Verse. 4014 (AR)

٣٨ - ص

38 - Sad (AR)

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِّہٖ وَلَا تَحْــنَثْ۝۰ۭ اِنَّا وَجَدْنٰہُ صَابِرًا۝۰ۭ نِعْمَ الْعَبْدُ۝۰ۭ اِنَّہٗۗ اَوَّابٌ۝۴۴
Wakhuth biyadika dighthan faidrib bihi wala tahnath inna wajadnahu sabiran niAAma alAAabdu innahu awwabun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وخذ بيدك ضغثا» هو حزمة من حشيش أو قضبان «فاضرب به» زوجتك وكان قد حلف ليضربها مائة ضربة لإبطائها عليه يوما «ولا تحنث» بترك ضربها فأخذ مائة عود من الإذخر أو غيره فضربها به ضربة واحدة «إنا وجدناه صابرا نعم العبد» أيوب «إنه أوَّاب» رجّاع إلى الله تعالى.

44

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: كان أيوب حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة؛ وفي سبب ذلك أربعة أقوال: أحدها: ما حكاه ابن عباس أن إبليس لقيها في صورة طبيب فدعته لمداواة أيوب؛ فقال أداويه على أنه إذا برىء قال أنت شفيتني، لا أريد جزاء سواه. قالت: نعم! فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنها. وقال: وَيْحَكِ ذلك الشيطان. الثاني: ما حكاه سعيد بن المسيّب، أنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه من الخبز، فخاف خيانتها فحلف ليضربنها. الثالث: ما حكاه يحيـى بن سلاّم وغيره: أن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقرّباً إليه وأنه يبرأ؛ فذكرت ذلك له فحلف ليضربنها إن عوفي مائة. و(الرابع) قيل: باعت ذوائبها برغيفين إذ لم تجد شيئاً تحمله إلى أيوب، وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد القيام، فلهذا حلف ليضربنها، فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثاً فيضرب به، فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها ضربة واحدة. وقيل: الضغث قبضة حشيش مختلطة الرَّطب باليابس. وقال ابن عباس: إنه إثكال النخل الجامع بشماريخه. الثانية: تضمنت هذه الآية جواز ضرب الرجل امرأته تأديباً. وذلك أن امرأة أيوب أخطأت فحلف ليضربنها مائة، فأمره الله تعالى أن يضربها بعثكول من عثاكيل النخل، وهذا لا يجوز في الحدود. إنما أمره الله بذلك لئلا يضرب امرأته فوق حدّ الأدب. وذلك أنه ليس للزوج أن يضرب امرأته فوق حدّ الأدب؛ ولهذا قال عليه السلام: «حديث : واضربوهنّ ضرباً غير مُبرِّح» تفسير : على ما تقدم في «النساء» بيانه. الثالثة: واختلف العلماء في هذا الحكم هل هو عام أو خاص بأيوب وحده؛ فروي عن مجاهد أنه عام للناس. ذكره ابن العربي. وحكي عن القشيري أن ذلك خاص بأيوب. وحكى المهدوي عن عطاء بن أبي رباح أنه ذهب إلى أن ذلك حكم باق، وأنه إذا ضرب بمائة قضيب ونحوه ضربة واحدة بَرَّ. وروى نحوه الشافعي. وروي نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم في المقعد الذي حملت منه الوليدة، وأمر أن يضرب بعثكول فيه مائة شمراخ ضربة واحدة. وقال القشيري: وقيل لعطاء هل يعمل بهذا اليوم؟ فقال: ما أنزل القرآن إلا ليعمل به ويتبع. ابن العربي: وروي عن عطاء أنها لأيوب خاصة. وكذلك روى أبو زيد عن ابن القاسم عن مالك: من حلف ليضربنّ عبده مائة فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبرّ. قال بعض علمائنا: يريد مالك قوله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} تفسير : [المائدة: 48] أي إن ذلك منسوخ بشريعتنا. قال ابن المنذر: وقد روينا عن عليّ أنه جلد الوليد بن عقبة بسوط له طرفان أربعين جلدة. وأنكر مالك هذا وتلا قول الله عز وجل: {أية : فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}تفسير : [النور: 2] وهذا مذهب أصحاب الرأي. وقد احتج الشافعي لقوله بحديث، وقد تُكلِّم في إسناده؛ والله أعلم. قلت: الحديث الذي احتج به الشافعي خرجه أبو داود في سننه قال: حدثنا أحمد بن سعيد الهَمْداني، قال حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حُنَيْف أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار، أنه اشتكى رجل منهم حتى أَضْنَى، فعاد جِلدةً على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال: استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإني قد وقعت على جارية دخلت عليّ. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به؛ لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة. قال الشافعي: إذا حلف ليضربنّ فلاناً مائة جلدة، أو ضرباً ولم يقل ضرباً شديداً ولم ينو ذلك بقلبه يكفيه مثل هذا الضرب المذكور في الآية ولا يحنث. قال ابن المنذر: وإذا حلف الرجل ليضربن عبده مائة فضربه ضرباً خفيفاً فهو بارّ عند الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي. وقال مالك: ليس الضرب إلا الضرب الذي يؤلم. الرابعة: قوله تعالى: {وَلاَ تَحْنَثْ} دليل على أن الاستثناء في اليمين لا يرفع حكماً إذا كان متراخياً. وقد مضى القول فيه في «المائدة» يقال: حنث في يمينه يحنث إذا لم يَبرّ بها. وعند الكوفيين الواو مقحمة أي فاضرب لا تحنث. الخامسة: قال ابن العربي: قوله تعالى: {فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} يدل على أحد وجهين: إما أن يكون أنه لم يكن في شرعهم كفارة، وإنما كان البرّ والحِنث. والثاني أن يكون صدر منه نذر لا يمين، وإذا كان النذر معيَّناً فلا كفارة فيه عند مالك وأبي حنيفة. وقال الشافعي: في كل نذر كفارة. قلت: قوله إنه لم يكن في شرعهم كفارة ليس بصحيح؛ فإن أيوب عليه السلام لما بقي في البلاء ثمان عشرة سنة، كما في حديث ابن شهاب، قال له صاحباه: لقد أذنبت ذنباً ما أظنّ أحداً بلغه. فقال أيوب صلى الله عليه وسلم: ما أدري ما تقولان، غير أن ربي عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان فكل يحلف بالله، أو على النفر يتزاعمون فأنقلب إلى أهلي، فأكفر عن أيمانهم إرادة ألاّ يأثم أحد يذكره ولا يذكره إلا بحق فنَادَى ربه. {أية : أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 83] وذكر الحديث. فقد أفادك هذا الحديث أن الكفارة كانت من شرع أيوب، وأن من كفّر عن غيره بغير إذنه فقد قام بالواجب عنه وسقطت عنه الكفارة. السادسة: استدل بعض جهّال المتزهدة؛ وَطَغام المتصوّفة بقوله تعالى لأيوب: «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ» على جواز الرقص. قال أبو الفرج الجوزي: وهذا احتجاج بارد؛ لأنه لو كان أمر بضرب الرجل فرحاً كان لهم فيه شبهة، وإنما أمر بضرب الرجل لينبع الماء. قال ابن عقيل: أين الدلالة في مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأرض لينبع الماء إعجازاً من الرقص ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أنحلها تحكم الهوامّ دلالة على جواز الرقص في الإسلام، جاز أن يجعل قوله سبحانه لموسى: {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} تفسير : [الأعراف: 160] دلالة على ضرب المحادّ بالقضبان! نعوذ بالله من التلاعب بالشرع. وقد احتج بعض قاصريهم حديث : بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعليّ:«أنت منّي وأنا منك» فحَجل. وقال لجعفر: «أشبهت خَلْقي وخُلُقي» فحَجَل. وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» فحجلتفسير : . ومنهم من احتج بأن الحبشة زَفَنت والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم. والجواب: أما الْحَجْل فهو نوع من المشي يُفعل عند الفرح فأين هو والرقص، وكذلك زَفْن الحبشة نوع من المشي يفعل عند اللقاء للحرب. السابعة: قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} أي على البلاء. {نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي توّاب رجّاع مطيع. وسئل سفيان عن عبدين ابتلي أحدهما فصبر، وأنعم على الآخر فشكر؛ فقال: كلاهما سواء؛ لأن الله تعالى أثنى على عبدين، أحدهما صابر والآخر شاكر ثناء واحداً؛ فقال في وصف أيوب: «نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» وقال في وصف سليمان: «نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ». قلت: وقد ردّ هذا الكلام صاحب «القوت» واستدل بقصة أيوب في تفضيل الفقير على الغنيّ وذكر كلاماً كثيراً شيد به كلامه، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع من كتاب «منهج العباد ومحجة السالكين والزهاد». وخفي عليه أن أيوب عليه السلام كان أحد الأغنياء من الأنبياء قبل البلاء وبعده، وإنما ابتلي بذهاب ماله وولده وعظيم الداء في جسده. وكذلك الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه صبروا على ما به امتُحِنوا وفُتِنوا. فأيوب عليه السلام دخل في البلاء على صفة، فخرج منه كما دخل فيه، وما تغيّر منه حال ولا مقال، فقد اجتمع مع أيوب في المعنى المقصود، وهو عدم التغير الذي يفضل فيه بعض الناس بعضاً. وبهذا الاعتبار يكون الغني الشاكر والفقير الصابر سواء. وهو كما قال سفيان. والله أعلم. وفي حديث ابن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أيوب خرج لما كان يخرج إليه من حاجته فأوحى الله إليه: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } فاغتسل فأعاد الله لحمه وشعره وبشره على أحسن ما كان ثم شرب فأذهب الله كل ما كان في جوفه من ألم أو ضعف وأنزل الله عليه ثوبين من السماء أبيضين فائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر ثم أقبل يمشي إلى منزله ورَاثَ على امرأته فأقبلت حتى لقيته وهي لا تعرفه فسلّمت عليه وقالت أي يرحمك الله هل رأيت هذا الرجل المبتلَى؟ قال من هو؟ قالت نبيّ الله أيوب، أما والله ما رأيت أحداً قط أشبه به منك إذ كان صحيحاً. قال فإني أيوب وأخذ ضِغْثاً فضربها به»تفسير : فزعم ابن شهاب أن ذلك الضغث كان ثماماً، وردّ الله إليه أهله ومثلهم معهم، فأقبلت سحابة حتى سجلت في أندر قمحه ذهباً حتى امتلأ، وأقبلت سحابة أخرى إلى أنْدَر شعيره وقطانِيه فسَجَلت فيه وَرِقا حتى امتلأ.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً } هو حزمة من حشيش أو قضبان {فَٱضْرِب بِّهِ } زوجتك، وكان قد حلف ليضربنّها مائة ضربة لإِبطائها عليه يوماً {وَلاَ تَحْنَثْ } بترك ضربها، فأخذ مائة عود من الإِذخر أو غيره فضربها به ضربة واحدة {إِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ } أيوب {إِنَّهُ أَوَّابٌ } رجّاع إلى الله تعالى.

ابن عبد السلام

تفسير : {ضِغْثاً} عثكال النخل بمشاريخه "ع"، أو الأثل، أو السنبل، أو الثمام اليابس، أو الشجر الرطب، أو حزمة من حشيش، أو ملء الكف من الحشيش أو الشجر، أو الشماريخ وذلك خاص لأيوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ أو يعم هذه الأمة، لقي إبليس زوجة أيوب في صورة طبيب فدعته إلى مداواته فقال: أداويه على أنه إذا برىء قال: أنت شفيتني لا أريد جزاء سواه قالت: نعم فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنها "ع"، أو أتته بزيادة على عادتها من الخبز فخاف خيانتها فحلف ليضربنها، أو أغواها الشيطان على أن تحمل أيوب على أن يذبح له سخلاً ليبرأ بها فحلف ليجلدنها فلما برأ وعلم الله ـ تعالى ـ إيمانها أمره أن يضربها بالضغث رفقاً بها وبراً. وكان بلاؤه اختباراً لرفع درجته وزيادة ثوابه أو عقوبة على أنه دخل على بعض الجبابرة فرأى منكراً فكست عنه، أو لأنه ذبح شاة فأكلها وجاره جائع لم يطعمه {أَوَّابٌ} راجع إلى ربه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [الآية: 44]. قال ابن عطاء: وقف معنا بحسن الأدب لا يؤثر عليه دوام النعم ولا يزعجه تواتر البلاء والمحن لمشاهدة المنعم والمبلى ونعم العبد عبد لا يشغله مال عنا. وقال بعضهم: الصبر الفناء فى البلايا بلا إظهار شكوى. قال أبو سعيد الخراز فى قوله {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ} قال: يثنى عليه بوجود ما أوجده عليه من الصبر فما ظنك بولى تولاه فى بلائه بتواتر النعماء وعرفه قدر الآلاء ولا تخليه طرفة عين من نظره يرى البلاء من حسن الاختيار هل يتلذذ بما اختار له وليه إذ لم يزل مختارًا لمن اختاره فنعم العبد عبدٌ صبر على مشاهدة مبليه لا على رؤية الثواب لذلك كان أيوب عليه السلام يرد الدود إلى نفسه ليستوفى منه رزقه كى لا يفوته جزء من البلاء فى تلذذه بالبلاء فى مشاهدة المبلى. قال القاسم: محنة الأنبياء تقاربت وترتبت وكشف عن حالهم للعوام كقوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ}، وقال فى قوله: {إِنَّهُ أَوَّابٌ} أى راجع إلينا فى السراء والضراء. قال ابن عطاء - رحمة الله عليه -: {إِنَّهُ أَوَّابٌ} أى راجع إلى الله فى صبره لم يطالع نفسه فيه لأن تبدد الهم من أعظم العقوبات. قال بعضهم: لم يستعذب البلاء من لم ير البلاء عطاء. نعم العبد عبد سره بلاؤنا كما سره عطاؤنا نعم العبد عبد عرف أن لا رجوع له إلا إلى مولاه فرجع إليه. فقال ابن عطاء: إنه أواب عارف بتقصير الخلق ونقصانهم، وكمال الحق ووجوده فرجع إلى حد الكمال والوجود. قال محمد بن حصيف فى قوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ} وقوله: {أية : مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} تفسير : [الأنبياء: 83] فقال: مرة نطق عن نفسه ومرة كان مستنطقًا. قال الجنيد - رحمة الله عليه -: الصبر إسبال التولى قبل مخامرة المحنة فإذا صادفت المحنة التولى حملها بلا كلفة. قال ذو النون - رحمة الله عليه -: الصبر التباعد عن المخالفات والسكوت عند تجرع غصص البلية وإظهار العناء مع حلول الفقر بساحة المعيشة. قال أبو سليمان الدارانى: الأواب الذى لا يشغل إلا بربه. وقال أبو حفص: الأواب الشاكر بالسر والعلانية عند فوادح الأمور. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا الحسن زرعان يقول فى قوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ} قال: معناه استلذ بوجود البلاء مع الله فاستزاد من البلاء وذلك فى قوله: {أية : مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} تفسير : [الأنبياء: 83] حيث ظهر على آثار العافية فإن العيش فى البلاء مع الله عيش الخواص وعيش العافية مع الله عيش العوام. سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت أبا سعيد بن الأعرابى يقول فى قوله: إنا وجدناه صابرًا أى مستغنيًا بربه فى صبره فتم له الصبر بذلك واستوجب الثناء بقوله: {نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ}.

القشيري

تفسير : الضِغْث الحزمة من القضبان، وقيل كانت مائة، وأُمِرَ بأن يضرب بها دفعةً على امرأته لئلا يحنث في يمينه، فإنه كان قد حلف أن يضربها مائةَ خشبةٍ إِنْ صحَّ (أنها أخطأت). فَشَكَرَ اللَّهُ لها لبراءةِ ساحتِها، وصبرها على خدمته. وسببُ يمينه أنه لما قال لها إبليسُ: اسجدي لي؛ أخبرت أيوبَ بذلك، فغاظه حيث سمعت من إبليس ذلك وظنَّتْ أنه صادق. وقيل باعت ذوائبها برغيفين حملتهما إليه فتوهَّمَ في ذلك رِيبةً، وكان أيوب يتعلَّق بذوائبها (إذا أراد القيام). وقيل رابه شيءٌ منها فَحَلَف (أن يضربها بعد شفائه). {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً...}: والصبرُ ألا تعترضَ على التقدير. ويقال الصبر الوقوف تحت الحُكْم. ويقال التلذُّذ بالبلاء، واستعذابُه دون استصعابه. ويقال الصبر الوقوف مع الله بحسن الأدب. ولم يَنْفِ قولُه {أية : مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}تفسير : [الأنبياء: 83] اسمَ الصبرِ عنه؛ لأنَ ذلك لم يكن على وجه الشكوى، ولأنه كان مرة واحدة، وقد وقف الكثيرَ من الوقت ولم يَقُلْ مَسَّني الضُّرُّ؛ فكان الحُكْمُ للغالب. {نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} لم يشغلْه البلاءُ عن المُبْلِي. ونِعْمَ العبدُ لأنه خرج من البلاء على الوجه الذي دخل فيه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} افهم يا حبيبى انه تعالى بوجود جلال قدمه ابلى اهل محبته ولا يوازى بلاؤه صبر اهل الحدثان بلى كان خارجاً عن صبر المخلوق والتصبر المكتسب ورجع الى الحق بلا صبر نفسه وانخلع من حوله وقوته وسال ان يعطيه الله صبر يحتمل به القديم فلما رأه الحق خارجا من صبره البس من صبره القديم فاحتمل به بلاوه فاثنى عليه الحق بعد اتصافه به وانخلاعه من دعوى الانائية بعد الاتحاد به الذى لو القى ذرة على جميع قلوب العارفين يدعون دعوى الانانية فلما لم يوثر فيه سكر الاتحاد والاتصاف وبقى متمكنا فى العبودية واستلذ بحلاوة مشاهدته من قهره كما استلذ بمشاهدته من لطفه فقال {نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} اى راجع من دعوى الانانية الىّ بنعت العبودية ومن لم يحمل بلاوه الا به كيف يحتمل بلاوه بنفسه قال ابن عطا واقفا معنا بحسن الادب لا يوثر عليه دوام النعم ولا يزعجه تواتر البلاء والمحن لمشاهدته المنعلى المبلى ونعم العبد عبد لا يشغله ما لنا عنا وقال ابو الحسين بن زرعان فى هذه الأية انه يستلذ وجود البلاء مع الله فاستزاد ابن البلاء وذلك قوله مسنى الضر حيث ظهر على أنار العافية فان العيش فى البلاء مع الله عيش الخواص وعيش العافية مع الله عيش العوام مسنى الضر لفقدان عيش الخواص والرجوع الى عيش العوام قال الحسين سهل عليه البلاء قوله انا وجدناه فمن كان فى وجدانه كان فانيا عن رؤية الاغيار قال جعفر بن محمد لما اظهر الله البلاء ايوب وكثر عليه الدود عقد لسانه عن الدعاء لانفاذ الحكم والمشية فيه وتحكم له بالصبر فلما دام احكام الصبر اورثه الرضا لما وجد من حلاوة القرب مع الله فاثنى عليه فى الاولين والاخرين بقوله انا وجدناه صابر انعم العبد.

اسماعيل حقي

تفسير : {وخذ بيدك ضغثا}. قال فى الارشاد معطوف على اركض او على وهبنا بتقدير وقلنا خذ بيدك الخ والاول اقرب لفظا وهذا انسب معنى فان الحاجة الى هذا الامر لا تمس الا بعد الصحة. والضغث الحزمة الصغيرة من الحشيش ونحوه فى المفردات الضغث قبضة ريحان او حشيش وبه شبه الاحلام المختلطة التى لا يتبين حقائقها انتهى. وقال الكاشفى [وبكير بدست خود دسته از جوب ازخرما يا از حشائش خشك شده كه بعدد صد باشد وفى كشف الاسرار مفسران كفتند ابليس برصورت طبيبى برسر راه نشست وبيماران ار مداوات مى كرد زن ايوب آمد وكفت بيمارىكه فلان علت دارد اورا مداوات كنى ابليس كفت اورا مداوات كنم وشفا دهم بشرط آنكه جون اورا شفا دهم اومراكويد "انت شفيتنى" يعنى تومرا شفا دادى ازشما جزاين نخواهم زن بيامد و آنجه ازوى شنيد بايوب كفت ايوب بدانست كه آن شيطانست واورا از راه مىبرد و كفت "والله لئن برئت لاضربنك مائة" بس جون به شد جبريل آمد وبيام آورد ازحق تعالى كه آن زن ترا درايام بلا خدمت نيكود كرد اكنون تخفيف ويرا وتصديق سوكندخودرا دسته كياه وريحان كه بعدد صد شاخ باشد باقبضه كه ازين درخت كندم كه خوشه برسردارد آنرا بدست خويش كير] فانه قال فى التكملة وقد روى انه اخذ مائة سنبلة فى كف واحد فضربها بها. وقيل باعت ذؤابتيها برغيفين وكانتا متعلق ايوب اذا قام فحلف بذلك. قال فى فتح الرحمن روى ان ايوب عليه السلام كانت زوجته مدة مرضه تختلف اليه فيتلقاها الشيطان مرة فى صورة طبيب ومرة فى هيئة ناصح فيقول لها لو سجد هذا المريض للصنم الفلانى لبرىء ولو ذبح عناقا للصنم الفلانى لبرىء ويعرض لها وجوها من الكفر فكانت هى ربما عرضت ذلك على ايوب فيقول لقيت عدو الله فى طريقك فلما اغضبته حلف ان عوفى ليجلدنها مائة جلدة انتهى. يقول الفقير هذه الوجوه ذكرت ايضا فى غيره من التفاسير لكنها ضعيفة فان امرأة ايوب وهى رحمة وكانت بنت ابن يوسف الصديق عليه السلام على ما هو الارجح ولا يتصور من مثل هذه المرأة المتدينة ان تحمل ايوب على ما هو كفر فى دينه وفى سائر الاديان وبمجرد نقل كلام العدو لا يلزم الغضب والحلف فالوجه الاول أليق بالمقام {فاضرب به} اى بذلك الضغث زوجك {ولا تحنث} فى يمينك فان البر يتحقق به فاخذ ضغثا فضربها ضربة واحدة يقال حنث فى يمينه اذا لم يف بها. وقال بعضهم الحنث الاثم ويطلق على فعل ما حلف على تركه وترك ما حلف على فعله من حيث ان كل واحد منهما سبب له. وفى تاج المصادر [الحنث: دروغ شدن سوكند] ويعدى بفى [وبزه مندشدن]. فان قيل لم قال الله تعالى لايوب عليه السلام {لا تحنث} وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم {أية : قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم} تفسير : قلنا لان كفارة اليمين لم تكن لاحد قبلنا بل هى لنا مما اكرم الله به هذه الامة بدليل قوله تعالى لكم كذا فى اسئلة الحكم. وفى كلام بعض المفسرين لعل التكفير لم يجز فى شرعهم او ان الافضل الوفاء به انتهى. قال الشيخ نجم الدين رحمه الله اراد الله ان يعصم نبيه ايوب عليه السلام من الذنبين اللازمين. احدهما اما الظلم واما الحنث وان لا يضيع اجر احسان المرأة مع زوجها وان لا يكافئها بالخير شرا وتبقى ببركتها هذه الرخصة فى الامم الى يوم القيامة انتهى. فقد شرع الله هذه الرحمة رحمة عليه وعليها لحسن خدمتها اياه ورضاه عنها وهى رخصة باقية فى الحدود يجب ان يصيب المضروب كل واحد من المائة اما باطرافها قائمة او باعراضها مبسوطة على هيئة الضرب اى بشرط ان توجد صورة الضرب ويعمل بالحيل الشرعية بالاتفاق ـ روى ـ ان الليث بن سعد حلف ان يضرب ابا حنيفة بالسيف ثم ندم من هذه المقالة وطلب المخرج من يمينه فقال ابو حنيفة رحمه الله خذ السيف واضربنى بعرضه فتخرج عن يمينك كما فى مناقب الامام رضى الله عنه. قال فى فتح الرحمن مذهب الشافعى اذا وجب الحد على مريض وكان جلدا اخر للمرض فان لم يرج برؤه جلد بعثكال عليه مائة غصن فان كان خمسين ضرب به مرتين وتمسه الاغصان او ينكبس بعضها على بعض ليناله بعض الالم فان برىء اجزأه ومذهب ابى حنيفة رحمه الله يؤخر فلا يجلد حتى يبرأ كمذهب الشافعى فان كان ضعيف الخلقة يخاف عليه الهلاك لو ضرب شديدا يضرب مقدار ما يتحمله من الضرب ومذهب مالك لايضرب الا بالسوط ويفرق الضرب وعدد الضربات مستحق لا يجوز تركه فان كان مريضا آخر الى ان يبرأ كمذهب الشافعى وابى حنيفة ومذهب احمد يقام الحد فى الحال ولا يؤخر للمرض ولو رجى زواله ويضرب بسوط يؤمن معه التلف كالقضيب الصغير فان خشى عليه من السوط اقيم باطراف الثياب وعثكول النخل فان خيف عليه من ذلك جمع ضغث فيه مائة شمراخ فضرب به ضربة واحدة كقول الشافعى واما اذا كان الحد رجما فلا يؤخر بالاتفاق ولا يقام الحد على حامل حتى تضع بغير خلاف فابو حنيفة ان كان حدها الجلد فحتى تتعالّ ااى تخرج من نفاسها وان كان الرجم فعقيب الولادة وان لم يكن للصغير من يربيه فحتى يستغنى عنها والشافعى حتى ترضعه اللبان ويستغنى بغيرها او فطام لحولين ومالك واحمد بمجرد الوضع {انا وجدناه} علمناه {صابرا} فيما اصابه فى النفس والاهل والمال. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان ايوب عليه السلام لم يكن ليجد نفسه صابرا لولا انا وجدناه صابرا اى جعلناه يدل على هذا المعنى قوله تعالى لنبيه عليه السلام {أية : واصبر وما صبرك الا بالله} تفسير : اى هو الذى صبرك وان لم تكن تصبر انتهى ـ روى ـ انه بلغ امر ايوب عليه السلام الى ان لم يبق منه الا القلب واللسان فجاءت دودة الى القلب فعضته واخرى الى اللسان فعضته فعند ذلك دعا ايوب فوقعت دودة فى الماء فصار علقا واخرى فى البر فصار نحلا يخرج منه العسل. وفى زهرة الرياض انه بقى على بدنه اربعة من الديدان واحد طار ووقع على شجرة الفرصاد فصار دود القز وواحد وقع فى الماء فصار علقا وواحد وقع فى الحبوب فصار سوسا والرابع طار ووقع فى الجبال والاشجار فصار نحلا وهذا بعدما كشف الله عنه. واعلم ان العلماء قالوا ان الانبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الامراض المنفرة ويناقش فيه بحديث ايوب عليه السلام اذ روى انه تفرق عنه الناس حتى ارتد بعض من آمن به الا ان يستثنى ايوب عليه السلام فان ابتلاءه كان خارقا للعادة وابتلاء الناس به أى ابتلاء. ثم اعلم انه ليس فى شكواه الى الله تعالى اخلال بصبره فان الصبر حبس النفس عن الشكوى لغير الله لا الى الله تعالى وفى حبس النفس عن الشكوى الى الله فى رفع الضر مقاومة القهر الالهى وهو ليس من آداب العبودية فلا بد من الشكاية ليصح الافتقار الذى هو حقيقتك المميزة نسبة العبودية من الربوبية ولذا قال ابو يزيد البسطامى قدس سره شعر : جارجيز آورده ام شاها كه در كنج تونيست نيستى وحاجت وعجز ونياز آورده ام تفسير : وجاع بعض العارفين فبكى فعاتبه فى ذلك بعض من لا ذوق له فقال انما جوّعنى لابكى واسأل {نعم العبد} اى ايوب {انه اواب} تعليل لمدحه اى انما كان نعم العبد لانه رجاع الى الله تعالى لا الى الاسباب مقبل بجملة وجوده الى طاعته او رجاع الى الحضرة فى طلب الصبر على البلاء والرضى بالقضاء ولقد سوى الله تعالى بين عبديه اللذين احدهما انعم عليه فشكر والآخر ابتلى فصبر حيث اثنى عليهما ثناء واحدا فقال فى وصف سليمان {أية : نعم العبد انه اواب} تفسير : وفى وصف ايوب كذلك ولم يلزم من الاوابية الذنب لان بلاء ايوب كان من قبيل الامتحان على ما سبق. واعلم ان العيش فى البلاء مع الله عيش الخواص وعيش العافية مع الله عيش العوام وذلك لان الخواص يشاهدون المبلى فى البلاء وتطيب عيشتهم بخلاف العوام فانهم بمعزل من الشهود فيكون البلاء لهم عين المحنة ولذا لا صبر لهم. قال ابن مسعود رضى الله عنه ايوب عليه السلام رأس الصابرين الى يوم القيامة. قال بعضهم [بلاذخيره اوليا واختياراصفيااست هريكى بنوعى ممتحن بودند. نوح بدست قوم خويش كرفتار. ابراهيم بآتش نمرود. اسماعيل بفتنه ذبح. يعقوب بفراق فرزند. زكريا ويحيى بمحنت قتل. موسى بدست فرعون وقبطيان وعلى هذا اوليا واصفيا. يكى را محنت غربت بود ومذلت. يكى را كرسنكى وفاقت. يكىرا بيمارى وعلت. يكىرا قتل وشهادت. مصطفى عليه السلام كفت (ان الله ادخر البلاء لاوليائه كما ادخر الشهادة لاحبابه) جون رب عزت آن بلاها ازايوب كشف كرد روزى بخاطروى بكذشت كه نيك صبر كردم دران بلاندا آمدكه "أانت صبرت ام نحن صبرناك يا ايوب لولا انا وضعنا تحت كل شعرة من البلاء جبلا من الصبر لم تصبر" جنيد قدس سره كفت] من شهد البلاء بالبلاء ضج من البلاء ومن شهد البلاء من المبلى حنّ الى البلاء. قال ابن عطاء ليخفف ألم البلاء عنك علمك بان الله هو المبلى. واعلم ان لكل بلاء خلفا اما فى الدنيا واما فى الآخرة واما فى كليهما: قال الصائب شعر : هر محنتى مقدمه راحتى بود شد همزبان حق جو زبان كليم سوخت تفسير : ـ يروى ـ ان الله تعالى لما اذهب عن ايوب ما كان فيه من الاذى انزل عليه ثوبين ابيضين من السماء فاتزر باحدهما وارتدى بالآخر ثم مشى الى منزله فاقبلت سحابة فسحت فى اندر قمحه ذهبا حتى امتلأ واقبلت سحابة اخرى الى اندر شعيره فسحت فيه ورقا حتى امتلأ وشكر الله خدمة زوجته فردها الى شبابها وجمالها

الجنابذي

تفسير : {وَخُذْ بِيَدِكَ} عطف على اركض {ضِغْثاً} حزمة من خشبٍ {فَٱضْرِب بِّهِ} زوجتك {وَلاَ تَحْنَثْ} قسمك وذلك انّه كما قيل: حلف بعد ما اخبر انّ زوجته اخذت فى الزّنا وقطعت ذؤابتها ورأى ذؤابتها مقطوعة ان يضربها مائة وندم على ذلك بعد ما اخبرته أنّها باعتها واخذت له طعاماً {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} تعليل لا ذكر او لقلنا اركض برجلك او لوهبنا له اهله او لوهبنا مثلهم معهم او لقلنا خذ بيدك ضغثاً او للمجموع او بيان لحاله فى جواب سؤال عن حاله {نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ} ايّوب (ع) {إِنَّهُ أَوَّابٌ} كثير الرّجوع شديد الرّجوع تامّ الرّجوع الى الله، عن الصّادق (ع) انّه سئل عن بليّة ايّوب (ع) الّتى ابتلى بها فى الدّنيا، لأىّ علّة كانت؟ قال: لنعمة انعم الله عزّ وجلّ عليه بها فى الدّنيا وادّى شكرها وكان فى ذلك الزّمان لا يحجب ابليس عن دون العرش فلمّا صعد ورأى شكر نعمة ايّوب حسده ابليس فقال: يا ربّ انّ ايّوب لم يؤدّ اليك شكر هذه النّعمة الاّ بما اعطيته من الدّنيا ولو حرمته دنياه ما ادّى اليك شكر نعمة ابداً، فسلّطنى على دنياه حتّى تعلم انّه لا يؤدّى اليك شكر نعمة ابداً، فقيل له: قد سلّطتك على ماله وولده، قال: فانحدر ابليس فلم يُبق له مالاً ولا ولداً الاّ أعطبه، فازداد ايّوب لله شكراً وحمداً، قال: فسلّطنى على زرعه، قال: قد فعلت، فجمع شياطنيه فنفخ فيه فاحترق، فازداد ايّوب لله شكراً وحمداً، فقال: يا ربّ فسلّطنى على غنمه، فسلّطه على غنمه، فأهلكها، فازداد ايّوب شكراً وحمداً، فقال: يا ربّ سلّطنى على بدنه، فسلّطه على بدنه ما خلا عقله وعينيه، فنفخ فيه ابليس فصار قرحة واحدة من قرنه الى قدمه فبقى فى ذلك دهراً طويلاً يحمد الله ويشكره حتّى وقع فى بدنه الدّود، فكانت تخرج من بدنه فيردّها فيقول لها: ارجعى الى موضعك الّذى خلقك الله منه ونتن حتّى اخرجه اهل القرية من القرية وألقوه فى المزبلة خارج القرية، وكانت امرأته رحمة بنت يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم تتصدّق من النّاس وتأتيه بما تجده، فلمّا طال عليه البلاء ورأى ابليس صبره اتى اصحاباً لايّوب كانوا رهباناً فى الجبال وقال: لهم مرّوا بنا الى هذا العبد المبتلى فنسأله عن بليّته، فركبوا بغالاً شهباً وجاؤا فلمّا دنوا منه نفرت بغالهم من نتن ريحه فنظر بعضهم الى بعضٍ ثمّ مشوا اليه وكان فيهم شابّ حدث السّن فقعدوا اليه فقالوا: يا ايّوب لو اخبرتنا بذنبك لعلّ الله كان يملكنا اذا سألناه وما نرى ابتلاءك بهذا البلاء الّذى لم يبتل به احد الاّ من امر كنت تستره، فقال ايّوب (ع): وعزّة ربّى انّه ليعلم انّى ما اكلت طعاماً الاّ ويتيم او ضعيف يأكل معى، وما عرض لى امران كلاهما طاعة لله الاّ اخذت بأشدّهما على بدنى، فقال الشّابّ: سوئةٌ لكم عيّرتم نبىّ الله حتّى اظهر من عبادة ربّه ما كان يسترها؟! فقال ايّوب (ع) يا ربّ لو جلست مجلس الحكم منك لادليت بحجّتى، فبعث الله عزّ وجلّ اليه غمامة فقال: يا ايّوب ادل بحجّتك فقد اقعدتك مقعد الحكم، وها انا ذا قريب ولم ازل، فقال: يا ربّ انّك لتعلم انّه لم يعرض لى امران قطّ كلاهما لك طاعة الاّ اخذت بأشدّهما على نفسى الم احمدك؟ الم اشكرك؟ الم اسبّحك؟ قال فنودى من الغمامة بعشرة آلاف لسان: يا ايّوب من صيّرك تعبد الله والنّاس عنه غافلون؟ وتحمده وتسبّحه وتكبّره والنّاس عنه غافلون؟ اتمنّ على الله بمالله فيه المنّة عليك؟- فاخذ التّراب فوضعه فى فيه ثمّ قال: لك العُتبى يا ربّ، انت فعلت ذلك بى، فانزل الله عليه ملكاً فركض برجله فخرج الماء فغسله بذلك الماء فعاد احسن ما كان واطرء، وانبت الله عليه روضة خضراء وردّ عليه اهله وماله وولده وزرعه وقعد معه الملك يحدّثه ويونسه فاقبلت امرأته معها الكسرة فلمّا انتهت الى الموضع اذاً الموضع متغيّر واذا رجلان جالسان فبكت وصاحت وقالت: يا ايّوب ما دهى بك؟ فناداها ايّوب فاقبلت فلمّا رأته وقد ردّ الله عليه بدنه ونعمته سجدت لله عزّ وجلّ شكراً، فرأى ذؤابتها مقطوعة وذلك انّها سئلت ان يعطوها ما تحمله الى ايّوب من الطّعام وكانت حسنة الذّوائب فقالوا لها: تبيعيننا ذؤابتك هذه حتّى نعطيك، فقطعتها ودفعتها اليهم واخذت منهم طعاماً لايّوب فلمّا رآها مقطوعة الشّعر غضب وحلف عليها ان يضربها مائة، فأخبرته انّه كان سببه كيت وكيت، فاغتمّ ايّوب من ذلك فأوحى الله عزّ وجلّ اليه: خذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث فأخذ عذقاً مشتملاً على مائة شمراخٍ فضربها ضربة واحدة فخرج من يمينه، قال: فردّ الله عليه اهله الّذين ماتوا قبل البلاء، وردّ عليه اهله الّذين ماتوا بعدما اصابهم البلاء كلّهم، احياهم الله له فعاشوا معه وسئل ايّوب بعدما عافه الله: اىّ شيءٍ كان اشدّ عليك ممّا عليك، فقال: شماتة الاعداء قال: فأمطر الله عليه فى داره جراد الذّهب وكان يجمعه فكان اذا ذهبت الرّيح منه بشيءٍ عدا خلفه فردّه فقال له جبرئيل: اما تشبع يا ايّوب؟- قال: ومن يشبع من رزق ربّه عزّ وجلّ. وعنه (ع) عن ابيه (ع) قال: انّ ايّوب ابتلى بغير ذنبٍ سبع سنين وانّ الانبياء معصومون لا يذنبون ولا يزيغون ولا يرتكبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً، وقال: انّ ايّوب مع جميع ما ابتلى به لم تنتن له رائحة، ولا قبّحت له صورة، ولا خرجت منه مدّة من دم ولا قيح، ولا استقذره احد رآه، ولا استوحش منه احد شاهده، ولا تدودّ شيءٌ من جسده وهكذا يصنع الله عزّ وجلّ بجميع من يبتليه من انبيائه واوليائه المكرمين عليه وانّما اجتنبه النّاس لفقره وضعفه فى ظاهر امره لجهلهم بما له عند ربّه تعالى من التّأييد والفرج وقد قال النّبىّ (ص): حديث : اعظم النّاس بلاء الانبياء ثمّ الاولياء ثمّ الامثل فالامثلتفسير : ، فانّما ابتلاه الله بالبلاء العظيم الّذى يهون معه على جميع النّاس لئلاّ يدّعوا له معه الرّبوبيّة اذا شاهدوا ما اراد الله تعالى ذكره ان يوصله اليه من عظائم نعمه متى شاهدوه ليستدلّوا بذلك على انّ الثّواب من الله على ضربين استحقاق واختصاص، ولئلاّ يحقّروا ضعيفاً لضعفه، ولا فقيراً لفقره، ولا مريضاً لمرضه، وليعلموا انّه يسقم من يشاء ويشفى من يشاء، متى شاء، كيف شاء، باىّ شيءٍ شاء ويجعل ذلك عبرةً لمن يشاء، وشقاوة لمن يشاء، وسعادة لمن يشاء، وهو عزّ وجلّ فى جميع ذلك عدل فى قضائه، وحكيم فى افعاله، لا يفعل بعباده الاّ الاصلح لهم ولا قوّة الاّ بالله.

اطفيش

تفسير : {وَخُذْ} عطف على (اركض)* {بِيَدِكَ} اليمنى* {ضِغْثاً} أي حزمة صغيرة من الحشيش ونحوه من العيدان؛ وعن بعض ملئ الكف من حشيش أو عيدان؛ وعن بعض عن الضحاك وغيره قبضة صغيرة من القضبان ونحوه من الشجر الرطب* {فَاضْرِبْ بِهِ} زوجك* {وَلاَ تَحْنَثْ} لترك ضربها؛ نهاه عن ترك ضربها فأخذ مائة عود من الأذخر أو غيره وضربها ضربة واحدة وذلك ترخيص من الله لأيوب لرضاه عنها ولها لحسن خدمتها حتى قيل انها باعت ذؤابتيها برغيفين ليأكل وبهما يتعلق اذا قام فحلف لذلك؛ وقيل: قال لها الشيطان: اسجدي لي سجدة وأرد عليكم مالكم وأولادكم فهمّت وأدركتها العصمة فذكرت ذلك له فحلف وقيل: قال لها ان شرب الخمر يبرأ فعرضت له ذلك؛ وقيل: سألته أن يقرب للشيطان بعناق واختلفوا في بقاء رخصة الضغث فقيل: (خاصة بأيوب). وعليه مجاهد ونسب للجمهور، وقيل: رخصة عامة باقية فمن حلف أن يضرب زوجته أو عبده أو غيرهما مائة سوط وضربها بالضغث لم يحنث وعليه ابن عباس وعطاء بن أبى رباح، وعلى البقاء والعموم قال أبو حنيفة والشافعى، لا يبرأ الا أن بسط الضغث واصابة كل عود على العرض أو على الطرف أو جمعها وضرب بأطرافها قائمة وقيل: يبرأ ولو لم يصبه كل عود بل البعض لظاهر عموم الآية. وعلى كل حال يشترط صورة الضرب ويترجح عندي قول البقاء والعموم في الايمان وأما الحدود فزعم القاضي أن الرخصة فيها أيضاً فمن وجب عليه مائة سوط مثلاً للزنا أو مثل ذلك ضرب بضغث فيه العدد، وعليه الزمخشري وغيره دليلهم "أنه أتى بخدج قد خبث بأمة فقال خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه ضربة" ومذهب الجمهور وهو الحق أنه لا يكون لي ذلك اليوم* {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} أي علمناه صابراً فيما أصابه في النفس والاهل والمال أما شكوته الى الله سبحانه من الشيطان هو أن لله شكوته بأنه لا يمسي جزعاً فان تمنى العافية وطلب الشفا والمعالجة ومشاورة الأطباء مع التوكل على الله لا يخرج عن الصبر مع أنه طلب الشفا خوفاً من قومه أن يوسوسهم الشيطان في بلائه فيرتدوا وقد قيل انه لم يبق منه الا القلب واللسان وانه اذا وقعت دودة من جسده ردها فيه وقال كلي من رزقك وقال في مناجاته: (الهي قد علمت اني لم يخالف لساني قلبي ولم يتبع قلبي بصري ولم يلهني ما ملكت يميني ولم آكل الا ومعي يتيم ولم أبت شبعان كاسياً ومعى جائع أو عريان فكشف الله عنه {نِّعْمَ الْعَبْدُ} أيوب* {إِنَّهُ أَوَّابٌ} رجاع الى الله

اطفيش

تفسير : {وخُذ بيدكَ} اليمنى لقوتها فى الضرب، والعطف على اركض {ضِغْثاً} جملة محزمة من حشيش أو ريحان أو عثكال النخل، كما عن ابن عباس وهو الصحيح، لمجيئه فى الحديث، أو الأثل أو من تمام فيها مائة عود لا تسعة وتسعون عودا نابتة على عود واحد هو تمام المائة، لأن ذلك لا تصل معه الضرب بها كلها الجسد {فاضْرب به} ظهر زوجك التى حلفت أن تجلدها مائة جلدة، رحمة بنت أفرائيح، أو رحمة بنت ميشا بن يوسف، أو ليا بنت يعقوب، أو ماخير بنت ميشا بن يوسف روايات، ذهبت لحاجة فأبطأت وحلف ليضربنها مائة، أو قال لها الشيطان قل له يقل كذا مما هو محرم، فقالت له: قل كذا واستغفر ربك فتشفى. {ولا تحْنَثْ} نهى عن الحنث فضربها كذلك فبرَّ يمينه، وذلك مختص بأيوب عليه السلام عند مالك، وقال الشافعى: عام ولا مانع من بقائه فى المرض فقط، لما روى أن مقعدا أقر بالزنى، فأمر صلى الله عليه وسلم أن يضرب بعثكول فيه مائة شمراخ ضربة واحدة، وكما روى أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يفعل ذلك بشمراخ فيه مائة فى مريض أشفى على الموت، أصاب فاحشة فضرب به ضربة واحدة، وكذا فى شيخ كبير ظهرت عروقه من الكبر قد زنى {إنَّا وَجَدناهُ صابراً} على ما أصابه فى بدنه وماله وأهله، والدعاء بالشفاء مع عدم الجزع غير مخرج عن الصبر، ويروى أنه كان يقول: إلهى قد علمت أنه لم يخالف لسانى قلبى، ولم يتبع قلبى بصرى، ولم يلهنى ما ملكت يمينى، ولم أكل الا ومعى يتيم، ولم أبت شبعانا ولا كاسيا ومعى جائع أو عريان، فشفاه الله تعالى. {نِعْم العَبْد} أيوب {إنَّه} لأنه {أوَّاب * واذْكُر عِبادنا إبْراهيم وإسحاق ويعْقُوب أولي الأيْدي والأبصار} أولى نعت للثلاثة أو نعت لعبادنا، والأيدى جمع يد بمعنى القوة، أى القوة فى الدين مجاز عن يد البدن، لأنه آله القدرة، والأبصار جمع بصر بمعنى العلم الجليل، أو الادراك الدينى التام، مجاز عن بصر الوجه المدرك للاشياء بالرؤية أو الأيدى النعم، والمراد النبوة والرياسة الدينية والدنيوية، الاحسان الى الناس، والمفرد يد مجاز أيضا عن يد البدن، لأن الاعطاء بها، والأخذ بها، والكسب والابصار كما مر بمعنى البصائر، وحاصل ذلك استعمال الظاهر والباطن فى أمر الدين، ومن لم يكن كذلك فهو كالمريض الذى لا يعمل ومسلوب العقل الذى لا يستبصر.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً } عطف على {ٱرْكُضْ } أو على {أية : وَهَبْنَا }تفسير : [ص: 43] بتقدير قلنا خذ بيدك الخ. والأول أقرب لفظاً وهذا أنسب معنى فإن الحاجة إلى هذا الأمر لا تمس إلا بعد الصحة واعتدال الوقت فإن امرأته رحمة بنت إفرائيم أو مشيا بن يوسف أوليا بنت يعقوب أو ماخير بنت ميشا بن يوسف على اختلاف الروايات - ولا يخفى لطف {رَحْمَةً مّنَّا } على الرواية الأولى - ذهبت لحاجة فأبطأت أو بلغت أيوب عن الشيطان أن يقول كلمة محذورة فيبرأ وأشارت عليه بذلك فقالت له إلى متى هذا البلاء كلمة واحدة ثم استغفر ربك فيغفر لك أو جاءته بزيادة على ما كانت تأتي به من الخبز فظن أنها ارتكبت في ذلك محرماً فحلف ليضربنها إن برىء مائة ضربة فأمره الله تعالى بأخذ الضغث وهو الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو قضبان، وقيل: القبضة الكبيرة من القضبان، ومنه ضغث على إبالة والإبالة الحزمة من الحطب والضغث القبضة من الحطب أيضاً عليها، ومنه قول الشاعر: شعر : وأسفل مني نهدة قد ربطتها وألقيت ضغثاً من خلى متطيب تفسير : وقال ابن عباس هنا: الضغث عثكال النخل، وقال مجاهد: الأثل وهو نبت له شوك، وقال الضحاك: حزمة من الحشيش مختلفة، وقال الأخفش: الشجر الرطب، وعن سعيد بن المسيب أنه عليه السلام لما أمر أخذ ضغثاً من ثمام فيه مائة عود، وقال قتادة: هو عود فيه تسعة وتسعون عوداً والأصل تمام المائة فإن كان هذا معتبراً في مفهوم الضغث ولا أظن فذاك وإلا فالكلام على إرادة المائة فكأنه قيل: خذ بيدك ضغثاً فيه مائة عود {فَٱضْرِب بّهِ } أي بذلك الضغث {وَلاَ تَحْنَثْ } بيمينك فإن البر يتحقق به ولقد شرع الله تعالى ذلك رحمة عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها وهي رخصة باقية في الحدود في شريعتنا وفي غيرها أيضاً لكن غير/ الحدود يعلم منها بالطريق الأولى فقد أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبـي إمامة بن سهل بن حنيف قال: حملت وليدة في بني ساعدة من زنا فقيل لها: ممن حملك؟ قالت: من فلان المقعد فسئل المقعد فقال: صدقت فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذوا عثكولاً فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة واحدة ففعلوا، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان أن رجلاً أصاب فاحشة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض على شفا موت فأخبر أهله بما صنع فأمر النبـي صلى الله عليه وسلم بقنو فيه مائة شمراخ فضرب به ضربة واحدة، وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد أن النبـي عليه الصلاة والسلام أتي بشيخ قد ظهرت عروقه قد زنى بامرأة فضربه بضغث فيه مائة شمراخ ضربة واحدة، ولا دلالة في هذه الأخبار على عموم الحكم من يطيق الجلد المتعارف لكن القائل ببقاء حكم الآية قائل بالعموم لكن شرطوا في ذلك أن يصيب المضروب كل واحدة من المائة إما بأطرافها قائمة أو بأعراضها مبسوطة على هيئة الضرب. وقال الخفاجي: إنهم شرطوا فيه الإيلام أما مع عدمه بالكلية فلا فلو ضرب بسوط واحد له شعبتان خمسين مرة من حلف على ضربه مائة بر إذا تألم فإن لم يتألم لا يبر ولو ضربه مائة لأن الضرب وضع لفعل مؤلم بالبدن بآلة التأديب، وقيل: يحنث بكل حال كما فصل في «شروح الهداية» وغيرها انتهى. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس لا يجوز ذلك لأحد بعد أيوب إلا الأنبياء عليهم السلام، وفي "أحكام القرآن العظيم" للجلال السيوطي عن مجاهد قال: كانت هذه لأيوب خاصة، وقال إلكيا: ذهب الشافعي وأبو حنيفة وزفر إلى أن من فعل ذلك فقد بر في يمينه، وخالف مالك ورآه خاصاً بأيوب عليه السلام، وقال بعضهم: إن الحكم كان عاماً ثم نسخ والصحيح بقاء الحكم. واستدل بالآية على أن للزوج ضرب زوجته وأن يحلف ولا يستثني وعلى أن الاستثناء شرطه الاتصال إذ لو لم يشترط لأمره سبحانه وتعالى بالاستثناء ولم يحتج إلى الضرب بالضغث. واستدل عطاء بها على مسألة أخرى فأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عنه أن رجلاً قال له: إني حلفت أن لا أكسو امرأتي درعاً حتى تقف بعرفة فقال: احملها على حمار ثم اذهب فقف بها بعرفة فقال: إنما عنيت يوم عرفة فقال عطاء: أيوب حين حلف ليجلدن امرأته مائة جلدة أنوى أن يضربها بالضغث إنما أمره الله تعالى أن يأخذ ضغثا فيضربها به ثم قال: إنما القرآن عِبَرٌ إنما القرآن عِبَرٌ، وللبحث في ذلك مجال، وكثير من الناس استدل بها على جواز الحيل وجعلها أصلاً لصحته، وعندي أن كل حيلة أوجبت إبطال حكمة شرعية لا تقبل كحيلة سقوط الزكاة وحيلة سقوط الاستبراء وهذا كالتوسط في المسألة فإن من العلماء من يجوز الحيلة مطلقاً ومنهم من لا يجوزها مطلقاً، وقد أطال الكلام في ذلك العلامة ابن تيمية. {إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِراً } فيما أصابه في النفس والأهل والمال. وقد كان عليه السلام يقول كلما أصابته مصيبة: اللهم أنت أخذت وأنت أعطيت ويحمد الله عز وجل، ولا يخل بذلك شكواه إلى الله تعالى من الشيطان لأن الصبر عدم الجزع ولا جزع فيما ذكر كتمني العافية وطلب الشفاء مع أنه قال ذلك على ما قيل خيفة الفتنة في الدين كما سمعت فيما تقدم، ويروى أنه قال في مناجاته: إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبـي ولم يتبع قلبـي بصري ولم يلهني ما ملكت يميني ولم آكل إلا ومعي يتيم ولم أبت شبعان ولا كاسياً ومعي جائع أو عريان فكشف الله تعالى عنه {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } أي أيوب {إِنَّهُ أَوَّابٌ } تعليل لمدحه/ وتقدم معنى الأواب.

ابن عاشور

تفسير : {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} مقول لقول محذوف دلّت عليه صيغة الكلام، والتقدير: وقلنا خذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث، وهو قول غيرُ القول المحذوف في قوله: {أية : اركض برجلك}تفسير : [ص: 42] لأن ذلك استجابة دعوة وهذا إفتاء برخصة، وذلك له قصته، وهذا له قصة أخرى أشارت إليها الآية إجمالاً ولم يرد في تعيينها أثر صحيح ومجملها أن زوج أيوب حاولت عملاً ففسد عليه صبره من استعانة ببعض الناس على مواساته فلما علم بذلك غضب وأقسم ليضربنّها عدداً من الضرب ثم ندم وكان محبّاً لها، وكانت لائذة به في مدة مرضه فلما سُرِّي عنه أشفق على امرأته من ذلك ولم يكن في دينهم كفارة اليمين فأوحى الله إليه أن يضربها بحُزمة فيها عددٌ من الأعواد بعدد الضربات التي أقسم عليها رفقاً بزوجه لأجله وحفظاً ليمينه من حنثه إذ لا يليق الحنث بمقام النبوءة. وليست هذه القضية ذات أثر في الغرض الذي سيقت لأجله قصة أيوب من الأسوة وإنما ذكرت هنا تكملة لمظهر لطف الله بأيوب جزاء على صبره. ومعاني الآية ظاهرة في أن هذا الترخيص رفق بأيوب، وأنه لم يكن مثله معلوماً في الدّين الذي يدين به أيوبُ إبقاء على تقواه، وإكراماً له لحبه زوجه، ورفقاً بزوجه لبرّها به، فهو رخصة لا محالة في حكم الحنث في اليمين. فجاء علماؤنا ونظروا في الأصل المقرر في المسألة المفروضة في أصول الفقه وهي: أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا إذا حكاه القرآن أو السنة الصحيحة، ولم يكن في شرعنا ما ينسخه من نص أو أصل من أصول الشريعة الإسلامية. فأما الذين لم يروا أن شرع من قبلنا شرع لنا وهم أبو بكر الباقلاني من المالكية وجمهورُ الشافعية وجميعُ الظاهرية فشأنهم في هذا ظاهر، وأما الذين أثبتوا أصل الاقتداء بشرع مَن قبلنا بقيوده المذكورة وهم مالك وأبو حنيفة والشافعي فتخطَّوا للبحث في أن هذا الحكم الذي في هذه الآية هل يقرر مثلُه في فقه الإِسلام في الإِفتاء في الأيمان وهل يتعدى به إلى جعله أصلاً للقياس في كل ضَرب يتعين في الشرع له عدد إذا قام في المضروب عذر يقتضي الترخيص بعد البناء على إثبات القياس على الرخص، وهل يتعدّى به إلى جعله أصلاً للقياس أيضاً لإِثبات أصل مماثل وهو التحيّل بوجه شرعي للتخلص من واجب تكليفٍ شرعي، واقتحموا ذلك على ما في حكاية قصة أيوب من إجمال لا يتبصر به الناظر في صفة يمينه ولا لفظه ولا نيته إذ ليس من مقصد القصة. فأما في الأيمان فقد كفانا الله التكلّف بأن شرع لنا كفارات الأيمان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني فعلت الذي هو خير»تفسير : ، فصار ما في شرعنا ناسخاً لما شرع لأيوب فلا حاجة إلى الخوض فيها، ومذهب الحنفية العمل بذلك استناداً لكونه شرعاً لمن قبلنا وهو قول الشافعي. وقال مالك: هذه خاصة بأيوب أفتى الله بها نبيئاً. وحكى القرطبي عن الشافعي أنه خصه بما إذا حلف ولم تكن له نية كأنه أخرجه مُخرج أقل ما يصدق عليه لفظ الضرب والعدد. وأما القياس على فتوى أيوب في كلّ ضرب معيّن بعدد في غير اليمين، أي في باب الحدود والتعزيرات فهو تطوح في القياس لاختلاف الجنس بين الأصل والفرع، ولاختلاف مقصد الشريعة من الكفارات ومقصدها من الحدود والتعزيرات، ولترتب المفسدة على إهمال الحدود والتعزيرات دون الكفارات. ولا شك أن مثل هذا التسامح في الحدود يفضي إلى إهمالها ومصيرها عبثاً. وما وقع في «سنن أبي داود» من حديث أبي أمامة عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار «أنّ رجلاً منهم كان مريضاً مضنى فدخلت عليه جارية فهشّ لها فوقع عليها فاستفتوا له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما هو إلا جلد على عظْم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربةً واحدة. ورواه غير أبي داود بأسانيد مختلفة وعبارات مختلفة. وما هي إلا قصة واحدة فلا حجة فيه لأنه تطرقته احتمالات. أولها: أن ذلك الرجل كان مريضاً مضنى ولا يُقام الحد على مثله. الثاني: لعلّ المرض قد أخل بعقله إخلالاً أقدمه على الزنا فكان المرض شبهة تدْرأ الحدَّ عنه. الثالث: أنه خبر آحاد لا ينقض به التواتر المعنوي الثابتُ في إقامة الحدود. الرابع: حمله على الخصوصية. ومذهب الشافعي أنه يعمل بذلك في الحد للضرورة كالمرض وهو غريب لأن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف متضَافرة على أن المريض والحامل يُنتظران في إقامة الحد عليهما حتى يبرآ، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن تضرب الحامل بشماريخ، فماذا يفيد هذا الضرب الذي لا يزجر مُجرماً، ولا يدفع مأثماً، وفي «أحكام الجصّاص» عن أبي حنيفة مثل ما للشافعي. وحكى الخطابي أن أبا حنيفة ومالكاً اتفقا على أنه لا حدّ إلا الحد المعروف. فقد اختلف النقل عن أبي حنيفة. {إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب}. علة لجملة {أية : اركض برجلِكَ}تفسير : [ص: 42] وجملة {أية : ووهبنا له أهلهُ}تفسير : [ص: 43]، أي أنعمنا عليه بجبر حاله، لأنا وجدناه صابراً على ما أصابه فهو قدوة للمأمور بقوله: {أية : واصبر على ما يقولون}تفسير : [المزمل: 10] صلى الله عليه وسلم فكانت (إِنَّ) مغنية عن فاء التفريع. ومعنى {وجدناهُ} أنه ظهر في صبره ما كان في علم الله منه. وقوله: {نِعم العبد إنَّهُ أوَّابٌ} مثل قوله في سليمان {أية : نِعم العبد إنَّه أوَّابٌ}تفسير : [ص: 30]، فكان سليمان أوَّاباً لله من فتنة الغنى والنعيم، وأيوب أوَّاباً لله من فتنة الضرّ والاحتياج، وكان الثناء عليهما متماثلاً لاستوائهما في الأوبة وإن اختلفت الدواعي. قال سفيان: أثنى الله على عبدين ابتليا: أحدهما صابر، والآخر شاكر، ثناءً واحداً. فقال لأَيوب ولسليمان {نِعْمَ العبد إنَّه أوَّابٌ}.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَجَدْنَاهُ} (44) - وَكَانَ أَيُّوبُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، قَدْ غَضِبَ عَلَى زَوْجَتِهِ فِي شَيءٍ فَعَلْتَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَأَقْسَمَ إِنْ شَفَاهُ اللهُ تَعَالَى لَيَضْرِبَنَّهَا مِئَةَ جَلْدَةٍ، وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ قَدْ أَخْلَصَتْ لَهُ، وَاحْتَمَلَتْ بَلاَءَهُ بِصَبْرٍ كَبِيرٍ فَكَانَ ضَرْبُها مَعَ كُلِّ مَا احْتَمَلَتْهُ جَزَاءً سَيِّئاً، فَأَفْتَاهُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ حُزْمَةً مِنَ العِيدَانِ فِيهَا مِئَةُ عُودٍ، وَيَضْرِبَها بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَيَتَحَلَّلَ مِنْ يَمِينِهِ، وَلاَ يَحْنَثَ، فَرَحِمَهُ اللهُ بِهَذِهِ الفَتْوَى، وَرَحِمَ زَوْجَتَهُ الصَّابِرَةَ، فَقَدْ كَانَ أَيُّوبُ عَبْداً مُخْلِصاً للهِ، كَثِيرَ الإِنَابَةِ إِلَيْهِ. ضِغْثاً - طَاقَةً أَوْ حُزْمَةً صَغِيرَةً أَوْ قَبْضَةً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الضغث: حزمة الحشيش أو حزمة من شماريخ البلح، وقوله: {وَلاَ تَحْنَثْ ..} [ص: 44] دلَّ على أن المسألة كان فيها يمين يريد الله تعالى لأيوب ألاَّ يحنث فيه، وهذه الآية تلفتنا إلى قصة بيَّنتها السنة، قالوا: إن الشيطان ذهب إلى إحدى زوجات سيدنا أيوب، وقال لها: اطلبي من أيوب أنْ يلجأ إليَّ وأنا أشفيه حالاً، بشرط أنْ يقول: إن الذي شفاني الشيطان، ولأنها كانت مُسْتشرفة لأنْ يبرأ قالت له: والله جاءني خاطر قال لي كذا وكذا، قال: إنه الشيطان استمعت إليه وتريدين أنْ أطيعه، والله الذي لا إله إلا هو لأجلدنك مائة. هذا هو اليمين الذي أراد الله لأيوب ألاَّ يحنث فيه، فقال له: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ ..} [ص: 44]. والنبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل هذا حينما جاءه الرجل الأَحْبَن، أحبن من (حَ بَ نَ) يعني: كبير البطن، أو في بطنه استسقاء، وقد زنى بامرأة هزيلة مريضة، فلما اعترف بجريمته خاف عليه الرسول أنْ يموتَ لو أقام عليه الحد، فأمر بأنْ يُضْربَ بحزمة من الحشيش، أو مائة عود من شماريخ النخل يُضرب بها مرة واحدة. ومعنى {فَٱضْرِب بِّهِ ..} [ص: 44] أي: من آليت على نفسك أنْ تجلده {وَلاَ تَحْنَثْ ..} [ص: 44] أي: في يمينك {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً ..} [ص: 44] فكأن هذا التيسير جزاءٌ له على صبره وعلى رجوعه إلى ربه، فجعل الله له شيئاً يُرضيه بأنْ خفَّفَ عنه حتى الألم الذي يورثه في الغير، لأنه أقسم أنْ يجلد، فكان ينبغي عليه أنْ يُجلد على الحقيقة حتى لا يحنث، لكن خفَّفَ الله عليه حتى لا يؤلمه في أهله.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً} معناه أثلٌ. وقال: جماعةٌ من شجرٍ وقال: حُزمةٌ من رطبةٍ. وقوله تعالى: {إِنَّهُ أَوَّابٌ} بمعنى تَوابٌ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 837 : 20 : 24 - سفين في قوله {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً} قال، لم يجعل لأحد بعده. [الآية 44]. 837 : 21 : 25 - سفين قال، قال مجاهد، كانت له رخصة.

همام الصنعاني

تفسير : 2605- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً}: [الآية: 44]، قال: خذ عوداً فيه تسعة وتسعون عوداً والأصل تمام المائة فضرب به امرأته، وذلك أن امرأته أرادَهَا الشيطان علَى بعض الأمر، فقال لَهَا: قولي لزوجك يقول: كذا وكذا، فقالت له: قل كذا وكَذَا، فحلف حينئذٍ أن يضربها قال: فضربها تلك الضربة، فكانت تِحَلَّةً ليمينه؛ وتخفيفً عن امرأته. 2606- حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبانَ: أنَّ رجُلاً أصابَ فاحشةً على عَهْدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو مريضٌ على شفا موت، فأخبر أهله بما صَنَعَ فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له، قال: فأخَذَ النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم، بقِنوٍ فيهِ مائة شِمْراخٍ، فَضُرِبَ بها ضَرْبَةً واحِدَةً.