٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
41
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة، واعلم أن داود وسليمان كانا ممن أفاض الله عليهما أصناف الآلاء والنعماء، وأيوب كان ممن خصه الله تعالى بأنواع البلاء، والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار. كأن الله تعالى قال: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالاً وجاهاً من داود وسليمان عليهما السلام، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب، فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وأن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: أيوب عطف بيان، وإذ بدل اشتمال منه {أَنّى مَسَّنِىَ } أي بأني مسني حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه، ولو لم يحك لقال بأنه مسه لأنه غائب، وقرىء: {بِنُصْبٍ } بضم النون وفتحها مع سكون الصاد وفتحها وضمها، فالنصب والنصب، كالرشد والرشد، والعدم والعدم، والسقم والسقم، والنصب على أصل المصدر، والنصب تثقيل نصب، والمعنى واحد، وهو التعب والمشقة والعذاب والألم. واعلم أنه كان قد حصل عنده نوعان من المكروه: الغم الشديد بسبب زوال الخيرات وحصول المكروهات، والألم الشديد في الجسم ولما حصل هذان النوعان لا جرم، ذكر الله تعالى لفظين وهما النصب والعذاب. المسألة الثانية: للناس في هذا الموضع قولان الأول: أن الآلام والأسقام الحاصلة في جسمه إنما حصلت بفعل الشيطان الثاني: أنها إنما حصلت بفعل الله، والعذاب المضاف في هذه الآية إلى الشيطان هو عذاب الوسوسة، وإلقاء الخواطر الفاسدة. وأما القول الأول: فتقريره ما روي أن إبليس سأل ربه، فقال هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني؟ فقال الله: نعم عبدي أيوب، فجعل يأتيه بوساوسه وهو يرى إبليس عياناً ولا يلتفت إليه، فقال: يا رب إنه قد امتنع علي فسلطني على ماله، وكان يجيئه ويقول له: هلك من مالك كذا وكذا، فيقول الله أعطى والله أخذ، ثم يحمد الله، فقال: يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده، فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية، فجاءه وأخبره به فلم يلتفت إليه، فقال يا رب لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده، فأذن فيه، فنفخ في جلد أيوب، وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فيه، فمكث في ذلك البلاء سنين، حتى صار بحيث استقذره أهل بلده، فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد، فجاء الشيطان إلى امرأته، وقال لو أن زوجك استعان بي لخلصته من هذا البلاء، فذكرت المرأة ذلك لزوجها، فحلف بالله لئن عافاه الله ليجلدنها مائة جلدة، وعند هذه الواقعة قال: {إِنّي مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } فأجاب الله دعاءه، وأوحى إليه {أن ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ } فأظهر الله من تحت رجله عيناً باردة طيبة فاغتسل منها، فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه، ورد عليه أهله وماله. والقول الثاني: أن الشيطان لا قدرة له ألبتة على إيقاع الناس في الأمراض والآلام، والدليل عليه وجوه الأول: أنا لو جوزنا حصول الموت والحياة والصحة والمرض من الشيطان، فلعل الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان، ولعل كل ما حصل عندنا من الخيرات والسعادات، فقد حصل بفعل الشيطان، وحينئذٍ لا يكون لنا سبيل إلى أن نعرف أن معطي الحياة والموت والصحة والسقم، هو الله تعالى الثاني: أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى في قتل الأنبياء والأولياء، ولم لا يخرب دورهم، ولم لا يقتل أولادكم الثالث: أنه تعالى حكى عن الشيطان أنه قال: {أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى } تفسير : [إبراهيم: 22] فصرح بأنه لا قدرة له في حق البشر إلا على إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة، وذلك يدل على قول من يقول إن الشيطان هو الذي ألقاه في تلك الأمراض والآفات، فإن قال قائل: لم لا يجوز أن يقال إن الفاعل لهذه الأحوال هو الله تعالى لكن على وفق التماس الشيطان؟ قلنا فإذا كان لا بد من الاعتراف بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو الله تعالى، فأي فائدة في جعل الشيطان واسطة في ذلك؟ بل الحق أن المراد من قوله: {إِنّي مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } أنه بسبب إلقاء الوساوس الفاسدة والخواطر الباطنة كان يلقيه في أنواع العذاب والعناء، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أن تلك الوساوس كيف كانت وذكروا فيه وجوهاً الأول: أن علته كانت شديدة الألم، ثم طالت مدة تلك العلة واستقذره الناس ونفروا عن مجاورته، ولم يبق له شيء من الأموال ألبتة. وامرأته كانت تخدم الناس وتحصل له قدر القوت، ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا امرأته من الدخول عليهم ومن الاشتغال بخدمتهم، والشيطان كان يذكره النعم التي كانت والآفات التي حصلت، وكان يحتال في دفع تلك الوساوس، فلما قويت تلك الوساوس في قلبه خاف وتضرع إلى الله، وقال: {إِنّى مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } لأنه كلما كانت تلك الخواطر أكثر كان ألم قلبه منها أشد. الثاني: أنها لما طالت مدة المرض جاءه الشيطان وكان يقنطه من ربه ويزين له أن يجزع فخاف من تأكد خاطر القنوط في قلبه فتضرع إلى الله تعالى وقال: {إِنّي مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ }، الثالث: قيل إن الشيطان لما قال لامرأته لو أطاعني زوجك أزلت عنه هذه الآفات فذكرت المرأة له ذلك، فغلب على ظنه أن الشيطان طمع في دينه فشق ذلك عليه فتضرع إلى الله تعالى وقال: {إِنّي مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ }، الرابع: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنه بقي أيوب في البلاء ثمان عشرة سنة حتى رفضه القريب والبعيد إلا رجلين، ثم قال أحدهما لصاحبه لقد أذنب أيوب ذنباً ما أتى به أحد من العالمين، ولولاه ما وقع في مثل هذا البلاء، فذكروا ذلك لأيوب عليه السلام، فقال: لا أدري ما تقولان غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأنفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في الحق» تفسير : الخامس: قيل إن امرأته كانت تخدم الناس فتأخذ منهم قدر القوت وتجيء به إلى أيوب، فاتفق أنهم ما استخدموها ألبتة وطلب بعض النساء منها قطع إحدى ذؤابتيها على أن تعطيها قدر القوت ففعلت، ثم في اليوم الثاني ففعلت مثل ذلك فلم يبق لها ذؤابة. وكان أيوب عليه السلام إذا أراد أن يتحرك على فراشه تعلق بتلك الذؤابة، فلما لم يجد الذؤابة وقعت الخواطر المؤذية في قلبه واشتد غمه، فعند ذلك قال: {إِنّي مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ }، السادس: قال في بعض الأيام: يا رب لقد علمت ما اجتمع علي أمران إلا آثرت طاعتك، ولما أعطيتني المال كنت للأرامل قيماً، ولابن السبيل معيناً، ولليتامى أباً! فنودي من غمامة يا أيوب ممن كان ذلك التوفيق؟ فأخذ أيوب التراب ووضعه على رأسه، وقال منك يا رب ثم خاف من الخاطر الأول فقال: {مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } وقد ذكروا أقوالاً أخرى، والله أعلم بحقيقة الحال، وسمعت بعض اليهود يقول: إن لموسى بن عمران عليه السلام كتاباً مفرداً في واقعة أيوب، وحاصل ذلك الكتاب أن أيوب كان رجلاً كثير الطاعة لله تعالى مواظباً على العبادة، مبالغاً في التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله، ثم إنه وقع في البلادء الشديد والعناء العظيم، فهل كان ذلك لحكمة أم لا؟ فإن كان ذلك لحكمة فمن المعلوم أنه ما أتى بجرم في الزمان السابق حتى يجعل ذلك العذاب في مقابلة ذلك الجرم، وإن كان ذلك لكثرة الثواب فالإله الحكيم الرحيم قادر على إيصال كل خير ومنفعة إليه من غير توسط تلك الآلام الطويلة والأسقام الكريهة. وحينئذٍ لا يبقى في تلك الأمراض والآفات فائدة، وهذه كلمات ظاهرة جلية وهي دالة على أن أفعال ذي الجلال منزهة عن التعليل بالمصالح والمفاسد، والحق الصريح أنه {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23]. المسألة الثالثة: لفظ الآية يدل على أن ذلك النصب والعذاب إنما حصل من الشيطان ثم ذلك العذاب على القول الأول عبارة عما حصل في بدنه من الأمراض، وعلى القول الثاني عبارة عن الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب إلقاء الوساوس، وعلى التقديرين فيلزم إثبات الفعل للشيطان، وأجاب أصحابنا رحمهم الله بأنا لا ننكر إثبات الفعل للشيطان لكنا نقول فعل العبد مخلوق لله تعالى على التفصيل المعلوم. أما قوله تعالى: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ } فالمعنى أنه لما شكى من الشيطان، فكأنه سأل ربه أن يزيل عنه تلك البلية فأجابه الله إليه بأن قال له: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ } والركض هو الدفع القوي بالرجل، ومنه ركضك الفرس، والتقدير قلنا له اركض برجلك، قيل إنه ضرب رجله تلك الأرض فنبعت عين فقيل: {هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } أي هذا ماء تغتسل به فيبرأ باطنك، وظاهر اللفظ يدل على أنه نبعت له عين واحدة من الماء اغتسل فيه وشرب منه. والمفسرون قالوا نبعت له عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى، فذهب الداء من ظاهره ومن باطنه بإذن الله، وقيل ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها ثم باليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها. ثم قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ } فقد قيل هم عين أهله وزيادة مثلهم، وقيل غيرهم مثلهم، والأول: أولى لأنه هو الظاهر فلا يجوز العدول عنه من غير ضرورة، ثم اختلفوا فقال بعضهم: معناه أزلنا عنهم السقم فعادوا أصحاء، وقال بعضهم: بل حضروا عنده بعد أن غابوا عنه واجتمعوا بعد أن تفرقوا. وقال بعضهم: بل تمكن منهم وتمكنوا منه فيما يتصل بالعشرة وبالخدمة. أما قوله: {وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ } فالأقرب أنه تعالى متعه بصحته وبماله وقواه حتى كثر نسله وصار أهله ضعف ما كان وأضعاف ذلك، وقال الحسن رحمه الله: المراد بهبة الأهل أنه تعالى أحياهم بعد أن هلكوا. ثم قال: {رَحْمَةً مّنَّا } أي إنما فعلنا كل هذه الأفعال على سبيل الفضل والرحمة، لا على سبيل اللزوم. ثم قال: {وَذِكْرَىٰ لأِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } يعني سلطناً البلاء عليه أولاً فصبر ثم أزلنا عنه البلاء وأوصلناه إلى الآلاء والنعماء، تنبيهاً لأولي الألباب على أن من صبر ظفر، والمقصود منه التنبيه على ما وقع ابتداء الكلام به وهو قوله لمحمد: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ } وقالت المعتزلة قوله تعالى: {رَحْمَةً مّنَّا وذكرى لأِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } يعني إنما فعلناها لهذه الأغراض والمقاصد، وذلك يدل على أن أفعال الله وأحكامه معللة بالأغراض والمصالح والكلام في هذا الباب قد مر غير مرة. أما قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً } فهو معطوف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك. واعلم أن هذا الكلام يدل على تقدم يمين منه، وفي الخبر أنه حلف على أهله، ثم اختلفوا في السبب الذي لأجله حلف عليها، ويبعد ما قيل إنها رغبته في طاعة الشيطان، ويبعد أيضاً ما روي أنها قطعت الذوائب عن رأسها لأن المضطر إلى الطعام يباح له ذلك بل الأقرب أنها خالفته في بعض المهمات، وذلك أنها ذهبت في بعض المهمات فأبطأت فحلف في مرضه ليضربنها مائة إذا برىء، ولما كانت حسنة الخدمة له لا جرم حلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها، وهذه الرخصة باقية، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى بمجذم خبث بأمة فقال: « حديث : خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة». تفسير : ثم قال تعالى: {إنا وجدناه صابراً} فإن قيل كيف وجده صابراً وقد شكى إليه، والجواب من وجوه الأول: أنه شكى من الشيطان إليه وما شكى منه إلى أحد الثاني: أن الألم حين كان على الجسد لم يذكر شيئاً فلما عظمت الوساوس خاف على القلب والدين فتضرع الثالث: أن الشيطان عدو، والشكاية من العدو إلى الحبيب لا تقدح في الصبر، ثم قال: {نعم العبد إنه أواب} وهذا يدل على أن تشريف نعم العبد، إنما حصل لكونه أواباً، وسمعت بعضهم قال: لما نزل قوله تعالى: {نعم العبد} في حق سليمان عليه السلام تارة، وفي حق أيوب عليه السلام أخرى عظم الغم في قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا إن قوله تعالى: {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } في حق سليمان تشريف عظيم، فإن احتجنا إلى اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان حتى بحد هذا التشريف لم نقدر عليه، وإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل أيوب لم نقدر عليه، فكيف السبيل إلى تحصيله. فأنزل الله تعالى قوله: {أية : نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ } تفسير : [الأنفال: 40] والمراد أنك إن لم تكن {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } فأنا {نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ } وإن كان منك الفضول، فمني الفضل، وإن كان منك التقصير، فمني الرحمة والتيسير.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ} أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم في الصبر على المكاره. «أَيُّوبَ» بدل. {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} وقرأ عيسى بن عمر «إِنّي» بكسر الهمزة أي قال. قال الفراء: وأجمعت القراء على أن قرؤوا «بِنُصْبٍ» بضم النون والتخفيف. النحاس: وهذا غلط وبعده مناقضة وغلط أيضاً؛ لأنه قال: أجمعت القراء على هذا، وحكى بعده أنهم ذكروا عن يزيد بن القعقاع أنه قرأ: «بِنَصَبٍ» بفتح النون والصاد فغلط على أبي جعفر، وإنما قرأ أبو جعفر «بِنُصُبٍ» بضم النون والصاد؛ كذا حكاه أبو عبيد وغيره وهو مروي عن الحسن. فأما «بِنَصَبٍ» فقراءة عاصم الجحدريّ ويعقوب الحضرميّ. وقد رويت هذه القراءة عن الحسن. وقد حكي «بِنَصْبٍ» بفتح النون وسكون الصاد عن أبي جعفر. وهذا كله عند أكثر النحويين بمعنى النَّصَبِ؛ فنُصْب ونَصَب كحزْن وحَزَن. وقد يجوز أن يكون نُصْب جمع نَصَبٍ كَوُثْن ووَثَنٍ. ويجوز أن يكون نُصْب بمعنى نُصُب حذفت منه الضمة، فأما {أية : وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ}تفسير : [المائدة: 3] فقيل: إنه جمع نصاب. وقال أبو عبيدة وغيره: النُّصْبُ الشر والبلاء. والنَّصَب التعب والإعياء. وقد قيل في معنى: {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} أي ما يلحقه من وسوسته لا غير. والله أعلم. ذكره النحاس. وقيل: إن النصب ما أصابه في بدنه، والعذاب ما أصابه في ماله؛ وفيه بُعْد. وقال المفسرون: إن أيوب كان رومياً من البَثَنِيَّة وكنيته أبو عبد الله في قول الواقدي؛ اصطفاه الله بالنبوّة، وأتاه جملة عظيمة من الثروة في أنواع الأموال والأولاد. وكان شاكراً لأنْعُم الله، مواسياً لعباد الله، بَرًّا رحيماً. ولم يؤمن به إلا ثلاثة نفر. وكان لإبليس موقف من السماء السابعة في يوم من الأيام، فوقف به إبليس على عادته؛ فقال الله له أو قيل له عنه: أَقَدَرْتَ من عبدي أيوب على شيء؟ فقال: يا رب! وكيف أقدر منه على شيء، وقد ابتليته بالمال والعافية، فلو ابتليته بالبلاء والفقر ونزعت منه ما أعطيته لحال عن حاله، ولخرج عن طاعتك. قال الله: قد سلطتك على أهله وماله. فانحط عدوُّ الله فجمع عفاريت الجن فأعلمهم، وقال قائل منهم: أكون إعصاراً فيه نار أهلك ماله فكان؛ فجاء أيوبَ في صورة قَيِّم ماله فأعلمه بما جرى؛ فقال: الحمد لله هو أعطاه وهو منعه. ثم جاء قصره بأهله وولده، فاحتمل القصر من نواحيه حتى ألقاه على أهله وولده، ثم جاء إليه وأعلمه فألقى التراب على رأسه، وصعد إبليس إلى السماء فسبقته توبة أيوب. قال: يا رب سلطني على بدنه. قال: قد سلطتك على بدنه إلا على لسانه وقلبه وبصره، فنفخ في جسده نفخة اشتعل (منها) فصار في جسده ثآليل فحكها بأظفاره حتى دميت، ثم بالفخار حتى تساقط لحمه. وقال عند ذلك: «مَسَّنِي الشَّيْطَانُ». ولم يخلص إلى شيء من حشوة البطن؛ لأنه لا بقاء للنفس إلا بها فهو يأكل ويشرب، فمكث كذلك ثلاث سنين. فلما غلبه أيوب اعترض لامرأته في هيئة أعظم من هيئة بني آدم في القدر والجمال، وقال لها: أنا إلٰه الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت، ولو سجدت لي سجدة واحدة لرددت عليه أهله وماله وهم عندي. وعرض لها في بطن الوادي ذلك كله في صورته؛ أي أظهره لها، فأخبرت أيوب فأقسم أن يضربها إن عافاه الله. وذكروا كلاماً طويلاً في (سبب بلائه و) مراجعته لربه وتبرمه من البلاء الذي نزل به، وأن النفر الثلاثة الذين آمنوا به نهوه عن ذلك واعترضوا عليه؛ وقيل: استعان به مظلوم فلم ينصره فابتلي بسبب ذلك. وقيل: استضاف يوماً الناس فمنع فقيراً الدخول فابتلي بذلك. وقيل: كان أيوب يغزو ملكاً وكان له غنم في ولايته، فداهنه لأجلها بترك غزوه فابتلي. وقيل: كان الناس يتعدّون امرأته ويقولون نخشى العدوى وكانوا يستقذرونها؛ فلهذا قال: {مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ}. وامرأته ليا بنت يعقوب. وكان أيوب في زمن يعقوب وكانت أمه ابنة لوط. وقيل: كانت زوجة أيوب رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب عليهم السلام. ذكر القولين الطبري رحمه الله. قال ابن العربي: ما ذكره المفسرون من أن إبليس كان له مكان في السماء السابعة يوماً من العام فقول باطل؛ لأنه أهبط منها بلعنة وسخط إلى الأرض، فكيف يرقى إلى محل الرضا، ويجول في مقامات الأنبياء، ويخترق السموات العلى، ويعلو إلى السماء السابعة إلى منازل الأنبياء، فيقف موقف الخليل؟ٰ إن هذا لخطب من الجهالة عظيم. وأما قولهم: إن الله تعالى قال له هل قدرت من عبدي أيوب على شيء فباطل قطعاً؛ لأن الله عز وجل لا يكلم الكفار الذين هم من جند إبليس الملعون؛ فكيف يكلم من تَوَلَّى إضلالهم؟.ٰ وأما قولهم: إن الله قال قد سلطتك على ماله وولده فذلك ممكن في القدرة، ولكنه بعيد في هذه القصة. وكذلك قولهم: إنه نفخ في جسده حين سلَّطه عليه فهو أبعد، والباري سبحانه قادر على أن يخلق ذلك كله من غير أن يكون للشيطان فيه كسب حتى تقِرّ له ـ لعنةُ الله عليه ـ عينٌ بالتمكن من الأنبياء في أموالهم وأهليهم وأنفسهم. وأما قولهم: إنه قال لزوجته أنا إلٰه الأرض، ولو تركتِ ذكر الله وسجدتِ أنتِ لي لعافيته، فاعلموا وإنكم لتعلمون أنه لو عرض لأحدكم وبه ألم وقال هذا الكلام ما جاز عنده أن يكون إلٰها في الأرض، وأنه يسجد له، وأنه يعافي من البلاء، فكيف أن تستريب زوجة نبيّ؟ٰ ولو كانت زوجة سواديّ أو فَدْم بربريّ ما ساغ ذلك عندها. وأما تصويره الأموال والأهل في وادٍ للمرأة فذلك ما لا يقدر عليه إبليس بحال، ولا هو في طريق السحر فيقال إنه من جنسه. ولو تصوّر لعلمت المرأة أنه سحر كما نعلمه نحن وهي فوقنا في المعرفة بذلك؛ فإنه لم يخل زمان قط من السحرِ وحديثه وجريه بين الناس وتصويره. قال القاضي: والذي جرأهم على ذلك وتذرّعوا به إلى ذكر هذا قوله تعالى: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} فلما رأوه قد شكا مسّ الشيطان أضافوا إليه من رأيهم ما سبق من التفسير في هذه الأقوال. وليس الأمر كما زعموا والأفعال كلها خيرها وشرها، في إيمانها وكفرها، طاعتها وعصيانها، خالقها هو الله لا شريك له في خلقه، ولا في خلق شيء غيرها، ولكن الشر لا ينسب إليه ذِكرا، وإن كان موجوداً منه خَلْقا؛ أدباً أدّبنا به، وتحميداً علّمناه، حديث : وكان من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم لربه به قوله من جملته: «والخير في يديك والشر ليس إليك» تفسير : على هذا المعنى. ومنه قول إبراهيم: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } تفسير : [الشعراء: 80] وقال الفتى للكليم: {أية : وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ}تفسير : [الكهف: 63] وأما قولهم: إنه استعان به مظلوم فلم ينصره. فمن لنا بصحة هذا القول. ولا يخلو أن يكون قادراً على نصره، فلا يحلّ لأحد تركه فيلام على أنه عصى وهو منزّه عن ذلك. أو كان عاجزاً فلا شيء عليه في ذلك، وكذلك قولهم: إنه منع فقيراً من الدخول؛ إن كان علم به فهو باطل عليه، وإن لم يعلم به فلا شيء عليه فيه. وأما قولهم: إنه داهن على غنمه الملك الكافر فلا تقل داهن ولكن قل دارى. ودفع الكافر والظالم عن النفس أو المال بالمال جائز؛ نعم وبحسن الكلام. قال ابن العربي القاضي أبو بكر رضي الله عنه: ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين؛ الأولى قوله تعالى: {أية : وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} تفسير : [الأنبياء: 83] والثانية في «صۤ» {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: «حديث : بينا أيوب يغتسل إذ خرّ عليه رِجل من جراد من ذهب»تفسير : الحديث. وإذ لم يصح عنه فيه قرآن ولا سنة إلا ما ذكرناه، فمن الذي يوصل السامع إلى أيوب خبره، أم على أيّ لسان سمعه؟ والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات؛ فأعرض عن سطورها بصرك، وأصمم عن سماعها أذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالاً، ولا تزيد فؤادك إلا خبالا. وفي الصحيح واللفظ للبخاري أن ابن عباس قال: يا معشر المسلمين! تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله، تقرؤونه مَحْضاً لم يُشَب، وقد حدّثكم أن أهل الكتاب قد بدّلوا من كتب الله وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتب؛ فقالوا: {أية : هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} تفسير : [البقرة: 79] ولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، فلا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم، وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الموطأ على عمر قراءته التوراة. قوله تعالى: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ} الركض الدفع بالرجل. يقال: رَكَض الدابةَ ورَكَض ثوبه برجله. وقال المبرّد: الرَّكْض التحريك؛ ولهذا قال الأصمعي: يقال رُكِضَت الدابّة ولا يقال رَكَضَت هي؛ لأن الركض إنما هو تحريك راكبها رجليه ولا فعل لها في ذلك. وحكى سيبويه: ركَضتُ الدابةَ فركضتْ مثل جَبرتُ العظم فَجبَر وحزنته فحزن؛ وفي الكلام إضمار أي قلنا له: «ارْكُضْ» قاله الكسائي. وهذا لما عافاه الله. {هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} أي فركض فنبعت عين ماء فاغتسل به، فذهب الداء من ظاهره، ثم شرب منه فذهب الداء من باطنه. وقال قتادة: هما عينان بأرض الشام في أرض يقال لها الجابية، فاغتسل من إحداهما فأذهب الله تعالى ظاهر دائه، وشرب من الأخرى فأذهب الله تعالى باطن دائه. ونحوه عن الحسن ومقاتل؛ قال مقاتل؛ نبعت عين حارّة واغتسل فيها فخرج صحيحاً، ثم نبعت عين أخرى فشرب منها ماء عذباً. وقيل: أمر بالركض بالرجل ليتناثر عنه كل داء في جسده. والمغتسل الماء الذي يغتسل به؛ قاله القتبي. وقيل: إنه الموضع الذي يغتسل فيه؛ قاله مقاتل. الجوهري: واغتسلت بالماء، والغسول الماء الذي يغتسل به، وكذلك المغتسل، قال الله تعالى: {هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} والمغتسل أيضاً الذي يغتسل فيه، والمَغْسِل والمَغْسَل بكسر السين وفتحها مغسِل الموتى والجمع المغاسل. واختلف كم بقي أيوب في البلاء؛ فقال ابن عباس: سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات. وقال وهب بن منبّه: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعُذِّب بُخْتَنصَّر وحُوِّل في السباع سبع سنين. ذكره أبو نعيم. وقيل: عشر سنين. وقيل: ثمان عشرة سنة. رواه أنس مرفوعاً فيما ذكر الماوردي. قلت: وذكره ابن المبارك؛ أخبرنا يونس بن يزيد، عن عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوماً أيوب، وما أصابه من البلاء، وذكر أن البلاء الذي أصابه كان به ثمان عشرة سنة. وذكر الحديث القشيري. وقيل: أربعين سنة. قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} تقدّم في «الأنبياء» الكلام فيه. {رَحْمَةً مِّنَّا} أي نعمة منا. {وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي عبرة لذوي العقول.
ابن كثير
تفسير : يذكر تبارك وتعالى عبده ورسوله أيوب عليه الصلاة والسلام وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده، حتى لم يبق في جسده مغرز إبرة سليماً سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه، غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله تعالى ورسوله، فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحواً من ثماني عشرة سنة، وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة في الدنيا، فسلب جميع ذلك حتى آل به الحال إلى أن ألقي على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها، ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته رضي الله عنها، فإنها كانت لا تفارقه صباحاً ومساء إلا بسبب خدمة الناس، ثم تعود إليه قريباً، فلما طال المطال، واشتد الحال، وانتهى القدر، وتم الأجل المقدر، تضرع إلى رب العالمين وإله المرسلين فقال: {أية : أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 83] وفي هذه الآية الكريمة قال: { وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} قيل: بنصب في بدني، وعذاب في مالي وولدي، فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين، وأمره أن يقوم من مقامه، وأن يركض الأرض برجله، ففعل، فأنبع الله تعالى عيناً، وأمره أن يغتسل منها، فأذهبت جميع ما كان في بدنه من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر، فأنبع له عيناً أخرى، وأمره أن يشرب منها، فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء، وتكاملت العافية ظاهراً وباطناً، ولهذا قال تبارك وتعالى: { ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} قال ابن جرير وابن أبي حاتم جميعاً: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين كانا من أخص إخوانه به، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إليه، لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب عليه الصلاة والسلام: لا أدري ما تقول، غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله تعالى، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق، قال: وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضاها، أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم، أبطأ عليها فأوحى الله تبارك وتعالى إلى أيوب عليه الصلاة والسلام أن: { ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} فاستبطأته، فالتفتت تنظر، فأقبل عليها وقد أذهب الله ما به من البلاء، وهو على أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ فوالله على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً، قال: فإني أنا هو، قال: وكان له أندران: أندر للقمح، وأندر للشعير، فبعث الله تعالى سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح، أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاضتفسير : ، هذا لفظ ابن جرير رحمه الله. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : بينما أيوب يغتسل عرياناً، خر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب عليه الصلاة والسلام يحثو في ثوبه، فناداه ربه عز وجل: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال عليه الصلاة والسلام: بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن بركتك» تفسير : انفرد بإخراجه البخاري من حديث عبد الرزاق به، ولهذا قال تبارك وتعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} قال الحسن وقتادة: أحياهم الله تعالى له بأعيانهم، وزادهم مثلهم معهم. وقوله عز وجل: {رَحْمَةً مِّنَّا} أي: به، على صبره وثباته وإنابته، وتواضعه واستكانته {وَذِكْرَىٰ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: لذوي العقول؛ ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة. وقوله جلت عظمته: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} وذلك أن أيوب عليه الصلاة والسلام كان قد غضب على زوجته، ووجد عليها في أمر فعلته، قيل: باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه، فلامها على ذلك، وحلف إن شفاه الله تعالى ليضربنها مئة جلدة، وقيل لغير ذلك من الأسباب، فلما شفاه الله عز وجل، وعافاه، ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب، فأفتاه الله عز وجل أن يأخذ ضغثاً، وهو الشمراخ فيه مئة قضيب، فيضربها به ضربة واحدة، وقد برت يمينه، وخرج من حنثه، ووفى بنذره، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه، ولهذا قال جل وعلا: {إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} أثنى الله تعالى عليه ومدحه بأنه {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي: رجاع منيب، ولهذا قال جل جلاله: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْراً } تفسير : [الطلاق: 2 ــــ 3] واستدل كثير من الفقهاء بهذه الآية الكريمة على مسائل في الأيمان وغيرها، وقد أخذوها بمقتضاها ومنعت طائفة أخرى من الفقهاء من ذلك، وقالوا: لم يثبت أن الكفارة كانت مشروعة في شرع أيوب عليه السلام، فلذلك رخص له في ذلك. وقد أغنى الله هذه الأمة بالكفارة، والله أعلم بالصواب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّى } أي بأني {مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَٰنُ بِنُصْبٍ } بضرّ {وَعَذَابٍ } ألم، ونسب ذلك إلى الشيطان وإن كانت الأشياء كلها من الله تأدّباً معه تعالى.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ } معطوف على قوله: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُود} وأيوب عطف بيان، و {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ } بدل اشتمال من عبدنا {أَنّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ } قرأ الجمهور بفتح الهمزة على أنه حكاية لكلامه الذي نادى ربه به، ولو لم يحكه لقال: إنه مسه. وقرأ عيسى بن عمر بكسرها على إضمار القول. وفي ذكر قصة أيوب إرشاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاقتداء به في الصبر على المكاره. قرأ الجمهور بضم النون من قوله: {بِنُصْبٍ } وسكون الصاد، فقيل: هو جمع نصب بفتحتين نحو أسد، وأسد، وقيل: هو لغة في النصب، نحو رشد، ورشد. وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع، وشيبة، وحفص، ونافع في رواية عنه بضمتين، ورويت هذه القراءة عن الحسن. وقرأ أبو حيوة، ويعقوب، وحفص في رواية بفتح، وسكون، وهذه القراءات كلها بمعنى واحد، وإنما اختلفت القراءات باختلاف اللغات. وقال أبو عبيدة: إن النصب بفتحتين: التعب، والإعياء، وعلى بقية القراءات الشرّ، والبلاء، ومعنى قوله: {وَعَذَابٍ } أي: ألم. قال قتادة، ومقاتل: النصب في الجسد، والعذاب في المال. قال النحاس: وفيه بعد كذا قال. والأولى تفسير النصب بالمعنى اللغوي، وهو: التعب، والإعياء، وتفسير العذاب بما يصدق عليه مسمى العذاب، وهو: الألم، وكلاهما راجع إلى البدن. {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ } هو بتقدير القول، أي: قلنا له: اركض برجلك كذا قال الكسائي، والركض: الدفع بالرجل، يقال: ركض الدابة برجله: إذا ضربها بها. وقال المبرد: الركض: التحريك. قال الأصمعي: يقال: ركضت الدابة، ولا يقال: ركضت هي؛ لأن الركض إنما هو تحريك راكبها رجليه، ولا فعل لها في ذلك، وحكى سيبويه: ركضت الدابة، فركضت، مثل جبرت العظم، فجبر {هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } هذا أيضاً من مقول القول المقدّر، المغتسل: هو الماء الذي يغتسل به، والشراب: الذي يشرب منه. وقيل: إن المغتسل هو: المكان الذي يغتسل فيه. قال قتادة: هما عينان بأرض الشام في أرض يقال لها: الجابية، فاغتسل من إحداهما، فأذهب الله ظاهر دائه، وشرب من الأخرى فأذهب الله باطن دائه، وكذا قال الحسن. وقال مقاتل: نبعت عين جارية، فاغتسل فيها، فخرج صحيحاً، ثم نبعت عين أخرى، فشرب منها ماءً عذباً بارداً. وفي الكلام حذف، والتقدير: فركض برجله، فنبعت عين، فقلنا له: {هذا مغتسل} إلخ، وأسند المسّ إلى الشيطان مع أن الله سبحانه هو الذي مسه بذلك: إما لكونه لما عمل بوسوسته عوقب على ذلك بذلك النصب، والعذاب. فقد قيل: إنه أعجب بكثرة ماله، وقيل: استغاثه مظلوم، فلم يغثه، وقيل: إنه قال ذلك على طريقة الأدب، وقيل: إنه قال ذلك؛ لأن الشيطان وسوس إلى أتباعه، فرفضوه، وأخرجوه من ديارهم، وقيل: المراد به. ما كان يوسوسه الشيطان إليه حال مرضه، وابتلائه من تحسين الجزع، وعدم الصبر على المصيبة، وقيل غير ذلك. وقوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ } معطوف على مقدّر كأنه قيل: فاغتسل، وشرب، فكشفنا بذلك ما به من ضرّ، ووهبنا له أهله. قيل: أحياهم الله بعد أن أماتهم، وقيل: جمعهم بعد تفرقهم، وقيل: غيرهم مثلهم، ثم زاده مثلهم معهم، وهو معنى قوله: {وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ } فكانوا مثلى ما كانوا من قبل ابتلائه، وانتصاب قوله: {رَحْمَةً مّنَّا وَذِكْرَىٰ لأوْلِى ٱلألْبَـٰبِ } على أنه مفعول لأجله، أي: وهبناهم له لأجل رحمتنا إياه، وليتذكر بحاله أولو الألباب، فيصبروا على الشدائد كما صبر، وقد تقدّم في سورة الأنبياء تفسير هذه الآية مستوفى، فلا نعيده. {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً } معطوف على {اركض}، أو على {وهبنا}؛ أو التقدير، وقلنا له: {خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً }، والضغث: عثكال النخل بشماريخه، وقيل: هو قبضة من حشيش مختلط رطبها بيابسها، وقيل: الحزمة الكبيرة من القضبان، وأصل المادّة تدلّ على جمع المختلطات. قال الواحدي: الضغث: ملء الكفّ من الشجر، والحشيش، والشماريخ {فَٱضْرِب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ } أي: اضرب بذلك الضغث، ولا تحنث في يمينك، والحنث: الإثم، ويطلق على فعل ما حلف على تركه، وكان أيوب قد حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة. واختلف في سبب ذلك، فقال سعيد بن المسيب: إنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه به من الخبز، فخاف خيانتها، فحلف ليضربنها. وقال يحيـى بن سلام، وغيره: إن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقرّباً إليه، فإنه إذا فعل ذلك برىء، فحلف ليضربنها إن عوفي مائة جلدة. وقيل: باعت ذؤابتها برغيفين إذ لم تجد شيئاً، وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد القيام، فلهذا حلف ليضربنها. وقيل: جاءها إبليس في صورة طبيب، فدعته لمداواة أيوب، فقال: أداويه على أنه إذا برىء قال: أنت شفيتني، لا أريد جزاء سواه، قالت: نعم، فأشارت على أيوب بذلك، فحلف ليضربنها. وقد اختلف العلماء هل هذا خاصّ بأيوب، أو عامّ للناس كلهم؟ وأن من حلف خرج من يمينه بمثل ذلك. قال الشافعي: إذا حلف ليضربنّ فلاناً مائة جلدة، أو ضرباً، ولم يقل: ضرباً شديداً، ولم ينوِ بقلبه، فيكفيه مثل هذا الضرب المذكور في الآية، حكاه ابن المنذر عنه، وعن أبي ثور، وأصحاب الرأي. وقال عطاء: هو خاصّ بأيوب، ورواه ابن القاسم عن مالك. ثم أثنى الله سبحانه على أيوب، فقال: {إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِراً } أي: على البلاء الذي ابتليناه به، فإنه ابتلي بالداء العظيم في جسده، وذهاب ماله، وأهله، وولده، فصبر {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } أي: أيوب {إِنَّهُ أَوَّابٌ } أي: رجاع إلى الله بالاستغفار، والتوبة. {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } قرأ الجمهور: {عبادنا} بالجمع. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وحميد، وابن محيصن، وابن كثير: "عبدنا" بالإفراد. فعلى قراءة الجمهور يكون إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب عطف بيان، وعلى القراءة الأخرى يكون إبراهيم عطف بيان، وما بعده عطف على عبدنا لا على إبراهيم. وقد يقال: لما كان المراد بعبدنا الجنس جاز إبدال الجماعة منه. وقيل: إن إبراهيم، وما بعده بدل، أو النصب بإضمار أعني، وعطف البيان أظهر، وقراءة الجمهور أبين، وقد اختارها أبو عبيد، وأبو حاتم {أُوْلِى ٱلأيْدِى وَٱلأبْصَـٰرِ } الأيدي، جمع اليد التي بمعنى: القوّة، والقدرة. قال قتادة: أعطوا قوّة في العبادة، ونصراً في الدين. قال الواحدي: وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والمفسرون. قال النحاس: أما الأبصار، فمتفق على أنها البصائر في الدين، والعلم. وأما الأيدي، فمختلف في تأويلها، فأهل التفسير يقولون: إنها القوّة في الدين، وقوم يقولون: الأيدي جمع يد، وهي النعمة، أي: هم أصحاب النعم، أي: الذين أنعم الله عزّ وجلّ عليهم، وقيل: هم أصحاب النعم على الناس، والإحسان إليهم، لأنهم قد أحسنوا، وقدّموا خيراً، واختار هذا ابن جرير. قرأ الجمهور (أولي الأيدي) بإثبات الياء في الأيدي. وقرأ ابن مسعود، والأعمش، والحسن، وعيسى: (الأيد) بغير ياء، فقيل معناها: معنى القراءة الأولى، وإنما حذفت الياء لدلالة كسرة الدال عليها، وقيل الأيد: القوّة وجملة: {إِنَّا أَخْلَصْنٰهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ } تعليل لما وصفوا به. قرأ الجمهور: {بخالصة} بالتنوين، وعدم الإضافة على أنها مصدر، بمعنى: الإخلاص، فيكون ذكرى منصوباً به، أو بمعنى: الخلوص، فيكون ذكرى مرفوعاً به، أو يكون خالصة اسم فاعل على بابه، وذكرى بدل منها، أو بيان لها، أو بإضمار أعني، أو مرفوعة بإضمار مبتدأ، والدار يجوز أن تكون مفعولاً به لذكرى، وأن تكون ظرفاً: إما على الاتساع، أو على إسقاط الخافض، وعلى كل تقدير، فخالصة صفة لموصوف محذوف، والباء للسببية، أي: بسبب خصلة خالصة. وقرأ نافع، وشيبة، وأبو جعفر، وهشام عن ابن عامر بإضافة خالصة إلى ذكرى على أن الإضافة للبيان، لأن الخالصة تكون ذكرى، وغير ذكرى، أو على أن خالصة مصدر مضاف إلى مفعوله، والفاعل محذوف. أي: بأن أخلصوا ذكرى الدار، أو مصدر بمعنى: الخلوص مضافاً إلى فاعله. قال مجاهد: معنى الآية: استصفيناهم بذكر الآخرة، فأخلصناهم بذكرها. وقال قتادة: كانوا يدعون إلى الآخرة، وإلى الله. وقال السدّي: أخلصوا بخوف الآخرة. قال الواحدي: فمن قرأ بالتنوين في خالصة كان المعنى: جعلناهم لنا خالصين بأن خلصت لهم ذكرى الدار، والخالصة مصدر بمعنى: الخلوص، والذكرى بمعنى: التذكر، أي: خلص لهم تذكر الدار، وهو أنهم يذكرون التأهب لها، ويزهدون في الدنيا، وذلك من شأن الأنبياء. وأما من أضاف، فالمعنى: أخلصنا لهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار، والخالصة مصدر مضاف إلى الفاعل، والذكرى على هذا المعنى: الذكر {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأخْيَارِ } الاصطفاء: الاختيار، والأخيار جمع خير بالتشديد والتخفيف كأموات في جمع ميت مشدّداً ومخففاً؛ والمعنى: إنهم عندنا لمن المختارين من أبناء جنسهم من الأخيار. {وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ } قيل: وجه إفراده بالذكر بعد ذكر أبيه، وأخيه، وابن أخيه؛ للإشعار بأنه عريق في الصبر الذي هو المقصود بالتذكير هنا {وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ } قد تقدّم ذكر اليسع، والكلام فيه في الأنعام، وتقدَّم ذكر ذا الكفل، والكلام فيه في سورة الأنبياء، والمراد من ذكر هؤلاء: أنهم من جملة من صبر من الأنبياء، وتحملوا الشدائد في دين الله. أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يذكرهم؛ ليسلك مسلكهم في الصبر {وَكُلٌّ مّنَ ٱلأخْيَارِ } يعني: الذين اختارهم الله لنبوّته، واصطفاهم من خلقه. {هَـٰذَا ذِكْر} الإشارة إلى ما تقدّم من ذكر أوصافهم، أي: هذا ذكر جميل في الدنيا، وشرف يذكرون به أبداً {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} أي: لهم مع هذا الذكر الجميل حسن مآب في الآخرة، والمآب: المرجع، والمعنى: أنهم يرجعون في الآخرة إلى مغفرة الله، ورضوانه، ونعيم جنته. ثم بيّن حسن المرجع، فقال: {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } قرأ الجمهور: {جنات} بالنصب بدلاً من حسن مآب، سواء كان جنات عدن معرفة، أو نكرة؛ لأن المعرفة تبدل من النكرة، وبالعكس، ويجوز أن يكون جنات عطف بيان إن كانت نكرة، ولا يجوز ذلك فيها إن كانت معرفة على مذهب جمهور النحاة، وقد جوزه بعضهم. ويجوز أن يكون نصب جنات بإضمار فعل. والعدن في الأصل: الإقامة، يقال: عدن بالمكان: إذا أقام فيه، وقيل: هو اسم لقصر في الجنة، وقرىء برفع جنات على أنها مبتدأ. وخبرها مفتحة، أو على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي جنات عدن، وقوله: {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ } حال من جنات، والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل، والأبواب مرتفعة باسم المفعول: كقوله: {أية : وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } تفسير : [الزمر: 43] والرّابط بين الحال، وصاحبها ضمير مقدر، أي: منها، أو الألف، واللام لقيامه مقام الضمير، إذ الأصل أبوابها. وقيل: إن ارتفاع الأبواب على البدل من الضمير في مفتحة، العائد على جنات، وبه قال أبو عليّ الفارسي أي: مفتحة هي الأبواب. قال الفراء: المعنى: مفتحة أبوابها، والعرب تجعل الألف، واللام خلفاً من الإضافة. وقال الزجاج: المعنى: مفتحة لهم الأبواب منها. قال الحسن: إن الأبواب يقال لها: انفتحي فتنفتح، انغلقي، فتنغلق. وقيل: تفتح لهم الملائكة الأبواب، وانتصاب {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا } على الحال من ضمير لهم، والعامل فيه مفتحة، وقيل: هو حال من {يَدَّعُونَ } قدّمت على العامل {فِيهَا } أي: يدعون في الجنات حال كونهم متكئين فيها {بِفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ } أي: بألوان متنوّعة متكثرة من الفواكه {وَشَرَاب} كثير، فحذف كثيراً لدلالة الأوّل عليه، وعلى جعل {مُتَّكِئِينَ } حالاً من ضمير لهم، والعامل فيه مفتحة، فتكون جملة {يَدَّعُونَ } مستأنفة لبيان حالهم. وقيل: إن يدعون في محل نصب على الحال من ضمير متكئين. {وَعِندَهُمْ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ } أي: قاصرات طرفهنّ على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم، وقد مضى بيانه في سورة الصافات. والأتراب: المتحدات في السنّ، أو المتساويات في الحسن. وقال مجاهد: معنى أتراب: أنهنّ متواخيات لا يتباغضن، ولا يتغايرن. وقيل: أتراباً للأزواج. والأتراب: جمع ترب، واشتقاقه من التراب، لأنه يمسهنّ في وقت واحد لاتحاد مولدهنّ. {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } أي: هذا الجزاء الذي وعدتم به لأجل يوم الحساب، فإن الحساب علة للوصول إلى الجزاء، أو المعنى: في يوم الحساب. قرأ الجمهور: {ما توعدون} بالفوقية على الخطاب. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن محيصن، ويعقوب بالتحتية على الخبر، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم لقوله: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ }، فإنه خبر {إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا } أي: إن هذا المذكور من النعم، والكرامات لرزقنا الذي أنعمنا به عليكم {مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ } أي: انقطاع، ولا يفنى أبداً، ومثله قوله: {أية : عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } تفسير : [هود: 108] فنعم الجنة لا تنقطع عن أهلها. وقد أخرج أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن ابن عباس قال: إن الشيطان عرج إلى السماء، فقال: يا رب سلطني على أيوب، قال الله: لقد سلطتك على ماله، وولده، ولم أسلطك على جسده، فنزل، فجمع جنوده، فقال لهم: قد سلطت على أيوب، فأروني سلطانكم، فصاروا نيراناً، ثم صاروا ماء، فبينما هم في المشرق إذا هم بالمغرب، وبينما هم بالمغرب إذا هم بالمشرق. فأرسل طائفة منهم إلى زرعه، وطائفة إلى أهله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه، وقال: إنه لا يعتصم منكم إلا بالمعروف، فأتوه بالمصائب بعضها على بعض، فجاء صاحب الزرع، فقال: يا أيوب ألم ترَ إلى ربك أرسل على زرعك ناراً، فأحرقته؟ ثم جاء صاحب الإبل، فقال: يا أيوب ألم ترَ إلى ربك أرسل إلى إبلك عدواً، فذهب بها؟ ثم جاء صاحب البقر فقال: يا أيوب ألم ترَ إلى ربك أرسل إلى بقرك عدواً، فذهب بها؟ ثم جاءه صاحب الغنم فقال: يا أيوب ألم ترَ إلى ربك أرسل على غنمك عدواً، فذهب بها؟ وتفرد هو لبنيه، فجمعهم في بيت أكبرهم، فبينما هم يأكلون، ويشربون إذ هبت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام بأذنيه قرطان، فقال: يا أيوب ألم ترَ إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم، فبينما هم يأكلون، ويشربون إذ هبت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فلو رأيتهم حين اختلطت دماؤهم، ولحومهم بطعامهم، وشرابهم؟ فقال له أيوب: فأين كنت؟ قال: كنت معهم، قال: فكيف انفلتّ؟ قال: انفلت، قال أيوب: أنت الشيطان؛ ثم قال أيوب: أنا اليوم كيوم ولدتني أمي، فقام، فحلق رأسه، وقام يصلي، فرنّ إبليس رنة سمعها أهل السماء، وأهل الأرض، ثم عرج إلى السماء، فقال: أي رب إنه قد اعتصم، فسلطني عليه، فإني لا أستطيعه إلا بسلطانك، قال: قد سلطتك على جسده، ولم أسلطك على قلبه، فنزل، فنفخ تحت قدمه نفخة قرح ما بين قدمه إلى قرنه، فصار قرحة واحدة، وألقي على الرماد حتى بدا حجاب قلبه، فكانت امرأته تسعى عليه، حتى قالت له: ألا ترى يا أيوب قد نزل والله بي من الجهد والفاقة ما إن بعت قروني برغيف، فأطعمتك، فادع الله أن يشفيك، ويريحك قال: ويحك كنا في النعيم سبعين عاماً، فاصبري حتى نكون في الضراء سبعين عاماً، فكان في البلاء سبع سنين، ودعا، فجاء جبريل يوماً، فدعا بيده، ثم قال: قم، فقام، فنحاه عن مكانه، وقال: اركض برجلك هذا مغتسل بارد، وشراب، فركض برجله، فنبعت عين، فقال: اغتسل، فاغتسل منها، ثم جاء أيضاً، فقال: اركض برجلك، فنبعت عين أخرى فقال له: اشرب منها، وهو قوله: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ }، وألبسه الله حلة من الجنة، فتنحى أيوب، فجلس في ناحية، وجاءت امرأته، فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله أين المبتلي الذي كان ها هنا؟ لعل الكلاب قد ذهبت به، أو الذئاب، وجعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك أنا أيوب قد ردّ الله عليّ جسدي، ورد عليه ماله، وولده عياناً، ومثلهم معهم، وأمطر عليه جراداً من ذهب، فجعل يأخذ الجراد بيده، ثم يجعله في ثوبه، وينشر كساءه، ويأخذه، فيجعل فيه، فأوحى الله إليه: يا أيوب أما شبعت؟ قال: يا رب من ذا الذي يشبع من فضلك، ورحمتك؟ وفي هذا نكارة شديدة، فإن الله سبحانه لا يمكن الشيطان من نبي من أنبيائه، ويسلط عليه هذا التسليط العظيم. وأخرج أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن ابن عباس قال: إن إبليس قعد على الطريق، وأخذ تابوتاً يداوي الناس، فقالت امرأة أيوب: يا عبد الله إن ها هنا مبتلى من أمره كذا وكذا، فهل لك أن تداويه؟ قال: نعم بشرط إن أنا شفيته أن يقول: أنت شفيتني لا أريد منه أجراً غيره. فأتت أيوب، فذكرت له ذلك، فقال: ويحك ذاك الشيطان، لله عليّ إن شفاني الله أن أجلدك مائة جلدة، فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثاً، فيضربها به، فأخذ عذقاً فيه مائة شمراخ، فضربها ضربة واحدة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عنه في قوله: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً } قال: هو الأسل. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً قال: الضغث: القبضة من المرعى الرطب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الضغث: الحزمة. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والطبراني، وابن عساكر من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: "حملت وليدة في بني ساعدة من زنا، فقيل لها: ممن حملك؟ قالت: من فلان المقعد، فسئل المقعد، فقال: صدقت. فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : خذوا عثكولاً فيه مائة شمراخ، فاضربوه به ضربة واحدة»تفسير : . وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والطبراني، وابن عساكر نحوه من طريق أخرى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن سعيد بن سعد بن عبادة. وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد نحوه. وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال: أيوب رأس الصابرين يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أُوْلِى ٱلأيْدِى } قال: القوّة في العبادة {وَٱلأبْصَـٰر} قال: الفقه في الدين. وأخرج ابن أبي حاتم عنه {أُوْلِى ٱلأَيْدِى } قال: النعمة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {إِنَّا أَخْلَصْنٰهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ } قال: أخلصوا بذكر دار الآخرة أن يعملوا لها.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصبٍ وعذابٍ} قيل هو أيوب بن حوص بن روعويل وكان في زمن يعقوب بن إسحاق، وتزوج بنته إليا بنت يعقوب وكانت أمّه بنت لوط عليه السلام، وكان أبوه حوص ممن آمن بإبراهيم عليه السلام. وفي قوله {مسني الشيطان} وجهان: أحدهما: أن مس الشيطان وسوسته وتذكيره بما كان فيه من نعمة وما صار إليه من محنة، حكاه ابن عيسى. الثاني: الشيطان استأذن الله تعالى أن يسلطه على ماله فسلطه، ثم أهله وداره فسلطه، ثم جسده فسلطه، ثم على قلبه فلم يسلطه، قال ابن عباس فهو قوله: {مسني الشيطان} الآية. {بنصب وعذاب} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني بالنصب الألم وبالعذاب السقم، قاله مبشر بن عبيد. الثاني: النصب في جسده، والعذاب في ماله، قاله السدي. الثالث: أن النصب العناء، والعذاب البلاء. قوله عز وجل: {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشرابٌ} قال قتادة هما عينان بأرض الشام في أرض يقال لها الجابية. وفيهما قولان: أحدهما: أنه اغتسل من إحداهما فأذهب الله تعالى ظاهر دائه وشرب من الأخرى فأذهب الله باطن دائه، قاله الحسن. الثاني:أنه اغتسل من إحداهما فبرىء، وشرب من الأخرى فروي، قاله قتادة. وفي المغتسل وجهان: أحدهما: أنه كان الموضع الذي يغتسل منه، قاله مقاتل. الثاني: أنه الماء الذي يغتسل به، قاله ابن قتيبة. وفي مدة مرضه قولان: أحدهما: سبع سنين وسبعة أشهر، قاله ابن عباس. الثاني: ثماني عشرة سنة رواه أنس مرفوعاً. قوله عز وجل: {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم} وفيما أصابهم ثلاثة أقويل: أحدها: أنهم كانوا مرضى فشفاهم الله. الثاني: أنهم غابوا عنه فردهم الله عليه، وهذا القولان حكاهما ابن بحر. الثالث: وهو ما عليه الجمهور أنهم كانوا قد ماتوا. فعلى هذا في هبتهم له ومثلهم معهم خمسة أقاويل: أحدها: أن الله تعالى رد عليه أهله وولده ومواشيه بأعيانهم، لأنه تعالى أماتهم قبل آجالهم ابتلاء ووهب له من أولادهم مثلهم، قاله الحسن. الثاني: أن الله سبحانه ردهم عليه بأعيانهم ووهب له مثلهم من غيرهم قاله ابن عباس. الثالث: أنه رد عليه ثوابهم في الجنة ووهب له مثلهم في الدنيا، قاله السدي. الرابع: أنه رد عليه أهله في الجنة، وأصاب امرأته فجاءته بمثلهم في الدنيا. الخامس: أنه لم يرد عليه منهم بعد موتهم أحداً وكانوا ثلاثة عشرا ابناً فوهب الله تعالى له من زوجته التي هي أم من مات مثلهم فولدت ستة وعشرين ابناً، قاله الضحاك. {رحمة منا} أي نعمة منا. {وذكرَى لأولي الألباب} أي عبرة لذوي العقول. قوله عز وجل: {وخُذْ بيدك ضِغْثاً فاضرب له ولا تحنثْ} كان أيوب قد حلف في مرضه على زوجته أن يضربها مائة جلدة. وفي سبب ذلك ثلاثة أقاويل: أحدها: ما قاله ابن عباس أن إبليس لقيها في صورة طبيب فدعته لمداواة أيوب، فقال أداويه على أنه إذا برىء قال أنت شفيتني لا أريد جزاء سواه قالت نعم، فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنها. الثاني: ما حكاه سعيد بن المسيب أنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه به من الخبز فخاف خيانتها فحلف ليضربنها. الثالث: ما حكاه يحيى بن سلام أن الشيطان أغواها على أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة ليبرأ بها فحلف ليجلدنها فلما برىء أيوب وعلم الله تعالى بإيمان امرأته أمره رفقاً بها وبراً له يأخذ بيده ضغثاً. وفيه سبعة أقاويل: أحدها: أنه أشكال النخل الجامع لشماريخه، قاله ابن عباس. الثاني: الأثل، حكاه مجاهد وقاله مجاهد. الثالث: السنبل، حكاه يحيى بن سلام. الرابع: الثمام اليابس، قاله سعيد بن المسيب. الخامس: الشجر الرطب، قاله الأخفش. السادس: الحزمة من الحشيش، قاله قطرب وأنشد قول الكميت: شعر : تحيد شِماساً إذا ما العسيفُ بضِغثِ الخلاء إليها أشارا تفسير : السابع: أنه ملء الكف من القش أو الحشيش أو الشماريخ، قاله أبوعبيدة. {فاضرب} فاضرب بعدد ما حلفت عليه وهو أن يجمع مائة من عدد الضغث فيضربها به في دفعة يعلم فيها وصول جميعها إلى بدنها فيقوم ذلك فيها مقام مائة جلدة مفردة. {ولا تحنث} يعني في اليمين وفيه قولان: أحدهما: أن ذلك لأيوب خاصة، قاله مجاهد. الثاني: عام في أيوب وغيره من هذه الأمة، قاله قتادة. والذي نقوله في ذلك مذهباً: إن كان هذا في حد الله تعالى جاز في المعذور بمرض أو زمانة ولم يجز في غيره، وإن كان في يمين جاز في المعذور وغيره إذا اقترن به ألم المضروب، فإن تجرد عن ألم ففي بره وجهان: أحدهما: يبر لوجود العدد المحلوف عليه. الثاني: لا يبر لعدم المقصود من الألم. {إنا وجدناه صابراً} يحتمل وجهين: أحدهما: على الطاعة. الثاني: على البلاء. {نِعم العبد} يعني نعم العبد في صبره. {إنه أوّاب} إلى ربه. وفي بلائه قولان: أحدهما: أنه بلوى اختبار ودرجة ثواب من غير ذنب عوقب عليه. الثاني: أنه بذنب عوقب عليه بهذه البلوى وفيه قولان: أحدهما: أنه دخل على بعض الجبابرة فرأى منكراً فسكت عنه. الثاني: أنه ذبح شاة فأكلها وجاره جائع لم يطعمه.
ابن عطية
تفسير : {أيوب} هو نبي من بني إسرائيل من ذرية يعقوب عليه السلام، وهو نبي ابتلي في جسده وماله وأهله، وسلم دينه ومعتقده، وروي في ذلك أن الله سلط الشيطان عليه ليفتنه عن دينه، فأصابه في ماله، وقال له: إن أطعتني رجع مالك، فلم يطعه، فأصابه في أهله وولده، فهلكوا من عند آخرهم، وقال له: لو أطعتني رجعوا، فلم يطعه، فأصابه في جسده، فثبت أيوب على أمر الله سبع سنين وسبعة أشهر، قاله قتادة. وروى أنس عن النبي عليه السلام أن أيوب بقي في محنته ثماني عشر سنة يتساقط لحمه حتى مله العالم، ولم يصبر عليه إلا امرأته. وروي أن السبب الذي امتحن الله أيوب من أجله هو: أنه دخل على بعض الملوك فرأى منكراً فلم يغيره. وروي أن السبب: كان أنه ذبح شاة وطبخها وأكلت عنده، وجار له جائع لم يعطه منها شيئاً. وروي أن أيوب لما تناهى بلاؤه وصبره، مر به رجلان ممن كان بينه وبينهما معرفة فتقرعاه، وقالا له: لقد أذنبت ذنباً ما أذنب أحد مثله، وفهم منهما شماتاً به، فعند ذلك دعا ونادى ربه. وقوله عليه السلام: {مسني الشيطان} يحتمل أن يشير إلى مسه حين سلطه الله عليه حسبما ذكرنا، ويحتمل أن يريد: مسه إياه حين حمله في أول الأمر على أن يواقع الذنب الذي من أجله كانت المحنة، إما ترك التغيير عند الملك، وإما ترك مواساة الجار. وقيل أشار إلى مسه إياه في تعرضه لأهله وطلبه منه أن يشرك بالله، فكان أيوب يتشكى هذا الفعل، وكان أشد عليه من مرضه. وقرأ الجمهور: "أني" بفتح الهمزة. وقرأ عيسى بن عمر: "إني" بكسرها. وقوله: {أني} في موضع نصب بإسقاط حرف الجر. وقرأ جمهور الناس: "بنُصْب" بضم النون وسكون الصاد. وقرأ هبيرة عن حفص عن عاصم: "بنَصَب" بفتح النون والصاد، وهي قراءة الجحدري ويعقوب، ورويت عن الحسن وأبي جعفر. وقرأ أبو عمارة عن حفص عن عاصم: "بنُصُب" بضم النون والصاد، وهي قراءة أبي جعفر بن القعقاع والحسن بخلاف عنه، وروى أيضاً هبيرة عن حفص عن عاصم بفتح النون وسكون الصاد، وذلك كله بمعنى واحد، معناه المشقة، وكثيراً ما يستعمل النصب في مشقة الإعياء، وفرق بعض الناس بين هذه الألفاظ، والصواب أنها لغات بمعنى، من قولهم أنصبني الأمر ونصبني إذا شق علي، فمن ذلك الشاعر [الطويل] شعر : تبغاك نصب من أميمة منصب تفسير : ومثله قول النابغة: [الطويل] شعر : كليني لهمٍّ يا أميمة ناصب تفسير : قال القاضي أبو محمد: وقد قيل في هذا البيت إن ناصباً بمعنى منصب، وأنه على النسب، أي ذا نصب، وهنا في الآية محذوف كثير، تقديره: فاستجاب له. وقال {اركض برجلك} والركض: الضرب بالرجل، والمعنى: اركض الأرض. وروي عن قتادة أن هذا الأمر كان في الجابية من أرض الشام. وروي أن أيوب أمر بركض الأرض فركض فيها، فنبعت له عين ماء صافية باردة فشرب منها، فذهب كل مرض في داخل جسده، ثم اغتسل فذهب ما كان في ظاهر بدنه. وروي أنه ركض مرتين ونبع له عينان: شرب من إحداهما، واغتسل في الأخرى وقرأ نافع وشيبة وعاصم والأعمش. "بعذاب اركض"، بضم نون التنوين. وقرأ عامة قراء البصرة: "بعذاب اركض"، بنون مكسورة و: {مغتسل} معناه: موضع غسل، وماء غسل، كما تقول: هذا الأمر معتبر، وهذا الماء مغتسل مثله. وروي أن الله تعالى وهب له أهله وماله في الدنيا، ورد من مات منهم، وما هلك من ماشيته وحاله ثم بارك في جميع ذلك، وولد له الأولاد حتى تضاعف الحال. وروي أن هذا كله وعد في الآخرة، أي يفعل الله له ذلك في الآخرة، والأول أكثر في قول المفسرين. و {رحمة} نصب على المصدر. وقوله: {وذكرى} معناه: موعظة وتذكرة يعتبر بها أهل العقول ويتأسون بصبره في الشدائد ولا ييأسون من رحمة الله على حال. وروي أن أيوب عليه السلام كانت زوجته مدة مرضه تختلف إليه، فيلقاها الشيطان في صورة طبيب، ومرة في هيسة ناصح وعلى غير ذلك، فيقول لها: لو سجد هذا المريض للصنم الفلاني لبرىء، لو ذبح عناقاً للصنم الفلاني لبرىء ويعرض عليها وجوهاً من الكفر، فكانت هي ربما عرضت ذلك على أيوب، فيقول لها: ألقيت عدو الله في طريقك؟ فلما أغضبته بهذا ونحوه، حلف لها لئن برىء من مرضه ليضربنها مائة سوط، فلما برىء أمره الله أن يأخذ ضغثاً فيه مائة قضيب. و"الضغث" القبضة الكبيرة من القضبان ونحوها من الشجرة الرطب، قاله الضحاك وأهل اللغة فيضرب به ضربة واحدة فتبر يمينه، ومنه قولهم: ضغث على إبالة. والإبالة: الحزم من الحطب. و"الضغث": القبضة عليها من الحطب أيضاً، ومنه قول الشاعر [عوف بن الخرع]: [الطويل] شعر : وأسفل مني نهدة قد ربطتها وألقيت ضغثاً من خلى متطبب تفسير : ويروى متطيب. هذا حكم قد ورد في شرعنا عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في حد زنا لرجل زمن، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذق نخلة فيها شماريخ مائة أو نحوها، فضرب به ضربة، ذكر الحديث أبو داود، وقال بهذا بعض فقهاء الأمة، وليس يرى ذلك مالك بن أنس وجميع أصحابه، وكذلك جمهور العلماء على ترك القول به، وأن الحدود والبر في الأيمان لا يقع إلا بإتمام عدد الضربات.
ابن عبد السلام
تفسير : {عَبْدَنَآ أَيُّوبَ} من نسل يعقوب، أو لم يكن من نسله كان في زمنه وتزوج ابنته ليا بن يعقوب وكانت أمه بنت لوط {مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ} بوسوسته وتذكيره ما كان فيه من نعمة وما صار إليه من بلية أو استأذن الشيطان ربه أن يسلطه على ماله فسلطه ثم على أهله وولده فلسطه ثم على جسده فسلطه ثم على قلبه فلم يسلطه فهذا مسه "ع" {بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} النصب الألم والعذاب السقم، أو النصب في جلده والعذاب في ماله، أو النصب العناء والعذاب البلاء.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {مسني الشيطان} بسكون الياء: حمزة. بنصب بضمتين: يزيد،وقرأ يعقوب بفتحتين، وقرأ هبيرة بالفتح والسكون. والباقون: باضم والسكون {بخالصة ذكري} على الإضافة: أبو جعفر ونافع وهشام {عبدنا إبراهيم} على التوحيد: ابن كثير وعلى هذا يكون إبراهيم وحده عطف بيان {ما يوعدون} على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو {وغساق} بالتشديد حيث كان: حمزة وعليّ وخلف وحفص {أخر} بضم الهمزة على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل. والباقون: بالمد على التوحيد. {الأشرار} بالإمالة والتفخيم مثل {الأبرار} غير ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان {الأشرار} بالإمالة {اتخذناهم} موصولة والابتداء بكسر الألف: ابو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف. والآخرون: بفتح الهمزة على الاستفهام {ما كان لي} بفتح الياء: حفص {إلا إنما} بكسر الهمزة على الحكاية: يزيد {لعنتي إلى} بفتح الياء: ابو جعفر ونافع {فالحق} بالرفع: حمزة وخلف وعاصم غير المفضل وهبيرة ويعقوب غير رويس. الوقوف: {أيوب} م لا إذا جعل "إذ" بدلاً {وعذاب} ه ط لتقدير القول أي فأرسلنا إليه جبريل فقال له اركض {برجلك} ج لأن هذا مبتدأ مع أه من تمام القول {وشراب} ه {الألباب} ه {ولا تحنث} ط {صابراً} ط {العبد} ط {أوّاب} ه {والأبصار} ه {الدار} ه ج للآية مع العطف {الأخيار} ه {وذا الكفل} ط {من الأخيار} ه {ذكر} ه ط {مآب} ه لا لأن {جنات} بدل أو عطف بيان. {الأبواب} ه ج لاحتمال أن عامل {متكئين} محذوف أي يتنعمون متكئين وإن جعل حالاً من {مفتحة} فهي مقدّرة لأن الاتكاء لا يكون في حال فتح الأبواب {وشراب} ه {أتراب} ه {الحساب} ه {من نفاد} ه ج {هذا} ط أي هذا بيان جزاء المتقين أو الأمر هذا {مآب} ه لا {جهنم} ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً {يصلونها} ج {المهاد} ه {هذا} لا لأن خبره {حميم} فقوله {فليذوقوه} اعتراض {وغساق} ه لا للعطف {أزواج} ه ط {معكم} ج لاتصال المعنى مع الابتداء بما في معنى الدعاء {بهم} ه {النار} ط {بكم} ط {لنا} ج {القرار} ه {النار} ه {الأشرار} ه ط لمن قرأ بكسر الهمزة لاحتمال إضمار همزة الاستفهام واحتمال كونها خبرية صفة أو حالاً ومن صرح بالاستفهام فوقفه مطلق {الأبصار} ه {النار} ه {القهار} ه ج لأن ما بعده يصلح بدلاً وخبراً لمحذوف أي هو الغفار {عظيم} ه لا لأن ما بعده وصف {معرضون} ه {يختصمون} ه {مبين} ه {طين} ه {ساجدين} ه {أجمعون} ه لا {إبليس} ط {الكافروين} ه {بيديّ} ط للاستفهام {العالين} ه {منه} ط لأن ما بعده جواب سؤال كأنه علل الخيرية {طين} ه {رجيم} ه ج والوصل أولى لاتصال لعنتي به {الدين} ه {يبعثون} ه {المنظرين} ه لا لتعلق إلى {المعلوم} ه {أجميعن} ه للاستثناء {المخلصين} ه {فالحق} ز على قراءة الرفع أي فهذا الحق مع اتحاد المقول {أقول} ج لاحتمال أن ما بعده قسم مستأنف أو بدل من قوله {والحق}. {أجمعين} ه ج {المتكلفين} ه {للعالمين} ه {حين} ه. التفسير: وجه النظم كأنه تعالى يقول: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر مالاً أو جاهاً من داود وسليمان، ولم يكن أكثر بلاء ومحنة من أيوب، ومع ذلك لم يبق حالهما وحاله على نسق واحد، فالصبر مفتاح الفرج. {وأيوب} عطف بيان و "إذ" معمول فعل آخر أو بدل اشتمال من أيوب أي زمان بلائه وكان معاصراً ليعقوب، وامرأته ليا بنت يعقوب، ونداؤه دعاؤه والجار محذوف أي دعاه بأني مسني على الحكاية وإلا لقال بأنه مسه والنصب والنصيب كالرشد والرشد، والنصب بالفتح والسكون على أصل المصدر، وضمة الصاد لا تباع النون كقفل وقفل. ومعنى الكل التعب والمشقة. قيل: الضر في البدن والعذاب في ذهاب المال والأهل وللناس في بلائه قولان: الأول أن الذي نزل به كان من الشيطان وقد مرّ تقريره في "الأنبياء" ومجمله ما روي أن إبليس سأل ربه فقال: هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني؟ فقال: نعم، عبدي أيوب. قال: فسلطني على ماله فكان يجيئه ويقول: هلك من مالك كذا فيقول: الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله. فقال: يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده. فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية فجاء وأخبره به فلم يلتفت إليه فقال: يا رب إنه لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده فأذن فيه، فنفخ في جلد ايوب وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فمكث في ذلك البلاء سبع سنين أو ثمان عشرة، وصار بحيث استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد فجاء الشيطان إلى امرأته وقال: إن استعاذ بي زوجك خلصته من هذا البلاء فاشارت غلى أيوب بذلك فغضب لذلك - أو لوجوه أخر سبق ذكرها في سورة الأنبياء - وحلف إن عافه الله ليجلدنها مائة جلدة وعند ذلك دعا ربه شاكياً إليه لا منه كقول يعقوب {أية : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}تفسير : [يوسف: 86] فأجاب دعاءه وأوحى إليه {اركض} أي اضرب {برجلك} الأرض. عن قتادة: هي أرض الجابية من قرى الشام. فأظهر الله تعالى من تحت رجله عيناً باردة طيبة فاغتسل منها فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه وردّ عليه أهله وماله. القول الثاني: إن الشيطان لا قدرة له على إيقاع الناس في الأمراض والآفات وإلا لوقع في العالم مفاسد ولم يدع صالحاً إلا نكبه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة. فالمراد بمس الشيطان هو الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب وساوسه من تعظيم ما نزل به من البلاء وإغرائه على الجزع والقنوط من روح الله إلى غير ذلك مما مر ذكره في سورة الأنبياء. ولناصر القول الأول أن يقول: سلمنا أن الشيطان باستقلاله لا يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر بعد الالتماس والتسليط؟. ولنعد إلى تفسير ما يختص بالمقام. قوله {مغتسل بارد} أي هذا مكان يغتسل فيه أي بمائة ويشرب منه، والظاهر أنها كانت عيناً واحدة عذبة باردة، وروى بعضهم أنه نبعت عينان ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها فبرأ ظاهره، وضرب رجله اليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها فزال ما في بطنه من القروح. وزعم أن تقدير الكلام هذا مغتسل وشراب بارد. وقوله {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم} قيل: أحياهم الله بأعيانهم وزاد مثلهم من أولاده. وقيل: من أولاد أولاده. وقيل: كانوا قد غابوا عنه وتفرقوا فجمع الله شملهم. وقيل: كانوا مرضى فشفاهم الله والأول أصح. وقوله {رحمة منا وذكرى} مفعول لهما فكانت الهبة رحمة له وتذكيراً لذوي العقول حتى لو ابتلوا بما ابتلي به صبروا كما صبر فيفوزوا كما فاز. وإنما لم يقل ههنا {أية : رحمة من عندنا} تفسير : [الأنبياء: 84] مع أنه أبلغ اكتفاء بما مر في سورة الأنبياء وفي قوله {وذكرى لأولي الألباب} مع قوله في "الأنبياء" {أية : وذكرى للعابدين}تفسير : [الآية: 84] إشارة إلى أن ذا اللب هو الذي يعبد الله. وتخصص كل من السورتين بما خص لرعاية الفاصلة قوله {وخذ} معطوف على {اركض} والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو سنبلة. قال مجاهد: هو لأيوب خاصة. وعن قتادة: هو عام في هذه الأمة. والصحيح أنه باق في المريض والمعذور لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بمخدج وقد زنى بأمة فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة حلل الله يمين أيوب بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها. ومعنى {وجدناه صابراً} علمنا منه الصبر. وههنا نكتة ذكرها بعض أرباب القلوب وهي أنه لما نزل في حق سليمان {نعم العبد} تارة وفي حق أيوب أخرى، اغتم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: هذا تشريف عظيم فإن كان سببه اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان فنحن لا نقدر عليه، وإن كان سببه تحمل بلاء مثل بلاء أيوب فنحن لا نطيقه، فكيف السبيل إلى تحصيله؟ فأنزل الله تعالى قوله {أية : فنعم المولى ونعم النصير}تفسير : [الحج: 78] والمراد أنك إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى، فإن كان منك الفضول فمني الفضل، وإن كان منك التقصير فمني النصرة والتوفيق. قلت: وصف أنبياء سائر الأمم بقوله {نعم العبد} ووصف هذه الأمة بقوله {أية : كنتم خير أمة}تفسير : [آل عمران: 110] فلا تشريف فوق هذا ثم أجمل ذكر طائفة من مشاهير الأنبياء. ومعنى {أولي الأيدي والأبصار} أولي العمل والعلم لأن اليد آلة لأكثر الأعمال، والبصر آلة لأقوى الإِدراكات، فحسن التعبير عن العمل باليد، وعن الإدراك بالبصر، وفيه تعريض بأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يتفكرون أفكار ذوي العقول والرعفان فهم في حكم الزمنى والعميان، ولولا قرينة الأبصار لكان يحتمل أن الأيدي جمع اليد النعمة. قوله {أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار} الخالصة صفة أو مصدر كالعاقبة، والدار ظرف فهي الدنيا، أو مفعول به فهي الآخرة. والمعنى جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكراهم الجنة بحيث لا يشوبون ذكرها بشيء من هموم الدنيا، أو هي تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها، أو بسبب خلوص ذكرى الجنة، أو بما خلص من ذكراها، أو جعلناهم مختصين بخلة صافية عن المنقصات وهي الثناء الحسن في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم. و{المصطفين} جمع مصطفى وأصله مصطفين لأنه في حالة الجر بالياء قلبت الياء المتحركة ألفاً ثم حذفت، أراد اخترناهم من بين أبناء جنسهم والأخيار جمع خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في ميت أو موت {إسماعيل واليسع وذا الكفل} وقد مر ذكرهم في سورة الأنبياء. وحين تمم ذكر الصالحين وما لقي كل منهم من أنواع الابتلاء تثبيتاً لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو باب من أبواب التنزيل ونوع من أنواع القرآن، أراد أن يذكر على عقيبه باباً آخر وهو ذكر جزاء المتقين والطاغين قال {هذا ذكر} ثم قال {وإن للمتقين} كما يقول المصنف: إذا فرغ من فصل من كتابه هذا باب ثم يشرع في باب آخر. ويحتمل أن يكون من تتمة صفات الأنبياء أي هذا الذي قصصنا عليك من أحوال هؤلاء الأنبياء شرف وذكر جميل يذكرون به أبداً. قوله {مفتحة} حال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل. قال الزجاج {الأبواب} فاعل {مفتحة} والعائد محذوف أي الأبواب منها. وقال غيره. في {مفتحة} ضمير الجنات {والأبواب} بدل الاشتمال من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب نظيره في بدل البعض "ضرب زيد اليد والرجل" فكان اللام عوضاً من الضمير الراجع. والمعنى أن الملائكة الموكلين بالجنات إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام فلا يحتاجون إلى تحصيل مفاتيح ومعاناة الفتح. وقيل: أراد به وصف تلك المساكين بالسعة وجولان الطرف فيها من غير حائل. وقوله {متكئين} حال مقدرة متداخلة كما مر أو حال بعد حال أو عامله مؤخر وهو {يدعون} أي يتحكمون في ثمارها وشرابها فإذا قالوا لشيء منها أقبل حصل عندهم. وقيل: يتمنون وقيل: يسألون. قال المفسرون: أراد وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول. وحين بين أمر المسكن والمأكول والمشروب ذكر أمر المنكوح. وقاصرات الطرف قد مر في "الصافات" أنهن اللواتي قصرن الطرف عن الإلتفات إلى غير أزواجهن. والأتراب جمع ترب وهي اللدة. واشتقاقها قيل من اللعب بالتراب، وقيل لأن التراب مسهن في وقت واحد. والسبب في اعتبار هذا الوصف أن التحاب بين الأقران أثبت. وقيل: هن وأزواجهن واحدة في الأسنان. وقيل: أراد أنهن شواب لا عجوز ولا صبية. ويروى أنهن بنات ثلاث وثلاثين. ومعنى {ليوم الحساب} قيل: لأجل الحساب لأن الحساب على الوصول إلى جزاء العمل. والظاهر أن اللام للوقت أي ما وعدتم تعطونه في يوم الحساب. {إن هذا لرزقنا ماله من نفاد} انقطاع ونهاية ولا مزيد فوق ذلك فتمام النعم بدوامها. ثم بين أن حال الطاغين مضادّة لحال المتقين وأكثر المفسرين حملوا الطغيان ههنا على الكفر لأنه تعالى يحكي عنهم أنهم قالوا اتخذناهم سخرياً، والفاسق لا يتخذ المؤمن هزواً لأن الطاغي اسم ذم، والاسم المطلق محمول على الكامل والكامل في الطغيان هو الكافر، ويؤيده قول ابن عباس: المعنى إن الذين طغوا عليّ وكذبوا رسلي لهم شر مصير. وحمله الجبائي على أصحاب الكبائر من أهل الإيمان وغيرهم لأن كل من تجاوز عن تكاليف الله فقد طغا، ومنه قوله تعالى {أية : إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى}تفسير : [العلق: 6ـ7] والمهاد الفراش وقد مر مراراً. وقوله {هذا} قد مر بعض إعرابه في الوقوف، ويحتمل أن يراد العذاب هذا ثم ابتدأ فقال هو حميم أو منه {حميم} ومنه {غساق} أو {هذا فليذوقوه} معناه ليذوقوا هذا فليذوقوه كقوله {أية : فإِياي فارهبون} تفسير : [النحل: 51] وقيل: {حميم} مبتدأ و {هذا} خبره. والغساق بالتخفيف والتشديد ما يغسق من صديد أهل النار. يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وذكر الأزهري أن الغاسق البارد ولهذا قيل الليل الغاسق لأنه أبرد من النهار. فالحميم يحرق بحرّه، والغساق يحرق ببرده. وقال الزجاج: إنه المنتن لو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق يؤيده قول ابن عمر: هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه. وقال كعب: هو عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذي سم من عقرب وحية. وعن الحسن: هو عذاب لا يعلمه إلا الله. إن الناس أخفوا الله طاعة فأخفى لهم ثواباً في قوله {أية : فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين} تفسير : [السجدة: 17] وأخفوا معصية فأخفى لهم عقوبة: {وآخر من شكله} أي ومذوقات أخر أو عذاب أو مذوق آخر من جنس هذا المذوق. و{أزواج} أي أجناس أو مقترنات صفة الآخر لأنه جاز أن يكن مختلفات أو صفة للثلاثة المذكورة وهي حميم وغساق وشيء آخر من شكله، والمجموع خبر هذا أو خبر هو. وحين وصف مسكن الطاغين ومأكولهم ومشروبهم حكى أحوالهم مع الذين كانوا يعدونهم أحباءهم في الدنيا ثم مع الذين كانوا يعدونهم أعداءهم. أما الأوّل فقوله {هذا} اي يقول الطاغون بعضهم مع بعض وذلك إذا دخلت أمة ثم دخل آخرون. والفوج الأوّل الرؤساء والثاني الأتباع. وقيل: الأول إبليس وبنوه والثاني أبناء آدم هذا {فوج} اي جمع كثيف دخل النار في صحبتكم. والاقتحام الدخول في الشدة أرادوا أن أتباعهم اقتحموا معهم العذاب كما اقتحموا معهم الضلال. وقوله {لا مرحباً بهم} دعاء منهم على أتباعهم و{مرحباً} نصب على أنه مفعول به أو مصدر أي أتيت رحباً لا ضيقاً، أو رحبت بلادك رحباً فإذا دخل عليه لا صار دعاء السوء وبهم بيان للمدعو عيلهم. وقوله {إنهم صالوا النار} تعليل لاستيجابهم اللعن. قيل: إنما قالوا ذلك ولم يصدر من الأتباع ذنب في حق من قبلهم لأن النار تكون مملوءة منهم، أو لأن عذابهم يضاعف بسببهم. وقيل: هو إخبار لا دعاء أي وقد وردوا مورداً لا رحب فيه ولا سعة. وقيل {هذا فوج مقتحم معكم} كلام الخزنة لرؤساء الكفرة فما بين أتباعهم. وقيل: هذا كله كلام الخزنة {قالوا} أي الأتباع. {بل أنتم لا مرحباً بكم} أي الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به وعللوا ذلك بقولهم {أنتم قدمتموه لنا} والضمير لما هم فيه من العذاب أو الصلي أي كنتم السبب في العمل الذي هو جزاؤه فجمعوا بين مجازين، لأن الأتباع هم الذين عملوا عمل السوء لا رَؤساؤهم والعمل هو المقدّم لا جزاؤه. ومن جعل قوله {لا مرحباً} بهم من كلام الخزنة، زعم أن تقدير الكلام هذا الذي دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحق به منا لإغوائكم إيانا وتسببكم لما نحن فيه. {فبئس القرار} أي المستقر النار {قالوا} أي الفوج وهو كالبدل من {قالوا} الأوّل والضعف المضاعف كما مر في "الأعراف" وأما الثاني فقوله {ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدّهم من الأشرار} أي في اعتقادنا لأن دينهم على خلاف ديننا، أو أرادوا أنهم أراذل لا خير فيهم يعنون فقراء المسلمين. وعن بعضهم أن القائلين صناديد قريش كأبي جهل والوليد وأضرابهما والرجال عمار وبلال وصهيب وأمثالهم. من قرأ {أتخذناهم} بفتح الهمزة فعلى أنه إنكار منهم على أنفسهم وتأنيب لها بالاستسخار منهم، وكذا فيمن قرأ {اتخذناهم} بكسر الهمزة ويقدر همزة الاستفهام محذوفة، ومن جعلها صفة أو حالاً فلا إشكال وحينئذ يتصل {أم زاغت} بقوله {ما لنا لا نرى} أي الرجال الموصوفين في النار كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا وخفي علينا مكانهم فلا نراهم وهم فيها. فأم منقطعة وكذا إن اتصل بقوله {اتخذناهم} على الاستفهام لأن الأول للإِنكار، والثاني للاستخبار. ويجوز أن يكون "أم" متصلة وكلاهما للإِنكار. ومعنى زيغ الأبصار ازدراؤهم وتحقيرهم يؤيده قول الحسن، كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخرياً وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم واللام في الأبصار عوض من الضمير أي أبصارنا {إن ذلك} الذي حكينا عنهم {لحق} لا بد لهم من وقوعه لأنهم مالوا إلى عالم التضاد فيحشرون كذلك. ثم بين ما هو فقال هو {تخاصم أهل النار} لأن التلاعن والتشاتم نوع من أنواع الخصومة. واعلم أنه سبحانه لما بدأ في أول السورة بأن محمداً يدعو إلى التوحيد وأن الكفار يستهزؤن منه وينسبونه إلى السخرية تارة وإلى الكذب أخرى. ثم ذكر طرفاً من قصص الأنبياء عليهم السلام ليعلم أن الدنيا دار تكليف وبلاء لا دار إقامة وبقاء. ثم عقبه بشرح نعيم الأبرار وعقاب الأشرار، عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أوّل السورة وهي صحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق ما يدعو إليه من التوحيد والإخلاص فقال {قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد} من جميع الوجوه {القهار} لما دونه ثم أردف القهر باللطف والتربية قائلاً {رب السموات والأرض وما بينهما} ثم أكد صفتي القهر واللطف بقوله {العزيز الغفار} فمن عزته أدخل أهل الاستكبار النار ولمغفرته أعدّ الجنة لأهل الاستغفار. قوله {قل هو نبأ عظيم} أي القول بأن الله واحد نبأ عظيم أو القول بالنبوّة أو بإثبات الحشر والقيامة، وذلك لأن هذه المطالب كانت مذكورة في أوّل السورة ولأجلها سيق الكلام منجراً إلى ههنا. ويحتمل أن يراد {كتاب أنزلناه} فيه نبأ عظيم وهؤلاء الأقوام أعرضوا عن كل من هذه الأمور. ثم بين أنه حاصل من قبل الوحي بقوله {ما كان لي من علم بالملأ الأعلى} وهم الملائكة {إذ يختصمون} أي يتقاولون فيما بينهم بالوحي. والظرف متعلق بمحذوف أي بكلامهم وقت اختصامهم، شبه التقاول بالتخاصم من حيث إن في كل منهما سؤالاً وجواباً والمشابهة علة لجواز المجاز. ثم صرح بما عليه مدار الوحي قائلاً {إن يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين} أي ما يوحى إليّ إلا هذا وهو إني نذير كامل في باب التبليغ، ويؤيده قراءة كسر {إنما}. وقيل: إن الجار محذوف أي لم يوح إليّ إلا لأن أنذر ولا أقصر. روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أتاني الليل آت من ربي وفي رواية ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد. قلت: لبيك ربي وسعديك. قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أعلم. قال: فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات وما في الأرض. قال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات المكروهات أي في البرد الشديد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه"تفسير : الحديث. قال: والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام. واعلم أن أشراف قريش إنما نازعوا محمداً صلى الله عليه وسلم بسبب الحسد والكبر فختم الله تعالى السورة بذكر قصة آدم وما وقع فيه إبليس من الرجم واللعن حين حسد آدم واستكبر ليصير سماع القصة زاجراً للمكلفين عن هاتين الخصلتين، فعلى هذا يكون {إذ قال} معمولاً لمحذوف اي اذكر وقت قول ربك للملائكة. وقيل: النبأ العظيم قصص آدم والإنباء به من غير سماع من أحد. وعلى هذا فالضمير عائد إلى ما ذكره عما قريب. والمعنى ما أحكيه خبر له شأن لأنه مستفاد من الوحي. وقوله {إذ قال} بدل من {إذ يختصمون} والملأ الأعلى اصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم حين قالوا {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}تفسير : [البقرة: 30] كأنهم قالوا: هؤلاء فيما بينهم. ثم خاطبوا بها الله سبحانه فلا يلزم أن يكون الله تعالى من الملأ الأعلى ويثبت له مكان. أو نقول: المراد علو الرتبة والشرف فيشمل تقاول الله وملائكته. وقال جار الله: كانت مقاولة الله سبحانه بواسطة ملك فكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط. وقصة آدم مذكورة في "البقرة" وفي غيرها مشروحة. والتي في هذه السورة يوافق أكثرها ما في الحجر فلا فائدة في إعادتها فلنذكر ما يختص بالمقام قوله {خلقت بيديّ} كلام المجسمة فيه ظاهر وغيرهم حملوه على وجوه منها: أن اليد عبارة عن القدرة يقال ما لي بهذا الأمر يد أي قوّة وطاقة. ومنها أنها النعمة. ومنها أنها للتأكيد وليدل على عدم الواسطة كما مر في قوله {أية : مما عملت أيدينا} تفسير : [يس: 71] وقد يقال في حق من جنى بلسانه وإن لم يكن له هذا مما كسبت يداك. والحق فيه أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء بيديه إلا إذا كانت عنايته مصروفة إلى ذلك العمل، فحيث كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجازاً عنها. ومنها قول أرباب التأويل إنه إشارة إلى صفتي اللطف والقهر وهما يشملان جميع الصفات فلا مخلوق إلا وهو مظهر لإِحدى الصفتين، كالملك فإنه مظهر اللطف، وكالشيطان فإِنه مظهر القهر إلا الإنسان فإِنه مظهر لكلتيهما وبذلك استحق الخلافة ومسجودية الملائكة ولهذا جاء في الأحاديث القدسية "حديث : لا أجعل ذرّية من خلقت بيديّ كمن قلت له كن فكان"تفسير : قوله {استكبرت أم كنت من العالين} أي أطلبت الكبر من غير استحقاق أم كنت ممن علوت وقفت؟ فأجاب بأنه من العالين حيث {قال أنا خير منه} وقيل: استكبرت الآن أو لم تزل منذ كنت من المتكبرين. ومعنى الهمزة التقرير. قوله {فالحق} من قرأ بالرفع فعلى أنه خبر لما مر أو مبتدأ محذوف الخبر مثل {أية : لعمرك} تفسير : [الحجر: 72] أي فالحق قسمي لأملأن والحق أقوله وهو اعتراض. ومن نصبهما فعلى أن الثاني تأكيد للأوّل، أو على أن الأوّل للإغراء أي اتبعوا الحق وهو الله سبحانه، أو الحق الذي هو نقيض الباطل. وقوله {منك} أي من جنسك وهم الشياطين {وممن تبعك منهم} أي من ذرّية آدم. و{أجمعين} تأكيد للتابعين والمتبوعين. ثم ختم السورة بما يدل على الاحتياط والاجتهاد في طلب هذا الدين لأن النظر إما إلى الداعي أو إلى المدعو إليه. أما الداعي فلا يسأل أجراً على ما يدعو إليه وهو القرآن أو الوحي أو النبأ، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طمعه عن طلب المال ألبتة. وأما المدعو إليه فقوله {وما أنا من المتكلفين} الذين ينتحلون ما ليس عندهم ولا دليل لهم على وجوده، بل العقل الصريح يشهد بصحته فإني أدعوكم إلى الإقرار بالله أوّلاً ثم إلى تنزيهه عما لا يليق به ثانياً، ثم إلى وصفه بنعوت الجمال والجلال ثالثاً ومن جملة ذلك التوحيد ونفي الأنداد والأضداد، ثم أدعو إلى تعظيم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة والأنبياء رابعاً، ثم إلى الشفقة على خلق الله خامساً، ثم أدعو إلى الإقرار بالبعث والقيامة سادساً {أية : ليجزي الذين أَسَاءُواْ بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى}تفسير : [النجم: 31] فهذه أصول معتبرة في دين الإسلام يشهد بحسنها بداية العقول ويحكم ببعدها عن الباطل كل من يرجع إلى محصول وهو المراد بقوله {إن هو إلا ذكر للعالمين} عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول مالا يعلم"تفسير : {ولتعلمن نبأه بعد حين} أي خبر حقيقة القرآن وما أدعو إليه بعد حين هو الموت لأن الناس نيام فإِذا ماتوا انتبهوا. وقيل: هو القيامة. وقيل: هو حين ظهور الإسلام ولا يخفى ما فيه من التهديد.
ابن عادل
تفسير : قوله: (تعالى): {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ} كقوله "(وَاذكر) عَبدنا دَاوُدَ" وفيه الثلاثة الأوجه، و "إذْ نَادَى" بدل منه بدل اشتمال أي بأني، وقوله: "أَنِّي" جاء به على حكاية كلامه الذي ناداه بسببه ولو لم يحكه لقال: "إنَّه مَسَّهُ" لأن غائب. وقرأ العامة بفتح الهمزة على أنه هو المُنَادِي بهذا اللفظ. وعيسى بن عُمَر بكسرها على إضمار القول أو على إجراء النداء مُجْرَاهُ. قوله: "بِنُصْبٍ" قرأ العامة بالضم والسكون، فقيل: هو جمع نَصَب بفتحتين، نحو: (وثَن) وَوُثْنٍ وأَسد وأُسْدٍ، وقيل: هو لغة في النَّصَب نحو: رَشَدٍ ورُشْد وحَزَنٍ وحُزْنٍ وعَدَمٍ وعُدْمٍ. وأبو جعفر وشَيْبَةُ وحَفْصٌ ونافعٌ - في رواية - بضمتين - وهو تثقيل نُصْبٍ بضمةً وسكون، قاله الزمخشري. وفيه بعد لما تقرر أن مقُتْضَى اللغة تخفيف فُعُل كعُنُق لا تثقيل فُعْل كقُفُل. وفيه خلاف. وقد تقدم في هذا العُسْر واليُسْر في البَقَرَة. وقرأ أبو حيوة ويعقوب وحفصٌ - في رواية - بفتح وسكون وكلها بمعنى واحد وهو التّعب والمشقة. فصل النُّصُب المشقة والضر. قال قتادة ومقاتل: النصب في الجسد والعذاب في المال. واعلم أن داود وسُلَيْمَانَ - عليهما (الصلاة و) السلام - كانا ممن أفاض الله عليهما أصناف الآلاء والنَّعْمَاء، وأيوب كان ممن خصَّه الله تعالى بأنواع البلاء. والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار كأن الله تعالى قال: يا محمد اصْبِرْ على سفاهة قومِكَ فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمةً ومالاً وجاهاً أكثر من داودَ وسليمانَ، وما كان أكثر بلاءً ولا محنة من أيوب. فتأمل في أحوالِ هؤلاء لتعرف أنَّ أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد وأن العاقل لا بدّ له من الصبر على المكاره. فصل قال بعض الحكماء: الآلام والأسقام الحاصلة في جسمه إنما حصلت بفعل الشيطان، وقيل: إنما حصلت بفعل الله تعالى. والعذاب المضاف في هذه الآية إلى الشيطان هو عذاب الوسوسة وإلقاء الخواطر الفاسدة أما تقرير القول الأول فهو ما روي أنَّ إبليسَ سأل فيه ربه فقال: هل في عبيدك منْ لو سلطتني عليه يمتنع مني؟ فقال الله تعالى: نعم عبدي أيوب فجعل يأتيه بوَسَاوِسِهِ وهو يرى إبليس عياناً ولا يلتفت إليه فقال: رب إنه قد امتنع عليّ فسلِّطْني على ماله فكان يجيئه ويقول له: هَلَكَ من مالك كذا وكذا فيقول: الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله تعالى فقال: يا رب إنّ أيوبَ لا يُبَالي بماله فسلّطني على ولده فجاءه وأخبره به فلم يلتفت إليه فقال يا رب إنه لا يبالي بماله وولده فسلّطني على جسده فأذِن فيه فنفخ في جلد أيوب فحدث أسقام عظيمة وآلام شديدة فيه فمكث في ذلك البلاء سنينَ حتى اسْتَقَذرَهُ أهلُ بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يَقْرُبُ منه أحد فجاء الشيطان إلى امرأته، وقال: إنَّ زوجك إن استغاث إلَيَّ خَلَّصْتُهُ من هذا البلاء فذكرت المرأة ذلك لزوجها فحَلف بالله لئن عافاه الله ليَجلِدُها مائةَ جلده وعند هذه الواقعة قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} فأجاب الله دعاءَهُ وأوحى إليه أن: "ارْكُضْ بِرِجْلِكَ" وأظهر الله تعالى من تحت رجله عيناً بَاردة طيبة فاغتسل منها فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه، ورد عليه أهله وماله. وأما القول الثاني أن الشيطان لا قدرة له البتة على إيقاع الناس في الأمراض والأسقام ويدل عليه وجوه: الأول: أنا لو جوزنا حصول الموت والحياة والصحة والمرض من الشيطان فلعل الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان ولعل ما عندما من الخيرات والسعادات قد حصل بفعل الشيطان وحينئذ لاسبيل (لنا) إلى معرفة معطي الحياة والموت والصحة والسقم هو الله تعالى أم الشيطان. الثاني: أن الشيطان لو قدر على ذلك فِلمَ لا يَسْعَى في قتل الأنبياء والأولياء، ولم (لا) يخرب دورهم ولم يقتل أولادهم. الثالث: أن الله حكى عن الشيطان أنه قال: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} تفسير : [إبراهيم:22] فصرح بأنه لا قدرة له في حقّ البشر، إلا إلقاء الوَسَاوِسِ والخواطر الفاسدة فدل ذلك على فساد القول بأن الشيطان هو الذي ألقاه في تلك الأمراض. فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يقال: إن الفاعل لهذه الأحوال هو الله لكن على وَفْق التماس الشيطان؟ قلنا: فإذا كان لا بدّ من الاعتراف بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو الله تعالى فأيّ فائدةٍ في جعل الشيطان واسطة في ذلك بل الحق أن المراد في قوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} أنه سبب إلقاء الوساوس الفاسدة كأن يلقيه في أنواع العذاب، والقائلون بهذا القول اختلفوا في أن تلك الوساوس كيف كانت وذكروا وجوهاً: الأول: أن علته كانت شديدة الألم ثم طالت تلك العلة واستقذره الناس ونفروا عن مجاورته ولم يبق له مال ألبتة وامرأته كانت تخدم الناس وتحصل قدرَ القوت، ثم بلغت نُفْرةُ الناس عنه إلى أن منعوا امرأته من الدخول عليهم ومن خدمتهم والشيطان كان يذكر(هُ) النِّعم التي كانت، والآفات التي حصلت وكان يحتال في دفع تلك الوساوس، فلما قويت تلك الوساوس في قلبه خاف وتضرع إلى الله تعالى وقال: {مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} لأنه كلما كثرت تلك الخواطر كان تألم قلبه منها أشد. الثاني: أنه لما طالت مدة المرض جاء الشيطان فكان يقنطه مدة ويَزْلزِلُه أن يجزع فخاف من خاطر القنوط في قلبه وتضرع إلى الله تعالى وقال: إنِّي مسني الشيطان. الثالث: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : بَقِيَ أَيُّوبُ فِي البلاء ثمانِ عَشْرَةَ سنةً حتى رَفَضَه القريبُ والبَعِيدُ إلاَّ رَجُلَيْن، ثم قال أحدهما لصاحبه: لقد أذنب أيوبُ ذَنْباً ما أتى به أحدٌ من العالمين، ولولاه لما وقع في مثل هذا البلاء فذكروا ذلك لأيوب فقال: لاَ أدْرِي ما تقولان غير أنني كنت أَمُر عَلَى الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأنفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق ". تفسير : الرابع: قيل: إنّ امرأته كانت تخدم الناس وتأخذ منهم قدر القوت وتجيء به إلى أيوب فاتَّفق أنهم ما استخدموها ألبتة وطلب بعض النساء منها قطع إحدى ذُؤَابَتَيْهَا على أن تُعْطيها قدر القوت ففعلت، ثم في اليوم الثاني فعلت مثل ذلك فلم يبق لها ذؤابة وكان أيوب - عليه (الصلاة و) السلام - إذا أراد أن يتحرك على فراشه تعلق بتلك الذُّؤَابة فلما لم يجد الذؤابة وقعت الخواطر الرديئة في قلبه، فعند ذلك قال: {مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}. الخامس: روي أنه - عليه (الصلاة و) السلام - قال في بعض الأيام: يا رب لقد علمتَ أني ما اجتمع عليَّ أمران إلا آثرت طاعتك، ولما أعطيتني المالَ كنت للأرامل قيماً، ولابن السبيل معيناً ولليتامى أباً فنودي: يا أيوب ممِّن كان ذلك التوفيق؟ فأخذ أيوب التراب ووضعه على رأسه وقال: منك يا رب ثم خاف من الخاطر الأول فقال: مَسَّنِي الشيطان بنُصْبٍ وعذاب وذكر احوالاً أُخَرَ. والله أعلم. قوله: "ارْكُضْ بِرِجْلِكَ" معناه أنه لما اشتكى مَسَّ الشَّيْطَان فكأنه سأل ربه أن يزيل عنه تلك البلية فأجابه الله بأن قال: "ارْكُضْ بِرِجْلِكَ". والرَّكْضُ هو الدفع القويُّ بالرجل. ومنه ركضَ الفَرَسُ، والتقدير قُلْنَا له ارْكُضْ بِرِجْلِكَ قيل: إنه ضرب برجله تلك الأرض فنبعت عين، فقيل: هذا مغتسل باردٌ وشراب أي هذا ما تَغْتَسِلُ به فيبرأ ظاهرك وتشرب منه فيبرأ باطنك. وظاهر (هذا) اللفظ يدل على أنه نَبَعَت له عين واحدة من الماء فاغتسل منه، وشرب منه، والمفسرون قالوا: نَبَعَت له عَيْنَانِ فاغتسل من إحْدَاهُما وشرب من الأُخْرَى فذهب الداء من ظاهره ومن باطنه بإذن الله تعالى. وقيل: ضرب بِرجْلِهِ اليمين فنبعت عين حارّة فاغتسل منها ثم باليسرى فنبعت عينٌ باردة فشرب منها. قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} قيل: هم عين أهله ودياره "ومثلهم" قيل: غيرهم مثلهم، والأول أولى؛ لأنه الظاهر فلا يجوز العُدُولُ عنه من غير ضرورة. ثم اختلفوا فقيل: أزلنا عنهم السَّقَم فأعيدوا أَصِحَّاء، وقيل: بل حضروا عنده بعد أن غابوا عنه واجتمعوا بعد أن تفرقوا، وقيل: بل تمكن منهم وتمكنوا منه كما يفعل بالعِشْرَة والخِدْمَة. قوله: "وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ" الأقرب أنه تعالى (متَّعه) بصِحَّتِهِ وماله وقواه حتى كثر نسله وصاروا أهله ضعف ما كانوا وأضعاف ذلك. وقال الحسن: المراد بِهبة الأهل أنه تعالى أحياهم بعد أن هَلَكُوا. قوله: "رَحْمَةً وَذِكْرى" مفعول من أجله وهبناهم له لأجل رحمتنا إياه وليَتَذَكَّرَ بحاله أولو الألباب يعني سلطنا عليه البلاء أولاً فصبر، ثم أزلنا عنه البلاء وأوصلنا إليه الآلاء والنَّعْمَاءَ تنبيهاً لأولي الألباب عن أن من صبر ظفر. وهو تسلية لمحمد - عليه (الصلاة و) السلام - كما تقدم. قالت المعتزلة: وهذا يدل على أن أفعال الله تعالى معلَّلة بالأغراض والمقاصد لقوله: {رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}. قوله: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً} (ضغثاً) معطوف على "اركُضْ". والضَّغْثُ الحِزْمة الصَّغيرة من الحَشِيش والقُضْبَان، وقيل: الحزمة الكبيرة من القضبان. وفي المثل: "ضِغْثٌ عَلَى إبَّالة" والإبَّالَةُ الحزمة من الحَطَب، قال الشاعر: شعر : 4276- وَأَسْفَلَ مِنِّي نَهْدَةٌ قَدْ رَبَطتُهَا وَأَلْقَيْتُ ضِغْثاً مِنْ خَلًى مُتَطَيبِ تفسير : وأصل المادة يدل على جمع المختلطات، وقد تقدم هذا في يُوسُفَ في قوله: {أية : أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} تفسير : [يوسف:44]. قوله: {فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} الحِنْثُ الإثم ويطلق على فعل ما حُلف على تَرْكه أو تَرك ما حلف على فعله لأنهما سببان فيه غالباً. فصل هذا الكلام يدل على تقدم يمين منه، وقد روي أنه حلف على أهله، وختلفوا في سبب حلفه عليها، ويبعد ما قيل: إنها رغبة في طاعة الشيطان ويبعد أيضاً ما رُوِيَ أنها قطعت ذَوَائِبَها لأن المضطر يباح له ذلك، بل الأقرب أنها خالفته في بعض المهمات، وذلك أنها ذهبت في بعض المهمات فأبطأت فحلف في مرضه ليَضرِبنَّهَا مائةً إذا برىء، ولما كانت حسنة الخدمة لا جَرَمَ حلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها وهذه الرخصة باقية، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى برجل ضَعيفٍ زَنَا بأمةٍ فقال: "حديث : خُذُوا (عِثْكَالاً فيه) مائة شِمراخ فاضربوه بها ضربةً واحدةً ". تفسير : قوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} فإن قيل: كيف وجده صابراً وقد شكا إليه؟ فالجواب من وجوه: الأول: أنه شكى مَسَّ الشيطان إليه وما شكى إلى أحدٍ. والثاني: أن الآلام حين كانت على الجسد لم يذكر شيئاً فلما عظمت الوَسَاوِسُ خاف على القلب والدين (فـ)ـتَضَرَّع. الثالث: أن الشيطان عدو والشكاية من العدو إلى الحبيب لا تقدح في الصبر. قوله: {نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} يدل على أن التشريف بقوله: "نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ" إنما حصل لكونه أواباً. روي أنه لما نزل قوله تعالى: "نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ" في حق سليمان تَارةً وفي حق أيوبَ أخرى عظم في قلوب أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: إن قوله: نعم العبد تشريفٌ عظيم فإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل أيوب لم نقدر عليه فكيف السبيل إلى تحصيله؟ فأنزل الله تعالى قوله: {أية : فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} تفسير : [الحج: 78]. والمراد أنك إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى فإن كان منك الفضل فمني الفضل وإن كان منك التقصير فمني الرحمةُ والتَّيْسِيرُ.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} قال: ذهاب الأهل والمال والضر الذي أصابه في جسده. قال: ابتلى سبع سنين وأشهراً، فألقى على كناسة بني إسرائيل تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {بنصب وعذاب} قال {بنصب} الضر في الجسد، {وعذاب} قال: في المال. وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن الشيطان عرج إلى السماء قال: يا رب سلطني على أيوب عليه السلام قال الله: قد سلطتك على ماله وولده، ولم أسلطك على جسده. فنزل فجمع جنوده فقال لهم: قد سلطت على أيوب عليه السلام، فأروني سلطانكم، فصاروا نيراناً، ثم صاروا ماء، فبينما هم بالمشرق إذا هم بالمغرب، وبينما هم بالمغرب إذا هم بالمشرق، فأرسل طائفة منهم إلى زرعه، وطائفة إلى أهله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه، وقال: إنه لا يعتصم منكم إلا بالمعروف. فأتوه بالمصائب بعضها على بعض. فجاء صاحب الزرع فقال: يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل على زرعك عدوّاً، فذهب به. وجاء صاحب الإِبل فقال: يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل على إبلك عدواً، فذهب بها؟ ثم جاءه صاحب البقر فقال: ألم تر إلى ربك أرسل على بقرك عدواً، فذهب بها؟ وتفرد هو ببنيه جمعهم في بيت أكبرهم. فبينما هم يأكلون ويشربون اذهبت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام فقال: يا أيوب ألم تر إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم؟ فبينما هم يأكلون ويشربون اذهبت ريح، فأخذت باركان البيت، فألقته عليهم، فلو رأيتهم حين اختلطت دماؤهم ولحومهم بطعامهم وشرابهم. فقال له أيوب: أنت الشيطان، ثم قال له أنا اليوم كيوم ولدتني أمي، فقام فحلق رأسه، وقام يصلي، فرن إبليس رنة سمع بها أهل السماء، وأهل الأرض، ثم خرج إلى السماء فقال: أي رب انه قد اعتصم، فسلطني عليه، فإني لا أستطيعه إلا بسلطانك قال: قد سلطتك على جسده، ولم أسلطك على قلبه. فنزل فنفخ تحت قدمه نفخة قرح ما بين قدميه إلى قرنه، فصار قرحة واحدة، وألقي على الرماد حتى بدا حجاب قلبه، فكانت امرأته تسعى إليه حتى قالت له: أما ترى يا أيوب نزل بي والله من الجهد والفاقة ما أن بعت قروني برغيف. فأطعمك، فادع الله أن يشفيك ويريحك قال: ويحك..! كنا في النعيم سبعين عاماً، فأصبري حتى نكون في الضر سبعين عاماً، فكان في البلاء سبع سنين، ودعا فجاء جبريل عليه السلام يوماً، فأخذ بيده، ثم قال: قم. فقام فنحاه عن مكانه وقال {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} فركض برجله، فنبعت عين فقال: اغتسل. فاغتسل منها، ثم جاء أيضاً فقال {اركض برجلك} فنبعت عين أخرى. فقال له: اشرب منها، وهو قوله {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} وألبسه الله تعالى حلة من الجنة، فتنحى أيوب، فجلس في ناحية، وجاءت امرأته، فلم تعرفه فقالت: يا عبدالله أين المبتلي الذي كان ههنا لعل الكلاب ذهبت به، والذئاب؟ وجعلت تكلمه ساعة فقال: ويحك..! أنا أيوب قد رد الله عليّ جسدي، ورد الله عليه ماله وولده عياناً {ومثلهم معهم} وأمطر عليهم جراداً من ذهب، فجعل يأخذ الجراد بيده، ثم يجعله في ثوبه، وينشر كساءه، فيجعل فيه فأوحى الله إليه: يا أيوب أما شبعت؟ قال: يا رب من ذا الذي يشبع من فضلك ورحمتك. وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن إبليس قعد على الطريق، فاتخذ تابوتاً يداوي الناس فقالت امرأة أيوب: يا عبدالله إن ههنا مبتلي من أمره كذا وكذا.. فهل لك أن تداويه؟ قال: نعم. بشرط إن أنا شفيته أن يقول أنت شفيتني لا أريد منه أجراً غيره. فأتت أيوب عليه السلام فذكرت ذلك له فقال: ويحك..! ذاك الشيطان لله عليَّ إن شفاني الله تعالى أن أجلدك مائة جلدة، فلما شفاه الله تعالى أمره أن يأخذ ضغثاً فأخذ عذقاً فيه مائة شمراخ، فضرب بها ضربة واحدة. وأخرج ابن أبي حاتم قال: الشيطان الذي مس أيوب يقال له مسوط. فقالت امرأة أيوب ادع الله يشفيك، فجعل لا يدعو حتى مر به نفر من بني إسرائيل فقال بعضهم لبعض: ما أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه، فعند ذلك قال: {أية : ربِ أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} تفسير : [الأنبياء: 83]. وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير رضي الله عنه في قوله {اركض برجلك هذا} الماء {مغتسل بارد وشراب} قال: ركض رجله اليمنى فنبعت عين، وضرب بيده اليمنى خلف ظهره فنبعت عين، فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ضرب برجله أرضاً يقال لها الحمامة، فإذا عينان ينبعان فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه أن نبي الله أيوب عليه السلام لما اشتد به البلاء إما دعا وإما عرض بالدعاء، فأوحى الله تعالى إليه {أن اركض برجلك} فنبعت عين، فاغتسل منها فذهب ما به، ثم مشى أربعين ذراعاً، ثم ضرب برجله فنبعت عين فشرب منها. وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة رضي الله عنه قال: إن نبي الله أيوب عليه السلام لما أصابه الذي أصابه قال إبليس: يا رب ما يبالي أيوب أن تعطيه أهله ومثلهم معهم وتخلف له ماله وسلطانه سلطني على جسده قال: اذهب فقد سلطتك على جسده، وإياك يا خبيث ونفسه قال فنفخ فيه نفخة سقط لحمه، فلما أعياه صرخ صرخة اجتمعت إليه جنوده قالوا يا سيدنا ما أغضبك؟ فقال الا أغضب إني أخرجت آدم من الجنة وإن ولده هذا الضعيف قد غلبني فقالوا: يا سيدنا ما فعلت امرأته؟ فقال: حية فقال: أما هي فقد كفيك أمرها فقال له: فإن أطلقتها فقد أصبت وإلا فأعطه فجاء إليها فاستبرأها، فأتت أيوب فقالت له: يا أيوب إلى متى هذا البلاء؟ كلمة واحدة ثم استغفر ربك فيغفر لك فقال لها: فعلتها أنت أيضاً. ثم قال لها أما والله لئن الله تعالى عافاني لأجلدنك مائة جلدة فقال {رب أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} قأتاه جبريل عليه السلام فقال {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} فرجع إليه حسنه وشبابه، ثم جلس على تل من التراب فجاءته امرأته بطعامه فلم تر له أثراً فقالت لأيوب عليه السلام وهو على التل: يا عبدالله هل رأيت مبتلي كان ههنا؟ فقال لها: إن رأيتيه تعرفينه؟ فقالت له لعلك أنت هو؟ قال: نعم. فأوحى الله إليه أن {خذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث} قال: والضغث أن يأخذ الحزمة من السياط فيضرب بها الضربة الواحدة. وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه قال: ابتلى أيوب عليه السلام بماله وولده وجسده وطرح في المزبلة، فجعلت امرأته تخرج فتكتسب عليه ما تطعمه، فحسده الشيطان بذلك فكان يأتي أصحاب الخير والغنى الذين كانوا يتصدقوا عليها فيقول: اطردوا هذه المرأة التي تغشاكم فإنها تعالج صاحبها وتلمسه بيدها، فالناس يتقذرون طعامكم من أجلها انها تأتيكم وتغشاكم، فجعلوا لا يدنونها منهم ويقولون: تباعدي عنا ونحن نطعمك ولا تقربينا، فأخبرت بذلك أيوب عليه السلام، فحمد الله تعالى على ذلك وكان يلقاها إذا خرجت كالمتحزن بما لقي أيوب فيقول: لج صاحبك وأبى إلا ما أبى الله، ولو تكلم بكلمة واحدة تكشف عنه كل ضر، ولرجع إليه ماله وولده. فتجيء فتخبر أيوب فيقول لها: لقيك عدوّ الله فلقنك هذا الكلام لئن أقامني الله من مرضي لأجلدنك مائة. فلذلك قال الله تعالى {وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث} يعني بالضغث القبضة من الكبائس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما {وخذ بيدك ضغثاً} قال: الضغث القبضة من المرعى الطيب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {وخذ بيدك ضغثاً} قال: حزمة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وخذ بيدك ضغثا} قال: عود فيه تسعة وتسعون عوداً، والأصل تمام المائة. وذلك أن امرأته قال لها الشيطان: قولي لزوجك يقول كذا وكذا..! فقالت له... فحلف أن يضربها مائة، فضربها تلك الضربة فكانت تحلة ليمينه وتخفيف عن امرأته. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أنه بلغه أن أيوب عليه السلام حلف ليضربن امرأته مائة في أن جاءته في زيادة على ما كانت تأتي به من الخبز الذي كانت تعمل عليه وخشي أن تكون قارفت من الخيانة، فلما رحمه الله وكشف عنه الضر علم براءة امرأته مما اتهمها به، فقال الله عز وجل {وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث} فأخذ ضغثاً من ثمام وهو مائة عود، فضرب به كما أمره الله تعالى. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وخذ بيدك ضغثاً} قال: هي لأيوب عليه السلام خاصة وقال عطاء: هي للناس عامة. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه {وخذ بيدك ضغثاً} قال: جماعة من الشجر وكانت لأيوب عليه السلام خاصة، وهي لنا عامة. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وخذ بيدك ضغثاً..} . وذلك أنه أمره أن يأخذ ضغثاً فيه مائة طاق من عيدان القت، فيضرب به امرأته لليمين التي كان يحلف عليها قال: ولا يجوز ذلك لأحد بعد أيوب إلا الأنبياء عليهم السلام. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: حديث : حملت وليدة في بني ساعدة من زنا فقيل لها: ممن حملك؟ قالت: من فلان المقعد، فسأل المقعد فقال صدقت، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "خذوا له عثكولاً فيه مائة شمراخ، فاضربوه به ضربة واحدة" ففعلوا . تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير والطبراني وابن عساكر من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: "حديث : كان في أبياتنا إنسان ضعيف مجدع، فلم يرع أهل الدار إلا وهو على أمة من إماء أهل الدار يعبث بها، وكان مسلماً فرفع سعد رضي الله عنه شأنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اضربوه حده فقالوا يا رسول الله: إنه أضعف من ذلك ان ضربناه مائة قتلناه قال: فخذوا له عثكالاً فيه مائة شمراخ، فاضربوه ضربة واحدة وخلوا سبيله" ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان رضي الله عنه، أن رجلاً أصاب فاحشة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض على شفا موت، فأخبر أهله بما صنع، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقنو فيه مائة شمراخ، فضربه ضربة واحدة. وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بشيخ قد ظهرت عروقه قد زنى بامرأة، فضربه بضغث فيه مائة شمراخ ضربة واحدة. أما قوله تعالى: {إنا وجدناه صابراً نعم العبد} . أخرج ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أيوب عليه السلام رأس الصابرين يوم القيامة. وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن العاصي رضي الله عنه قال: نودي أيوب عليه السلام يا أيوب لولا أفرغت مكان كل شعرة منك صبراً ما صبرت. وأخرج ابن عساكر عن ليث بن أبي سليمان رضي الله عنه قال: قيل لأيوب عليه السلام لا تعجب بصبرك، فلولا أني أعطيت موضع كل شعرة منك صبراً ما صبرت. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة أيوب قالت: يا أيوب إنك رجل مجاب الدعوة، فادع الله أن يشفيك فقال: ويحك..! كنا في النعماء سبعين عاماً، فدعينا نكون في البلاء سبع سنين. وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: زوجة أيوب عليه السلام رحمة رضي الله عنها بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن الحسن رضي الله عنه قال: كان أيوب عليه السلام كلما أصابه مصيبة قال: اللهم أنت أخذت، وأنت أعطيت مهما تبقى نفسك أحمدك على حسن بلائك.
القشيري
تفسير : أي بما كان يوسوس إليه بتذكيره إياه ما كان به من البَلِيَّة، وقيل لما كان قال (أي الشيطان) لامرأته: اسجدي لي حتى أردَّ عليكم ما سلبتكُم. ويقال إن سبب ابتلائه أنه استعان به مظلومٌ فلم يَنْصُرْه... فابتُلِيَ. ويقال استضافَ الناسَ يوماً فلمَّا جاءَه ابنُ فقيرٍ مَنَعَه من الدخول. ويقال كان يغزو مَلِكاً كافراً، وكان لأيوب غَنَمٌ في ولايته، فداهَنَه لأَجْلِ غَنَمِه في القتال. ويقال حَسَدَه إبليسُ، فقال: لَئِنْ سَلَّطْتني عليه لم يشكر لك. ويقال كان له سبع بنات وثلاثة بنين في مكتب واحدٍ، فَجَرَّ الشيطانُ الاسطوانة فانهدم البيت عليهم. ويقال لبث أيوب في البلاء ثماني عشرة سنه، وقيل أربعين سنة، وقيل سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذكر عبدنا ايوب} ابن آموص بن رازح بن روم بن عيص بن اسحق ابن ابراهيم عليه السلام وامه من اولاد لوط بن هاران وزوجته رحمة بنت افراييم بن يوسف عليه السلام اوليا بنت يعقوب عليه السلام ولذا قال فى كشف الاسرار كان ايوب فى زمان يعقوب اوما خير بنت ميشا بن يوسف والاول اشهر الاقاويل. قال القرطبى لم يؤمن بايوب الا ثلاثة نفر وعمره ثلاث وتسعون وقوله ايوب عطف بيان للعبد {اذ نادى ربه} بدل من عبدنا اى دعا وتضرع بلسان الاضطرار والافتقار {انى} اى بانى {مسنى الشيطان} اصابنى وبالفارسية [ديو بمن رسيد] فتكون الباء فى قوله {بنصب} للتعدية اى تعب ومشقة وكذا النصب بفتحتين {وعذاب} العذاب الايجاع الشديد اى ألم ووصب يريد مرضه وما كان يقاسيه من فنون الشدائد وهو المراد بالضر فى قوله فى سورة الانبياء {أية : أنى مسنى الضر} تفسير : وهو حكاية لكلامه الذى ناداه به بعبارته والا لقيل انه مسه الخ وليس هذا تمام دعائه عليه السلام بل من جملته قوله {أية : وانت ارحم الراحمين} تفسير : فاكتفى ههنا عن ذكره بما فى سورة الانبياء كما ترك هناك ذكر الشيطان ثقة بما ذكر ههنا. فان قلت لا قدرة للشيطان البتة على ايقاع الناس فى الامراض والاسقام لانه لو قدر على ذلك لسعى فى قتل الانبياء والاولياء والعلماء والصالحين فهو لا يقدر ان يضر احدا الا بطريق القاء الوساوس والخواطر الفاسدة فما معنى اسناد المس اليه قلت ان الذى اصابه لم يصبه الا من الله تعالى الا انه اسنده الى الشيطان لسؤال الشيطان منه تعالى ان يمسه الله تعالى بذلك الضر امتحانا لصبره ففى اسناده اليه دون الله تعالى مراعاة للادب ـ روى ـ ان ايوب عليه السلام كان له اموال كثيرة من صنوف مختلفة وهو مع ذلك كان مواظبا على طاعة الله محسنا للفقراء واليتامى وارباب الحاجات فحسده ابليس لذلك وقال انه يذهب بالدنيا والآخرة فقال الهى عبدك ايوب قد انعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك ولو ابتليته بنزع النعمة والعافية لتغير عن حاله فقال تعالى انى اعلم منه ان يعبدنى ويحمدنى على كل حال فقال ابليس يا رب سلطنى عليه وعلى اولاده وامواله فسلطه على ذلك فاحرق زرعه واسقط الابنية على اولاده فلم يزدد ايوب الا حمدا لربه ثم نفخ فى جسده نفخة خرجت بها فيه النفاخات ثم تقطرت بالدم الاسود واكله الدود سبع سنين وهو على حاله فى مقام الصبر والرضى والتسليم فكان بلاؤه امتحانا من غير ان يكون منه ذنب يعاقب عليه ليبرز الله ما فى ضميره فيظهر لخلقه درجته اين هو من ربه كما ذكره الحكيم الترمذى فى نوادر الاصول. وعلى هذا القول اعتماد الفحول فدع ما عداه فانه غير مقبول. وفى التأويلات النجمية يشير بقوله {واذكر} الخ الى معانى مختلفة. منها ان من شرط عبودية خواص عباده من الانبياء والاولياء الصبر عند نزول البلاء والرضى بجريان احكام القضاء. ومنها ليعلم ان الله تعالى لو سلط الشيطان على بعض من اوليائه وانبيائه لا يكون لاهانتهم بل يكون لعزتهم واعانتهم على البلوغ على رتبة نعم العبدية ودرجة الصابرين المحبوبين. ومنها ان العباد من الانبياء والاولياء لو لم يكونوا فى كنف عصمة الله وحفظه لمستهم الشياطين بنصب وعذاب. ومنها ان من آداب العبودية اجلال الربوبية واعظامها عن احالة الضر والبلاء والمحن عليها لا على الشيطان كما قال يوسف عليه السلام {أية : وجاء بكم من البدو من بعد ان نزغ الشيطان بينى وبين اخوتى} تفسير : وقال يوشع عليه السلام {أية : وما انسانيه الا الشيطان} تفسير : وقال موسى عليه السلام {أية : هذا من عمل الشيطان } تفسير : ومنها ليعلم انه ما بلغ مقام الرجال البالغين الا بالصبر على البلوى وتفويض الامور الى المولى والرضى بما يجرى عليه من القضاء انتهى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {واذكر عبدنَا أيوبَ}، وهو ابن عيصو بن إسحاق عليه السلام، أي: من ذريته؛ لأنه بعد يوسف، وامرأته: رحمة بنت إفراثيم بن يوسف. {إِذ نادى ربَّه}، وهو بدل اشتمال من "عبدنا". و "أيوب": عطف له، {أَنِّي} أي: بأني {مسني الشيطان بنُصْبٍ} أي: تعب، وفيه قراءات بفتحتين، وبضمتين، وبضم وسكون، وبنصب وسكون. {وعذابٍ} أي: ألم، يريد ما كان يقاسيه من فنون الشدائد، وهو الضر في قوله: {أية : مَسَّنِىَ الضُّرُّ} تفسير : [الأنبياء: 83]، وهو حكاية لكلامه الذي ناداه به، وإلا لقيل: إنه مسّه. وإسناده إلى الشيطان على طريق الأدب في إسناد ما كان فيه كمال إلى الله تعالى، وما كان فيه نقص إلى الشيطان أو غيره، كقول الخليل: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ}تفسير : [الشعراء: 80] ولم يقل: أمرضني. وكقول يوشع عليه السلام: {أية : وَمَآ أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ} تفسير : [الكهف: 63]. وفي الحقيقة: كلٌّ من عند الله. وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه، من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله في أن يكفيه ذلك، بكشف البلاء، أو بدفعه وردّه بالصبر الجميل. ورُوي: أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين، فارتدّ أحدهم، فسأل عنه، فقيل: ألقى إليه الشيطان: أن الله لا يبتلي الأنبياء والصالحين، فشكا ذلك إلى ربه. وذكر في سبب بلائه؛ أنه ذبح شاة فأكلها، وجاره جائع، أو: رأى منكراً فسكت عنه، أو: استغاثه مظلوم فلم يغثه، أو: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر، فداهنه، فلم يغزه، أو: سؤاله امتحاناً لصبره، أي: هل يصبر أم لا، أو: ابتلاه لرفع درجاته بلا سبب، وهو أولى. {اركُضْ برِجْلِكَ}، حكاية ما أجيب به أيوب عليه السلام، أي: أرسلنا له جبريل عليه السلام بعد انتهاء مدة مرضه، فقال له: اركض، أي: اضرب برجلك الأرض، وهي أرض موضع بالجابية، فضربها، فنبعت عين، فقيل: {هذا مُغتَسَل باردٌ وشَرابٌ} أي: هذا ما تغتسل منه، وتشرب منه، فيبرأ ظاهرك وباطنك، وقيل: نبعت له عينان؛ حارة للاغتسال، وباردة للشرب، فاغتسل من إحداهما، فبرىء ما في ظاهره، وشرب من الأخرى، فبرىء ما في باطنه، بإذن الله تعالى. ومدة مرضه قيل: ثمان عشرة سنة، وقيل: أربعين، وقيل: سبع سنين، وسبعة أشهر، وسبعة أيام، وسبع ساعات. {ووهبنا له أهلَه ومثلَهم معهم}، قيل: أحياهم الله بأعيانهم، وزاد مثلهم، وقيل: جمعهم بعد تفرُّقهم، وقيل: أعطاه أمثالهم وزاده ضِعفهم. قال القشيري: وكان له سبع بنات. وثلاثة بنين، في مكتب واحد، فحرّك الشيطانُ الأسطوانةَ، فانهدم البيت عليهم. هـ. ولم يذكر كم كان له من الزوجات، فقد سلمت منهن "رحمة"، وهلك الباقي. أعطيناه ذلك {رحمةً منا} أي: رحمة عظيمة علية من قِبلنا. {وذِكْرى لأُولي الألبابِ} أي: ولنذكرهم بذلك ليصبروا على الشدائد، ويلتجئوا إلى الله فيما ينزل بهم؛ لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه، لِصبره، رغَّبهم في الصبر على البلاء. ولمّا حلف: لَيَضْربنَّ امرأته مائةَ ضربة، حيث أبطأت عليه في حاجتها. وقيل: باعت ذوائبها واشترت به رغيفين، وكانت متعلق أيوب. وقيل: طمع الشيطان فيها أن يسجد زوجُها له فيشفيه، أمره الله تعالى ببر يمينه، فقال: {وخُذْ بيدك ضِغْثاً}؛ حُزمة صغيرة من حشيش أو رَيحان، وعن ابن عباس رضي الله عنه: قبضة من الشجر، {فاضرِبْ به ولا تَحْنَثْ}، وهذه الرخصة باقية عند الشافعي وأبي حنيفة، خلافاً لمالك؛ لأن الأَيْمَان عنده مبنية على الأعراف. قال تعالى: {إِنَّا وجدناه}؛ علمناه {صابراً} على البلاء، وأما شكواه فليست جزعاً، بل رجوعاً إلى مولاه، على أنه عليه السلام إنما طلب الشفاء خيفة على قومه، حيث كان الشيطانُ يوسوس إليهم: لو كان نبيّاً لما ابتلي بمثل ما ابتلي به، وإرادة القوة على الطاعة، فقد بلغ أمره إلى أن لم يبقَ منه إلا القلب واللسان. قلت: طلب الشفاء لا ينافي الرضا؛ لأن العبد ضعيف، لا قوة له على قهرية الحق. ثم قال تعالى: {نِعْمَ العبدُ إِنه أوَّابٌ}؛ رجَّاع إلى الله تعالى. قال القشيري: لم يشغله البلاء عن المُبْلِي. وهو تعليل لمرضه. الإشارة: كثير من الصوفية اختاروا البلاء على العافية، وبعضهم اختار العافية، قال عليّ رضي الله عنه: لأَن أُعطَى فأَشكر أحبُّ إِليَّ من أن أُبتلى فأَصبرِ، أي: لأنه طريق السلامة، وبه وردت الأحاديث، والأولى للعبد ألا يختار مع سيده شيئاً، بل يكون مفوضاً مستسلماً، يتلقى ما يرد عليه بالترحيب، أيّ شيء كان. وبالله التوفيق. ثم ذكر إبراهيم وبنيه، فقال: {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابو جعفر {بنصب} بضم النون والصاد. وقراءة يعقوب بفتحهما. الباقون بضم النون وإسكان الصاد، وهي لغات أربع. وقراءة هبيرة بفتح النون وإسكان الصاد. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله {واذكر} يا محمد {عبدنا أيوب إذ نادى ربه} فقال يا رب، لان النداء هو الدعاء بطريقة يا فلان ومتى قال اللهم افعل بي وارزقني وعافني كان داعياً ولا يكون منادياً {أني مسني الشيطان} {أني} في موضع نصب لان تقديره، انه نادى بهذا القول، وتقديره بأني مسني فلما حذف الياء نصب {أني} و {مسني الشيطان} أي وسوسني وذكرني ما كنت فيه من نعم الله في الاهل والولد والمال، وكيف زال ذلك كله وما حصل فيه من البلية طمعاً فيه ليزله بذلك ويجد طريقاً إلى اضلاله وتضجره وتبرمه، فوجده صابراً عند ذلك مسلماً لأمر الله تعالى. وقيل: انه كان وسوس إلى قومه أن يستقذروه ويخرجوه من بيتهم ولا يتركوا امرأته التي تخدمه أن تدخل عليهم، لان فيه برصاً وجذاماً ربما عدا اليهم وكان أيوب ينادى بذلك ويألم به. والنصب والوصب والتعب نظائر، وفيه لغات اربع على ما حكيناه نصب ونصب مثل حزن وحزن ورشد ورشد ورشد، وعدم وعدم، ثم تسكن الصاد مع فتح النون تخفيفاً وتضم النون والصاد اتباعاً لما قبله. ونقيض النصب الراحة وأصله ألا نصاب يقال انصبني أي عذبني، وبرح بي، ومنهم من يقول: نصبني قال بشر بن أبي حازم: شعر : تعناك نصب من أميمة منصب تفسير : وقال النابغة: شعر : كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسية بطئ الكواكب تفسير : و {عذاب} اراد به ماكا يدخل عليه من ألم الوسوسة، فاجاب الله تعالى دعاه وقال {اركض برجلك} أي ادفع برجلك الارض، فالركض الدفع بالرجل على جهة الاسراع، ومنه ركض الفرس لاسراعه ذا دفعه برجله. يقال: ركضت الدابة وركضتها أنا مثل جبر العظم وجبرته أنا، وحزن وحزنته انا، وفي الكلام حذف وتقديره فركض برجله وظهر عين ماء، فقال الله له {هذا مغتسل} أي ماء مغتسل {بارد وشراب} وقال الحسن وقتادة: نبعت له عينان، فاغتسل من احداهما وشرب من الأخرى، فالمغتسل موضع الاغتسال. وقيل: كل ماء يغتسل فيه فهو مغتسل وغسول - ذكره ابو عبيدة - وفي الكلام حذف، وتقديره إن أيوب اغتسل من تلك العين، فأزال الله تعالى عنه جميع ما كان فيه من الامراض. ثم اخبر بما من عليه زيادة على صلاح جسمه، وزوال ألمه فقال {ووهبنا له أهله} لأنه لما رد عليه أهله كان ذلك هبة منه مجددة {ومثلهم معهم} وتقديره ووهبنا له مثل أهله دفعة اخرى. وقد ذكرنا اختلاف المفسرين في ذلك - في سورة الانبياء - وأن فيهم من قال اعطاه بكل امرأة امرأتين وبكل ولد ولدين في دار الدنيا. ومنهم من قال ذلك اخبار عما يهبه الله له في الآخرة. وقيل: إن الله تعالى أمطر عليه جراداً من ذهب وقوله {رحمة منا} معناه فعلنا ذلك لرحمتنا إياه، فهو نصب على انه مفعول له، ويجوز أن يكون نصباً على المصدر {وذكرى لأولى الألباب} أي وليتذكر به ويعتبر ذووا العقول فيصبروا كما صبر. ثم حكى ما قال له فانه قال له {خذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث} فالضغث ملء الكف من الحشيش او الشماريخ وما أشبه ذلك قال عوف بن الجزع: شعر : وأسفل مني فهدة قد ربطنها والقيت ضغثاً من حلا متطيب تفسير : أي تطيبت لها. وقيل إنه كان حلف على امرأته لامر أنكره من قولها لئن عوفي ليضربنها مئة، فقيل له {خذ ضغثاً} بعدد ما حلفت، فاضرب به دفعة واحدة، فانك إذا فعلت ذلك، فقد بررت قسمك، ولم تحنث، وهو قول قتادة والضحاك. وقوله {ولا تحنث} نهي له عن الحنث. ثم اخبر تعالى عن حال ايوب وعظم منزلته، فقال {إنا وجدناه صابراً} لبلائنا مسلماً لامرنا. ثم أثنى عليه فقال {نعم العبد إنه أواب} أي رجاع إلى الله منقطع اليه، وعندنا ان من حلف ان يضرب غيره مئة فضربه بشمراخ فيه مئة طاقة، فقد بر في يمينه، وفيه خلاف بين الفقهاء.
الهواري
تفسير : قوله: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} أي: ببلاء وشرّ. قال بعضهم: النصب: الضر في الجسد، والعذاب: ذهاب ماله. وتفسير الحسن بنصب وعذاب في جسده؛ وقد فسّرنا قصته وقصة امرأته في سورة الأنبياء وكيف ذهب ماله. فأوحى الله إليه أن {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} فركض برجله ركضة وهو لا يستطيع القيام، فإِذا عين فاغتسل منها فأذهب الله ظاهر دائه، ثم مشى على رجليه أربعين ذراعاً، ثم قيل له: اركض برجلك ايضاً، فركض ركضة أخرى فإِذا عين فشرب منها فأذهب الله عنه باطن دائه. وقال الكلبي: وكساه الله ثياباً جديدة حساناً. وجلس على شاطئ نهر، فجاءت امرأته بطعام قد أصابته، فنظرت فإذا الغار ليس فيه أحد؛ فلم تشك أن السبع قد أكله. فجعلت تستحيي من الرجل وهي ما تعرفه، فقالت: يا عبد الله، أرأيت الذي كان في هذا الغار أين هو؟ قال: أنا هو. قالت: يا عبد الله، لا تسخر مني، فقد كان أمره بخير. فقال: أنا صاحبك، ولم تصدّقه. فقال: إن لم تصدقيني فاذهبي إلى بيتك ذلك، فإن الله قد أقامه لك، وردّ عليك ولدك، وقد كانوا ثلاثة عشر، وزاد الله له ثلاثة عشر أخرى، وأخرج له حيوانه كلها، وزاده مثلها معها، حتى صار مَلِك دمشق بعدُ. قال الحسن: فردَّ الله عليه أهله وولده وأمواله من البقر والغنم والحيوان وكل شيء ملكه بعينه، ثم أبقاه الله فيها حتى وهب له من نسولها أمثالها. وهو قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ أهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ} فوفّاهم آجالهم. قال بعضهم: مثل السبعين الذين كانوا مع موسى فقال لهم الله: موتوا ثم أحياهم، ومثل (أية : الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أحْيَاهُمْ) تفسير : [البقرة: 243] فاستوفوا بقية آجالهم. وقال الحسن: إن الله أحيى أولاد أيوب بأعيانهم، وأن الله أبقاه فيهم حتى أعطاه الله من نسولهم. وإن إبليس يأتيه يومئذ عياناً، قال: يا أيوب، اذبح لي سخلة من غنمك؛ قال: لا، ولا كفاً من تراب. ذكروا عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: لا يبلغ العبد الكفر بالله والإشراك به حتى يصلي لغير الله، أو يدعو غير الله، أو يذبح لغير الله. ذكروا عن الحسن أن أيوب لم يبلغه شيء يقوله الناس كان أشد عليه من قولهم: لو كان نبياً ما ابتلي بمثل ما ابتلي به. فدعا الله فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أعمل حسنة في العلانية إلا عملت في السر مثلها، فاكشف عني ما بي من ضر فأنت أرحم الراحمين. فاستجاب الله له فوقع ساجداً. وأمطر عليه جرادٌ من ذهب فجعل يلتقطه ويجمعه، فأوحى الله إليه: يا أيوب، أما تشبع؟ قال: ومن يشبع من رحمتك [يا رب]. وقال الحسن: إن الله يحتج على الناس يوم القيامة بثلاثة من الأنبياء فيجيء العبد فيقول: أعطيتني جمالاً في الدنيا فأعجبت به، ولولا ذلك لعملت بطاعتك، فيقول الله له: الجمال الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الجمال الذي أعطى يوسف، فيقول: بل الجمال الذي أعطى يوسف، فيقول: إن يوسف كان يعمل بطاعتي، فيحتجّ عليه بذلك. فيجيء العبد ويقول: يا ربّ، ابتليتني في الدنيا، ولولا ذلك لعملت بطاعتك. فيقول الله له: البلاء الذي ابتُليت به في الدنيا أشد أم البلاء الذي ابتلى به أيوب، فيقول: بل الذي ابتلى به أيوب. فيقول: كان أيوب يعمل بطاعتي، فيحتج عليه بذلك. ويجيء العبد فيقول: أعطيتني ملكاً فأعجبت به، ولولا ذلك لعملت بطاعتك. فيقول: الملك الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الملك الذي أعطى سليمان، فيقول: الملك الذي أعطى سليمان. فيقول: كان سليمان يعمل بطاعتي، فيحتج عيه بذلك.
اطفيش
تفسير : {وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ} بدل كل أم بيان وهو ابن عيص بن زعربد بن عيص بن اسحق وامرأته ليا بنت يعقوب* {إِذْ} بدل اشتمال من عبد على اجازة تعدد البدل أو من أيوب على اجارة الابدال من البدل واذ جعلنا أيوب بياناً فلا اشكال في ابدال (إذ)* {نَادَى رَبَّهُ أَنِّي} أي بأني* {مَسَّنِيَ} بفتح الياء وقرأ حمزة باسكانها وحذفها لالتقاء الساكنين وصلا وفي ذلك حكاية تكلم وهو صحيح لا التفات فيه كقولك قال زيد (اني قائم) وزعم بعض أن الاصل (أن أمسه) كان للالتفات (السكاكي) من التكلم الذي هو مقتضى الظاهر الى الغيبة فتفطن لمثل هذا* {الشَّيْطَانُ} نسب المس اليه مع أن فاعله الله لانه سبب بوسوسته في مس الله أيوب اذ تبع الشيطان في وسوسته وليس للشيطان تسليط سوى الوسوسة وقد راعى أيوب الأدب فى دعائه حيث لم ينسبه الى الله في دعائه مع أنه فاعله فلا يقدر عليه الا هو كأنه لو نسبه اليه لكان كالمشتكي بربه وذلك أن الشيطان وسوس له فأعجب بكثرة ماله فلما أطاعه فى الاعجاب مسه الله* {بِنُصْبٍ} بضم النون وسكون الصاد وقرأ يعقوب بفتح النون وسكون الصاد (بنَصْب) على أنه مصدر وقرأ (نَصَب) بفتحها وهو لغة وبضمهما تثقيلاً للفظ لثقل المعنى أو جمع وهو العنت والمشقة {وَعَذَابٍ} أي مرضه وما قاسى فيه من أنواع الوصب وقيل: النصب في البدن والعذاب في ذهاب الأهل والمال وقيل: بالعكس وقيل النصب الضر والعذاب والألم وذلك أنه ذهب ماله وولده وصحته، وقيل: تعرض ابليس لأهله أن تشرك بالله وكان هذا أشد عليه من مرضه فهو النصب والعذاب، وقيل: وسوس الشيطان الى أصحابه فرفضوه وأخرجوه من دورهم فذلك النصب والعذاب، وقيل: وسوس اليه فى مرضه لعظمه بالقنوط وتعظيم المرض وأغراه على الجزع فهذا نصبه وعذابه وقيل: أنه يعوده ثلاثة فارتد أحدهم فسأل عنه فقيل وسوس اليه الشيطان أن الله لا يبتلي الانبياء والصالحين، وقيل: لم يبله للاعجاب بل لأن رجلاً استغاثه فلم يغثه وهو مظلوم، وقيل: لانه كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه. وأنا أقول حاشاه عن ذلك. وقيل: سبب البلاء أنه سأل الله أن يبتليه فيصبر فلم يقدر فسأل الله أن يفرج عنه، وقيل: (مس النصب والعذاب) هو سؤاله للابتلاء وكأنه اعترف بالذنب ولما انقضت مدة بلائه قيل له
اطفيش
تفسير : {واذْكر} عطف على قوله تعالى: {اذكر} أى لتصبر على أذى قومك، كما صبر أيوب {عَبْدنا أَيُّوب} بن أموص بن روم بن اسحاق، فهو اسرائيلى، وذكر بعض أن أمه بنت لوط عليهما السلام، وأن أباه آمن بإبراهيم عليه السلام، وعلى هذا يكون قبل موسى عليه السلام، وقال الطبرى: كان بعد شعيب، فهو معاصر لموسى أو بعده، وقيل بعد سليمان {إذْ نادَى} إذ بدل اشتمال من عبدنا، أو بدل الكل، أو عطف البيان بعده {ربَّه أنِّي} بأنى {مَسَّني الشيْطان} الجنس، وقيل، واحد اسمه مسوط، وقيل هو ابليس {بنُصْبٍ} مشقة وتعب، وهو المراد بالضر فى الآية الأخرى، وقيل: العذاب وهو مفرد كنصب بفتح النون والصاد، وقيل جمعه كوتن بفتحتين ووتن بضم فاسكان، أو أصله ضم النون والصاد كوتن بضم الواو والتاء، فسكن تخفيفا كما قرىء بضمهما، وهو رواية عن نافع، وهو مناسب لثقل المرض على أيوب، وبضم النون واسكان الصاد تخفيفا كتخفيف المرض عليه بالفرج، وهو المشهور عن نافع. {وعَذابٍ} ألم وهو المراد بالضر فى الآية الأخرى، وقيل: النصب والضر فى البدن، والعذاب فى المال والأهل ، وانما قال: {أني مسَّني الشيطان بنُصْب وعذاب} وهذا المس عبارة عن فعل الشيطان، أثنى الله على أيوب الى ملائكته فقال الشيطان إبليس: لو ابتليته لم يصبر، فسلطه الله عليه، فنفخ اليه من تحت موضع سجوده، أو أمر ابليس من ينفخ فمرض المرض المشهور، وتلف أهله وماله، وذلك غير بعيد، وأما ما يذكر فى القرآن العظيم أنه لا يقدر الا على الوسوسة، فمعناه اذا لم يقدره الله على غيرها، فاذا أقدره على غيرها كان، وقيل: مس الشيطان وسوسته اليه أن يدعو بمرض يصبر له، وعرف أن ذلك من الشيطان متألم بذلك، وتألمه هو النصب والعذاب، ولم يطاوعه لأنه لا يجوز أن يدعو على نفسه بالمرض، ولو على وجه الصبر والثواب، ولا مرض فى هذا الوجه. وقيل: استغاثه رجل على ظالم فلم يغثه، فأصابه مرض ولا يصح هذا، وانما قال مسنى الشيطان، لأن الشيطان وسوس له بترك الاغاثة فلعله وسوس له بتركها ولم يطاوعه، فشكا الى الله بهذه الوسوسة المؤلمة له، وهلك من قال: انه أصابه المرض لتركه غزو كافر مداهنة له، اذ كانت مواشبه فى ناحيته، وقيل: وسوس اليه كثرة ماله وولده فأعجبه ذلك، ولا تظهر صحته، وقيل: النصب والعذاب مشقة مدافعة وسواس الشيطان فى مرضه، بأن يجزع ويسخط ويقنط من الشفاء. وقيل هما ما أصابه من الكراهة اذ قالت له امرأته: ان طبيبا عرض على أن يداويك فتشفى فتقول انه شفاك، وقيل: عن أن تذبح له، وعلم أن ذلك من الشيطان، وقيل ارتداد أحد ثلاثة كانوا يعدونه قائلا: لو كان نبيا لم يصبه الله بهذا المرض، وقيل: قول نفر من بنى اسرائيل مروا عليه: انه لم يصبه هذا الا بذنب.
الالوسي
تفسير : {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ } قال ابن إسحاق: الصحيح أنه كان من بني إسرائيل ولم يصح في نسبه شيء غير أن اسم أبيه أموص، وقال ابن جرير: هو أيوب بن أموص بن روم بن عيص بن إسحاق عليه السلام، وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط وأن أباه ممن آمن بإبراهيم فعلى هذا كان عليه السلام قبل موسى، وقال ابن جرير: كان بعد شعيب، وقال ابن أبـي خيثمة: كان بعد سليمان. وقوله تعالى: {ٱذْكُرْ } الخ عطف على {أية : ٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ }تفسير : [ص: 17] وعدم تصدير قصة سليمان عليه السلام بهذا العنوان لكمال الاتصال بينه وبين داود عليهما السلام، و {أَيُّوبَ } عطف بيان لعبدنا أو بدل منه بدل كل من كل. وقوله تعالى: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ } بدل اشتمال منه أو من {أَيُّوبَ } {إِنّى } أي بأني. وقرأ عيسى بكسر همزة {إني} {مسني الشيطان} وقرىء بإسكان ياء {مسني} وبإسقاطها {بِنُصْب} بضم النون وسكون الصاد التعب كالنصب بفتحتين، وقيل: هو جمع نصب كوثن ووثن، وقرأ أبو جعفر وشيبة وأبو عمارة عن حفص والجعفي عن أبـي بكر وأبو معاذ عن نافع بضمتين وهي لغة، ولا مانع من كون الضمة الثانية عارضة للاتباع، وربما يقال: إن في ذلك رمزاً إلى ثقل تعبه وشدته، وقرأ زيد بن علي والحسن والسدي وابن أبـي عبلة ويعقوب والجحدري بفتحتين وهي لغة أيضاً كالرشد والرشد، وقرأ أبو حيوة ويعقوب في رواية وهبيرة عن حفص بفتح النون وسكون الصاد، قال الزمخشري: على أصل المصدر، ونص ابن عطية على أن ذلك لغة أيضاً، قال: بعد ذكر القراآت: وذلك كله بمعنى واحد وهو المشقة وكثيراً ما يستعمل النصب في مشقة الاعياء. وفرق بعض الناس بين هذه الألفاظ والصواب أنها لغات بمعنى من قولهم أنصبني الأمر إذا شق علي انتهى./ والتنوين للتفخيم وكذا في قوله تعالى: {وَعَذَابٍ } وأراد به الألم وهو المراد بالضر في قوله: {أَنّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ }. وقيل: النصب والضر في الجسد والعذاب في الأهل والمال، وهذا حكاية لكلامه عليه السلام الذي نادى به ربه عز وجل بعبارته وإلا لقيل إنه مسه الخ بالغيبة. وإسناد المس إلى الشيطان قيل على ظاهره وذلك أنه عليه اللعنة سمع ثناء الملائكة عليهم السلام على أيوب عليه السلام فحسده وسأل الله تعالى أن يسلطه على جسده وماله وولده ففعل عز وجل ابتلاءً له، والقصة مشهورة. وفي بعض الآثار أن الماس له شيطان يقال له مسوط، وأنكر الزمخشري ذلك فقال: لا يجوز أن يسلط الله تعالى الشيطان على أنبيائه عليهم السلام ليقضي من إتعابهم وتعذيبهم وطره، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحاً إلا وقد نكبه وأهلكه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب، وجعل إسناد المس إليه هنا مجازاً فقال: لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سبباً فيما مسه الله تعالى به من النصب والعذاب نسبه إليه، وقد راعى عليه السلام الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله سبحانه في دعائه مع أنه جل وعلا فاعله ولا يقدر عليه إلا هو. وهذه الوسوسة قيل وسوسته إليه عليه السلام أن يسأل الله تعالى البلاء ليمتحن ويجرب صبره على ما يصيبه كما قال شرف الدين عمر بن الفارض: شعر : وبما شئت في هواك اختبرني فاختياري ما كان فيه رضاكا تفسير : وسؤاله البلاء دون العافية ذنب بالنسبة لمقامه عليه لا حقيقة، والمقصود من ندائه بذلك الاعتراف بالذنب. وقيل إن رجلاً استغاثه على ظالم فوسوس إليه الشيطان بترك إغاثته فلم يغثه فمسه الله تعالى بسبب ذلك بما مسه. وقيل: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه وسوسة من الشيطان فعاتبه الله تعالى بالبلاء، وقيل وسوس إليه فأعجب بكثرة ماله وولده فابتلاه الله تعالى لذلك، وكل هذه الأقوال عندي متضمنة ما لا يليق بمنصب الأنبياء عليهم السلام. وذهب جمع إلى أن النصب والعذاب ليسا ما كانا له من المرض والألم أو المرض وذهاب الأهل والمال بل أمران عرضا له وهو مريض فاقد الأهل والمال فقيل هما ما كانا له من وسوسة الشيطان إليه في مرضه من عظم البلاء والقنوط من الرحمة والإغراء على الجزع كان الشيطان يوسوس إليه بذلك وهو يجاهده في دفع ذلك حتى تعب وتألم على ما هو فيه من البلاء فنادى ربه يستصرفه عنه ويستعينه عليه {أَنّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } وقيل كانا من وسوسة الشيطان إلى غيره فقيل: إن الشيطان تعرض لامرأته بصورة طبيب فقالت له: إن هٰهنا مبتلى فهل لك أن تداويه فقال: نعم بشرط أن يقول: إذا شفيته أنت شفيتني فمالت لذلك وعرضت كلامه لأيوب عليه السلام فعرف أنه الشيطان وكان عليه ذلك أشد مما هو فيه {فَنَادَىٰ رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ } الخ؛ وقيل: إن الشيطان طلب منها أن تذبح لغير الله تعالى إذا عالجه وبرأ فمالت لذلك فعظم عليه عليه السلام الأمر فنادى، وقيل: إنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين فارتد أحدهم فسأل عنه فقيل له: ألقى إليه الشيطان أن الله تعالى لا يبتلي الأنبياء والصالحين فتألم من ذلك جداً فقال ما قال وفي رواية مر به نفر من بني إسرائيل فقال بعضهم لبعض: ما أصابه هذا إلا بذنب أصابه وهذا نوع من وسوسة الشيطان فعظم عليه ذلك فقال ما قال، والإسناد على جميع ما ذكر باعتبار الوسوسة، وقيل: غير ذلك والله تعالى أعلم.
ابن عاشور
تفسير : هذا مَثَل ثانٍ ذُكّر به النبي صلى الله عليه وسلم إسوة به في الصبر على أذى قومه والالتجاء إلى الله في كشف الضر، وهو معطوف على {أية : واذكر عبدنا داود ذا الأيد}تفسير : [ص: 17] ولكونه مقصوداً بالمَثل أعيد معه فعل {اذْكُر} كما نبهنا عليه في قوله: {أية : واذكر عبدنا داود}تفسير : [ص: 17]، وقد تقدم الكلام على نظير صدر هذه الآية في سورة الأنبياء. وترجمة أيوب عليه السلام تقدمت في سورة الأنعام. وإذ كانت تعدية فعل {اذكر} إلى اسم أيوب على تقدير مضاف لأن المقصود تذكّر الحالة الخاصة به كان قوله: {إذ نادىٰ ربّه} بدل اشتمال من أيوب لأن زمن ندائه ربَّه مما تشتمل عليه أحوال أيّوب. وخص هذا الحال بالذكر من بين أحواله لأنه مظهر توكّله على الله واستجابة الله دعاءه بكشف الضر عنه. والنداء: نداء دُعاء لأن الدعاء يفتتح بــــ: يا رب، ونحوه. و {أنِّي مسَّنِي الشيطانُ} متعلق بــــ {نَادَىٰ} بحذف الباء المحذوفة مع (أن)، أي نادى: بأنّي مسني الشيطان، وهو في الأصل جملة مبيّنة لجملة {نَادَىٰ ربَّهُ} ولولا وجود (أن) المفتوحة التي تصيِّر الجملة في موقع المفرد لكانت جملة مبينة لجملة {نادىٰ}، ولما احتاجت إلى تقدير حرف الجر ليتعدّى إليها فعل {نادىٰ} وخاصة حيث خَلَت الجملة من حرف نداء. فقولهم: إنها مجرورة بباء مقدرة جرى على اعتبارات الإِعراب تفرقة بين موقع (أنَّ) المفتوحة وموقع (إنَّ) المكسورة ولهذا الفرق بين الفتححِ والكسرِ اطّرد وجهَا فتحِ الهمزة وكسرِها في نحو «خيرُ القَول أني أحمد». وقد ذكرنا في قوله تعالى: {أية : فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}تفسير : في سورة [الأنفال: 9] رأينا في كون (أن) المفتوحة الهمزة المشددة النون مركبة من (أَنْ) التفسيرية (وأنَّ) الناسخة. والخبر مستعمل في الدعاء والشكاية، كقوله: {أية : رب إني وضعتها أنثى}تفسير : [آل عمران: 36]، وقد قال في آية سورة [الأنبياء: 83] {أية : أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين}.تفسير : والنُصْب، بضم النون وسكون الصاد: المشقة والتعب، وهي لغة في نَصَب بفتحتين، وتقدم النَصَب في سورة الكهف. وقرأ أبو جعفر {بِنُصُبٍ} بضم الصاد وهو ضم إتباع لضمّ النون. والعذاب: الألم. والمراد به المرض يعني: أصابني الشيطان بتعَب وألم. وذلك من ضرّ حل بجسده وحاجة أصابته في ماله كما في الآية الأخرى {أية : أني مسني الضر}تفسير : [الأنبياء: 83]. وظاهر إسناد المسّ بالنُّصب والعذاب إلى الشيطان أن الشيطان مسّ أيوب بهما، أي أصابه بهما حقيقة مع أن النصب والعذاب هما الماسان أيوب، ففي سورةَ [الأنبياء: 83] {أية : أني مسني الضر}تفسير : فأسند المسّ إلى الضر، والضرّ هو النصب والعذاب. وتردّدت أفهام المفسرين في معنى إسناد المسّ بالنُّصب والعذاب إلى الشيطان، فإن الشيطان لا تأثير له في بني آدم بغير الوسوسة كما هو مقرر من مُكرر آيات القرآن وليس النُّصب والعذاب من الوسوسة ولا من آثارها. وتأولوا ذلك على أقوال تتجاوز العشرة وفي أكثرها سماجة وكلها مبني على حملهم الباء في قوله: {بِنُصبٍ} على أنها باء التعدية لتعدية فعل {مَسَّنِي}، أو باء الآلة مثل: ضربه بالعصا، أو يؤول النُّصب والعذاب إلى معنى المفعول الثاني من باب أعطى. والوجه عندي: أن تحمل الباء على معنى السببية بجعل النُّصْب والعذاب مسببين لمسّ الشيطان إياه، أي مسنّي بوسواس سببه نُصْب وعذاب، فجعل الشيطان يوسوس إلى أيوب بتعظيم النُّصْب والعذاب عنده ويلقي إليه أنه لم يكن مستحقاً لذلك العذاب ليلقي في نفس أيوب سوء الظن بالله أو السخط من ذلك. أو تحمل البَاء على المصاحبة، أي مسّني بوسوسة مصاحبة لضرّ وعذاب، ففي قول أيوب {أني مسَّني الشيطانُ بنُصبٍ وعذابٍ} كناية لطيفة عن طلب لطف الله به ورفع النُّصب والعذاب عنه بأنهما صارا مدخلاً للشيطان إلى نفسه فطلب العصمة من ذلك على نحو قول يوسف عليه السّلام: {أية : وإلاَّ تصرف عنّي كيدَهن أَصْبُ إليهن وأكنْ من الجاهلين}تفسير : [يوسف: 33]. وتنوين «نصب وعذاب» للتعظيم أو للنوعية، وعدل عن تعريفهما لأنهما معلومان لله. وجملة {اركض برِجلِك} الخ مقولة لقول محذوف، أي قلنا له اركض برجلك، وذلك إيذان بأن هذا استجابة لدعائه. والرّكْض: الضرب في الأرض بالرجل، فقوله: {بِرِجْلِكَ} زيادة في بيان معنى الفعل مثل: {أية : ولا طائر يطير بجناحيه}تفسير : [الأنعام: 38] وقد سمّى الله ذلك استجابة في سورة [الأنبياء: 84] إذ قال: {أية : فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر}.تفسير : وجملة هٰذَا مُغْتسلٌ مقولة لقول محذوف دل عليه المقول الأول، وفي الكلام حذف دلّت عليه الإِشارة. فالتقدير: فركض الأرض فنبع ماء فقلنا له: هذا مغتسل بارد وشراب. فالإِشارة إلى ماء لأنه الذي يغتسل به ويشرب. ووصْف الماء بذلك في سياق الثناء عليه مشير إلى أن ذلك الماء فيه شفاؤه إذا اغتسل به وشَرب منه ليتناسب قول الله له مع ندائه ربّه لظهور أن القول عقب النداء هو قول استجابة الدعاء من المدعو. و{مغتسل} اسم مفعول من فعل اغتسل، أي مغتسل به فهو على حذف حرف الجر وإيصال المغتسل القاصر إلى المفعول مثل قوله:شعر : تَمرُّون الديارَ ولم تعُوجوا تفسير : ووصفه بــــ {بَارِدٌ} إيماء إلى أن به زوال ما بأيوب من الحمى من القروح. قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : الحُمى من فَيْح جهنم فأطفئوها بالماء»تفسير : ، أي نافع شاف، وبالتنوين استُغني عن وصف {شراب} إذ من المعلوم أن الماء شراب فلولا إرادة التعظيم بالتنوين لكان الإِخبار عن الماء بأنه شراب إخباراً بأمر معلوم، ومرجع تعظيم {شراب} إلى كونه عظيماً لأيوب وهو شفاء ما به من مرض.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} إلى قوله: {لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}. قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية مع التعرض لإزالة ما فيه من الإشكال في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} تفسير : إلى قوله: {أية : وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ} تفسير : [الأنبياء: 83ـ84].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: واذكر عبدنا أيوب: أي اذكر يا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عبدنا أيوب بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم. بنصب وعذاب: أي بضرّ وألم شديد نسب هذا للشيطان لكونه سببا وتأدُّبا مع الله تعالى. اركض برجلك: أي اضرب برجلك الأرض تنبع عين ماء. هذا مغتسل بارد وشراب: أي وقلنا له هذا ماء بارد تغتسل منه، وتشرب فتشفى. ضغثا: أي حزمة من حشيش يابس. ولا تحنث: بترك ضربها. نعم العبد: أي أيوب عليه السلام. إنه أواب: أي رجاع إلى الله تعالى. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر قصص الأنبياء ليثبت به فؤاد نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم فقال تعالى له {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ} وهو أيوب بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} أي دعاه قائلاً {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} أي ألم شديد، وذلك بعد مرض شديد دام مدة تزيد على كذا سنة، وقال في ضراعة أخرى ذكرت في سورة الأنبياء {أية : رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} تفسير : [الآية: 83] قال تعالى {أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} تفسير : [الآية: 84] وقوله {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} أي لما أراد الله كشف الضر عنه قال له اركض برجلك اي اضرب برجلك الأرض ينبع منها ماءٌ فاشرب منه واغتسل تشف ففعل فشفي كأن لم يكن به ضرٌ البتة. وقوله تعالى {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} أي عوضه الله تعالى عما فقد من أهل وولد، وقوله {رَحْمَةً مِّنَّا} أي كان ذلك التعويض لأيوب رحمة منّا {وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي عبرة لأولي القلوب الحيّة الواعية يعلمون بها أن الله قد يبتلي أحب عباده إليه ليرفعه بذلك درجات عالية ما كان ليصل إليها دون الابتلاء في ذات الله والصبر عليه. وقوله {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً} أي قلنا له خذ بيدك ضغثاً أي حزمة من حشيش يابس واضرب به امرأتك ضربة واحدة إذ في الحزمة مائة عود وكان قد حلف أن يضرب امرأته مائة جلدة لما حصل منها من تقصير في يوم من أيام حياتهما، فأفتاه ربُّه تعالى بما ذكر في هذه الآية. وقوله تعالى {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} أي قد اختبرناه بالمرض وفقد الأهل والمال والولد فوجدناه صابرا، وبذلك أثنى عليه بقوله {نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ} أي أيوب {إِنَّهُ أَوَّابٌ} رجاع إلى ربّه في كل أمره لا يعرف إلا الله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من طريق هذا القصص الذي لا يتأتى إلا بالوحي الإِلهي. 2- قد يبتلي الله تعالى من يحبه من عباده ليزيد في علوّ مقامه ورفعة شأنه. 3- فضل الصبر وعاقبته الحميدة في الدنيا والآخرة. 4- مشروعية الفتيا وهي خاصة بأهل الفقه والعلم. 5- وجوب الكفارة على من حنث في يمينه.
القطان
تفسير : تقدم ذكر أيوب باختصار في سورة النساء والانعام، وفي سورة الانبياء بآيتين، وهنا في سورة ص في أربع آيات. وقد مر ذكره بالتفصيل في سورة الانبياء عند قوله تعالى: {أية : وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}تفسير : 83. وهنا جاءت آيتان زيادة على ما مر، وهما قوله تعالى: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} اضرب برجليك الارض، فَثَمَّتَ ماء بارد تغتسل منه وتشرب، فيزول ما بك من بلاء وعذاب. والآية الثانية: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} كان أيوب قد حلفَ ان يضرب أحداً من اهله، يقال انها امرأته، عدداً من العصّي، حلل الله يمينه بان يأخذ حزمة فيها العدد الذي حلف ان يضرب به، فيضرب بالحزمة مَنْ حَلَفَ على ضربه، فيبر بيمينه بأقل ألم. وقد منّ الله عليه بذلك، لأنَّ الله وجده صابراً على بلائه، فاستحق بذلك الثناء، {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} منيبٌ الى الله. وكذلك اذكر يا محمد عبادنا ابراهيم واسحاق ويعقوب، اصحابَ القوة في طاعة الله، والبصائر المنيرة، إنا خصصناهم فجعلناهم خالصين لطاعتنا، يعملون للآخرة ويؤثرونها على كل شيء، انهم عندنا لمن المختارين الاخيار. وكذلك اسماعيل واليسع وذو الكفل وكلهم من الاخيار. وقد ذكر اليسع في سورة الأنعام، ومر ذِكر ذي الكفل في سورة الانبياء ايضا. قراءات: قرأ يعقوب: بنَصَب بفتح النون والصاد. والباقون: بنصب بضم النون واسكان الصاد. وقرأ ابن كثير: واذكر عبدنا ابراهيم.... بالافراد. والباقون: واذكر عبادنا بالجمع. وقرأ نافع: بخالصةٍ ذكرى الدار بالاضافة. والباقون: بخالصةٍ ذكرى الدار، بالتنوين. وقرأ حمزة والكسائي: والليسع بلامين. والباقون واليسع بلام واحدة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} (41) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ قِصَّةَ نَبِيِّ اللهِ وَعَبْدِهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، إِذ ابْتَلاَهُ اللهُ بِجَسَدِهِ حَتَّى أَرْهَقَهُ المَرَضُ، وَابْتَلاَهُ بِأَوْلاَدِهِ فَمَاتَ مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ، وَتَفَرَّقَ مَنْ تَفَرَّقَ، وَابْتَلاَهُ بِهَلاَكِ مَالِهِ، حَتَّى لَمْ يَعُدْ عِنْدَهُ مَا يَكْفِي لِعَيْشِهِ، فَصَبَرَ صَبْراً جَمِيلاً. وَلَمَّا طَالَ بِهِ البِلاَءُ دَعَا رَبَّهُ مُتَضَرِّعاً: {أية : أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}تفسير : ، كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى. وَهُنَا قَالَ: لَقَدْ مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ، إِذْ أَنَّ أَيُّوبَ لَمَّا طَالَ بَلاَؤُهُ تَخَلَّى عَنْهُ أَهْلُهُ وَأَصْدِقَاؤُهُ إِلاَّ زَوْجَتهُ، وَقِلَّة قَلِيلَة مِنَ الأَصْحَابِ. فَأَخَذَ الشَّيْطَانُ يُوَسْوِسُ لِهَؤُلاَءِ المُقِيمِينَ عَلَى الإِخْلاَصِ لأَِيُّوبَ لِيُنَفِّرَهُمْ مِنْهُ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: لَوْ أَنَّ اللهَ كَانَ يُحِبُّ أَيُّوبَ مَا ابْتَلاَهُ. فَاسْتَجَابَ اللهُ تَعَالَى لِدُعَاءِ أَيُّوبَ لَمَّا رَأَى إِخْلاَصَهُ لِرَبِّهِ، وَنُفُورَهُ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ. بِنُصْبٍ - بِتَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ. وَعَذَابٍ - أَلَمٍ وَضُرٍّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى {وَٱذْكُرْ ..} [ص: 41] أي: بالحمد والثناء {عَبْدَنَآ أَيُّوبَ ..} [ص: 41] الوصف بالعبودية هنا شرف، لأنه دلَّ على إعزاز الربوبية لمرتبة العبودية، وقلنا: إن العبودية كلمة ممقوتة عند البشر، لأن العبودية للبشر إهانة وتسخير، يأخذ فيها السيد خير عبده وثمرة حركته في الحياة، أما العبودية لله تعالى فوَصْفٌ محبوب، وكلمة محمودة، لأن العبد فيها يأخذ خير سيده. لذلك لما امتنَّ الله تعالى على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حادثة الإسراء والمعراج جعل حيثية ذلك العبودية له سبحانه، فقال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 1] فلما ضاقتْ به حفاوة الأرض في الطائف أراد ربه أنْ يُريَهُ حفاوة السماء به، فالصفة التي رفعتْ محمداً إلى هذه المنزلة هي صفة إخلاصه في العبودية لربه. ومعنى {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] المسُّ: هو الالتقاء الهيِّن الخفيف، يعني هو دون اللمس، قالوا: لأنه مرض مرضاً شديداً أثَّر في إهابه، فكان الشيطان يحوم حوله بخواطر السوء يقول له: كيف يفعل الله بك هذا وأنت رسول، كيف يتركك هكذا دون أنْ يشفيك. وهكذا اجتمع على سيدنا أيوب ألم الجلد وعذابه الجسدي، وهواجس الشيطان في خواطره النفسية، لذلك قال: {بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] ونُصْب بالضم مثل نَصَب بالفتح والنَّصَّب التعب، فهي مثل بُخْل وبَخَل، الاثنان بمعنى واحد. وقالوا في مسِّ الشيطان: إن الفعل على الحقيقة لله تعالى، فالله هو الذي يفعل، والشيطان بوسوسته سبب، والله تعالى هو المسبِّب، فمَسُّ الشيطان يعني وسوسته التي شغلتْ خاطر سيدنا أيوب، فكأن الحق سبحانه أراد من أيوب أنْ يتنبه إلى أن هذه الوسوسة ما كان يصح أنْ تمرَّ بخاطره. وسيدنا أيوب لما اجتمع عليه المرض ووسوسة الشيطان ضَعُفَ فتوجَّه إلى ربه يدعوه أنْ يقطعَ عن نفسه وسوسة الشيطان؛ لأنها تحتاج إلى مدافعة، والمدافعة تحتاج إلى قوة، والقوة عنده مرهونة بالمرض، ولذلك دعا الله حتى لا يزدادَ ضعفه بوسوسة الشيطان، فلما دعا الله أجابه: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ ...}.
الصابوني
تفسير : [1] موقف الشريعة من الحيل التحليل اللفظي {بِنُصْبٍ}: النُصْب بضم النون وسكون الصاد بمعنى التعب كالنّصَب. قال الفراء: هما كالرُشْد والرَشد، والحُزْن والحزن معناهما واحد. قال في اللسان: والنَّصْب، والنّصْب والنُّصُب: الداء والبلاء والشر، والنّصَب: الأعياء من العناء. وفي التنزيل: {أية : لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ} تفسير : [الحجر: 48] أي تعب. وقال أبو عبيدة: النُّصْب: الشر والبلاء، والنّصَب: التعب والإعياء. والمراد في الآية: مرضُ أيوب وما كان يقاسيه من أنواع البلاء في جسده. {ٱرْكُضْ}: الركض: الدفع بالرجل، يقال: ركض الدابةَ إذا ضربها برجله لتعدو، وقال المبرّد: الركض التحريك والضرب، ولهذا قال الأصمعي: يقال رُكِضَت الدابةُ، ولا يقال: ركَضَت هي، لأن الركض إنما هو تحريك راكبها رجليه ولا فعل لها في ذلك. والمراد في الآية: اضرب الأرض برجلك ينبع الماء فتغتسل وتشرب منه. {مُغْتَسَلٌ}: المغتسل الماء الذي يُغتسل به، وقيل: الموضع الذي يغتسل فيه، والصحيح الأول. {ضِغْثاً}: الضّغْث في أصل اللغة: الشيء المختلط ومنه (أضغاث أحلام) للرؤيا المختلطة. قال في اللسان: الضغث: قبضة من قضبان مختلفة يجمعها أصل واحد مثل الأسَل والكرّاث قال الشاعر: شعر : كأنّه إذْ تدلّى ضِغْث كُرّاث تفسير : وقيل: هي الحزمة من الحشيش، مختلطة الرطب باليابس. وقال ابن عباس: هو عُشْكال النخل الجامع بشماريخه. أي عنقود النخل المتفرّع الأغصان. والمعنى: أمره الله أن يأخذ حزمة من العيدان فيها مائة عود، ويضربها بها ضربة واحدة، ليبرّ في يمينه ولا يحنث فيها. {تَحْنَثْ}: الحنثُ: الخُلْف في اليمين، يقال: حنث في يمينه، يحنث إذا لم يبرّ بها. قال في اللسان: الحنث في اليمين: نقضُها والنكثُ فيها، وهو من الحِنْث بمعنى الإثم وفي الحديث: "حديث : اليمين حنْثٌ أو مندمة" تفسير : ومعناه: إمّا أن يندم على ما حلف عليه، أو يحنث فتلزمه الكفارة. والحنْث: الذنب العظيم، وفي التنزيل العزيز: {أية : وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الواقعة: 46]. {أَوَّابٌ}: الأوْب: الرجوع، والأوّاب: التّوَّاب، الرجّاع، الذي يرجع إلى التوبة والطاعة، ويرجع إلى الله في جميع أموره، وهي من صيغ المبالغة مثل (ظلاّم) و(قتّال). المعنى الإجمالي اذكر يا محمد لقومك قصة عبدنا (أيوب) إذ نادى ربه مستغيثاً به، ضارعاً إليه، فيما نزل به من البلاء، راجياً أن يكشف الله عنه الضر حيث قال: ربّ إني أُصبتُ ببلاء وشدّة، وتعب وضنى، وأنت أرحم الراحمين ورب المستضعفين... فاستجاب الله الحليم الكريم دعاءه، وكشف عنه شدته، فأذهب عنه الآلام والأسقام، وأمره أن يضرب برجله الأرض، حتى تنبع له عين ماء يكون فيها شفاؤه، وقلنا له: هذا مغتسل بارد وشراب، تغتسل منه وتشرب فتشفى بإذن الله، فلما ضرب الأرض نبعت له عين ماء، فاغتسل منها فذهب الداء من ظاهره، ثم شرب منها فذهب الداء من باطنه، فعادت إليه الحياة الطبيعية التي كان يعيشها، وشعر بأهله وأولاده، ونعم بأسرته التي كانت بالنسبة إليه كالمفقودة، ومتّعه الله بصحته وقواه حتى كثر نسله وتضاعف عدد أولاده، ورزقه من الأموال فضلاً منه ونعمة، وإكراماً لعبده الصابر الطائع، وتذكيراً لعباد الله بفضل الله وإكرامه لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب - وهو أفضل أهل زمانه - وطّنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا ومصائبها، واللجوء إلى الله عز وجلّ فيما يحيق بهم كما لجأ أيوب ليفعل الله بهم ما فعل به من حسن العاقبة، وعظيم الإكرام. وما كان الله - جلت حكمته - ليكرمه ويدع زوجه التي أحسنت إليه، وأعانته في بلائه ومحنته، وكان قد حلف لأمر فعلته ليضربنها مائة جلدة، فجزاها الله بحسن صبرها أن أفتاه في ضربها تسهيلاً عليه وعليها فأمره أن يجمع لها (مائة عود) ويضربها ضربة واحدة، لا يحنث في يمينه. ثم شهد الله تعالى لأيوب عليه السلام شهادة تبقى على مر الأزمان، مظهرة أنه كان في بلائه صابراً، لا تحمله الشدة على الخروج عن طاعة ربه، والدخول في معصيته، فكان من خيرة خلق الله وعبّاده، مقبلاً على طاعته، رجَّاعاً إلى رضاه، فلم يكن دعاؤه عن تذمر وشكوى، وإنما كان لجؤاً إلى الله العليّ القدير الذي بيده مقاليد السمٰوات والأرض. الغرض من ذكر القصة المقصود من ذكر قصة (أيوب) عليه السلام، وما قبلها من قصص الأنبياء الاعتبار بما يقع في هذه الحياة، كأنّ الله تعالى يقول: يا محمد، إصبر على سفاهة قومك، وشدتهم في معاملتك، ومقابلة دعوتك بالصدود والإعراض، فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالاً وجاهاً من (داود) و(سليمان) - عليهما السلام - وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب - عليه السلام - فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أنّ أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وأن العاقل لا بدّ له من الصبر على المكاره. وجوه القراءات أولاً: قوله تعالى: {أَنِّي مَسَّنِيَ} قرأ الجمهور بفتح همزة (أنّي) وقرأ عيسى بن عمر (إنّي) بكسرها على تقدير: قال إني. ثانياً: قوله تعالى: {بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} قرأ الجمهور (بنُصْبٍ) بضم النون وسكون الصاد، وقرأ الحسن (بنَصَبٍ) بفتح النون والصاد. وقرأت عائشة ومجاهد (بنُصُب) بضمهما. وقرأ بعضهم (بنَصْب) بفتح النون وسكون الصاد، ونسبها جماعة إلى أبي جعفر. قال الطبري: "والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراءة الأمصار وذلك الضم في النون والسكون في الصاد". وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ} عطف على قوله {أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ}تفسير : [صۤ: 17] من عطف جملة على جملة. و(أيوب) عطف بيان، أو بدل من (عبدنا) بدل كل من كل. ثانياً: قوله تعالى: {أية : أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} تفسير : [الأنبياء: 83] منصوب بنزع الخافض أي (بأني مسَّني) حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه، ولو لم يحك قوله لقال: بأنه مسّه، لأنه غائب. ثالثاً: قوله تعالى: {رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ} رحمة مفعول لأجله، ومثلها {وَذِكْرَىٰ} أي لرحمتنا إيّاه وليتذكّر أرباب العقول بما يحصل للصابر من الفضل والأجر. رابعاً: قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً} عطف على {ٱرْكُضْ} أو على {وَهَبْنَا} بتقدير قلنا خذ بيدك ضغثاً. قال الألوسي: "والأول أقرب لفظاً، وهو أنسب معنى، فإنَّ الحاجة إلى هذا الأمر لا تكون إلا بعد الصحة واعتدال الوقت". لطائف التفسير اللطيفة الأولى: في قصة أيوب عليه السلام كان قد حصل له نوعان من البلاء: (المشقة الشديدة) بسبب زوال النعم والخيرات، وحصول المكروه و(الألم الشديد) في الجسم، ولما كان كل منهما قد لحق به وأصابه الضرُّ بسببه، أحدهما مادي، والآخر جسدي، ذكر الله تعالى في الآية الكريمة لفظين (النُّصْب) و(العذاب) ليقابل بذلك الضر الذي أصابه، فالنُّصْب الضرُّ في الجسد، والعذاب البلاء في الأهل والمال. اللطيفة الثانية: وصف الله تعالى نبيّه (أيوب) عليه السلام بالصبر، وأثنى عليه بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِراً} مع أن أيوّب كان قد اشتكى إلى ربه من الضر الذي أصابه فقال: {أية : مَسَّنِيَ ٱلضُّرّ} تفسير : في سورة الأنبياء [83]، وقال هنا: {مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} فدلّ ذلك على أنّ الشكوى إلى الله تعالى لا تنافي الصبر، وقد قال يعقوب عليه السلام: {أية : إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [يوسف: 86] ولهذا مدحه الله بقوله: {نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} ولو كانت الشكوى إلى الله تعالى تنافي الصبر لما استحق هذا الثناء. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ} أسند الضُرَّ الذي أصابه في جسمه وأهله، وماله، إلى الشيطان أدباً مع الله تعالى، مع أن الفاعل الحقيقي هو الله رب العالمين، فالخيرُ والشرُ، والنفع والضُّر، بيد الله جلَّ وعلا. ولكن لا ينسب الشر إلى الله وإنما ينسب إلى النفس أو الشيطان، ولهذا راعى عليه السلام الأدب في ذلك فنسبه إلى الشيطان، وهو على حدّ قول إبراهيم عليه السلام: {أية : وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} تفسير : [الشعراء: 79-80] حيث نسب الإطعام إلى الله ونسب المرضَ إلى نفسه أدباً. قال الزمخشري: "لمّا كانت وسوسته إليه، وطاعته له فيما وسوس، سبباً فيما مسّه الله به من النّصب والعذاب نسبه إليه، وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو". اللطيفة الرابعة: سئل سفيان عن عبدين، ابتلى أحدهما فصبر، وأُنْعم على الآخر فشكر، فقال: كلاهما سواء، لأن الله تعالى أثنى على عبدين: أحدهما صابر، والآخر شاكر ثناءً واحداً فقال في وصف أيوب {نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} وقال في وصف سليمان {أية : نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} تفسير : [صۤ: 30]. وفضّل بعض العلماء: الغنيّ الشاكر، على الفقير الصابر، لأن الغنَى ابتلاء وفتنة، والشاكرُ من عباد الله قليل {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}تفسير : [سبأ: 13] بخلاف الصابر فإنه كثير والمسألة فيها نظر. اللطيفة الخامسة: يضرب المثل بصبر أيوب عليه السلام فيقال: (صبرٌ كصبر أيوب) وقد صبر على البلاء في جسمه، وأهله، وولده مدة ثمان عشرة سنة على الراجح من الأقوال، ويروى أن زوجه لما طلبت منه أن يدعو الله أن يشفيه سألها: كم مكثنا في الرخاء؟ قالت سبعين عاماً، فقال لها: ويحك كنّا في النعيم سبعين عاماً، فاصبري حتى نكون في الضُرّ سبعين عاماً. ويروى أنه قال لها: إني لأستحيي من الله أن أسأله أن يشفيني وما قضيتُ في بلائي ما قضيتُه في رخائي!! ولهذا يضرب به المثل في الصبر. اللطيفة السادسة: روى البخاري والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بينما أيوب يغتسل عرياناً خرّ عليه رِجْلُ جرادٍ من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فناداه ربه يا أيوب: ألم أكن أغنيتك عمّا ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك ". تفسير : قال بعض العلماء: حين صبر أيوب أكرمه الله بالمال الوفير، والأجر الجزيل، وعوّضَه عن الأهل والولد، بضعفهم وبارك فيهم كما قال تعالى: {أية : فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ} تفسير : [الأنبياء: 84]. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هو سبب حلف أيوب عليه السلام بضرب أهله؟ دلّ ظاهر قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} على أن أيوب عليه السلام كان قد صدر منه يمين على ضرب أهله، ويقول المفسّرون إنه حلف لئن شفاه الله ليجلدنّ زوجته مائة جلدة، فأمره الله أن يأخذ قبضة من حشيش، أو حزمة من الخلال والعيدان، فيضرب بها ليبرّ بيمينه ولا يحنث، ولم تذكر الآية سبب هذا الحلف، وقد ذكر بعض المفسرين كلاماً طويلاً في سبب هذا اليمين، فقيل: إن امرأة أيوب كانت تخدمه وضجرت من طول مرضه، فتمثّل لها الشيطان بصورة طبيب، وجلس في طريقها فقالت له: يا عبد الله إنّ هٰهنا إنساناً مبتلى، فهل لك أن تداويه؟ قال: نعم إن شاء شفيته، على أن يقول إذا برأ: أنتَ شفيتني، فجاءت إلى أيوب فأخبرته فقال: ذاك الشيطان، لله عليّ إن شفاني الله أن أجلدك مائة جلدة. وزعم بعضهم أن إبليس لقي زوجة أيوب فقال لها: أنا الذي فعلتُ بأيوب ما فعلت، وأنا إلٰه الأرض، ولو سجدت لي سجدة واحدة لرددت عليه أهله وماله، فجاءت فأخبرت أيوب فأقسم أن يضربها إن عافاه الله. وكتابُ الله تعالى لم يأت فيه تفصيل للقصة، ولهذا انطلقت الخيالات تنسج قصصاً في سبب بلائه وفي سبب حلفه على زوجه، منها ما هو باطل لا يصح اعتقاده ومنها ما هو ضعيف واهن. يقول أبو بكر ابن العربي: "ما ذكره المفسّرون من أنّ إبليس كان له مكان في السماء السابعة، وأنه طلب من ربه أن يسلّطه على أيوب فقال له: قد سلّطتك على أهله وماله.. إلخ إن هذا قول باطل، لأن إبليس أهبط منها بلعنة الله وسخطه، فكيف يرقى إلى محل الرضا، ويجول في مقامات الأنبياء، ويخترق السمٰوات العلى!! إنَّ هذا لخطب من الجهالة عظيم. وأما قولهم: إن الله تعالى قال له: هل قدرت من عبدي أيوب على شيء؟ فباطل قطعاً، لأن الله عز وجلّ لا يكلِّم الكفار الذين هم من جند إبليس اللعين، فكيف يكلّم من تولّى إضلالهم؟! وأما قولهم: إن الله قال قد سلطتك على ماله وولده، فذلك ممكن في القدرة، ولكنه بعيد في هذه القصة، وكذلك قولهم: إنه نفخ في جسده حين سلّطه عليه فهو أبعد، والباري سبحانه قادر على أن يخلق ذلك كله من غير أن يكون للشيطان كسب فيه حتى تقر له - لعنةُ الله عليه - عينٌ بالتمكن من الأنبياء في أموالهم، وأهليهم، وأنفسهم. وأما قولهم: إنه قال لزوجته أنا إلٰه الأرض، ولو تركت ذكر الله وسجدت لي لعافيته.. فاعلموا أنه لو عَرَض لأحدكم وبه ألم وقال هذا الكلام، ما جاز عنده أن يكون إلٰهاً في الأرض، وأنه يسجد له، وأنه يعافى من البلاء، فكيف أن تستريب زوجة نبي؟ ولو كانت زوجة سوادي أو فَدْم بربريّ ما ساغ ذلك عندها". ثم قال: "ولم يصّح عن أيوب في أمره إلاّ ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين: الأولى قوله تعالى: {أية : وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}تفسير : [الأنبياء: 83] والثانية في صۤ: {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصحّ عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: "حديث : بينا أيوب يغتسل إذ خرّ عليه رِجْلٌ من جرادٍ من ذهب" تفسير : الحديث وقد تقدم. وإذا لم يصح عنه فيه قرآن ولا سنة إلاّ ما ذكرناه، فمن الذي يوصل السامعَ إلى أيوب خبره، أم على أي لسان سمعه؟ والإسرائيلياتُ مرفوضة عند العلماء على البتات، فأعرضْ عن سطورها بصرك، وأصمم عن سمعها أُذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خَيالاً، ولا تزيد فؤادك إلاّ خبالاً". أقول: "ليس بلازم في ثبوت صبر أيوب اعتقاد أمثال هذه القصص الإسرائيلية، التي حشا بها بعض المفسّرين كتبهم، ولا أمثال هذه الغرائب التي لا يصح سندها ولا نسبتها إلى الأنبياء الكرام لأنها تنافي "العصمة" ولا تتفق من المناصب الرفيعة للأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم، ويكفي أن نقتصر على ما ذكره الله تعالى في كتابه، ونعرض عن مثل هذه الخرافات والأباطيل، كزعم بعضهم أنّ أيوب تساقط لحمه من شدة المرض، وأصبح الدود يخرج من جسمه حتى استقذره القريب والبعيد، وملّه الصديق والغريب ولم يصبر عليه إلا امرأته، وأنه عظم بلاؤه حتى أخرج من بيته وألقي على كُناسة (مزبلة)... إلى آخر ما هنالك من حكايات مكذوبة وقصص إسرائيلية تلقّفها بعض القُصّاص، ودخلت إلى بعض كتب التفسير وهي مما تنافي (عصمة الأنبياء). والذي ينبغي أن يقتصر عليه المسلم أنّ ما أصاب (أيوب) من ضر إنما كان مرضاً من الأمراض المستعصية، التي ينوء بحملها الناس عادة، ويضجرون من ثقلها، وخصوصاً إذا امتد الزمن بها، وأن هذا المرض لم يصل إلى حدّ الاستقذار والنفرة، وأنه غضب على زوجه لأمرٍ من الأمور فحلف أن يضربها مائة جلدة، فجعل الله له من أمره فرجاً ومخرجاً، وسهّل عليه الأمر فجمع لها (مائة عود) فضربها بها ضربة واحدة ولم يحنث في يمينه، وكشف الله عنه ضُرّه وبلاءه. الحكم الثاني: هل يباح للرجل ضرب امرأته تأديباً؟ استدل بعض العلماء بالآية الكريمة على جواز ضرب الرجل امرأته تأديباً، وذلك لأن امرأة أيوب أخطأت في حق زوجها فحلف ليضربنّها مائة جلدة، فأمره الله تعالى أن يضربها بعثكول من عثاكيل النخل أو بحزمةٍ من العيدان، وذلك ليبرّ في يمينه ولا يحنث، ولو كان الضرب غير جائز لما أقرَّه القرآن عليه ودلّه على ما هو أرحم. وفي الآية إشارة إلى أنه لا يجوز ضرب المرأة فوق حدود الأدب، ولهذا قال عليه السلام في حجة الوداع: "حديث : واضربوهنّ ضرباً غير مبرِّح"تفسير : ، والجوازُ لا ينافي الكراهة فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا تضربوا إماء الله"تفسير : فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذأرن النساء على أزواجهن، فرخّص في ضربهن، فأطاف بآل النبي صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد طاف بآل محمد نساء يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم ". تفسير : قال الجصاص: "والذي ذكره الله في القرآن وأباحه من ضرب النساء إذا كانت ناشزاً بقوله: {أية : وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ..} تفسير : [النساء: 34] إلى قوله: {أية : وَٱضْرِبُوهُنَّ} تفسير : [النساء: 34] وقد دلت قصة أيوب على أن له ضربها تأديباً لغير نشوز وقوله تعالى: {أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 34] فما روي من القصة فيه يدل على مثل دلالة قصة أيوب، لأنه روي أن رجلاً لطم امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أهلها القصاص فأنزل الله: {أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 34]. الحكم الثالث: هل الحكم خاص بأيوب أم هو عام لجميع الناس؟ اختلف العلماء في هذا الحكم الذي أرشد الله تعالى إليه نبيّه (أيوب) عليه السلام هل هو خاص به أم عام لجميع الناس؟ فذهب (مجاهد) إلى أنه خاص بأيوب عليه السلام، وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو مذهب (مالك، وأحمد بن حنبل) رحمهما الله تعالى. وذهب عطاء بن أبي رباح: وابن أبي ليلى إلى أن الحكم عام، وأنّ هذه الرخصة لجميع الناس فضلاً من الله تعالى وكرماً، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى. الحكم الرابع: هل يشترط في الضرب أن يكون مفرّقاً؟ وبناءً على ما سبق فقد اختلف الفقهاء فيمن حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط، فجمعها كلَّها وضربه بها ضربة واحدة، هل يكفي ذلك أم لا بدّ في الضرب أن يكون مفرقاً؟ فقال مالك وأحمد: لا يبرّ بيمينه حتى يفرّق الضرب. وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا أصابه واحد منها فقد برّ في يمينه ولا يشترط التفريق. حجة المذهب الأول: 1 - إن هذا الأمر خاص بأيوب وزوجه لأن الله تعالى قال: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} تفسير : [المائدة: 48] ولأن زوجة أيوب لم تفعل أمراً تستحق معه جلد مائة، فجعل الله سبحانه لأيوب فرجاً ومخرجاً بذلك. 2 - ولأنه إذ أقسم بالضرب إنما أراد الإيلام، وليس في الضرب بالجميع إيلام. 3 - الأيمان مبناها على النية، فإن لم توجد فعلى اللغة والعرف، واللغة لا تجعل الضارب مرة بسوط ذي شعب ضارباً مرات بعدد الشعب، وكذا العرف فوجب أن تجري على ما هو الحكم عندنا بموجب العرف واللغة. حجة المذهب الثاني: 1 - عموم قصة أيوب عليه السلام، وشرعُ من قبلنا شرع لنا ما لم يأت ناسخ، وقد جاء في الشرع ما يؤيدها، ولم يثبت الناسخ. 2 - واستدلوا بحديث أبي أمامة عن بعض الصحابة من الأنصار: أنه اشتكى رجل منهم فعاد جلدةً على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهشَّ لها، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال من قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكروا له ذلك، وقالوا: ما رأينا بأحد من الضر مثل ما به، ولو حملناه لك لتفسَّخت عظامه، ما هو إلا جلدٌ على عظم. فأمر صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربونه بها ضربة واحدة. ودلالة الآية ظاهرة على صحة هذا القول. وذلك لأن فاعل ذلك يسمى ضارباً لما شرط من العدد، وذلك يقتضي البر في يمينه. 3 - وقالوا: إن القرآن حكم بأنه لا يحنث بفعله لقوله تعالى: {فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ}. ولكن يجب أن لا يطبق ذلك في الحدود إلا مقيداً بما ورد الحديث به، فيكون ذلك حد المريض الذي وصل من المرض إلى الحد الذي وصف في الحديث الشريف. الحكم الخامس: هل تجوز الحيلة في الشريعة الإسلامية؟ 3 - قال الجصاص: في تفسيره "أحكام القرآن": (وفي الآية دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى ما يجوز فعله، ودفع المكروه بها عن نفسه وعن غيره لأن الله تعالى أمره بضربها بالضغث ليخرج به من اليمين ولا يصل إليها كثير ضرر). أقول: هذا هو الحد المقبول من الحيل الشرعية التي توصل إلى ما يجوز فعله وتدفع المكروه عن نفسه وغيره. أما الحيل التي يتوصل بها إلى الهرب من فرائض الله، والتخلص مما أوجبه الله على الإنسان، فهذه لا يقبلها ذو قلب سليم ولا يقرها مسلم عاقل، لأنَّ فرائض الله إنما فرضت لتؤدَّى، والواجبات إنما شرعت لتقام على وجه الأرض، لا لتكون طريقاً للتلاعب في أحكام الله. وقد استدل بعض العلماء على جواز الحيلة مطلقاً بهذه الآية. وبقول الله تعالى في قصة يوسف: {أية : فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} تفسير : [يوسف: 70]، وليس الأمر كما زعموا فإن ذلك كان بإذن الله ليظهر فضله على سائر إخوته بدليل قوله تعالى: {أية : كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [يوسف: 76]. قال الألوسي: "وعندي أنَّ كل حيلة أوجبت إبطال حكمة شرعية لا تقبل كحيلة (سقوط الزكاة) وحيلة (سقوط الاستبراء) وهذا كالتوسط في المسألة فإن من العلماء من يجوِّزُ الحيلة مطلقاً ومنهم من لا يجوِّزها مطلقاً". الحكم السادس: هل أفعال الإلٰه جلّ وعلا تابعة للمصالح؟ قال الإمام الفخر رحمه الله: (وفي قصة أيوب عليه السلام دلالة على أن أفعال ذي الجلال والإكرام منزهة عن التعليل بالمصالح والمفاسد {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 23]. وذلك لأن أيوب لم يقترف ذنباً حتى يكون ابتلاؤه في مقابلة ذلك الجرم، وإن كان البلاء ليجزل له الثواب، فإن الله تعالى قادر على إيصال كل خير ومنفعة إليه من غير توسط تلك الآلام والأسقام، وحينئذٍ لا يبقى في تلك الأمراض والآفات فائدة. وهذه كلمات ظاهرية جلية والحق الصريح أنه لا يُسأل عما يفعل). الحكم السابع: هل البرّ في اليمين أفضل أم الكفارة عن اليمين؟ في الآية الكريمة دليل على أن البر باليمين ما لم يكن في إثم أفضل من الكفارة. وقد قال ابن تيمية - رحمه الله - إن الكفارة لم تكن مشروعة في زمنه وإلا لأمره الله تعالى بها... وذكره ابن العربي قبله. قال القرطبي: قوله إنه لم يكن في شرعهم كفارة، ليس بصحيح، فإن أيوب عليه السلام لما بقي في البلاء ثمان عشرة سنة - كما في حديث ابن شهاب - قال له صاحباه: لقد أذنبتَ ذنباً ما أظن أحداً بلغه. فقال أيوب صلى الله عليه وسلم: ما أدري ما تقولان، غير أن ربي عز وجلّ يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان فكلٌّ يحلف بالله، أو على النفر يتزاعمون فأنقلب إلى أهلي فأكفِّر عن أيمانهم إرادة أن لا يأثم أحد يذكره، ولا يذكره إلا بحق فنادى ربه:{أية : أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 83].. وذكر الحديث. فقد أفادك هذا الحديث أن الكفارة كانت من شرع أيوب، وأن من كفّر عن غيره بغير إذنه فقد قام بالواجب عنه وسقطت عنه الكفارة. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: إبتلاء الله تعالى لنبيّه أيوب عليه السلام كان امتحاناً لإيمانه، ورفعاً لمقامه. ثانياً: الإنسان يُبتلى في هذه الحياة على قدر إيمانه، ولهذا كان الأنبياء أعظم الناس ابتلاءً. ثالثاً: التضرع إلى الله والشكوى إليه سبحانه لا ينافي مقام الصبر الممدوح. رابعاً: كما يبتلي الله سبحانه بالفقر يبتلي بالغنى، والمؤمن من يشكر الله في السراء والضراء. خامساً: إذا اتقى الإنسان ربه جعل الله له من أمره فرجاً ومخرجاً، كما صنع بأيوب عليه السلام. سادساً: زوجة أيوب جازاها الله بحسن صبرها، فأفتاه في ضربها بمائة عود جملة واحدة. سابعاً: اتخاذ الحيلة جائز إذا لم يكن فيها إبطال حق أو هدم أمرٍ من أمور الشرع الحنيف. ثامناً: على الإنسان أن يبرّ في يمينه أو يكفر عنها إذا كان ثمة مصلحة وكان الحنث أفضل من البر. حكمة التشريع لقد نزل الإسلام بتشريعاته وتعالميه ليحكم المجتمع البشري في كل ظروفه وأحواله، فلهذا أعطى لكل أمر حكماً، وراعى المصالح في أحكامه وتشريعاته كما راعى اختلاف الطباع الإنسانية، فعندما أجاز الشارع ضرب المرء زوجه إنما أجازه أولاً وقبل كل شيء في حدود، وأن لا يكون الضرب مبرِّحاً، ولا يتعدى حدود التأديب والتهذيب، ومع ذلك فقد اعتبر ضرب الأزواج غير ممدوح فاعله، وتبدو حكمة الترخيص بالضرب جلية في نساء مخصوصات تعوَّدن عليه، ونشأن في ظلاله، فلم يعد من الممكن تأديبهن إلا بهذه الطريق فأجازها الشارع لذلك. يقول شهيد الإسلام سيد قطب في كتابه "الظلال" ما نصه: "وقصة ابتلاء أيوب وصبره ذائعة مشهورة، وهي تضرب مثلاً للابتلاء والصبر ولكنها مشوبة بإسرائيليات تطغى عليها، والحد المأمون في هذه القصَّة هو أن أيوب عليه السلام كان كما جاء في القرآن عبداً صالحاً أوّاباً، وقد ابتلاه الله فصبر صبراً جميلاً، ويبدو أن ابتلاءه كان بذهاب المال والأهل والصحة جميعاً ولكنه ظل على صلته بربه، وثقته به، ورضاه بما قسم له. وكان الشيطان يوسوس لخلصائه القلائل الذين بقوا على وفائهم له، ومنهم زوجته بأنَّ اللَّهَ لو كان يحب أيوب ما ابتلاه، وكانوا يحدِّثونه بهذا فيؤذيه في نفسه أشد ما يؤذيه الضر والبلاء. فلما حدثته امرأته ببعض هذه الوسوسة حلف لئن شفاه الله ليضربنها عدداً عيَّنه، قيل مائة. وعندئذ توجه إلى ربه بالشكوى مما يلقى من إيذاء الشيطان، ومداخله إلى نفوس خلصائه، ووقع هذا الإيذاء في نفسه: {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}. فلما عرف ربُّه منه صدقه وصبره، ونفوره من محاولات الشيطان وتأذيه بها، أدركه برحمته، وأنهى ابتلاءه، ورد عليه عافيته إذ أمره أن يضرب الأرض بقدمه فتتفجر عين باردة يغتسل منها ويشرب فيشفى ويبرأ {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}. ويقول القرآن الكريم: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَٰبِ}. وتقول بعض الروايات: إن الله أحيا له أبناءه، ووهب له مثلهم، وليس في النص ما يحتِّم أنه أحيا له من مات، وقد يكون معناه أنه بعودته إلى الصحة والعافية قد استرد أهله الذين كانوا بالنسبة إليه كالمفقودين، وأنه رزقه بغيرهم زيادة في الإنعام والرحمة والرعاية مما يصلح ذكرى لذوي العقول والإدراك. والمهم في معرض القصص هنا هو تصوير رحمة الله وفضله على عباده الذين يبتليهم فيصبرون على بلائه، وترضى نفوسهم بقضائه. فأما قسمه ليضربن زوجه، فرحمة من الله، وبزوجه التي قامت على رعايته، وصبرت على بلائه وبلائها به، أمره الله أن يأخذ مجموعة من العيدان بالعدد الذي حدده فيضربها به ضربة واحدة تجزئ عن يمينه فلا يحنث فيها: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ}. هذا التيسير وذلك الإنعام، كانا جزاء على ما علمه الله من عبده أيوب من الصبر على البلاء وحسن الطاعة والالتجاء {إِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ} معناه ببلاءٍ وشرٍ في جَسدي {وَعَذَابٍ} في بَدني!.
الجيلاني
تفسير : {وَٱذْكُرْ} يا أكمل الرسل {عَبْدَنَآ أَيُّوبَ} هو ابن عيص بن اسحاق، وامرأته ليّا بنت يعقوب، أضافه سبحانه إلى نفسه لكمال رضاه منه ولطفه معه؛ حيث صبر على ما مضى عليه من بلائه وجرى عليه من قضائه، كما شكر على آلائه ونعمائه، ولم ينقص من إخلاصه جالتي السراء والضراء. اذكر يا أكمل الرسل كمال تصبر أخيك أيوب، وإخلاصه في توجهه إلينا للمتذكرين المعتبرين من أمتك؛ كي يتذكروا من قصته، ويتخلقوا بشيء من تصبره وتمكنه في مقر التفويض والتسليم {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} الذي رباه بين الخوف والرجاء وأنواع العناء والعطاء؛ لكمال اصطباره ووقاره بما جرى عليه من مقتضيات ربه، قائلاً حين اضطراره إلى الالتجاء نحو ربه والتضرع إليه: {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] أي: نفخ فيَّ، وأحاط نفخه جميع أجزاء بدني؛ بحيث لم يبقَ فيَّ عضو لم يلحقه ضرر من شؤم نفخه، وعذاب شديد مؤلم مزعج، فاضطرني هجوم الأعداء والعناء وتزول أنواع المحن والبلاء إلى بث الشكوى نحوك يا مولاي، فأنا عبدك، وعلى عهدك ما استطعت، ما توفيقي إلا بك وثقتي إلا عليك، فارحمني بسعة رحمتك؛ إذ لا راحم سواك ولا مغيث غيرك. وبعدما استغاث إلينا مخلصاً مضطراً راجياً من الإجابة والقبول، أدركته العناية، وشملته الرحمة والكرامة من لدنَّا، حيث قلنا له ملهمين أياه، مستقبلين إجابته: {ٱرْكُضْ} واضرب {بِرِجْلِكَ} على الأرض، فركض امتثالاً للأمر الوجوبي فنبعت عين جارية، ثم قلنا له تعليماً وتنبيهاً: {هَـٰذَا} الماء {مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ} يبرد ويبرأ ظاهر جسدك من الحرارات العارضة لبدنك من شؤم نفس عدوك الذي خلق من عنصر النار {وَشَرَابٌ} [ص: 42] شافٍ لباطنك من الذي أعرض عليك من انحراف مزاجك بسبب خروج أخلاطك عن الاعتدال الفطري بشؤوم نفخه. وبعدما سمع أيوب ما سمع اغتسل منه، فشرب وبرأ من المرض ظاهراً وباطناً {وَ} بعدما حصل له الصحة والنظافة منَّا إياه، سقط نحونا ساجداً حامداً شاكراً، مناجياً معنا، مخلصاً متضرعاً {وَهَبْنَا لَهُ} تتميماً لكمال لطفنا وعنايتنا معه {أَهْلَهُ} أي: جميع من مات من أولاده بسقوط السقف عليهم {وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} أي: وهبنا له إحساناً عليه وامتناناً منَّا مثل أهله مع أهله، وإنما فعلنا معه ذلك بعدما ابتليناه واخبترناه؛ ليكون {رَحْمَةً مِّنَّا} إياه {وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [ص: 43] الذين يتذكرون بقصته، ويتخلقون بأخلاقه؛ ليفوزوا بما فاز. وبعدما صححناه من الأسقام ووهبنا له أهله وماله، وزدنا عليه مثله تفضلاً منَّا إياه، أمرناه ثانياً تعليماً له بأن يتدارك قسمه وحلفه الذي حلف في مرضه، حين ذهبت امرأته ليا أو رحمة بنت إفرائيم بن يوسف لحاجة، فأبطأت، فحلف: إن برئت عن مرضي لأضربنك مائة جلدة. {وَ} قلنا له تعليماً: {خُذْ بِيَدِكَ} لحلفط {ضِغْثاً} حزمة مشتملة على مائة من إغصان صغار، فاضرب به - أي: بالضغث - امرأتك بحيث وصل أثر جميع ما في الحزمة من الأغصان إليها {فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} حينئذ في حلفك، فحللنا يمينك بها، عناية منَّا لك ولأمرأتك، فصارت رخصة باقية في حدود الشرائع إلى الآن. وكيف لا نزيل شكواه، ولا نحسن إليه، ولا نجزيه أحسن الجزاء؟ {إِنَّا وَجَدْنَاهُ} عبداً {صَابِراً} لجميع ما هجم عليه من أنواع البلاء المتعلقة بماله وأولاده وبدنه {نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ} عبدنا أيوب الصبور المسلِّم المفوض بلا جزع وتزعزع، فكيف يجزع ويتزعزع {إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44] رجَّاع الينا، متشمر نحونا في عموم أوقاته وحالاته، طلباً للفناء فينا والبقاء ببقائنا. روي أن أيوب عليه السلام كان متمولاً منعماً عظيماً، وكان له جميع أنواع متاع الدنيا، ومع ذلك شاكراً راضياً منفقاً في سبيل الله لفقراء الله طلباً لمرضاته، وبعدما بالغ في شكر نعم الله وأداء حقوق كرمه، حسد عليه إبليس فقال مناجياً إلى الله: نظرت في عبدك أيوب فوجدته عبداً أنعمت عليه فشكر لك، ولو ابتليته بالفاقة لم يكن كذلك، فقال سبحانه: "سلطتك يا ملعون علا ماله" فقال: إبليس لعفاريت: أيكم أشد وأقوى على إتلاف ماله؟ فقام أحدهم وتحول إعصاراً من نار فأحرق إبله، وجميع من كان معها من الراعي، وصاح أحدهم منهم على أغنامه ورعاتها فهلكوا بالمرة، وآخر جاء بريح عاصفة على حرثه فنسفت ولم يبقَ منهما شيء. فتمثل إبليس بصورة راعٍ، وآخر من أعوانه بصورة حارث، وأتياه وهو يصلي وقالا: أقبلت نار فغشيت إبلك فأحرقتها ومن معها، وصاح على غنمك شيطان فهلكت بالمرة، وهبت على حرثك ريح فنسفت وصار كأن لم يكن، فقال أيوب: الحمد لله إنها مال الله أعارينها وهو أولى بها، وقد كنت قدماً قد وطنت نفسي ومالي على القضاء. وبعدما آيس إبليس من هذا الطريق قال: إلهي إنك متعته بأولاد فشكر لك لأجلها، فهل أنت مسلطي على أولاده؛ إذ هي من أعظم المصيبات لا يصبر عليها أحد من الناس؟ فقال: "نعم"، فأتاهم اللعين وهم مجتمعون في قصر عند معلم أ>يب، فلم يزل يزلزلها ويحركها حتى أسقطها عليهم فأهلكهم بالمرةن فتمثل اللعين بصورة معلهم فأتاه وهو صريخ جزوع، فقال: لو رأيت بنيك كيف عذبوا، ونكسوا إلىحيث سال دمهم ودماغهم وشقت بطونهم وتناثرت أمعاؤهم، فقال أيوب عليه السلام متأوهاً: ليت أمي لم تلدني، ثم أفاق واستغفر عن ضجرته سريعاً. ورجع خاسئاً وقنط اللعني من هذا أيضاً، وقال: إليه إنما صبر أيوب عليه السلام على إهلاك أمواله وأولاده، ولازم توجهه نحوك؛ لأنك متعته بصحة البدن وسلامة الجسد، وهل أنت مسلطي على جسده؟ قال سبحانه: "سلطتك على غير لسانه وقلبه، فأتاه فوجده ساجداً، فنفخ في منخره نفخة اشتغل منها جسده، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم، فوقعت فيه حكة فلم يزل يحكه حتى قرح جسده وأنتن لحمه، فأخرجه أهل القرية منها، ورفضوه من كان من أرحامه سوى امرأته "رحمة" فتمثل لها إبليس في صورة رجل، فقال لها: أين بعلك؟ هو ذلك يحك قروحه وتردد الديدان في جسده. فلما سمعتها خيلت أنها كلمة جزع صدرت منه، فذكر لها تغريراً ما كان فيه من النعيم ثم أتى بسخلة، فقال لها: ادفعيها إلى أيوب عليه السلام ليذبح لي حتى يبرأ من السقم فجاءت مع السخلة تصرخ يا أيوب إلى متى يعذبك ربك أين الأموالم والأولاد والوجه الحسن؟! اذبح هذه واسترح، فقال أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك، أرأيت ما تبكين عليه من المال والولد الصحة من أعطانيه؟ قالت: الله، قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة، قال: فمنذ كم ابتلينا؟ قالت: سبع سنين وأشهراً، قال: ويلك ما أنصفت لنصبرن في هذا البلاء ثمانين سنة كما لنا في الرخاء، أمَا تستحين من الله؟! أمرتني أن أذبح لعدو الله، لا أذوق شيئاً مما تأتيني به بعد اليوم، اعزلي عني ودعي معي ربي. فلما ذهبت امرأته ورأى أيوب ليسي عنده طعام ولا شراب ولا صديق، اضطر إلى بث الشكوى مع المولى فسقط ساجداً، وقال مناجياً صارخاً ضارعاً: {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] وسمع حنيئذ من الهاتف: ارفع رأسك فقد استجبت لك، فرفع رأسه وأوحي إليه من قبل ربه {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]. {وَٱذْكُرْ} يا أكمل الرسل {عِبَادَنَآ} الذين هم أجدادك وأسلافك {إِبْرَاهِيمَ وَ} ابنه {إِسْحَاقَ وَ} سبطه {يَعْقُوبَ} واذكر من شمائلهم الجميلة وخصائلهم الحميدة؛ ليتعظ من سماعها ذوو الاعتبار من المؤمنين، ويقتدون بمآثرهم؛ لأنهم كانوا {أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ} [ص: 45] أي: ذوي القوة في الطاعة والبصيرة في مراسم الدين ومعالم اليقين، ولهم التمكن في مقر التوحيد، والوصول إلى درجات التجريد والتفريد. ولا بدَّ للذين يلونهم أن يقتدوا بهم، ويسترشدوا من أخلاقهم وآثارهم، ويتصفوا بأوصافهم؛ كي يفوزوا بمعارفهم، وينكشفوا بمكاشفتهم ومشاهدتهم؛ لأنهم قدوة أصحاب التوحيد، وزبدة أرباب الشهود. وكيف لا {إِنَّآ} من مقام عظيم جودنا معهم {أَخْلَصْنَاهُمْ} وجعلناهم مخصوصين {بِخَالِصَةٍ} أي: بخصلة خالصة صافية عن كدر التعلقات الناسوتية، خالية عن شوب مقتضيات القوى الشهوية البشرية، العائقة عن التحقق بمرتبة اللاهوتية ألا وهي {ذِكْرَى ٱلدَّارِ} [ص: 46] الدار الآخرة التي هي مقام التمكن في التوحيد والانكشاف بسرائر الوحدة الذاتية، وسريانها في ملابس الأسماء والصفات المقتضية للتعدد والتكثر. {وَ} بالجملة: {إِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ} المنتخبين لحمل أعباء الرسالة {ٱلأَخْيَارِ} [ص: 47] المنتخبين الصالحين للاتصاف بسرائر التوحيد واليقين؟ أي: أولئك الأنبياء العظام الساعين لطلب الخير في طريق الدين ومرتبة اليقين. {وَٱذْكُرْ} يا أكمل الرسل جدك {إِسْمَاعِيلَ} ابن إبراهيم الخليل، وتذكر تصبره ورجوعه ورسوخه في مقام التفويض والتسليم، راضياً بما جرى عليه من متقضيات ربه، مع أ،ه لم يبلغ الحلم {وَٱلْيَسَعَ} هو ابن أخطوب، استخلفه إلياس النبي على بني إسرائيل، ثم استنبئ {وَذَا ٱلْكِفْلِ} هو ابن عم اليسع المذكور، أو بشر بن أيوب، قيل: إنما لُقب به؛ لأنه فر إليه مائة من بني إسرائيل، فآواهم وكفلهم {وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ} [ص: 48] أي: كل واحد من الأنبياء المذكورين معدود من الأخيار الأبرار، مثبت في حضرة علمنا ولوح قضائنا مع زمرتهم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن رعاية العبودية وعناية الربوبية بقوله تعالى: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]، يشير إلى معانٍ مختلفة: منها: إن من شرط عبودية خواص عبادنا من الأنبياء والأولياء الصبر عند نزول البلاء، والرضاء بجريان أحكام القضاء. ومنها: ليعلم أن الله تعالى لو سلط الشيطان على بعض أنبيائه أو أوليائه لا يكون لإهانتهم؛ بل يكون لعزتهم وإعانتهم على البلوغ إلى رتبة نعم العبدية، ودرجة الصابرين المحبوبين. ومنها: إن العبادات من الأنبياء والأولياء لو لم يكونوا من كنز عصمة الله وحفظه لمستهم الشياطين بنصب وعذاب. ومنها: إن من آداب العبودية إجلال الربوبية وإعظامها عن إحالة الضرر والبلاء والمحن عليها إلا على الشيطان، كما قال يوسف: {أية : مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ}تفسير : [يوسف: 100]، وقال يوشع عليه السلام: {أية : وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَٰنُ}تفسير : [الكهف: 63]، وقال موسى عليه السلام: {أية : هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} تفسير : [القصص: 15]. ومنها: ليعلم ما بلغ مقام الرجال البالغة إلا بالصبر على البلوى، وتفويض الأمور إلى المولى، والرضاء بما يجري عليه في القضاء. وبقوله: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]، يشير إلى أن الله تعالى إذا نظر إلى العبد بنظر الرضاء يبدل مرضه بالشفاء، وشدته بالرخاء، وجفاه بالوفاء، ويخرج من تحت قدميه بركضته ينبوعاً ينبع منها مغتسل العلل، ومشرب أرباب الملك. وبقوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [ص: 43]، يشير إلى كمال القدرة على الإيجاد والإفناء، والإحياء والإماتة، والإعادة إظهاراً للرحمة، وموعظة لأرباب القلوب الحية. وبقوله: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} [ص: 44]، يشير إلى معانٍ مختلفة: منها: إظهاراً لبراءة ساحة المرأة من كل ريبة توهمها في حقها أيوب عليه السلام. ومنها: إن الله تعالى أراد أن يعصم نبيه أيوب عليه السلام عن الذنبين اللازمين أحدهما، إما الظلم، وإما الحنث. ومنها: إنه تعالى أراد ألاَّ يضيع أجر إحسان المرأة مع زوجها، ولا يكافئها بالخير شراً، وتبقى ببركتها هذه الرخصة في الأمم إلى يوم القيامة. وبقوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44]، يشير إلى أن أيوب عليه السلام لم يكن ليجد نفسه صابراً، {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} [ص: 44]؛ أي: جعلناه صابراً، يدل على هذا المعنى قوله تعالى لنبيه عليه السلام: {أية : وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 127]؛ أي: هو الذي صبرك، وإلا لم تكن تصبر، وقوله: {نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ} [ص: 44] يدل على أنه تعالى جعله صابراً؛ لأنه كان نعم العبد، وإنما كان نعم العبد؛ لأنه كان أواباً راجعاً إلى الحضرة في طلب الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَاذْكُرْ } في هذا الكتاب ذي الذكر { عَبْدَنَا أَيُّوبَ } بأحسن الذكر، وأثن عليه بأحسن الثناء، حين أصابه الضر، فصبر على ضره، فلم يشتك لغير ربه، ولا لجأ إلا إليه. فـ { نَادَى رَبَّهُ } داعيا، وإليه لا إلى غيره شاكيا، فقال: رب { أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } أي: بأمر مشق متعب معذب، وكان سلط على جسده فنفخ فيه حتى تقرح، ثم تقيح بعد ذلك واشتد به الأمر، وكذلك هلك أهله وماله. فقيل له: { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ } أي: اضرب الأرض بها، لينبع لك منها عين تغتسل منها وتشرب، فيذهب عنك الضر والأذى، ففعل ذلك، فذهب عنه الضر، وشفاه اللّه تعالى. { وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ } قيل: إن اللّه تعالى أحياهم له { وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } في الدنيا، وأغناه اللّه، وأعطاه مالا عظيما { رَحْمَةً مِنَّا } بعبدنا أيوب، حيث صبر فأثبناه من رحمتنا ثوابا عاجلا وآجلا. { وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ } أي: وليتذكر أولو العقول بحالة أيوب ويعتبروا، فيعلموا أن من صبر على الضر، أن اللّه تعالى يثيبه ثوابا عاجلا وآجلا ويستجيب دعاءه إذا دعاه. { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا } أي حزمة شماريخ { فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ }. قال المفسرون: وكان في مرضه وضره، قد غضب على زوجته في بعض الأمور، فحلف: لئن شفاه اللّه ليضربنها مائة جلدة، فلما شفاه اللّه، وكانت امرأته صالحة محسنة إليه، رحمها اللّه ورحمه، فأفتاه أن يضربها بضغث فيه مائة شمراخ ضربة واحدة، فيبر في يمينه. { إِنَّا وَجَدْنَاهُ } أي: أيوب { صَابِرًا } أي: ابتليناه بالضر العظيم، فصبر لوجه اللّه تعالى. { نِعْمَ الْعَبْدُ } الذي كمل مراتب العبودية، في حال السراء والضراء، والشدة والرخاء. { إِنَّهُ أَوَّابٌ } أي: كثير الرجوع إلى اللّه، في مطالبه الدينية والدنيوية، كثير الذكر لربه والدعاء، والمحبة والتأله.
همام الصنعاني
تفسير : 2601- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ}: [الآية: 41-42]، قال: الضرُّ في الجَسَدِ، وعذاب في المال، قال: فلبث سبع سنين وأشهراً على كناسة لبني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده. 2602- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُيَيْنة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، قال: سمعته يقول: لم يكن أصاب أيوب الجذام ولكن أصابه أشد منه، كان يخرج منه مثل ثدي المرأة ثم يتفقأ. 2603- عبد الرزاق، قال: أنبأنا عمران بن الهذيل قال: سمعت وهب بن منبه يقول: أصاب أيوب البلاء سبع سنين. 2604- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال الحسن، فنادى حين نادى: ربّ {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}: [الآية: 41]، فأوحى الله إليه أن {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}: [الآية: 42]، فركض ركضةً خفيفة، فإذا عَيْنٌ تنبع حتَّى غمرته، فردَّ الله إليه جسده ثم مَضَى قليلاً، ثم قيل له: اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، فركض ركضةً أخرى، فإذا بعين أخرى فشرب منها فَطَهُر جوفه، وغسلت كل قَذَر كان فيه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):