Verse. 405 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

ضُرِبَتْ عَلَيْہِمُ الذِّلَّـۃُ اَيْنَ مَا ثُـقِفُوْۗا اِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللہِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاۗءُوْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللہِ وَضُرِبَتْ عَلَيْہِمُ الْمَسْكَنَۃُ۝۰ۭ ذٰلِكَ بِاَنَّھُمْ كَانُوْا يَكْفُرُوْنَ بِاٰيٰتِ اللہِ وَيَقْتُلُوْنَ الْاَنْۢبِيَاۗءَ بِغَيْرِ حَقٍّ۝۰ۭ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوْا يَعْتَدُوْنَ۝۱۱۲ۤ
Duribat AAalayhimu alththillatu ayna ma thuqifoo illa bihablin mina Allahi wahablin mina alnnasi wabaoo bighadabin mina Allahi waduribat AAalayhimu almaskanatu thalika biannahum kanoo yakfuroona biayati Allahi wayaqtuloona alanbiyaa bighayri haqqin thalika bima AAasaw wakanoo yaAAtadoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ضربت عليهم الذلة أين ما ثُقفوا» حيثما وجدوا فلا عز لهم ولا اعتصام «إلا» كائنين «بحبل من الله وحبل من الناس» المؤمنين وهو عهدهم إليهم بالأمان على أداء الجزية أي لا عصمة لهم غير ذلك «وباءُوا» رجعوا «بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم» أي بسبب أنهم «كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك» تأكيد «بما عصوا» أمر الله «وكانوا يعتدون» يتجاوزون الحلال إلى الحرام.

112

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما بيّن أنهم إن قاتلوا رجعوا مخذولين غير منصورين ذكر أنهم مع ذلك قد ضربت عليهم الذلة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا تفسير هذه اللفظة في سورة البقرة، والمعنى جعلت الذلة ملصقة ربهم كالشيء يضرب على الشيء فيلصق به، ومنه قولهم: ما هذا علي بضربة لازب، ومنه تسمية الخراج ضريبة. المسألة الثانية: الذلة هي الذل، وفي المراد بهذا الذل أقوال الأول: وهو الأقوى أن المراد أن يحاربوا ويقتلوا وتغنم أموالهم وتسبى ذراريهم وتملك أراضيهم فهو كقوله تعالى: {أية : ٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ }تفسير : [البقرة: 191]. ثم قال تعالى: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ } والمراد إلا بعهد من الله وعصمة وذِمام من الله ومن المؤمنين لأن عند ذلك تزول الأحكام، فلا قتل ولا غنيمة ولا سبي الثاني: أن هذه الذلة هي الجزية، وذلك لأن ضرب الجزية عليهم يوجب الذلة والصغار والثالث: أن المراد من هذه الذلة أنك لا ترى فيهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً معتبراً، بل هم مستخفون في جميع البلاد ذليلون مهينون. واعلم أنه لا يمكن أن يقال المراد من الذلة هي الجزية فقط أو هذه المهانة فقط لأن قول {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ } يقتضي زوال تلك الذلة عند حصول هذا الحبل والجزية والصغار والدناءة لا يزول شيء منها عند حصول هذا الحبل، فامتنع حمل الذلة على الجزية فقط، وبعض من نصر هذا القول، أجاب عن هذا السؤال بأن قال: إن هذا الاستثناء منقطع، وهو قول محمد بن جرير الطبري، فقال: اليهود قد ضربت عليهم الذلة، سواء كانوا على عهد من الله أو لم يكونوا فلا يخرجون بهذا الاستثناء من الذلة إلى العزة، فقوله {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ } تقديره لكن قد يعتصمون بحبل من الله وحبل من الناس. واعلم أن هذا ضعيف لأن حمل لفظ {إِلا } على (لكن) خلاف الظاهر، وأيضاً إذا حملنا الكلام على أن المراد: لكن قد يعتصمون بحبل من الله وحبل من الناس لم يتم هذا القدر فلا بد من إضمار الشيء الذي يعتصمون بهذه الأشياء لأجل الحذر عنه والإضمار خلاف الأصل، فلا يصار إلى هذه الأشياء إلا عند الضرورة فإذا كان لا ضرورة ههنا إلى ذلك كان المصير إليه غير جائز، بل ههنا وجه آخر وهو أن يحمل الذلة على كل هذه الأشياء أعني: القتل، والأسر، وسبي الذراري، وأخذ المال، وإلحاق الصغار، والمهانة، ويكون فائدة الاستثناء هو أنه لا يبقى مجموع هذه الأحكام، وذلك لا ينافي بقاء بعض هذه الأحكام، وهو أخذ القليل من أموالهم الذي هو مسمى بالجزية، وبقاء المهانة والحقارة والصغار فيهم، فهذا هو القول في هذا الموضع، وقوله {أَيْنَمَا ثُقِفُواْ } أي وجدوا وصودفوا، يقال: ثقفت فلاناً في الحرب أي أدركته، وقد مضى الكلام فيه عند قوله {أية : حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } تفسير : [البقرة: 191]. المسألة الثالثة: قوله {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ } فيه وجوه الأول: قال الفرّاء: التقدير إلا أن يعتصموا بحبل من الله، وأنشد على ذلك:شعر : رأتني بحبلها فصدت مخافة وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق تفسير : واعترضوا عليه، فقالوا: لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته، لأن الموصول هو الأصل والصلة فرع فيجوز حذف الفرع لدلالة الأصل عليه، أما حذف الأصل وإبقاء الفرع فهو غير جائز الثاني: أن هذا الاستثناء واقع على طريق المعنى، لأن معنى ضرب الذلة لزومها إياهم على أشد الوجوه بحيث لا تفارقهم ولا تنفك عنهم، فكأنه قيل: لا تنفك عنهم الذلة، ولن يتخلصوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس الثالث: أن تكون الباء بمعنى (مع) كقولهم: اخرج بنا نفعل كذا، أي معنا، والتقدير: إلا مع حبل من الله. المسألة الرابعة: المراد من حبل الله عهده، وقد ذكرنا فيما تقدم أن العهد إنما سمي بالحبل لأن الإنسان لما كان قبل العهد خائفاً، صار ذلك الخوف مانعاً له من الوصول إلى مطلوبه، فإذا حصل العهد توصل بذلك العهد إلى الوصول إلى مطلوبه، فصار ذلك شبيهاً بالحبل الذي من تمسك به تخلص من خوف الضرر. فإن قيل: إنه عطف على حبل الله حبلاً من الناس وذلك يقتضي المغايرة فكيف هذه المغايرة؟ قلنا: قال بعضهم: حبل الله هو الإسلام، وحبل الناس هو العهد والذمة، وهذا بعيد لأنه لو كان المراد ذلك لقال: أو حبل من الناس، وقال آخرون: المراد بكلام الحبلين العهد والذمة والأمان، وإنما ذكر تعالى الحبلين لأن الأمان المأخوذ من المؤمنين هو الأمان المأخوذ بإذن الله وهذا عندي أيضاً ضعيف، والذي عندي فيه أن الأمان الحاصل للذمي قسمان أحدهما: الذي نص الله عليه وهو أخد الجزية والثاني: الذي فوض إلى رأي الإمام فيزيد فيه تارة وينقص بحسب الاجتهاد فالأول: هو المسمى بحبل الله والثاني: هو المسمى بحبل المؤمنين والله أعلم. ثم قال: {وَبَاءُو بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ } وقد ذكرنا أن معناه: أنهم مكثوا، ولبثوا وداموا في غضب الله، وأصل ذلك مأخوذ من البوء وهو المكان، ومنه: تبوأ فلان منزل كذا وبوأته إياه، والمعنى أنهم مكثوا في غضب من الله وحلوا فيه، وسواء قولك: حل بهم الغضب وحلوا به. ثم قال: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ } والأكثرون حملوا المسكنة على الجزية وهو قول الحسن قال وذلك لأنه تعالى أخرج المسكنة عن الاستثناء وذلك يدل على أنها باقية عليهم غير زائلة عنهم، والباقي عليهم ليس إلا الجزية، وقال آخرون: المراد بالمسكنة أن اليهودي يظهر من نفسه الفقر وإن كان غنياً موسراً، وقال بعضهم: هذا إخبار من الله سبحانه بأنه جعل اليهود أرزاقاً للمسلمين فيصيرون مساكين، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأنواع من الوعيد قال: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلاْنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ } والمعنى: أنه تعالى ألصق باليهود ثلاثة أنواع من المكروهات أولها: جعل الذلة لازمة لهم وثانياً: جعل غضب الله لازماً لهم وثالثها: جعل المسكنة لازمة لهم، ثم بيّن في هذه الآية أن العلة لإلصاق هذه الأشياء المكروهة بهم هي: أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق، وهنا سؤالات: السؤال الأول: هذه الذلة والمسكنة إنما التصقت باليهود بعد ظهور دولة الإسلام، والذين قتلوا الأنبياء بغير حق هم الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم بأدوار وأعصار، فعلى هذا الموضع الذي حصلت فيه العلة وهو قتل الأنبياء لم يحصل فيه المعلول الذي هو الذلة والمسكنة، والموضع الذي حصل فيه هذا المعلول لم تحصل فيه العلة، فكان الإشكال لازماً. والجواب عنه: أن هؤلاء المتأخرين وإن كان لم يصدر عنهم قتل الأنبياء عليهم السلام لكنهم كانوا راضين بذلك، فإن أسلافهم هم الذين قتلوا الأنبياء وهؤلاء المتأخرون كانوا راضين بفعل أسلافهم، فنسب ذلك الفعل إليهم من حيث كان ذلك الفعل القبيح فعلاً لآبائهم وأسلافهم مع أنهم كانوا مصوبين لأسلافهم في تلك الأفعال. السؤال الثاني: لم كرر قوله {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ } وما الحكمة فيه ولا يجوز أن يقال التكرير للتأكيد، لأن التأكيد يجب أن يكون بشيء أقوى من المؤكد، والعصيان أقل حالاً من الكفر فلم يجز تأكيد الكفر بالعصيان؟. والجواب من وجهين الأول: أن علة الذلة والغضب والمسكنة هي الكفر وقتل الأنبياء، وعلة الكفر وقتل الأنبياء هي المعصية، وذلك لأنهم لما توغلوا في المعاصي والذنوب فكانت ظلمات المعاصي تتزايد حالاً فحالاً، ونور الإيمان يضعف حالاً فحالاً، ولم يزل كذلك إلى أن بطل نور الإيمان وحصلت ظلمة الكفر، وإليه الإشارة بقوله {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } تفسير : [المطففين: 14] فقوله {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ } إشارة إلى علة العلة ولهذا المعنى قال أرباب المعاملات، من ابتلي بترك الآداب وقع في ترك السنن، ومن ابتلي بترك السنن وقع في ترك الفريضة، ومن ابتلي بترك الفريضة وقع في استحقار الشريعة، ومن ابتلي بذلك وقع في الكفر الثاني: يحتمل أن يريد بقوله {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ } من تقدم منهم، ويريد بقوله {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ } من حضر منهم في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا لا يلزم التكرار، فكأنه تعالى بيّن علة عقوبة من تقدم، ثم بيّن أن من تأخر لما تبع من تقدم كان لأجل معصيته وعداوته مستوجباً لمثل عقوبتهم حتى يظهر للخلق أن ما أنزله الله بالفريقين من البلاء والمحنة ليس إلا من باب العدل والحكمة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} يعني اليهود. {أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ} أي وُجدوا ولُقُوا، وتَمّ الكلام. وقد مضى في البقرة معنى ضربِ الذّلّة عليهم. {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ} ٱستثناء منقطع ليس من الأوّل. أي لكنهم يعتصمون بحبل من الله. {وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} يعني الذِّمّة التي لهم. والناس: محمدٌ والمؤمنون يؤدّون إليهم الخَراج فيؤمِّنونهم. وفي الكلام ٱختصار، والمعنى: إلاَّ أن يعتصموا بحبل من الله، فحذف؛ قاله الفرّاء: {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي رجعوا. وقيل ٱحتملوا. وأصله في اللغة أنه لزمهم، وقد مضى في البقرة. ثم أخبر لِم فعل ذلك بهم؛ فقال: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} وقد مضى في البقرة مستوفى. ثم أخبر فقال: {لَيْسُواْ سَوَآءً} وتمّ الكلام. والمعنى: ليس أهل الكتاب وأمّة محمد صلى الله عليه وسلم سواء؛ عن ٱبن مسعود. وقيل: المعنى ليس المؤمنون والكافرون من أهل الكتاب سواء. وذكر أبو خَيْثَمَة زُهَيْر بن حَرْب حدّثنا هاشم بن القاسم حدّثنا شيبان عن عاصم عن زر عن ٱبن مسعود قال: حديث : أخَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليلة) صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصَّلاة فقال: «إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالىٰ في هذه الساعة غيركم» تفسير : قال: وأنزلت هذه الآية: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} ـ إلى قوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} وروى ٱبن وهب مثله. وقال ٱبن عباس: قول الله عزّ وجلّ {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} من آمن مع النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال ٱبن إسحاق عن ٱبن عباس لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سَعْيَة، وأَسِيد بن سعية، وأسيد بن عبيد، ومن أسلم من يهود؛ فآمنوا وصدّقوا ورغبوا في الإسلام ورسخوا فيه، قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلاَّ شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره؛ فأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك من قولهم: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}. إلى قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ}. وقال الأخفش: التقدير من أهل الكتاب ذو أُمّة، أي ذو طريقة حسنة. وأنشد:شعر : وهـل يَأْتَمَـنْ ذُو إمّـةٍ وَهْـوَ طَائِـعُ تفسير : وقيل: في الكلام حذف؛ والتقدير من أهل الكتاب أمّة قائمة وأخرى غير قائمة، فترك الأخرى ٱكتفاء بالأولىٰ؛ كقوله أبي ذؤيب:شعر : عصَانِي إلَيْها القلبُ إنِّي لأمْرِهِ مُطيعٌ فما أدرِي أَرُشْدٌ طِلابُها تفسير : أراد: أرُشْد أم غَيٌّ، فحذف. قال الفرّاء: «أمّة» رفع بـ «ـسواء»، والتقدير: ليس يستوي امّة من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله وأمّة كافرة. قال النحاس: هذا قول خطأ من جهات: إحداها أنه يرفع «أمة» بـ «ـسواء» فلا يعود على ٱسم ليس بشيء، ويرفع بما ليس جارياً على الفعل ويضمر ما لا يحتاج إليه؛ لأنه قد تقدّم ذكر الكافر فليس لإضمار هذا وجه. وقال أبو عبيدة: هذا مثل قولهم: أكلوني البراغيثُ، وذهبوا أصحابُك. قال النحاس: وهذا غلط؛ لأنه قد تقدّم ذكرهم، وأكلوني البراغيث لم يتقدّم لهم ذكر. و {آنَآءَ ٱللَّيْلِ} ساعاته. واحدها إنًى وأَنًى وإِنْيٌ، وهو منصوب على الظرف. و {يَسْجُدُونَ} يصلون؛ عن الفراء والزجاج؛ لأن التلاوة لا تكون في الركُوع والسّجود. نظيره قوله: {أية : وَلَهُ يَسْجُدُونَ}تفسير : [الأعراف: 206] أي يصلون. وفي الفرقان: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [الفرقان: 60] وفي النجم {أية : فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُوا} تفسير : [النجم: 62]. وقيل: يُراد به السجود المعروف خاصة. وسبب النزول يردّه، وأن المراد صلاة العتمةِ كما ذكرنا عن ٱبن مسعود؛ فعبدة الأوثان ناموا حيث جنّ عليهم الليل، والموَحِّدون قيام بين يدي الله تعالىٰ في صلاة العشاء يتلون آيات الله؛ ألا ترى لما ذكر قيامهم قال {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أي مع القيام أيضاً. الثوريّ: هي الصَّلاة بين العشاءين. وقيل: هي في قيام الليل. وعن رجل من بني شيبة كان يدرس الكتب قال: إنّا نجد كلاماً من كلام الرب عزّ وجلّ: أيحسب راعي إبل أو راعي غنم إذا جنه الليل ٱنخذل كمن هو قائم وساجد آناء الليل. {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} يعني يقرون بالله ويصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم. {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} قيل: هو عموم. وقيل: يُراد به الأمر باتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} والنهي عن المنكر النهي عن مخالفته. {وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} التي يعملونها مبادرين غير متثاقلين لمعرفتهم بقدر ثوابهم. وقيل: يبادرون بالعمل قبل الفوت. {وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي مع الصالحين، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة. {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ} قرأ الأعمش وٱبن وَثّاب وحمزة والكِسائي وحفص وخَلَف بالياء فيهما؛ إخباراً عن الأمة القائمة، وهي قراءة ٱبن عباس وٱختيار أبي عبيد. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب؛ لقوله تعالىٰ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}. وهي ٱختيار أبي حاتم، وكان أبو عمرو يرى القراءتين جميعاً الياء والتاء. ومعنى الآية: وما تفعلوا من خير فلن تُجحدوا ثوابه بل يُشكَر لكم وتُجازون عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ} حيثما وجدوا فلا عزّ لهم ولا اعتصام {إِلاَّ} كائنين {بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مّنَ ٱلنَّاسِ} المؤمنين وهو عهدهم إليهم بالأمان على أداء الجزية أي لا عصمة لهم غير ذلك {وَبآؤ} رجعوا { بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ} أي بسبب أنهم {يَكْفُرُونَ بِئَايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذٰلِكَ} تأكيد {بِمَا عَصَواْ} أَمْرَ الله {وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} يتجاوزون الحلال إلى الحرام.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ويسارعون} وبابه كـ {أية : سارعوا} تفسير : [آل عمران:133] و {أية : نسارع} تفسير : [المؤمنون:56] ممالة: قتيبة وأبو عمرو طريق بن عبدوس. {ما يفعلوا} {فلن يكفروه} بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وحفص أبو عمرو مخير. الباقون: بتاء الخطاب {تسؤهم} وبابه من كل همزة مجزومة بغير همزة: الأعشى وأوقية، والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف {لا يضركم} من الضير: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع. وقرأ المفضل {لا يضركم} بالفتح الباقون: {لا يضركم} بالضم كلاهما من الضر مجزوماً ثم محركاً للساكنين فالفتح للخفة والضم للإتباع {تعملون محيط} بتاء الخطاب: سهل. الباقون: بياء الغيبة. الوقوف: {المسكنة} ط {بغير حق} ط {يعتدون} ه قيل: لا وقف عليه لأن ضمير {ليسوا} يعود إلى ما يعود إليه ضمير {منهم المؤمنون} لبيان الفضل بين الفريقين، والذين / عصوا واعتدوا أحد الفريقين {سواء} ط {يسجدون} ه قيل: لا وقف على جعل {يؤمنون} حالاً لضمير {يسجدون} ولا يصح بل الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوصاف لهم مطلقة غير مختصة بحال السجود {الخيرات} ط {الصالحين} ه {يكفروه} ط {المتقين} 5 {شيئاً} ط {النار} ج {خالدون} 5 {فأهلكته} ط {يظلمون} ج {خبالاً} ط {ما عنتم} ج لاحتمال كون قد بدت حالا {أكبر} ط {تعقلون} ه {كله} ج للعطف مع الحذف أي وهم لا يؤمنون بكتابكم {آمنا} ق قد قيل: والوصل أولى لأن المقصود بيان تناقض حاليهم في النفاق {من الغيظ} ط {يغيظكم} ط {الصدور} ه {تسؤهم} ز للابتداء بشرط آخر والوصل أجوز إذ الغرض تقرير تضاد الحالين منهم. {يفرحوا بها} ط لتناهي وصف الذم لهم وابتداء شرط على المؤمنين {شيئاً} ط {محيط} ه. التفسير: هذا خبر آخر من مستقبلات أحوال اليهود المعلومة بالوحي. والمعنى ضربت عليهم الذلة والهوان في عامة الأحوال بالقتل والسبي والنهب أينما وجدوا إلا معتصمين أو متلبسين أي إلا في حال اعتصامهم {بحبل من الله وحبل من الناس} يعني ذمة الله وذمة المسلمين، فهما في حكم واحد أي لا عزلهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة بقبول الجزية، فحينئذٍ يكون دمهم محقوناً ومالهم مصوناً وهو نوع من العزة وقيل: حبل الله الإسلام، وحبل الناس الذمة. فعلى هذا يكون الواو بمعنى "أو". وقيل: ذمة الله الجزية المنصوص عليها، وذمة الناس ما يزيد الإمام عليها أو ينقص بالاجتهاد. وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب نظراً إلى المعنى لأن ضرب الذلة عليهم معناه لا تنفك عنهم {وباؤا بغضب من الله} قيل: إنه من قولك "تبوأ فلان منزل كذا" والمعنى مكثوا في غضب الله. وسواء قولك حل بهم الغضب وحلوا بالغضب. {وضربت عليهم المسكنة} عن الحسن أن المراد بها الجزية، وإنما أفردت بالذكر بعد الاستثناء ليعلم أنها باقية غير زائلة بعد اعتصامهم بالذمة. وقال آخرون: المراد أنك لا ترى منهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً مطاعاً لكنهم مستخفون في جميع النواحي والأكناف، يظهرون من أنفسهم الفقر والمدقعة ألبتة. وباقي الآية قد مر تفسيره في البقرة إلا أنه سبحانه قال في هذا الموضع من هذه السورة وفي النساء {الأنبياء بغير حق} لأن جمع التكسير يفيد التكثير فذكر في الموضعين أعني في البقرة وفي أول السورة ما ينبىء عن القلة مع أن ذلك موافق لما بعده من جموع السلامة كالذين والصابئين وغيرهما. ثم تدرج إلى ما هو نص في الكثرة في الموضعين الآخرين نعياً علهيم وتفظيعاً لشأنهم، ولمثل هذا عرّف الحق في البقرة إشارة إلى الحق الذي أذن الله أن / تقتل النفس به وهو قوله: {أية : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} تفسير : [الأنعام:151] ثم نكر في المواضع الباقية أي يغير ما حق أضلالاً في نفس الأمر ولا بحسب معتقدهم وتدينهم. {لسوا سواء} كلام تام وما بعده كلام مستأنف للبيان. قال الفراء وابن الأنباري: تقديره من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر هذا القسم على مذهب العرب من الاكتفاء بأحد الضدين لخطورهما بالبال معاً غالباً. قال أبو ذؤيب: شعر : عاني إليها القلب إني لأمرها مطيع فما أدري أرشد طلابها؟ تفسير : أراد أم غيّ فاكتفى بذكر الرشد عن ضده. وتقول: زيد وعبد الله لا يستويان، زيد عاقل دين ذكي. فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك. وقيل: وهو اختيار أبي عبيدة أن {أمة} مرفوعة بـ {ليس} على لغة من قال: أكلوني البراغيث. أو هو بدل من الضمير على نحو {أية : أسروا النجوى الذين ظلموا} تفسير : [الأنبياء:3] والتقدير: ليسوا سواء أمة قائمة وأمة مذمومة. وفي تفسير أهل الكتاب قولان: الأول وعليه الجمهور أنهم اليهود والنصارى. قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وأضرابه قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دنياً غيره فنزلت. وعن عطاء أنها نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم الثاني أنهم كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان فعلى هذه يكون المسلمون منهم. عن ابن مسعود قال: حديث : أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم . تفسير : وفي رواية: حديث : فبشر صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب فأنزل الله هذه الآيات تفسير : {ليسوا سواء} إلى قوله: {والله عليم بالمتقين} قال القفال رحمه الله: لا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب. فقيل: ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأقاموا صلاة العشاء في الساعة التي ينام فيها غيرهم مع أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا. ولا يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فسماهم الله أهل الكتاب كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة، والمسلمون الذين سماهم الله تعالى أهل الكتاب حالهم وصفتهم كذا فكيف يستويان؟ فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً ما تقدم من قوله: {أية : كنتم خير أمة} تفسير : [آل عمران:110] كقوله: {أية : أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون} تفسير : [السجدة:18] ثم إنه تعالى مدح الأمة المذكورة بصفات ثمان: الأولى: أنها / قائمة. قيل: أي في الصلاة. وقيل: ثابتة على التمسك بدين الحق ملازمة له غير مضطربة. وقيل: أي مستقيمة عادلة من قولك: "أقمت العود فقام" بمعنى استقام. وههنا نكتة وهي أن الآية دلت على أن المسلم قائم بحق العبودية. وقوله: {أية : قائماً بالقسط} تفسير : [آل عمران:18] دل على أن المولى قام بحق الربوبية وهذه حقيقة قوله: {أية : وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} تفسير : [البقرة:40] الصفة الثانية:{يتلون} أي أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل. فالتلاوة القراءة. وأصل الكلمة الإتباع. فكأن التلاوة هي إتباع اللفظ، وآيات الله القرآن. وقد يراد بها أصناف مخلوقاته الدالة على صانعها. وآناء الليل ساعاته واحدها أنى مثل "معاً" و "أني" و"أنوا" مثل "نحى" و"تلو". الصفة الثالثة: {وهم يسجدون} يحتمل أن يكون حالاً من {يتلون} كأنهم يقرأون في القرآن السجدة تخشعاً إلا أن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً وساجداً" تفسير : يأباه وأن يكون كلاماً مستقلاً أي يقومون تارة ويسجدون أخرى ويبتغون الفضل والرحمة بكل ما يمكن كقوله: {أية : يبيتون لربهم سجداً وقياماً} تفسير : [الفرقان:64] قال الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه وذلك لإحداث النشاط والراحة، وأن يكون المراد: وهم يصلون ويتهجدون. والصلاة تسمى سجدة وركعة وسبحة، وأن يراد وهم يخضعون لله كقوله: {أية : ولله يسجد من في السموات والأرض} تفسير : [الرعد:15] وعلى هذين الاحتمالين لا منع من كونه حالاً. الصفة الرابعة: {يؤمنون بالله واليوم الآخر} فالصفات المتقدمة إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية. وهذه إشارة إلى كمالهم بحسب القوة النظرية، فإن حاصل المعارف معرفة المبدأ والمعاد. ولا يخفى أن غير مؤمني أهل الكتاب ليسوا من القبيلين في شيء بسبب تحريفاتهم واعتقاداتهم الفاسدة. الخامسة والسادسة: {ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} وهاتان الصفتان إشارة إلى أنهم فوق التمام وذلك لسعيهم في تكميل الناقصين بإرشادهم إلى ما ينبغي ومنعهم عما لا ينبغي. وفيه تعريض بالأمة المذمومة أنهم كانوا مداهنين. وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن. الصفة السابعة {يسارعون في الخيرات} أي المذكورات كلها وهي من صفات المدح لأن المسارعة في الخير دليل فرط الرغبة فيه حتى لا يفوت ففي التأخير آفات.وما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : العجلة من الشيطان " تفسير : مخصوص بهذه الآية. على أنها لا تفيد كلية الحكم لأن القضية أهملت إهمالاً، كيف لا والأمور متفاوتة. منها ما يحمد فيه التأخير لكونه مما يحصل على مهل وتدريج فلو طلب منه خلاف وضعه / فات الغرض وضاع السعي، أو لكونه غير معلوم العاقبة فيفتقر إلى مزيد تدبر وتأمل. ومنها ما يحمد فيه التعجيل لضد ما قلنا فتنتهز فيه الفرصة وتغتنم، فإن الفرص تمر مر السحاب. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك "تفسير : الصفة الثامنة: {أولئك من الصالحين} وذلك أن الأمور بخواتيمها والعاقبة غير معلومة إلا في علم الله تعالى فإذا أخبر عنهم بانخراطهم في سلك الصالحين فذلك المقصود وقصارى المجهود. ثم شرط للأمة الموصوفة بل بجميع المكلفين إيصال الجزاء إليهم ألبتة تأكيداً للإخبار عنهم بقوله: {وأولئك من الصالحين} فقال: {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} أي لن يحرموا ثوابه ولن يمنعوه. فضمن الكفران معنى الحرمان ولهذا يعدى إلى مفعولين، مع أن الأصل فيه التعدية إلى واحد نحو: شكر النعمة وكفرها. وسمى منع الجزاء كفراً كما سمى إيصال الثواب شكراً في قوله: {أية : فإن الله شاكر عليم} تفسير : [البقرة:158] ثم ختم الكلام بقوله: {والله عليم بالمتقين} مع أنه عالم بكل الأشياء بشارة لهم بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده بالكرامة إلا أهل التقوى، وتنبيهاً على أن الملتزم لوعدهم هو معبودهم الحق القادر الغني الحميد الخبير الذي لا غاية لكرمه ولا نهاية لعلمه، فما ظنك بمثيب هذا شأنه؟! ثم بين أحوال أهل الشقاء بقوله: {إن الذين كفروا} الآية. وقد سبق تفسير مثله من أول السورة. ثم إنه لما بين أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً أمكن أن يخطر ببال أحد أن الذي ينفقون منه في وجوده الخيرات لعلهم ينتفعون بذلك فأزال ذلك الوهم بقوله: {مثل ما ينفقون} الآية. قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد. وهو منقول عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد. وفي الصحاح: الصر بالكسر برد يضر بالنبات والحرث. وعلى هذا فمعنى الآية: كمثل ريح فيها برد وذلك ظاهر. وجوز في الكشاف أن يكون الصر صفة معناه البارد فيكون موصوفة محذوفاً بمعنى فيها قرّة صر كما تقول: برد بارد على المبالغة، أو تكون "في" تجريدية كما يقال: رأيت فيك أسداً أي أنت أسد، وإن ضيعني فلان ففي الله كافٍ وكافل. وقيل: الصر السموم الحارة. وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس {فيها صر} قال: فيها نار. وعلى القولين، الغرض من التشبيه حاصل سواء كان برداً مهلكاً أو حرّاً محرقاً فإنه يصير مبطلاً للحرث فيصح التشبية. وهذا في التشبية المركب الذي مر ذكره في أول سورة البقرة. ويجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح وهو الحرث. والمراد ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون بها وجه الله، ولهذا قيده بقوله: {في هذه الحياة / الدنيا} فشبه ذلك بالزرع الذي حسه البرد فصار حطاماً. وقيل: مثل ما ينفقون يعني أبا سفيان وأصحابه من سفلة اليهود المنفقين على أحبارهم في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي جمع العساكر عليه صلى الله عليه وسلم في كونه مبطلاً لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر، كمثل ريح فيها صر في كونه مبطلاً للحرث. والظاهر أن الضمير في {ينفقون} عائد إلى جميع الكفار. وذلك أن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا فلا يبقى له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلاً عن الكافر، وإما أن يكون لمنافع الآخرة فالكفر مانع عن الانتفاع، ولعلهم كانوا ينفقون في الخيرات نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأرامل راجين خيراً كثيراً في المعاد، لكنهم إذا قدمواالآخرة رأوا كفرهم مبطلاً لآثار تلك الخيرات، فكان كمن زرع زرعاً وتوقع منه نفعاً كبيراً فأصابه جائحة فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف. ولعلهم كانوا ينفقون فيما ظنوه خيراً وهو معصية كإنفاق الأموال في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وفي تخريب ديار المسلمين. ولا يبعد أيضاً تفسير الآية بخيبتهم في الدنيا فإنهم أنفقوا أموالاً كثيرة في تجهيز الجيوش والإغراء على المسلمين وتحملوا المتاعب ثم انقلب الأمر عليهم وأظهر الله الإسلام وأعز أهله، فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الحيرة والحسرة. وقيل: المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة كقوله: {أية : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} تفسير : [البقرة:188] والمراد جميع الانتفاعات. أما فائدة قوله: {ظلموا أنفسهم} وعدم الاقتصار على قوله: {أصابت حرث قوم} فهي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه أثر ولاعثر، وحرث المسلم المطيع ليس كذلك لأنه إذا أصابته جائحة في الدنيا أبدله الله خيراً منه في الدنيا أو في الآخرة. فإن المسلم مثاب على كل ألم يصيبه حتى الشوكة يشاكها، أما الذين عصوا الله فاستحقوا إهلاك حرثهم عقوبة لهم فحرثهم هو الذي لا يتصور منه بعد الإهلاك فائدة أصلاً. ويحتمل أن يراد بالظالم ههنا وضع الزرع في غير موضعه. فإن من زرع لا في موضعه وفي غير أوانه ثم أصابته الآفة كان أولى بأن يصير ضائعاً. والضمير في {وما ظلمهم} للمنفقين أي ما ظلمهم بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول، أو لأصحاب الحرث أي ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما ستحقوا به العقوبة. ثم إنه تعالى لما بالغ في شرح احوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير المؤمنين من مخالطة الكافرين. قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويواطؤن رجالاً من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فنهاهم الله عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم وبطانة الرجل خصيصه وصفيه الذي يفضي / إليه بشقوره أي أموره اللاصقة بالقلب المهمة له. الواحد شقر وأصله من البطن خلاف الظهر، ومنه بطانة الثوب للذي يلي منه الجسد خلاف الظهارة، نهاهم عن مودة كل كافر لأن قوله: {بطانة} نكرة في سياق النفي. وقوله: {من دونكم} يؤكد ذلك. وهو إما أن يتعلق بـ {لا تتخذوا} ويكون صفة لبطانة أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم والأول أولى، لأن الغرض ليس هو النهي عن اتخاذ البطانة وإنما المقصود النهي عن الاتخاذ من غير أبناء جنسهم وأهل ملتهم بطانة، وأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى. و"من" للتبيين وقيل: زائدة. ثم ذكر علة النهي فقال: {لا يألونكم خبالاً} يقال: ألا في الأمر يألو إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: "لا آلوك نصحاً أو جهداً" على التضمين أي لا أمنعك نصحاً. والخبال الفساد والنقصان ومنه رجل مخبول ومخبل ناقص العقل فاسدة. وقيل: خبالاً نصب على التمييز، وقيل: مصدر في موضع الحال. والمعنى لا يتركون جهدهم في مضرتكم وفساد حالكم. {ودّوا ما عنتم} أي عنتكم على أن "ما" مصدرية. والعنت الوقوع في أمر شاق ومنه يقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه قد أعنته. والمراد أحبوا وتمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر. والحاصل من الجمليتن أنهم لا يقصرون في إفساد أموركم فإن لم يمكنهم ذلك لمانع من خارج فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم {قد بدت البغضاء} هي شدة البغض كالضراء شدة الضر. والأفواه جمع الفم وأصله فوه بدليل تكسيره كسوط وأسواط. فحذفت الهاء تخفيفاً وأقيمت الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان. وظهور البغضاء من اليهود واضح لقشرهم العصا وكشرهم عن الأنياب وعدم التقية في تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم والكتاب. وأما من المنافقين فذلك أن المداجي لا بد أن ينفلت من لسانه ما يكشف عن نفاقه وخبث طويته. وعن قتادة قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك. {وما تخفي صدورهم أكبر} لأن فلتات اللسان متناهية وكوامن الصدور تكاد تكون غير متناهية. ثم بيّن أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من غاية العناية وحثهم على إعمال العقل في مدلولات هذه النصائح فقال: {قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} من أهل العقول. وقيل: إن كنتم تعقلون الفصل بين ما يستحقه العدوّ والولي. ثم إن سياق هذه الجمل يحتمل أن يكون على سبيل تنسيق الصفات للبطانة كأنه قيل: لا تتخذوا بطانة غير آليكم خبالاً وادّين عنتكم بادية بغضاؤهم. وأما {قد بينا} فكلام مبتدأ، أو أحسن من ذلك وأبلغ أن تكون الجمل مستأنفات كلها على جهة التعليل للنهي كما قلنا، فكأنه قيل: لم لا نتخذهم بطانة، فقيل: لأنهم لا يقصرون فقيل: لم يفعلون ذلك؟ فقيل: لأنهم يودون عنتكم. ثم قيل: وما آية / ودادة العنت؟ فقيل: قد بدت والله أعلم. أما كون هذا التقدير أحسن فلأن الجمل المتعاقبة على سبيل التنسيق يتوسط بينها العاطف ولا عاطف ههنا، وأما كونه أبلغ فلبناء الكلام على السؤال والجواب ولتقليل اللفظ وتكثير المعنى ولإثبات الدعاوى بالبراهين، ولا يخفى جلالة قدر هذه الفوائد. ثم استأنف للتحذير نمطاً آخر من البيان مشتملاً على التوبيخ فقال: {ها أنتم أولاء} الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب، ثم ذيله ببيان الخطأ وهو قوله: {تحبونهم ولا يحبونكم} لأنكم تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء ويريدون لكم الكفر وهو أقبح الأشياء، أو تحبونهم لما بينكم وبينهم من الرضاعة والقرابة ولا يحبونكم لاختلاف الدين، أو تحبونهم لأنهم أظهروا لكم الإيمان ولا يحبونكم لتمكن الكفر في باطنهم، أو تحبونهم لأنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب ولا يحبونكم لأنكم تحبون الرسول وهم يبغضونه ومحب المبغوض مبغوض، أو تحبونهم فتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم ولا يحبونكم لأنهم لا يفعلون مثل ذلك بكم، أو تحبونهم لأنكم لا تريدون وقوعهم في المحن ولا يحبونكم لأنهم يتربصون بكم الدوائر. والحق أن هذه الاعتبارات وأمثالها مما لا تكاد تنحصر داخلة في الآية. ثم ذكر سبباً آخر مما يأبى أن يكون بينهما جامع فقال: {وتؤمنون بالكتاب كله} وأضمر قرينه وهو "وهم لا يؤمنون به" لأن ذكر أحد الضدين يغني عن الآخر غالباً. والمراد بالكتاب الجنس كقولهم "كثر الدرهم في أيدي الناس". وفي الكشاف: إن الواو في {وتؤمنون} للحال، واللام في {الكتاب} للعهد أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله. وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطنهم أصلب منكم في حقكم. ثم ذكر مضادة أخرى فقال: {وإذا لقوكم قالوا آمنا} أحدثنا الدخول في الإيمان {وأذا خلوا عضوا} ويوصف المغتاظ أو النادم بعض الأنامل والبنان والإبهام لأن هذا الفعل كثيراً ما يصدر منهما فجعل كناية عن الغضب والندم، وإن لم يكن هناك عض وإنما حصل لهم هذا الغيظ وهو شدة الغضب لما رأوا من ائتلاف المؤمنين وعلو دينهم وارتفاع شأنهم {قل موتو بغيظكم} دعاء عليهم بأن يزداد ما يوجب غيظهم من قوة الإسلام وعز أهله، فإن ذلك يتضمن ذلهم وخزيهم. والحاصل أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم بأن الله تعالى أتاح أن يظهر دين الإسلام علىالأديان كلها والمقدر كائن، فإن كان هذا سبباً لغيظكم فلا محالة يكون موتكم على هذا الغيظ. ثم إن قوله: {إن الله عليم بذات الصدور} أي بصواحباتها وهي الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه. إن كان داخلاً في جمل المقول، فمعناه أخبرهم بما يسرونه من الغيظ وقل لهم: إن غيظكم سيزداد إلى أن يذيبكم أو تموتوا عليه، وقل لهم: إن الله يعلم ما هو أخفى / مما تسرونه وهو مضمرات القلوب وخفياتها. وإن كان خارجاً فالمعنى قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني أعلم ما أضمره الخلائق ولم يظهروه على ألسنتهم أصلاً. ويجوز أن لا يكون أمراً بالقول لفظاً بل يراد حدّث نفسك بأنهم سيهلكون غيظاً وحسداً، فيكون أمراً للرسول بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله ونصره. ثم ذكر نوعاً آخر من مضادتهم ومعاداتهم فقال: {إن تمسسكم حسنة} أي حسنة كانت من منافع الدنيا كالصحة والخصب والغنيمة والظفر على الأعداء والائتلاف بين الأحباء {تسؤهم} ساءه يسوءه نقيض سره يسره {وإن تصبكم سيئة} ضد من أضداد ما عددنا. {يفرحوا بها} ولم يفرق صاحب الكشاف ههنا بين المس والإصابة وجعل المعنى واحداً. وأقول: يشبه أن يكون المس أقل من الإصابة وأنه أدخل في بيان شدة العداوة، وذلك أن الحسد لا ينهض لقليل من الخير إلا أن يكون هناك كمال البغض، والشماتة قلما توجد إذا أصاب العدوّ بلية عظمى كما قيل: شعر : عند الشدائد تذهب الأحقاد تفسير : إلا أن يكون ثمة غاية الحقد. وإذا كان حال القوم مع المسلمين في القضيتين بالخلاف دل ذلك على شدة بغضهم ونهاية حقدهم، وعلى هذا فلا يبعد أن يقال التنوين في {حسنة} للتقليل وفي {سيئة} للتعظيم {وإن تصبروا} على عداوتهم {وتتقوا} ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو إن تصبروا على أوامر الله تعالى وتتقوا محارمه {لا يضركم كيدهم} وهو احتيال الإنسان لإيقاع غيره في مكروه. وقال ابن عباس: هو العداوة. {شيئاً} من الضرر بل كنتم في كنف الله وحفظه. وفيه إرشاد من الله تعالى إلى أن يستعان على دفع مكايد الأعداء بالصبر والتقوى، فمن كان لله كان الله له. وفي كلام الحكماء إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك. وقال بعضهم: شعر : إذا ما شئت إرغام الأعادي بلا سيف يسل ولا سنان فزد في مكرماتك فهي أعدى على الأعداء من نوب الزمان تفسير : {إن الله بما تعملون} في عداوتكم أو بما تعملون أنتم من الصبر والتقوى. {محيط} فيجازي كل أحد بما هو أهله. التأويل: ضربت عليهم ذلة الطمع ومسكنة الحرص إلا أن يعتصموا بمحبة الله وطلبه وحبل من الناس يعني متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته. ويقتلون الأنبياء يميتون سنتهم وسيرهم. ليسوا أي العلماء الربانيون والمداهنون. فلن تكفروه لأنه من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً. ثم أخبر عن نفقات أهل الشهوات في استيفاء اللذات الجسمانية بقوله: {مثل ما / ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح} هي هواء الهوى {فيها صر} الشهوة {أصابت حرث قوم} هو الحرث الروحاني {ظلموا أنفسهم} بإبطال الاستعداد الإنساني. ثم نهي أهل المحبة عن مباطنة أهل السلو من هذا الحديث فقال: {لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً} لا يقصرون في إنكاركم والاعتراض عليكم والطعن فيكم {ودّوا} من نعيم الدنيا ومشتهياتها {ما عنتم} ما مقتموه وتركتموه لدناءة همتهم وعلو همتكم، أو فرحوا بما قاستيم من المجاهدات والتزام الفقر والصبر على المكاره {قد بدت البغضاء من أفواههم} اعتراضاتهم الفاسدة {وما تخفي صدورهم} الحاسدة من الغل والحقد {أكبر} {تحبونهم} محبة الرحمة والشفقة {ولا يحبونكم} لتناكر الأرواح واختلاف حال الأشباح {ويؤتون بالكتاب كله} بجميع ما في القرآن من ترك الدنيا وجهاد النفس {عليم بذات الصدور} بالقلوب التي في الصدور أن موتها في الغيظ والحسد. {إن تمسسكم حسنة} كرامة من الله وقبول من الخلق. سيئة إنكار من الجهال وطعن.

ابو السعود

تفسير : {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ} أي هدرُ النفسِ والمالِ والأهلِ وذلُّ التمسكِ بالباطل {أَيْنَمَا ثُقِفُواْ} أي وُجدوا {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مّنَ ٱلنَّاسِ} استثناءٌ من أعم الأحوال أي ضربت عليهم الذلةُ ضربَ القُبةِ على مَنْ هي عليه في جميع الأحوال إلا حالَ كونِهم معتصمين بذمة الله أو كتابِه الذي أتاهم وذمةِ المسلمين أو بذمة الإسلام واتباعِ سبـيلِ المؤمنين {وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ} أي رجعوا مستوجبـين له، والتنكيرُ للتفخيم والتهويل ومن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لغضب مؤكدةً لما أفاده التنكيرُ من الفخامة والهول أي كائنٍ من الله عز وجل {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ} فهي محيطةٌ بهم من جميع جوانبِهم واليهودُ كذلك في غالب الحالِ مساكينُ تحت أيدي المسلمين والنصارى. {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذكر من ضَرْب الذِلةِ والمسكنةِ عليهم والبَوْءِ بالغضب العظيم {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ} أي ذلك الذي ذكر كائنٌ بسبب كفرِهم المستمرِّ بآياتِ الله الناطقةِ بنبوة محمدٍ عليه الصلاة والسلام وتحريفِهم لها وبسائر الآياتِ القرآنية {وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ} أي في اعتقادهم أيضاً، وإسناد القتلِ إليهم مع أنه فعلُ أسلافِهم لرضاهم به كما أن التحريفَ مع كونه من أفعال أحبارِهم يُنسَبُ إلى كل من يسير بسيرتهم {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذُكر من الكفر والقتل {بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} أي كائنٌ بسبب عصيانِهم واعتدائِهم حدودَ الله تعالى على الاستمرار فإن الإصرارَ على الصغائر يُفضي إلى مباشرة الكبائِر والاستمرارَ عليها يؤدي إلى الكفر، وقيل: معناه أن ضربَ الذلةِ والمسكنةِ في الدنيا واستيجابَ الغضبِ في الآخرة كما هو معلَّلٌ بكفرهم وقتلِهم فهو مسبَّبٌ عن عصيانهم واعتدائِهم من حيث إنهم مخاطَبون بالفروع من حيث المؤاخذة {لَيْسُواْ سَوَاء} جملةٌ مستأنفة سيقت تمهيداً لتعداد محاسِن مؤمني أهلِ الكتابِ وتذكيراً لقوله تعالى: {أية : مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [آل عمران، الآية 110] والضميرُ في ليسوا لأهل الكتاب جميعاً لا للفاسقين منهم خاصة وهو اسمُ ليس وخبرُه سواءً، وإنما أُفرد لأنه في الأصل مصدرٌ والمرادُ بنفي المساواةِ نفيُ المشاركةِ في أصل الاتصافِ بالقبائح المذكورةِ لا نفيُ المساواةِ في مراتب الاتصافِ بها مع تحقق المشاركة في أصل الاتصافِ بها أي ليس جميعُ أهل الكتابِ متشاركين في الاتصاف بما ذُكر من القبائح والابتلاءِ بما يترتب عليها من العقوبات وقوله تعالى: {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} استئنافٌ مبـينٌ لكيفية عدمِ تساويهم، ومزيل لما فيه من الإبهام كما أن ما سبق من قوله تعالى: {أية : تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [آل عمران، الآية 110] الآية، مبـينٌ لقوله تعالى: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} تفسير : [آل عمران، الآية 110] الخ، ووضعُ أهلِ الكتابِ موضعَ الضميرِ العائد إليهم لتحقيق ما به الاشتراكُ بـين الفرقين والإيذانِ بأن تلك الأمةَ ممن أوتي نصيباً وافراً من الكتاب لا من أراذلهم. والقائمةُ: المستقيمةُ العادلةُ مِن أقمتُ العودَ فقام بمعنى استقام وهم الذين أسلموا منهم كعبدِ اللَّه بنِ سلام، وثعلبةَ بنِ سعيد وأُسَيْدِ بنِ عبـيد، وأضرابِهم وقيل: هم أربعون رجلاً من أهل نجرانَ واثنان وثلاثون من الحبشة وثلاثةٌ من الروم كانوا على دين عيسى وصدّقوا محمداً عليهما الصلاة والسلام، وكان من الأنصار فيهم عدةٌ قبل قدومِ النبـي عليه السلام منهم أسعدُ بنُ زُرارة، والبراءُ بن معرورٍ، ومحمدُ بنُ مسلمةَ، وأبو قيس صرمةُ بنُ أنسٍ، كانوا موحّدين يغتسلون من الجنابة ويقومون بما يعرِفون من شرائع الحنيفيةِ حتى بعث الله النبـيُّ صلى الله عليه وسلم فصدّقوه ونصَروه. وقوله تعالى: {يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ} في محل الرفع على أنه صفةٌ أخرى لأمة، وقيل: في محل النصب على أنه حالٌ منها لتخصُّصها بالنعت، والعاملُ فيه الاستقرارُ الذي يتضمنه الجارُّ أو من ضميرها في {قَائِمَةً} أو من المستكنّ في الجار لوقوعه خبراً لأمة والمرادُ بآياتِ الله القرآنُ، وقوله تعالى: {آناءَ اللَّيْل} ظرفٌ ليتلون أي في ساعاته جمع أَنىً بزنة عصا أو إِنىً بزنة مِعىً، أو أنْي بزنة ظبْـي، أو إنْي بزنة نِحْي، أو إنْو بزنة جِرْو. {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أي يصلّون إذ لا تلاوة في السجود، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ألا إني نُهيت أن أقرأ راكعاً وساجداً» تفسير : وتخصيصُ السجودِ بالذكر من بـين سائر أركانِ الصلاةِ لكونه أدلَّ على كمال الخضوعِ، والتصريحُ بتلاوتهم آياتِ الله في الصلاة مع أنها مشتملةٌ عليها قطعاً لزيادة تحقيقِ المخالفةِ وتوضيحِ عدمِ المساواةِ بـينهم وبـين الذين وُصفوا آنفاً بالكفر بها وهو السرُّ في تقديم هذا النعتِ على نعت الإيمانِ، والمرادُ بصلاتهم التهجدُ إذ هو أدخلُ في مدحهم وفيه تتسنى لهم التلاوةُ فإنها في المكتوبة وظيفةُ الإمامِ، واعتبارُ حالِهم عند الصلاةِ على الانفراد يأباه مقامُ المدحِ، وهو الأنسبُ بالعدول عن إيرادها باسم الجنسِ المتبادرِ منه الصلاةُ المكتوبة وبالتعبـير عن وقتها بالآناء المُبهمة، وقيل: صلاةُ العِشاءِ لأن أهلَ الكتاب لا يصلّونها، لما رُوي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أخّرها ليلةً ثم خرجَ فإذا الناسُ ينتظرون الصلاةَ فقال: «حديث : أما إنه ليس من أهل الأديان أحدٌ يذكرُ الله هذه الساعةَ غيرُكم» تفسير : وقرأ هذه الآية. وإيرادُ الجملةِ اسميةً للدَلالة على الاستمرار، وتكريرُ الإسنادِ لتقوية الحكمِ وتأكيدِه، وصيغةُ المضارعِ للدِلالة على التجدد، والجملةُ حالٌ من فاعل يتلون، وقيل: هي مستأنفةٌ والمعنى أنهم يقومون تارةً ويسجدون أخرى يبتغون الفضلَ والرحمةَ بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله عز وجل كما في قوله تعالى: {أية : وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وَقِيَـٰماً } تفسير : [الفرقان، الآية 64] وقيل: المرادُ بالسجود هو الخضوعُ كما في قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ}تفسير : [الرعد، الآية 15]

التستري

تفسير : وكذلك قوله: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ}[112] معناه إلاَّ بعهد من الله ودينه، وإنما سماه حبلاً لأنه من تمسك به توصل إلى الأمر الذي يؤمنه.

القشيري

تفسير : علَمُ الهجران لا ينكتم، وسِمَةُ البُعْد لا تَخْفَى، ودليل القطيعة لا يستتر؛ فهم في صغار الطرد، وذُلِّ الرد، يعتبر بهم أولو الأبصار، ويغترُّ بهم أضرابُهم من الكفار الفُجَّار.

اسماعيل حقي

تفسير : {ضربت عليهم الذلة اينما ثقفوا} اى فى أى مكان وأى زمان وجدوا فى دار الاسلام الزموا الذل اى هدر النفس والمال والاهل بحيث صار كشىء يضرب على الشىء فيحيط به {الا بحبل من الله وحبل من الناس} استثناء من اعم الاحوال اى ضربت عليهم الذلة ضرب القبة على من هى عليه فى جميع الاحوال الا حال كونهم معتصمين بذمة الله وذمة المسلمين واستعير الحبل للعهد لانه سبب للنجاة والفوز بالمراد. وعطف قوله {وحبل من الناس} على قوله {بحبل من الله} يقتضى المغايرة. قال الامام فى وجهه الامان الحاصل للذمى قسمان. احدهما الذى نص الله عليه وهو الامان الحاصل له باعطاء الجزية عن يد وقبوله اياها. والثانى الامان الذى فوض الى رأى الامام واجتهاده فيعطيهم الامان مجانا تارة وببدل زائد او ناقص اخرى على حسب اجتهاده فالاول هو المسمى بحبل الله والثانى هو المسمى بحبل المؤمنين فالامانان واقعان بمباشرة المسلمين الا انهما متغايران بالاعتبار {وباؤا بغضب من الله} اى رجعوا بغضب كائن منه تعالى مستوجبين له {وضربت عليهم المسكنة} اى زى الافتقار فهى محيطة بهم من جميع جوانبهم واليهود فى غالب الامر فقراء اما فى نفس الامر واما انهم يظهرون من انفسهم الفقر وان كانوا اغنياء موسرين فى الواقع {ذلك} اشارة الى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة عليهم والبوء بالغضب العظيم {بانهم كانوا يكفرون بآيات الله} اى ذلك الذى ذكر كائن بسبب كفرهم المستمر بآيات الله الناطقة بنبوة محمد عليه السلام وتحريفهم لها ولسائر الآيات القرآنية {ويقتلون الانبياء بغير حق} اى فى اعتقادهم ايضا وهؤلاء المتأخرون وان لم يصدر عنهم قتل الانبياء لكنهم كانوا راضين بفعل اسلافهم مصوبين لهم فى تلك الافعال القبيحة وطالبين للقتل لو ظفروا به فكانوا بذلك كأنهم فعلوه بانفسهم فلذا اسند القتل اليهم {ذلك} اشارة الى ما ذكر من الكفر والقتل {بما عصوا وكانوا يعتدون} اى كان بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود الله تعالى على الاستمرار فان الاصرار على الصغائر يفضى الى مباشرة الكبائر والاستمرار عليها يؤدى الى الكفر فان من توغل فى المعاصى والذنوب واستمر عليها لا جرم تتزايد ظلمات المعاصى على قلبه حالا فحالا ويضعف نور الايمان فى قلبه حالا فحالا ولم يزل الامر كذلك الى ان يبطل نور الايمان وتحصل ظلمة الكفر نعوذ بالله من ذلك واليه الاشارة بقوله تعالى {أية : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} تفسير : [المطففين: 14]. فقوله تعالى {ذلك بما عصوا} اشارة الى علة العلة ولهذا المعنى قال ارباب المعاملات من ابتلى بترك الادب وقع فى ترك السنن ومن ابتلى بترك السنن وقع فى ترك الفريضة ومن ابتلى بترك الفريضة وقع فى استحقار الشريعة ومن ابتلى بذلك وقع فى الكفر. فعلى المؤمن ان لا يفتح باب المعصية على نفسه خوفا مما يؤدى اليه بل ويترك ايضا بعض ما ابيح له فى الشرع وذلك هو كمال التقوى قال عليه السلام "حديث : لا يبلغ العبد ان يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذرا مما به البأس " .تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام كالراعى حول الحمى يوشك ان يقع فيه" تفسير : الحديث فمنع من الاقدام على الشبهات مخافة الوقوع فى المحرمات وذلك سد للذريعة والعارف متى قصد مخالفة امره تعالى يجد من قلبه استحياء منه تعالى فينتهى عما نوى وعزم ويجتهد فى عبادة ربه. قال الجنيد رحمه الله العبادة على رؤوس العارفين كالتيجان على رؤوس الملوك ورؤى فى يده سبحة فقيل له انت مع شرفك تأخذ فى يدك سبحه فقال طريق وصلنا به الى ما وصلنا لا نتركه ابدا. قال الشيخ ابو طالب رحمه الله مداومة الاوراد من اخلاق المؤمنين وطريق العابدين وهى مزيد الايمان وعلامة الايقان. قال الشيخ ابو الحسن رحمه الله سألت استاذى عن ورد المحققين فقال اسقاط الهوى ومحبة المولى ابت المحبة ان تستعمل محبا لغير محبوبه وقال الورد ردّ النفس بالحق عن الباطل فى عموم الاوقات فليواظب العبد على الاوراد والطاعات وليجانب المعاصى والسيآت "حديث : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذات يوم لاصحابه "استحيوا من الله حق الحياء" قالوا انا نستحيى يا رسول الله والحمد لله قال "ليس ذلك ولكن من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى وليحفظ البطن وما وعى وليذكر الموت والبلى ومن اراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء"". شعر : مبر طاعت نفس شهوت برست كه هر ساعتى قبله ديكر ست تفسير : قال بعض المشايخ لو ان رجلا عاش مائتى سنة ولا يعرف هذه الاربعة فليس شىء احق به من النار احدها معرفة الله تعالى فى السر والعلانية وان لا معطى ولا مانع غيره. والثانى معرفة عمل الله بان يعرف ان الله تعالى لا يقبل من العمل الا ما كان خالصا لرضى الله تعالى. والثالث معرفة نفسه بان يعرف ضعفه انه لا يستطيع ان يرد شيأ مما قضى الله عليه. والرابع معرفة عدو الله وعدو نفسه فيحاربه بالمعرفة حتى يكسره فان المعرفة سلاح العارف فمن كان عنده المعرفة الحقيقية كان غالبا على اعدائه الظاهرة والباطنة ووصل الى مراده والنفس عين العدو فعليك بالاحتراز من شره ومحاربته كل آن بالذكر والفكر والعمل الصالح عصمنا الله واياكم من الشرور.

الطوسي

تفسير : المعنى، واللغة، والاعراب: قال الحسن: المعني بقوله: {ضربت عليهم الذلة} اليهود أذلهم الله عز وجل، فلا عز لهم ولا منعة، وأدركتهم هذه الأمة. وإن المجوس لتجبيهم الجزية {وضربت} مأخوذ من الضرب، وإنما قيل ضربت، لأنها ثبتت عليهم كما ثبتت بالضرب كما أخذت منه الضريبة، لأنها تثبت على صاحبها كما تثبت الضرب. وقوله: {أينما ثقفوا} أي أينما وجدوا، يقال: ثقفته أي وجدته، ولقيته. فان قيل: كيف جاز عقابهم على ما لم يفعلوه من قتل الانبياء. وإنما فعله أسلافهم دونهم. قلنا: عنه جوابان: أحدهما - أنهم عوقبوا على رضاهم بذلك. وأجرى عليهم صفة القتل لعظم الجرم في رضاهم به، فكأنهم، فعلوه على نحو {يذبح أبناءهم} وإنما أمر به. والثاني - أن تكون الصفة تعم الجميع، فيدخلوا في الجملة ويجري عليهم الوصف على التغليب كما يغلب المذكر على المؤنث إذا اجتمعا، فكذلك غلب القاتل على الراضي. وقوله: {إلا بحبل من الله} فالحبل هو العهد من الله، وعهد من من الناس على وجه الذمة، وغيرها من وجوه الأمان في قول ابن عباس، والحسن ومجاهد، وقتادة، والسدي، والربيع. وسمي العهد حبلا، لأنه يعقد به الأمان كما يعقد بالحبل من حيث يلزم به الشيء كما يلزم بالحبل. وقال الاعشى: شعر : فاذا تجوزها حبال قبيلة أخذت من الأخرى اليك حبالها تفسير : والعامل في الباء من قوله {إلا بحبل من الله} يحتمل أن يكون العامل محذوفا والمعنى إلا أن تعتصموا بحبل من الله على قول الفراء وأنشد: شعر : رأتني بحبليها فصدت مخافة وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق تفسير : أراد رأتني أقبلت بحبليها فحذف العامل في الباء وقال آخر: شعر : قريب الخطو يحسب من رآني ولست مقيداً أني بقيد تفسير : قال الرماني، على بن عيسى ما ذكره الفراء ضعيف من وجهين: أحدهما - حذف الموصول وذلك لا يجوز عند البصريين في شيء من الكلام لأنه إذا احتاج إلى صلة تبين عنه فالحاجة إلى البيان عنه بذكره أشد. وإنما يجوز حذف الشيء للاستغناء بدلالة غيره عليه، فلو دل دليل عليه لحذف مع صلته، لأنه معها بمنزلة شيء واحد. والوجه الآخر أن الكلام إذا صح معناه من غير حذف لم يجز تأويله على الحذف. وقوله {إلا بحبل} قيل في هذا الاستثناء قولان: أحدهما - أنه منقطع، لأن الدلالة لازمة لهم على كل حال، فيجري مجرى قوله: {أية : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ}تفسير : فعامل الاعراب موجود والمعنى على الانقطاع. ومثله {أية : لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلا سلاماً}تفسير : وكل انقطاع فيه فانما هو لازالة الايهام الذي فيه يلحق الكلام فقوله: {لا يسمعون فيها لغواً} قد يتوهم أنه من حيث لا يسمعون فيها كلاماً، فقيل لذلك {إلا قيلا سلاماً} وكذلك {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً} قد يتوهم أنه لا يقتل مؤمن مؤمناً على وجه، فقيل لذلك {إلا خطأ}. وكذلك {ضربت عليهم الذلة} قد يتوهم أنه من غير جواز موادعة، فقيل إلا بحبل من الله. الثاني - أن الاستثناء متصل، لأن عز المسلمين عز لهم بالذمة، وهذا لا يخرجه من الذلة في أنفسهم. وقوله: {وباؤا بغضب من الله} أي رجعوا بغضب الله الذي هو عقابه ولعنه. وقوله: {وضربت عليهم المسكنة} قيل اريد بالمسكنة الذلة لأن المسكين لا يكون إلا ذليلا فسمي الذليل مسكيناً. وقيل، لأن اليهود أبداً يتفاقرون وان كانوا أغنياء لما رماهم الله به من الذلة. وقد بينا فيما تقدم أن قوله: {أية : ويقتلون الأنبياء بغير حق}تفسير : لا يدل على أن قتلهم يكون بحق وإنما المراد أن قتلهم لا يكون إلا بغير حق، كما قال {ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به} والمراد ان ذلك لا يكون إلا بغير برهان وكقول امرىء القيس: شعر : على لاحب لا يهتدى بمناره تفسير : ومعناه لا منار هناك فيهتدى به وقوله: {يعتدون} قد بينا فيما تقدم معنى الاعتداء وهو أن معناه تجاوز الحد مأخوذ من العدوان.

الجنابذي

تفسير : {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} المحيطة بهم كالبيت المضروب عليهم فى الدّنيا بالصّغار والجزية كاليهود والنّصارى الّذين رضوا بالجزية او فى الانظار كاليهود الّذين لا يوجدون الاّ ذليلين فى الدّنيا فى الامصار والانظار او بالمغلوبيّة بالحجّة، او فى الآخرة والاتيان بالماضى لتحقّق وقوعه {أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ} وجدوا {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ} هو الفطرة الّتى فطر الله النّاس عليها الّتى يعبّر عنها بالولاية التّكوينيّة الّتى هى الكتاب التّكوينىّ الالهىّ الّذى كتابه التّدوينىّ ظهوره وبيانه {وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} هو الاتّصال بالنّبىّ (ص) بالبيعة العامّة او بالولىّ (ع) بالبيعة الخاصّة الولاية ويعبّر عنه بالولاية التّكليفيّة، نسب الى الصّادق (ع) انّه قال: الحبل من الله كتاب الله والحبل من النّاس علىّ بن ابى طالب (ع) {وَبَآءُوا} اى يرجعون الى الآخرة والتّأدية بالماضى للمشاكلة مع الافعال السّابقة والآتية ولتحقّق وقوعه {بِغَضَبٍ} عظيمٍ {مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ} مشتقّ جعلىّ من المسكين وهو الّذى أسكنه الفقر من الحركة فى معاشه وهو اسوء حالاً من الفقير الّذى لا يكون له ما يكفيه لمؤنته وتلك الاوصاف جارية على اليهود من زمن النّبىّ (ص) الى زماننا هذا فى جميع البلاد فانّه قلّما يوجد يهودىّ الاّ وهو ذليل، والآيات نازلة فى اهل الكتاب لكنّها تعريض بالامّة المعرضة عن علىّ (ع) {ذٰلِكَ} المذكور من ضرب الذّلّة والمسكنة والبوء بالغضب {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} التّدوينيّة والاحكام الالهيّة الّتى كانت فى كتبهم وشرائعهم وبآيات الله التّكوينيّة من محمّدٍ (ص) وعلىّ (ع) ومعجزاتهما وانبيائهم فانّ كفرهم باقوال أنبيائهم فى محمّد (ص) وعلىّ (ع) كفر بهم والاتيان بالمضارع مع تخلّل كانوا للاشعار بانّ هذه كانت سجيّتهم وانّهم مستمرّون عليها لا يمكنهم الانفكاك عنها {وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} التّقييد به للتّبيين او للتّقييد باعتقادهم يعنى يتيقّنون انّ قتلهم كان بغير حقّ لا انّهم كانوا يشكّون او يظنّون او يوقنون انّه بحقٍّ {ذٰلِكَ} الكفر والقتل {بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} اى بسبب عصيانهم وكونهم معتدين لانّ الاصرار على الصّغائر يفضى الى الكبائر والكبائر تؤدّى الى الاكبر.

فرات الكوفي

تفسير : {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلّةُ أيْنَما ثُقِفوا إلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وحَبْلٍ مِنَ الناسِ112} [قال:. ر] [حدثنا. أ، ب] فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثني الحسين بن سعيد قال: حدثنا محمد بن مروان قال: حدثنا إسماعيل بن أبان عن سلام بن أبي عمرة: عن أبان بن تغلب قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي [أ، ب: جعفر بن محمد] عليه السلام عن قول الله تعالى: {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبلٍ من الله وحبل من الناس} قال: ما يقول الناس فيها؟ قال: [قلت: يقولون: حبلٌ من الله كتابه وحبلٌ من الناس عهده الذي عهد إليهم. قال: كذبوا قال. ب، ر] قلت: ما [أ: فما] تقول فيها؟ قال: فقال لي: حبلٌ من الله كتابه وحبلٌ من الناس علي بن أبي طالب عليه السلام.

اطفيش

تفسير : {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ}: أوقع الله عليهم الذلة، وألزمها إياهم حتى صارت كشىء يضرب على شىء، فيحيط به، أو يلتزق به، والذلة ضعف قلوبهم عن أن يقاوموا غيرهم فى قتال، أو شدة. وعن أن يردوا عن أنفسهم ما أصيبوا به، وهذا لعمومه أولى من تخصيص الذلة لشىء مثل ما قيل أن الذلة قتلتهم، وغنيمة أموالهم أصولا وعروضاً وسبيهم، وما قيل أن الذلة ضرب الذلة عليهم لأنها ذلة وصغار، وما قيل: أن الذلة أنهُ لا يرى فى اليهود ملك قاهر، ولا رئيس معتبر، بل يستضعفون فى جميع البلاد وما قيل: إن الذلة كونهم أذلاء فيما بين المسلمين، بسبب كفرهم وتمسكهم بالدين المنسوخ، والطريق المخترعة الباطلة، ولما ذلوا بين المؤمنين ذلوا أيضاً تبعاً بين غير المؤمنين، وكان فيهم ذل عظيم قبل الإسلام، فزادوا من بعده ذلا عظيما مستأصلا لشأنهم. {أيْنَمَا ثُقِفُوا}: أى وجدوا، وجواب الشرك محذوف، تقديره: أى مكان وجدوا من دار الإسلام غلبوا وذلوا، لا اعتصام لهم، ولا عز دلَّ عليه ضربت عليهم الذلة، أو يقدر بلفظه أى: أينما ثقفوا ضربت عليهم الذلة، وقيل: هو جواب مقدم. {إلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللهِ وحَبْلٍ مَّنَ النّاسِ}: استثناء من أعم الأحوال، أى ضربت عليهم الذلة، فى كل حال، إلا معتصمين بعهد من الله والناس المؤمنين بالأمان على أداء الجزية، ويجوز أن يكون حبل الله: ذمته أو كتابه الذى أتاهم، أو دين الإسلام، وأن يكون حبل الناس: ذمتهم، واتباع دينهم، وقال الفخر: قال بعضهم حبل الله هو الإسلام، وحبل الناس العهد والذمة. قال الفخر: هذا بعيد، إذ لو أريد ذلك لقيل: أو حبل من الناس أو قال. وقال آخرون: المراد بكلا الحبلين الأمان، لأنهُ من الله بإذنه ووحيه، ومن المؤمنين بإنقاذه لهم، قال: وهو أيضاً ضعيف. قال: والذى عندى أن الأمان الحاصل للذمى قسمان: أحدهما الذى نص عليه، وهو الأمان الحاصل بإعطائه الجزية عن يد، وقبوله إياها. والثانى: الأمان الذى فرض إلى رأى الإمام واجتهاده، فيعطيهم الأمان مجاناً تارة، ويبذل زائد أو ناقص تارة أخرى على حسب اجتهاده، واستعير الحبل لنحو العهد والكتاب، لأن كلا منهما سبب للنجاة والفوز بالأمن. {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ}: رجعوا عن الله لإعراضهم عن دينه بغضب منهُ، عز وجل، من باء بمعنى رجع، أو مكثوا فى غضب من الله من قولك: تبوأ كذا، أى اتخذه محلا ينزل فيه. والباء على الأول للمصاحبة وعلى الثانى للظرفية. {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ}: ضرب عليهم، وسموا الفقر ضرباً شبيهاً بإحاطة البيت المضروب على أهله، فإنهم فى غالب الأمر إما فقراء وإما غير فقراء، لكن يظهرون الفقر ويتصورون بصورة الفقراء، وقيل: {المسكنة}: الجزية، وبه قال الحسن. {ذَلِكَ}: المذكور من ضرب الذلة والبوء بالغضب وضرب المسكنة. {بأنَّهُمْ كَانوا يكْفُرُونَ}: أى بسبب كفرهم. {بِآيَاتِ اللهِ}: التوراة. {ويَقْتُلُونَ الأنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ}: لا يكون قتل نبى بحق البته لكنه ذكر بغير حق تأكيداً للتفظيع اللازم عليهم وللإشعار بأن قتل الأنبياء لم يكن حقاً بحسب اعتقادهم أيضاً ومن ذلك أن الذل كان واقعاً عليهم قبل ظهور الإسلام، وزاد عليهم بعد ظهوره، والزائد بعده قد عظم، حتى استأصلهم، وذلك لأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أفضل الخلق والأنبياء وغيرهم، وأنه خاتم النبوة والرسالة، وكتابه أفضل الكتب، وأمته أفضل الأمم، فصار سعى اليهود فى قتله صلى الله عليه وسلم، وقتال أمته والضر بهم والتكذيب بكتابه أعظم مما فعل أباؤهم، فعظم ذنبهم بذلك، ولأنهم رضوا بما فعل آباؤهم من التكذيب، وقتل الأنبياء مصوبين لهم، ولذلك نسب إليهم ما فعل آباؤهم. {ذَلِكَ}: المذكور من الكفر بالآيات وقتل الأنبياء. {بِمَا عَصَواْ}: أمر الله. {وَكَانُوا يَعْتَدُون}: من الحلال إلى الحرام بسبب غشيانهم، وكونهم مجاوزين حدود الله عز وجل، وذلك أن المعصية تجلب الأخرى والأخرى، فمن الصغائر لصغائر أخرى وكبائر، ومن كبائر النفاق لكبائر النفاق الأخرى وكبائر الشرك، وذلك أن القلب يزول منه النور بالمعصية، ويزداد بها ظلمة والحاصل أن الإصرار على ذنب يدعو إلى آخر، وإلى ذنوب مثله، ودونه وأعظم منه، ويناسب ذلك أن أقول أن ترك النفل يؤدى إلى الإخلال بالسنة أو تركها، وتركها أو الإخلال بها يؤدى إلى ترك الفريضة، أو الخلل فيها وتركها أو الإخلال بها يؤدى إلى استحقار الشرع، واستحقاره يؤدى إلى الشرك بل هو طرق من الشرك، ويجوز أن تكون الإشارة فى قوله: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوا} إلى المذكور من ضرب الذلة، والبوء بالغضب، وضرب المسكنة كالأولى، أى أن الثلاثة اللاتى هن ضرب الذلة، والبوء بالغضب، وضرب المسكنة، أوقعن عليهم كان سبب الكفر بالآيات وقتل الآنبياء وكان سبب عصيانهم، واعتدائهم، وحكمة ذلك الإعلام بأن سخط الله يستوجبه العصيان الذى هو دون الشرك، كما يستوجبه الشرك، والصحيح وهو مذهبنا ومذهب جمهور الأمة، أن المشرك مخاطب بالفرع والأصل.

الالوسي

تفسير : {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ } أي ذلة هدر النفس والمال والأهل، وقيل: ذلة التمسك بالباطل وإعطاء الجزية، قال الحسن: أذلهم الله تعالى فلا منعة لهم وجعلهم تحت أقدام المسلمين وهذا من ضرب الخيام والقباب كما قاله أبو مسلم، قيل: ففيه استعارة مكنية تخييلية، وقد يشبه إحاطة الذلة واشتمالها عليهم بذلك على وجه الاستعارة التبعية، وقيل: هو من قولهم: ضرب فلان الضريبة على عبده أي ألزمها إياه فالمعنى ألزموا الذلة وثبتت فيهم فلا خلاص لهم منها {أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ } أي وجدوا، وقيل: أخذوا وظفر بهم، و {أَيْنَمَا } شرط، وما زائدة وثقفوا في موضع جزم وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله أو هو بنفسه على رأي {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مّنَ ٱلنَّاسِ } استثناء مفرغ من أعم الأحوال، والمعنى على النفي أي لا يسلمون من الذلة في حال من الأحوال إلا في حال أن يكونوا معتصمين بذمة الله تعالى أو كتابه الذي أتاهم وذمة المسلمين فإنهم بذلك يسلمون من القتل والأسر وسبـي الذراري واستئصال الأموال. وقيل: أي إلا في حال أن يكونوا متلبسين بالإسلام واتباع سبيل المؤمنين فإنهم حينئذٍ يرتفع عنهم ذل التمسك والإعطاء {وَبَآءوا بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ } أي رجعوا به وهو كناية عن استحقاقهم له واستيجابهم إياه من قولهم باء فلان بفلان إذا صار حقيقاً أن يقتل به، فالمراد صاروا أحقاء بغضبه سبحانه والتنوين للتفخيم والوصف مؤكد لذلك {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ } فهم في الغالب مساكين وقلما يوجد يهودي يظهر الغنى. {ذٰلِكَ } أي المذكور من المذكورات {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {وَيَقْتُلُونَ ٱلأَْنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ } أصلاً، ونسبة القتل إليهم مع أنه فعل أسلافهم على نحو ما مر غير مرة {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } إشارة إلى كفرهم وقتلهم الأنبياء عليهم السلام على ما يقتضيه القرب فلا تكرار، وقيل: معناه أن ضرب الذلة وما يليه كما هو معلل بكفرهم وقتلهم فهو معلل / بعصيانهم واعتدائهم، والتعبير بصيغة الماضي والمضارع لما مر. ثم إن جملة {أية : مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [آل عمران: 110] وكذا جملة {أية : لَن يَضُرُّوكُمْ } تفسير : [آل عمران: 111] وما عطف عليها واردتان على سبيل الاستطراد ولذا لم يعطفا على الجملة الشرطية قبلهما وإنما لم يعطف الاستطراد الثاني على الأول لتباعدهما وكون كل منهما نوعاً من الكلام، وقال بعض المحققين: إن هاتين الجملتين مع ما بعدهما مرتبط بقوله تعالى: {أية : وَلَوْ ءامَنَ } تفسير : [آل عمران: 110] مبين له، فقوله سبحانه: {أية : مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [آل عمران: 110] مبين لذلك باعتبار أن المفروض إيمان الجميع، وإلا فبعضهم مؤمنون رفعاً لسوء الظن بالبعض، وقوله عز شأنه: {أية : لَن يَضُرُّوكُمْ }تفسير : [آل عمران: 111] بيان لما هو خير لهم وهو أنهم لعدم إيمانهم مبتلون بمشقة التدبير لإضراركم وبالحزن على الخيبة وتدبير الغلبة عليكم بالمقابلة والغلبة لكم وفي طلب الرياسة بمخالفتكم وضرب الله تعالى عليهم الذلة لتلك المخالفة وفي طلب المال بأخذ الرشوة بتحريف كتابهم وضرب الله عليهم المسكنة، ولو آمنوا لنجوا من جميع ذلك انتهى ولا يخفى أن هذا على تقدير قبوله وتحمل بعده لا يأبـى القول بالاستطراد لأنه أن يذكر في أثناء الكلام ما يناسبه وليس السياق له، وإنما يأبـى الاعتراض ولا نقول به فتأمل. هذا ومن باب الإشارة: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ } الذي هو القرب من الله {حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } أي بعضه، والإشارة به إلى النفس فإنها إذا أنفقت في سبيل الله زال الحجاب الأعظم وهان إنفاق كل بعدها {أية : وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } تفسير : [آل عمران: 92] فينبغي تحرّي ما يرضيه، ويحكى عن بعضهم أنه قال: المنفقون على أقسام: فمنهم من ينفق على ملاحظة الجزاء والعوض ومنهم من ينفق على مراقبة رفع البلاء والمحن ومنهم من ينفق اكتفاءاً بعلمه ولله تعالى در من قال:شعر : ويهتز للمعروف في طلب العلا لتذكر يوماً عند سلمى شمائله {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } تفسير : [آل عمران: 93] قيل: فائدة الإخبار بذلك تعليم أهل المحبة أن يتركوا ما حبب إليهم من الأطعمة الشهية واللذائذ الدنيوية رغبة فيما عند الله تعالى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ } وهو الكعبة التي هي من أعظم المظاهر له تعالى حتى قالوا: إنها للمحمديين كالشجرة لموسى عليه السلام {مُبَارَكاً } بما كساه من أنوار ذاته {وَهُدَىً } بما كساه من أنوار صفاته {أية : لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [آل عمران: 96] على حسب استعدادهم {فِيهِ ءايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرٰهِيمَ } المشتمل على الرضا والتسليم والانبساط واليقين والمكاشفة والمشاهدة والخلة والفتوة أو المعرفة والتوحيد والفناء والبقاء والسكر والصحو، أو جميع ذلك {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } من غوائل نفسه لأنه مقام التمكين وتطبيق ذلك على ما في الأنفس أن البيت إشارة إلى القلب الحقيقي، ويحمل ما ورد أن البيت أول ما ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض وخلق قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة بيضاء على وجه الماء فدحيت الأرض تحته على ذلك وظهوره على الماء حينئذٍ تعلقه بالنطفة عند خلق سماء الروح الحيوان وأرض البدن، وخلقه قبل الأرض إشارة إلى قدمه وحدوث البدن، وتقييد ذلك بألفي عام إشارة إلى تقدمه على البدن بطورين طور النفس وطور القلب تقدماً بالرتبة إذ الألف رتبة تامة، وكونه زبدة بيضاء إشارة إلى صفاء جوهره، ودحو الأرض تحته إشارة إلى تكون البدن من تأثيره وكون أشكاله وصور أعضائه تابعة لهيئاته ولا يخفى أن محل تعلق الروح بالبدن واتصال القلب الحقيقي به أولا هو القلب الصنوبري وهو أول ما يتكون من الأعضاء وأول عضو يتحرك وأخر عضو يسكن فيكون / (أول بيت وضع للناس للذي ببكة) الصدر صورة، أو أول متعبد وضع لهم للقلب الحقيقي الذي هو ببكة الصدر المعنوي الذي هو أشرف مقام في النفس وموضع ازدحام القوى إليه، ومعنى كونه (مباركاً) أنه ذو بركة إلۤهية بسبب فيض الخير عليه، وكونه (هدى) أنه يهتدي به إلى الله تعالى والآيات التي فيه هي العلوم والمعارف والحكم والحقائق، و (مقام إبراهيم) إشارة إلى العقل الذي هو مقام قدم إبراهيم الروح يعني محل اتصال نوره من القلب ولا شك أن من دخل ذلك (كان آمناً) من أعداء سعالى المتخيلة وعفاريت أحاديث النفس واختطاف شياطين الوهم وجن الخيالات واغتيال سباع القوى النفسانية وصفاتها {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } تفسير : [آل عمران: 97] وهم أهل معرفته عز شأنه، وأما الجاهلون به فلا قاموا ولا قعدوا، يحكى عن بعضهم أنه قال: قلت للشبلي: إني حججت فقال: كيف فعلت؟ فقلت: اغتسلت وأحرمت وصليت ركعتين ولبيت فقال لي: عقدت به الحج؟ فقلت: نعم قال: فسخت بعقدك كل عقد عقدت منذ خلقت مما يضاد هذا العقد؟ قلت: لا قال: فما عقدت، ثم قال نزعت ثيابك؟ قلت: نعم قال: تجردت عن كل فعل فعلت؟ قلت: لا قال: ما نزعت، فقال. تطهرت؟ قلت: نعم قال: أزلت عنك كل علة؟ فقلت: لا قال فما تطهرت، قال لبيت؟ قلت: نعم قال: وجدت جواب التلبية مثلاً بمثل؟ قلت: لا قال: ما لبيت، قال دخلت الحرم؟ قلت: نعم قال: اعتقدت بدخولك ترك كل محرم؟ قلت: لا قال: ما دخلت، قال: أشرفت على مكة؟ قلت: نعم قال: أشرف عليك حال من الله تعالى؟ قلت لا قال: ما أشرفت، قال: دخلت المسجد الحرام؟ قلت: نعم قال: دخلت الحضرة؟ قلت: لا قال: ما دخلت المسجد الحرام، قال: رأيت الكعبة؟ قلت: نعم قال: رأيت ما قصدت له؟ قلت: لا قال ما رأيت الكعبة، قال رملت وسعيت؟ قلت: نعم قال: هربت من الدنيا ووجدت أمناً مما هربت؟ قلت: لا قال: ما فعلت شيئاً، قال: صافحت الحجر؟ قلت: نعم قال: من صافح الحجر فقد صافح الحق ومن صافح الحق ظهر عليه أثر الأمن أفظهر عليك ذلك؟ قلت: لا قال: ما صافحت؛ قال: أصليت ركعتين بعد؟ قلت: نعم قال: أوجدت نفسك بين يدي الله تعالى؟ قلت: لا قال: ما صليت. قال: خرجت إلى الصفا؟ قلت: نعم قال: أكبرت؟ قلت: نعم فقال: أصفا سرك وصغرت في عينك الأكوان؟ قلت: لا قال: ما خرجت ولا كبرت. قال: هرولت في سعيك؟ قلت: نعم قال: هربت منه إليه؟ قلت: لا قال: ما هرولت، قال: وقفت على المروة؟ قلت: نعم قال: رأيت نزول السكينة عليك وأنت عليها: قلت لا قال: ما وقفت على المروة، قال: خرجت إلى منى؟ قلت: نعم قال: أعطيت ما تمنيت؟ قلت: لا قال: ما خرجت، قال: دخلت مسجد الخيف؟ قلت: نعم قال: تجدد لك خوف؟ قلت: لا قال: ما دخلت، قال: مضيت إلى عرفات؟ قلت: نعم قال: عرفت الحال الذي خلقت له والحال الذي تصير إليه؟ وهل عرفت من ربك ما كنت منكراً له؟ وهل تعرف الحق إليك بشيء؟ قلت: لا قال: ما مضيت، قال: نفرت إلى المشعر الحرام؟ قلت: نعم قال: ذكرت الله تعالى فيه ذكراً أنساك ذكر ما سواه؟ قلت لا قال: ما نفرت، قال: ذبحت؟ قلت: نعم قال: أفنيت شهواتك وإراداتك في رضاء الحق؟ قلت: لا قال: ما ذبحت، قال: رميت؟ قلت: نعم قال: رميت جهلك منك بزيادة علم ظهر عليك؟ قلت: لا قال: ما رميت، قال: زرت؟ قلت: نعم قال: كوشفت عن الحقائق؟ قلت: لا قال: ما زرت، قال: أحللت؟ قلت: نعم قال: عزمت على الأكل من الحلال قدر ما تحفظ به نفسك؟ قلت: لا قال: ما أحللت، قال: ودعت؟ قلت نعم قال: خرجت من نفسك وروحك بالكلية؟ قلت: لا قال: ما ودعت ولا حججت وعليك العود إن أحببت وإذا حججت فاجتهد أن تكون كما وصفت لك انتهى. / فهذا الذي ذكره الشبلي هو الحج الذي يستأهل أن يقال له حج، ولله تعالى عباد أهّلهمْ لذلك وأقدرهم على السلوك في هاتيك المسالك فحجهم في الحقيقة منه إليه وله فيه فمطافهم حظائر القربة على بساط الحشمة وموقفهم عرفة العرفان على ساق الخدمة ليس لهم غرض في الجدران والأحجار وهيهات هيهات ما غرض المجنون من الديار إلا الديار، ومن كفر وأعرض عن المولى بهوى النفس {أية : فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ}تفسير : [آل عمران: 97] فهو سبحانه غني عنه لا يلتفت إليه {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ } الدالة على توحيده {أية : وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } تفسير : [آل عمران: 98] إذ هو أقرب من حبل الوريد {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } بالإنكار على المؤمنين {مَنْ ءامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً } بإيراد الشبه الباطلة {وَأَنْتُمْ شُهَدَاء } عالمون بأنها حق لا اعوجاج فيها {أية : وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } تفسير : [آل عمران: 99] فيجازيكم به {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} الإيمان الحقيقي {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } خوفاً من إنكارهم ما أنتم عليه من الحقيقة والطريق الموصل إليه سبحانه {يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } الراسخ فيكم {أية : كَـٰفِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 100] لأن إنكار الحقيقة كفر كإنكار الشريعة، {أية : وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرٰطٍ مّسْتَقِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 101] أي من يعتصم به منه فقد اهتدى إليه به، قال الواسطي: ومن زعم أنه يعتصم به من غيره فقد جهل عظمة الربوبية، وحقيقة الاعتصام عند بعضهم انجذاب القلب عن الأسباب التي هي الأصنام المعنوية والتبري إلى الله تعالى من الحول والقوة، وقيل: الاعتصام للمحبين هو اللجأ بطرح السوى، ولأهل الحقائق رفع الاعتصام لمشاهدتهم أنهم في القبضة { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } بصون العهود وحفظ الحدود والخمود تحت جريان القضاء بنعت الرضا، وقيل: حق التقوى عدم رؤية التقوى {أية : وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } تفسير : [آل عمران: 102] أي لا تموتن إلا على حال إسلام الوجود له أي ليكن موتكم هو الفناء في التوحيد {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً }تفسير : [آل عمران: 103] وهو عهده الذي أخذه على العباد يوم {أية : أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ }تفسير : [الأعراف: 172] {وَلاَ تَفَرَّقُواْ } باختلاف الأهواء {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } بالهداية إلى معالم التوحيد المفيد للمحبة في القلوب {إِذْ كُنتُم أَعْدَاءً } لاحتجابكم بالحجب النفسانية والغواشي الطبيعية {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } بالتحاب في الله تعالى لتنورها بنوره {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ } عليكم {إِخْوَانًا } في الدين {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ ٱلنَّارِ } وهي مهوى الطبيعة الفاسقة وجهنم الحرمان {أية : فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا }تفسير : [آل عمران: 103] بالتواصل الحقيقي بينكم إلى سدرة مقام الروح وروح جنة الذات {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ } كالعلماء العارفين أرباب الاستقامة في الدين {يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ } أي يرشدون الناس إلى الكمال المطلق من معرفة الحق تعالى والوصول إليه {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } المقرب إلى الله تعالى {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } المبعد عنه تعالى {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }تفسير : [آل عمران: 104] الذين لم يبق لهم حجاب وهم خلفاء الله تعالى في أرضه {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ } واتبعوا الأهواء والبدع {وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ } الحجج العقلية والشرعية الموجبة للاتحاد واتفاق الكلمة {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } تفسير : [آل عمران: 105] وهو عذاب الحرمان من الحضرة {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } قالوا: ابيضاض الوجه عبارة عن تنور وجه القلب بنور الحق المتوجه إليه والإعراض عن الجهة السفلية النفسانية المظلمة ولا يكون ذلك إلا بالتوحيد واسوداده ظلمة وجه القلب بالإقبال على النفس الطالبة لحظوظها والإعراض عن الجهة العلوية النورانية {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ } فيقال لهم {أَكْفَرْتُمْ } أي احتجبتم عن الحق بصفات النفس {بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } أي تنوركم بنور الاستعداد وصفاء الفطرة وهداية العقل {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } وهو عذاب الاحتجاب عن الحق {أية : بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } تفسير : [آل عمران: 106] به {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ } الخاصة التي هي شهود الجمال {أية : هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [آل عمران: 107] باقون بعد الفناء {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ } من مكامن الأزل {لِلنَّاسِ } أي لنفعهم {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } الموصل إلى مقام التوحيد {وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } وهو القول بتحقق الكثرة على الحقيقة {وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ } كإيمانكم / {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } مما هم عليه {مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } كإيمانكم {أية : وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [آل عمران: 110] الخارجون عن حرم الحق {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } وهو الإنكار عليكم بالقول {وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ } ولم يكتفوا بذلك الإيذاء {يُوَلُّوكُمُ ٱلأَْدُبَارَ } ولا ينالون منكم شيئاً لقوة بواطنكم وضعفهم {أية : ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } تفسير : [آل عمران: 111] لا ينصرهم أحد أصلاً بل يبقون مخذولين لعدم ظهور أنوار الحق عليهم، والله تعالى الموفق.

ابن عاشور

تفسير : يعود ضمير (عليهم) إلى {أية : وأكثرهم الفاسقون}تفسير : [آل عمران: 110] وهو خاص باليهود لا محالة، وهو كالبيان لقوله {ثم لا ينصرون}. والجملة بيَانيّة لذكر حال شديد من شقائهم في الدنيا. ومعنى ضرب الذلّة اتَّصالها بهم وإحاطتها، ففيه استعارة مكنية وتبعية شبّهت الذلّة، وهي أمر معقول، بقية أو خيمة شملتهم وشبّه اتّصالها وثباتها بضرب القبة وشَدّ أطنابها، وقد تقدّم نظيره في البقرة. و{ثُقفُوا} في الأصل أخذوا في الحرب {أية : فإمّا تثقفنّهم في الحرب}تفسير : [الأنفال: 57] وهذه المادة تدلّ على تمكّن من أخذ الشيء، وتصرّف فيه بشدّة، ومنها سمي الأسْر ثِقافاً، والثقاف آلة كالكلُّوب تكسر به أنابيب قنا الرّماح. قال النابغة: شعر : عَضّ الثِّقَافِ على صُمّ الأنَابِيب تفسير : والمعنى هنا: أينما عثر عليهم، أو أينما وجدوا، أي هم لا يوجدون إلا محكومين، شبّه حال ملاقاتهم في غير الحرب بحال أخذ الأسير لشدّة ذلّهم. وقوله {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} الحبل مستعار للعهد، وتقدّم ما يتعلق بذلك عند قوله تعالى {أية : فقد استمسك بالعروة الوثقى}تفسير : في سورة البقرة (256) وعهد الله ذمّته، وعهد النَّاس حلفهم، ونصرهم، والاستثناء من عموم الأحوال وهي أحوال دلّت عليها الباء التي للمصاحبة. والتَّقدير: ضربت عليهم الذلّة متلبِّسين بكُلّ حال إلاّ متلبّسين بعهد من الله وعهد من النَّاس، فالتَّقدير: فذهبوا بذلّة إلاّ بحبل من الله. والمعنى لا يسلمون من الذلّة إلاّ إذا تلبَّسُوا بعهد من الله، أي ذمّة الإسلام، أو إذا استنصروا بقبائل أولى بأس شديد، وأمّا هم في أنفسهم فلا نصر لهم. وهذا من دلائل النُّبوّة فإنّ اليهود كانوا أعزّة بيشربَ وخيبر والنضير وقريظة، فأصبحوا أذلّة، وعمَّتهم المذلّة في سائر أقطار الدنيا. {وباءوا بغضب من الله} أي رجعوا وهو مجاز لمعنى صاروا إذ لا رجوع هنَا. والمسكنة الفقر الشَّديد مشتقة من اسم المسكين وهو الفقير، ولعلّ اشتقاقه من السكون وهو سكون خيالي أطلق على قلّة الحيلة في العيش. والمراد بضرب المسكنة عليهم تقديرها لهم وهذا إخبار بمغيّب لأن اليهود المخبر عنهم قد أصابهم الفقر حين أخذت منازلهم في خيبر والنَّضِير وقينُقاع وقُريظةَ، ثُمّ بإجلائهم بعد ذلك في زمن عمر. الإشارة إلى ضرب الذلّة المأخوذ من {ضربت عليهم الذلّة}. ومعنى {يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء} تقدّم عند قوله تعالى: {أية : إنّ الذين يكفرون بآيات الله}تفسير : [آل عمران: 21] أوائل هذه السورة. وقوله: {ذلك بما عَصوا وكانوا يعتدون} يحتمل أن يكون إشارة إلى كفرهم وقتلهم الأنبياء بغير حقّ، فالباء سبب السبب، ويحتمل أن يكون إشارة ثانية إلى ضرب الذلّة والمسكنة فيكون سبباً ثانياً. (وما) مصدرية أي بسبب عصيانهم واعتدائهم، وهذا نشر على ترتيب اللفّ فكفرهم بالآيات سببه العصيان، وقتلهم الأنبياء سببه الاعتداء.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَبَآءُوا} {بِآيَاتِ} (112) - ضَرَبَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ وَألْزَمَهُمْ بِها، وَجَعَلَهَا لَهُمْ مَصِيراً أيْنَمَا وُجِدُوا. وَلاَ يَعْصِمُهُمْ مِنْ بَأسِ المُسْلِمِينَ إلاَّ دُخُولُهُمْ فِي ذِمَّتِهِمْ، فَيَعْصِمُ ذَلِكَ دِمَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ إلاّ بِحَقِّهَا، أَيْ إنَّهُمْ لاَ تَعْصِمُهُمْ مِنْ بَأْسِ المُسْلِمِينَ إِلاَّ ذِمَّةُ الله، وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ. وَرَجَعَ هَذَا الفَرِيقُ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ، مِنْ عِدَائِهِمْ لِلإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ، يَحْمِلُونَ غَضَبَ اللهِ، وَيَسْتَوْجِبُونَ سَخَطَهُ. وَألْزَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالاسْتِكَانَةِ وَالخُضُوعِ لِغَيْرِهِمْ؛ لأَنَّهُمْ عَصَوْا وَاعْتَدَوْا فِي دِينِهِ عَلَى الحُرُمَاتِ: فَقَدْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ، وَاعْتَدَوْا عَلَى حُدُودِ اللهِ، وَقَتَلُوا الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَتَلُوا الذِينَ يَأْمُرُونَ بِالعَدْلِ مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا مَا يَجْعَلُهُمْ أهْلاً لِلْعَذابِ، وَلِمَا فَرَضَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالمَسْكَنَةِ. بَاءَ - حَمَلَ أوْ لَبِثَ وَحَلَّ. ثَقِفَ - وَجَدَ وَأدْرَكَ. المَسْكَنَةُ - فَقْرُ النَّفْسِ وَشُحُّهَا. حَبْلٌ مِنَ اللهِ - عَهْدٌ مِنَ اللهِ وَهُوَ الإِسْلاَمُ. ضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ - فُرِضَتْ عَلَيهِمْ وَألْزِمُوا بِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونحن نستخدم كلمة "ضرب" في النقود، عندما نقول: ضرب هذا الجنيه في مصر، ومعنى ذلك أن الصانع يقوم بصنع قالب من مادة أكثر صلابة، من المادة التي يصنع منها النقد ويرسم فيها الحفريات التي تبزر الكتاب والصور على وجهي الجنيه، ثم يصب المادة في ذلك القالَب، وتخضع للقالب فتبرز الكتابة والصور، ولا تتأبى المادة على القالب. كأن "ضُرب" معناها "أُلزم" بالبناء للمجهول فيهما، وكأن المادة المصنوعة تَلْزَمُ القالبَ الذي تصب فيه ولا تتأبى عليه ولا يمكن أن تتشكل إلاّ به. إذن فالضرب معناه الإلزام والقسر على الفعل. وعندما يقول الحق: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} [آل عمران: 112] أي لزمتهم الذلة لا يستطيعون الانفكاك عنها أبداً، كما لا يستطيع المعدن المضروب نقدا أن ينفك عن القالب الذي صك عليه، وكأن الذلة قبة ضربت عليهم، وقالب لهم، وقول الحق: {أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ} [آل عمران: 112] تفيد أنهم أذلاء أينما وُجدوا في أي مكان. ولكن هناك استثناء لذلك، ما هو؟ إنه قول الحق: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 112] إنهم لا يعانون من الذلة في حالة وجود عهدٍ من الله أو عهد من أناس أقوياء أن يقدموا لهم الحماية: فلما كانوا في عهد الله أولاً وعهد رسوله ساعة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأعطاهم العهد، فكانوا آمنين، ولما خانوا العهد، ولم يُوفوا به؛ ماذا حدث؟ ضُربت عليهم الذلة مرة أخرى. إذن لقد كانوا في عهد الله آمنين لكنهم خانوا العهد، وانقطع حبل الله عنهم، فهيجوا الهيجة التي عرفناها ونزل بهم ما نزل، وهو ما حدث لبني قينقاع ولبني النضير وبني قريظة ويهود خبير. إذن فهم قبل ذلك كانوا في عهد مع الله. وأنتم تعرفون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما نزل المدينة بني المسجد وعقد العهد بينه وبين اليهود وعاشوا في اطمئنان إلى أن خانوا العهد، فضربت عليهم الذلة. وطُردوا من المدينة، كما يقول الحق: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 112]. لقد أخذوا العهد من الله من خلال من له الولاية على الناس، فالرسول في عهده كان قائماً على أمر المسلمين، وكذلك يكون الأمر معهم في ظل القائمين على أمر الإسلام، ويحدث هذا عندما تسير الأمور بمنهج الإسلام. أما عن حبل الناس فذلك لأنهم لا يملكون أي عزة ذاتية، إنهم دائماً في ذلة إلا أن يبتغوا العزة من جانب عهد وحبل من الله، أو من جانب حماية من الناس. ونحن نراهم على هذا الحال في حياتنا المعاصرة، لا بد لهم من العيش في كنف أحد؛ لذلك فعندما حاربنا "إسرائيل" في حرب أكتوبر، انتصرنا عليهم إلى أن تدخلت أمريكا بثقلها العسكري. فقال رئيس الدولة المصري: "لا جَلَدَ لي أن أحارب أمريكا". إذن لو كانت الحرب بيننا وبينهم فقط لانتهت قوتهم؛ فهم بلا عزة ذاتية، وتكون لهم عزة لو كانوا في جانب حبل من الله، أو حبل من الناس. يقول الحق سبحانه عنهم من بعد ذلك: {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ} [آل عمران: 112] ولنا أن نلاحظ أن الذلة لها استثناء، فهم ينالون العزة لو كانوا بجانب حبل من الله أو حبل من الناس، أما المسكنة، فلا استثناء فيها، وقد قال الحق عنهم في موضع آخر في القرآن الكريم: {أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ..}تفسير : [البقرة: 61]. لأن المسكنة أمر ذاتي في النفس، إنهم مساكين بأمر من الله، أما الذلة فقد يأتي لهم من ينصرهم ويقف بجانبهم؛ فالذلة أمر من خارج، أما المسكنة فهي في ذاتيتهم، وعندما تكون المسكنة ذاتية، فلا إنقاذ لهم منها؛ لأنه لا حبل من الله يأتيهم فينجيهم منها، ولا حبل من الناس يعصمهم من آثارها. ويقول الحق: {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 112] وهل رأى أحد منا غضباً أكبر من أن الحق قد قطعهم في الأرض؟ ولنقرأ قول الله: {أية : وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ..}تفسير : [الأعراف: 168]. المكان الوحيد الذي آواهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الجزيرة العربية في يثرب، واستقروا قليلاً، وصارت لهم سيادة علمية؛ لأنهم أهل كتاب، وصارت لهم سيادة اقتصادية، وكذلك سيادة حربية، وهذا المكان الذي أواهم من الشتات في الأرض هو المكان نفسه الذي تمردوا عليه. لقد كان السبب الذي من أجله قد جاءوا إلى يثرب هو ما كانوا يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة؛ ففي التوراة جاء ما يفيد أن نبياً سيأتي في هذا المكان ولابد أن يتبعوه كالميثاق الذي قلنا عليه من قبل: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ}تفسير : [آل عمران: 81]. وهذا الميثاق يقضي بأن يتولى الرسل بلاغ الأمم التي بُعِثوا إليها، وأن يُبلغ أهلُ الإيمان القادمين من بعدهم بأن هناك رسولاً قادماً من عند الله بالمنهج الكامل. واليهود لم يأتوا إلى يثرب إلا على أمل أن يتلقفوا النبي المنتظر ليؤمنوا به، ومن بعد ذلك يكونون حرباً على الكافرين بالله، لكن ما الذي حدث؟ إنه سبحانه يخبرنا بما حدث منهم في قوله: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ..}تفسير : [البقرة: 89]. فماذا بعد أن باءوا بغضب من الله. وبعد أن ختم الله قالبهم بالمسكنة؟ وما السبب؟ تكون الإجابة من الحق سبحانه: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 112] لقد أرسل الله لهم آيات عجيبة ولكنهم كفروا بها، تلك الآيات التي جاءنا ذكر منها في قوله الحق: {أية : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ..}تفسير : [البقرة: 57]. كثير من الآيات أرسلها الحق لبني إسرائيل، منها ما جاء في قوله الحق: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}تفسير : [البقرة: 63]. ولكنهم تولوا عن الإيمان وأمامهم ضرب موسى عليه السلام الحجر بالعصا فانفجرت منه عيون المياه ليشربوا. {أية : وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ..}تفسير : [البقرة: 60]. وبرغم ذلك فقد قاموا بقتل الأنبياء بغير حق. وادعوا الكذب على أنبيائهم وقتلوهم، وفي شأنهم يقول الحق: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112] كَانَ العصيان سبباً لأن تُضرب عليهم الذلة، وأن يبوءوا بغضب من الله، وأن تُضرب عَليهم المسكنة، وكل ذلك ناشئ من فعلهم. وهناك فرق بين أن يبدأهم الله بفعل، وبين أن يعاقبهم الله على فعل، وحتى نفهم ذلك فلنقرأ قوله الحق: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً}تفسير : [النساء: 160]. لقد حرم الله عليهم الطيبات بظلم منهم لأنفسهم، لأن معنى تحريم الطيبات أن الله حرمهم متعة في طيب، وذلك لأنهم استحلوا متعة في غير طيب؛ لأن مرادات الشارع تأتي على عكس مرادات الخارجين عن أمر الشارع. وكما قلنا من قبل: إنّ الحق سبحانه وتعالى يؤرخ للحق وللواقع ولا يشملهم كلهم بحديث يجمعهم جميعاً، فقد كان منهم أناس تراودهم فكرة الإيمان بالرسول، وفكرة الإيمان بالقرآن، ومنهم من آمن فعلاً؛ لذلك كان من عدل الله أن يفصل بين الذين يفكرون في الإيمان والمصرين على الكفر. لذلك يقول سبحانه: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} معناهُ بانوا بِهِ. تفسير : وقوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ} معناهُ أُلْزِمُوا.

الجيلاني

تفسير : لذلك { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} والصغار والهوان {أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ} وجدوا، صاروا مهانين، صاغرين {إِلاَّ} المعتصمين منهم {بِحَبْلٍ} موفق {مِّنَ} عند {ٱللَّهِ} وهو الانقياد لدين الإسلام {وَحَبْلٍ} عهد وثيق، وذمة {مِّنَ ٱلنَّاسِ وَ} بعدما {بَآءُوا} رجعوا عن تصديق دين الإسلام المنزل لخير الأنام، استحقوا {بِغَضَبٍ} نازل عظيم {مِّنَ ٱللَّهِ وَ} لا يمكنهم دفعه؛ إذ {ضُرِبَتْ} تمكنت وتقررت {عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ} المذمومة الناشئة من خباثة طينتهم، لا ترجى عزتهم أصلاً. {ذٰلِكَ} أي: ضرب الذلة والمسكنة، والصغار والهوان عليهم {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ} في أوان عزتهم وعظمتهم {يَكْفُرُونَ} يكذبون ويستهزئون {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} المنزلة من عنده {وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} بلا رخصة شرعية {ذٰلِكَ} الكفر والقتل الصادر منهم {بِمَا عَصَوْاْ} أي: بسبب عصيانهم وخروجهم عن إطاعة أمر الله، والانقياد لأحكامه عتواً وعناداً {وَّ} متى عصوا {كَانُواْ يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112] يتجاوزون عن حدود الله بالمرة، ويقتلون من يقيمها استكباراً. {لَيْسُواْ} أي: ليس جميع أهل الكتاب {سَوَآءً} مستوية الأقدام في الاعتدال والإنكار، بل {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} أيضاً {أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} مستقيمة على صراط العدل {يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على توحديه {آنَآءَ ٱللَّيْلِ} أي: جميع آنائه {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113] يصلون خاضعين، متذللين، واضعين جباههم على تراب المذلة؛ تعظيماً له، وخوفاً من خشيته، ورجاء من سعة رحمته. وذلك لأنهم {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} أي: بوحدانيته {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} بصدقه وحقيته {وَ} مع ذلك {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} المبرات المؤدية إلى إسقاط الإضافات وقطع التعليقات المستلزمة لرفع التعيينات الحاجبة عن شهود الذات {وَأُوْلَـٰئِكَ} المتصفون منهم بهذه الصفات {مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 114] لسلوك طريق الحق، المستحقين للوصول إلى سواء التوحيد الذي هو السواد الأعظم، المشار إليه في الحديث النبوي، صلوات الله على قائله. {وَمَا يَفْعَلُواْ} هؤلاء الموصوفون منهم {مِنْ خَيْرٍ} طالبين فيه رضاء الله، راجين ثوابه حقاً خائفين من عقابه {فَلَنْ يُكْفَروهُ} أي: لن ينقصوا من أجره، بل يزادوا ويضاعفوا {وَٱللَّهُ} الهادي لجميع العباد {عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115] منهم، فيجازيهم على مقتضى علمه، وحسب لطفه وكرمه. أدركنا بلطفك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

همام الصنعاني

تفسير : 448- عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ}: [الآية: 112]، قال: بعهدٍ من الله، وعهدٍ من الناس.