Verse. 407 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

يُؤْمِنُوْنَ بِاللہِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ وَ يَاْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَيَنْہَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُوْنَ فِي الْخَيْرٰتِ۝۰ۭ وَاُولٰۗىِٕكَ مِنَ الصّٰلِحِيْنَ۝۱۱۴
Yuminoona biAllahi waalyawmi alakhiri wayamuroona bialmaAAroofi wayanhawna AAani almunkari wayusariAAoona fee alkhayrati waolaika mina alssaliheena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك» الموصوفون بما ذكر الله «من الصالحين» ومنهم من ليسوا كذلك وليسوا من الصالحين.

114

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ وَأُوْلَٰئِكَ } الموصوفون بما ذُكِرَ الله {مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ } ومنهم من ليسوا كذلك وليسوا من الصالحين.

ابو السعود

تفسير : {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} صفةٌ أخرى لأُمةٌ مبـينةٌ لمُباينتهم اليهودَ من جهة أخرى أي يؤمنون بهما على الوجه الذي نطقَ به الشرعُ، والإطلاقُ للإيذان بالغِنىٰ عن التقيـيد، لظهور أنه الذي يُطلق عليه الإيمانُ بهما فلا يذهبُ الوهمُ إلى غيره، وللتعريض بأن إيمانَ اليهودِ بهما مع قولهم: عزيرٌ ابنُ الله وكفرِهم ببعض الكتبِ والرسلِ ووصفِهم اليومَ الآخِرَ بخلاف صفتِه ليس من الإيمان بهما في شيء أصلاً ولو قُيد بما ذُكر فربما تُوُهِّم أن المنتفيَ عنهم هو القيدُ المذكورُ مع جواز إطلاقِ الإيمانِ على إيمانهم بالأصل وهيهات. {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} صفتان أُخْرَيان لأُمةٌ أُجرِيتا عليهم تحقيقاً لمخالفتهم اليهودَ في الفضائل المتعلقةِ بتكميل الغيرِ إثرَ بـيانِ مُباينتِهم لهم في الخصائص المتعلقةِ بتكميل النفسِ، وتعريضاً بمداهنتهم في الاحتساب بل بتعكيسهم في الأمر بإضلال الناسِ وصدِّهم عن سبـيل الله فإنه أمرٌ بالمنكر ونهيٌ عن المعروف {وَيُسَـٰرِعُونَ فِي ٱلْخَيْرٰتِ} صفةٌ أخرى لأمةٌ جامعةٌ لفنون المحاسنِ المتعلقةِ بالنفس وبالغير، والمسارعةُ في الخير فرطُ الرغبةِ فيه لأن من رغِب في الأمر سارع في تولّيه والقيامِ به وآثر الفَورَ على التراخي أي يبادرون مع كمال الرغبةِ في فعل أصنافِ الخيراتِ اللازمةِ والمتعدية، وفيه تعريضٌ بتباطؤ اليهودِ فيها بل مبادرتهم إلى الشرور، وإيثارُ كلمةِ {فِي} على ما وقع في قوله تعالى: {أية : وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ } تفسير : [آل عمران، الآية 133] الخ للإيذان بأنهم مستقِرّون في أصل الخيرِ متقلّبون في فنونه المترتبةِ في طبقات الفضلِ لا أنهم خارجون عنها منتهون إليها {وَأُوْلـئِكَ} إشارةٌ إلى الأمة باعتبار اتصافِهم بما فُصّل من النعوت الجليلةِ، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوّ درجتِهم وسموّ طبقتِهم في الفضل، وإيثارُه على الضمير للإشعار بعلة الحُكم والمدح أي أولئك المنعوتون بتلك الصفاتِ الفاضلة بسبب اتصافِهم بها {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} أي من جملة من صلَحَت أحوالُهم عند الله عز وجل واستحقوا رضاه وثناءَه {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} كائناً ما كان مما ذُكر أو لم يُذكر {فَلَنْ يُكْفَروهُ} أي لن يعدَموا ثوابَه اْلبتةَ، عبّر عنه بذلك كما عبر عن تَوْفية الثوابِ بالشكر إظهاراً لكمال تنزّهِه سبحانه وتعالى عن ترك إثابتِهم بتصويره بصورة ما يستحيل صدورُه عنه تعالى من القبائح، وتعديتُه إلى مفعولين بتضمين معنى الحرمانِ، وإيثارُ صيغةِ البناءِ للمفعول للجري على سنن الكبرياء وقرىء الفعلانِ على صيغة الخطاب. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} تذيـيلٌ مقرِّرٌ ما قبله، فإن علمَه تعالى بأحوالهم يستدعي تَوْفيةَ أجورِهم لا محالة، والمرادُ بالمتقين إما الأمةُ المعهودةُ، وضع موضِعَ الضميرِ العائدِ إليهم مدحاً لهم وتعيـيناً لعُنوان تعلّقِ العلمِ بهم وإشعاراً بمناط إثابتِهم هو التقوى المنطويةُ على الخصائص السالفةِ وإما جنسُ المتقين عموماً وهم مندرجون تحت حُكمِه اندراجاً أولياً.

اسماعيل حقي

تفسير : {يؤمنون بالله واليوم الآخر} على الوجه الذى نطق به الشرع تعريض بان ايمان اليهود به مع قولهم عزير ابن الله وكفرهم ببعض الكتب والرسل ووصفهم اليوم الآخر بخلاف صفته ليس من الايمان بهما فى شىء اصلا {ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} تعريض بمداهنتهم فى الاحتساب بل بتعكيسهم فى الامر باضلال الناس وصدهم عن سبل الله فانه امر بالمنكر ونهى عن المعروف {ويسارعون فى الخيرات} المسارعة فى الخير فرط الرغبة فيه لان من رغب فى الامر سارع فى توليه والقيام به وآثر الفور على التراخى اى يبادرون مع كمال الرغبة فى فعل اصناف الخيرات اللازمة والمتعدية تعريض بتباطئ اليهود فيها بل بمبادرتهم الى الشر {واولئك} المنعوتون بتلك الصفات الفاضلة بسبب اتصافهم بها {من الصالحين} اى من جملة من صلحت احوالهم عند الله تعالى واستحقوا رضاه وثناءه.

الطوسي

تفسير : المعنى: هذه الآية فيها صفة الذين ذكرهم في الآية التي قبلها في قوله: {أمة قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون} فاضاف إلى ذلك أنهم مع ذلك يصدقون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وقد بينا أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، وأنه ليس طريق وجوبهما العقل، وإنما طريق وجوبهما السمع، وعليه إجماع الأمة. وإنما الواجب بالعقل كراهة المنكر، فقط غير أنه إذا ثبت بالسمع وجوبه، فعلينا إزالة المنكر بما يقدر عليه من الأمور الحسنة دون القبيحة، لأنه لا يجوز إزالة قبيح بقبيح آخر، وليس لنا أن نترك أحداً يعمل بالمعاصي إذا أمكننا منعه منها سواء كانت المعصية من أفعال القلوب مثل اظهار المذاهب الفاسدة أو من أفعال الجوارح، ثم ننظر، فان أمكننا إزالته بالقول، فلا نزيد عليه، وان لم يمكن إلا بالمنع من غير إضرار لم نزد عليه، فان لم يتم إلا بالدفع بالحرب، فعلناه على ما بيناه فيما تقدم، وان كان عند أكثر أصحابنا هذا الجنس موقوف على السلطان أو اذنه في ذلك. وانكار المذاهب الفاسدة، لا يكون إلا باقامة الحجج والبراهين والدعاء إلى الحق، وكذلك إنكار أهل الذمة فأما الانكار باليد، فمقصور على من يفعل شيئاً من معاصي الجوارح، أو يكون باغياً على إمام الحق، فانه يجب علينا قتاله ودفعه حتى يفيء إلى الحق، وسبيلهم سبيل أهل الحرب، فان الانكار عليهم باليد والقتال حتى يرجعوا إلى الاسلام أو يدخلوا في الذمة. وقوله: {ويسارعون في الخيرات} يحتمل أمرين: أحدهما - أنهم يبادرون إليها خوف الفوات بالموت. والثاني - يعملونها غير متثاقلين فيها لعلمهم بجلالة موقعها، وحسن عاقبتها. اللغة: والفرق بن السرعة والعجلة ان السرعة هي التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه وهي محمودة وضدها الابطاء وهو مذموم. والعجلة هي التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه وهي مذمومة وضدها الاناة وهي محمودة.

الجنابذي

تفسير : {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} جملة مستأنفة او صفة بعد صفة او حال فى مقام التّعليل، ويجوز ان يكون تأخيره عن التّلاوة والسّجود للاشعار بأنّه مسبّب عنهما والمعنى يؤمنون بالله على يد محمّدٍ (ص) بسبب تلاوة الآيات والسّجود {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} وللاشارة الى انّهم ليسوا معصومين ومفطورين على الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر بل هما يحصلان لهم بعد الايمان التّكليفىّ بالله اخّرهما هاهنا عن الايمان بالله بخلاف الآية السّابقة فانّها كانت فى وصف الائمّة المفطورين على الامر بالمعروف قبل الايمان {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} من العبادات والاحسان الى العباد {وَأُوْلَـٰئِكَ} العظماء الموصوفون بتلك الاوصاف {مِنَ ٱلصَّالِحِينَ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ} يعنى فى الآخرة والاّ فالمؤمن مكفّر وذلك انّ معروفه يصعد الى السّماء فلا ينتشر فى النّاس، والكافر مشكور وذلك أنّ معروفه للنّاس ينتشر فى النّاس ولا يصعد الى السّماء وتعدية يكفروه الى المفعولين امّا لتضمين معنى الحرمان او لتشبيه المنصوب الثّانى بالمفعول مثل زيد حسن الوجه بنصب الوجه وقرء تفعلوا ويكفروه بالخطاب والغيبة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} وضع الظّاهر موضع المضمر للاشعار بمدحٍ آخر لهم وللاشارة الى انّ فعل الخير لا يكون الاّ عن التّقوى وهو بشارة للمؤمنين بانّ افعالهم الحسنة لا تعزب عن علم الله تعالى فيجازى لا محالة عليها.

اطفيش

تفسير : {يُؤْمِنُونَ بِاللهِ} لا ككفار أهل الكتاب إذ نقضوا توحيدهم بالتثليث والنبوة والتجسيم ونحو ذلك {وَاليَوْمِ الأَخِرِ} لا كمن نقض إيمانه بدعوى بعث الأرواح دون الأجسام، ودعوى أربعين يوماً فى النار، ودعوى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى {وَيأْمُرُونَ بِالْمعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ} لا كمن يداهن ويأمر بالمنكر وينهى عن المعروف من أهل الكتاب وغيرهم {وَيُسَارِعُونَ فِى الخَيْرَاتِ} أنواع العبادات وأفرادها، لا كمن يتباطأ فيها أو لا يفعلها كسلا وابتاعا للهوى، أو لعدم إيمانه بيوم الجزاء عليها، ومتى أمكن فعل الخير بلا مناغصة فسارع إليها، ومتى أمكن مع تنغص له بمكدر أو قلق فأخره إلى وقت يمكن سالما، إلا أنك لا نتركه خوفا من أن تنسب للرثاء فالسرعة مخصوصة بتقديم ما ينبغى تقديمه، وهى لفرط الرغبة فيؤثرها على التراخى، والعجلة مخصوصة بتقديم ما لا يبغى تقديمه، وتطلق بمعنى المسارعة أيضا، كما يجوز إطلاق المسارعة فى السوء، قال: {أية : وعجلت إليك رب لترضى} تفسير : [طه: 84]، ولا كسائر أهل الكتاب ليسوا أمة قائمة، بل منحرفون عن الحق، ولا يقومون الليل للتعبد بتلاوة الآيات قال فى الخيرات، ولم يقل إلى الخيرات، لأن المراد الرسوخ فى قصدها {وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِين} صلحت أحوالهم فاسحتقوا الثناء والثواب.

الالوسي

تفسير : {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَْخِرِ } صفة أخرى لأمة، وجوز أن تكون حالاً على طرز ما قبلها وإن شئت كما قال أبو البقاء استأنفتها، والمراد بهذا الإيمان الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به على الوجه المقبول، وخص الله تعالى اليوم الآخر بالذكر إظهاراً لمخالفتهم لسائر اليهود فيما عسى أن يتوهم متوهم مشاركتهم لهم فيه لأنهم يدّعون أيضاً الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر لكن لما كان ذلك مع قولهم: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30] وكفرهم ببعض الكتب والرسل ووصفهم اليوم الآخر بخلاف ما نطقت به الشريعة المصطفوية جعل هو والعدم سواء. {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } إشارة إلى وفور نصيبهم من فضيلة تكميل الغير إثر الإشارة إلى وفوره من فضيلة تكميل النفس، وفيه تعريض بالمداهنين الصادين عن سبيل الله تعالى {وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } أي يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات خوف الفوات بالموت مثلا، أو يعملون الأعمال الصالحة راغبين فيها غير متثاقلين لعلمهم بجلالة موقعها وحسن عاقبتها وهذه صفة جامعة لفنون الفضائل والفواضل وفي ذكرها تعريض بتباطؤ اليهود وتثاقلهم عن ذلك، وأصل المسارعة المبادرة وتستعمل بمعنى الرغبة، واختيار صيغة المفاعلة للمبالغة، وقيل: ولم يعبر بالعجلة للفرق بينها وبين السرعة فإن السرعة التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه وهي محمودة وضدها الإبطاء وهو مذموم، والعجلة التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه / وهي مذمومة وضدها الأناة وهي محمودة، وإيثار (في) على ـ إلى ـ وكثيراً ما تتعدى المسارعة بها للإيذان كما قال شيخ الإسلام: بأنهم مستقرون في أصل الخير متقلبون في فنونه لا أنهم خارجون [عنها] منتهون إليها؛ وصيغة جمع القلة هنا تغني عن جمع الكثرة كما لا يخفى. {وَأُوْلـٰئِكَ } أي الموصوفون بتلك الصفات الجليلة الشأن بسبب اتصافهم بها كما يشعر به العدول عن الضمير {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي من عداد الذين صلحت عند الله تعالى حالهم وهذا رد لقول اليهود: ما آمن به إلا شرارنا. وقد ذهب الجل إلى أن في الآية استغناءاً بذكر أحد الفريقين عن الآخر على عادة العرب من الاكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر، والمراد ومنهم من ليسوا كذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : {يُسَارِعُونَ} {ٱلْخَيْرَاتِ} {وَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلصَّالِحِينَ} (114) - وَقَدْ آمَنُوا بِاللهِ، وَبِالَيْومِ الآخِرِ، إيمَاناً صَادِقاً، وَنَهَضُوا بِتَكَالِيفِ الجَمَاعَةِ المُسْلِمَةِ، فَأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ، وَنَهُوا عَنِ المُنْكَرِ، وَعَمِلُوا الخَيْرَ، فَجَعَلَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الصَّالِحِينَ، وَشَهِدَ لَهُمْ بِهَذَا الصَّلاَحِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهم بالإيمان بالله واليوم الآخر، وبالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إنما يتصفون بالصفات التي أوردها الله صفة لخير أمة أخرجت للناس وهي أمة محمد صلى الله عليه وسلم. لقد دخل هذا البعض من أهل الكتاب بثقلهم - ومن أول الأمر - في مقام الإحسان، وما داموا قد دخلوا في مقام الإحسان فهم بحق كانوا مستشرفين لظهور النبي الجديد. وبمجرد أن جاء النبي الجديد تلقفوا الخيط وآمنوا برسالته، وصاروا من خير أمة أخرجت للناس. ويكمل الحق سبحانه صفاتهم بقوله: {وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} [آل عمران: 114] وهذا كمثل قوله سبحانه وتعالى في حق المؤمنين: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}تفسير : [آل عمران: 133]. ونحن نعرف أن هناك فرقاً بين "السرعة" و"العجلة" فـ "السرعة" و "العجلة" يلتقيان في تقليل الزمن بالنسبة للحدث، ومثال ذلك أن يقطع إنسان المسافة من مكان إلى مكان في زمن معين، والذي يسرع في قطع المسافة هو الذي يستغرق من الزمن أقل وقت ممكن ولكن هناك اختلاف بين السرعة والعجلة، وأول خلاف بينهما يتضح في المقابل، فمقابل السرعة الإبطاء، ويقال: فلان أسرع، وعلان أبطأ ومقابل "العجلة" هو "الأناة" فيقال: فلان تأنى في اتخاذ قراره. فالسرعة ممدوحة ومقابلها وهو "الإبطاء" مذموم، "والعجلة" مذمومة، ومقابلها هو التأني ممدوح؛ لأن السرعة هي التقدم فيما ينبغي التقدم فيه، والعجلة هي التقدم فيما لا ينبغي التقدم فيه، ولذلك قيل في الأمثال: "في العجلة الندامة، وفي التأني السلامة" وقال الحق: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ..}تفسير : [آل عمران: 133]. وهو سبحانه: هنا يقول {وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} [آل عمران: 114] أي كلما لمحت لهم بارقة في الخير فهم يسرعون إليها، أي أنهم يتقدمون فيما ينبغي التقدم فيه، إنهم يعلمون أن الإسراع إلى الخير حدث، وكل حدث يقتضي حركة، والحركة تقتضي متحركاً، والمتحرك يقتضي حياة، فما الذي يضمن للإنسان أن تظل له حياة، لذلك يجب أن تسرع إلى الخيرات، وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه كان ينام القيلولة، وكان حاجبه يمنع الناس من إيقاظ الخليفة، فجاء ابن عمر بن عبد العزيز وقال للحاجب: أريد أن أدخل على أمير المؤمنين الساعة، فمنعه الحاجب قائلاً: إنها ساعة يستريح فيها وهو لا يستريح من الليل أو النهار إلاّ فيها، فدعه ليستريح. وسمع سيدنا عمر بن عبد العزيز الضجة، فسأل الحاجب. قال الحاجب: إنه ابنك، ويريد أن يدخل عليك وأنا أطالبه ألا يدخل حتى تستريح. قال عمر بن عبد العزيز للحاجب: دعه يدخل. فلما دخل الابن على أبيه، قال الابن: يا أبي بلغني أنك ستخرج ضيعة كذا لتقفها في سبيل الله. قال عمر بن عبد العزيز؛ أفعل إن شاء الله. غداً نبرمها. قال الابن متسائلا: هل يبقيك الله إلى غد؟ فقال عمر بن عبد العزيز وهو يبكي: الحمد لله الذي جعل من أولادي من يعينني على الخير. لقد أراد الابن من أبيه أن يسارع إلى الخير، فما دامت هبَّة الخير قد هبَّت عليه فعلى الإنسان أن يأخذ بها؛ لأن الإنسان لا يدري أغيار الأحداث في نفسه، لذلك فعليه أن يسارع إلى اقتناص هبَّة الخير، وها هو ذا ابن عمر بن عبد العزيز يعين والده على الخير، لكننا في زماننا قد نجد من الأبناء من يطلب الحَجْر على أبيه إن فكر الأب في فعل الخير، متناسين قول الحق: {وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِين} [آل عمران: 114]. وهنا يبرز سؤال هو: لأي عمل هم صالحون؟ والإجابة تقتضي قليلاً من التأمل، إننا نقول في حياتنا: "إن فلاناً رجل صالح" ومقابله "رجل طالح". والإنسان صالح للخلافة، فقد جعل الله آدم وذريته خلفاء في الأرض، والرجل الصالح يرى الشيء الصالح في ذاته فيترك هذا الشيء على ما هو عليه أو يزيده صلاحاً. أما الرجل الطالح أو المفسد فهو يأتي إلى الشيء الصالح فيفسده، ولا يفعل صلاحاً. إن الرجل - على سبيل المثال - قد يجد بئراً يأخذ منه الناس الماء، فإن لم يكن من أهل العزم فإنه يتركه على حاله. وإن كان طالحاً فقد يردم البئر بالتراب. أما إن كان الرجل من أهل الصلاح والعزم فهو يحاول أن يبدع في خدمة الناس التي تستقي من البئر، فيفكر ليبني خزاناً عالياً ويسحب الماء من البئر بآلة رافعة، ويخرج من الخزان أنابيب ويمدها إلى البيوت، فيأخذ الناس المياه وهم في المنازل، إن هذا الرجل قد استخدم فكره في زيادة صلاح البئر. إذن فكلمة "رجل صالح" تعني أنه صالح لأن يكون خليفة في الأرض وصالح لاستعمار الأرض أي أن يجعلها عامرة، فيترك الصالح في ذاته، أو يزيده صلاحاً، ويحاول أن يصلح أي أمر غير صالح. الرجل الصالح عندما يعمل فهو يحاول أن يجعل عمله عن عمق علم، فلا يقدم على العمل الذي يعطي سطحية نفع ثم يسبب الضرر من بعد ذلك. ومثال ذلك حين اخترعوا المبيدات الحشرية ظنوا أنهم تغلبوا على الآفات في الزراعة، لكنهم لم يعرفوا أنهم قد أضروا بالزراعة وبالبيئة أكثر مما أفادوا، لذلك عادوا يقولون: لا تستعملوا هذه المبيدات؛ لأنها ذات أضرار جمة، ولهذا لا بد أن يكون كل عمل قائماً على قواعد علمية سليمة، ولنقرأ قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}تفسير : [الإسراء: 36]. وقوله سبحانه: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 103-104]. إذن فقد كرم الله من آمن من أهل الكتاب فوصفهم الوصف الحقيقي، فهم يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، ويؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات، ثم يحكم الحق عليهم حكماً عاماً بأنهم من الصالحين لعمارة الكون والخلافة في الأرض. ومن بعد ذلك يضيف الحق: {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ وَٱللَّهُ ...}.