Verse. 404 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

لَنْ يَّضُرُّوْكُمْ اِلَّاۗ اَذًى۝۰ۭ وَاِنْ يُّقَاتِلُوْكُمْ يُوَلُّوْكُمُ الْاَدْبَار۝۰ۣ ثُمَّ لَا يُنْصَرُوْنَ۝۱۱۱
Lan yadurrookum illa athan wain yuqatilookum yuwallookumu aladbara thumma la yunsaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لن يضروكم» أي اليهود يا معشر المسلمين بشيء «إلا أذًى» باللسان من سبِّ ووعيد «وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار» منهزمين «ثم لا ينصرون» عليكم بل لكم النصر عليهم.

111

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} يعني كذبهم وتحريفهم وبُهْتَهم؛ لا أنَّه تكون لهم الغَلَبَة؛ عن الحسن وقتادة. فالاستثناء متَّصِل، والمعنى لن يضروكم إلاَّ ضراً يسيراً؛ فوقع الأذى موقع المصدر. فالآية وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، أن أهل الكتاب لا يغلبونهم وأنهم منصورون عليهم لا ينالهم منهم ٱصطلام إلاَّ إيذاء بالبهت والتحريف، وأما العاقبة فتكون للمؤمنين. وقيل: هو منقطع، والمعنى لن يضروكم ألْبَتّة، لكن يؤذونكم بما يُسمِّعونكم. قال مقاتل: إن رءوس اليهود: كعب وعديّ والنعمان وأبو رافع وأبو ياسر وكنانة وٱبن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم: عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم؛ فأنزل الله تعالىٰ: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} يعني باللسان، وتَمّ الكلام. ثم قال: {وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ} يعني منهزمين، وتمّ الكلام. {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} مستأنف؛ فلذلك ثبتت فيه النون. وفي هذه الآية معجزة للنبيّ عليه السَّلام؛ لأن من قاتله من اليهود ولاه دبره.

البيضاوي

تفسير : {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} ضرراً يسيراً كطعن وتهديد. {وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ} ينهزموا ولا يضروكم بقتل وأسر. {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} ثم لا يكون أحد ينصرهم عليكم أو يدفع بأسكم عنهم، نفي إضرارهم سوى ما يكون بقول وقرر ذلك بأنهم لو قاموا إلى القتال كانت الدبرة عليهم، ثم أخبر بأنه تكون عاقبتهم العجز والخذلان. وقرىء «لا ينصروا» عطفاً على يولوا على أن ثم للتراخي في الرتبة فيكون عدم النصر مقيداً بقتالهم، وهذه الآية من المغيبات التي وافقها الواقع إذ كان ذلك حال قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر. {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ } هدر النفس والمال والأهل، أو ذل التمسك بالباطل والجزية. {أَيْنَمَا ثُقِفُواْ } وجدوا {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مّنَ ٱلنَّاسِ } استثناء من أعم عام الأحوال أي ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا معتصمين، أو ملتبسين بذمة الله أو كتابة الذي آتاهم وذمة المسلمين، أو بدين الإِسلام واتباع سبيل المؤمنين. {وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ } رجعوا به مستوجبين له {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ } فهي محيطة بهم إحاطة البيت المضروب على أهله، واليهود في غالب الأمر فقراء ومساكين. {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما ذكـر ضـرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب. {بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} بسبب كفرهم بالآيات وقتلهم الأنبياء. والتقييد بغير حق مع أنه كذلك في نفس الأمر للدلالة على أنه لم يكن حقاً بحسب اعتقادهم أيضاً. {ذٰلِكَ } أي الكفر والقتل. {بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود الله، فإن الإِصرار على الصغائر يفضي إلى الكبائر والاستمرار عليها يؤدي إلى الكفر. وقيل معناه أن ضرب الذلة في الدنيا واستيجاب الغضب في الآخرة كما هو معلل بكفرهم وقتلهم فهو مسبب عن عصيانهم واعتدائهم من حيث إنهم مخاطبون بالفروع أيضاً. {لَيْسُواْ سَوَاء} في المساوي والضمير لأهل الكتاب. {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } استئناف لبيان نفي الاستواء، والقائمة المستقيمة العادلة من أقمت العود فقام وهم الذين أسلموا منهم. {يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} يتلون القرآن في تهجدهم. عَبَّر عنه بالتلاوة في ساعات الليل مع السجود ليكون أبين وأبلغ في المدح. وقيل المراد صلاة العشاء لأن أهل الكتاب لا يصلونها لما روي (أنه عليه الصلاة والسلام أخرها ثم خرج فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: حديث : أما أنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم.تفسير : {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَـٰرِعُونَ فِي ٱلْخَيْرٰتِ } صفات أخر لأمة وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود، فإنهم منحرفون عن الحق غير متعبدين في الليل مشركون بالله ملحدون في صفاته، واصفون اليوم الآخر بخلاف صفته، مداهنون في الاحتساب متباطئون عن الخيرات. {وَأُوْلَـئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} أي الموصوفون بتلك الصفات ممن صلحت أحوالهم عند الله واستحقوا رضاه وثناءه. {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ} فلن يضيع ولا ينقص ثوابه ألبتة، سمي ذلك كفراناً كما سمي توفية الثواب شكراً، وتعديته إلى مفعولين لتضمنه معنى الحرمان، وقرأ حفص وحمزة والكسائي {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } بالياء والباقون بالتاء. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} بشارة لهم وإشعار بأن التقوى مبدأ الخير وحسن العمل، وأن الفائز عند الله هو أهل التقوى. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مّنَ ٱللَّهِ شَيْئًا} من العذاب، أو من الغناء فيكون مصدراً. {وَأُوْلـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } ملازموها. {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ}. {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ} ما ينفق الكفرة قربة، أو مفاخرة وسمعة، أو المنافقون رياء أو خوفاً. {فِي هِـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} برد شديد والشائع إطلاقة للريح الباردة كالصرر، فهو في الأصل مصدر نعت به أو نعت وصف به البرد للمبالغة كقولك برد بارد. {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر والمعاصي {فَأَهْلَكَتْهُ } عقوبة لهم لأن الإِهلاك عن سخط أشد، والمراد تشبيه ما انفقوا في ضياعه بحرث كفار ضربته صر فاستأصلته ولم يبق لهم فيه منفعة ما في الدنيا والآخرة، وهو من التشبيه المركب ولذلك لم يبال بإيلاء كلمة التشبيه للريح دون الحرث، ويجوز أن يقدر كمثل مهلك ريح وهو الحرث. {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي ما ظلم المنفقين بضياع نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم لما لم ينفقوها بحيث يعتد بها، أو ما ظلم أصحاب الحرث بإهلاكه ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة. وقرىء {وَلَـٰكِنِ } أي ولكن أنفسهم يظلمونها، ولا يجوز أن يقدر ضمير الشأن لأنه لا يحذف إلا في ضرورة الشعر كقوله:شعر : وَمَا كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَه وَلَكِنَّ مَنْ يُبْصِرْ جُفُونَكِ يَعْشَقِ تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً} وليجة، وهو الذي يعرفه الرجل أسراره ثقة به، شبه ببطانة الثوب كما شبه بالشعار قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الأنصار شعار والناس دثار». تفسير : {مّن دُونِكُمْ} من دون المسلمين، وهو متعلق بلا تتخذوا، أو بمحذوف هو صفة بطانة أي بطانة كائنة من دونكم. {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } أي لا يقصرون لكم في الفساد، والألو التقصير وأصله أن يعدى بالحرف وعدي إلى مفعولين كقولهم: لا آلوك نصحاً على تضمين معنى المنع أو النقص. {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } تمنوا عنتكم، وهو شدة الضرر والمشقة وما مصدرية. {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ } أي في كلامهم لأنهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم. {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} مما بدا لأن بدوه ليس عن روية واختيار. {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَـٰتِ} الدالة على وجوب الإِخلاص وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين. {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} ما بين لكم، والجمل الأربع جاءت مستأنفات على التعليل، ويجوز أن تكون الثلاث الأول صفات لبطانة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَن يَضُرُّوكُمْ } أي اليهود يا معشر المسلمين بشيء {إِلآَّ أَذًى } باللسان من سب ووعيد {وَإِن يُقَٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأّدْبَارَ } منهزمين {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } عليكم بل لكم النصر عليهم.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {لن يضروكم إلا أذى} معناه: لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا في الأموال، وإنما هو أذى بالألسنة، فالاستثناء متصل، وقال الحسن، وقتادة وغيرهما: "الأذى" هو تحريفهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم إياه. قال القاضي أبو محمد: وتنقصهم المؤمنين وطعنهم عليهم جملة وأفراداً، وهذا كله عظيم مقلق وبسببه استحقوا القتل والإجلاء، وضرب الجزية، لكن أراد الله تعالى بهذه الآية أن يلحظهم المؤمنون بعين الاحتقار حتى لا يصدوا أحداً عن دينه ولا يشغلوه عن عبادة ربه، وهكذا هي فصاحة العرب، ومن هذا المعنى في التحقير قول ثمامة بن أثال: يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن شئت المال فاسأل منه ما شئت، فقوله: ذا دم، روي بالذال منقوطة، وبالدال غير منقوطة، فذم بفتح الذال وبكسرها أراد بها الذمام، وأما الدال غير منقوطة، فيحتمل أنه أرد التعظيم لأمر نفسه، وذلك بأحد وجهين: إما أن يريد الوعيد، أي تقتل ذا دم مطلوب بثأره له حماة فاحذر عاقبة ذلك، وإما أن يريد تقتل ملكاً يستشفى بدمه، كما كانت العرب تعتقد في دماء الملوك، فهذا استعطاف لا وعيد، أي لا ينبغي ذلك أن تفسد مثلي، وهذا كما استعطف الأشعث بن قيس أبا بكر رضي الله عنه بهذا المعنى، ويحتمل كلام ثمامة، أنه أراد تحقير أمر نفسه وليذهب عن نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم المسرة بنيل مثل هذا الأمر العظيم، ويجري ذلك مجرى قول أبي جهل لعبد الله بن مسعود:وهل أعمد من رجل قتلتموه؟ ومثله قول الأسير لعمر بن عبد العزيز، حين قال له: لأقتلنك، قال إن ذلك لا ينقص من عدد الخزر شيئاً فكأن ثمامة أراد: إن تقتلني تقتل حيواناً حقيراً شأنه، كما يقتل كل ذي دم فما بالك تفعل ذلك وتدع الإنعام عليّ؟ فالآية تنظر إلى هذا المعنى من جهة أنه حقر عند المؤمنين ما هو عظيم في نفسه تنبيهاً لهم، وأخبر الله تعالى في قوله: {وإن يقاتلوكم} الآية، بخبر غيب صححه الوجود، فهي من آيات محمد صلى الله عليه وسلم، وفائدة الخبر هي في قوله: {ثم لا ينصرون} أي لا تكون حربهم معكم سجالاً وخص {الأدبار} بالذكر دون الظهر تخسيساً للفارّ، وهكذا هو حيث تصرف. قوله: {ضربت} معناه: أثبتت بشدة والتزام مؤكد، وهذا وصف حال تقررت على اليهود في أقطار الأرض قبل مجيء الإسلام، قال الحسن: جاء الإسلام وإن المجوس لتجبيهم الجزية، وما كانت لهم عزة ومنعة إلا بيثرب وخيبر وتلك الأرض فأزالها الله بالإسلام، ولم تبق لهم راية أصلاً في الأرض، و {الذلة} فعلة من الذل {ثقفوا} معناه أخذوا وهم بحال المذنب المستحق الإهلاك، ومنه قوله تعالى: {أية : فإما تثقفنهم في الحرب} تفسير : [الأنفال: 57] {أية : فاقتلوا المشركين حيث ثقفتموهم} تفسير : [التوبة: 5] واللفظة مأخوذة من الثقاف، ومنه قول الشاعر: شعر : تدعو ثقيفاً وَقَدْ عَضَّ الحديدُ بها عضَّ الثّقافِ على صُمّ الأنابيبِ تفسير : وقوله تعالى: {إلا بحبل} استثناء منقطع، وهو نظير قوله تعالى: {أية : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأً} تفسير : [النساء: 92] لأن بادي الرأي يعطي أن له أن يقتل خطئاً، وأن الحبل من الله ومن الناس يزيل ضرب الذلة، وليس الأمر كذلك، وإنما الكلام محذوف، يدركه فهم السامع الناظر في الأمر، وتقديره في آياتنا فلا نجاة من الموت {إلا بحبل}، وقوله تعالى: {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا} كأنه بالمعنى هلكوا واستؤصلوا، فلذلك حسن أن يجيء بعده {إلا بحبل}، وقرب فهم ذلك للسامع، قال الزجّاج: المعنى ضربت عليهم الذلة إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه، و"الحبل" العهد، شبه به لأنه يصل قوماً بقوم كما يفعل الحبل في الأجرام، و {باؤوا} معناه مضوا متحملين لهذا الحكم، و"غضب الله عليهم"، بما دلت عليه هذه الأمور التي أوقع بهم، وأفعال بني إسرائيل على وجه الدهر من التعنت والعصيان توجب الغضب، فلذلك خصوا به، والنصارى إنما ضلوا فقط، و {المسكنة} التذلل والضعة، وهي حالة الطواف الملتمس للقمة واللقمتين المضارع المفارق لحالة التعفف والتعزز به، فليس أحد من اليهود وإن كان غنياً إلا وهو بهذه الحال، وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى الغضب وضرب الذلة والمسكنة، فعاقبهم الله على كفرهم وقتلهم الأنبياء بذلك، و {آيات الله}: يحتمل أن يراد بها المتلوة، ويحتمل أن يريد العبر التي عرضت عليهم، وقوله: {بغير حق} تأكيد ومبالغة وقطع لما عسى أن يكون في وهم إنسان ممكناً بوجه ما، وقوله تعالى: {ذلك بما عصوا} حمله المفسرون على أن الإشارة بذلك إلى الشيء الذي أشير إليه بذلك الأول، قاله الطبري والزجّاج وغيرهما. والذي أقول: إن الإشارة بــ {ذلك} الأخير إنما هي إلى كفرهم وقتلهم، وذلك أن الله تعالى، استدرجهم فعاقبهم على العصيان والاعتداء بالمصير إلى الكفر وقتل الأنبياء، وهو الذي يقول أهل العلم: إن الله تعالى يعاقب على المعصية بالإيقاع في معصية، ويجازي على الطاعة بالتوفيق إلى الطاعة، وذلك موجود في الناس إذا تؤمل، وعصيان بني إسرائيل واعتداؤهم في السبت وغيره متقرر في غير ما موضع من كتاب الله، وقال قتادة رحمه الله عندما فسر هذه الآية: اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بها أهلك من كان قبلكم من الناس.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {لن يضروكم إلا أذى} سبب نزول هذه الآية أن رؤساء عمدوا إلى من آمن منهم مثل عبدالله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم فأنزل الله تعالى {لن يضروكم إلا أذى} يعني لن يضركم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود إلا أذى يعني باللسان من طعنهم في دينكم أو تهديد أو إلقاء شبهة وتشكيك في القلوب وكل ذلك يوجب الأذى والغم {وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار} يعني منهزمين مخذولين {ثم لا ينصرون} يعني لا يكون لهم النصر عليكم بل تنصرون عليهم وفيه تثبيت لمن أسلم من أهل الكتاب لأنهم كانوا يؤذونهم بالقول ويهددونهم ويوبخونهم فأعلمهم الله تعالى أنهم لا يقدرون أن يجاوزوا الأذى بالقول إلى غيره من الضرر ثم وعدهم الغلبة والانتقام منهم وأن عاقبتهم الخذلان والذل فقال تعالى: {ضربت عليهم الذلة} يعني جعلت الذلة ملصقة بهم كالشيء يضرب على الشيء فيلتصق به، والمراد بالذلة قتلهم وسبيهم وغنيمة أموالهم وقيل الذلة ضرب الجزية عليهم لأنهم ذلة وصغار وقيل ذلتهم أنك لا ترى في اليهود ملكاً قاهراً ولا رئيساً معتبراً بل مستضعفون في جميع البلاد {أينما ثقفوا} أي حيثما وجدوا وصودفوا {إلا بحبل من الله} يعني إلا بعهد من الله وهو أن يسلموا فتزول عنهم الذلة {وحبل من الناس} يعني المؤمنين ببذل الجزية والمعنى ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس وهو ذمة الله وعهده وذمة المسلمين وعهدهم لا عزلهم إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من بذل الجزية. وإنما سمي العهد حبلاً لأنه سبب يوصل إلي الأمن وزال الخوف {وباؤوا بغضب من الله} يعني رجعوا بغضب من الله واستوجبوه وقيل أصله من البواء وهو المكان والمعنى أنهم مكثوا في غضب من الله وحلوا فيه {وضربت عليهم المسكنة} يعني كما يضرب البيت على أهله فهم ساكنون في المسكنة غير خارجين منها قال الحسن المسكنة هي الجزية، وذلك لأن الله تعالى أخرج المسكنة عن الاستثناء، وذلك يدل على انها باقية عليهم والباقي عليهم هو الجزية فدل على أن المسكنة هي الجزية، وقيل المراد بالمسكنة هو أن اليهودي يظهر من نفسه الفقر وإن كان غنياً موسراً {ذلك} إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب {بأنهم} أي بسبب أنهم {كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} أي ذلك الذي نزل بهم بسبب عصيانهم لله عز وجل وتعديهم لحدوده فنزل بهم ما نزل.

ابن عادل

تفسير : لمَّا رغَّب المسلمين في تَرْك الالتفات إلى أقوال الكُفَّار وأفعالهم بقوله: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} تفسير : [آل عمران: 110]، رغَّبهم - أيضاً - من وَجْه آخر، وهو أنه لا قُدْرَةَ لهم على إضرار المسلمين، إلا بالقليل من القول الذي لا عبرة به، ولو أنهم قاتلوا المسلمين لانهزمت الكفار، فلذلك لا يلتفت إلى أقوالهم وأفعالهم. قال مقاتل: إن رؤوس اليهود عمدوا إلى مَنْ آمن منهم - عبد الله بن سلام وأصحابه - فآذَوْهم، فنزلت هذه الآية. قوله: {إِلاَّ أَذًى} فيه وجهان: أحدهما: أنه متصل، وهو استثناء مفرَّغ من المصدر العام، كأنه قيل: لن يضروكم ضرراً ألبتة إلا ضرر أذى لا يبالى به - من كلمة سوء ونحوها - إمَّا بالطعن في محمد وعيسى - عليهما السلام - وَإمَّا بإظهار كلمة الكفر - كقولهم: عيسى ابنُ الله، وعُزَيْر ابن الله، وإن الله ثالث ثلاثة، وإما بتحريف نصوص التوراة والإنجيل، وإما بتخويف ضعفةِ المسلمين. الثاني: أنه منقطع، أي: لن يضروكم بقتال وغَلَبَة، لكن بكلمة أذًى ونحوها. قال بعض العلماء: وهذا بعيد، لأن الوجوه المذكورة توجب وقوع الغَمِّ في قلوب المسلمين، والغم ضرر. فالتقدير: لا يضروكم إلا الضرر الذي هو الأذى، فهو استثناء صحيح، والمعنى: لا يضروكم إلا ضَرَراً يَسِيراً. قوله: {وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ} هذا إخْبار بأنهم لو قاتلوا المسلمين لانهزموا، وخُذلوا، {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} أي: إنهم بعد صيرورتهم منهزمين لا يحصل لهم شوكة، ولا قوة - ألبتة -، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ} تفسير : [الحشر: 12]، وقوله: {أية : قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} تفسير : [آل عمران: 12]، وقوله: {أية : نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 44-45]، وكل ذلك وَعْد بالفتح، والنصر، والظفر، وهذه الآية اشتملت على الإخبار عن غيوب كثيرة. منها: أن المؤمنين آمنون من ضررهم. ومنها: أنهم لو قاتلوا المؤمنين لانهزموا. ومنها: أنه لا يحصل لهم شوكة بعد الانهزام. وكل هذه الأخبار وقعت كما أخبر الله عنها، فإن اليهود لم يقاتلوا إلا انهزموا، وما أقدموا على محاربة، وطلب رئاسة إلا خُذِلوا، وكل ذلك إخبار عن الغيب، فيكون معجزاً. فإن قيل: هَبْ أن اليهودَ كذلك، لكن النصارى ليسوا كذلك، وهذا يقدح في صحة هذه الآيات. فالجواب: أنها مخصوصة باليهود، لما رُوِيَ في سبب النزول. وقوله: {ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ} كلام مستأنف. فإن قيل: لِمَ كان قوله: {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} مستأنفاً، ولم يُجْزَم، عطفاً على جواب الشرط؟ فالجواب: أنه لو جُزِم لتغيَّر المعنى؛ لأن الله - تعالى - أخبرهم بعدم نُصْرَتهم - مطلقاً - فلو عطفناه على جواب الشرط لزم تقييده بمقاتلتهم لنا، بينما هم غير منصورين مطلقاً - قاتلوا، أو لم يقاتلوا. وزعم بعضهم أن المعطوف على جواب الشرط بـ "ثم" لا يجوز جزمه ألبتة، قال: لأن المعطوف على الجواب جواب، وجواب الشرط يقع بعده وعقيبه، و "ثم" يقتضي التراخي، فكيف يتصور وقوعه عقيب الشرط؟ فلذلك لم يُجْزَم مع "ثم". وهذا فاسد جدًّا؛ لقوله تعالى: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} تفسير : [محمد: 38]، فـ "لا يكونوا" مجزوم نسقاً على "يستبدل" الواقع جواباً للشرط، والعاطف "ثُمَّ". و "الأدبار" مفعول ثان لِـ "يُوَلُّوكُمْ"؛ لأنه تعدَّى بالتضعيف إلى مفعولٍ آخَرَ. فإن قيل: ما الذي عطف عليه قوله: {لاَ يُنصَرُونَ}؟ فالجواب: هو جملة الشرط والجزاء، كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا يُنصرون. وإنما ذكر لفظ "ثُمَّ"، لإفادة معنى التراخي في المرتبة، لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار. قوله: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} يعني: أن الذلة جُعِلَتْ ملصَقَة بهم، كالشيء الذي يُضرب على الشيء فيلصق به، ومنه قولهم: ما هذا عليَّ بضربة لازب ومنه تسمية الخراج ضريبة. والذلة: هي الذل، وفي المراد بها أقوال. فقيل: إنها الجزية؛ وذلك؛ لأن ضَرْب الجزية عليهم يوجب الذلة والصَّغَار. وقيل: أن يُحارَبُوا، ويقْتَلوا، وتقسَّم أموالُهم، وتُسْبَى ذَراريهم، وتُملك أراضيهم - كقوله: {أية : وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} تفسير : [البقرة: 191]، ثم قال تعالى: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ} والمراد: إلاَّ بعهد من الله، وعِصْمة، وذمام من الله ومن المؤمنين؛ لأن عند ذلك تزول هذه الأحكام. وقيل: إن المراد بها أنك لا ترى فيهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً معتبراً، بل هم مُسْتَخْفُون في جميع البلاد، ذليلون، مهينون. قوله: {أَيْنَ مَا ثُقِفُوا}، "أيْنَمَا" اسم شرط، وهي ظرف مكان، و "ما" مزيدة فيها، فـ "ثُقِفُوا" في محل جزم بها، وجواب الشرط إما محذوف - أي: أينما ثُقِفُوا غلبوا وذُلّوا، دلَّ عليه قوله: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ}، وإما نفس "ضُرِبَتْ"، عند مَنْ يُجيز تقديم جواب الشرط عليه، فـ {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} لا محل له - على الأول، ومحله جزم على الثاني. قوله: {إلاَّ بِحَبْلٍ} هذا الجار في محل نَصْب على الحال، وهو استثناء مفرَّغ من الأحوال العامة. قال الزمخشري: "وهو استثناء من أعَمِّ عامّة الأحوال، والمعنى: ضُرِبَتْ عليهم الذلة في عامة الأحوال، إلا في حال اعتصامهم بحبل الله، وحبل الناس، فهو استثناء متصل". قال الزجّاج والفرَّاء: هو استثناء منقطع، فقدره الفراء: إلا أن يعتصموا بحبل من الله، فحذف ما يتعلق به الجار. كقول حميد بن ثور الهلالي: [الطويل] شعر : 1574- رَأتْنِي بِحَبْلَيْهَا، فَصَدَّتْ مَخَافَةً وَفِي الْحَبْلِ رَوْعَاءُ الْفُؤَادِ، فَرُوقُ تفسير : أراد: أقبلت بحبليها، فحذف الفعل؛ للدلالة عليه. ونظَّره ابنُ عطية بقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} تفسير : [النساء: 92] قال: "لأن بادئ الرأي يعطي أن له أن يقتل خطأ، وأن الحبل من الله ومن الناس يزيل ضرب الذلة، وليس الأمر كذلك، وإنَّما في الكلام محذوف، يدركه فَهْمُ السامع الناظر في الأمر، وتقديره: - في أمتنا - فلا نجاة من الموت إلا بحبل". قال أبو حيان: "وعلى ما قدره لا يكون استثناءً منقطعاً؛ لأنه مستثنًى من جملة مقدَّرة، وهي: فلا نجاة من الموت، وهو متصل على هذا التقدير، فلا يكون استثناء المنقطع - كما قرره النحاة - على قسمين: منه ما يمكن أن يتسلط عليه العامل، ومنه لا يمكن فيه ذلك - ومنه هذه الآية - على تقدير الانقطاع - إذ التقدير: لكن اعتصامهم بحبل من الله وحَبْل من الناس يُنَجيهم من القتل، والأسر، وسَبي الذراري، واستئصال أموالهم؛ ويدل على أنه منقطع الإخبار بذلك في قوله تعالى - في سورة البقرة -: {أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 61]، فلم يستثنِ هناك". قال محمد بن جرير الطبري: "قد ضُرِبَت الذلة على اليهود، سواء كانوا على عهد من الله أو لم يكونوا، ولا يخرجون بهذا الاستثناء من الذلة إلى العزة، فقوله: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ} تقديره: لكن يعتصمون بحبل من الله وحبل من الناس". قال ابن الخطيب: "وهذا ضعيف؛ لأن حَمْلَ لفظ "إلاَّ" على "لكن" خلاف الظاهر، وأيضاً: إذا حملنا الكلام على أن المراد: لكن قد يعتصمون بحبل من الله، وحبل من الناس، لم يتم هذا القدر إلا بإضمار الشيء الذي يعتصمون بهذه الأشياء لأجل الحذر عنه، والإضمار خلاف الأصل، فلا يُصار إلى هذه الأشياء إلا عند الضرورة، فإذا كان لا ضرورةَ - هاهنا - إلى ذلك، كان المصير إليه غير جائز، بل هاهنا وجه آخر، وهو أن تُحْمَل الذِّلَّةُ على كل هذه الأشياء - أعني: القتل، والأسْر، وسَبْي الذراري، وأخذ المال، وإلحاق الصغار، والمهانة، ويكون فائدة الاستثناء هو أنه لا يبقى مجموع هذه الأحكام، وذلك لا ينافي بقاء بعض هذه الأحكام، وهو أخذ القليل من أموالهم - المُسَمَّى بالجزية - وبقاء المهانة والصغار فيهم". وقال بعضهم الباء - في قوله: "بحبل" - بمعنى: "مع"، كقولك: اخرج بنا نفعل كذا - أي: معنا، والتقدير: إلا مع حبل من الله. فصل تقدم الكلام في أن المراد بالحبل: العهد. فإن قيل: إنه عطف على حبل الله حبلاً من الناس، وذلك يقتضي المغايرة. فالجواب: قال بعضهم: حبل الله هو الإسلام، وحبل الناس هو العهد والذمة، وهذا بعيد؛ لأنه لو كان المراد ذلك، لكان ينبغي أن يقال: أو حبل من الناس. وقال آخرون: المراد بكلا الحبلين: العهد والذمة والأمان، وإنما ذكر - تعالى - الحَبْلَيْن؛ لأن الأمان المأخوذ من المؤمنين، هو الأمان المأخوذ بإذن الله تعالى. قال ابن الخطيب: وهذا عندي - أيضاً - ضعيف، والذي عندي فيه أن الأمان للذميّ قسمان: أحدهما: الذي نصَّ الله عليه، وهو أخْذ الجزية. الثاني: الذي فُوض إلى رَأي الإمام، فيزيد فيه تارة، وينقص بحسب الاجتهاد، فالأول: هو المُسَمَّى بحبل الله، والثاني: هو المسمى بحبل المؤمنين. قوله: {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} تقدم أن معناه: مَكَثُوا، ولبثوا، وداموا في غضب الله، مأخوذ من البوء - وهو المكان ومنه: تبوأ فلان منزل كذا - ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ} تفسير : [الحشر: 9]. قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ}. قال الحسن، وأكثر المفسرين: المسكنة: الجزية؛ لأنه لم يستثنها، فدلَّ ذلك على بقائها عليهم، والباقي عليهم ليس إلا الجزية. وقال آخرون: المسكنة: هي أن اليهودي يُظهر من نفسه الفقر، وإن كان موسراً. وقال آخرون: هذا إخبار من الله بأنه جعل أموال اليهود رزقاً للمسلمين، فيصيروا مساكين. قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} بيَّن العلة في إلصاق هذه الأمور المكروهة بهم، وتقدم الكلام على مثل ذلك في سورة البقرة. فإن قيل: فما الحكمة في قوله: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ}، ولا يجوز أنْ يكونَ هذا التكرير للتأكيد؛ لأن التأكيد يجب أن يكون بشيء أقْوَى من المؤكد - والعصيان أقل حالاً من الكفر - فلا يُؤكَّد الكفر بالعصيان؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن علة الذلة، والغضب، والمسكنة، هي: الكُفر، وقتل الأنبياء، وعلة الكُفْر وقتل الأنبياء هي: المعصية؛ لأنهم لما توغَّلوا في المعاصي والذنوب، وتزايدت ظلمات المعاصي - حالاً فحالاً، ضعف نور الإيمان حالاً فحالاً - إلى أن بطل نور الإيمان، وحصلت ظلمة الكُفْر، وإليه أشار بقوله: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [المطففين: 14]، فقوله: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ} إشارة إلى العلة. ولهذا المعنى قال الإمام أحمد - وقد سُئل عن تارك السنن، هل تُقْبَل شهادته؟ - قال: ذلك رجل سوء؛ لأنه إذا وقع في ترك السنن أدَّى ذلك إلى تَرْك الفرائض، وإذ وقع في تَرْك الفرائض، وقع في استحقار الشريعة، ومن ابتلي بذلك وقع في الكُفْر. الثاني: أن يُحْمَل قوله: {كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} على أسلافهم، وقوله: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ} في الحاضرين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يلزم التكرار، فكأنه - تعالى - بيَّن عقوبة مَنْ تقدَّم، ثم بيَّن أن المتأخر - لما تبع من تقدم - صار لأجل معصيته، وعداوته متسوجِباً لمثل عقوبتهم، حتى يظهر للخلق ما أنزل الله بالفريقين.

ابو السعود

تفسير : {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} استثناءٌ مفرّغٌ من المصدر العام أي لن يضروكم أبداً ضرراً ما إلا ضررَ أذىً لا يُبالىٰ به من طعنٍ وتهديدٍ لا أثر له {وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ} أي ينهزمون من غير أن ينالوا منكم شيئاً من قتل أو أسرٍ {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} عطفٌ على الشرطية وثم للتراخي في الرتبة أي لا يُنصرون من جهة أحدٍ ولا يُمنعون منكم قتلاً وأخذاً. وفيه تثبـيتٌ لمن آمن منهم فإنهم كانوا يؤذونهم بالتلهي بهم وتوبـيخِهم وتضليلِهم وتهديدِهم، وبشارةٌ لهم بأنهم لا يقدِرون على أن يتجاوزوا الأذى بالقول إلى ضرر يُعبأ به مع أنه وعدهم الغلَبةَ عليهم والانتقامَ منهم وأن عاقبةَ أمرِهم الخِذلانُ والذلُّ، وإنما لم يُعطَفْ نفيُ منْصوريّتِهم على الجزاء لأن المقصودَ هو الوعدُ بنفي النصرِ مطلقاً ولو عطف عليه لكان مقيداً بمقاتلتهم كتولية الأدبارِ، وكم بـين الوعدين كأنه قيل: ثم شأنُهم الذي أخبركم عنه وأبشرَكم به أنهم مخذولون مُنتفٍ عنهم النصرُ والقوةُ لا ينهضون بعد ذلك بجَناحٍ ولا يقومون على ساق ولا يستقيم لهم أمرٌ وكان كذلك حيث لقيَ بنو قريظةَ والنضيرِ وبنو قينُقاع ويهودُ خيبرَ ما لقُوا.

القشيري

تفسير : إن الحق سبحانه وتعالى لا يسلط على أوليائه إلا بمقدار ما يصدق إلى الله فرارهم، فإذا حق فرارهم أكرم لديه قرارهم، وإن استطالوا على الأولياء بموجب حسبانهم انعكس الحال عليهم بالصغار والهوان.

اسماعيل حقي

تفسير : {لن يضروكم الا اذى} استثناء مفرغ من المصدر العام اى لن يضروكم ابدا ضررا ما الا ضرر اذى لا يبالى به من طعن وتهديد لا اثر له {وان يقاتلوكم} اى ان خرجوا الى قتالكم {يولوكم الادبار} مفعول ثان ليولوكم اى يجعلوا ظهورهم ما يليكم ويرجعوا الى ادبارهم منهزمين من غير ان ينالوا منكم شيأ من قتل او اسر {ثم لا ينصرون} عطف على الشرطية وثم للتراخى فى المرتبة اى لا ينصرون من جهة احد ولا يمنعون منكم قتلا واخذا وفيه تثبيت لمن آمن منهم فانهم كانوا يؤذونهم بالتلهى بهم وتوبيخهم وتضليلهم وتهديدهم وبشارة لهم بانهم لا يقدرون على ان يتجاوزوا الاذى بالقول الى ضرب يعبأ به مع انه وعدهم الغلبة عليهم والانتقام منهم وان عاقبة امرهم الخذلان والذل فلا ينهضون بجناح ولا ترجع اليهم قوة ونجاح كما كان من حال بنى قريظة والنضير وقينقاع ويهود خيبر.

الطوسي

تفسير : النظم وجه اتصال هذه الآية بما قبلها اتصال البشارة بالغلبة بما تقدم من الامر بالمحاربة، لأنه قد تقدم الأمر بانكار المنكر، فالفريضة اللازمة إذ لم تترك إلا بالمحاربة. المعنى، والاعراب: والأذى المذكور في الآية هو أن يسمعوا منهم كذباً على الله يدعونهم به إلى الضلالة في قول الحسن، وقتادة يقول أهل الحجاز آذيتني إذا أسمعته كلاماً يثقل عليه. وقال البلخي، والطبري الاستثناء منقطع ها هنا، لأن الأذى ليس من الضرر في شيء، وهذا ليس بصحيح، لأنه إذا أمكن حمله على الاستثناء الحقيقي لم يجز حمله على المنقطع. والمعنى في الآية لن يضروكم إلا ضرراً يسيراً، فالأذى وقع موقع المصدر الأول. وإذا كان الأذى ضرراً فالاستثناء متصل. والمنقطع لا يكون فيه الثاني مخصصاً للأول، كقولك ما في الدار أحد إلا حماراً، وكقولك ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر. وقوله: {وإن يقاتلوكم} جزم، لأنه شرط {ويولوكم} جزم لأنه جزاء. وقوله: {ثم لا ينصرون} رفع على الاستئناف، ولم يعطف ليجري الثاني على مثال الأول، لأن سبب التولية القتال. وليس كذلك منع النصر، لأن سببه الكفر. والرفع أشكل برؤس الآي المتقدمة، وهو مع ذلك عطف جملة على جملة وفي الآية دلالة على النبوة، لوقوع مخبرها على ما تضمنته قبل وقوع مخبرها، لأن يهود المدينة من بني قريظة وبني النضير، وبني قينقاع ويهود خيبر الذين حاربوه (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين ما قاتلوهم قط إلا ولوا الأدبار منهزمين.

الجنابذي

تفسير : {لَن يَضُرُّوكُمْ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هل يضرّ الفاسقون منهم بنا؟ - فقال: لن يضرّوكم {إِلاَّ أَذًى} الاّ ضرراً يسيراً هو الاذى فالاذى مفعول مطلق نوعىّ من غير لفظ الفعل والاستثناء مفرّغ {وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ} يعنى ان فرض ضرر المقاتلة فالعاقبة لكم لانّهم ان يقاتلوكم {يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} عطف على مجموع لن يضرّوكم (الى آخره) او على جملة الشّرط والجزاء يعنى بعد الضّرر اليسير والمقاتلة لا ينصرون، او بعد المقاتلة لا ينصرون، ويجوز ان يكون ثمّ للترتيب فى الاخبار وقرئ لا ينصروا مجزوماً معطوفاً على الجزاء والآية من الاخبار الآتية وتدلّ على نبوّة النّبىّ (ص) لوقوع المخبر عنه بعد الاخبار كما اخبر.

الهواري

تفسير : قوله: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى}. أي بالألسنة، في تفسير الحسن وغيره، وأما أنتم فتنصرون عليهم. {وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ}. يقول: وإن ينصبوا لكم الحرب {يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}. قوله: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} أي: حيثما وجدوا {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ} قال مجاهد: إلا بعهد من الله وعهد من الناس {وَبَآؤوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ} أي استوجبوا غضباً من الله وغضباً من الناس، أي المؤمنين {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ} يعني ما يؤخذ منهم من الجزية. قال بعضهم: لا تلقى اليهودي إلا يُنْبِيك أنه مسكين. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} يعني أوَّليهم، وليس يعني الذين أدركوا النبي عليه السلام. {ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ}. قوله: {لَيْسُوا سَوَاءً} يقول: ليس كل أهل الكتاب كافرين. بل {مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} أي: بأمر الله، مهتدية. يعني من آمن منهم بالنبي عليه السلام في تفسير الحسن. وقال غيره: ليس كل القوم هلك، قد كان فيهم بقيّة أمة قائمة على كتاب الله وحدوده وفرائضه. وقال مجاهد: أمةٌ عَدْلٌ. {يَتْلُونَ} أي يقرأون {ءَايَاتِ اللهِ ءَانَآءَ الَّيْلِ} أي: ساعات الليل {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أي: يصلّون. {يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ} [يعني بالإِيمان] {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ} [يعني عن التكذيب بمحمد] {وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ} أي الأعمال الصالحة {وأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} وهم أهل الجنة. ذكروا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم وإن قيام الليل قربة إلى الله، وتكفير للسيئات، ومنهاة عن الاثم، ومَطرَدة للداء عن الجسد .

اطفيش

تفسير : {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ}: وأزاد "إن" على سبيل الاستطراد، وهو أن تكون من من الكلام ثم تدخل فى آخر يناسبه، نحو: زيد عالم شجاع لا يمسك ما يذله من مال، ولا يكثر النوم. فإن الكلام قيل فى أن إيمان أهل الكتاب خير لهم، وهذا يناسبه بيان أن قليلا منهم آمن وأضر الكثير، وأنهم لا طاقة لهم على الأذى العظيم، وهم مغلوبون فى القتال إن قاتلوا، ولم يعطف {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} على ما قبله لتباعد ما بينهما من حيث أن كلا منهما نوع من الكلام على حده، ومعنى {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى}: لن يضروكم إلا ضرراً يسيراً، باعتبار أنه ليس فيه قتلكم ولا أسركم ولا إخراجكم ولا أحذ أموالكم، والتنكير للتحقير الاعتبارى، وذلك الأذى: الطعن فى الدين، وتخويف ضعفة المسلمين ومن ذلك الطعن قولهم: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، وإخفاء صفات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فى التوراة والإنجيل، وقد علمت أن {أذى} مفعول مطلق بمعنى الضر، فرع إليه لجواز التفريع إليه عند بعض النجاة مطلقاً وعند بعض: إن كان غير مؤكد، وهو هنا غير مؤكد، لأن المعنى أذى يسيراً، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً، أى: لن يغلبوكم على مالكم وأنفسكم وأهلكم، لكن يضروكم بكلمة أذى. كما روى أن رؤساء اليهود عملوا إلى من آمن منهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، كعبد الله بن سلام، فآذوهم لإسلامهم، فأنزل الله عز وجل {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} كطعن وتهديد، وإلقاء شبه، وشك فى القلوب، وذلك يغتم به المؤمن، ولكن الظاهر المناسب أن الخطاب للمؤمنين كلهم يومئذ، ولو كان سبب النزول خاصا، وفى الآية تثبيت للمؤمنين على الإيمان. ومعنى تولية الأدْبَار: جَعْلُهم إياكم تالين أدبارهم، بأن يهربوا منهزمين، فلا يليكم منهم إلا أدبارهم. وأدبارهم هى ظهورهم ومقاعدهم، وكلما يستدبر من أجسادهم، ويجوز أن يراد بأدبارهم قاعدهم تخسيساً لهم، والأدبار: مفعول ثان، ومعنى {ثم لاَ يُنصَرُون}: أنهم بعد انهزامهم لو أطالوا الاجتهاد والحث لا ينصر أحد بتغليبهم عليكم، ولا بدفع بأسكم عنهم، فانهزامهم مستمر لا يراجعه نصر، و{ثم} للترتيب والتراخى الزمانى، وليس {لاَ يُنصَرُون} معطوفاً على {يولوكم} وإلا حذفت نونه فقيل: ثم لا تنصروا، كما قرأ بحذفها من عطفه عليه، بل هو معطوف على مجموع الشرط والجواب والأداة، فلم يستحق الجزم، و{ثم} فى قراءة حذف نونه للتراخى فى المرتبة لأن الأخبار بتسليط الخذلان عليهم، أعظم من الإخبار بتولية الأدبار، ويجوز أن تكون قراءة حذف النون للتراخى الزمانى وفى قراءة ثبوتها للتراخى الرتبى، وفى قراءة الرفع الأخبار بأنهم لا ينصرون، وقع قتال أو لم يقع، إذ قد يكون الناس فى ذل وهوان بدون قتال، وقد وقع عدم النصر مستمرا فى قريظة والنضير وقينقاع، وأهل خيبر عدماً مستمراً، والحمد لله، فقراءة الرفع أرحج من قراءة الجزم، إذ قراءة الجزم مقيدة لعدم النصر بوقوع القتال، أو فى الإخبار بذلك، ووقوعه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله {لَن يَضُرُّوكُم} إلى {لاَ يُنصَرُون} عائد على أهل الكتاب الذين هم يهود، وما قبله عائد إلى أهل الكتاب: اليهود والنصارى، وقيل: المراد بأهل الكتاب اليهود.

اطفيش

تفسير : {لَن يَضُرُّوكُمْ إلاَّ أَذَى} الأذى الضر اليسير، لن يضروكم أيها المسلمون إلا مضرة أذى بطعن فيكم، وفى بعض الأنبياء والتثليث والنبوة لعيسى وعزير، والتحريف والتخويف، وسب من أسلم منهم كما جعله رؤساؤهم ككعب وأبى رافعٍ وأبى ياسر وكنانة وابن صوريا، لعنهم الله عز وجل، أما مضرة قتل وسبى وغنم وضرب ونحو ذلك فلا إلا شاذَّا، أو الاستثناء منقطع {وَإن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلَّكُمُ الأَدْبَارَ} يصيروكم تالين أقفيتهم وظهورهم ومقاعدهم وبواطن سوقهم لفرارهم قدامكم {ثُمًَّ لاَ يُنصَرُونَ} بدفع بأسكم عنهم، أو تغليهم عليكم، بل يبقون على الذل والهوان، فالترتيب زمانى باعتباره بين المعطوف عليه وأخر أجزاء المعطوف ويجوز أن يكون ترتيب إخبار، وأن يكون ترتيب ربتة، أى وأعظم من ذلك بقاءهم عَلَى الذل أبداً، فلا ينشئون قتالا، وإن أنشأوه كانت الدائرة عليهم ثم يكونون، لا يمكن لهم إنشاؤه، لاستحكام الذل عليهم، وهكذا حال قريظة والنضير وبنى قينقاع وخيبر وغيرهم، حاربوا المسلمين ولم يثبتوا ولم يقاتلوا شيئاً، والعطف على جملة الشرط، والجزاء لا على الجزاء بدليل ثبوت النون، وذلك إخبار بالغيب على طبق الواقع،كما قال الله جل وعلا: {ضُرِبَتْ} ألزمت، كقبة بناء محكمة {عَلَيْهِمُ الذِّلَةُ} ضعف القلب فلا يقدرون على نصر أنفسهم، فهم يقتلون ويؤسرون وتغنم أموالهم، وتسبى ذراريهم وتؤخذ أرضهم وغيرها، وتؤخذ عنهم الجزية دون ذلك، إن أذعنوا لها ولا ملك معتبر، ولا رئيس معتبر لكفرهم وتمسكهم بالدين المنسوخ وببدعهم، شبه خزيهم بقبة بجامع الإحاطة ورمز إليها يلازمها، وهو الضرب، وهو تخييل فذلك استعارة مكنية تخييلية، أو شبه الإحاطة بالضرب على الاستعارة الأصلية، واشتق منه على التبعية ضُرِب {أَبْنَ مَا ثُقِفُوا} وجدوا {إلاّ بِحَبْلٍ مّنَ اللهِ} أى فى جميع الأحوال إلا حال تلبسهم بعهد الله، وهو أيضاً حبل من الناس، كما قال {وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ} وهما حبل واحد، كان من الله بخلقه، ومن الناس يجريه على أيديهم، وذلك أن يقضى الله أن يكونوا تحت إمام أو رئيس مسلم بالجزية، أو يحسب ما يظهر له مما هو صلاح للإسلام، أو تحت كافر يرد عنهم الظلم، أو حبل الله الجزية، وحبل الناس ما يرضون به منهم، أو حبل الله الإسلام وحبل الناس العهد والذمة إن لم يسلموا، ولم يقل، أو حبل، لأن المراد أنه يكون النوعان تارة هذا وتارة ذاك، وأعنى عن جواب أين ما قبلها، ولا تقل محذوف دل عليه ما قبله، إذ لا دليل على أن المراد ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا ضربت عليهم الذلة بالتكرير وأنه حذف الثانى للأَول {وَبَآءُوا} رجعوا، وهو كناية عن استحقاقهم بما ذكر بعده من الغضب كما قال {بِغَضَبٍ} إرادة الانتقام، أو نفس الانتقام {مِنّ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ} مثل ضربت عليهم الذلة، ألزموا صورتها كلهم، أغنياؤهم وفقراؤهم، لئلا يطالبوا بمال، أو ليطلبوا بقليل لا كثيرا، والمراد أنه يكون أكثرهم فقراء ومساكين {ذَلِكَ} ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بغضب {بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِأيآتِ اللهِ} يكفرون ببعض التوراة وبالإنجيل والقرآن {وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَآءَ بِغَيْرٍ حَقٍّ} تأكيد، لأن قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير حق، أو بغير حق فى علمهم أيضا، وإذا ذُمَت اليهود مثلا بما لم يفعلوا فلرضاهم بفعل أوائلهم، ولأنهم لو وجدوا لفعلوا، ألا ترى أنهم تعاطوا قتل النبى صلى الله عليه وسلم بالصخرة وبالسم وغير ذلك، أو ذم ذلك الجنس العاصى، بأن فيهم فعل كذا وفعل كذا، ولو تفرقت تلك الأفعال فيهم، ولا يدخل مسلمهم فى {ذَلِكَ} أى ما ذكر من قتلهم الأنبياء بغير حق، وكفرهم بآيات الله، أو ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب، فيكون عللهنَّ بالكفر والقتل وبالعصيان والإعتداء، والأول أولى {بِمَا عَصَوْا} أى عصوا الله، والصغيرة تجر إلى الكبيرة، والكبيرة إلى الشرك، يضعف بالصغيرة فيفسق، فيزيد ضعفاً فالفسق فيشرك، ومثل ذلك أن يترك السنة فيؤديه إلى ترك الفرض، فيؤديه تركه إلى احتقار الشريعة فيشرك {وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} أى ذلك بعصيانهم وكونهم يعتدون، يتجاوزون الحدود فيتناولون الحرام، ولهم فى الحلال غنى، ولا حرام إلا بإزائه حلال مغن عنه.

الالوسي

تفسير : {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } استثناء متصل لأن الأذى بمعنى الضرر اليسير كما يشهد به مواقع الاستعمال فكأنه قيل: لن يضروكم ضرراً مّا إلا ضرراً يسيراً، وقيل: إنه منقطع لأن الأذى / ليس بضرر وفيه نظر. والآية كما قال مقاتل: نزلت لما عمد رؤساء اليهود مثل كعب وأبـي رافع وأبـي ياسر وكنانة وابن صوريا إلى مؤمنيهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، وآذوهم لإسلامهم وكان إيذاءاً قولياً على ما يفهمه كلام قتادة وغيره، وكان ذلك الافتراء على الله تعالى كما قاله الحسن. {وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأْدْبَارَ } أي ينهزموا من غير أن يظفروا منكم بشيء، وتولية الأدبار كناية عن الانهزام معروفة. {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } عطف على جملة الشرط والجزاء، و {ثُمَّ } للترتيب والتراخي الإخباري أي لا يكن لهم نصر من أحد ثم عاقبتهم العجز والخذلان إن قاتلوكم أو لم يقاتلوكم. وفيه تثبيت للمؤمنين على أتم وجه. وقرىء (ثم لا ينصروا) والجملة حينئذٍ معطوفة على جزاء الشرط، وثم للتراخي في الرتبة بين الخبرين لا في الزمان لمقارنته، وجوز بعضهم كونها للتراخي في الزمان على القراءتين بناءاً على اعتباره بين المعطوف عليه وآخر أجزاء المعطوف، وقراءة الرفع أبلغ لخلوها عن القيد. وفي هذه الآية دلالة واضحة على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولكونها من الإخبار بالغيب الذي وافقه الواقع لأن يهود بني قينقاع وبني قريظة والنضير ويهود خيبر حاربوا المسلمين ولم يثبتوا ولم ينالوا شيئاً منهم ولم تخفق لهم بعد ذلك راية ولم يستقم أمر ولم ينهضوا بجناح.

ابن عاشور

تفسير : استئناف نشأ عن قوله {أية : وأكثرهم الفاسقون}تفسير : [آل عمران: 110] لأن الإخبار عن أكثرهم بأنَّهم غير مؤمنين يؤذن بمعادَاتهم للمؤمنين، وذلك من شأنه أن يوقع في نفوس المسلمين خشية من بأسهم، وهذا يختصّ باليهود، فإنَّهم كانوا منتشرين حيال المدينة في خيبر، والنضير، وقينقاع، وقريظة، وكانوا أهل مكر، وقوة، ومال، عُدّة، والمسلمون يومئذٍ في قلّة فطمأن الله المسلمين بأنَّهم لا يخشون بأس أهل الكتاب، ولا يخشون ضُرّهم، لكن أذاهُم. أمَّا النصّارى فلا ملابسة بينهم وبين المسلمين حتَّى يخشوهم. والأذى هو الألم الخفيف وهو لا يبلغ حد الضرّ الَّذي هو الألم، وقد قيل: هو الضرّ بالقول، فيكون كقول إسحاق بن خلف: شعر : أخشىَ فَظاظة عمّ أو جَفاء أخٍ وكُنتُ أبقى عليها من أذى الكَلِم تفسير : ومعنى {يولّوكم الأدبار} يفرّون منهزمين. وقوله {ثم لا ينصرون} احتراس أي يولوكم الأدبار تولية منهزمين لا تولية متحرّفين لقتال أو متحيّزين إلى فئة، أو متأمّلين في الأمر. وفي العدول عن جعله معطوفاً على جملة الجواب إلى جعله معطوفاً على جملتي الشرط وجزائه معاً، إشارة إلى أنّ هذا ديدنهم وهجيراهم. لو قاتلوكم، وكذلك في قتالهم غيركم. وثمّ لترتيب الإخبار دالّة على تراخي الرتبة. ومعنى تراخي الرتبة كون رتبة معطوفها أعظم من رتبة المعطوف عليه في الغرض المسوق له الكلام. وهو غير التّراخي المجازي، لأن التّراخي المجازي أن يشبَّه ما ليس بمتأخّر عن المعطوف بالمتأخّر عنه. وهذا كلّه وعيد لهم بأنهم سيقاتلون المسلمين، وأنّهم ينهزمون، وإغراء للمسلمين بقتالهم.

القطان

تفسير : لن يضروكم الا أذى: أيْ ضرراً يسيراً. يولّوكم الأدبار: يهربوا منكم. اينما ثُقفوا: أينما وجدوا. وباؤوا: رجعوا. لن يضركم هؤلاء الفاسقون بضرر كبير يلحقكم منهم، وانما هو أذى يسير لا يبقى له أثر، وإن يقاتلوكم ينهزموا فارّين من لقائكم دون ان يظفروا بشيء، ثم إنهم لا يُنصرون عليكم أبداً ما داموا على فسقهم ودمتم متمسكين بدينكم. ولقد أخبر سبحانه وتعالى بأنه كَتب عليهم الذلة في اي مكان وُجدوا فيه، إلا بعهد من الله وعهد من المسلمين. والعهدُ ما قررته الشريعة اذا دخلوا في حكمها من المساواة في الحقوق والقضاء وتحريم الإيذاء. وهكذا كان حالهم مع المسلمين، فقد كان الرسول الكريم يحسن معاملتهم، وكذلك الخلفاء الراشدون. وكانوا يعيشون مع المسلمين في أحسن حال، ولا زالوا الى اليوم يعيشون متمتعين بكل الحقوق كما نشاهد ذلك في المغرب العربي وما بقي منهم في البلاد الشامية، والعراق وغيرها من بلاد الاسلام. لكنهم غدروا وكادوا. وهذه طبيعتهم. لذلك فإنهم قد استوجبوا غضب الله، وأحاطب بهم المسكنة والصغار، فلقد كفروا بآيات الله الدالة على نبوة محمد، وكانوا يقتلون أنبياءهم بغير حق. وهذا إخبار عن أسلافهم، لكنهم هم راضون عن ذلك الكفر والقتل بسبب عصيانهم وتمردهم واعتدائهم على حدود الله.

د. أسعد حومد

تفسير : {يُقَاتِلُوكُمْ} (111) - لَنْ يَضُرَّ هَؤُلاءِ الفَاسِقُونَ، مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، المُؤْمِنِينَ ضَرَراً بَليغاً يُصِيبُ أصْلَ العَقِيدَةِ الإِسْلاَمِيّةِ، وَلَنْ يُؤثِّرُوا فِي وُجُودِ الجَمَاعَةِ المُسْلِمَةِ فِي الأرْضِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ضَرَرُهُمْ عَرَضيّاً كَالإِيذَاءِ بِالهِجَاءِ القَبِيحِ، وَالطَّعْنِ فِي الدِّينِ، وَإلقَاءِ الشُّبُهَاتِ، وَتَحْرِيفِ النُّصُوصِ.. وَحِينَ يُرِيدُونَ قِتَالَ المُسْلِمِينَ، وَيَشْتَبِكُونَ مَعَهُمْ فِي الحَرْبِ، فَالهَزِيمَةُ مَكْتُوبَةُ عَلَيهمْ، وَالنَّصْرُ للْمُؤْمِنينَ في النِّهَايَةِ، وَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ وَبَأْسِ المُؤْمِنينَ. يُوَلُّوكُمُ الأدْبَارَ - يَنْهَزِمُونَ. الأذَى - الإِيذَاءُ وَالضَّرَرُ العَارِضُ اليَسِيرُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لكن الحق سبحانه يطمئن هذه الأقلية من إضرار الأكثرية بهم فيقول: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} [آل عمران: 111]. أي يا أيتها الأقلية التي آمنت من أهل الكتاب - مثل عبد الله بن سلام الذي أسلَم وترك اليهودية - إياكم أن تظنوا أن الأكثرية الفاسقة قادرة على إنزال العذاب بكم؛ فالحق - سبحانه - يعلن أن محاولة الأكثرية لإنزال الضرر بالأقلية التي آمنت منهم لن يتجاوز الأذى. ما هو الضرر؟ وما هو الأذى؟ إن الأذى هو الحدث الذي يؤلم ساعة وقوعه ثم ينتهي، أما الضرر فهو أذى يؤلم وقت وقوعه، وتكون له آثار من بعد ذلك، فعندما يصفع الإنسان إنساناً آخر صفعة بسيطة فالصفعة البسيطة تؤلم، وألمها يذهب مباشرة، لكن إن كانت الصفعة قوية وتتسبب في كدمات وتورم فهذا هو الضرر. إذن فالأذى يؤلم ساعة يُباشَر الفعل فقط، وقد يكون الأذى بالكلمة كالاستهزاء، فالفاسق قد يستهزئ بالذي آمن، فينطق بكلمة الكفر أو الفُجْر، هذه الكلمة ليس لها ضرر في ذات المؤمن ولكنها تؤذي سمعه. إن الحق سبحانه يطمئن المؤمنين على أن أهل الكفر لن يضروا المؤمنين إلا أذى، وهذا أقصى ما في استطاعتهم، وليس لهذا الأذى أثر. إذن فقول الحق: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} [آل عمران: 111] يعني أنهم لن يستطيعوا أن ينالوا منكم أبداً اللَّهم إلا الاستهزاء أو الغمز واللمز، أو إشارة بحركة تؤذي شعور المؤمن، أو تمجد الكفر، وتعظمه أو بنطق كلمة عهر أو فجر لا يوافق عليها الدين، هذا أقصى ما يستطيعه أهل الفسق، وهم لا يملكون الضرر لأهل الإيمان. وبعد ذلك نرى أن واقع الأمر قد سار على هذا المنوال مع الدعوة المحمدية ومع جنود سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد أطلقها الله كلمة: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} [آل عمران: 111] فصارت الكلمة قانوناً. فقد وقعت الوقائع بين جند رسول الله وأهل الفسق، وثبت أن أهل الفسق لم يستطيعوا ضرر أهل الإيمان إلا أذى. ولننظر إلى ما حدث لبني قينقاع، ولما حدث لبني قريظة، ولما حدث لبني النضير، ولما حدث ليهود خيبر، هل ضروا المؤمنين إلا أذى؟ لقد قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قوماً أغراراً لا علم لهم بالحرب فانتصرت عليهم، فإذا أنت حاربتنا فستعرف مَن الرجال. وكان ذلك مجرد كلام باللسان. إن التاريخ يحمل لنا ما حدث لهم جميعاً، لقد هزمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد هذا أرادوا أن يرتفعوا عن الأذى إلى الضرر الحقيقي فلم يمكنهم الله؛ لأن الحق يقول: {وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} [آل عمران: 111]، فإن أراد أهل الفسق أن يُصَعِّدوا الأذى للمؤمنين ليوقعوا ضرراً حقيقياً، فإن الكافرين يولون الأدبار أمام المؤمنين، فهزيمتهم أمر لا مناص منه. ونحن نعرف في اللغة أن هناك ما نسميه "الشرط" وما نسميه "الجواب" فـ "إنْ" حرف شرط تجزم فعل الشرط وجوابه فإنْ كان الفعل من الأفعال الخمسة فإنّنا نحذف النون، لذلك نجد القول الحق: {وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ} [آل عمران: 111]. إن "يقاتلوكم" فعل شرط محذوفة منه النون. و "يولوكم الأدبار" أصلها يولونكم الأدبار. وهي جواب شرط حذفت منه النون، وعندما يأتي العطف بعد ذلك، فهل يكون بالرفع أو الجزم؟ إن العادة أن يكون العطف بالجزم!! لكن الحق يعطف بالرفع فيأتي قوله: "ثم لا ينصرون". إنها كسرة إِعْرَابِيَّة تجعل الذهن العربي يلتفت إلى أن هناك أمراً جللاً، لأن المتكلم هو الله سبحانه. كيف جاءت "النون"؟ هنا نقف وقفة فَلننطق الآية ككلام البشر: إن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصروا. وهذا القول يكون تأريخاً لمعركة واحدة، لكن ما الذي سوف يحدث من بعد ذلك؟ ماذا يحدث عندما يقاتل المؤمنون أهل الكفر والفسق؟ وتكون الإجابة هي: "ثم لا ينصرون" إن هذا القول الحكيم يحمل قضية بعيدة عن الشرط والجزاء، إنها حكم من الله على أهل الفسق بأنهم لا يُنصرون أبداً سواء أقاتلوا أم لم يقاتلوا إنها قضية ثابتة منفصلة، وليست معطوفة على الشرط، فَعِلَّةُ عدم النصر، ليست القتال، ولكنها الكفر. وإذا دققنا الفهم في العبارة حروفاً - بعد أن دققنا فيها الفهم جملاً - لوجدنا معنى جديداً، فقد يظن إنسان أن القول كان يفترض أن يتأتى على نحو مغاير، هو "يولوكم الأدبار فلا ينصرون" لأن الذي يأتي بعد الـ "فاء" يعطي أنهم لا ينتصرون عليكم في بداية عهدكم، وهذا ما تفيده الفاء لأنها للترتيب والتعقيب. لكن الحق أورد حرف "ثم" وهو يفيد التراخي، وهذا يعني أنهم لا ينصرون عليكم أيها المؤمنون حتى لو استعدوا بعد فترة لمعركة يَرُدُّونَ بها على توليهم الأدبار. إنه حكم تأبيدي، لأن "ثم" تأتي للتعقيب مع التراخي، والفاء تأتي للتعقيب المباشر بدون تراخ. ولذلك فعندما نقرأ القرآن نجد وضع الفاء كالآتي: {أية : ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}تفسير : [عبس: 21]. لأن دخول القبر يكون بعد الموت مباشرة، وبعدها يقول الحق:{أية : ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ}تفسير : [عبس: 22]. فإذا كان هناك تعقيب بعد مدّة زمنية فالحق يأتي بـ "ثم", وإذا كان هناك تعقيب فوري بلا مدّة يأتي الحق بـ "ف". والتعقيب في الآية التي نتناولها يأتي بعد "ثم"، وكأن هذا حكم مستمر من الحق بأن أهل الفسق لن ينتصروا على أهل الإيمان، ولم بعد انتهاء المعركة القائمة الآن بينهم، إنها هزيمة بحكم نهائي، هذا هو القول الفصل: "ثم لا يُنصرون" وهو أشد وقعاً مما لو جاء "لا ينتصرون" لماذا؟ لأن من الممكن ألاّ ينتصر أهل الكفر بذواتهم، ولكن الإيضاح يؤكد أنهم - أهل الكفر - لا ينتصرون لا بذواتهم، ولا يُنصرون بغيرهم أيضاً. إن "ثم لا ينصرون" قضية قائمة فليست المسألة مقصورة على عهد رسول الله فقط، ولكنها ستظل إلى أبد الآبدين. ومن السطحية في الفهم أن نقول: إن الآية كانت تتطلب أن يكون القول "ثم لا ينصروا" لأن الإعراب يقتضي ذلك. لكن المعنى اللائق بالمتكلم وهو الحق سبحانه وتعالى الذي يعطي الضمان والاطمئنان للأمة المسلمة أمام خصومها لا بد أن يقول: "ثم لا ينصرون" وهي أكثر دقة حتى من "لا ينتصرون" لأن "ينتصرون" فيها مدخلية الأسباب منهم، أما "ثم لا ينصرون" فهي تعني أن لا نصر لهم أبداً، حتى وإن تعصب لأهل الفسق قوم غيرهم وحاولوا أن ينصروهم فلن يستطيعوا ذلك. فإن رأيتم - أيها المسلمون - نصراً للكافرين عليكم منهم أو بتعصب قوم لهم فاعلموا أنكم دخلتم معهم على غير منهج الله. وقد يأتي إنسان ويقول: كيف ينتصر علينا اليهود ونحن مسلمون؟ ونقول: هل نحن نتبع الآن منهج وروح الإسلام؟ وماذا عندنا من الإسلام ومن الإيمان؟ هل تحسب نفسك على ربك أثناء هزيمتك؟ وهل دخلت معركتك كمعركة إسلامية؟ لا، لقد انتبهنا إلى كل شيء إلاّ الإسلام. قدمنا الانتماء لعصبية وقومية وعرقية على الإيمان فكيف نطلب نصراً من الله؟ لا يحق لنا أن نطلب نصرة لله إلا إذا دخلنا المعركة ونحن من جند الله. والهزيمة تحدث عندما لا نكون جنداً لله؛ لأن الله ضمن النصر والغلبة لجنوده فقال: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الصافات: 173]. فإذا لم نغلب فتأكدوا أننا لسنا من جنود الله .. ويقول الحق من بعد ذلك: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ...}.