وُجدوا وصُودفوا {إلاَّ بحبل من الله} أَيْ: لكن قد يعتصمون بالعهد [إذا أعطوه، والمعنى: أنَّهم إذلاء في كلِّ مكان إلاَّ أنَّهم يعتصمون بالعهد]، والمراد: {بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس} العهد والذِّمَّة والأمان الذي يأخذونه من المؤمنين بإذن الله، وباقي الآية ذُكر في سورة البقرة، ثمَّ أخبر أنَّهم غير متساوين في دينهم فقال: {ليسوا سواء} وأخبر أنَّ منهم المؤمنين فقال: {من أهل الكتاب أمة قائمة } أَيْ: على الحقِّ {يتلون} يقرؤون {آيات الله} كتاب الله {آناء الليل} ساعاته. يعني: عبد الله بن سلام ومَنْ آمن معه من أهل الكتاب {وهم يسجدون} أَيْ: يُصلُّون.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كنتم خير أمة: وُجدتم أفضل وأبرك أمة وجدت على الأرض. أخرجت للناس: أظهرت وأبرزت لهداية الناس ونفعهم. أذىّ: الأذى الضرر اليسير. يولوكم الأدبار: ينهزمون فيفرون من المعركة مولينكم أدبارهم أي ظهورهم. ضربت عليهم الذلة: أحاطت بهم المذلة ولصقت بهم حتى لا تفارقهم. وباءوا بغضب: رجعوا من رحلتهم الطويلة في الكفر وعمل الشر بغضب الله. ذلك بأنهم.. الخ: ذلك: إشارة إلى ما لصق بهم من الذلة والمسكنة وما عادوا به من غضب الله تعالى وما تبعه من عذاب. (فالباء) في بأنهم سببيه أي بسبب فعلهم كذا وكذا والمسكنة هي ذلة الفاقة والفقر. يعتدون: الاعتداء مجاوزة الحد في الظلم والشر والفساد. معنى الآيات: لما أمر الله تعالى المؤمنين بتقواه والاعتصام بحبله فامتثلوا وأمرهم بتكوين جماعة منهم يدعون إلى الإِسلام ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فامتثلوا ذكرهم بخير عظيم فقال لهم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} كما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كنتم خير الناس للناس.." تفسير : ووصفهم بما كانوا به خير أمة فقال تأمرون بالمعروف وهو الإِسلام وشرائع الهدى التي جاء بها نبيّه صلى الله عليه وسلم وتنهون عن المنكر وهو الكفر والشرك وكبائر الإِثم والفواحش، وتؤمنون بالله. وبما يتضمنه الإِيمان بالله من الإِيمان بكل ما أمر تعالى بالإِيمان به من الملائكة والكتب والرسل والبعث الآخر والقدر. ثم دعا تعالى أهل الكتاب إلى الإِيمان الصحيح المنجي من عذاب الله فقال عز وجل، ولو آمن أهل الكتاب بالنبي محمد وما جاء به من الإِسلام لكان خيراً لهم من دعوى الإِيمان الكاذبة التي يدعونها. وأخبر تعالى عنه بأن منهم المؤمنين الصادقين في إيمانهم كعبد الله بن سلام وأخيه، وثعلبة بن سعيد وأخيه، وأكثرهم الفاسقون الذين لم يعملوا بما جاء في كتابهم من العقائد والشرائع من ذلك أمر الله تعالى بالإِيمان بالنبي الأميّ واتباعه على ما يجيء به من الإسلام ثم أخبر المسلمين أن فساق أهل الكتاب لن يضروهم إلا أذىً يسيراً كإسماعهم الباطل وقولهم الكذب. وأنهم لو قاتلوهم ينهزمون أمامهم مولينهم ظهورهم فارّين من القتال ثم لا ينصرون على المسلمين في أي قتال يقع بين الجانبين. كما أخبر تعالى في الآية [112] أنه تعالى ضرب عليهم الذلة والمسكنة أينما ثقفوا وفي أيّ البلاد وجدوا لن تفارقهم الذلة والمسكنة في حال من الأحوال إلا في حال دخولهم في الإسلام وهو حبل الله، أو معاهدة وارتباط بدولة قوية وذلك هو حبل الناس. كما أخبر تعالى عنهم أنهم رجعوا من عنادهم وكفرهم بغضب من الله، وما يستتبعه من عذاب في الدنيا بحالة الفاقة والفقر المعبر عنها بالمسكنة، وفي الآخرة بعذاب جهنم كما ذكر تعالى علة عقوبتهم وأنها الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء بغير حق وعصيانهم المستمر واعتداؤهم الذي لا ينقطع فقال تعالى {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إثبات خيرية أمة الإِسلام وفي الحديث: "حديث : أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله ". تفسير : 2- بيان علة خيرية أمة الإِسلام وهي الإِيمان بالله والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 3- وعد الله تعالى لأمة الإِسلام - ما تمسكت به - بالنصر على اليهود في أي قتال يقع بينهم. 4- صدق القرآن في إخباره عن اليهود بلزوم الذلة والمسكنة لهم أينما كانوا. 5- بيان جرائم اليهود التي كانت سبباً في ذلتهم ومسكنتهم وهي الكفر المستمر، وقتل الأنبياء بغير حق والعصيان والاعتداء على حدود الشرع.

القطان

تفسير : إنكم يا أمة محمد، اي مطبقي شريعته حقاً، أفضلُ أمة خلقها الله تعالى لنفع الناس، وستظلون كذلك ما دمتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله ايمانا صادقا.. يصدق هذا الوصف على الذين خوطبوا به أولاً، وهم النبي الكريم وأصحابه الذين آمنوا بالله حقا، واعتصموا بحبل الله المتين، ونهوا عن المنكر وأمروا بالمعروف. وقد دام الحال كذلك على كل من جاء بعدهم وطبق تعاليم الإسلام. كما ظلت هذه الأمة خير الأمم حتى تركت الإسلام وبعدت عنه، فتفرقت وتمزقت وآلت أحوالها الى ما نراه اليوم. ولو صدَق اليهود والنصارى في إيمانهم مثلكم لكان خيراً لهم مما هم عليه الآن، ومع هذا فمنهم المؤمنون المخلصون في عقائدهم وأعمالهم، كعبد الله بن سلام، ورهطه، وأكثرُهم فاسقون خارجون عن دينهم وعن حدود الايمان وواجباته.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَ} {ٱلْكِتَابِ} {ٱلْفَاسِقُونَ} (110) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمنينَ أنَّهُمْ خَيْرُ أمَّةٍ فِي الوُجُودِ، لأنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ إيمَاناً صَادِقاً بِاللهِ، وَيَظْهَرُ أثَرُهُ فِي نُفُوسِهِمْ، فَيَنْزِعُهُمْ عَنِ الشَّرِّ، وَيَصْرِفُهُمْ إلى الخَيْرِ، فَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرَاتِ وَمَا حَرَّمَ اللهُ مِنَ الظُّلْمِ وَالبَغْي. وَلَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتَاب إيمَاناً صَحِيحاً يَسْتَوْلي عَلَى النُّفُوسِ، وَيَمْلِكُ أَزِمَّةِ القُلُوبِ فَيَكُونُ مَصْدَرَ الفَضَائِلِ وَالأخْلاَقِ الحَسَنَةِ، كَمَا تُؤْمِنُونَ أنْتُمْ، أَيُّها المُسْلِمُونَ، لَكَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ مِمَّا يَدَّعُونَهُ مِنْ إِيمَانٍ لاَ يَزَعُ النُّفُوسَ عَنِ الشُّرُورِ، وَلا يُبْعِدُهَا عَنِ الرَّذَائِلِ. وَبَيْنَ أهْلِ الكِتَابِ جَمَاعَةٌ مُؤْمِنُونَ مُخْلِصُونَ فِي إيمَانِهِمْ، وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ فَاسِقُونَ عَنْ دِينِهِمْ، مُتَمَرِّدُونَ فِي الكُفْرِ. كُنْتُمْ - وُجِدْتُم وَخُلِقْتُمْ. أُخْرِجَتْ - أُظْهِرَتْ. الفُسُوقُ - الخُرُوجُ عَنِ الطَّاعَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه الخيرية لها مواصفات وعناصر: {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} [آل عمران: 110]. فإن تخلف عنصر من هذه العناصر، انحلت عنكم الخيرية، فالخيرية لكم بأشياء هي: أمر بالمعروف. نهي عن المنكر. إيمان بالله. وساعة تسمع كلمة "معروف" و"منكر" فإنك تجد أن اللفظ موضوع في المعنى الصحيح، فـ "المعروف" هو ما يتعارف الناس عليه ويتفاخرون به، ويَسُرُّ كل إنسان أن يعرفه الآخرون عنه. "والمنكر" هو الذي ينكره الناس ويخجلون منه، فمظاهر الخير يحب كل إنسان أن يعرفها الآخرون عنه، ومظاهر الشر ينكرها كل إنسان. إن مظاهر الخير محبوبة ومحمودة حتى عند المنحرف. ومظاهر المنكر مذمومة ومكروهة حتى عند النحرف. فاللص نفسه عندما يوجد في مجلس لا يعرفه فيه أحد، ويسمع أن فلاناً قد سرق فإنه يعلن استنكاره لفعل اللص، إنه أمر منكر، حتى وإن كان هو يفعله. وهكذا تعرف أن "المعروف" و"المنكر" يخضعان لتقدير الفطرة. والفطرة السليمة تأتي للأمور الخيرة، وتجعلها متعارفاً عليها بين الناس، وتنكر الفطرة السليمة الأمور المنكرة، حتى ممن يفعلها. ويورد الله مسألة الإيمان بالله من بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لماذا؟ لأنه من الجائز أن يوجد إنسان له صفات الأريحية والإنسانية ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصنع الخير، ويقدم الصدقات، ويقيم مؤسسات رعاية للمحتاجين والعاجزين سواء كانت صحية أو اقتصادية، لكنه يفعل ذلك من زاوية نفسه الإنسانية، لا من زاوية منهج الله، فيكون كل ما فعله حابطاً ولا يُعتَرفُ له بشيء لأنه لم يفعل ذلك في إطار الإيمان بالله، ولذلك فلا تظن أن الذي يصنع الخير دون إيمان بالله له أجر عند الله؛ فالله يجازي من كان على الإيمان به، وأن يكون الله في بال العبد ساعة يصنع الخير. فمن صنع خيراً من أجل الشهامة والإنسانية والجاه والمركز والسمعة فإنه ينال جزاءه ممن عمل له، وما دام قد صنع ذلك من أجل أن يقال عنه ذلك فقد قيل، وهو ما بيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : إن أول الناس يُقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال: ما عملتَ فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها فقال: ما عملت فيها قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت في سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقتُ فيها. قال: كذبت ولكنك فعلت ليُقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر فسحب على وجهه ثم أُلقي في النار ". تفسير : إنه ينال جزاء عمله من قول الناس، لكن الله يجازي في الآخرة من كان الله في باله ساعة أن عمل. لذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [فصلت: 33]. إن المؤمن يفعل العمل الصالح، ويعلن أنه يفعل ذلك لأنه من المسلمين، إنه لا يفعل الخير، لأنه شيوعي، أو وجودي، أو إنساني إلخ، فمهما صنع إنسان من الخير، وترك الاعتراف بالله فخيانة الكفر تفسد كل عمل. لأنه جحد وأنكر خالقه وكفر به، والذي يعمل خيراً من أجل أحدٍ فلينل من هذا الأحد جزاء هذا العمل. وهنا في هذه الآية, أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وإيمان بالله. ولكن ما الذي يجعلهم لا يؤمنون بالله وإن عملوا معروفاً؟ إنه حرصهم على الجاه الزائف، فلمّا جاء الإسلام، ظن أهل الجاه في الديانات الأخرى أن الإسلام سيسلبهم الجاه والسلطة والمكانة والمنافع التي كانوا يحصلون عليها، وكان من حماقة بعضهم أن باعوا الجنة على الأرض وخافوا على المركز والجاه والمنافع، وكان ذلك من قلة الفطنة، فالحق يقول: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110]. فلو آمنوا لظل لهم الجاه والسلطة في ضوء الإيمان بالله، فلا تجارة بالدين، وكانوا سيحصلون على أجرهم مرتين، أجر في الدنيا، وأجر في الآخرة، أو أجر على إيمانهم بنبيهم، وأجر آخر لإيمانهم برسول الله، ولكن هل معنى هذا القول أن أهل الكتاب لم يؤمنوا؟ لا، إن بعضهم قد آمن، فالحق سبحانه وتعالى يؤرخ لهم تأريخاً حقيقياً فيقول سبحانه: {مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] وكان القياس أن يأتي وصف بعضهم بالإيمان، وأن يكون غيرهم من أبناء ملتهم كافرين، لأن الإيمان يقابله الكفر، لكن الحق يحدد المعنى المناسب لفعلهم فيقول: "وأكثرهم الفاسقون". إنه الحق سبحانه وتعالى الذي يتكلم فيورد كل كلمة بمنتهى الدقة، فهناك فرق بين أن تكفر وليس عندك مقدمات الإيمان وأدلته، وأن تكفر وأنت تعرف مقدمات الإيمان كقراءة التوراة والإنجيل. لقد قرأ أهل الكتاب التوراة والإنجيل ورأوا الآيات البينات وعرفوا البشارات؛ لذلك فهم عندما كفروا برسول الله، فسقوا أيضاً مع الكفر. إن الذين كفروا برسول الله من أهل الكتاب هم فاسقون حتى في كفرهم، لأن مقتضى معرفتهم للبشارات والآيات أن يعلنوا الإيمان برسالة رسول الله، فالواحد منهم ليس كافراً عادياً، بل هو فاسق حتى في الكفر؛ لأنه عرف الحق، ثم خرج وفسق عنه. وما دام الحق قد قال: {مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] إذن ماذا يفعل المؤمن منهم مع الفاسق؟ سيتربص الفاسقون وهم الأكثرية في اليهودية والنصرانية بالأقلية المؤمنة ليوقعوا بهم الأذى والضرر، ويقول الحق سبحانه: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن خيرية الأمة على البرية بقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، إشارة في الآيات: إنكم كنتم خير أمة أخرجت من العدم إلى الوجود، مستعدة لقبول كمالية الإنسان، {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} [آل عمران: 110]؛ أي: تأمرون بطلب المعروف وهو الله فإنه معروف العارفين، {وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110]؛ وهو طلب المعروف {وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} [آل عمران: 110]، إيمان القلب أي: تطلبون الله تعالى: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 110]، إشارة إلى علماء السوء؛ يعني: لو طلبوا الله فيما يتعلمون العلم ويعلمون الناس، ولا يطلبون الرياسة والتقدم والنعم، {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} [آل عمران: 110]؛ يعني: لكان الخيرية في الأمم لهم ثم قال تعالى: {مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 110]؛ يعني منهم المحققون والمستحقون للكمال، {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110]، الخارجون على طلب الحق وطلب الكمال لدناءة همتهم وقصر نظرهم، {لَن يَضُرُّوكُمْ} [آل عمران: 111]، أيها المحققون المستحقون للكمال {إِلاَّ أَذًى} [آل عمران: 111]، من طريق الإنكار والإعراض والحسد {وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ} [آل عمران: 111]، يخاصموكم وينازعوكم {يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ} [آل عمران: 111]، من صدق نياتكم ينهزموا عنكم {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} [آل عمران: 111] عليكم؛ لأنكم أهل الحق و{أية : حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [المائدة: 56]. {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} [آل عمران: 112] ذلة الطمع ومسكنة الحرص، {أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 112]، إلا أن يعتصموا لمحبة الله وطلبه {وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 112]؛ يعني: متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 112]؛ يعني: وإن لم يعتصموا باءوا بغضب من الله وهو البعد عنه والطرد، {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [آل عمران: 112] كفران النعمة، {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 112]، التي أظهرها الله على أوليائه وأكرمهم بها على سائر الخلق لتبيين الخلق، {وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 112]؛ أي: يميتون سنن الأنبياء وسيرهم بإظهار أباطيلهم في طلب الدنيا والحرص عليها، وكتمان الحق بترك طلبه، {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ} [آل عمران: 112]؛ أي: لسبب أنهم عصوا الله في أوامره وطلبه وترك غيره، كما قال تعالى {أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ}تفسير : [الأنعام: 91] وعصوا الرسول في دعوته إياهم إلى الله وكان {أية : وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} تفسير : [الأحزاب: 46]، {وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112]، يتجاوزون عن سنن الاستقامة ويتناكبون عن الصراط المستقيم الذي هو {أية : صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} تفسير : [سبأ: 6].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يمدح تعالى هذه الأمة ويخبر أنها خير الأمم التي أخرجها الله للناس، وذلك بتكميلهم لأنفسهم بالإيمان المستلزم للقيام بكل ما أمر الله به، وبتكميلهم لغيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتضمن دعوة الخلق إلى الله وجهادهم على ذلك وبذل المستطاع في ردهم عن ضلالهم وغيهم وعصيانهم، فبهذا كانوا خير أمة أخرجت للناس، لما كانت الآية السابقة وهي قوله: {أية : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } تفسير : أمرا منه تعالى لهذه الأمة، والأمر قد يمتثله المأمور ويقوم به، وقد لا يقوم به، أخبر في هذه الآية أن الأمة قد قامت بما أمرها الله بالقيام به، وامتثلت أمر ربها واستحقت الفضل على سائر الأمم { ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم } وفي هذا من دعوته بلطف الخطاب ما يدعوهم إلى الإيمان، ولكن لم يؤمن منهم إلا قليل، وأكثرهم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله المعادون لأولياء الله بأنواع العداوة، ولكن من لطف الله بعباده المؤمنين أنه رد كيدهم في نحورهم، فليس على المؤمنين منهم ضرر في أديانهم ولا أبدانهم، وإنما غاية ما يصلون إليه من الأذى أذية الكلام التي لا سبيل إلى السلامة منها من كل معادي، فلو قاتلوا المؤمنين لولوا الأدبار فرارا ثم تستمر هزيمتهم ويدوم ذلهم ولا هم ينصرون في وقت من الأوقات، ولهذا أخبر تعالى أنه عاقبهم بالذلة في بواطنهم والمسكنة على ظواهرهم، فلا يستقرون ولا يطمئنون { إلا بحبل } أي: عهد { من الله وحبل من الناس } فلا يكون اليهود إلا تحت أحكام المسلمين وعهدهم، تؤخذ منهم الجزية ويستذلون، أو تحت أحكام النصارى وقد { باءوا } مع ذلك { بغضب من الله } وهذا أعظم العقوبات، والسبب الذي أوصلهم إلى هذه الحال ذكره الله بقوله: { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } التي أنزلها الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الموجبة لليقين والإيمان، فكفروا بها بغيا وعنادا { ويقتلون الأنبياء بغير حق } أي: يقابلون أنبياء الله الذين يحسنون إليهم أعظم إحسان بأشر مقابلة، وهو القتل، فهل بعد هذه الجراءة والجناية شيء أعظم منها، وذلك كله بسبب عصيانهم واعتدائهم، فهو الذي جرأهم على الكفر بالله وقتل أنبياء الله، ثم قال تعالى: { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ ...}.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [110] 91- أنا محمد بن عبد الله بن المبارك، نا أبو داود الحفريُّ، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: نحن خير الناس للناس نجيء بهم الأغلال في أعناقهم، فندخلهم في الإسلام. 92- أنا قتيبة بن سعيد، نا عمرو، أنا إسرائيل، عن سِماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: هم الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.

همام الصنعاني

تفسير : 445- عبد الرزاق، قال: حدثنا إسرائيل عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}: [الآية: 110]، قال: هم الذين هاجروا مع محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. 446- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه عن جده: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}: [الآية: 110]، قال: "حديث : إنكم تُتِمُّون سبعين أُمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى ". 447تفسير : - عبد الرزاق، قال معمر وقال الكلبي: أنتم خير الناس للناس.