٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
113
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في قوله {لَيْسُواْ سَوَاء } قولين أحدهما: أن قوله {لَيْسُواْ سَوَاء } كلام تام، وقوله {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } كلام مستأنف لبيان قوله {لَيْسُواْ سَوَاء } كما وقع قوله {أية : تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } تفسير : [آل عمران: 110] بياناً لقوله {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } تفسير : [آل عمران: 110] والمعنى أن أهل الكتاب الذين سبق ذكرهم ليسوا سواء، وهو تقرير لما تقدم من قوله {مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ }، ثم ابتدأ فقال: {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } وعلى هذا القول احتمالان أحدهما: أنه لما قال: {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } كان تمام الكلام أن يقال: ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر وتحقيقه أن الضدين يعلمان معاً، فذكر أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما، فلا جرم يحسن إهمال الضد الآخر. قال أبو ذؤيب:شعر : دعاني إليها القلب إني لامرؤ مطيع فلا أدري أرشد طلابها تفسير : أراد (أم غي) فاكتفى بذكر الرشد عن ذكر الغي، وهذا قول الفراء وابن الأنباري، وقال الزجاج: لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة، لأن ذكر الأمة المذمومة قد جرى فيما قبل هذه الآيات فلا حاجة إلى إضمارها مرة أخرى، لأنا قد ذكرنا أنه لما كان العلم بالضدين معاً كان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر، وهذا كما يقال زيد وعبد الله لا يستويان زيد عاقل ديّن زكي، فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك، فكذا ههنا لما تقدم قوله {لَيْسُواْ سَوَاء } أغنى ذلك عن الإضمار. والقول الثاني: أن قوله {لَيْسُواْ سَوَاء } كلام غير تام ولا يجوز الوقف عنده، بل هو متعلق بما بعده، والتقدير: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وأمة مذمومة، فأمة رفع بليس وإنما قيل {لَّيْسُواْ } على مذهب من يقول: أكلوني البراغيث، وعلى هذا التقدير لا بد من إضمار الأمة المذمومة وهو اختيار أبي عبيدة إلا أن أكثر النحويين أنكروا هذا القول لاتفاق الأكثرين على أن قوله أكلوني البراغيث وأمثالها لغة ركيكة، والله أعلم. المسألة الثانية: يقال فلان وفلان سواء، أي متساويان وقوم سواء، لأنه مصدر لا يثنى ولا يجمع ومضى الكلام في {سَوَآء } في أول سورة البقرة. المسألة الثالثة: في المراد بأهل الكتاب قولان الأول: وعليه الجمهور: أن المراد منه الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام، روي أنه لما أسلم عبد الله بن سلاّم وأصحابه قال لهم بعض كبار اليهود: لقد كفرتم وخسرتم، فأنزل الله تعالى لبيان فضلهم هذه الآية، وقيل: إنه تعالى لما وصف أهل الكتاب في الآية المتقدمة بالصفات المذمومة ذكر هذه الآية لبيان أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك، بل فيهم من يكون موصوفاً بالصفات الحميدة والخصال المرضية، قال الثوري: بلغني أنها نزلت في قوم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء، وعن عطاء: أنها نزلت في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثلاثة من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد عليه الصلاة والسلام. والقول الثاني: أن يكون المراد بأهل الكتاب كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان، وعلى هذا القول يكون المسلمون من جملتهم، قال تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } تفسير : [فاطر: 32] ومما يدل على هذا ما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: «حديث : أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى هذه الساعة غيركم» تفسير : وقرأ هذه الآية، قال القفال رحمه الله: ولا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب، فقيل ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأقاموا صلاة العتمة في الساعة التي ينام فيها غيرهم من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا، ولم يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فسماهم الله بأهل الكتاب، كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة والمسلمون الذين سماهم الله بأهل الكتاب حالهم وصفتهم هكذا، يستويان؟ فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً لما تقدم من قوله {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } تفسير : [آل عمران: 110] وهو كقوله {أية : أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ } تفسير : [السجدة: 18] ثم اعلم أنه تعالى مدح الأمة المذكورة في هذه الآية بصفات ثمانية. الصفة الأولى: أنها قائمة وفيها أقوال الأول: أنها قائمة في الصلاة يتلون آيات الله آناء الليل فعبّر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل وهو كقوله{أية : وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وَقِيَـٰماً } تفسير : [الفرقان: 64] وقوله {أية : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ } تفسير : [المزمل: 20] وقوله {أية : قُمِ ٱلَّيْلَ } تفسير : [المزمل: 2] وقوله {أية : وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } تفسير : [البقرة: 238] والذي يدل على أن المراد من هذا القيام في الصلاة قوله {وَهُمْ يَسْجُدُونَ } والظاهر أن السجدة لا تكون إلا في الصلاة. والقول الثاني: في تفسير كونها قائمة: أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق ملازمة له غير مضطربة في التمسك به كقوله {أية : إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } تفسير : [آل عمران: 75] أي ملازماً للاقتضاء ثابتاً على المطالبة مستقصياً فيها، ومنه قوله تعالى: {أية : قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } تفسير : [آل عمران: 18]. وأقول: إن هذه الآية دلّت على كون المسلم قائماً بحق العبودية وقوله {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } يدل على أن المولى قائم بحق الربوبية في العدل والإحسان فتمت المعاهدة بفضل الله تعالى كما قال: {أية : أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } تفسير : [البقرة: 40] وهذا قول الحسن البصري، واحتج عليه بما روي أن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله: إن أناساً من أهل الكتاب يحدثوننا بما يعجبنا فلو كتبناه، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال: حديث : أمتهوكون أنتم يا ابن الخطاب كما تهوكت اليهودتفسير : ، قال الحسن: متحيرون مترددون «حديث : أما والذي نفسي بيده لقد أتيتكم بها بيضاء نقية» تفسير : وفي رواية أخرى قال عند ذلك: «حديث : إنكم لم تكلفوا أن تعملوا بما في التوراة والإنجيل وإنما أمرتم أن تؤمنوا بهما وتفوضوا علمهما إلى الله تعالى، وكلفتم أن تؤمنوا بما أنزل علي في هذا الوحي غدوةً وعشياً والذي نفس محمد بيده لو أدركني إبراهيم وموسى وعيسى لآمنوا بي واتبعوني» تفسير : فهذا الخبر يدل على أن الثبات على هذا الدين واجب وعدم التعلق بغيره واجب، فلا جرم مدحهم الله في هذه الآية بذلك فقال: {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }. القول الثالث: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } أي مستقيمة عادلة من قولك: أقمت العود فقام بمعنى استقام، وهذا كالتقرير لقوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ }. الصفة الثانية: قوله تعالى: {يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَاء ٱلَّيْلِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: (يتلون ويؤمنون) في محل الرفع صفتان لقوله {أُمَّة } أي أمة قائمة تالون مؤمنون. المسألة الثانية: التلاوة القراءة وأصل الكلمة من الاتباع فكأن التلاوة هي اتباع اللفظ اللفظ. المسألة الثالثة: آيات الله قد يراد بها آيات القرآن، وقد يراد بها أصناف مخلوقاته التي هي دالة على ذاته وصفاته والمراد ههنا الأولى. المسألة الرابعة: {ءاناء الليل} أصلها في اللغة الأوقات والساعات وواحدها إنا، مثل: معى وأمعاء وإنى مثل نحى وإنحاء، مكسور الأول ساكن الثاني، قال القفال رحمه الله، كأن الثاني مأخوذ منه لأنه انتظار الساعات والأوقات، وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أخر المجيء إلى الجمعة «حديث : آذيت وآنيت»تفسير : أي دافعت الأوقات. الصفة الثالثة: قوله تعالى: {وَهُمْ يَسْجُدُونَ } وفيه وجوه الأول: يحتمل أن يكون حالاً من التلاوة كأنهم يقرؤن القرآن في السجدة مبالغة في الخضوع والخشوع إلا أن القفال رحمه الله روى في «تفسيره» حديثاً: أن ذلك غير جائز، وهو قوله عليه السلام: «حديث : ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً» تفسير : الثاني: يحتمل أن يكون كلاماً مستقلاً والمعنى أنهم يقومون تارة يبتغون الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله تعالى وهو كقوله {أية : وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وَقِيَـٰماً } تفسير : [الفرقان: 64] وقوله {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاء ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ } تفسير : [الزمر: 9] قال الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه، وهذا على معنى إرادة الراحة وإزالة التعب وإحداث النشاط الثالث: يحتمل أن يكون المراد بقوله {وَهُمْ يَسْجُدُونَ } أنهم يصلون وصفهم بالتهجد بالليل والصلاة تسمى سجوداً وسجدة وركوعاً وركعة وتسبيحاً وتسبيحة، قال تعالى: {أية : وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ } تفسير : [البقرة: 43] أي صلوا وقال: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } تفسير : [الروم: 17] والمراد الصلاة الرابع: يحتمل أن يكون المراد بقوله {وَهُمْ يَسْجُدُونَ } أي يخضعون ويخشعون لله لأن العرب تسمي الخشوع سجوداً كقوله {أية : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [النحل: 49] وكل هذه الوجوه ذكرها القفال رحمه الله. الصفة الرابعة: قوله {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } واعلم أن اليهود كانوا أيضاً يقومون في الليالي للتهجد وقراءة التوراة، فلما مدح المؤمنين بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } وقد بينا أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله ولا يحترزون عن معاصي الله، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد. واعلم أن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وأفضل الأعمال الصلاة وأفضل الأذكار ذكر الله، وأفضل المعارف معرفة المبدأ ومعرفة المعاد، فقوله {يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } إشارة إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم وقوله {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم فكان هذا إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية، وذلك أكمل أحوال الإنسان، وهي المرتبة التي يقال لها: إنها آخر درجات الإنسانية وأول درجات الملكية. الصفة الخامسة: قوله {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ }. الصفة السادسة: قوله {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } واعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاماً وفوق التمام فكون الإنسان تاماً ليس إلا في كمال قوته العملية والنظرية وقد تقدم ذكره، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين، وذلك بطريقين، إما بإرشادهم إلى ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف، أو بمنعهم عما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر، قال ابن عباس رضي الله عنهما: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } أي بتوحيد الله وبنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } أي ينهون عن الشرك بالله، وعن إنكار نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، واعلم أن لفظ المعروف والمنكر مطلق فلم يجز تخصيصه بغير دليل، فهو يتناول كل معروف وكل منكر. الصفة السابعة: قوله {وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } وفيه وجهان أحدهما: أنهم يتبادرون إليها خوف الفوت بالموت، والآخر: يعملونها غير متثاقلين. فإن قيل: أليس أن العجلة مذمومة قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : العجلة من الشيطان والتأني من الرحمٰن» تفسير : فما الفرق بين السرعة وبين العجلة؟ قلنا: السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين، لأن من رغب في الأمر، آثر الفور على التراخي، قال تعالى: {أية : وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } تفسير : [آل عمران: 133] وأيضاً العجلة ليست مذمومة على الإطلاق بدليل قوله تعالى: {أية : وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لِتَرْضَىٰ } تفسير : [طه: 84]. الصفة الثامنة: قوله {وَأُوْلَـئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } والمعنى وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى ورضيهم، واعلم أن الوصف بذلك غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول، أما القرآن، فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال: بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم {أية : وَأَدْخَلْنَـٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [الأنبياء: 86] وذكر حكاية عن سليمان عليه السلام أنه قال: {أية : وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [النمل: 19] وقال: {أية : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَـٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [التحريم: 4] وأما المعقول فهو أن الصلاح ضد الفساد، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون، فقد حصل الصلاح، فكان الصلاح دالاً على أكمل الدرجات. ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال: {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } بالياء على المغايبة، لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب، يتلون ويسجدون ويؤمنون ويأمرون وينهون ويسارعون، ولن يضيع لهم ما يعلمون، والمقصود أن جهال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلاّم إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان، قال تعالى بل فازوا بالدرجات العظمى، فكان المقصود تعظيمهم ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال، ثم هذا وإن كان بحسب اللفظ يرجع إلى كل ما تقدم ذكره من مؤمني أهل الكتاب، فإن سائر الخلق يدخلون فيه نظراً إلى العلة. وأما الباقون فإنهم قرؤا بالتاء على سبيل المخاطبة فهو ابتداء خطاب لجميع المؤمنين على معنى أن أفعال مؤمني أهل الكتاب ذكرت، ثم قال: وما تفعلوا من خير معاشر المؤمنين الذين من جملتكم هؤلاء، فلن تكفروه، والفائدة أن يكون حكم هذه الآية عاماً بحسب اللفظ في حق جميع المكلفين، ومما يؤكد ذلك أن نظائر هذه الآية جاءت مخاطبة لجميع الخلائق من غير تخصيص بقوم دون قوم كقوله {أية : وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ } تفسير : [البقرة: 197] {وما تفعلوا من خير يوف إليكم} {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ } وأما أبو عمرو فالمنقول عنه أنه كان يقرأ هذه الآية بالقراءتين. المسألة الثانية: {فَلَنْ تكفروه} أي لن تمنعوا ثوابه وجزاءه وإنما سمي منع الجزاء كفر لوجهين الأول: أنه تعالى سمى إيصال الثواب شكراً قال الله تعالى: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ } تفسير : [البقرة: 158] وقال: {أية : فَأُولَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } تفسير : [الإسراء: 19] فلما سمى إيصال الجزاء شكراً سمى منعه كفراً والثاني: أن الكفر في اللغة هو الستر فسمي منع الجزاء كفراً، لأنه بمنزلة الجحد والستر. فإن قيل: لم قال: {فَلَنْ تكفروه} فعداه إلى مفعولين مع أن شكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد يقال شكر النعمة وكفرها. قلنا: لأنا بينا أن معنى الكفر ههنا هو المنع والحرمان، فكان كأنه قال: فلن تحرموه، ولن تمنعوا جزاءه. المسألة الثالثة: احتج القائلون بالموازنة من الذاهبين إلى الإحباط بهذه الآية فقال: صريح هذه الآية يدل على أنه لا بد من وصول أثر فعل العبد إليه، فلو انحبط ولم ينحبط من المحبط بمقداره شيء لبطل مقتضى هذه الآية، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7، 8]. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ } والمعنى أنه تعالى لما أخبر عن عدم الحرمان والجزاء أقام ما يجري مجرى الدليل عليه وهو أن عدم إيصال الثواب والجزاء إما أن يكون للسهو والنسيان وذلك مُحالٌ في حقِّه؛ لأنه عليم بكل المعلومات، وإما أن يكون للعجز والبخل والحاجة وذلك محال لأنه إلٰه جميع المحدثات، فاسم الله تعالى يدل على عدم العجز والبخل والحاجة، وقوله {عَلِيمٌ } يدل على عدم الجهل، وإذا انتفت هذه الصفات امتنع المنع من الجزاء، لأن منع الحق لا بد وأن يكون لأجل هذه الأمور والله أعلم، إنما قال: {عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ } مع أنه عالم بالكل بشارة للمتقين بجزيل الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى.
ابن كثير
تفسير : قال ابن أبي نجيح: زعم الحسن بن يزيد العجلي، عن ابن مسعود في قوله تعالى: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهكذا قال السدي. ويؤيد هذا القول الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو النضر وحسن بن موسى، قالا: حدثنا شيبان عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: «حديث : أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم»تفسير : قال: فنزلت هذه الآيات {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} ـ إلى قوله: ـ {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} والمشهور عند كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وأسد بن عبيد، وثعلبة بن سَعْيَة، وأسيد بن سَعْيَة، وغيرهم، أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب، وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: {لَيْسُواْ سَوَآءً} أي: ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن، ومنهم المجرم، ولهذا قال تعالى: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله، فهي قائمة، يعني: مستقيمة {يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم { يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة: {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ للَّهِ}تفسير : [آل عمران: 199] الآية، ولهذا قال تعالى ههنا: {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ} أي: لا يضيع عند الله، بل يجزيهم به أوفر الجزاء {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} أي: لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملاً. ثم قال تعالى مخبراً عن الكفرة المشركين بأنه: {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئًا} أي: لا يرد عنهم بأس الله ولا عذابه إذا أراده بهم {وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ}. ثم ضرب مثلاً لما ينفقه الكفار في هذه الدار، قاله مجاهد والحسن والسدي فقال تعالى: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هِـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} أي: برد شديد، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم. وقال عطاء: برد وجليد، وعن ابن عباس أيضاً ومجاهد {فِيهَا صِرٌّ} أي: نار، وهو يرجع إلى الأول، فإن البرد الشديد، ولا سيما الجليد، يحرق الزروع والثمار، كما يحرق الشيء بالنار {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} أي: فأحرقته، يعني بذلك السفعة إذا نزلت على حرث قد آن جذاذه أو حصاده، فدمرته، وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته، فعدمه صاحبه أحوج ما كان إليه، فكذلك الكفار يمحق الله ثواب أعمالهم في هذه الدنيا وثمرتها، كما أذهب ثمرة هذا الحرث بذنوب صاحبه، وكذلك هؤلاء بنوها على غير أصل وعلى غير أساس {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَيْسُواْ } أي أهل الكتاب {سَوَآء } مستوين {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌ قآئِمَةٌ } مستقيمة ثابتة على الحق كعبد الله بن سلام رضي الله عنه وأصحابه {يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ } أي في ساعاته {وَهُمْ يَسْجُدُونَ } يُصَلُّونَ، حال.
الشوكاني
تفسير : قوله: {لَيْسُواْ سَوَاء } أي: أهل الكتاب غير مستوين بل مختلفين، والجملة مستأنفة سبقت لبيان التفاوت بين أهل الكتاب. وقوله: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } هو استئناف أيضاً يتضمن بيان الجهة التي تفاوتوا فيها من كون بعضهم أمة قائمة إلى قوله: {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } قال الأخفش: التقدير من أهل الكتاب ذو أمة، أي: ذو طريقة حسنة وأنشد:شعر : وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع تفسير : وقيل في الكلام حذف، والتقدير: من أهل الكتاب أمة قائمة، وأخرى غير قائمة، فترك الأخرى اكتفاء بالأولى، كقول أبي ذؤيب:شعر : عَصَيْتُ إلَيْها القَلْب إنِّيَ لأمرِهَا مُطيعٌ فَما أدرى أرشْدٌ طِلابُها؟ تفسير : أراد أرشد أم غيّ. قال الفراء: أمة رفع بسواء، والتقدير: ليس يستوى أمة من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله، وأمة كافرة. قال النحاس: وهذا القول خطأ من جهات: أحدها أنه يرفع أمة بسواء، فلا يعود على اسم ليس شيء، ويرفع بما ليس جارياً على الفعل، ويضمر ما لا يحتاج إليه؛ لأنه قد تقدّم ذكر الكافرة، فليس لإضمار هذا وجه. وقال أبو عبيدة: هذا مثل قولهم أكلوني البراغيث، وذهبوا أصحابك. قال النحاس: وهذا غلط؛ لأنه قد تقدّم ذكرهم، وأكلوني البراغيث لم يتقدم لهم ذكر. انتهى. وعندي أن ما قاله الفراء قويّ قويم، وحاصله أن معنى الآية: لا يستوى أمة من أهل الكتاب شأنها كذا، وأمة أخرى شأنها كذا، وليس تقدير هذا المحذوف من باب تقدير ما لا حاجة إليه، كما قال النحاس، فإن تقدّم ذكر الكافرة لا يفيد مفاد تقدير ذكرها هنا، وأما قوله: إنه لا يعود على اسم ليس شيء، فيردّه أن تقدير العائد شائع مشتهر عند أهل الفن، وأما قوله: ويرفع بما ليس جارياً على الفعل فغير مسلم. والقائمة: المستقيمة العادلة، من قولهم: أقمت العود فقام: أي: استقام. وقوله: {يَتْلُونَ } في محل رفع على أنه صفة ثانية لأمة، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال {آناء الليل} ساعاته، وهو: منصوب على الظرفية. وقوله: {وَهُمْ يَسْجُدُونَ } ظاهره أن التلاوة كائنة منهم في حال السجود، ولا يصح ذلك إذا كان المراد بهذه الأمة الموصوفة في الآية: هم من قد أسلم من أهل الكتاب؛ لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن قراءة القرآن في السجود، فلا بدّ من تأويل هذا الظاهر بأن المراد بقوله: {وَهُمْ يَسْجُدُونَ } وهم يصلون، كما قاله الفراء، والزجاج، وإنما عبر بالسجود عن مجموع الصلاة، لما فيه من الخضوع، والتذلل. وظاهر هذا أنهم يتلون آيات الله في صلاتهم من غير تخصيص لتلك الصلاة بصلاة معينة، وقيل: المراد بها: الصلاة بين العشاءين، وقيل: صلاة الليل مطلقاً. وقوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ } صفة أخرى لأمة: أي: يؤمنون بالله وكتبه ورسله، ورأس ذلك الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وقوله: {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } صفتان أيضاً لأمة: أي: أن هذا من شأنهم، وصفتهم. وظاهره يفيد أنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على العموم؛ وقيل: المراد بالأمر بالمعروف هنا: أمرهم باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والنهي عن المنكر: نهيهم عن مخالفته. وقوله: {وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } من جملة الصفات أيضاً: أي يبادرون بها غير متثاقلين عن تأديتها لمعرفتهم بقدر ثوابها. وقوله {وَأُوْلَـئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي من جملتهم، وقيل: "مِن" بمعنى مع: أي: مع الصالحين، وهم الصحابة رضي الله عنهم، والظاهر أن المراد: كل صالح، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الأمة الموصوفة بتلك الصفات. قوله: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } أيّ: خير كان {فَلَنْ يكفروه} أي: لن تعدموا ثوابه، وعداه إلى المفعولين، وهو لا يتعدّى إلا إلى واحد؛ لأنه ضمنه معنى الحرمان، كأنه قيل: فلن تحرموه، كما قاله صاحب الكشاف. قرأ الأعمش، وابن وثاب، وحفص، ومرة، والكسائي، وخلف بالياء التحتية في الفعلين، وهي قراءة ابن عباس، واختارها أبو عبيد. وقرأ الباقون بالمثناة من فوق فيهما، وكان أبو عمرو يرى القراءتين جميعاً. والمراد: بالمتقين كل من ثبتت له صفة التقوى، وقيل: المراد من تقدّم ذكره، وهم الأمة الموصوفة بتلك الصفة، ووضع الظاهر موضع المضمر مدحاً لهم، ورفعاً من شأنهم. وقوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قيل: هم بنو قريظة، والنضير. قال مقاتل: لما ذكر تعالى مؤمني أهل الكتاب ذكر كفارهم في هذه الآية. والظاهر أن المراد بذلك: كل من كفر بما يجب الإيمان به. ومعنى: {لَن تُغْنِىَ } لن تدفع، وخص الأولاد؛ لأنهم أحبّ القرابة، وأرجاهم لدفع ما ينوبه. وقوله: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ } بيان لعدم إغناء أموالهم التي كانوا يعوّلون عليها. والصرّ: البرد الشديد، أصله من الصرير الذي هو الصوت، فهو: صوت الريح الشديد. وقال الزجاج: صوت لهب النار التي في تلك الريح. ومعنى الآية: مثل نفقة الكافرين في بطلانها، وذهابها، وعدم منفعتها، كمثل زرع أصابه ريح باردة، أو نار فأحرقته، أو أهلكته، فلم ينتفع أصحابه بشيء منه بعد أن كانوا على طمع من نفعه، وفائدته. وعلى هذا فلا بدّ من تقدير في جانب المشبه به، فيقال: كمثل زرع أصابته ريح فيها صرّ، أو مثل إهلاك ما ينفقون، كمثل إهلاك ريح فيها صرّ أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ } أي: المنفقين من الكافرين {وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفر المانع من قبول النفقة التي أنفقوها، وتقديم المفعول لرعاية الفواصل لا للتخصيص؛ لأن الكلام في الفعل باعتبار تعلقه بالفاعل لا بالمفعول. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن منده، وأبو نعيم في المعرفة، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر، عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا، وصدّقوا، ورغبوا في الإسلام، قالت أحبار يهود، وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد، وتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله {لَيْسُواْ سَوَاء..} الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } يقول: مهتدية قائمة على أمر الله لم تنزع عنه، ولم تتركه، كما تركه الآخرون، وضيعوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم قال: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } عادلة. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {آناء الليل} قال: جوف الليل. وأخرج ابن جرير، عن الربيع قال: ساعات الليل. وأخرج عبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود في قوله: {لَيْسُواْ سَوَاء } قال: لا يستوى أهل الكتاب، وأمة محمد: {يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَاء ٱلَّيْلِ } قال: صلاة العتمة هم: يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصلونها. وأخرج أحمد، والنسائي، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني. قال السيوطي: بسند حسن، عن ابن مسعود قال: «أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ليلة، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: حديث : أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم»تفسير : ولفظ ابن جرير، والطبراني فقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب. قال: وأنزلت هذه الآية: {ليسوا سواء}. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن منصور قال: بلغني أنها نزلت هذه الآية: {يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ ءانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } فيما بين المغرب، والعشاء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة {فَلَنْ تكفروه} قال: لن يضلّ عنكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن {فَلَنْ تكفروه} قال: لن تظلموه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في الآية يقول: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ } أي: المشركون، ولا يتقبل منهم، كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون، فأصابه ريح فيها صرّ، فأهلكته، فكذلك أنفقوا، فأهلكهم شركهم. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {فِيهَا صِرٌّ } قال: برد شديد.
الماوردي
تفسير : {لَيْسُوا سَوَاءً، مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَةٌ قَآئِمَةٌ} روي عن ابن عباس أن سبب نزولها أنه أسلم عبد الله ابن سلام وجماعة معه، فقالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلاّ شرارنا، فأنزل الله تعالى: { لَيسُوا سَوَاءً} إلى قوله: { وأولئك مِنَ الصَّالِحِينَ}. {أمةٌ قَائِمَةٌ} فيه ثلاث تأويلات: أحدها: عادلة، وهو قول الحسن، وابن جريج. والثاني: قائمة بطاعة الله، وهو قول السدي. والثالث: يعني ثابتة على أمر الله تعالى، وهو قول ابن عباس، وقتادة، والربيع. {يَتْلُونَ ءَايَاتِ اللهِ ءَانآءَ اللَّيْلِ} فيه تأويلان: أحدهما: ساعات الليل، وهو قول الحسن، والربيع. والثاني: جوف الليل، وهو قول السدي. واختلف في المراد بالتلاوة في هذا الوقت على قولين: أحدهما: صلاة العَتْمَة، وهو قول عبد الله بن مسعود. والثاني: صلاة المغرب والعشاء، وهو قول الثوري. {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني سجود الصلاة. والثاني: يريد الصلاة لأن القراءة لا تكون في السجود ولا في الركوع، وهذا قول الزجاج، والفراء. والثالث: معناه يتلون آيات الله أناء الليل وهم مع ذلك يسجدون. {مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} اختلفواْ في سبب نزولها على قولين: أحدهما: أنها نزلت في أبي سفيان وأصحابه يوم بدر عند تظاهرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنه نزلت في نفقة المنافقين مع المؤمنين في حرب المشركين على جهة النفاق. وفي الصّرِّ تأويلان: أحدهما: هو البرد الشديد، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي. والثاني: أنه صوت لهب النار التي تكون في الريح، وهو قول الزجاج، وأصل الصّر صوت من الصرير. {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: معناه أن ظلمهم اقتضى هلاك زرعهم. والثاني: يعني أنهم ظلموا أنفسهم بأن زرعواْ في غير موضع الزرع وفي غير وقته فجاءت ريح فأهلكته فضرب الله تعالى هذا مثلاً لهلاك نفقتهم.
ابن عطية
تفسير : لما مضت الضمائر في الكفر والقتل والعصيان والاعتداء عامة في جميع أهل الكتاب، عقب ذلك بتخصيص الذين هم على خير وإيمان، وذلك أن أهل الكتاب لم يزل فيهم من هو على استقامة، فمنهم من مات قبل أن يدرك الشرائع فذلك من الصالحين، ومنهم من أدرك الإسلام فدخل فيه. قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا النظر أن جميع اليهود على عوج من وقت عيسى، وتجيء الآية إشارة إلى من أسلم فقط، أو يكون اليهود في معنى الأمة القائمة إلى وقت عيسى، ثم ينتقل الحكم في النصارى، ولفظ {أهل الكتاب} يعم الجميع، والضمير في {ليسوا} لمن تقدم ذكره في قوله {أية : منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} تفسير : [آل عمران: 110] وما قال أبو عبيدة من أن الآية نظيرة قول العرب أكلوني البراغيث خطأ مردود، وكذلك أيضاً ما حكي عن الفراء أن {أمة} مرتفعة بـــ {سواء} على أنها فاعلة كأنه قال: لا تستوي أمة كذا وإن في آخر الكلام محذوفاً معادلاً تقديره وأمة كافرة، فأغنى القسم الأول عن ذكرها ودل عليه كما قال أبو ذؤيب: شعر : عَصَيْتُ إليْها الْقَلْبَ إنّي لأَمْرِها سَمِيعٌ فما أدري أَرُشْدٌ طِلابُها؟ تفسير : المعنى أم غيّ، فاقتصر لدلالة ما ذكر عليه. قال القاضي أبو محمد: وإنما الوجه أن الضمير في {ليسوا} يراد به من تقدم ذكره، و {سواء} خبر ليس، و {من أهل الكتاب} مجرور فيه خبر مقدم، و {أمة} رفع بالابتداء قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وأسيد ابن سعية وأسد بن عبيد ومن أسلم من اليهود، معهم، قال الكفار من أحبار اليهود ما آمن بمحمد إلا شرارنا ولو كانوا خياراً ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله تعالى في ذلك {ليسوا سواء} الآية، وقال مثله قتادة وابن جريج. قال القاضي أبو محمد: وهو أصح التأويلات، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: معنى الآية: ليس اليهود وأمة محمد سواء، وقاله السدي. قال القاضي أبو محمد: فمن حيث تقدم ذكر هذه الأمة في قوله {أية : كنتم خير أمة} تفسير : [آل عمران: 110] وذكر أيضاً اليهود قال الله لنبيه {ليسوا سواء} و {الكتاب} على هذا جنس كتب الله وليس بالمعهود من التوراة والإنجيل فقط، والمعنى: {من أهل الكتاب} وهم أهل القرآن أمة قائمة: واختلف عبارة المفسرين في قوله {قائمة} فقال مجاهد: معناه عادلة، وقال قتادة والربيع وابن عباس: معناه قائمة على كتاب الله وحدوده مهتدية، وقال السدي: القائمة القانتة المطيعة. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يرجع إلى معنى واحد من الاعتدال على أمر الله، ومنه قيل للدنانير أو الدراهم الوازنة قائمة وهذه الآية تحتمل هذا المعنى وأن لا تنظر اللفظة إلى هيئة الأشخاص وقت تلاوة آيات الله، ويحتمل أن يراد بـــ {قائمة} وصف حال التالين في {آناء الليل}، ومن كانت هذه حاله فلا محالة أنه معتدل على أمر الله، وهذه الآية في هذين الاحتمالين مثل ما تقدم في قوله: {أية : إلا ما دمت عليه قائماً} تفسير : [آل عمران: 75] و {يتلون} معناه: يسردون، و {آيات الله} في هذه الآية هي كتبه، و"الآناء": الساعات واحدها "إني" بكسر الهمزة وسكون النون، ويقال فيه "أني" بفتح الهمزة، ويقال "إنَى" بكسر الهمزة وفتح النون والقصر، ويقال فيه "أنى" بفتح الهمزة ويقال "إِنْو" بكسر الهمزة وسكون النون وبواو مضمومة ومنه قول الهذيلي: [البسيط] شعر : حُلْوٌ وَمُرٌّ كَعَطْفِ الْقدْحِ مِرَّتهُ في كلُّ إنيٍ قضاه الليل ينتعل تفسير : وحكم هذه الآية لا يتفق في شخص بأن يكون كل واحد يصلي جميع ساعات الليل وإنما يقوم هذا الحكم من جماعة الأمة، إذا بعض الناس يقوم أول الليل، وبعضهم آخره، وبعضهم بعد هجعة ثم يعود إلى نومه، فيأتي من مجموع ذلك في المدن والجماعات عبارة {آناء الليل} بالقيام، وهكذا كان صدر هذه الأمة، وعرف الناس القيام في أول الثلث الآخر من الليل أو قبله بشيء، وحينئذ كان يقوم الأكثر، والقيام طول الليل قليل وقد كان في الصالحين من يلتزمه، وقد ذكر الله تعالى القصد من ذلك في سورة المزمل، وقيام الليل لقراءة العلم المبتغى به وجه الله داخل في هذه الآية، وهو أفضل من التنفل لمن يرجى انتفاع المسلمين بعلمه، وأما عبارة المفسرين في {آناء الليل}، فقال الربيع وقتادة وغيرهما: {آناء الليل} ساعات الليل، وقال عبد الله بن كثير: سمعنا العرب تقول {آناء الليل} ساعات الليل، وقال السدي: {آناء الليل} جوف الليل. قال القاضي أبو محمد: وهذا قلق، أما ان جوف الليل جزء من الآناء، وقال ابن مسعود: نزلت هذه الآية بسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم احتبس عنا ليلة عن صلاة العشاء وكان عند بعض نسائه فلم يأت حتى مضى ليل، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فقال: أبشروا فإنه ليس أحد من أهل الكتاب يصلي هذه الصلاة، فأنزل الله تعالى: {ليسوا سواء} الآية، فالمراد بقوله: {يتلون آيات الله آناء الليل} صلاة العشاء، وروى سفيان الثوري عن منصور أنه قال: بلغني أن هذه الآية نزلت في المصلين بين العشاءين وقوله تعالى: {وهم يسجدون} ذهب بعض الناس إلى أن السجود هنا عبارة عن الصلاة، سماها بجزء شريف منها كما تسمى في كثير من المواضع ركوعاً، فهي على هذا جملة في موضع الحال، كأنه قال: يتلون آيات الله آناء الليل مصلين، وذهب الطبري وغيره إلى أنها جملة مقطوعة من الكلام الأول، أخبر عنهم أنهم أيضاً أهل سجود. قال القاضي أبو محمد: ويحسن هذا من جهة أن التلاوة آناء الليل قد يعتقد السامع أن ذلك في غير الصلاة، وأيضاً فالقيام في قراءة العلم يخرج من الآية على التأويل الأول، وثبت فيها على هذا الثاني فــ {هم يسجدون} على هذا نعت عدد بواو العطف، كما تقول: جاءني زيد الكريم والعاقل. و {يؤمنون} معناه: يصدقون، وفي الإيمان باليوم الآخر إيمان بالأنبياء، لأنه من جائزات العقل التي أثبتها السمع من الأنبياء، وقوله تعالى: {ويسارعون في الخيرات} وصف بأنهم متى دعوا إلى خير من نصر مظلوم وإغاثة مكروب وجبر مهيض وعبادة لله أجابوا، ومنه فعل مالك رضي الله عنه في ركعتي المسجد، وقال: دعوتني إلى خير فأجبت إليه، ومما يدخل في ضمن قوله تعالى: {ويسارعون في الخيرات} أن يكون المرء مغتنماً للخمس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل مماتك، وغناك قبل فقركتفسير : ، فيكون متى أراد أن يصنع خيراً بادر إليه ولم يسوف نفسه بالأمل، فهذه أيضاً مسارعة في الخيرات، وذكر بعض الناس قال: دخلت مع بعض الصالحين في مركب فقلت له: ما تقول أصلحك الله في الصوم في السفر؟ فقال لي: إنها المبادرة يا ابن أخي، قال المحدث: فجاءني والله بجواب ليس من أجوبة الفقهاء، ثم وصف الله تعالى من تحصلت له هذه الصفات، بأنه من جملة الصالحين، و {من} يحسن أن تكون للتبعيض، ويحسن أن تكون لبيان الجنس.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَيْسُواْ سَوَآءً} لما أسلم عبد الله بن سلام مع جماعة قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا شرارنا فنزلت. {قَآئِمَةٌ} عادلة أو قائمة بطاعة الله، أو ثابتة على أمره. {ءَانَآءَ الَّيْلِ} ساعاته، أو جوفه، يريد صلاة العتمة، أو الصلاة بين المغرب والعشاء. {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} في الصلاة أو عبّر عن الصلاة بالسجود، أو أراد وهم مع ذلك يسجدون.
النسفي
تفسير : {لَيْسُواْ سَوَاءً} ليس أهل الكتاب مستوين {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } كلام مستأنف لبيان قوله «ليسوا سواء» كما وقع قوله {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } بياناً لقوله «كنتم خير أمة» {أمّةٌ قائمةٌ} جماعة مستقيمة عادلة من قولك «أقمت العود فقام» أي استقام وهم الذين أسلموا منهم {يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ } القرآن {ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ} ساعاته واحدها «إنى» كمعي أو «إنو» كقنو أو «إنى» كـ «نحى». {وَهُمْ يَسْجُدُونَ } يصلون. قيل: يريد صلاة العشاء لأن أهل الكتاب لا يصلونها. وقيل: عبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } بالإيمان وسائر أبواب البر {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } عن الكفر ومنهيات الشرع {وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } يبادرون إليها خشية الفوت. وقوله: «يتلون» و«يؤمنون» في محل الرفع صفتان لأمة أي أمة قائمة تالون مؤمنون. وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين ومن الإيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان لإشراكهم به عزيراً وكفرهم ببعض الكتب والرسل ومن الإيمان باليوم الآخر لأنهم يصفونه بخلاف صفته، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنهم كانوا مداهنين، ومن المسارعة في الخيرات لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها، والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع بالقيام به {وَأُوْلـٰئِكَ } الموصوفون بما وصفوا به {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } من المسلمين أو من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ } بالياء فيهما كوفي غير أبي بكر وأبو عمرو. مخير غيرهم بالتاء. وعدي «يكفروه» إلى مفعولين وإن كان شكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد تقول شكر النعمة وكفرها ــ لتضمنه معنى الحرمان كأنه قيل: فلن تحرموه أي فلن تحرموا جزاءه {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ } بشارة للمتقين بجزيل الثواب. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئًا } أي من عذاب الله {وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ *مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هِـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } في المفاخر والمكارم وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس أو ما يتقربون به إلى الله مع كفرهم {كَمَثَلِ رِيحٍ } كمثل مهلك ريح وهو الحرث أو مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح {فِيهَا صِرٌّ } برد شديد عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو مبتدأ وخبر في موضع جر صفة لـ «ريح» مثل {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر {فَأَهْلَكَتْهُ } عقوبة على كفرهم {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ } بإهلاك حرثهم {وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بارتكاب ما استحقوا به العقوبة، أو يكون الضمير للمنفقين أي وما ظلمهم الله بأن لم يقبل نفقاتهم ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها لائقة للقبول. ونزل نهياً للمؤمنين عن مصافات المنافقين { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً } بطانة الرجل ووليجته خصيصه وصفيه شبه ببطانة الثوب كما يقال «فلان شعاري» وفي الحديث «حديث : الأنصار شعار والناس دثار»تفسير : {مّن دُونِكُمْ } من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون وهو صفة لبطانة أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } في موضع النصب صفة لبطانة يعني لا يقصرون في فساد دينكم يقال «ألا في الأمر يألو» إذا قصر فيه، والخبال الفساد. وانتصب «خبالاً» على التمييز أوعلى حذف في أي في خبالكم {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } أي عنتكم فـ «ما» مصدرية. والعنت شدة الضرر والمشقة أي تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر وأبلغه، وهو مستأنف على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة كقوله {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوٰهِهِمْ } لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضه للمسلمين {وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ } مع البغض لكم {أَكْبَرُ} مما بدا {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَـٰتِ } الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } ما بين لكم. { هَاأَنتُمْ أُوْلاءِ } «ها» للتنبيه و«أنتم» مبتدأ و«أولاء» خبره أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافي أهل الكتاب {تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء، أو أولاء موصول صلته «تحبونهم». والواو في {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ } للحال وانتصابها من «لا يحبونكم» أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله وهم مع ذلك يبغضونكم، فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم؟ وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم. وقيل: الكتاب للجنس. {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا} أظهروا كلمة التوحيد {وَإِذَا خَلَوْاْ } فارقوكم أو خلا بعضهم ببعض {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ } يوصف المغتاظ والنادم بعض الأنامل والبنان والإبهام {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به، والمراد بزيادة الغيظ زيادة ما يغيظهم من قوة الإسلام وعز أهله ومالهم في ذلك من الذل والخزي {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } فهو يعلم ما في صدور المنافقين من الحنق والبغضاء وما يكون منهم في حال خلو بعضهم ببعض، وهو داخل في جملة المقول أي أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظاً إذا خلوا وقل لهم: إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم وهو مضمرات الصدور، فلا تظنوا أن شيئاً من أسراركم يخفى عليه أو خارج عن المقول، أي قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على ما يسرون فإني أعلم بما هو أخفى من ذلك وهو ما أضمروه في صدورهم {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ } رخاء وخصب وغنيمة ونصرة {تَسُؤْهُمْ } تحزنهم إصابتها {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ } أضداد ما ذكرنا. والمس مستعار من الإصابة فكأن المعنى واحد، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ }تفسير : [التوبة: 50] {يَفْرَحُواْ بِهَا } بإصابتها {وَإِن تَصْبِرُواْ } على عداوتهم {وَتَتَّقُواْ } ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو وإن تصبروا على تكاليف الدين ومشاقه وتتقوا الله في اجتنابكم محارمه {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } مكرهم وكنتم في حفظ الله، وهذا تعليم من الله وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى. وقال الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك. {لاَ يَضُرُّكُمْ}:مكي وبصري ونافع من ضاره يضيره بمعنى ضره وهو واضح. والمشكل قراءة غيرهم لأنه جواب الشرط وجواب الشرط مجزوم فكان ينبغي أن يكون بفتح الراء كقراءة المفضل عن عاصم، إلا أن ضمة الراء لإتباع ضمة الضاد نحو «مد يا هذا» {إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ} بالتاء: سهل أي من الصبر والتقوى وغيرهما {مُحِيطٌ } ففاعل بكم ما أنتم أهله. وبالياء: غيره أي أنه عالم بما يعملون في عداوتكم فمعاقبهم عليه. {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ } واذكر يا محمد إذ خرجت غدوة من أهلك بالمدينة، والمراد غدوة من حجرة عائشة رضي الله عنها إلى أحد {تُبَوّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تنزلهم وهو حال {مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } مواطن ومواقف من الميمنة والميسرة والقلب والجناحين والساقة. و«للقتال» يتعلق بـ «تبوىء» {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } سميع لأقوالكم عليم بنياتكم وضمائركم. رُوي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ودعا عبد الله بن أبيّ فاستشاره فقال: أقم بالمدينة فما خرجنا على عدو قط إلا أصاب منا، وما دخلوا علينا إلا أصبنا منهم. فقال عليه السلام: حديث : إني رأيت في منامي بقراً مذبحة حولي فأولتها خيراً، ورأيت في ذباب سيفي ثلمة فأولتها هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فلم يزل به قوم ينشطون في الشهادة حتى لبس لأمته ثم ندموا تفسير : فقالوا: الأمر إليك يا رسول الله فقال عليه السلام «حديث : لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل»تفسير : فخرج بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال {إِذْ هَمَّتْ } بدل من «إذ غدوت» أو عمل فيه معنى «عليم» {طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ } خيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس. وكان عليه السلام خرج إلى أحد في ألف، والمشركون في ثلاثة آلاف، ووعدهم الفتح إن صبروا فانخذل عبد الله بن أبيّ بثلث الناس وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فهم الحيان باتباعه فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله {أَن تَفْشَلاَ } أي بأن تفشلا أي بأن تجبنا وتضعفا والفشل الجبن والخور {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا } محبهما أو ناصرهما أو متولي أمرهما فما لهما تفشلان ولا تتوكلان على الله {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } أمرهم بأن لا يتوكلوا إلا عليه ولا يفوضوا أمورهم إلا إليه. قال جابر: والله ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا به وقد أخبرنا الله بأنه ولينا. ثم ذكرهم ما يوجـب عليهم التوكل مما يسر لهم من الفتح يوم بدر وهم في حال قلة وذلة فقال:
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ليسوا سواء} قال ابن عباس: لما أسلم عبدالله بن سلام وأصحابه قالت أحبار اليهود ما آمن محمد صلى الله عليه وسلم إلا شرارنا ولولا ذلك ما تركوا دين آبائهم فأنزل الله تعالى هذه الآية وفي وقوله: {ليسوا سواء} قولان أحدهما أنه كلام تام يوقف عليه والمعنى أهل الكتاب الذي سبق ذكرهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ليسوا سواء، وقيل معناه لا يستوي اليهود وأمة محمد صلى الله عليه وسلم القائمة بأمر الله الثابتة على الحق. والقول الثاني أن قوله: {ليسوا سواء} متعلق بما بعده ولا يوقف عليه وقوله: {من أهل الكتاب أمة قائمة} فيه اختصار وإضمار والتقدير ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة غير قائمة فترك ذكر الأمة الأخرى اكتفاء بذكر أحد الفريقين وهذا على مذهب العرب أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الآخر قال أبو ذؤيب: شعر : دعاني إليها القلب إني امرؤ لها مطيع فلا أدري أرشد طلابها تفسير : أراد أم غير رشد فاكتفى بذكر أحد الرشدين دون الآخر. وقال الزّجاج: لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة لأنه قد جرى ذكر أهل الكتاب بقوله: كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق فأعلم الله أن منهم أمة قائمة فلا حاجة بنا إلى أن نقول وأمة غير قائمة إنما ابتدأ فعل الأكثر منهم وهو الكفر والمشاقة، ثم ذكر من كان مبايناً لهم في فعلهم فقال: "ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة" قال ابن عباس: قائمة أي مهدية قائمة على أمر الله تعالى لم يضعوه ولم يتركوه، وقيل قائمة أي عادلة وقيل قائمة على كتاب الله عز وجل وحدوده وقيل: قائمة في الصلاة {يتلون آيات الله} أي يقرؤون كتاب الله عز وجل: {آناء الليل} يعني ساعاته {وهم يسجدون} يعني يصلون، عبر بالسجود عن الصلاة لأن التلاوة لا تكون في السجود وقيل: هي صلاة التهجد بالليل وقيل هي صلاة العشاء لأن اليهود لا يصلونها وقيل يحتمل أنه أراد بالسجود الخضوع والخشوع لأن العرب تسمي الخشوع سجوداً وقال عطاء في قوله تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة} يريد أربعين رجلاً من أهل نجران من العرب واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه الصلاة والسلام وصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وكانوا عدة نفر من الأنصار منهم أسعد بن زرارة والبراء بن معرور ومحمد بن مسلمة وأبو قيس صرمة بن أنس كانوا قبل الإسلام موحدين يغتسلون من الجنابة ويقومون بما عرفوا من شرائع الحنيفية حتى جاءهم الله عز وجل بالنبي صلىالله عليه وسلم فآمنوا به وصدقوه، ثم وصفهم الله تعالى بصفات ما كانت في اليهود فقال: {يؤمنون بالله واليوم الآخر} وذلك لأن إيمان أهل الكتاب فيه شرك ويصفون اليوم الآخر بغير ما يصفه المؤمنون، وقيل إن الإيمان بالله يسلتزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله واليهود يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من فعل المعاصي واليهود لا يحترزون منها فلم يحصل الإيمان الخالص بالله واليوم الآخر {ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} يعني غير مداهنين كما يداهن اليهود بعضهم بعضاً. وقيل يأمرون بالمعروف يعني بتوحيد الله تعالى والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وينهون عن المنكر يعني عن الشرك وعن كتم صفة محمد صلى الله عليه وسلم {ويسارعون في الخيرات} أي يبادرون إليها خوف الفوت وذلك أن من رغب في أمر سارع إليه وقام به غير متوان عنه وقيل يسارعون في الخيرات غير متثاقلين ولا كسالى {وأولئك} إشارة إلى الموصوفين بما وصفوا به {من الصالحين} أي من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله عز وجل ورضي عنهم واستحقوا ثناءه عليهم، وذلك لأن الصلاح ضد الفساد فإذا حصل الصلاح للإنسان فقد حصل له أعلى الدرجات وأكمل المقامات وقيل يحتمل أن يراد بالصالحين المسلمون والمعنى أولئك الذين تقدم وصفهم من جملة المسلمين.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {لَيْسُواْ سَوَاءً...} الآية: قال ابنُ عَبَّاس (رضي اللَّه عنهما): لمَّا أسلم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَنْ أَسْلَمَ من اليهود معهم، قال الكُفَّار من أحْبَارِ اليهودِ: مَا آمن بمحمَّد إلاَّ شِرَارُنَا، وَلَوْ كَانُوا خِيَاراً، ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ: {لَيْسُواْ سَوَاء...} الآية، وقالَ مثلَهُ قتادةُ،. وابنُ جُرَيْجٍ، وهو أصح التأويلات في الآية. واختلفَ في قوله: {قَائِمَةً}، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: معناه: قائمةٌ عَلَىٰ كتابِ اللَّهِ، وحُدُودِهِ مهتديةٌ، وقال السُّدِّيُّ: القائمةُ: القانِتَةُ المُطيعةُ، وهذا كلُّه يرجع إلَىٰ معنى وَاحِدٍ، ويحتمل أنْ يراد بـــ {قَائِمَةً}: وَصْفُ حال التالين في آناء الليلِ، ومَنْ كانت حاله هذه، فلا محالة؛ أنه معتدلٌ عَلَى أمْر اللَّه، و {آيَاتِ ٱللَّهِ}؛ في هذه الآيةِ: هي كُتُبُهُ، والآناءُ: السَّاعاتُ، واحِدها إنْيٌ؛ بكسر الهمزة، وسكونِ النون، وحكم هذه الآية لا يتَّفقُ في شَخْص شَخْصٍ؛ بأنْ يكون كلُّ واحدٍ يصلِّي جميعَ ساعاتِ الليلِ، وإنما يقوم هذا الحُكْمُ من جماعةِ الأمَّة؛ إذ بعضُ الناسِ يَقُومُ أول الليلِ، وبعضهم آخِرَهُ، وبعضُهُم بَعْدَ هَجْعَةٍ، ثم يعودُ إلَىٰ نَوْمِهِ، فيأتي مِنْ مجموعِ ذلك في المُدُنِ والجَمَاعَاتِ عِمَارةُ آناء الليلِ بالقيامِ، وهكذا كان صَدْرُ هذه الأمَّة، وعُرْفُ النَّاسِ القيامُ في أول الثُّلُثِ الآخرِ مِنَ الليلِ، أو قبله بشَيْء، وحينئذٍ: كان يقوم الأكثر، والقيام طولَ الليلِ قليلٌ، وقد كان في الصالِحِينَ مَنْ يلتزمه، وقد ذكر اللَّه سبحانه القَصْدَ من ذَلِكَ في «سُورة المُزَّمِّلِ»، وقِيامُ الليلِ لقراءةِ العِلْمِ المبتغَىٰ به وجْهُ اللَّهِ داخلٌ في هذه الآيةِ، وهو أفضلُ من التنفُّل لِمَنْ يُرْجَى انتفاعُ المسلمِينَ بعلْمه، قُلْتُ: وقد تقدَّم في أوَّل السُّورة: ما جاء من التأويل في حديثِ النُّزُولِ، فلنذكُرِ الآن الحديثَ بكَمَالِهِ، لما فيه من الفوائِدِ: روى أبو هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : يَنْزِلُ رَبَّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَىٰ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي؛ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي؛ فَأُعْطِيهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي؛ فَأَغْفِرَ لَهُ»تفسير : رواه الجماعةُ، أعني: الكتبَ الستَّة؛ البخاريَّ، ومُسْلِماً، وأبا داوُدَ، والتِّرمذيَّ، والنَّسائيَّ، وابْنَ مَاجَة، وفي بعضِ الطُّرُق: «حَتَّىٰ يَطْلُعَ الفَجْرُ»، زاد ابْنُ ماجَة: «فَلِذَلِكَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاَةَ آخِرَ اللَّيْلِ عَلَىٰ أَوَّلِهِ». وعن عمرو بْنِ عَبَسَة أَنَّهُ سَمِعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فإنِ ٱسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَكُنْ»تفسير : . رواه أبو داوُد، والتِّرمذيُّ، والنَّسَائِيُّ، والحَاكِمُ في «المستدرك»، واللفظ للتِّرمذيِّ، وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقال الحاكمُ: صحيحٌ علَىٰ شرطِ مُسْلِمٍ. اهـــ من «السلاح». وعن أبي أُمَامَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «حديث : جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ، ودُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ»تفسير : ، رواه الترمذيُّ والنسائيُّ، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ، وفي روايةٍ: «حديث : جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ أَرْجَىٰ»تفسير : ، أو نحو هذا. اهـــ من «السلاح». ومما يدْخُلُ في ضِمْنِ قوله سبحانه: {وَيُسَـٰرِعُونَ فِي ٱلْخَيْرٰتِ}؛ أن يكون المرءُ مغْتَنِماً للخَمْس؛ كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ٱغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ»تفسير : ؛ فَيَكُونُ مَتَىٰ أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ خَيْراً، بادر إليه، ولم يسوِّف نفسه بالأمل، فهذه أيضاً مسارعةٌ في الخيرات، وذكر بعض النَّاس قال: دخلْتُ معَ بَعْضِ الصَّالحين في مَرْكَبٍ، فقُلْتُ له: ما تقُولُ (أصْلَحَكَ اللَّه) في الصَّوْمِ في السَّفر؟ فقال لي: إنها المبادرةُ، يا ابْنَ الأخِ، قال المحدِّث: فجاءني، واللَّهِ، بجوابٍ ليس من أجوبة الفُقَهَاء. قال * ص *: قوله: {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}: «مِنْ»: للتبعيض، ابنُ عطية: ويحسُنُ أيضاً أنْ تكون لبيانِ الجنْس، وتعقِّب بأنه لم يتقدَّم شيء فيه إبهام، فيبين جنْسه. اهـــ.
ابن عادل
تفسير : الظاهر في هذه أنّ الوقف على "سَوَاءٌ" تام؛ فإن الواو اسم "ليس" و "سواء" خبر، والواو تعود على أهل الكتاب المتقدم ذكرهم. والمعنى: أنهم منقسمون إلى مؤمن وكافر؛ لقوله: {أية : مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [آل عمران: 110]، فانتفى استواؤهم. و "سواء" - في الأصل - مصدر، ولذلك وُحِّدَ، وقد تقدم تحقيقه أول البقرة. قال أبو عبيدة: الواو في "لَيْسُوا" علامة جمع، وليست ضميراً، واسم "ليس" - على هذا - "أمة" و "قَائِمَةٌ" صفتها، وكذا "يَتْلُونَ"، وهذا على لغة "أكلوني البراغيث". كقول الآخر: [المتقارب] شعر : 1575- يَلُومَونَنِي فِي اشْتِرَاءِ النَّخِيــ ــلِ أهْلِي، فَكُلُّهُمْ بعَذْلِ أَلُومُ تفسير : قالوا: وهي لغة ضعيفة، ونازع السُّهَيْلِيّ النحويين في كونها ضعيفةً، ونسبها بعضُهم إلى شنوءة، وكثيراً ما جاء عليها الحديث، وفي القرآن مثلُها. وسيأتي تحقيقها في المائدة. قال ابنُ عطية: وما قاله أبو أبو عبيدةَ خطأٌ مردودٌ، ولم يبيِّن وَجْهَ الخطأ، وكأنه توهم أن اسم "ليس" هو {أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} فقط، وأنه لا محذوفَ ثَمَّ؛ إذ ليس الغرض تفاوت الأمة القائمة التالية، فإذا قُدِّر - ثَمَّ - محذوف لم يكن قول أبي عبيدةَ خطأً مردوداً إلا أن بعضهم رد قوله بأنها لغة ضعيفة وقد تقدم ما فيها. والتقدير الذي يصح به المعنى: أي: ليس سواء من أهل الكتاب أمة قائمة، موصوفة بما ذُكِرَ، وأمة كافرة، فبهذا التقدير يصح به المعنى الذي نحا إليه أبو عُبَيْدَةَ. وقال الفرَّاءُ: إن الوقفَ لا يتم على "سَوَاءً" فجعل الواو اسم "ليس"، و "سَوَاءً" خبرها - كما قال الجمهور - و "أمَّةٌ" مرتفعة بـ "سَوَاءً" ارتفاع الفاعل، أي: ليس أهل الكتاب مستوياً، من أهل الكتاب أمة قائمة، موصوفة بما ذُكِر، وأمة كافرة، فبهذا التقدير يصح به المعنى الذي نحا إليه أبو عُبَيْدَةَ. وقال الفرَّاءُ: إن الوقفَ لا يتم على "سَوَاءً" فجعل الواو اسم "ليس"، و "سَوَاءً" خبرها - كما قال الجمهور - و "أمَّةٌ" مرتفعة بـ "سَوَاءً" ارتفاع الفاعل، أي: ليس أهل الكتاب مستوياً، من أهل الكتاب أمة قائمة، موصوفة بما ذُكِر، وأمة كافرة، فحُذِفَت هذه الجملةُ المعادلة؛ لدلالة القسم الأول عليها؛ فإن مذهب العرب إذا ذُكِرَ أحد الضدين، أغْنَى عن ذِكر الضِّدِّ الآخَر. قال أبو ذُؤيب: [الطويل] شعر : 1576- دَعَانِي إلَيْهَا الْقَلْبُ إنِّي لأمْرِهَا سَمِيعٌ، فَمَا أدْرِي أرُشْدٌ طِلاَبُها؟ تفسير : والتقدير: أم غي، فحذف الغَيّ؛ لدلالة ضِدِّه عليه. ومثله قول الآخر: [الطويل] شعر : 1577- أرَاكَ، فَمَا أدْرِي أهَمٌّ هَمَمْتُهُ وَذُو الْهَمِّ قِدْماً خَاشِعٌ مُتَضَائِلُ تفسير : أي أهم هممته أم غيره؟ فحذف؛ للدلالة، وهو كثير. قال الفراء: "لأن المساواة تقتضي شيئين"، كقوله: {أية : سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} تفسير : [الحج: 25]، وقوله: {أية : سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} تفسير : [الجاثية: 21]. وقد ضُعِّفَ قَوْلُ الفراء من حيث الحذف، ومن حيث وَضع الظاهر مَوْضِعَ المُضْمَر؛ إذ الأصل: منهم أمة قائمة، فوضع أهل الكتاب موضع المضمر. والوجه أن يكون {لَيْسُواْ سَوَآءً} جملة تامة، وقوله: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ} جملة برأسها، وقوله: {يَتْلُونَ} جملة أخرى، مبينة لعدم استوائهم - كما جاءت الجملة من قوله: {أية : تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} تفسير : [آل عمران: 110] مبيِّنة للخيريَّةِ. ويجوز أن يكون {يَتْلُونَ} في محل رفع، صفة لـ "أمَّةٌ". ويجوز أن يكون حالاً من "أمَّةٌ"؛ لتخصُّصِها بالنعت. ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في "قَائِمة"، وعلى كونها حالاً من "أمَّةٌ" يكون العامل فيها الاستقرار الذي تضمنه الجار. ويجوز أن يكون حالاً من الضميرِ المستكن في هذا الجار، لوقوعه خبراً لـ "أمَّة". فصل قال جمهور العلماء: المراد بأهل الكتاب: مَنْ آمَنَ بموسى وعيسى عليهما السلام. اليهود: ما آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا شِرارُنا، ولولا ذلك ما تركوا دينَ آبائِهم، لقد كفروا، وخسروا، فأنزل الله هذه الآية؛ لبيان فضلهم. وقيل: لما وَصَفَ أهلَ الكتاب - في الآيات المتقدمةِ - بالصفات المذمومة، ذَكَر - في هذه الآية - أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك، بل فيهم مَنْ يكون موصوفاً بالصفات المحمودة المرضية. قال الثوريّ: بلغني أنها نزلت في قوم كانوا يُصلون بين المغرب والعشاء. وعن عطاء، أنها نزلت في أربعين رجلاً من أهل نجرانَ، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثلاثة من الروم، كانوا على دين عيسى، وصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وكان من الأنصار فيهم عدة - قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، منهم أسعد بن زرارة، والبراء بن معرور، ومحمد بن مسلمة، وأبو قيس صِرْمة بن أنس، كانوا موحِّدين، يغتسلون من الجنابة، ويقومون بما عرفوا من شرائع الحنيفية، حتى بعث الله لهم النبي صلى الله عليه وسلم فصدَّقوه، ونصروه. وقال آخرون: المراد بأهل الكتاب: كل من أوتي الكتابَ من أهل الأدْيان - والمسلمون من جُمْلتهم - قال تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [فاطر: 32]، ويؤيِّد هذا ما رَوَى ابنُ مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخَّر صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: "حديث : أما إنه ليس أحَدٌ مِنْ أهْلِ الأدْيَانِ يَذْكُرُ اللهَ - تَعَالَى - هَذِهِ السَّاعةِ غَيْركُمْ" تفسير : وقرأ هذه الآية. قال القفال: ولا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأقاموا صلاة العتمة في الساعة التي ينام فيها غيرُهم من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا. ولا يبعد - أيضاً - أن يقال: المراد: كلّ مَنْ آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فسمَّاهم الله بأهل الكتاب، كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة، والمسلمون الذين سماهم الله بأهل الكتاب حالهم وصفتهم هكذا، فكيف يستويان؟ فيكون الغرض - من هذه الآية - تقرير فضيلة أهل الإسلام، تأكيداً لما تقدم من قوله: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 110] ونظيره قوله: {أية : أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} تفسير : [السجدة: 18]، منهم {أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ} قيل: قائمة في الصلاة يتلون آياتِ الله، فعبَّر بذلك عن تهجُّدِهم. وقال ابن عباس: مهتدية، قائمة على أمر الله - تعالى - لم يضيِّعوه، ولم يتركوه. قال الحسن: ثابتة على التمسُّك بالدين الحق، ملازمة له، غير مضطربة، كقوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} تفسير : [آل عمران: 75]. قال مجاهد: "قَائِمَةٌ" أي: مستقيمة، عادلة - من قولك: أقمت العود - فقام بمعنى: استقام. وقيل: الأمَّة: الطريقة، ومعنى الآية: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ} أي: ذو أمة، ومعناه: ذو طريقة مستقيمة، والمراد بـ {آيَاتِ ٱللَّهِ}: القرآن، وقد يُراد بها أصناف مخلوقاته الدالة على ذاته، وصفاته، والمراد هاهنا: الأول. قوله: {آنَآءَ ٱللَّيْلِ} ظرف لـ "يتلون"، والآناء: الساعات، واحده: أنَى - بفتح الهمزة والنون، بزنة عصا -أو إنَى بكسر الهمزة، وفتح النون، بزنة مِعًى، أو أنْي - بالفتح والسكون بزنة ظَبْي، أو إنْي - بالكسر والسكون، بزنة نِحْي - أو إنْو - بالكسر والسكون مع الواو، بزنة جرو - فالهمزة في "آناء" منقلبة عن ياء، على الأقوال الأربعة - كرداء - وعن واو على القول الأخير، نحو كساء. قال القفال: كأن التأنِّيَ مأخوذ منه، لأنه انتظار الساعات والأوقات، وفي الحديث "حديث : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أخر المجيء إلى الجمعة -: آذيت وآنيت" تفسير : أي: دافعت الأوقات. وستأتي بقية هذه المادة في مواضعها. ولا يجوز أن يكون "آناء الليل" ظرفاً لِـ "قَائِمَةٌ". قال أبو القباءِ: "لأن "قَائِمَةٌ" قد وُصِفَتْ، فلا يجوز أن تعمل فيما بعد الصفة"، وهذا على تقدير أن يكون "يَتْلُونَ" وَصْفاً لِـ "قائمة"، وفيه نظر؛ لأن المعنَى ليس على جَعْل هذه الجملةِ صفة لما قبلها، بل على الاستئناف للبيان المتقدم، وعلى تقدير جَعْلها صفة لما قبلها، فهي صفة لـ "أمَّةٌ"، لا لِـ "قَائِمَةٌ"؛ لأن الصفة لا توصَف إلا أن يكون معنى الصفة الثانية لائقاً بما قبلها، نحو: مررت برجل ناطقٍ فصيح، ففصيح صفة لناطق؛ لأن معناه لائق به، وبعضهم يجعله وَصْفاً لرجل. وإنما المانع من تعلُّق هذا الظرف بـ "قَائِمَةٌ" ما ذكرناه من استئناف جملته. قوله: {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} يجوز أن يكون حالاً من فاعل "يَتْلُونَ" أي: يَتْلُونَ القرآن، وهم ساجدون، وهذا قد يكون في شريعتهم - مشروعية التلاوة في السجود - بخلاف شرعنا، قال عليه السلام "حديث : ألاَ إنِّي نُهِيتُ أن أقرأ القُرآنَ رَاكِعاً، أو سَاجِداً"تفسير : ، وبهذا يرجح قول من يقول إنهم غير أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في "قَائِمَةٌ" قاله أبو البقاء. وفيه ضعف؛ للاستئناف المذكور. وقيل: المراد بقوله: {وَهُمْ يَسْجُدُونَ}: أنهم يصلون، والصلاة تسمى سجوداً، وركوعاً، وتسبيحاً، قال تعالى: {أية : وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} تفسير : [آل عمران: 43]، وقال: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} تفسير : [الروم: 17]، والمراد: الصلاة. وقيل: {يَسْجُدُونَ} أي: يخضعون لله؛ لأن العرب تسمِّي الخضوعَ سجوداً، قال تعالى: {أية : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [النحل: 49]. ويجوز أن تكون مستأنفة، والمعنى: أنهم يقومون تارةً، ويسجدون تارةً، يبتغون الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله، ونظيره قوله: {أية : وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} تفسير : [الفرقان: 64]. قوله: {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} إمَّا استئناف، وإما أحوال، وجيء بالجملة الأولى اسميةً؛ دلالةً على الاستقرار، وصُدِّرَتْ بضميرٍ، وثَنَّى عليه جملة فعلية، ليتكرر الضمير، فيزداد بتكراره توكيداً. وجيء بالخبر مضارعاً؛ دلالةً على تجدُّدِ السجود في كل وقت، وكذلك جيء بالجُمَل التي بعدها أفعالاً مضارعة. ويحتمل أن يكون {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} خبراً ثانياً، لقوله: "هُمْ"، ولذلك ترك العاطف ولو ذكره لكان جائزاً. فصل اعلم أن اليهود كانوا يقومون في الليل للتهجُّد، وقراءة التوراة، فلما مدح المؤمنين بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله: {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}، وقد تقدَّم أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورُسُلِهِ، والإيمان باليومِ الآخرِ يستلزم الحذرَ من المعاصي، وهؤلاء اليهود كانوا ينكرون أنبياء الله، ولا يحترزون عن معاصي الله، لم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ أو المعاد. قوله: {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ}. قال ابن عباس: يؤمنون بتوحيد الله، ونبوة صلى الله عليه وسلم، وينهون عن الكفر. وقيل: يأمرون بما ينبغي، وينهون عَمَّا لا ينبغي. وقوله: {وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} فيه وجهان: أحدهما: يتبادرون إليها خوف الفَوْتِ بالمَوْتِ. فإن قيل: أليس أن العجلة مذمومةٌ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الْعَجَلَةُ من الشَّيْطَانِ، والتأنِّي من الرَّحْمَنِ" تفسير : فما الفرق بين السرعة والعَجَلَة؟ فالجواب: أن السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين، لأن من رغب في الآخرة آثر الفَوْزَ على التراخي، قال تعالى: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [آل عمران: 133]، والعجلة - أيضاً - ليست مذمومة على الاطلاق؛ لقوله تعالى: {أية : وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} تفسير : [طه: 84]. الوجه الثاني: يعملونها غَيْرَ متثاقلين. قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي: الموصوفون بهذه الصفات من جملة الصالحين، الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم، وهذا غاية المدح من وجهين: الأول: أن الله مدح بهذه الصفة أكابر الأنبياء، فقال - بعد ذكر إسماعيل، وإدريس، وذي الكفل وغيرهم: {أية : وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الأنبياء: 86]، وقال: {أية : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [التحريم: 4]. الثاني: أن الصلاح ضِدُّ الفساد، فكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال - وإذا كان كذلك كان كل ما ينبغي أن يكون صلاحاً، فكان الصَّلاحُ دالاًّ على أكمل الدرجات. قوله: {مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} يجوز في "من" أن تكون للتبعيض - وهو الظاهر -. وجعلها ابن عطية لبيان الجنس، وفيه نظر؛ إذْ لم يتقدم مُبْهَمٌ، فتبينه هذه. قوله: {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ}. قرأ الأخوان وحَفْص: "يَفْعَلُوا" و "يُكْفروهُ" - بالغيبة -. والباقون بالخطاب. الغيب مراعاة لقوله: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ}، فجرى على لفظ الغيبة، أخبرنا - تعالى - أن ما يفعلونه من خير يبقى لهم غير مكفور؛ وقراءة الباقين بالتاء الرجوع إلى الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ}. ويجوز أن يكون التفاتاً من الغيبة في قوله: {أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} إلى آخره؛ إلى خطابهم، وذلك أنه آنسهم بهذا الخطاب، ويؤيد ذلك أنه اقتصر على ذكر الخير دون الشر؛ ليزيد في التأنيس. ويدل على ذلك قراءة الأخوين؛ فإنها كالنص في أن المراد قوله: {أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ}. فصل اعلم أن اليهودَ لما قالوا لعبد الله بن سلام وأصحابه: إنكم خسرتم بسبب إيمانكم، قال الله تعالى: بل فازوا بالدرجات العُظْمَى، فالمقصود تعظيمهم؛ ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال، وهذا وإن كان لفظه - على قراءة الغيبة - لمؤمني أهل الكتاب، فسائر الخلق يدخلون فيه نظراً إلى العلّة. أما على قراءة المخاطبة فهذا ابتداء خطاب لجميع المؤمنين - ونظيره قوله: {أية : وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 197]، وقوله: {أية : وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 272]، وقوله: {أية : وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [المزمل: 20]، ونقل عن أبي عمرو: أنه كان يقرأها بالقراءتين. وسُمِّيَ منع الجزاء كفراً لوجهين: الأول: أنه - تعالى - سَمَّى إيصال الجزاء شُكْراً، فقال: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 158]، وسمى منعه كفراً. الثاني: أن الكفر - في اللغة -: الستر. فسمي منع الجزاء كُفْراً؛ لأنه بمنزلة الجَحْدِ والستر. فإن قيل: "شكر" و "كفر" لا يتعديان إلا إلى واحد، يقال: شكر النعمة، وكفرها - فكيف تعدّى - هنا - لاثنين أولهما قام مقام الفاعل، والثاني: الهاء في "يكفروه"؟. فقيل: إنه ضُمِّن معنى فعل يتعدى لاثنين - كحرم ومنع، فكأنه قيل: فلن يُحْرَموه، ولن يُمْنَعُوا جزاءه. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} واسم "الله" يدل على عدم العجز، والبخل، والحاجة؛ لأنه إله جميع المحدثات، وقوله: "عَلِيمٌ" يدل على عدم الجَهْل، وإذا انتفت هذه الصفاتُ، امتنع المنع من الجزاء؛ لأن منعَ الحق لا بد وأن يكون لأحد هذه الأمور. وقوله: {بِالمُتَّقِينَ} - مع أنه عالم بالكلِّ - بشارة للمتقين بجزيل الثواب.
البقاعي
تفسير : ولما كان السياق ربما أفهم أنهم كلهم كذلك قال مستأنفاً نافياً لذلك: {ليسوا سوآء} أي في هذه الأفعال، يثني سبحانه وتعالى على من أقبل على الحق منهم وخلع الباطل ولم يراع سلفاً ولا خلفاً بعيداً ولا قريباً. ثم استأنف قوله بياناً لعدم استوائهم: {من أهل الكتاب} فـأظهر لئلا يتوهم عود الضمير على خصوص من حكم بتكفيرهم {أمة} أي جماعة يحق لها أن تؤم {قائمة} أي مستقيمة على ما أتاها به نبيها في الثبات على ما شرعه، متهيئة بالقيام للانتقال عنه عند مجيء الناسخ الذي بشر به ووصفه. غير زائغة بالإيمان ببعضه والكفر ببعضه. ثم ذكر الحامل على الاستقامة فقال: {يتلون} أي يتعابعون مستمرين {آيات الله} أي علامات ذي الجلال والإكرام المنزلة الباهرة التي لا لبس فيها {آناء الليل} أي ساعاته {وهم يسجدون *} أي يصلون في غاية الخضوع. ثم ذكر ما أثمر لهم التهجد فقال: {يؤمنون} وكرر الاسم الأعظم إشارة إلى استحضارهم لعظمته فقال: {بالله} أي الذي له من الجلال وتناهي الكمال ما حير العقول. وأتبعه اليوم الذي تظهر فيه عظمته كلها، لأنه الحامل على كل خير فقال: {واليوم الآخر} أي إيماناً يعرف أنه حق بتصديقهم له بالعمل الصالح بما يرد عليهم من المعارف التي ما لها من نفاد، فيتجدد تهجدهم فتثبت استقامتهم. ولما وصفهم بالاستقامة في أنفسهم في أنفسهم وصفهم بأنهم يقوّمون غيرهم فقال: {ويأمرون بالمعروف} أي مجددين ذلك مستمرين عليه {وينهون عن المنكر} لذلك، ولما ذكر فعلهم للخير ذكر نشاطهم في جميع أنواعه فقال: {ويسارعون في الخيرات} ولما كان التقدير: فأولئك من المستقيمين، عطف عليه: {وأولئك} أي العالو الرتبة {من الصالحين *} إشارة إلى أن من لم يستقم لم يصلح لشيء، وأرشد السياق إلى أن التقدير: وأكثرهم ليسوا بهذه الصفات. ولما كان التقدير: فما فعلوا من خير فهو بعين الله سبحانه وتعالى، يشكره لهم، عطف عليه قوله: {وما تفعلوا} أي أنتم {من خير} من إنفاق أو غيره {فلن تكفروه} بل هو مشكور لكم بسبب فعلكم، وبني للمجهول تأدباً معه سبحانه وتعالى، وليكون على طريق المتكبرين. وعطف على ما تقديره: فإن الله عليم بكل ما يفعله الفاعلون، قوله: {والله} أي المحيط بكل شيء {عليم بالمتقين *} من الفاعلين الذين كانت التقوى حاملة لهم على كل خير، فهو يثيبهم أعظم الثواب، ويغيرهم فهو يعاقبهم بما يريد من العقاب، هذا على قراءة الخطاب، وأما على قراءة الغيبة فأمرها واضح في نظمها بما قلته. ولما رغبهم في الإنفاق بما يشمل كل خير وأخبرهم بأنه عالم بدقة وجله، وأخبر أن ذلك كان دأب إسرائيل عليه الصلاة والسلام على وجه أنتج أن بنيه كاذبون في ادعائهم أنهم على ملة جده إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم حذر منهم وختم ما ختمه بالمتقين بالترغيب في الخير بما اندرج فيه الإنفاق الذي قدم أول السورة أنه من صفة المتقين المستغفرين بالأسحار التي هي أشرف آناء الليل, وكان مما يمنع منه خوفُ الفقر والنزول عن حال الموسرين من الكفار المفاخرين بالإكثار المعيرين بالإقلال من المال والولد وقوفاً مع الحال الدنيوي، وكان قد أخبر أنه لا يقبل من أحد منهم في الآخرة ملء الأرض ذهباً، أعقب هذا بمثل ذلك على وجه أعم فقال - واصفاً أضداد من تقدم، نافياً ما يعتقدون من أن أعمالهم الصورية تنفعهم -: {إن الذين كفروا} أي بالله بالميل عن المنهج القويم وإن ادعوا الإيمان به نفاقاً أو غيره {لن تغني عنهم أموالهم} أي وإن كثرت {ولا أولادهم} وإن عظمت {من الله} أي الملك الذي لا كفوء له {شيئاً} أي من الإغناء تأكيداً لما قرر من عدم نصرة أهل الكتاب الذين حملهم على إيثار الكفر على الإيمان استجلاب الأموال والرئاسة على الأتباع على وجه يعم جميع الكفار - كما قال في أول السورة - سواءً. ولما كان التقدير: فأولئك هم الخاسرون، عطف عليه قوله: {وأولئك أصحاب النار} أي هم مختصون بها، ثم استأنف ما يفيد ملازمتها فقال: {هم فيها خالدون *} ولما كان ربما قيل: فما حال ما يبدلونه في المكارم ويواسون به في المغارم؟ ضرب لذلك مثلاً جعله هباء منثوراً، ضائعاً وإن كثر بوراً، كأن لم يكن شيئاً مذكوراً، بقوله سبحانه وتعالى جواباً لهذا السؤال: {مثل ما ينفقون} أي من المال، وحقر قصدهم بتحقير محطه فقال: {في هذه الحياة الدنيا} أي على وجه القربة أو غيرها، لكونهم ضيعوا الوجه الذي به يقبل، وهو الإخلاص. ومثل إنفاقهم له ومثل حرث أصيب بالريح {كمثل ريح فيها صر} أي برد شديد {أصابت حرث قوم} موصوفين بأنهم {ظلموا أنفسهم} أي بالبناء على غير أساس الإيمان {فأهلكته} فمثل ما ينفقون في كونه لم ينفعهم في الدنيا بإنتاج ما أرادوا في الدنيا وضرهم في الدارين، أما في الدنيا فبضياعه في غير شيء، وأما في الآخرة فبالمعاقبة عليه لتضييع أساسه وقصدهم الفاسد به، مثل الزرع الموصوف فإنه لم ينفع أهله الموصوفين، بل ضرهم في الدنيا بضياعه، وفي الآخرة بما قصدوا به من المقصود الفاسد، ومثل إنفاقهم له في كونه ضرهم ولم ينفعهم مثل الريح في كونها ضرت الزرع ولم تنفعه، فلما كانت الريح الموصوفة أمراً مشاهداً جلياً جعلت في إهلاكها مثلاً لضياع أنفاقهم الذي هو أمر معنوي خفي، ولما كان الزرع المحترق أمراً محسوساً جعل فيما حصل له بعد التعب من العطب مثالاً لأمر معقول، وهو أموالهم في كون إنفاقهم إياها لم يثمر لهم شيئاً غير الخسارة والتعب، فالمثلان ضياع الرزع والإنفاق، وضياع الزرع أظهر فهو مثل لضياع الإنفاق لأنه أخفى، وقد بان أن الآية من الاحتباك: حذف أولاً مثل الإنفاق لدلالة الريح عليه، وثانياً الحرث لدلالة ما ينفق عليه. ولما كان سبحانه وتعالى موصوفاً بأنه الحكم العدل القائم بالقسط وأنه لا ينسى خيراً فعل قال دفعاً لتوهم أن ذلك بخس: {وما ظلمهم} أي الممثل بهم والممثل لهم {الله} الملك الأعظم الغنيّ الغِِنى المطلق لأنه المالك المطلق، وقد كفروا، أما الممثل لهم فبكونهم أنفقوا على غير الوجه الذي شرعه، وأما الممثل بهم فبكونهم لم يحرسوا زرعهم بالطاعات، وفي الآية دليل على أن أهل الطاعات تحرس ضوائعهم من الآفات وتخرق فيها العادات، ثم قال: {ولكن} لوما كان الممثل لأجلهم الذين كفروا أعم من أن يموتوا عليه أو يسلموا لم يعبر في الظلم بما تقتضيه الجبلة من فعل الكون وقال: الأساس بكفرهم، وأن ظلمهم مقصور على أنفسهم، لا يتعداها إلى غيرها وإن ظهر لإنفاقهم نكاية في عدوهم، فإن العاقبة لما كانت للمؤمنين كانت نكايتهم كالعدم، بل هي زيادة في وبالهم، فهي من ظلمهم لأنفسهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود معهم. فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد وتبعه إلاّ شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره. فأنزل الله في ذلك {ليسوا سواء} إلى قوله {وأولئك من الصالحين} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {ليسوا سواء} الآية. يقول: ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله {أمة قائمة} قال: عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سلام أخوه، وسعية، ومبشر، وأسيد، وأسد ابنا كعب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول: هؤلاء اليهود ليسوا كمثل هذه الأمة التي هي قانتة لله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {أمة قائمة} يقول: مهتدية، قائمة على أمر الله لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {أمة قائمة} قال: عادلة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع {أمة قائمة} يقول: قائمة على كتاب الله، وحدوده، وفرائضه. وأخرج ابن جرير عن الربيع {آناء الليل} قال: ساعات الليل. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {آناء الليل} قال: جوف الليل. وأخرج الفريابي والبخاري في تاريخه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله {ليسوا من أهل الكتاب أمة قائمة} قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد {يتلون آيات الله آناء الليل} قال: صلاة العتمة هم يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصلونها. وأخرج أحمد والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني بسند حسن عن ابن مسعود قال: "حديث : أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال "أما أنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم"تفسير : . ولفظ ابن جرير، والطبراني، وقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب. قال: وأنزلت هذه الآية {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة} حتى بلغ {والله عليم بالمتقين} ". وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {يتلون آيات الله آناء الليل} قال: قال بعضهم صلاة العتمة يصليها أمة محمد ولا يصليها غيرهم من أهل الكتاب. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي في سننه عن معاذ بن جبل قال "حديث : أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العتمة ليلة حتى ظن الظان أن قد صلى، ثم خرج فقال: اعتموا بهذه الصلاة فإنكم فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم ". تفسير : وأخرج الطبراني بسند حسن عن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه خرج ذات ليلة وقد أخر صلاة العشاء حتى ذهب من الليل هنيهة أو ساعة والناس ينتظرون في المسجد فقال: أما أنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها، ثم قال: أما إنها صلاة لم يصلها أحد ممن كان قبلكم من الأمم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبزار بسند حسن عن ابن عمر "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتم ليلةً بالعشاء؛ فناداه عمر نام النساء والصبيان فقال: ما ينتظر هذه الصلاة أحد من أهل الأرض غيركم ". تفسير : وأخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ثم خرج فقال: ما يحبسكم هذه الساعة؟ قالوا: يا نبي الله انتظرناك لنشهد الصلاة معك فقال لهم: ما صلى صلاتكم هذه أمة قط قبلكم، وما زلتم في صلاة بعد ". تفسير : وأخرج الطبراني بسند حسن عن عبد الله بن المستورد قال "حديث : احتبس النبي صلى الله عليه وسلم ليلة حتى لم يبق في المسجد إلا بضعة عشر رجلاً، فخرج إليهم فقال: ما أمسى أحد ينتظر الصلاة غيركم ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن منصور قال: بلغني أنها نزلت {يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} فيما بين المغرب والعشاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله {يتلون آيات الله آناء الليل} قال: هي صلاة الغفلة. وأخرج ابن جرير عن أبي عمرو بن العلاء في قوله {وما تفعلوا من خير فلن تكفروه} قال: بلغني عن ابن عباس أنه كان يقرؤهما جميعاً بالتاء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {فلن تكفروه} قال: لن يضل عنكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن {فلن تكفروه} قال: لن تظلموه.
القشيري
تفسير : كما غَايَرَ بين النور والظلام مغايرة تضاد فكذلك تضاد فكذلك أثبت منافاة بين أحوال الأولياء وأحوال الأعداء، ومتى يستوي الضياء والظلمة، واليقين والتُّهمة، والوصلة والفرقة، والبعاد والألفة، والمعتكف على البِساط والمنصرف عن الباب، والمتصف بالولاء والمنحرف عن الوفاء؟ هيهات يلتقيان! فكيف يتفقان أو يستويان؟!
اسماعيل حقي
تفسير : {ليسوا سواء} اى ليس اهل الكتاب جميعا مستوين متعادلين فى المساوى والقبائح والمراد بنفى المساواة نفى المشاركة فى اصل الاتصاف بالقبائح المذكورة لا نفى المساواة فى مراتب الاتصاف بها مع تحقق المشاركة فى اصل الاتصاف بها {من اهل الكتاب امة قائمة} كلام مستأنف لبيان عدم استوائهم وتمام الكلام يقتضى ان يقال ومنهم امة مذمومة الا انه اضمر بناء على ان ذكر احد الضدين يغنى عن الآخر اى من اهل الكتاب جماعة قائمة اى مستقيمة عادلة من اقمت العود فقام بمعنى استقاموا وهم الذين اسلموا منهم كعبد الله بن سلام وغيره. نزلت حين قالت احبار اليهود لعبد الله بن سلام وغيره من الذين اسلموا من اليهود ما آمن بمحمد الا شرارنا فلو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم او نزلت فى قوم يصلون صلاة الاوابين وهى اثنتا عشرة ركعة بعد صلاة المغرب {يتلون آيات الله} اى القرآن صفة اخرى لامة {آناء الليل} ظرف ليتلون اى فى ساعاته جمع أنى كعصا {وهم يسجدون} الجملة حال من فاعل يتلون اى يصلون اذ لا تلاوة فى السجود وقال عليه الصلاة والسلام "حديث : ألا انى نهيت ان اقرأ راكعا وساجدا " .تفسير : وتخصيص السجود بالذكر من سائر اركان الصلاة لكونه ادل على كمال الخضوع والمراد بصلاتهم التهجد اذ هو ادخل فى مدحهم وفيه يتسنى لهم التلاوة فانها فى المكتوبة وظيفة للامام واعتبار حالهم عند الصلاة على الانفراد يأباه مقام المدح.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {قائمة} أي: مستقيمة، من أقمت العود فقام، أو قائمة بأمر الله. و {آناء الليل}: ظرف: واحده: {إِنْيٌ}، بكسر الهمة وسكون النون، كنحى وأنحاء، أو {إني}، كمِعىً وأمعاء، و {لن تكفروه} أي: لن تحرموه، وعدي {كفر} إلى مفعولين لتضمنه معنى حرم أو منع. يقول الحقّ جلّ جلاله: ليس أهل الكتاب {سواء} في الكفر والعدوان، بل منهم {أمة} أي: طائفة {قائمة} بالعدل مستقيمة في الدين، أو قائمة بأمر الله، أو قائمة في الصلاة {يتلون آيات الله} في تهجدهم {آناء الليل} أي: في ساعاته، {وهم يسجدون} في صلاتهم، أو في صلاة العشاء، لأن أهل الكتاب لا يصلونها، لِمَا رُوِيَ أنه صلى الله عليه وسلم أخَّرها، ثم خَرَج، فإذا الناسُ يَنْتَظُرونَها، فقال:"حديث : أبشروا؛ فَإِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْل الأَرض أحدٌ يُصَلِّي في هَذِهِ السّاعَةِ غَيْرُكُم ". تفسير : ثم وصفهم بالإيمان فقال: {يؤمنون بالله واليوم الآخرة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات}، وهو عبد الله بن سلام وأصحابه ممن أسلم من اليهود، فقد وصفهم الله تعالى بخصائص لم توجد في اليهود، فإنهم منحرفون عن الحق غير متعبدين، مشركون بالله ملحدون في صفاته، يصفون اليوم الآخر بغير صفاته، مداهنون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، متباطئون عن الخيرات، بخلاف ما وصف به من أسلم منهم، {وأولئك} الموصوفون بتلك الصفات {من الصالحين} أي: ممن صلحت أحوالهم عند الله، واستوجبوا رضاءه وثناءه، وهذه عادة الله مع خلقه، من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً. ولذلك قال: {وما يفعلوا من خير فلن يُكفروه} أي: فلن تحرموا ثوابه. ولن تجحدوا جزاءه، بل يشكره لكم ويجزيكم عليه، سَمى الحرمان كفراناً كما سمى العطاء شكراً. {والله عليهم بالمتقين}؛ فلا يخفى عليه مقاماتهم في التقوى، وفيه إشعار بأن التقوى مبدأ الخير وأحسن الأعمال، وأن الفائزين عند الله هم أهل التقوى. رزقنا الله منها الحظ الأوفر بمنِّه. آمين. الإشارة: ليس أهل العلم سواء، بل منهم من جعله شبكةً يصطاد به الدنيا، يبيع دينه بعرض قليل، وهم علماء السوء وقضاة الجور، ومنهم من قرأه لله وعلَّمه لله، فأفنى عُمره في تعليمه وتقييده، ومنهم من صرف همته إلى جمعه وتأليفه، ومنهم من صرف همته إلى العمل به فالتحق بالعباد والزُّهاد، {يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} ومنهم من حرره وحققه، ثم توجه إلى علم الباطن وصحب العارفين، فكان من المقربين، فهؤلاء كلهم {يسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين}، فيقال لهم: {وما يفعلوا من خير فلن يُكفره والله عليم بالمتقين}.
الطوسي
تفسير : النزول: قال ابن عباس، وقتادة، وابن جريج سبب نزول هذه الآية أنه لما أسلم عبد الله بن سلام وجماعة معه قالت احبار اليهود ما آمن بمحمد إلا أشرارنا، فأنزل الله تعالى {ليسوا سواء} إلى قوله: {وأولئك من الصالحين}. اللغة، والاعراب، والمعنى: فان قيل لم ذكر مع سواء أحد الفريقين دون الآخر، ولا يجوز مثله أن يقول سواء علي قيامك حتى يقول أم قعودك قلن عنه جوابان: أحدهما - أنه محذوف لدلالة ما تقدم من الكلام عليه، كما قال أبو ذؤيب: شعر : عصاني إليها القلب إني لأمرها مطيع فما أدري أرشد طلابها؟ تفسير : ولم يقل أم غي، لأن الكلام يدل عليه، لأنه كان يهواها فما يبالي أرشد أم غي طلابها. وقال آخر: شعر : أراك فلا أدري أهم هممته وذو الهم قدماً خاشع متضائل تفسير : ولم يقل أم غيره، لأن حاله في التغير ينبىء أن الهم غيره أم غيره مما يجري مجراه، وهذا قول الفراء، وضعفه الزجاج، وقال، ليس بنا حاجة إلى تقدير محذوف، لأن ذكر أهل الكتاب قد جرى في قوله: {يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء} فتبين أن فيهم غير المؤمنين، فلا يحتاج أن يقدر وأمة غير قائمة. الثاني - أن يكون ليسوا سواء منهم الجواد، والشجاع، فعلى القول الأول يكون رفع أمة على معنى الفعل، وتقديره لا يستوي أمة هادية وأمة ضالة. وعلى القول الثاني يكون رفعها بالابتداء. وقال الطبري لا يجوز الاقتصار في سواء على أحد الذكرين دون الآخر. وأنما يجوز في ما أدري وما أبالي. قال الرماني: وهذا غلط، لأنه ذهب عليه الفرق بين الاقتصار والحذف لأن الحذف لا بد فيه من خلف يقوم مقامه. والاقتصار ليس كذلك، لأنه كالاقتصار على أحد المفعولين في أعطيت، وحذفه في حسبت مر تجلا أي لنا. والخلف فيه دلالة الحال، فأما أعطيت زيداً، فلا محذوف فيه، لأنه ليس معه خلف يقوم مقامه. وقوله: {قائمة} فيه أربعة أقوال: قال الحسن وابن جريج معناه عادلة. وقال ابن عباس، وقتادة، والربيع: معناه ثابتة على أمر الله. وقال السدي معناه قائمة بطاعة الله وقال الاخفش، والزجاج: معناه ذو أمة مستقيمة، وهذا ضعيف لأنه عدول عن الظاهر في أمة والحذف لا دلالة عليه. وقوله: {أناء الليل} قيل في واحده قولان: أحدهما - اني مثل نجي. والثاني - اني مثل معي. وحكى الاخفش أنو، والجمع أناء. قال الشاعر: شعر : حلو ومر كعطف القدح مرته بكل انيٍ حداه الليل ينتعل تفسير : وروي ينتشر. وقال الحسن، والربيع، وعبد الله بن كثير معناه ساعات الليل. وقال ابن مسعود يريد صلاة العتمة، لأن أهل الكتاب لا يعلمونها، وقال الثوري عن منصور هو الصلاة بين المغرب والعشاء. وقال السدي يعني جوف الليل. وقوله: {هم يسجدون} فيه قولان: أحدهما - السجود المعروف في الصلاة. الثاني - قال الفراء، والزجاج معناه يصلون. وبه قال البلخي، وغيره، لأن القراءة لا تكون في السجود، ولا في الركوع، وهذا ترك للظاهر، وعدول عنه. ومعنى الآية يتلون آيات الله أناء الليل وهم مع ذلك يسجدون، فليست الواو حالا وإنما هي عطف جملة على جملة، والضمير في قوله {ليسوا} عائد على أهل الكتاب، لتقدم ذكرهم، وقال أبو عبيدة هو على لغة أكلونى البراغيث. ومثله قوله: {أية : عموا وصموا كثير منهم}تفسير : وقال الشاعر: شعر : رأين الغواني الشيب لاح بعارضي فاعرضن عني بالخدود النواضر تفسير : قال الرماني، وهذا غلط، لأن هذه اللغة ردية في القياس والاستعمال أما القياس، فلان الجمع عارض، والعارض لا يؤكد علامته، لأنه بمنزلة ما لا يعتد به، في سائر أبواب العربية وليس كالثابت للزومه فتقدم له العلامة لتؤذن به قبل ذكره ومع ذلك فجائز تركها فيه، فكيف بالعارض، ولزوم الفعل للفاعل يغني عن التثنية والجمع فيه، فلا يدخل جمع على جمع كما لا يدخل تعريف على تعريف. وأما الاستعمال، فلان أكثر العرب على خلافه.
الجنابذي
تفسير : {لَيْسُواْ سَوَآءً} اى ليس اهل الكتاب الّذين آمنوا والفاسقون سواء فى احوالهم واعمالهم {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} مستأنفةٌ جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ مثل الجمل السّابقة والآتية كأنّه قيل: ما حالهم المختلفة الغير المتساوية؟ او لم قلت: ليسوا سواء؟ - فقال: منهم {أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} معتدلة فى احوالهم واخلاقهم واعمالهم او قائمة للعبادة ويكون حينئذٍ آناء اللّيل متنازعاً فيه {يَتْلُونَ} صفة بعد صفة او حال او مستأنف {آيَاتِ ٱللَّهِ} يعنى يرغبون فى آيات الله وينظرون اليها ويتدبّرون فيها من كتبهم ومن القرآن {آنَآءَ ٱللَّيْلِ} جمع الانى بفتح الهمزة او كسرها وسكون النّون او جمع الانو بالكسر والسّكون بمعنى السّاعة من اللّيل {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} يخضعون لله وللخلق او تلاوة الآيات، والسّجود كناية عن صلاة العتمة او صلاة اللّيل وقوله تعالى {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب} الآية، قيل: لما أسلم عبد الله بن سلام وجماعة معه، قال أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا أشرارنا ولو كان من أخيارنا ما ترك دين الآباء فنزلت، وقيل: إنها نزلت في قوم كانوا يصلون بين المغرب والعشاء، وقيل: أنها نزلت في أربعين رجلاً من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم وكانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} يعني يجتهدون في تلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود، وقيل: أراد صلاة العشاء لأن أهل الكتاب لا يصلونها، وعن ابن مسعود: "حديث : أخر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلاة العشاء، ثم خرج المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: "أما أنه ليس من الأديان أحدٌ يذكر الله هذه الساعة غيركم" وقرأ هذه الآية"تفسير : ، قوله تعالى: {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} أي لن تحرموا أجره {إن الذين كفروا لن تغني} نزلت في مشركي قريش، قيل: هو عام، قوله تعالى: {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح} الآية نزلت في أبي سفيان وأصحابه في يوم بدر عند تظاهرهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: نزلت في جميع الكفار في نفقاتهم وصدقاتهم في الدنيا، وقيل: هو عام وهو ما كانوا ينفقون من أموالهم في المفاخر والمكارم وكسب الثناء وحسن الذكر من الناس، لا يبتغون به وجه الله تعالى، وقيل: هو ما كانوا يتقربون به إلى الله تعالى مع كفرهم، وقيل: هو ما أنفقوه في عداوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فضاع عنهم، ومعنى: {حرث قوم} يريد زرع قوم شبَّهَهُ بالزرع الذي يحسه الرد فذهب حطاماً، {وما ظلمهم الله} بأن لم يقبل نفقاتهم {ولكن أنفسهم يظلمون} بأن لم يطلبوا ما عند الله ولأصحاب الحرث الذين ظلموا أنفسهم، أي وما ظلمهم بهلاك زرعهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة.
اطفيش
تفسير : {لَيْسُوا}: أى أهل الكتاب. {سَوَاءً}: مستوين فى القبائح، قال ابن عباس رضى الله عنهما: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسيد بن عبيد قال الكفار من أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا خياراً ما تركوا دين آبائهم. فأنزل الله جل وعلا {لَيسُوا سَوَاءً} الآية، ومثله لقتادة وابن جريج: أى أن أهل الكتاب الذين سبق ذكرهم، أن منهم مؤمنين وأن أكثرهم فاسقون ليسوا سواء فضلا عن أن يكون الكفار خياراً، بل من آمن منهم هم الأخيار، فالأمة القائمة فى قوله تعالى: {مِنْ أهْلِ الكِتَابِ أمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آنَاءَ اللّيلِ وَهُم يَسْجُدُون. يُؤمِنُونَ بِاللهِ والْيَوْم الآخِرِ ويَأمُرونَ بالمَعْروفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَر ويُسَاعُون فِى الْخَيْرَاتِ وَأولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}: هم المؤمنون المذكورون فى قوله تعالى {أية : منهم المؤمنون}،تفسير : ومقابله محذوف وهو الأكثر الفاسقون، أى ومنهم من ليس كذلك، ولم يذكر هذا المقابل المذموم استغناءً بذكر مقابلة الممدوح لعلمه منه، ولأنه قد ذكر قبل بقوله {أية : وأكثرهم الفاسقون}تفسير : ولو كان المؤمنون أيضاً قد ذكروا لأنهم أعيدوا للرد على اليهود، ومن مثل ذلك الحذف قولك: زيد وعمرو ليسا سواء، زيد عالم، فتعلم من ذلك أن المقابل: وعمرو جاهل فحذف وذلك إخبار بأن من أهل الكتاب من بقى على الحق إلى أن أتى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن: من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وزعم بعض أنه لا وقف فى سواء وأن الواو فى ليسوا علامة جمع لا ضمير، وأن أمة اسم ليس ومن أهل الكتاب: حال من أمة، وهذا قول ضعيف، وقيل: الواو فى ليسوا عائداً إلى أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم واليهود وأن الأمة القائمة هى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم من جملة من أوتى الكتاب، والقائمة هى المستمرة للطاعة ورفع منار الإسلام، وذلك أن القاعد لا يقوى على الأعمال القوية، فصارت العرب تعبر بالقيام عن التشمر والحزم فى الأمر، ويجوز أن يكون معناه غير معوجة فى عملها، واعتقادها، كالشىء المستوى القامة، كأنه قيل: أمة مستقيمة، بإقامة حدود الله وكتابه، وقيل: قائمة فى الصلاة، ومعنى {يَتْلُونَ آياتِ الله}: يتلون آيات الله بالقراءة أى يقرءونها، وهى القرآن تتلوه هذه الأمة، أو من آمن من أهل الكتاب يقرؤه، أو هى التوراة يتلوها من بقى على الحق، و{آنَاءَ اللّيل}: ساعات الليل، والمفرد إنى - بكسر الهمزة وإسكان النون - وجملتهم يسجدون حال من واو يتلون، ومعنى {يسجدون}: يصلون، إذ لا قراءة فى السجود والركوع، وقيل: إلا أن كانت صلاة النفل، أو يتلون تارة فى الصلاة قياماً ثم يسجدون، سمى الكل باسم البعض، فالمراد: يتلون آيات الله فى الصلاة ويجوز أن تكون معطوفة عطف اسمية على فعلية، أخبرنا برسوخهم فى الصلاة، أى أن من صفة الأمة التلاوة والصلاة، وعلى كل حال فالصلاة صلاة نفل فى الليل، وقيل مستأنفة، وقيل: المراد صلاة العشاء، لأن أهل الكتاب لا يصلونها، قال ابن مسعود رضى الله عنه: حديث : أخر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: "أما أنه ليس فى أهل الأديان أحد يذكر الله فى هذه الساعة غيركم؟" تفسير : قرأ هذه الآية. وقال عطاء فى قوله تعالى: {لَيسُوا سَوَاءً} الآية إن الأمة القائمة التالية لآيات الله الساجدة أربعون رجلا من نصارى نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الروم، وكانوا على دين عيسى عليهِ السلام، وصدقوا برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا به، وعدة من الأنصار منهم أسعد بن زرارة، والبراء ابن معزوز، ومحمد بن سلمه، وأبو قيس سلمة بن أنس، كانوا قبل الإسلام موحدين، يغتسلون من الجنابة، ويقومون بما عرفوا من الشريعة الحنيفية، حتى بعث الله تعالى النبى صلى الله عليه وسلم، فآمنوا به وصدقوه، ثم إنهُ إن فسرنا الصلاة بصلاة النفل، فالمعنى أن الشخص الواحد تارة يقوم ساعات الليل كلها، وتارة يقوم فى هذه الساعة من الليل، وتارة فى هذه. وهكذا بحسب تمكنه من القيام، وإن شخصاً يقوم فى هذه، وآخر فى هذه وهكذا. ودرس العلم فى الليل أفضل من الصلاة فيه، لمن أخلصهُ لما يرجى من نفع المسلمين به، وكانوا يستحبون الصلاة آخر الليل، لرواية أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهُ قال: "حديث : ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعونى فأستجيب له، من يسألنى فأعطيه، من يستغفر لى فأغفر له ". تفسير : وعن عمرو بن عنيسه أنهُ سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أقرب ما يكون الرب من العبد فى جوف الليل الأخير، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله فى تلك الساعة فكن"تفسير : . حديث : وعن أبى إمامة: يا رسول الله أى الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الأخير، ودبر الصلاة المكتوبة" تفسير : ويروى: جوف الله الأخير أرجى، ومعنى نزول الرب: سُبْحَانهُ نزول مناديه، أى ينزل داعى ربنا وهو ملك يقول عن الله: من يدعونى.. إلخ، وقيل: السجود هنا الخضوع لله، عز وجل، وعنه صلى الله عليهِ وسلم: "حديث : عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله وتكفير السيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء، عن الجسد " تفسير : وجملة {يتلون} نعت أمة، أو حال من أمة، أو من ضمير {قائمة} و {يؤمنون} نعت ثالث، أو حال من {أمة} أو من واو {يتلون}، أو واو {يسجدون}، واليهود على خلاف ذلك، لأنهم مشركون بالله، ملحدون فى صفاته، يصفون يوم القيامة بخلاف صفته، لا يعبدون فى الليل لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، بل يداهنون ولا يسارعون فى الخيرات، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر فى الآية على عمومها. وقيل: {المعروف} الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، و{المنكر} الكفر بهما، وأكد الله تبارك وتعالى المدح بوصف الأمة، بتلاوة آيات هى الهيئة فى وقت يكون تخصيصه بالعبادة ناشئاً عن الإخلاص حال كون التلاوة مقرونة بهيئة الخضوع، وهى السجود، ومعنى المسارعة فى الخيرات المبادرة إليها خوف الموت، لا يتشاغلون ويتكاسلون، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اغتنم خمساً قبل خمس"تفسير : قال بعض الناس دخلت مع بعض الصالحين فى مركب فقلت: ما تقول أصلحك الله فى الصوم فى السفر؟ فقال لى: إنها المبادرة يابن أخى. و{فى} بمعنى إلى، أو هى للظرفية على تضمين الشروع لعجلة أو معنى اللبث فيها من واحد لآخر، ومعنى {من الصالحين} أنهم ممن صلحت أحوالهم عند الله، واستحقوا رضاه وثناءه. و{من} للتبعيض ومن أجاز أن تكون لبيان الجنس، فلعله أراد أن المعنى: أولئك هو الصالحون أى الكاملون فى الصلاح، وذلك على العموم، وقيل: المعنى: أولئك من المسلمين، فخص الصالحين بهذه الأمة المؤمنين.
اطفيش
تفسير : {لَيْسُوا} أى أهل الكتاب المذكورون فى قوله تعالى: {أية : ولو آمن أهل الكتاب} تفسير : [آل عمران: 110] {سَوَآءً} فى المعاصى، بل منهم من أصر على الكفر ومنهم من أسلم، نزلت الآية حين سب اليهود من أسلم منهم، وقالوا: ما أسلموا إلا لأنهم من أشرارنا {مِّن أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} مستقيمة عادلة، وهم الذين أسلموا منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قبله، ثم آمنوا به بعد مجيئه أو قبله، وماتوا قبله، والجملة مبينة لعدم تساويهم، كما أن قوله: تأمرون بالمعروف الخ مبين لقوله: كنتم خير أمة، ومعادلها محذوف يقدر بعد قوله من الصالحين هكذا، ومنهم من ليس كذلك وليسوا من الصالحين، ومن عادة العرب الاستغناء بذكر أحد الضدين عن الآخر، والآية كقوله: {أية : منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} تفسير : [آل عمران: 110]، ومن الأمة القائمة: عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيد، وثعلبة بن شعبة، وأسيد بن شعبة، وأسيد بن عبيد وأضرابهم، وأربعون رجلا من نصارى نجران، واثنان وثلاثون من نصارى الحبشة، والنجاشى ومن معه، وثلاثة من الروم على دين عيسى، وصدقوا محمداً صلى الله عليه وسلم، وكان من الأنصار فيهم قبل قدومه صلى الله عليه وسلم أسعد بن زرارة، والبراء بن معرور، ومحمد بن سلمة، وأبو قيس هرمة بن أنس، كانوا موحدين، يغتسلون من الجنابة، ويقومون بما يعرفون من دين إبراهيم حتى جاء صلى الله عليه وسلم فصدقوه ونصروه إلا البراء بن معرور، فمات قبل الهجرة {يَتْلُونَ ءَايَآتِ اللهِ} التوراة والإنجيل والزبور {ءَانَآءَ الَّيْلِ} ساعات الليل، والساعة الواحدة أنا كعصا، وإنى كرِضى، وأبى كظبى، وإنى بكسر فسكون، وأنو كجرو، أبدلت الهمزة فى الجمع ألفا وصارت مدة لهمزة أفعال، وأبدلت الياء أو الواو آخرا همزة بعد ألف أفعال {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} يصلون، أى يتلون آيات الله حال كونهم فى الصلاة قياما، وجاء الحديث، حديث : إنى نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجداتفسير : ، كما رواه فى الإيضاح، ولفظ مسلم وغيره عن على بن أبى طالب حديث : نهانى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ راكعا أو ساجداتفسير : ، وفى رواية لمسلم: ألا إنى نهيت أن أقرأ راكعا فقمن أن يستجاب لكم، وأنه لا قراءة فى الركوع والسجود فى هذه الأمة، وكذا فى سجود من قبلنا وركوعهم، إن كانوا يركعون، وأجازها بعض فى ركوع النفل وسجوده، وفى سجود بلا صلاة، وقيل: تجوز فى سجود بلا صلاة، كسجود التلاوة، ويناسبه ذكر الركوع فى حديث النهى، فتبادر أن النهى فيما فيه الركوع والسجود من الصلاة، ومن ذلك قول الديوان والإيضاح إنه يقال فى سجود التلاوة، سبحان ربنا، إن كان وعد ربنا مفعولا، والصحيح المنع، لأن قوله: وأم السجود الخ ظاهرة فى أنه لا يتلى فى السجود غير الصلاة كما لا يتلى فى سجود الصلاة، وذلك أنه قال: اجتهدوا فى الدعاء، وسجود الصلاة لا اجتهاد في الدعاء فيه، والآية فى وصف أهل الكتاب الذين اتبعوا الحق قبل البعثة، وإن قلنا إنها فى وصفهم بعدها، فالآيات القرآن، وقد نهاهم صلى الله عليه وسلم أن يقوموا الليل أو يصلوا بالتوراة أو غيرها إلا القرآن، وقد قال بعض: المراد صلاة العشاء، وليست لأهل الكتاب كما نص عليه شراح الحديث، أنهم لا يصلونها بتعجيل ولا تأخير ولا توسيط , روى أنه صلى الله عليه وسلم أخرها إلى ثلث الليل أو نصفه، وقال: حديث : أما أنه ليس أحد من أهل الأديان بذكر الله فى هذه الساعة غيركمتفسير : ، أخرجه ابن حبان والنسائى، وقال: أما إن هذا أفضل وقتها، ثم رخص لهم أن يصلوها قبل ذلك، وقيل: نفل بين المغرب والعشاء يسمى صلاة الغفلة، وقيل: الخضوع، وقيل: سجود التلاوة، وقال رجل من العرب: أحبك يا رسول الله وأخاف أن أُفارقك يوم القيامة فادع الله أن يجعلنى رفيقك فى الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعنِّى بكثرة السجود ".
الالوسي
تفسير : {لَيْسُواْ سَوَاء } أخرج ابن إسحق والطبراني والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن شعبة وأسيد بن شعبة وأسيد بن عبيد ومن أسلم من يهود معهم فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد وتبعه إلا أشرارنا ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره فأنزل الله تعالى في ذلك {لَيْسُواْ سَوَاءً } إلى قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [آل عمران: 114] والجملة على ما قاله مولانا شيخ الإسلام تمهيد لتعداد محاسن مؤمني أهل الكتاب، وضمير الجمع لأهل الكتاب جميعاً لا للفاسقين [منهم] خاصة وهو اسم ليس وسواء خبره، وإنما أفرد لكونه في الأصل مصدراً والوقف هنا تام على الصحيح والمراد بنفي المساواة نفي المشاركة في أصل الاتصاف بالقبائح [المذكورة] لا نفي المساواة في الاتصاف بمراتبها مع تحقق المشاركة في أصل الاتصاف ومثله كثير في الكلام. {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } استئناف مبين لكيفية عدم التساوي ومزيل لما فيه من الإبهام، وقال أبو عبيدة: إنه مع الأول كلام واحد، وجعل أمة اسم ليس والخبر سواء فهو على حد أكلوني البراغيث، وقيل: أمة مرفوع بسواء وضعف كلا القولين ظاهر، ووضع {أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } موضع الضمير زيادة في تشريفهم والاعتناء بهم والقائمة من قام اللازم بمعنى استقام أي: أمة مستقيمة على طاعة الله تعالى ثابتة على أمره لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه، وحكي عن ابن عباس وغيره، وزعم الزجاج أن الكلام على حذف مضاف والتقدير ذو أمة قائمة أي ذو طريقة مستقيمة، وفيه أنه عدول عن الظاهر من غير دليل. والمراد من هذه الأمة من تقدم في سبب النزول، وجعل بعضهم أهل الكتاب عاماً لليهود والنصارى وعد من الأمة المذكورة نحو النجاشي وأصحابه ممن أسلم من النصارى. {يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ } صفة لأمة بعد وصفها بقائمة، وجوز أن تكون حالا من الضمير في {قَائِمَةً } أو من الأمة لأنها قد وصفت، أو من الضمير في الجار الواقع خبراً عنها، والمراد يقرءون القرآن {ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ } أي ساعاته وواحده أنى بوزن عصا، وقيل: أنى كمعا، وقيل: أنى بفتح فسكون أو كسر فسكون؛ وحكى الأخفش أنو كجرو؛ فالهمزة منقلبة عن ياء أو واو وهو متعلق بيتلون أو بقائمة ومنع أبو البقاء تعلقه بالثاني بناءاً على أنه قد وصف فلا يعمل فيما بعد الصفة {وَهُمْ يَسْجُدُونَ } حال من ضمير يتلون على ما هو الظاهر، والمراد وهم يصلون إذ من المعلوم أن لا قراءة في السجود وكذا الركوع بل وقع النهي عنها فيهما كما في الخبر، والمراد بصلاتهم هذه التهجد على ما ذهب إليه البعض وعلل بأنه أدخل في المدح وفيه تتيسر لهم التلاوة لأنها في المكتوبة وظيفة الإمام، واعتبار حالهم عند الصلاة على الانفراد يأباه مقام المدح وهو الأنسب بالعدول عن إيرادها باسم الجنس المتبادر منه الصلوات المكتوبة وبالتعبير عن وقتها بالآناء المبهمة، وإنما لم يعبر على هذا بالتهجد دفعاً لاحتمال المعنى / اللغوي الذي لا مدح فيه. والذي عليه بعض السلف أنها صلاة العتمة. واستدل عليه بما أخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن جرير والطبراني بسند حسن واللفظ للأخيرين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: حديث : أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: «أما إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب تفسير : قال: وأنزلت هذه الآية {لَيْسُواْ سَوَآءً} حتى بلغ {أية : وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ }تفسير : » [آل عمران: 115] وعليه تكون الجملة معطوفة على جملة {يَتْلُونَ }، وقيل: مستأنفة ويكون المدح لهم بذلك لتميزهم واختصاصهم بتلك الصلاة الجليلة الشأن التي لم يتشرف بأدائها أهل الكتاب كما نطق به الحديث بل ولا سائر الأمم، فقد روى الطبراني بسند حسن أيضاً عن المنكدر أنه قال: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وأنه أخر صلاة العشاء حتى ذهب من الليل هنيهة أو ساعة والناس ينتظرون في المسجد فقال: «أما إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها» ثم قال: «أما إنها صلاة لم يصلها أحد ممن كان قبلكم من الأمم» تفسير : ولعل هذا هو السر في تقديم هذا الحكم على الحكم بالإيمان، ولا يرد عليه أن التلاوة لا تتيسر لهم إلا بصلاتهم منفردين ولا تمدح في الإنفراد مع أنه خلاف الواقع من حال القوم على ما يشير إليه الخبران لأنه لم تقيد التلاوة فيه بالصلاة وإنما يلزم التقييد لو كانت الجملة حالاً من الضمير كما سبق وليس فليس. والتعبير عن الصلاة بالسجود لأنه أدل على كمال الخضوع وهو سر التعبير به عنها في قوله صلى الله عليه وسلم لمن طلب أن يدعو له بأن يكون رفيقه في الجنة لفرط حبه له وخوف حيلولة الفراق يوم القيامة حديث : أعني بكثرة السجودتفسير : ، وكذا في كثير من المواضع، وقيل: المراد بها الصلاة ما بين المغرب والعشاء الآخرة وهي المسماة بصلاة الغفلة، وقيل: المراد بالسجود سجود التلاوة. وقيل: الخضوع كما في قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ }تفسير : [الرعد: 15] واختيرت الجملة الإسمية للدلالة على الاستمرار وكرر الإسناد تقوية للحكم وتأكيداً له، واختيار صيغة المضارع للدلالة على التجدد.
ابن عاشور
تفسير : استئناف قصد به إنصاف طائفة من أهل الكتاب، بعد الحكم على معظمهم بصيغة تعمّهم، تأكيداً لِما أفاده قولُه {أية : منهم المؤمنون وأكثرُهم الفاسقون}تفسير : [آل عمران: 110] فالضمير في قوله {ليسوا} لأهل الكتاب المتحدّث عنهم آنفاً، وهم اليهود، وهذه الجملة تتنزّل من التي بعدها منزلة التمهيد. و (سواء) اسم بمعنى المماثل وأصله مصدر مشتق من التسوية. وجملة {من أهل الكتاب أمصة قائمة} الخ... مبيّنة لإبهام {ليسوا سواء} والإظهار في مقام الإضمار للاهتمام بهؤلاء الأمة، فلأمّة هنا بمعنى الفريق. وإطلاق أهل الكتاب عليهم مجاز باعتبار ما كان كقوله تعالى: {أية : وآتوا اليتامى أموالهم}تفسير : [النساء: 2] لأنهم صاروا من المسلمين. وعدل عن أن يقال: منهم أمَّة قائمة إلى قوله من أهل الكتاب: ليكون ذا الثناء شاملاً لصالحي اليهود، وصالحي النَّصارى، فلا يختصّ بصالحي اليهود، فإن صالحي اليهود قبل بعثة عيسى كانوا متمسّكين بدينهم، مستقيمين عليه، ومنهم الَّذين آمنوا بعيسى واتّبعوه، وكذلك صالحو النَّصارى قبل بعثة محمّد صلى الله عليه وسلم كانوا مستقيمين على شريعة عيسى وكثير منهم أهل تهجَّد في الأديرة والصّوامع وقد صاروا مسلمين بعد البعثة المحمدية. والأمَّة: الطائفة والجماعة. ومعنى قائمة أنه تمثيل للعمل بدينها على الوجه الحقّ، كما يقال: سوق قائمة وشريعة قائمة. والآناء أصله أأنْاء بهمزتين بوزن أفعال، وهو جمع إنى ـــ بكسر الهمزة وفتح النُّون مقصوراً ـــ ويقال أنى ـــ بفتح الهمزة ـــ قال تعالى: {أية : غير ناظرين إنَاه}تفسير : [الأحزاب: 53] أي منتظرين وقته. وجملة {وهم يسجدون} حال، أيّ يتهجّدون في الليَّل بتلاوة كتابهم، فقيّدت تلاوتهم الكتاب بحالة سجودهم. وهذا الأسلوب أبلغ وأبين من أن يقال: يتهجّدون لأنّه يدلّ على صورة فعلهم. ومعنى {يسارعون في الخيرات} يسارعون إليها أي يرغبون في الاستكثار منها. والمسارعة مستعارة للاستكثار من الفعل، والمبادرة إليه، تشبيهاً للاستكثار والأعتنار بالسير السريع لبلوغ المطلوب. وفي للظرفية المجازية، وهي تخييلية تؤذن بتشبيه الخيرات بطريق يسير فيه السائرون، ولهؤلاء مزيّة السرعة في قطعه. ولَك أن تجعل مجموع المركّب من قوله {ويسارعون في الخيرات} تمثيلاً لحال مبادرتهم وحرصهم على فعل الخيرات بحال السائر الراغب في البلوغ إلى قصده يُسرع في سيره. وسيأتي نظيره عند قوله تعالى {أية : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر}تفسير : في سورة [العقود: 176]. والإشارة بأولئك إلى الأمّة القائمة الموصوفة بتلك الأوصاف. وموقع اسم الإشارة التنبيه على أنَّهم استحقوا الوصف المذكور بعد اسم الإشارة بسبب ما سبق اسمّ الإشارة من الأوصاف.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}. ذكر هنا من صفات هذه الطائفة المؤمنة من أهل الكتاب أنها قائمة. أي: مستقيمة على الحق وأنها تتلو آيات الله آناء الليل وتصلي وتؤمن بالله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وذكر في موضع آخر أنها تتلو الكتاب حق تلاوته وتؤمن بالله وهو قوله: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} تفسير : [البقرة: 121]. وذكر في موضع آخر أنهم يؤمنون بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليهم وأنهم خاشعون لله لا يشترون بآياته ثمناً قليلاً. وهو قوله: {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} تفسير : [آل عمران: 199]. وذكر في موضع آخر أنهم يفرحون بإنزال القرآن وهو قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} تفسير : [الرعد: 36]، وذكر في موضع آخر أنهم يعلمون أن إنزال القرآن من الله حق، وهو قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأنعام: 114] الآية، وذكر في موضع آخر أنهم إذا تلي عليهم القرآن خروا لأذقانهم سجداً وسبحوا ربهم وبكوا، وهو قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} تفسير : [الإسراء: 107-109]. وقال في بكائهم عند سماعه أيضاً: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ} تفسير : [المائدة: 83] وذكر في موضع آخر أن هذه الطائفة من أهل الكتاب، تؤتى أجرها مرتين وهو قوله: {أية : وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ} تفسير : [القصص: 51-54].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 113- وإن أهل الكتاب ليسوا متساوين، فإن منهم جماعة مستقيمة عادلة يقرءون كتاب الله فى ساعات الليل وهم يصلون. 114- لا يعبدون إلا الله ويصدقون بوجوده ووحدانيته وبالرسل ومجئ يوم القيامة، ويأمرون بالطاعات وينهون عن المعاصى، ويبادرون إلى فعل الخيرات، وهؤلاء عند الله من عداد الصالحين. 115- وما يفعلوا من خير فلن يحرموا ثوابه، والله محيط بأحوالهم ومجازيهم عليها. 116- إن الذين كفروا لن تدفع عنهم أموالهم لو افتدوا بها أنفسهم، ولا أولادهم لو استعانوا بهم شيئاً ولو يسيراً من عذاب الله فى الآخرة. وهؤلاء هم الملازمون للنار، الباقون فيها. 117- إن حال ما ينفقه الكفار فى الدنيا وما يرجون عليه من ثواب فى الآخرة، كحال زرع قوم ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصى، أصابته ريح فيها برد شديد فأهلكته عقوبة لهم. وما ظلمهم الله بضياع أجور أعمالهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما أوجب ضياعها، وهو جحود دلالات الإيمان والكفر بالله. 118- يا أيها الذين آمنوا: لا تتخذوا أصفياء تستعينون بهم من غير أهل دينكم، تطلعونهم على أسراركم، لأنهم لا يقصرون فى إفساد أموركم. إذ هم يودون أن يرهقوكم ويضروكم أشد الضرر. وقد ظهرت أمارات البغضاء لكم من فلتات ألسنتهم، وما تضمره قلوبهم أعظم مما بدا، قد أظهرنا لكم العلامات التى يتميز بها الولى من العدو إن كنتم من أهل العقل والإدراك الصحيح.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ليسوا سواء: غير متساوين. أمة قائمة: جماعة قائمة ثابتة على الإِيمان والعمل الصالح. يتلون آيات الله: يقرأون القرآن. آناء الليل: ساعات الليل جمع إني وَإِني. وهم يسجدون: يصلون يسارعون في الخيرات: يبتدرونها خشية الفوات. فلن يكفروه: فلن يجحدوه بل يعترف لهم به ويجزون به وافياً. معنى اللآيات: بعد أن ذكر تعالى حال أهل الكتاب وأنهم فريقان مؤمن صالح، وكافر فاسد، ذكر هنا في هذه الآيات الثلاث: [113، 114، 115] أن أهل الكتاب ليسوا سواء أي غير متساوين في الحال، وأثنى على أهل الصلاح منهم فقال جل ذكره {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} أي على الإِيمان الحق والدين الصحيح وهم الذين أسلموا. يتلون آيات الله يقرأونها في صلاتهم آناء الليل أي ساعات الليل في صلاة العشاء وقيام الليل وهم يسجدون وهذا ثناء عليهم بالسجود إذ هو أعظم مظاهر الخضوع لله تعالى كما أثنى تعالى عليهم بالإِيمان الصادق والأمر بالمعروف وهو الدعوة إلى عبادة الله تعالى بعد الإِيمان به، والإِسلام الظاهر والباطن له. وينهون عن المنكر وهو الشرك بعبادة الله تعالى والكفر به وبرسوله فقال عز وجل: {وَيَأْمُرُون بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} أي يبادرون إليها قبل فواتها والخيرات هي كل قول وعمل صالح من سائر القربات. وشهد تعالى لهم بالصلاح فقال: {وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ}. وأخيراً في الآية الأخيرة [115] أن ما يفعلونه من الصالحات وما يأتونه من الخيرات لن يجحدوه بل يعترف لهم به ويجزون عليه أتم الجزاء، لأنهم متقون والله عليم بالمتقين فلن يضيع أجرهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضل الثبات على الحق والقيام على الطاعات. 2- فضل تلاوة القرآن الكريم في صلاة الليل. 3- فضل الإِيمان والدعوة إلى الإِسلام. 4- فضل المسابقة في الخيرات والمبادرة إلى الصالحات. 5- فضيلة الكتابي إذا أسلم وحسن إسلامه، وفي الصحيحين يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران" تفسير : الحديث..
القطان
تفسير : سواء: متساوٍ، يُستعمل للواحد والمثنى والجمع. قائمة: مستقيمة عادلة. آناء الليل: ساعات الليل. قال ابن عباس وقتادة وابن جريْج: نزلت هذه الآيات لما أسلم عبد الله بن سلام وجماعة معه. فقالت احبار اليهود: ما آمن بمحمد الا شِرارنا. ليس جميع أهل الكتاب متساوين في الأعمال القبيحة والكفر، بل ان فيهم جماعة قويمة السيرة عادلة، آمنوا بمحمد، وهم يقرأون القرآن ساعات من الليل وهم ساجدون، كما يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويبادرون الى فعل الخيرات. لقد صلحتْ أحوالهم وحسنت أعمالهم، فرضيهم ربهم، ولن يحرمهم ثواب ما يفعلونه من خير، إنه عليم بالمتقين محيط بأحوالهم. وفي هذه الآيات ردٌّ على اليهود المتعنتين الذين قالوا لمن أسلم منهم: لقد خسرتم بدخولكم في الاسلام، وفيها اشارة الى المؤمنين وتطمينٌ لهم أنهم فازوا بالسعادة العظمى والدرجات العليا، كي يزول من صدورهم أثر كلام أولئك الطغاة المتمردين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {قَآئِمَةٌ} {آيَاتِ} {ٱللَّيْلِ} (113) - وَيَسْتَثْنِي اللهُ تَعَالَى بَعْضَ أهْلِ الكِتَابِ مِنْ الكُفْرِ وَالعِصْيَانِ، فَيَقُولُ: إنَّ مِنْهُمْ جَمَاعَةً مُهْتَدِيةً، آمَنُوا إيمَاناً صَادِقاً، وَأقَامُوا عَلَى أمْرِ اللهِ لَمْ يَنْزَعُوا عَنْهُ، وَلَمْ يَتْرُكُوهُ، وَانْضَمُّوا إلى الصَّفِّ المُسْلِمِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَيُسْجُدُونَ للهِ. (وَيَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ المُرَادَ بِهَذِهِ الأمَّةِ جَمَاعَةٌ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمُوا كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلاّمٍ وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعِيدٍ). لَيْسُوا سَواءً - لَيْسُوا مُتَسَاوِينَ. قَائِمَةٌ - مُسْتَقِيمَةٌ عَادِلَةٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا ما حدث بالفعل، لكن أي آيات لله كانوا يتلونها؟ إنها الآيات المهيمنة، آيات القرآن ولماذا يقول الحق: {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113] وهل هناك قراءة للقرآن ساعة السجود؟ حتى نعرف تفسير ذلك لا بد لنا أن نعرف أن اليهود لا يصلون العتمة، أي الصلاة في الليل، وحتى يعطيهم الله السمة الإسلامية قال عنهم: "يسجدون" ويُعَرّفَهم بأنهم يقيمون صلاة العتمة، - العشاء - وهي صلاة المسلمين، وما داموا يصلون صلوات المسلمين ويسجدون، إذن فهم مسلمون أو نفهم من قوله: "وهم يسجدون" أن الصلاة عنوان الخضوع، والسجود أقوى سمات الخضوع في الصلاة. ما داموا يصلون فلا بد أنهم يتلون آيات الله آناء الليل وهم يؤدون الصلاة بخشوع كامل. ونعرف أن من حسن العبادة في الإسلام، ومن السنن المعروفة قراءة القرآن ليلاً، وصلاة التهجد، وهذه في مدارج العملية الإيمانية التي يدخل بها الإنسان إلى مقام الإحسان. و"آناء" جمع "إنى" مثلها مثل "أمعاء" جمع "مِعى". و"الآناء" هي مجموع الأوقات في الليل، وليست في "إنى" واحد. فهناك مؤمن يقرأ القرآن في وقت من الليل، ومؤمن آخر يقرأ القرآن في وقت آخر، وكأن المؤمنين يقطعون الليل في قراءة للقرآن، والذي يدخل مع ربه في مقام الإحسان، فهو لا يصلي فقط صلاة العتمة وهي ستأخذ "إنًى" واحداً، أي وقتاً واحداً، ولكنه عندما يصلي في آناء الليل فذلك دليل على أنه يكرر الصلاة، وزاد على المفترض عليه، وما دام قد زاد على المفترض، فهو لا يكتفي بتلاوة القرآن لأنه يريد أن يدخل في مقام الإحسان، أي أنه وجد ربه أهلاً لأن يصلي له أكثر مما افترض عليه، كأنه قد قال لنفسه: أنت كلفتني يارب بخمس صلوات لكنك يارب تستحق أكثر من ذلك وكأن هذا البعض من أهل الكتاب لم يكتفوا بإعلان الإيمان بالإسلام فقط، ولكنهم دخلوا بثقلهم، فصلوا آناء الليل. وأحبوا أن ينطبق عليهم قول الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 15-16]. ما معنى "محسن"؟ إنها وصف للإنسان الذي آمن بربه فعبَد الله بأكثر مما افترض تعبدنا الله بخمس صلوات فنزيدها لتصل إلى عشرين مَثَلاً، ونحن تعبدنا الله بصيام شهر في العام ومنا من يصوم في كل شهر عدداً من الأيام. وتعبدنا بالزكاة بالنصاب، ومنا من يزيد على النصاب، وتعبدنا سبحانه بالحج مرة، ومنا من يزيد عدد مرات الحج. فحين يريد العبد أن يدخل في مقام الإحسان فبابه هو أداء عبادات من جنس ما تعبده الله به؛ فالعبد لا يخترع أو يقترح العبادة التي يعبد بها الله، ولكنه يزيد فيما افترضه الله. وهؤلاء الذين آمنوا بالله من أهل الكتاب ويتحدث عنهم القرآن، لقد دخلوا بثقلهم في الإسلام فصلوا آناء الليل وقرأوا القرآن، ودخلوا مقام الإحسان، وأرادوا أن يطبقوا القول الحق: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}تفسير : [الذاريات: 17]. أي أنهم ما داموا قد صلوا في الليل، وقليلاً ما هجعوا فلا بد أنهم قد أدوا الصلاة في آناء كثيرة من الليل. ونحن حين ندخل في مقام الإحسان ونصلي في الليل، ونكون بارزين إلى السماء فلا يفصلنا شيء عنها، وننظر فنجد نجوماً لامعة تحت السماء الدنيا، وأهل السماء ينظرون للأرض فيجدون مثلما نجد من النجوم المتلألئة اللامعة في الأرض، ويسألون عنها فيقال لهم: إنها البيوت التي يصلي أهلها آناء الليل وهم يسجدون، وكل بيت فيه هذا يضيء كالنجوم لأهل السماء. ويضيف الحق في صفات هؤلاء: {أية : وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 18] وهل فرض الله على خلقه بأن يصلوا آناء الليل فلا يهجعون إلا قليلاً من الليل؟ لا، ولكن من يريد أن يدخل في مقام الإحسان، فهو يفعل ذلك. أما المسلم العادي فيكتفي بصلاة العشاء، وعندما يأتي الصبح فهو يؤدي الفريضة. لكن من يدخل في مقام الإحسان فقليلاً من الليل ما يهجع. وينطبق عليه القول الحق: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}تفسير : [الذاريات: 15-19]. وهذه دقة البيان القرآني التي توضح مقام الإحسان، فيكون في مالهم حق للسائل والمحروم، وليس هناك قدر معلوم للمال الذي يخرج، لأن المقام هنا مقام الإحسان الذي يعلو مقام الإيمان، ومقام الإيمان - كما نعرف - قد جاء ذكره في قوله الحق: {أية : وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ * وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [المعارج: 24-26]. فالإنسان في مقام الإيمان قد يقيد الإخراج من ماله بحدود الزكاة أو فوقها قليلاً، لكن في مقام الإحسان فلا حدود لما يخرج من المال. وهكذا نعرف أن أهل الكتاب ليسوا سواء؛ فمنهم من دخل الإسلام من باب الإحسان، فقال فيهم الحق: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113]، وكأن الحق بهذا الاستثناء الواضح. يؤكد لنا أننا لا يصح أن نظن أن أهل الكتاب جميعهم هم الذين جاء فيهم قوله: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} تفسير : [آل عمران: 112] لا؛ فأهل الكتاب ليسوا سواء، ولذلك لا يكون حكم الله منسحباً عليهم جميعاً، فمن أهل الكتاب جماعة قائمة بتلاوة القرآن آناء الليل وهم يسجدون، إنهم أمة قائمة، وكلمة "قائم" هي ضد "قاعد"، والقعود غير الجلوس، فالجلوس يكون عن الاضطجاع فيقال: كان مضطجعاً فجلس. لكن عندما نقول: "كان قائماً" فإننا نقول فقعد، فالقعود يكون بعد القيام. والقعود في الصلاة مريح، أما القيام فهو غير مريح، ونحن نعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقف في الصلاة حتى تتورم قدماه؛ لأن الثقل كله على القدمين، ولكن عندما نقعد فنحن نوزع الثقل على جملة أعضاء الجسم. وعندما يصفهم الحق: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} [آل عمران: 113] فمعنى ذلك أنهم أخذوا أمانة أداء الفروض بكل إخلاص، وكانوا يؤدون الصلاة باستدامة وخشوع. ويستمر الحق في وصفهم في الآية التالية: {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما وصف تعالى أهل الكتاب بالصفات الذميمة، ذكر هنا أنهم ليسوا بدرجة واحدة ففيهم المؤمن والكافر والبر والفاجر، ثم ذكر تعالى عقاب الكافرين وأن أموالهم وأولادهم لن تنفعهم يوم القيامة شيئاً، وأعقب ذلك بالنهي عن اتخاذ أعداء الدين أولياء ونبّه إلى ما في ذلك من الضرر الجسيم في الدنيا والدين. اللغَة: {آنَآءَ} أوقات وساعات مفردها إِنىَ على وزن مِعَى {يُكْفَروهُ} يُجحدوه من الكفر بمعنى الجحود، سمي منعُ الجزاء كفراً لأنه بمنزلة الجحد والستر {صِرٌّ} الصِرُّ: البرد الشديد قاله ابن عباس وأصله من الصرير الذي هو الصوت ويراد به الريح الشديدة الباردة {حَرْثَ} زرع وأصله من حرث الأرض إذا شقها للزرع والبذر {بِطَانَةً} بطانة الرجل: خاصته الذين يفضي إليهم بأسراره شبّه ببطانة الثوب لأنه يلي البدن {لاَ يَأْلُونَكُمْ} أي لا يقصّرون قال الزمخشري: يقال ألاَ في الأمر يألو إذا قصّر فيه {خَبَالاً} الخبال: الفساد والنقصان ومنه رجل مخبول إذا كان ناقص العقل {عَنِتُّمْ} العنت: شدة الضرر والمشقة {ٱلأَنَامِلَ} أطراف الأصابع. سَبَبُ النّزول: لما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه قال أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا شرارنا ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم: لقد كفرتم وخسرتم فأنزل الله {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} الآية. التفسِيْر: {لَيْسُواْ سَوَآءً} أي ليس أهل الكتاب مستوين في المساوئ، وهنا تمّ الكلام ثم ابتدأ تعالى بقوله {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} أي منهم طائفة مستقيمة على دين الله {يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أي يتهجدون في الليل بتلاوة آيات الله حال الصلاة {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي يؤمنون بالله على الوجه الصحيح {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} أي يدعون إلى الخير وينهون عن الشر ولا يداهنون {وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} أي يعملونها مبادرين غير متثاقلين {وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي وهم في زمرة عباد الله الصالحين {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ} أي ما عملوا من عمل صالح فلن يضيع عند الله {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} أي لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر المتقين، ثم أخبر تعالى عن مآل الكافرين فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي لن تدفع عنهم أموالهم التي تهالكوا على اقتنائها ولا أولادهم الذين تفانوا في حبهم من عذاب الله شيئاً {وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي مخلدون في عذاب جهنم {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} أي مثل ما ينفقونه في الدنيا بقصد الثناء وحسن الذكر كمثل ريح عاصفة فيها بردٌ شديد {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} أي أصابت تلك الريح المدمرة زرع قوم ظلموا أنفسهم بالمعاصي فأفسدته وأهلكته فلم ينتفعوا به؛ فكذلك الكفار يمحق الله أعمالهم الصالحة كما يذهب هذا الزرع بذنوب صاحبه {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي وما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما يستوجب العقاب، ثم حذر تعالى من اتخاذ المنافقين بطانة يطلعونهم على أسرارهم فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} أي لا تتخذوا المنافقين أصدقاء تودونهم وتطلعونهم على أسراركم وتجعلونهم أولياء من غير المؤمنين {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} أي لا يقصرون لكم في الفساد {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} أي تمنوا مشقتكم وما يوقعكم في الضرر الشديد {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} أي ظهرت أمارات العداوة لكم على ألسنتهم فهم لا يكتفون ببغضكم بقلوبهم حتى يصرحوا بذلك بأفواههم {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} أي وما يبطنونه لكم من البغضاء أكثر مما يظهرونه {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ} أي وضحنا لكم الآيات الدالة على وجوب الإِخلاص في الدين، وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} أي إن كنتم عقلاء، وهذا على سبيل الهزّ والتحريك للنفوس كقولك إن كنت مؤمناً فلا تؤذ الناس وقال ابن جرير المعنى: إن كنتم تعقلون عن الله أمره ونهيه، ثم بيّن سبحانه ما هم عليه من كراهية المؤمنين فقال {هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} أي ها أنتم يا معشر المؤمنين خاطئون في موالاتكم إذ تحبونهم ولا يحبونكم، تريدون لهم النفع وتبذلون لهم المحبة وهم يريدون لكم الضر ويضمرون لكم العداوة {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ} أي وأنتم تؤمنون بالكتب المنزلة كلها وهم مع ذلك يبغضونكم، فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم؟ وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} أي وهذا من خبثهم إذ يظهرون أمامكم الإِيمان نفاقاً {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} أي وإذا خلت مجالسهم منكم عضوا أطراف الأصابع من شدة الحنق والغضب لما يرون من ائتلافكم، وهو كناية عن شدة الغيظ والتأسف لما يفوتهم من إذاية المؤمنين {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} هو دعاء عليهم أي قل يا محمد أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي إن الله عالم بما تكنه سرائركم من البغضاء والحسد للمؤمنين، ثم أخبر تعالى بما يترقبون نزوله من البلاء والمحنة بالمؤمنين فقال {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} أي إن أصابكم ما يسركم من رخاءٍ وخصبٍ ونصرة وغنيمة ونحو ذلك ساءتهم {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} أي وإن أصابكم ما يضركم من شدةٍ وجدبٍ وهزيمةٍ وأمثال ذلك سرتهم، فبيّن تعالى بذلك فرط عداوتهم حيث يسوءهم ما نال المؤمنين من الخير ويفرحون بما يصيبهم من الشدة {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} أي إن صبرتم على أذاهم واتقيتم الله في أقوالكم وأعمالكم لا يضركم مكرهم وكيدهم، فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر والتقوى {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي هو سبحانه عالم بما يُدبّرونه لكم من مكائد فيصرف عنكم شرهم ويعاقبهم على نواياهم الخبيثة. البَلاَغَة: 1- {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ} جيء بالجملة اسمية للدلالة على الاستمرار كما جيء بعدها بصيغة المضارع {يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ} للدلالة على التجدد ومثله في {يَسْجُدُونَ}. 2- {وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} الإِشارة بالبعيد لبيان علو درجتهم وسمو منزلتهم في الفضل. 3- {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} فيه تشبيه وهو من نوع التشبيه التمثيلي شبّه ما كانوا ينفقونه في المفاخر وكسب الثناء بالزرع الذي أصابته الريح العاصفة الباردة فدمرته وجعلته حطاماً. 4- {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً} شبه دخلاء الرجل وخواصّه بالبطانة لأنهم يستبطنون دخيل أمره ويلازمونه ملازمة شعاره لجسمه ففيه استعارة أفاده في تلخيص البيان. 5- {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ} قال أبو حيان: يوصف المغتاظ والنادم بعض الأنامل فيكون حقيقة ويحتمل أنه من مجاز التمثيل عبّر بذلك عن شدة الغيظ والتأسف لما يفوتهم من إذاية المؤمنين. 6- في الآيات من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة وذلك في قوله {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} حيث قابل الحسنة بالسيئة والمساءة بالفرح وهي مقابلة بديعة، كما أن فيها جناس الاشتقاق في {ظَلَمَهُمُ } و {يَظْلِمُونَ} وفي {ٱلْغَيْظِ} و {غَيْظِكُمْ} وفي {تُؤْمِنُونَ} و {آمَنَّا}. لطيفَة: عبّر بالمسَّ في قوله {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ} وبالإِصابة في قوله {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ} وذلك للإِشارة إلى أن الحسنة تسوء الأعداء وحتى ولو كانت بأيسر الأشياء ولو مسّاً خفيفاً وأما السيئة فإِذا تمكنت الإِصابة بها إلى الحد الذي يرثي له الشامت فإنهم لا يرثون بل يفرحون ويسرون وهذا من أسرار بلاغة التنزيل، نقلاً عن حاشية الكشاف.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {آنَآءَ ٱللَّيْلِ} معناهُ سَاعاتُهُ. واحدُها إِنيٌ.
الأندلسي
تفسير : {لَيْسُواْ سَوَآءً} سبب نزولها إسلام عبد الله بن سلام وغيره من اليهود وقول الكفار من احبارهم ما آمن بمحمد إلا شرارنا ولو كانوا أخياراً ما تركوا دين آبائهم، قاله ابن عباس: والضمير في ليسوا عائد على أهل الكتاب وسواء خبر ليس بخبرية عن الاثنين وعن الجمع، وقد سمع تثنيته، قالوا: هما سواء ان ثم بين تعالى عدم التسوية بقوله تعالى: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} إلى ما وصفهم به. {قَآئِمَةٌ} أي مستقيمة. و{آنَآءَ ٱللَّيْلِ} ساعاته واحدها أنى كمعي وأنى كفتى، وأنى كنحن، وأنى كظبي، وأنو كجرد ووصو أمة بقوله: "قائمة" وهو إسم فاعل يدل على الثبوت ثم بالمضارعات من قوله: يتلون ويؤمنون ويأمرون وينهون ويسارعون وهي تدل على التجدد والتكرار والمسارعة والمبادرة والخيرات عامة تشمل هذه الأوصاف السابقة وغيرها. {وَأُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى من اتصف بهذه الأوصاف السابقة، فانظر إلى حسن مساق هذه الصفات حبّ توسط الأعيان وتقدمت عليه الصفة المختصة بالإِنسان في ذاته وهي الصلاة بالليل وتأخرت عنه الصفتان المتعديتان والصفة المشتركة وكلها نتائج عن الإيمان. {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ} قرىء: بالياء فيها جرياً على نسق الغيبة وبالتاء فيهما. الظاهر انه التفات إلى قوله: أمة قائمة وصفهم بأوصاف جليلة أقبل عليهم تأنيساً لهم واستعطافاً عليهم فخاطبهم بأن ما يفعلونه من الخير فلا يمنعون ثوابه ولذلك اقتصر على قوله: من خير. لأنه موضع عطف عليهم وترحم ولم يتعرض لذكر الشر ومعلوم أن كل ما يفعل من خير وشر يترتب عليه موعوده ويؤيد هذا الالتفات أنه راجع إلى أمة قائمة قرارة الياء. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية، وهو أنه لما ذكر شيئاً من أحوال المؤمنين ذكر شيئاً من أحوال الكافرين ليتضح الفرق بين القبلتين.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الفرق بين الفريقين والتفاوت بين الطريقين بقوله تعالى: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 113]، والإشارة في الآيات: إن الله تعالى فرق بين العلماء الربانيين وعلماء السوء المداهنين، قال تعالى: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ } [آل عمران: 113]؛ يعني: من العلماء منهم {أُمَّةٌ} [آل عمران: 113]؛ أي: فرقة {قَآئِمَةٌ} [آل عمران: 113] بالله، {يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 113]، يتبعون آياته {آنَآءَ ٱللَّيْلِ} [آل عمران: 113]؛ ليريهم الله آياته {أية : فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]، {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113]، ينقادون لأحكامه الأزلية وتقديراته الإلهية {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [آل عمران: 114]، إيمان الطلب، وتصديق قضائه في الأزل، ووفور قدره إلى الأبد، {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} [آل عمران: 114]؛ أي: يطلبون الحق، {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} [آل عمران: 114]؛ أي: طلب ما سوى الله، {وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} [آل عمران: 114]؛ أي: فيما يوصلهم إلى الله، {وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 114]، الذين يصلحون لقبول الفيض الإلهي {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} [آل عمران: 115]، تتقربون به إلى الله تعالى {فَلَنْ يُكْفَروهُ} [آل عمران: 115] بل تشكروه، فإن تقربتم إليه شبراً تقرب إليكم ذراعاً، وإن تقربتم إليه ذراعاً تقرب إليكم باعاً، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115]، {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} [آل عمران: 116]، الذين يتقون به عما سواه، وعليم بالفاسقين الذين كفروا بنعمته، واستغنوا بالأموال والأولاد شيئاً ما تنفعهم في إصابة اللطف إليهم ودفع القهر عنهم {وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 116]؛ يعني: نار القطيعة، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 116]؛ يعني: لا يفارقونها؛ لأنهم صحبوها بالقلوب والأرواح لاستيفاء شهوات النفس والأشباح. ثم أخبر عن نفقات أهل الشهوات بقوله تعالى: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران: 117]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى ضرب مثل ما ينفقون في هذه الدنيا؛ أي: استيفاء اللذات النفسانية، وتمتعات الشهوات الحيوانية، وانتفاع الحظوظ الدنيوية: كمثل ريح فيها صر بالاتفاق في تحصيل المرادات النفسانية، {فَأَهْلَكَتْهُ} [آل عمران: 117]؛ أي: الريح التي فيها صر الشهوات النفسانية أهلكت حروث الروحاني وآثاره، {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} [آل عمران: 117] في الخلقة، إذا أعطاهم حسن الاستعداد الروحاني وآثاره، {وَمَا ظَلَمَهُمُ} [آل عمران: 117]، {وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 117]، بإبطال استعداد الروحاني وإهلاك ريع حرثه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما بين تعالى الفرقة الفاسقة من أهل الكتاب وبين أفعالهم وعقوباتهم، بين هاهنا الأمة المستقيمة، وبين أفعالها وثوابها، فأخبر أنهم لا يستوون عنده، بل بينهم من الفرق ما لا يمكن وصفه، فأما تلك الطائفة الفاسقة فقد مضى وصفهم، وأما هؤلاء المؤمنون، فقال تعالى منهم { أمة قائمة } أي: مستقيمة على دين الله، قائمة بما ألزمها الله به من المأمورات، ومن ذلك قيامها بالصلاة { يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون } وهذا بيان لصلاتهم في أوقات الليل وطول تهجدهم وتلاوتهم لكتاب ربهم وإيثارهم الخضوع والركوع والسجود له. { يؤمنون بالله واليوم الآخر } أي: كإيمان المؤمنين إيمانا يوجب لهم الإيمان بكل نبي أرسله، وكل كتاب أنزله الله، وخص الإيمان باليوم الآخر لأن الإيمان الحقيقي باليوم الآخر يحث المؤمن به على ما يقر به إلى الله، ويثاب عليه في ذلك اليوم، وترك كل ما يعاقب عليه في ذلك اليوم { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } فحصل منهم تكميل أنفسهم بالإيمان ولوازمه، وتكميل غيرهم بأمرهم بكل خير، ونهيهم عن كل شر، ومن ذلك حثهم أهل دينهم وغيرهم على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم وصفهم بالهمم العالية { و } أنهم { يسارعون في الخيرات } أي: يبادرون إليها فينتهزون الفرصة فيها، ويفعلونها في أول وقت إمكانها، وذلك من شدة رغبتهم في الخير ومعرفتهم بفوائده وحسن عوائده، فهؤلاء الذين وصفهم الله بهذه الصفات الجميلة والأفعال الجليلة { من الصالحين } الذين يدخلهم الله في رحمته ويتغمدهم بغفرانه وينيلهم من فضله وإحسانه، وأنهم مهما فعلوا { من خير } قليلا كان أو كثيرا { فلن يكفروه } أي: لن يحرموه ويفوتوا أجره، بل يثيبهم الله على ذلك أكمل ثواب، ولكن الأعمال ثوابها تبع لما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والتقوى، فلهذا قال { والله عليم بالمتقين } كما قال تعالى: {أية : إنما يتقبل الله من المتقين } .
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 157 : 21 : 24 - سفين عن بن جريج عن عطاء إن بن عباس قال، بلغني إن هذه الآية نزلت {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ} قال، ما بين المغرب والعشاء. [الآية 113]. 158 : 22 : 25 - سفين عن جابر عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله (قال، هي) كصلاة الغفلة.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} [113] 93- أنا محمد بن رافع، نا أبو النضر، نا أبو معاوية، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: حديث : أخَّر، رسول الله صلى الله عليه وسلم/ ليلةً صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: "أما إنه ليس من هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم"تفسير : قال: وأنزلت هذه الآية {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} حتى بلغ {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ}.
همام الصنعاني
تفسير : 453- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن منصور قال: بلغني أنها نزلت: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}: [الآية: 113]، فيما بين المغرب والعشاء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):