Verse. 4015 (AR)

٣٨ - ص

38 - Sad (AR)

وَاذْكُرْ عِبٰدَنَاۗ اِبْرٰہِيْمَ وَاِسْحٰقَ وَيَعْقُوْبَ اُولِي الْاَيْدِيْ وَالْاَبْصَارِ۝۴۵
Waothkur AAibadana ibraheema waishaqa wayaAAqooba olee alaydee waalabsari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدى» أصحاب القوى في العبادة «والأبصار» البصائر في الدين، وفي قراءة عبدنا وإبراهيم بيان له وما بعده عطف على عبدنا.

45

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير: {عَبْدَنَا } على الواحد وهي قراءة ابن عباس، ويقول إن قوله: {عَبْدَنَا } تشريف عظيم، فوجب أن يكون هذا التشريف مخصوصاً بأعظم الناس المذكورين في هذه الآية وهو إبراهيم وقرأ الباقون: {عِبَادِنَا } قالوا لأن غير إبراهيم من الأنبياء قد أجري عليه هذا الوصف فجاء في عيسى: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } تفسير : [الزخرف: 59] وفي أيوب: {أية : نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } تفسير : [ص: 44] وفي نوح: {أية : إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } تفسير : [الإسراء: 3] فمن قرأ (عبدنا) جعل إبراهيم وحده عطف بيان له، ثم عطف ذريته على عبدنا وهي إسحق ويعقوب، ومن قرأ (عبادنا) جعل إبراهيم وإسحق ويعقوب عطف بيان لعبادنا. المسألة الثانية: تقدير الآية كأنه تعالى قال: فاصبر على ما يقولون واذكر عبادنا داود إلى أن قال: واذكر عبادنا إبراهيم أي واذكر يا محمد صبر إبراهيم حين ألقي في النار، وصبر إسحق للذبح، وصبر يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره. ثم قال: {أُوْلِي ٱلأَيْدِى وَٱلأَبْصَـٰرِ }، واعلم أن اليد آلة لأكثر الأعمال والبصر آلة لأقوى الإدراكات، فحسن التعبير عن العمل باليد وعن الإدراك بالبصر. إذا عرفت هذا فنقول النفس الناطقة الإنسانية لها قوتان عاملة وعالمة، أما القوة العاملة فأشرف ما يصدر عنها طاعة الله، وأما القوة العالمة فأشرف ما يصدر عنها معرفة الله، وما سوى هذين القسمين من الأعمال والمعارف فكالعبث والباطل، فقوله: {أُوْلِى ٱلأَيْدِى وَٱلأَبْصَـٰرِ } إشارة إلى هاتين الحالتين. ثم قال تعالى: {إِنَّا أَخْلَصْنٰهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {بِخَالِصَةٍ } قرىء بالتنوين والإضافة فمن نون كان التقدير أخلصناهم أي جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكرى الدار، ومن قرأ بالإضافة فالمعنى بما خلص من ذكرى الدار، يعني أن ذكرى الدار قد تكون لله وقد تكون لغير الله، فالمعنى إنا أخلصناهم بسبب ما خلص من هذا الذكر. المسألة الثانية: في ذكرى الدار وجوه الأولى: المراد أنهم استغرقوا في ذكرى الدار الآخرة وبلغوا في هذا الذكر إلى حيث نسوا الدنيا الثاني: المراد حصول الذكر الجليل الرفيع لهم في الدار الآخرة الثالث: المراد أنه تعالى أبقى لهم الذكر الجميل في الدنيا وقبل دعاءهم في قوله: {أية : وَٱجْعَل لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلأَخِرِينَ } تفسير : [الشعراء: 84]. ثم قال تعالى: {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ } أي المختارين من أبناء جنسهم والأخياء جمع خير أو خير على التخفيف كأموات في جمع ميت أو ميت، واحتج العلماء بهذه الآية في إثبات عصمة الأنبياء قالوا لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم أخياراً على الإطلاق، وهذا يعم حصول الخيرية في جميع الأفعال والصفات بدليل صحة الاستثناء وبدليل دفع الإجمال. ثم قال: {وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مّنَ ٱلأَخْيَارِ } وهم قوم آخرون من الأنبياء تحملوا الشدائد في دين الله، وقد ذكرنا الكلام في شرح هذه الأسماء وفي صفات هؤلاء الأنبياء في سورة الأنبياء وفي سورة الأنعام، فلا فائدة في الإعادة، وههنا آخر الكلام في قصص الأنبياء في هذه السورة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} وقرأ ابن عباس: «عَبْدنَا» بإسناد صحيح؛ رواه ابن عُيينة عن عمرو عن عطاء عنه، وهي قراءة مجاهد وحُميد وابن مُحَيْصن وابن كثير؛ فعلى هذه القراءة يكون «إِبْرَاهِيمَ» بدلاً من «عَبْدَنَا» و«إسْحَاقَ وَيَعْقُوب» عطف. والقراءة بالجمع أبين، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، ويكون «إِبْرَاهِيمَ» وما بعده على البدل. النحاس: وشرح هذا من العربية أنك إذا قلت: رأيت أصحابنا زيداً وعمراً وخالداً، فزيد وعمرو وخالد بدل وهم الأصحاب، وإذا قلت رأيت صاحبنا زيداً وعمراً وخالداً فزيد وحده بدل وهو صاحبنا، وزيد وعمرو عطف على صاحبنا وليسا بداخلين في المصاحبة إلا بدليل غير هذا، غير أنه قد علم أن قوله: {وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} داخل في العبودية. وقد استدل بهذه الآية من قال: إن الذبيح إسحاق لا إسماعيل، وهو الصحيح على ما ذكرناه في كتاب «الإعلام بمولد النبي عليه السلام». {أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ} قال النحاس: أما «الأَبْصَارِ» فمتفق على تأويلها أنها البصائر في الدين والعلم. وأما «الأَيْدِي» فمختلف في تأويلها؛ فأهل التفسير يقولون: إنها القوّة في الدين. وقوم يقولون: «الأَيْدِي» جمع يد وهي النعمة؛ أي هم أصحاب النعم؛ أي الذين أنعم الله عز وجل عليهم. وقيل: هم أصحاب النعم والإحسان؛ لأنهم قد أحسنوا وقدّموا خيراً. وهذا اختيار الطبري. {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ } أي الذين اصطفاهم من الأدناس واختارهم لرسالته. ومصطفَين جمع مصطفى والأصل مصتفى وقد مضى في «البقرة» عند قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ} تفسير : [البقرة: 132] «والأَخْيَار» جمع خير. وقرأ الأعمش وعبد الوارث والحسن وعيسى الثقفي «أولِي الأَيْدِ» بغير ياء في الوصل والوقف على معنى أولي القوّة في طاعة الله. ويجوز أن يكون كمعنى قراءة الجماعة وحذف الياء تخفيفاً. قوله تعالى: {إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ } قراءة العامة «بِخَالِصَةٍ» منونة وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ نافع وشيبة وأبو جعفر وهشام عن ابن عامر «بِخَالِصَةِ ذِكْرى الدَّارِ» بالإضافة فمن نوّن خالصة فـ«ـذِكْرَى الدَّار» بدل منها؛ التقدير إنا أخلصناهم بأن يذكروا الدار الآخرة ويتأهبوا لها، ويرغبوا فيها ويُرَغِّبوا الناس فيها. ويجوز أن يكون «خالِصَةٍ» مصدراً لخلَص و«ذِكْرَى» في موضع رفع بأنها فاعله، والمعنى أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار؛ أي تذكير الدار الآخرة. ويجوز أن يكون «خالصة» مصدراً لأخلصت فحذفت الزيادة، فيكون «ذِكْرَى» على هذا في موضع نصب، التقدير: بأن أخلصوا ذكرى الدار. والدار يجوز أن يراد بها الدنيا؛ أي ليتذكروا الدنيا ويزهدوا فيها، ولتخلص لهم بالثناء الحسن عليهم، كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً}تفسير : [مريم: 50] ويجوز أن يراد بها الدار الآخرة وتذكير الخلق بها. ومن أضاف خالصة إلى الدار فهي مصدر بمعنى الإخلاص، والذكرى مفعول به أضيف إليه المصدر؛ أي بإخلاصهم ذكرى الدار. ويجوز أن يكون المصدر مضافاً إلى الفاعل والخالصة مصدر بمعنى الخلوص؛ أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار، وهي الدار الآخرة أو الدنيا على ما تقدّم. وقال ابن زيد: معنى أخلصناهم أي بذكر الآخرة؛ أي يذكرون الآخرة ويرغبون فيها ويزهدون في الدنيا. وقال مجاهد: المعنى إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تبارك وتعالى مخبراً عن فضائل عباده المرسلين، وأنبيائه العابدين: { وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى ٱلأَيْدِى وَٱلأَبْصَـٰرِ} يعني بذلك: العمل الصالح، والعلم النافع، والقوة في العبادة، والبصيرة النافذة، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {أُوْلِى ٱلأَيْدِى} يقول: أولي القوة والعبادة {وٱلأَبْصَـٰرَ} يقول: الفقه في الدين. وقال مجاهد: {أُوْلِى ٱلأَيْدِى} يعني: القوة في طاعة الله تعالى، والأبصار يعني: البصر في الحق. وقال قتادة والسدي: أعطوا قوة في العبادة، وبصراً في الدين. وقوله تبارك وتعالى: { إِنَّآ أَخْلَصْنَٰهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ} قال مجاهد: أي: جعلناهم يعملون للآخرة، ليس لهم غيرها. وكذا قال السدي: ذكرهم للآخرة، وعملهم لها. وقال مالك بن دينار: نزع الله تعالى من قلوبهم حب الدنيا وذكرها، وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها، وكذا قال عطاء الخراساني. وقال سعيد بن جبير: يعني بالدار: الجنة، يقول: أخلصناها لهم بذكرهم لها، وقال في رواية أخرى: ذكرى الدار: عقبى الدار، وقال قتادة: كانوا يذكرون الناس الدار الآخرة، والعمل لها، وقال ابن زيد: جعل لهم خاصة أفضل شيء في الدار الآخرة. وقوله تعالى: { وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ} أي: لمن المختارين المجتبين الأخيار فهم أخيار مختارون. وقوله تعالى: { وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ} قد تقدم الكلام على قصصهم وأخبارهم مستقصاة في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله عز وجل: {هَـٰذَا ذِكْرٌ} أي: هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر، قال السدي: يعني: القرآن العظيم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى ٱلأَيْدِى } أصحاب القوى في العبادة {وَٱلأَبْصَٰرِ } البصائر في الدين. وفي قراءة «عَبْدَنَا» وإبراهيم بيان له، وما بعده عطف على عبدنا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {واذكُرْ عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} فيه خمسة أوجه: أحدها: أن الأيدي القوة على العبادة، والأبصار الفقه في الدين، قاله ابن عباس. الثاني: أن الأيدي القوة في أمر الله، والأبصار العلم بكتاب الله، قاله قتادة. الثالث: أن الأيدي النعمة رواه الضحاك، والأبصار العقول، قاله مجاهد. الرابع: الأيدي القوة في أبدانهم، والأبصار القوة في أديانهم، قاله عطية. الخامس: أن الأيدي العمل والأبصار العلم، قاله ابن بحر. قال مقاتل: ذكر الله إبراهيم واسحاق ويعقوب ولم يذكر معهم إسماعيل لأن إبراهيم صبر على إلقائه في النار، وصبر إسحاق على الذبح، وصبر يعقوب على ذهاب بصره ولم يبتل إسماعيل ببلوى. قوله عز وجل: {إنا أخلصناهم بخالصةٍ ذكرى الدار} فيه خمسة أوجه: أحدها: نزع الله ما في قلوبهم من الدنيا وذكرها، وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها، قاله مالك بن دينار. الثاني: اصطفيناهم لأفضل ما في الآخرة وأعطيناهم، قاله ابن زياد. الثالث: أخلصناهم بخالصة الكتب المنزلة التي فيها ذكرى الدار الآخرة، وهذا قول مأثور. الرابع: أخلصناهم بالنبوة وذكرى الدار الآخرة، قاله مقاتل. الخامس: أخلصناهم من العاهات والآفات وجعلناهم ذاكرين الدار الآخرة، حكاه النقاش.

ابن عطية

تفسير : قرأ ابن كثير: "واذكر عبدنا" على الإفراد، وهي قراءة ابن عباس وأهل مكة. وقرأ الباقون: "واذكر عبادنا" على الجمع، فأما على هذه القراءة فدخل الثلاثة في الذكر وفي العبودية، وأما على قراءة من قرأ "عبدنا"، فقال مكي وغيره: دخلوا في الذكر ولم يدخلوا في العبودية إلا من غير هذه الآية وفي هذا نظر. وتأول قوم من المتأولين من هذه الآية أن الذبيح {إسحاق} من حيث ذكره الله بعقب ذكر أيوب أنبياء امتحنهم بمحن كما امتحن أيوب، ولم يذكر إسماعيل لأنه ممن لم يمتحن، وهذا ضعيف كله وقرأ الجمهور: "أولي الأيدي". وقرأ الحسن والثقفي والأعمش وابن مسعود: "أولي الأيد"، بحذف الياء، فأما أولو فهو جمع ذو، وأما القراءة الأولى فـ"الأيدي" فيها عبارة عن القوة في طاعة الله، قاله ابن عباس ومجاهد، وقالت فرقة بل هي عبارة عن القوة في طاعة الله، قاله ابن عباس ومجاهد، وقالت فرقة بل هي عبارة عن إحسانهم في الدين وتقديمهم عند الله تعالى أعمال صدق، فهي كالأيادي. وقالت فرقة: بل معناه: أولي الأيد والنعم التي أسداها الله إليهم من النبوءة والمكانة. وقال قوم المعنى: أيدي الجوارح، والمراد الأيدي المتصرفة في الخير والأبصار الثاقبة فيه، لا كالتي هي منهملة في جل الناس، وأما من قرأ "الأيد" دون ياء فيحتمل أن يكون معناها معنى القراءة بالياء وحذفت تخفيفاً، ومن حيث كانت الألف واللام تعاقب التنوين وجب أن تحذف معها كما تحذف مع التنوين. وقالت فرقة: معنى "الأيدي"، القوة، والمراد طاعة الله تعالى. وقوله تعالى: {والأبصار} عبارة عن البصائر، أي يبصرون الحقائق وينظرون بنور الله تعالى، وبنحو هذا فسر الجميع. وقرأ نافع وحده: "إنا أخلصناهم بخالصةِ ذكرى الدار" على إضافة "خالصةِ" إلى {ذكرى}، وهي قراءة أبي جعفر والأعرج وشيبة. وقرأ الباقون والناس: "بخالصةٍ ذكر الدار" على تنوين "خالصة"، وقرأ الأعمش: "بخالصتهم ذكر الدار"، وهي قراءة طلحة. وقوله: {بخالصة} يحتمل أن يكون خالصة اسم فاعل كأنه عبر بها عن مزية أو رتبة، فأما من أضافها إلى "ذكرى"، فـ {ذكرى} مخفوض بالإضافة، ومن نون "خالصةٍ"، فـ {ذكرى} بدل من "خالصة"، ويحتمل قوله: {بخالصة} أن يكون "خالصة" مصدراً كالعاقبة وخائنة الأعين وغير ذلك، فـ {ذكرى} على هذا ما أن يكون في موضع نصب بالمصدر على تقدير: {إنا أخلصناهم} بأن أخلصنا لهم ذكرى الدار، ويكون "خالصة" مصدراً من أخلص على حذف الزوائد، وإما أن يكون {ذكرى} في موضع رفع بالمصدر على تقدير {إنا أخلصناهم} بأن خلصت لهم ذكرى الدار، وتكون "خالصة" من خلص. و {الدار} في كل وجه في موضع نصب بـ {ذكرى}، و {ذكرى} مصدر، وتحتمل الآية أن يريد بـ {الدار} دار الآخر على معنى {أخلصناهم}، بأن خلص لهم التذكير بالدار الآخرة ودعاء الناس إليها وحضهم عليها، وهذا قول قتادة، وعلى معنى خلص لهم ذكرهم للدار الآخرة وخوفهم لها والعمل بحسب قول مجاهد. وقال ابن زيد: المعنى إنا وهبناهم أفضل ما في الدار الآخرة وأخلصناهم به وأعطيناهم إياه، ويحتمل أن يريد بـ {الدار} دار الدنيا على معنى ذكر الثناء والتعظيم من الناس والحمد الباقي الذي هو الخلد المجازي، فتجيء الآية في معنى قوله: {أية : لسان صدق} تفسير : [مريم: 50، الشعراء:84] وفي معنى قوله: {أية : وتركنا عليه في الآخرين} تفسير : [الصافات: 78، 108، 119، 129}. و {المصطفين} أصله: المصطفيين، تحركت الياء وما قبلها مفتوح فانقلبت ألفاً، ثم اجتمع سكون الألف وسكون الياء التي هي علامة الجمع، فحذفت الألف. و {الأخيار} جمع خير، وخير: مخفف من خير كميت وميت. وقرأ حمزة والكسائي: "والليسع"، كأنه أدخل لام التعريف على {اليسع}، فأجراه مجرى ضيغم ونحوه، وهي قراءة علي بن أبي طالب والكوفيين. وقرأ الباقون: "واليسع"، قال أبو علي: الألف واللام فيه زائدتان غير معرفتين كما هي في قول الشاعر: [الكامل] شعر : ولقد جنيتك أكمؤاً وعساقلاً ولقد نهيتك عن بنات الأوبر تفسير : وبنات الأوبر: ضرب من الكمأة. واختلف في نبوة "ذي الكفل"، وقد تقدم تفسير أمره وقوله تعالى: {هذا ذكر} يحتمل معنيين: أحدهما أن يشير إلى مدح من ذكر وإبقاء الشرف له، فيتأيد بهذا التأويل قول من قال آنفاً: إن {الدار} يراد بها الدار الدنيا. والثاني: أن يشير بهذا إلى القرآن، إذ هو ذكر للعالم. و"المآب": المرجع حيث يؤوبون. و {جنات} بدل من "حسن" و {مفتحة} نعت للجنات. و {الأبواب} مفعول لم يسم فاعله، والتقدير عند الكوفيين: مفتحة لهم أبوابها، ولا يجوز ذلك عند أهل البصرة، والتقدير عندهم: الأبواب منها، وإنما دعا إلى هذا الضمير أن الصفة لا بد أن يكون فيها عائداً على الموصوف. و {قاصرات الطرف} قال قتادة معناه: على أزواجهن. و {أتراب} معناه أمثال، وأصله في بني آدم أن تكون الأسنان واحدة، أي مست أجسادهم التراب في وقت واحد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: "يوعدون" بالياء من تحت، واختلفا في سورة: (ق)، فقرأها أبو عمرو بالتاء من فوق. وقرأ الباقون في السورتين بالتاء من فوق. والنفاذ: الفناء والانقضاء.

ابن عبد السلام

تفسير : {الأَيْدِى} القوة على العبادة {وَالأَبْصَارِ} الفقه في الدين، أو الأيدي القوة في أمر الله ـ تعالى ـ والأبصار العلم بكتابه أو الأيدي النعم والأبصار العقول، أو الأيدي قوة أبدانهم والأبصار قوة أديانهم، أو الأيدي العمل والأبصار العلم قيل: لم يذكر معهم إسماعيل لأنه لم يتبلَ وابتلي إبراهيم بالنار وإسحاق بالذبح ويعقوب بذهاب البصر.

النسفي

تفسير : {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَا } {عَبْدَنَا } مكي. {إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } فمن جمع فـ {إِبْرَاهِيمَ } ومن بعده عطف بيان على {عِبَادِنَا } ومن وحد فـ {إبراهيم} وحده عطف بيان له، ثم عطف ذريته على {عَبْدَنَا }ولما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت فقيل في كل عمل هذا مما عملت أيديهم وإن كان عملاً لا تتأتى فيه المباشرة بالأيدي، أو كان العمال جذماً لا أيدي لهم وعلى هذا ورد قوله {أُوْلِى ٱلأَيْدِى وَٱلأَبْصَـٰرِ } أي أولي الأعمال الظاهرة والفكر الباطنة كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يجاهدون في الله ولا يتفكرون أفكار ذوي الديانات في حكم الزمني الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم والمسلوبي العقول الذين لا استبصار لهم، وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله ولا من المستبصرين في دين الله وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما {إِنَّا أَخْلَصْنٰهُمْ } جعلناهم لنا خالصين {بِخَالِصَةٍ } بخصلة خالصة لا شوب فيها. {ذِكْرَى ٱلدَّارِ } {ذِكْرِى } في محل النصب أو الرفع بإضمار «أعني»، أو «هي»، أو الجر على البدل من بـ {خَالِصَة } والمعنى إنا أخلصناهم بذكرى الدار، والدار هنا: الدار الآخرة يعني جعلناهم لنا خالصين بأن جعلناهم يذكرون الناس الدار الآخرة ويزهدونهم في الدنيا كما هو ديدن الأنبياء عليهم السلام، أو معناه أنهم يكثرون ذكر الآخرة والرجوع إلى الله وينسون ذكر الدنيا بخالصة ذكرى الدار، على الإضافة مدني ونافع وهي من إضافة الشيء إلى ما يبينه، لأن الخالصة تكون ذكرى وغير ذكرى. و {ذِكْرى } مصدر مضاف إلى المفعول أي بإخلاصهم ذكرى الدار. وقيل: خالصة بمعنى خلوص فهي مضافة إلى الفاعل أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بِهمٍ آخر، إنما همهم ذكرى الدار لا غير. وقيل: ذكرى الدار الثناء الجميل في الدنيا، وهذا شيء قد أخلصهم به فليس يذكر غيرهم في الدنيا بمثل ما يذكرون به يقويه قوله {أية : وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً }تفسير : [مريم: 50] {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ } المختارين من بين أبناء جنسهم {ٱلأَخْيَارِ } جمع خير أو خير على التخفيف كأموات في جمع ميت أو ميت. {وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ } كأن حرف التعريف دخل على «يسع» {وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ } التنوين عوض عن المضاف إليه أي وكلهم {مِّنَ ٱلأَخْيَارِ هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـئَابٍ } أي هذا شرف وذكر جميل يذكرون به أبداً، وإن لهم مع ذلك لحسن مرجع يعني يذكرون في الدنيا بالجميل ويرجعون في الآخرة إلى مغفرة رب جليل. ثم بين كيفية حسن ذلك المرجع فقال {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } بدل من {حسن مـئاب} {مُّفَتَّحَةً } حال من {جَنَّـٰت} لأنها معرفة لإضافتها إلى {عَدْنٍ } وهو علم، والعامل فيها ما في {لّلْمُتَّقِينَ } من معنى الفعل {لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ } ارتفاع الأبواب بأنها فاعل {مُّفَتَّحَةً } والعائد محذوف أي مفتحة لهم الأبواب منها فحذف كما حذف في قوله {أية : فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ }تفسير : [النازعات: 39] أي لهم أو أبوابها إلا أن الأول أجود، أو هي بدل من الضمير في {مُّفَتَّحَةً } وهو ضمير الجنات تقديره مفتحة هي الأبواب وهو من بدل الاشتمال {مُتَّكِئِينَ } حال من المجرور في {لَهُمْ } والعامل {مُّفَتَّحَةً } {فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ } أي وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول {وَعِندَهُمْ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ } أي قصرن طرفهن على أزواجهن {أَتْرَابٌ } لدات أسنانهن كأسنانهم لأن التحاب بين الأقران أثبت كأن اللدات سمين أتراباً لأن التراب مسهن في وقت واحد. {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ } وبالياء: مكي وأبو عمر {لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } أي ليوم تجزى كل نفس بما عملت {إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ } من انقطاع والجملة حال من الرزق والعامل الإشارة. {هَـٰذَا } خبر والمبتدأ محذوف أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر { وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَأَبٍ} مرجع {جَهَنَّمَ } بدل منه {يَصْلَوْنَهَا } يدخلونها {فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } أي هذا حميم وغساق فليذوقوه، فـ {هَـٰذَا } مبتدأ و {حَمِيم} خبر {وَغَسَّاقٌ } بالتشديد: حمزة وعلي وحفص. والغساق بالتشديد والتخفيف ما يغسق من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحره والغساق يحرق ببرده {وَءَاخرُ} أي وعذاب آخر أو مذوق آخر {مِن شَكْلِهِ } من مثل العذاب المذكور. {وأَخر} بصري أي ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق في الشدة والفظاعة {أَزْوٰجٌ } صفة لـ {ءَاخَرَ }لأنه يجوز أن يكون ضروباً {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ } هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار أي دخل النار في صحبتكم. والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة، والقحمة: الشدة، وهذه حكاية كلام الطاغين بعضهم مع بعض أي يقولون هذا والمراد بالفوج اتباعهم الذين اقتحموا معهم الضلالة فيقتحمون معهم العذاب {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ } دعاء منهم على أتباعهم تقول لن تدعو له مرحباً أي أتيت رحباً من البلاد لا ضيقاً أو رحبت بلادك رحباً ثم تدخل عليه «لا» في دعاء السوء، وبهم بيان للمدعو عليهم {إِنَّهُمْ صَالُو ٱلنَّارِ } أي داخلوها وهو تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم. وقيل: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ } كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم، و {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو ٱلنَّارِ } كلام الرؤساء. وقيل: هذا كله كلام الخزنة. {قَالُواْ } أي الأتباع {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ } أي الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقوله {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا } والضمير للعذاب أو لصليهم أي انكم دعوتمونا إليه فكفرنا باتباعكم {فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } أي النار {قَالُواْ } أي الأتباع {رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً } أي مضاعفاً {فِى ٱلنَّارِ } ومعناه ذا ضعف. ونحوه قوله {رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَـئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا } وهو أن يزيد على عذابه مثله {وَقَالُواْ } الضمير لرؤساء الكفرة {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً } يعنون فقراء المسلمين {كُنَّا نَعُدُّهُمْ } في الدنيا {مِّنَ ٱلأَشْرَارِ } من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى {اتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيّاً } بلفظ الإخبار: عراقي غير عاصم على أنه صفة لـ {رِجَالاً } مثل {كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ ٱلأَشْرَارِ } وبهمزة الاستفهام: غيرهم على أنه إنكار على أنفسهم في الاستسخار منهم، {سُخرِياً }مدني وحمزة وعلي وخلف والمفضل {أَمْ زَاغَتْ } مالت {عَنْهُمُ ٱلأَبْصَـٰرُ } هو متصل بقوله {مَا لَنَا } أي ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها، قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة وبين أن يكونوا من أهل النار إلا أنه خفي عليهم مكانهم {إِنَّ ذٰلِكَ } الذي حكينا عنهم {لَحَقٌّ} لصدق كائن لا محالة لا بد أن يتكلموا به. ثم بين ما هو فقال: هو {تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ } ولما شبه تقاولهم وما يجري بينهم من السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين سماه تخاصماً، ولأن قول الرؤساء {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ } وقول أتباعهم: {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ } من باب الخصومة فسمى التقاول كله تخاصماً لاشتماله على ذلك. {قُلْ } يا محمد لمشركي مكة {إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ } ما أنا إلا رسول منذر أنذركم عذاب الله تعالى {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ } وأقول لكم إن دين الحق توحيد الله وأن تعتقدوا أن لا إله إلا الله {ٱلْوَاحِدُ } بلا ند ولا شريك {ٱلْقَهَّارُ } لكل شيء {رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } له الملك والربوبية في العالم كله {ٱلْعَزِيزُ } الذي لا يغلب إذا عاقب {ٱلْغَفَّارُ } لذنوب من التجأ إليه {قُلْ هُوَ } أي هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولاً منذراً وأن الله واحد لا شريك له {نَبَؤُا عظِيمٌ } لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة. ثم {أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } غافلون {مَا كَانَ لِىَ } حفص {مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } احتج لصحة نبوته بأن ما ينبىء به عن الملإ الأعلى واختصامهم أمر ما كان له به من علم قط، ثم علمه ولم يسلك الطريق الذي يسلكه الناس في علم ما لم يعلموا وهو الأخذ من أهل العلم وقراءة الكتب، فعلم أن ذلك لم يحصل له إلا بالوحي من الله تعالى. {إِن يُوحَىٰ إِلَىَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي لأنما أنا نذير مبين ومعناه ما يوحى إلي إلا للإنذار فحذف اللام وانتصب بإفضاء الفعل إليه، ويجوز أن يرتفع على معنى ما يوحى إلي إلا هذا وهو أن أنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك أي ما أومر إلا بهذا الأمر وحده وليس لي غير ذلك. وبكسر {إِنَّمَا } يزيد على الحكاية أي إلا هذا القول وهو أن أقول لكم إنما أنا نذير مبين ولا أدعي شيئاً آخر. وقيل: النبأ العظيم قصص آدم والإنباء به من غير سماع من أحد. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: القرآن. وعن الحسن: يوم القيامة. والمراد بالملإ الأعلى أصحاب القصة: الملائكة وآدم وإبليس، لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم و {إِذْ يَخْتَصِمُونَ } متعلق بمحذوف إذ المعنى ما كان لي من علم بكلام الملإ الأعلى وقت اختصامهم.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} قرأ ابن كثير: عَبْدَنا بالتوحيد. والباقون عِبَادَنَا بالجمع والرسم يحتملهما، فأما قراءة ابن كثير فإبراهيم بدل، أو بيان، أو بإضمار أعني، وما بعده عطف على نفس "عبدنا" لا على: "إبراهيم"؛ إذ يلزم إبدالُ جمعٍ من مفرد. ولقائل أن يقول: لما كان المراد بِعَبْدِنَا الجنس جاز إبدال الجمع منع كقراءة ابن عباس: "وإلهِ أبيك إبراهيم" في البقرة [133] في أحد القولين. وقد تقدم. وأما قراءة الجماعة، فواضحة لأنها موافقة للأول في الجمع. قال ابن الخطيب: لأن غير إبراهيم من الأنبياء قد أجري عليه هذا الوصف فجاء في حق عيسى: { أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} تفسير : [الزخرف:59] وفي أيوب: {أية : نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ} تفسير : [ص:44] وفي نوح: {أية : إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} تفسير : [الإسراء:3] والمعنى اصبر يا محمد على ما يقولون واذكر صبر أيوب على البلاء واذكر صبر إبراهيم حينَ أُلْقِيَ في النار وصبر إسحاق حين عرض على الذّبح وصبر يعقوب حين فقد ولده وذهب بَصَرُهُ. قوله: "أُوْلِي ٱلأَيْدِي" العامة على ثبوت الياء وهو جمع "يَد" وهي إما الجارحة وكني بذلك عن الأعمال لأن أكثر الأعمال إنما تُزَاوَلُ باليد، وقيل: المراد بالأيدي - جمع يد - المراد بها النّعمة. وقرأ عبدُ الله والأعمش والحسنُ وعيسى: الأيدِ بغير ياء، فقيل: هي الأولى. وإنما حُذِفَت الياء اجتزاء عنها بالكسرة ولأن "أَلْ" تعاقب التنوين والياء تحذف مع التنوين فأُجْرِيتْ مع "أل" إجراؤها معه. وهذا ضعيفٌ جدّاً. وقيل: الأيد القوة، إلاَّ أنَّ الزَّمَخْشَري قال: وتفسيره بالأيد من التأييد قَلِقٌ غير متمكن. انتهى. وكأنه إنما قلق عنده لعطف "الأَبْصار" عليه فهو مناسب للأيدي لا لِلأَيْدِ من التأييد. وقد يقال: إنه لا يراد حقيقة الجوارح، إذ كُلّ أحدٍ كذلك إنما المراد الكناية عن العمل الصالح والتفكر ببصيرته، فلم يقلق حينئذ إذ لم يرد حقيقة الأبصار وكأنه قيل أولي القوة والتفكر بالبصيرة، وقد نَحَا الزمخشري إلى شيء من هذا قبل ذلك، قال ابن عباس: أولي القوة في طاعة الله والأبصار في المعرفة بالله أي البصائر في الدين، وقال قتادة ومجاهد أعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين. قوله: {بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ} بالإضافة وفيها أوجه: أحدها: أن يكون إضافة خالصة إلى "ذكرى"، للبيان لأن الخَالصةَ تكون ذكرى وغيرَ ذكرى كما في قوله: {أية : بِشِهَابٍ قَبَسٍ} تفسير : [النمل: 7] لأن الشهاب يكون قبساً وغيره. الثاني: أن "خالصة" مصدر بمعنى إخلاص فيكون مصدراً مضافاً لمفعوله والفاعل محذوف أي بأنْ أَخْلَصُوا ذكرى الدار وتناسوا عندها ذكر(ى) الدنيا، وقد جاء المصدر على فاعله كالعَافِيَةِ، أو يكون المعنى بأن أَخْلَصْنَا نَحْنُ لَهُمْ ذِكْرَى الدَّارِ. الثالث: أنها مصدر أيضاً بمعنى الخُلُوص فتكون مضافة لفاعلها أي بأن خَلصتْ لهم ذِكْرى الدار. وقرأ الباقون بالتنوين وعدم الإضافة وفيها أوجه: أحدها: أنها مصدر بمعنى الإخلاص فتكون: "ذِكْرَى" منصوباً به، وأن يكون بمعنى الخُلُوص فيكون "ذكرى" مرفوعاً به كما تقدم. والمصدر يعمل منوناً كما يعمل مضافاً. أو يكون خالصة اسم فاعل على بابه، "وذكرى" بدل أو بيان لها. أو منصوب بإضمار أعني، أو مرفوع على إضمار مبتدأ. و "الدار" يجوز أن يكون مفعولاً به "بذكرَى" وأن يكون ظرفاً إما على الاتِّساع، وإما على إسقاط الخافض. ذكرهما أبو البقاء. و "خالصة" إذا كانت صفة فهي صفة لمحذوف أي بسبب خَصْلَةٍ خالصة. فصل من قرأ بالإضافة فمعناه أخلصناهم بذكرى الدار الآخرة إن لم يعملوا لها، والذّكرى بمعنى الذكر. قال مالك بن دينار: نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها، وقال قتادة: كانوا يَدعُون إلى الآخرة وإلى الله عزّ وجلّ. وقال السدي: أخلصوا الخوْف للآخرة، وقيل: أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة، قاله ابن زيد. ومن قرأ بالتنوين فمعناه بخُلّةٍ خالصةٍ وهي ذكرى الدار فتكون "ذكرى الدار" بدلاً عن الخالصة أو جعلناهم مخلصين بما اخترنا من ذكر الآخرة. والمراد بِذكرى الدار: الذكر الجميل الرفيع لهم في الآخرة. وقيل: (إنهم) أبقى لهم الذكر الجميل في الدنيا، وقيل: هو دعاؤهم {أية : وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ} تفسير : [الشعراء:84]. قوله: {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ} أي المختارين من أبناء جنسيهم، والأخيار: جمع خَيْر أو خَيِّر- بالتثقيل والتخفيف - كأموات في جميع مَيِّتٍ أومَيْتٍ. واحتج العلماء بهذه الآية على إثبات عصمة الأنبياء لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم أخياراً على الإطلاق وهذا يعم حصلو الخيرية في جميع الأفعال ولاصفات بدليل صحة الاستثناء منه. قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ} وهم (قوم) آخرون من الأنبياء تحملوا الشدائد في دين الله، وقد تقدم شرح أصحاب هذه الأسماء في سورة "الأنعام".

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ‏{‏واذكر عبادنا إبراهيم‏}‏ ويقول‏:‏ إنما ذكر إبراهيم ثم ذكر بعده ولده‏. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ‏{‏واذكر عبادنا‏} ‏ على الجمع إبراهيم وإسحاق ويعقوب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏أولي الأيدي‏}‏ قال‏:‏ القوة في العبادة ‏ {‏والأبصار‏} ‏ قال‏:‏ البصر في أمر الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ‏ {‏أولي الأيدي والأبصار‏} ‏ قال‏:‏ أما اليد فهو القوة في العمل، وأما الأبصار فالبصر ما هم فيه من أمر دينهم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏أولي الأيدي‏}‏ قال‏:‏ القوة في أمر الله ‏ {‏والأبصار‏} ‏ قال‏:‏ العقل‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏أولي الأيدي والأبصار‏} ‏ قال‏:‏ أولي القوة في العبادة ونصراً في الدين‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار‏} ‏ قال‏:‏ اخلصوا بذلك وبذكرهم دار يوم القيامة‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار‏} ‏ قال‏:‏ بذكر الآخرة، وليس لهم هم ولا ذكر غيرها‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ‏{‏إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار‏} ‏ قال‏:‏ لهذه أخلصهم الله تعالى كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله تعالى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ‏{‏إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار‏} ‏ قال‏:‏ بفضل أهل الجنة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير ‏ {‏ذكرى الدار‏} ‏ قال‏:‏ عقبى الدار‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏"‏واليسع‏"‏ خفيفة‏.‏ وعن الأعمش أنه قرأ‏ "‏اليسع"‏ مشددة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ}. عطفُ بـيانٍ لعبادَنا. وقُرىء عبدَنا إمَّا على أنَّ إبراهيمَ وحدَهُ لمزيد شرفهِ عطفُ بـيانٍ، وقيل: بدلٌ وقيل نُصبَ بإضمارِ أَعْنِي، والباقيانِ عطفٌ على عَبدنا، وإمَّا على أنَّ عبدَنا اسمُ جنسٍ وضعَ موضعَ الجمع. {أُوْلِى ٱلأَيْدِى وَٱلأَبْصَـٰر} أُولي القوَّةِ في الطَّاعةِ والبصيرةِ في الدِّينِ أو أولي الأعمالِ الجليلةِ والعلومِ الشَّريفةِ فعبَّر بالأيدِي عن الأعمالِ لأنَّ أكثرَها تُباشر بها، وبالأبصارِ عن المعارفِ لأنَّها أقوى مباديها، وفيه تعريضٌ بالجَهَلةِ البطَّالينَ أنَّهم كالزَّمنىٰ والعُماةِ وتوبـيخٌ على تركِهم المجاهدةِ والتَّأمُّلِ مع تمكُّنِهم منهما. وقُرىء أُولي الأيدِ بطرحِ الياءِ والاكتفاءِ بالكسر. وقُرىء أُولي الأيادِي على جمعِ الجمعِ. {إِنَّا أَخْلَصْنٰهُمْ بِخَالِصَةٍ} تعليلٌ لما وُصفوا به من شرفِ العُبودَّيةِ وعلوِّ الرُّتبةِ في العلم والعمل أي جعلناهم خالصينَ لنا بخصلةٍ خالصةٍ عظيمةَ الشَّأنِ كما يُنبىءُ عنه التَّنكيرُ التَّفخيميُّ. وقولُه تعالى {ذِكْرَى ٱلدَّارِ} بـيانٌ للخالصةِ بعد إبهامِها للتَّفخيم أي تذكرٍ للدَّارِ الآخرةِ دائماً فإنَّ خُلوصَهم في الطَّاعةِ بسببِ تذكُّرِهم لها وذلكَ لأنَّ مطمحَ أنظارِهم ومطرح أفكارِهم في كلِّ ما يأتُون وما يذرون جوارُ الله عزَّ وجلَّ والفوزُ بلقائهِ ولا يتسنَّى ذلك إلاَّ في الآخرةِ وقيل: أخلصناهُم بتوفيقِهم لها واللُّطفِ بهم في اختيارِها ويعضد الأوَّلَ قراءةُ من قرأ بخالصتِهم. وإطلاق الدَّارِ للإشعارِ بأنَّها الدَّارُ في الحقيقةِ وإنَّما الدُّنيا مَعْبرٌ. وقُرىء بإضافةِ خالصةٍ إلى ذِكرى أي بما خلُص من ذِكرى الدَّارِ على معنى أنَّهم لا يشوبُون ذكراها بهمَ آخرَ أصلاً أو تذكيرهم الآخرةَ وترغيبُهم فيها وتزهيدُهم في الدُّنيا كما هو شأنُ الأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقيل: ذِكرى الدَّارِ الثَّناءُ الجميلُ في الدُّنيا ولسانُ الصِّدقِ الذي ليس لغيرِهم. {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ} لمن المُختارين من أمثالِهم المصطَفَين عليهم في الخيرِ. والأخيار جمعُ خَيْرٍ كشرَ وأشرارٍ، وقيل: جمعُ خَيِّرٍ أو خَيْرٍ مُخفَّفٍ منْهُ كأمواتٍ في جمعِ مَيِّتٍ ومَيْتٍ {وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ} فُصلَ ذكرُه عن ذكره أبـيه وأخيهِ للإشعارِ بعراقتِه في الصَّبرِ الذي هُو المقصودُ بالتَّذكيرِ. {وَٱلْيَسَعَ} هو ابن أخطوب بنِ العجوزِ استخلفَه الياسُ على بني إسرائيلَ ثم استُنبىء واللامُ فيه حرفُ تعريفٍ دخلَ على يسع كما في قولِ مَن قال: [الطويل] شعر : رأيتُ الوليدَ بنَ اليزيدِ مُبارَكاً [شديداً بأعباءِ الخلافة كاهلُهْ] تفسير : وقُرىء واللَّيسع كأنَّ أصله لَيْسع فَيْعل من اللَّسعِ دخلَ عليه حرفُ التَّعريفِ وقيل: هو على القراءتينِ عَلَم أعجميٌّ دخل عليه اللامُ وقيل: هو يُوشع.{وَذَا ٱلْكِفْلِ} هو ابنُ عمِّ يسع أو بشر بن أيوب. واختُلف في نبوَّتِه ولقبهِ فقيل فرَّ إليه مائةُ نبـيَ من بني إسرائيلَ من القتل فآواهُم وكَفَلهم، وقيل كُفل بعملِ رجلٍ صالحٍ كان يُصلِّي كلَّ يومٍ مائةَ صلاة {وَكُلٌّ} أي وكلُّهم {مّنَ ٱلأَخْيَارِ} المشهورينَ بالخيريَّةِ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ}. {أُوْلِي ٱلأَيْدِي}: أي القوة. {وَٱلأَبْصَارِ} أي البصائر. {إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ}: أي بفضيلة خالصة وهي ذكر الجنة والنار، أو بدعاء الناس إلى الجنة والهرب مِنَ النار. ويقال بسلامة القلب من ذكر الدارين؛ فلا يكون العمل على ملاحظة جزاء. ويقال تجردوا لنا بقلوبهم عن ذكري الدار، {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذكر عبادنا} المخصوصين من اهل العناية {ابراهيم واسحق} ابن ابراهيم {ويعقوب} ابن اسحق ثم اومأ الى وجه اختصاصهم بجنابه تعالى فقال {اولى الايدى} ذوى الايدى وهى جمع يد بمعنى الجارحة فى الاصل اريد بها القوة مجازا بمعونة المقام وذلك لكونها سبب التقوى على اكثر الاعمال وبها يحصل البطش والقهر ولم تجمع القوة لكونها مصدرا يتناول الكثير {والابصار} جمع بصر حمل على بصر القلب ويسمى البصيرة وهى القوة التى يتمكن بها الانسان من ادراك المعقولات. قال فى المفردات البصر يقال للجارحة الناظرة وللقوة التى فيها ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة. وجمع البصر ابصار وجمع البصيرة بصائر. والمعنى ذوى القوة فى الطاعة والبصيرة فى امور الدين. ويجوز ان يراد بالايدى الاعمال الجليلة لان اكثر الاعمال تباشر بها فغلب الاعمال بالايدى على سائر الاعمال التى تباشر بغيرها وان يراد بالابصار المعارف والعلوم الشريفة لان البصر والنظر اقوى مباديها وهم ارباب الكمالات العملية والنظرية والذين لا يفكرون فكر ذوى الديانات فى حكم من لا استبصار لهم. وفيه تعريض بالجهلة البطالين وانهم كالزمنى والعميان حيث لا يعملون عمل الآخرة ولا يستبصرون فى دين الله وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع تمكنهم منهما: وفى المثنوى شعر : اندرين ره مىتراش ومىخراش تا دم آخر دمى فارغ مباش

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {واذكر عبادنا}، وقرأ المكي: "عبدنا"، إما على إرادة الخبر، وإما أن يريد "إبراهيم" وحده لشرفه، ثم عطف عليه من بعده، ثم بيَّنهم بقوله: {إِبراهيمَ وإِسحاقَ ويعقوبَ أُولي الأيدي والأبصارِ} أي: أُولي القوة في الطاعة والبصيرة في الدين، أو: أُولي الأعمال الجليلة، والعلوم الشريفة. فعبَّر بالأيدي عن الأعمال؛ لأن أكثرها تُباشر بها، وبالأبصار عن المعارف؛ لأنها أقوى مبادئها. وفيه تعريض بالجهلة الباطلين، كأنهم كالزّمنى والعماة، وتوبيخ على ترك المجاهدة والفكرة مع تمكنهم منهما. {إِنا أخلصناهم بخالصةٍ} أي: جعلناهم خالصين لنا بخصلة عظيمة الشأن، لا شوب فيها، هي {ذِكْرَى الدَّارِ} أي: تذكر للدار الآخرة على الدوام، فإنَّ خلوصهم في الطاعة بسبب تذكرهم لها، وذلك لأن مطمح أنظارهم، ومسرح أفكارهم، في كل ما يأتون وما يذرون، جوار الله عزّ وجل، والفوز بلقائه، ولا يتأتى ذلك على الدوام إلا في الآخرة، فمطلبهم إنما هو الجوار والرؤية. لا مجرد الحضور في تلك الدار، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: شعر : ليسَ سُؤلي من الجِنَان نَعيماً غيرَ أَنِّي أريدُها لأراكَ تفسير : قال ابن عطية: يحتمل أن يكون معنى الآية: {إِنا أخلصناهم} بأن خلص لهم التذكير بالدار الآخرة، ودعاء الناس إليها، أي: وتزهيدهم في الدنيا، كما هو دَيدن الأنبياء والرسل. وهذا قول قتادة، أو: إنا أخلصناهم بأن خلص لهم ذكرهم للدار الآخرة وخوفهم والعمل بحسب ذلك. وهذا قول مجاهد. هـ. قلت: مرتبة الرسل تنافي العمل لحرف، فإنَّ أولياء هذه الأمة تحرّروا من العمل للحرف، بل عبدوا الله شكراً ومحبة وعبودية، لا طمعاً في شيء، فكيف بأكابر الرسل. وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار في الحقيقة، وإنما الدنيا معبر إليها. ومَن قرأ بالإضافة، فمن إضافة الشيء إلى ما بيَّنَهُ؛ لأن الخالصة تكون ذكرى وغير ذكرى، و "ذكرى": مصدر مضاف إلى المفعول، أي: بإخلاصهم ذكرى الدار. وقيل: خالصة بمعنى خلوص، وهي مضافة إلى الفاعل، أي: بأن خلصت لهم ذكرى الدار، على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بشيء آخر، إنما همّهم ذكرى الدار الآخرة لجوار الحبيب. {وإِنهم عندنا لمن المصْطَفَيْنَ} المختارين من بين أبناء جنسهم {الأخْيارِ}: جمع خيّر، أو: خيْر، على التخفيف، كأموات جمع ميّت، أو: ميْت. الإشارة: أولياء هذه الأمة ـ أي: العارفون بالله ـ يزاحمون الأنبياء والرسل في جلّ المراتب، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" تفسير : أي: العلماء بالله؛ فإنهم لم يقفوا مع دنيا ولا مع آخرة، بل حطُّوا هممهم على الله، ولم يقصدوا شيئاً سواه، خلعوا النعلين عن الكونين، وركضوا إلى المكوِّن، وكانت لهم اليد الطولى في عمل الطاعات عبوديةً، والبصيرة النافذة في مشاهدة الربوبية، هذه طريقهم، وهذا مذهبهم، ومَن حاد منهم عن هذا لم يعدّوه منهم. جعلنا الله ممن خرط في سلكهم. ثم ذكر بقية بنيه، فقال: {وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير {واذكر عبدنا إبراهيم} على التوحيد. والباقون على الجمع. وقرأ نافع {بخالصة ذكرى الدار} مضافاً. الباقون بالتنوين. من نون جعل {ذكرى} بدلا من (خالصة) وموضعه جر، ويجوز أن يكون نصباً باضمار (اعني) او يكون معمول خالصة - في قول ابي عبيدة - ويجوز أن يكون رفعاً باضمار هي ذكرى، كما قال {أية : قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار} تفسير : اي هي النار، قال ابو علي: {الدار} يحتمل ان يكون الدنيا ويحتمل أن يكون الآخرة اي باخلاصهم ذكرى في الدنيا، فاذا حملت على دار الاخرة، فعلى تقدير إخلاصهم ذكرى الدار. ويكون ذكرهم لها وجل قلوبهم منها ومن حسابها، كما قال {أية : وهم من الساعة مشفقون} تفسير : فالدار عندهم على هذا مفعول به، وليست كالوجه المتقدم. فأما من اضاف فانه يكون قد اضاف إلى المفعول، كأنهم باخلاصهم ذكرى الدار والخوف منها اخلصوا ذكرها والخوف منها لله تعالى، ويكون على اضافة المصدر إلى الفاعل وتقديره بأن خلصت لهم ذكرى الدار. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصماً {والليسع} بلامين. الباقون بلام واحدة من قرأ بلامين ادخل على اللام الالف واللام، ثم ادغم احداهما في الأخرى كما قال الشاعر: شعر : وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا شديداً بأعباء الخلافة كاهله تفسير : لانه قدره تقدير النكرة، وقرأ {هذا ما يوعدون} بالياء ابن كثير وابو عمرو، وفي سورة ق ابن كثير وحده. الباقون بالتاء. من قرأ بالياء فللغيبة، ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب، ومن قرأ {عبدنا} على التوحيد يجوز ان يكون خص به ابراهيم بكونه عبداً له كما خصه بالخلة، ويجوز أن يكون لان لفظه يدل على القليل والكثير. ومن جمع فلانه ذكر جماعة. يقول الله تعالى مخاطباً لنبيه {واذكر} يا محمد {عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب} فمن قرأ بالجمع فلأنه ذكر جماعة. ومن قرأ بالتوحيد فلان لفظة (عبد) لفظ جنس يقع على القليل والكثير، ثم وصفهم فقال {أولي الأيدي} يعني اولي القوة على العبادة {والأبصار} الفقه في الدين - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - وقيل: {أولي الأيدي} معناه اولي الاعمال الصالحة، وقيل معناه اولي النعم في الدين، قال الشاعر: شعر : فاعمل لما يعلو فمالك بالـ ـذي لا تستطيع من الأمور تدان تفسير : ثم اخبر تعالى عن حال هؤلاء الذين وصفهم، فقال {انا أخلصناهم} فالاخلاص إخراج كل شائب من الشيء ليس من شكله، فهؤلاء الابرار قد اخلصهم الله لنعيم الجنان بلطفه في ما لازموه من الاحسان. وقوله {بخالصة ذكرى الدار} معناه إنا اخلصنا ابراهيم وإسحاق ويعقوب بخلة خلصت لهم. ثم قال {ذكرى الدار} بدلا من (خالصة) اي يذكرون بدار الآخرة ويزهدون في الدنيا، ويجوز ان يكون المعنى إنهم يكثرون ذكر الآخرة والرجوع إلى الله، ومعنى {أخلصناهم} اصفيناهم، قال الطبري: معناه اخلصناهم بأفضل ما في الآخرة، هذا على قول من اضاف، وهو قول ابن زيد. ومن نون فالمعنى الخالصة التي اخلصناهم بها هي ذكرى الدار للعمل لها فناهيك بها من خالصة ادت اليها وهي الجنة. ثم قال {وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} والاصطفاء إخراج الصفوة من كل شيء فهم صفوة وغيرهم كدر، فالله تعالى اصطفى هؤلاء الانبياء بأن اختارهم لنبوته بحسب ما سبق في علمه انه يكون منهم من القيام باعباء النبوة والمسارعة إلى الخير والتبرز في الفضل. والذكر الذي يحتاج اليه على وجهين: ذكر ما يجب بالرغبة فيه والدعاء اليه وذكر ما يتقى بالرهبة منه والتحذير منه. وفي ذلك تمام الداعي والصارف اللذين تقتضيهما الحكمة. و {الأخيار} جمع خير على وزن (أموات) جمع (ميت) وهو من يفعل الأفعال الكثيرة الحسنة. وقيل هو جمع (خير) ومثله (الابرار) جمع (بر) وصفوا بالمصدر. وقال مجاهد وقتادة: {ذكرى الدار} دار الآخرة وقال ابن زيد: هي دار الجنة. كما قال تعالى {أية : ولنعم دار المتقين}تفسير : قيل: إنهم كانوا يذكرونها للعمل لها ودعاء الناس اليها. وقيل: ذكرى الدار بالثناء الذي ليس لغيرهم من اجل قيامهم بالنبوة. وقيل: الاصطفاء الاختصاص بمدحهم بأنهم هم الصفوة. وقيل: إنما خاطب الله النبي صلى الله عليه وآله أن يذكرهم بصبرهم وفضلهم ليسلك طريقهم. ثم قال له صلى الله عليه وآله {واذكر} أيضاً {إسماعيل واليسع وذا الكفل} بمثل ذلك. ثم اخبر عنهم بأنهم كلهم من الاخيار. وقيل ذو الكفل ذو الضعف من الثواب. وقيل كان اسمه ذلك. وقيل: سمي بذلك لأنه تكفل بأمر انبياء خلصهم الله من القتل به. وقيل تكفل بعمل صالح فسمي به. ثم قال تعالى {هذا ذكر} ومعناه إن ما اخبرنا عنهم ذكر أي شرف لهم وذكر جميل وثناء حسن يذكرون به في الدنيا {وإن للمتقين لحسن مآب} يعني حسن المرجع في الآخرة، لأنهم يرجعون إلى الجنة. ثم بين ذلك المآب، فقال {جنات عدن} وهو في موضع جر على البدل من {مآب} والجنات جمع جنة وهي البستان التي يجنها الشجر {عدن} يعني موضع إقامة وخلود {مفتحة لهم الأبواب} قيل تنفتح من غير كلفة، قال الحسن تكلم: انفتحي انغلقي، ورفعت {الأبواب} لان تقديره مفتحة لهم ابوابها، فدخلت الألف واللام بدلا من الاضافة، كما يقولون: مررت برجل حسنة عينه قبيح أنفه يريدون قبيح الانف - ذكره الفراء - وقال الزجاج: تقديره مفتحة لهم الابواب منها، ولو نصب {الأبواب} لجاز، كقول الشاعر: شعر : فما قومي بتغلبة بن سعد ولا بفزارة الشعث الرقابا تفسير : هذا على شبه المفعول. ثم وصف تعالى الذين يحصلون في الجنة فقال {متكئين فيها على الأرائك} فالاتكاء الاستناد إلى المساند، ومنه الوكاء لانه يستمسك به ما في الوعاء {يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب} أي يستدعون الفواكه للاكل والشراب للشرب {وعندهم قاصرات الطرف أتراب} يعني قصرن على ازواجهن فمالهن في غيرهم بغية، فالقاصر نقيض الماد، يقال هو قاصر طرفه عن فلان وماد عينه إلى فلان قال امرؤ القيس: شعر : من القاصرات الطرف لودب محول من الذر فوق الاتب منها لأثرا تفسير : والاتراب الأقران على سن واحد ليس فيهن هرمة ولا عجوز. قال الفراء: لا يقال الاتراب إلا في الأناث، ولا يقال في الذكران قال ابن أبي ربيعة: شعر : ابرزوها مثل المهاة تهادى بين عشر كواعب اتراب تفسير : والترب اللذة وهو مأخوذ من اللعب بالتراب. وقيل: اتراب على مقدار سن الازواج من غير زيادة ولا نقصان. ثم قال تعالى {هذا ما توعدون} فمن قرأ بالتاء فعلى انه يقال لهم ويخاطبون بهذا القول. ومن قرأ بالياء فعلى الخبر عن حالهم {ليوم الحساب} يعني يوم الجزاء. ثم قال تعالى {إن هذا} يعني الذي وصفته من الجنة وما فيها من أنواع اللذات {لرزقنا ما له من نفاد} يعني من انقطاع لأنه على سبيل الدوام، وهو قول قتادة.

الجنابذي

تفسير : يعنى انّهم كانوا صاحبى النّعم فى الدّنيا وصاحبى البصيرة فى امر الآخرة حتّى لا تنسى انت ولا امّتك حين النّعمة امر الآخرة وتجعلوا دنياكم مقدّمة لآخرتكم كما فعل هؤلاء.

الأعقم

تفسير : {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب}، قيل: اذكرهم بفضلهم وصبرهم لتسلك طريقهم {أولي الأيدي} أي ذو القوة على العباد {والأبصار} الفقه في الدين، وقيل: أولوا العلم والعمل {إنا أخلصناهم} جعلناهم لنا خالصين {بخالصة ذكرى الدار} يعني ذكرهم الآخرة ورغبهم فيها وتزهيدهم في الدنيا كما هم ببيان الأنبياء، وقيل: اخلصوا ذكر الله وأخلص الله قلوبهم لذكر دار الآخرة، وقيل: ذكر الدار يعني ذكر الناس لهم بالثناء الحسن الذي ليس لغيرهم من أجل قيامهم بالنبوة {وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} المختارين للنبوة الأخيار في الدنيا للمنزلة الرفيعة وفي الآخرة بالدرجة العظيمة {واذكر اسماعيل واليسع} أي يسع الحكمة والعلم ومعرفة الله تعالى {وذا الكفل}، قيل: ذا الضعف من الثواب قال تعالى: {أية : يؤتكم كفلين من رحمته} تفسير : [الحديد: 28] قيل: هو زكريا تكفل بأمرهم، وقيل: هو حزقيل {وكل من الأخيار} وكلهم من الأخيار {هذا ذكر} أي هذا نوع من الذكر وهو القرآن، وقيل: معناه هذا شرف وذكر جميل تذكرون به، وعن ابن عباس: {هذا ذكر} من مضامن الأنبياء {وإن للمتقين} من يتقي المعاصي {لحسن مآب} مرجع وهو الجنة، والمآب أحسن مكان، فسَّره فقال: {جنّات عدن مفتحة لهم الأبواب} {متكئين فيها} يعني جالسين آمنين جلسة الملوك {يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب} {وعندهم قاصرات} قصرن أعينهن على أزواجهن {أتراب}، قيل: أقران على سن واحد ليس فيهن عجوز {هذا ما توعدون ليوم الحساب} {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} أي انقطاع، أي {هذا} الثواب للمتقين {وإن للطاغين} العصاة {لشر مآب} مرجع ولا مآب أشر من نار تلظى {جهنم يصلونها} أي يصيرون وقود جهنم {فبئس المهاد} أي بئس الفراش {هذا فليذوقوه حميم وغساق}، قيل: هو القيح الذي يسيل منهم، وقيل: هو عين في جهنم يسيل اليها كل ذات حُمَةٍ من حيات وعقارب، وقيل: هو ما يسيل من دموعهم يسبقونه نعوذ بالله منه ونستجير {وآخر من شكله} أي من ضعف العذاب وجنسه في الشدَّة، وقيل: هو الزمهرير، وقيل: السلاسل والأغلال {أزواج} أجناس {هذا فوج} جماعة {مقتحم معكم} النار، وهذه حكاية كلام الطاغين بعضهم مع بعض أي يقولون هذا، والمراد الفوج اتباعهم الذين اقتحموا معهم الضلالة فيقحمون معهم العذاب {لا مرحباً بهم} دعا منهم على اتباعهم يقولون لمن دعا عليهم لا مرحبا أي لا رحباً من البلاد، ونحو قوله تعالى: {أية : كلما دخلت أمة لعنت أختها}تفسير : [الأعراف: 38]، وقيل: هذا فوج مقتحم كلام الخزنة لرؤساء الكفار في اتباعهم لا مرحباً بهم، فقالوا: النار كلام الرؤساء، وقيل: هذا كله كلام الخزنة {قالوا} اي الاتباع {بل أنتم لا مرحبا بكم} يريدون الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا بقولهم: {أنتم قدمتموه لنا} والصبر للعذاب أو لصلبهم {فبئس القرار} {قالوا} يعني الأتباع {ربنا من قدّم لنا هذا} من شرع لنا هذا وهم القادة والرؤساء {فزده عذاباً ضعفاً} على عذابنا {في النار}، وقيل: حيات وأفاعي {وقالوا} يعني الكفار، وقيل: صناديد قريش {ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار} مثل بلال وصهيب وعمار وغيرهم يعنون بذلك فقراء المسلمين {اتخذناهم سخرياً} وليسوا كذلك فلم يدخلوا النار {أم زاغت} أبصارنا عنهم وهم فيها، وقيل: يجوز أنهم علموا أنهم استحقوا الثواب لإِيمانهم ولأنهم كانوا أعداء فلا بد من انصاف، قالوا: معناه الآية أم بمعنى بل، زاغت: مالت أبصارنا عنهم ولا شك أنهم في الجنة، وقيل: بل هو خطاب الأتباع والقادة، يعني أيا من كنتم تقولون أنهم أشرار وكنا نسخر منهم بقولكم {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} يعني تخاصمهم على ما تقدم من قولهم لا مرحباً بكم، أو قولهم اتخذناهم سخريا.

الهواري

تفسير : قوله: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَآ} يقول للنبي عليه السلام: واذكر عبادنا {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ} قال بعضهم: {أُوْلِي الأَيْدِي}، أولي القوة في أمر الله، {والأَبْصَارِ}، أي في كتاب الله. وقال الحسن: {أُوْلِي الأَيْدِي} أي: أولي القوة في عبادة الله. قال الله: {إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} أي: الدار الآخرة. والذكرى الجنة. {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ} أي: المختارين؛ اختارهم الله للنبوّة، وقال الكلبي: اصطفاهم بذِكرِ الآخرة واختصّهم بها. قوله: {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الأَخْيَارِ}. ذكروا عن أبي موسى الأشعري أنه قال: إن ذا الكفل لم يكن نبياً، ولكنه كان عبداً صالحاً تكفّل بنبي عند موته كان يصلي لله مائة صلاة، فأحسن الله عليه الثناء. وقال مجاهد: إن ذا الكفل كان رجلاً صالحاً ليس بنبي، تكفل لنبي بأن يكفل له أمر قومه فيقيمه له ويقضي بينهم بالعدل. قوله: {هَذَا ذِكْرٌ} يعني القرآن {وَإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} أي: لحسن مرجع. {جَنَّاتِ عَدْنٍ}، وهي ريح الجنة سببه الخيار إليها. {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ} [أي: منها]. ذكر بعضهم: أن مصراعي الجنة ذهب، بين المصراعين أربعون عاماً. {مُتَّكِئِينَ فِيهَا} أي: على السرر، وفيها إضمار. {يَدْعُونَ فِيهَا} أي: في الجنة {بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ}. أي: بفاكهة لا تنقطع عنهم {وَشَرَابٍ} أي: أنهار تجري بما اشتهوا.

اطفيش

تفسير : {وَاذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ} ابراهيم علي ما عطف عليه بدل من عبادنا أو بيان. وقرأ ابن كثير (عبدنا) بالافراد على أن الاضافة للجنس فهو كالجمع فيضع ابدال الثلاثة منه أو المراد به ابراهيم فيعطف اسحاق ويعقوب على عبدنا* {أُوْلِى} أي أصحاب {الأَيْدِى وَالأَبْصَارِ} الايدى القوة في الطاعة قاله الجمهور ومنهم ابن عباس ومجاهد والابصار البصائر في الدين وهو قولهما وقول الجمهور أي يبصرون الحقائق ويعرفون الله وينظرون بنور الله لما كانت الاعمال تباشر بالايدي غالباً، قيل في كل عمل هذا مما عملته يداه ولو كان العمل مما يعمل باليد أو العامل لا يد له وفي الآية تعريض بمن لم يكن من عمال الله ولا من المستبصرين في الدين فانهم في حكم من لا يد له من الزمنى وفى حكم من لا عقل له وفيها توبيخهم على ترك المجاهدة والتأمل مع التمكن منهما في حكم من لا يد ولا بصر له؛ قال بعضهم: باليد أكثر الاعمال وبالبصر أقوى الادراكات فعبر بالايدي عن العمل وعن الادراك بالبصر وقيل: للانسان قوي عالمية وعاملية وأشرف ما يصدر عن العالمية معرفة الله فعبر عنها بالبصائر أي بصر القلب وأشرف ما يصدر عن العاملية طاعته وعبر عنها بالايدي كأنه قيل أولي الاعمال الجليلة والعلوم الشريفة وقيل الايدي والنعم. وقرأ ابن مسعود: (أولي الايد) بعدم الياء اكتفاء بالكسرة وقيل من التأييد أي التقوية فلا حذف وقَرئ (أولى الاياد) على أنه جمع (أيد) والايدي جمع يد

الالوسي

تفسير : {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } الثلاثة عطف بيان لعبادنا أو بدل منه. وقيل: نصب باضمار أعني. وقرأ ابن عباس وابن كثير وأهل مكة {عبدنا} بالإفراد فإبراهيم وحده بدل أو عطف بيان أو مفعول أعني، وخص بعنوان العبودية لميزد شرفه، وما بعده عطف على {عبدنا} وجوز أن يكون المراد بعبدنا عبادنا وضعاً للجنس موضع الجمع فتتحد القراءتان {أُوْلِى ٱلاْيْدِى وَٱلاْبْصَـٰرِ } أولي القوة في الطاعة والبصيرة في الدين على أن الأيدي مجاز مرسل عن القوة، والأبصار جمع بصر بمعنى بصيرة وهو مجاز أيضاً لكنه مشهور فيه أو أولي الأعمال الجليلة والعلوم الشريفة على أن ذكر الأيدي من ذكر السبب وإرادة المسبب، والأبصار بمعنى البصائر مجاز عما يتفرع عليها من العلوم كالأول أيضاً، وفي ذلك على الوجهين تعريض بالجهلة البطالين أنهم كفاقدي الأيدي والأبصار وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع تمكنهم منهما، وقيل: الأيدي النعم أي أولي التي أسداها الله تعالى إليهم من النبوة والمكانة أو أولي النعم والإحسانات على الناس بإرشادهم وتعليمهم إياهم، وفيه ما فيه. وقرىء {الأيادي} على جمع الجمع كأوطف وأواطف، وقرأ عبد الله والحسن وعيسى والأعمش {ٱلاْيْدِ } بغير ياء فقيل يراد الأيدي بالياء وحذفت اجتزاء بالكسرة عنها، ولما كانت أل تعاقب التنوين حذفت الياء معها كما حذفت مع التنوين حكاه أبو حيان ثم قال: وهذا تخريج لا يسوغ لأن حذف هذه الياء مع وجود أل ذكره سيبويه في الضرائر، وقيل: الأيد القوة في طاعة الله تعالى نظر ما تقدم. وقال الزمخشري بعد تعليل الحذف بالاكتفاء بالكسرة وتفسيره بالأيد من التأييد قلق غير متمكن وعُلِّل بأن فيه فوات المقابلة وفوات النكتة البيانية فلا تغفل.

ابن عاشور

تفسير : القول فيه كالقول في نظائره لغةً ومعنى. وذِكر هؤلاء الثلاثة ذكر اقتداء وائتساء بهم، فأما إبراهيم عليه السّلام فيما عرف من صبره على أذى قومه، وإلقائه في النار، وابتلائه بتكليف ذبح ابنه، وأما ذِكر إسحاق ويعقوبَ فاستطراد بمناسبة ذكر إبراهيم ولما اشتركا به من الفضائل مع أبيهم التي يجمعها اشتراكهم في معنى قوله: {أُولي الأيدِي والأبصارِ} ليقتدي النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثتهم في القوة في إقامة الدين والبصيرة في حقائق الأمور. وابتدىء بإبراهيم لتفضيله بمقام الرسالة والشريعة، وعطف عليه ذكر ابنه وعطف على ابِنه ابنه يعقوب. وقرأ الجمهور {واذكر عبادنا} بصيغة الجمع على أن {إبراهيم} ومن عطف عليه كله عطف بيان. وقرأ ابن كثير {عَبدنا} بصيغة الإفراد على أن يكون {إِبْرَاهِيمَ}عطف بيان من {عبدنا} ويكون {إسحاق ويعقوب} عطف نسق على {عبدنا}. ومآل القراءتين متّحد. و {الأيدي}: جمع يد بمعنى القوة في الدين. كقوله تعالى: {أية : والسماء بنيناها بأيد}تفسير : في سورة [الذاريات: 47]. و {الأبصار}: جمع بصر بالمعنى المجازي، وهو النظر الفكري المعروف بالبصيرة، أي التبصر في مراعاة أحكام الله تعالى وتوخّي مرضاته. وجملة {إنَّا أخلصناهُم} علة للأمر بذكرهم لأن ذكرهم يكسب الذاكر الاقتداء بهم في إخلاصهم ورجاء الفوز بما فازوا به من الاصطفاء والأفضلية في الخير. و {أخْلَصْناهُم}: جعلناهم خالصين، فالهمزة للتعدية، أي طهرناهم من درَن النفوس فصارت نفوسهم نقية من العيوب العارضة للبشر، وهذا الإِخلاص هو معنى العصمة اللازمة للنبوءة. والعصمة: قوة يجعلها الله في نفس النبي تَصْرِفُه عن فعل ما هو في دينه معصية لله تعالى عمداً أو سهواً، وعمّا هو موجب للنفرة والاستصغار عند أهل العقول الراجحة من أمة عصره. وأركان العصمة أربعة: الأول: خاصية للنفس يخلقها الله تعالى تقتضي ملكة مانعة من العصيان. الثاني: حصول العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات. الثالث: تأكد ذلك العلم بتتابع الوحي والبيان من الله تعالى. الرابع: العتاب من الله على ترك الأوْلى وعلى النسيان. وإسناد الإِخلاص إلى الله تعالى لأنه أمر لا يحصل للنفس البشرية إلا بجعل خاص من الله تعالى وعناية لَدُنِيّة بحيث تنزع من النفس غلبة الهوى في كل حال وتصرف النفس إلى الخير المحض فلا تبقى في النفس إلا نزعات خفيفة تُقلع النفس عنها سريعاً بمجرد خطورها، قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إني لُيَغَانُ على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة»تفسير : . والباء في {بخالصةٍ} للسببية تنبيهاً على سبب عصمتهم. وعبر عن هذا السبب تعبيراً مجملاً تنبيهاً على أنه أمر عظيم دقيق لا يتصور بالكنه ولكن يعرف بالوجه، ولذلك استحضر هذا السبب بوصف مشتق من فعل {أخلصناهم} على نحو قولحديث : النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن اقْتناعه من أكل لحم الضبّ "أني تحضرني من اللَّه حاضرة"تفسير : أي حاضرة لا توصف، ثم بُيّنت هذه الخالصة بأقصى ما تعبر عنه اللغة وهي أنها {ذِكرى الدَّارِ}. والذكرى: اسم مصدر يدل على قوة معنى المصدر مثل الرّجعى والبُقيا لأن زيادة المبنَى تقتضي زيادة المعنى. والدار المعهودة لأمثالهم هي الدار الآخرة، أي بحيث لا ينسون الآخرة ولا يقبلون على الدنيا، فالدار التي هي محلّ عنايتهم هي الدار الآخرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : فأقول مَا لي وللدنيا»تفسير : . وأشار قوله تعالى: {بخالصةٍ ذكرى الدَّارِ} إلى أن مبدأ العصمة هو الوحي الإِلهي بالتحذير مما لا يرضي الله وتخويف عذاب الآخرة وتحبيب نعيمها فتحدث في نفس النبي صلى الله عليه وسلم شدة الحذر من المعصية وحبُّ الطاعة ثم لا يزال الوحي يتعهده ويوقظه ويجنبه الوقوع فيما نُهي عنه فلا يلبث أن تصير العصمة ملكة للنبي يكره بها المعاصي، فأصل العصمة هي منتهى التقوى التي هي ثمرة التكليف، وبهذا يمكن الجمع بين قول أصحابنا: العصمة عدم خَلق المعصية مع بقاء القدرة على المعصية، وقولِ المعتزلة: إنها ملكة تمنع عن إرادة المعاصي، فالأولون نظروا إلى المبدأ والأخيرون نظروا إلى الغاية، وبه يظهر أيضاً أن العصمة لا تنافي التكليف وترتَّب المدحِ على الطاعات. وقرأ نافع وهشام عن ابن عامر وأبو جعفر «خالصة» بدون تنوين لإِضافته إلى {ذكرى الدارِ} والإضافة بيانية لأن {ذِكرى الدَّارِ} هي نفس الخالصة، فكأنه قيل: بذكرى الدار، وليست من إضافة الصفة إلى الموصوف ولا من إضافة المصدر إلى مفعوله ولا إلى فاعله، وإنما ذكر لفظ «خالصة» ليقع إجمال ثم يفصل بالإِضافة للتنبيه على دقة هذا الخلوص كما أشرنا إليه. والتعريفُ بالإِضافة لأنها أقصى طريق للتعريف في هذا المقام. وقرأ الجمهور بتنوين «خالصةً» فيكون {ذكرى الدار} عطف بيان أو بدلاً مطابقاً. وغرض الإجمال والتفصيل ظاهر. وإضافة «خالصة» إلى {ذِكرى الدَّارِ} في قراءة نافع من إضافة الصفة إلى الموصوف وإبدالها منها في قراءة الجمهور من إبدال الصفة من الموصوف. ويجوز أن يكون {ذِكرى} مرادف الذكر بكسر الذال، أي الذكر الحسن، كقوله تعالى: {أية : وجعلنا لهم لسان صدق علياً}تفسير : [مريم: 50] وتكون {الدَّارِ} هي الدار الدنيا. ويجوز أن يكون مرادفاً للذُّكر بضم الذال وهو التذكر الفكري ومراعاة وصايا الدين. و {الدار}: الدار الآخرة. وعطف عليه: {إنهم عندنا لمن المصطفَيْن الأخيار} لأنه مما يبعث على ذكرهم بأنهم اصطفاهم الله من بين خلقه فقربهم إليه وجعلهم أخياراً. و{الأخيار}: جمع خيّر بتشديد الياء، أو جمع خيْر بتخفيفها مثل الأموات جمعاً لميّت وميْت، وكلتا الصيغتين تدل على شدة الوصف في الموصوف.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} الآية. أمر الله جل وعلا، نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة، أن يذكر عبده إبراهيم ولم يقيد ذلك الذكر بكونه في الكتاب، مع أنه قيده بذلك في سورة مريم، في قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} تفسير : [مريم: 41] الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: واذكر عبادنا: أي اذكر صبرهم على ما أصابهم فإِن لك فيهم أسوة. أولي الأيدي: أي أصحاب القوى في العبادة. والأبصار: أي البصائر في الدين بمعرفة الأسرار والحكم. بخالصة: أي هي ذكر الدار الآخرة والعمل لها. لمن المصطفين الأخيار: أي من المختارين الأخيار جمع خيّر. هذا ذكر: أي لهم بالثناء الحسن الجميل هنا في الدنيا. وإن للمتقين: أي هم وغيرهم من سائر المؤمنين والمؤمنات. لحسن مآب: أي مرجع أي عندما يرجعون إلى ربهم بالوفاة. متكئين فيها: أي على الأرائك. يدعون فيها بفاكهة: أي يطالبون فيها بفاكهة وذكر الفاكهة دون الطعام والشراب إيذاناً بأن طعامهم وشرابهم لمجرد التلذذ لا للتغذية كما في الدنيا. قاصرات الطرف: أي حابسات العيون على الأزواج فلا ينظرن إلى غيرهم. أتراب: أي أسنانهن متساوية وهي ثلاث وثلاثون سنة. ماله من نفاد: أي ليس له انقطاع أبدا. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر الأنبياء وما أُكرموا به على صبرهم ليكون ذلك مثبتاً للنبي صلى الله عليه وسلم على دعوته والصبر عليها والتحمل في سبيل الوصول بها إلى غاياتها فقال تعالى له {وَٱذْكُرْ} أي يا نبيّنا {عِبَادَنَآ} لتتأسى بهم وهم {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} وولده {يَعْقُوبَ} حفيده {أُوْلِي} أي أصحاب {ٱلأَيْدِي} أي القوى في العبادة والطاعة {وَٱلأَبْصَارِ} أي أبصار القلوب وذلك بالفقه في الدين ومعرفة أسرار التشريع، وقوله تعالى {إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ} أي خصصناهم {بِخَالِصَةٍ} أي بخاصة امتازوا بها هي ذكر الدار أي ذكر الدار الآخرة بالعمل لها والدعوة إليها بالإِيمان والتقوى، وقوله {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ} أي المختارين {ٱلأَخْيَارِ} جمع خيّر وهو المطبوع على الخير وقوله {وَٱذْكُرْ} أي يا نبيّنا للائتساء {إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ} وقوله {وَكُلٌّ} أي من داود ومن ذكر بعده من الأنبياء كانوا من الأخيار، وقوله {هَـٰذَا ذِكْرٌ} أي لهم بالثناء الحسن لهم في الدنيا، {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ} هم وغيرهم من المؤمنين والمؤمنات {لَحُسْنَ مَآبٍ} أي مرجع وهو الجنة حيث يرجعون إلى الله تعالى بعد الموت، وفسر ذلك المرجع بقوله تعالى {جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي إقامة {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ} {مُتَّكِئِينَ فِيهَا} أي على الأرائك الأسرة بالحجلة، {يَدْعُونَ فِيهَا} أي يُطالبون فيها {بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ} ولم يذكر الطعام إشارة إلى أن مآكلهم ومشاربهم لمجرد التلذذ لا للتغذي بها كما في الدنيا، وقوله {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} يخبر تعالى أن لأولئك المتقين في الجنة قاصرات الطرف أي نساء قاصرات الطرف أي حابسات له على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم من الأزواج وقوله {أَتْرَابٌ} أي في سن واحدة وهي ثلاث وثلاثون سنة. وقوله تعالى {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ} أي يقال لهم هذا ما توعدون {لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} أي هذا المذكور من النعيم هو ما يعدكم به ربكم يوم القيامة. وقوله {إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} أي ليس له انقطاع ولا فناء. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضيلة القوة في العبادة والبصيرة في الدين وفي الحديث "حديث : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ". تفسير : 2- فضل ذكر الدار الآخرة وتذكرها دائماً لأنها تساعد على الطاعة. 3- فضل التقوى وأهلها وبيان ما أعد لهم يوم الحساب. 4- نعيم الآخرة لا ينفد كأهلها لا يموتون ولا يهرمون. 5- فضيلة الائتساء بالصالحين والاقتداء في الخير بهم وهم أولوا القوة في العبادة والبصيرة في الدين.

د. أسعد حومد

تفسير : {عِبَادَنَآ} {إِبْرَاهِيمَ} {وَإِسْحَاقَ} {ٱلأَبْصَارِ} (45) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ أَيْضاً صَبْرَ عِبَادِ اللهِ: إِبْرَاهِيمَ وإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، الذِينَ شَرَّفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ، وَقَوَّاهُمْ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ الذِي يَرْضَى الله عَنْهُ، وَآتَاهُمُ البَصِيرَةَ فِي الدِّينِ والفِقْهِ فِي أَسْرَارِهِ، والعَمَلِ بِطَاعَةِ رَبِّهِمْ، فَجَعَلَهُمْ مِمَّنْ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَ بِأَيْدِيهِمْ، وَيَتَفَكَّرُونَ بِعُقُولِهِمْ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَى أُوْلِي الأَيْدِي: إنَّهُمْ ذَوُو قُوَّةٍ، وَقَالَ فِي مَعْنَى (وَالأَبْصَارِ)، إِنَّهُ الفِقْهُ فِي الدِّينِ).

الثعلبي

تفسير : {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ} قرأه العامة: بالألف. وقرأ ابن كثير: (عبدنا) على الواحد، وهي قراءة ابن عبّاس. أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن يوسف الفقيه قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن يحيى ابن بلال قال: حدثنا يحيى بن الربيع المكي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمر بن عطاء عن ابن عبّاس أنه كان يقرأ: {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيم} ويقول: إنما [ذكر] إبراهيم ثم ولده بعده {وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي ٱلأَيْدِي} ذوي القوة في العبادة {وَ&#1649لأَبْصَارِ} التبصر في العلم والدين {إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ}. قرأ أهل المدينة مضافاً وهي رواية هشام عن الشام. وقرأ الآخرون: بالتنوين على البدل {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ * وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ * هَـٰذَا} الذي ذكرت {ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ} لذات مستويات على ملاذ امرأة واحدة بنات ثلاث وثلاثين سنة، واحدها ترب {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ} بالتاء. ابن كثير وأبو عمر والباقون: بالياء. {لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} أي في يوم الحساب. قال الأعشى: شعر : المهينين مالهم لزمان السوء حتّى إذا أفاق أفاقوا تفسير : أي في زمان السوء {إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} هلاك وفناء {هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ} الكافرين {لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} يدخلونها {فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ * هَـٰذَا} أيّ هذا العذاب {فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ}. قال الفراء: رفعت الحميم والغساق ب (هذا) مقدماً ومؤخراً، والمعنى هذا حميم وغساق فليذوقوه، وإن شئت جعلته مستأنفاً وجعلت الكلام فيه مكتفياً كاملا قلت: هذا فليذوقوه ثم قلت منه حميم وغساق. كقول الشاعر: شعر : حتّى إذا ما أضاء الصبح في غلس وغودر البقل ملوي ومحصود تفسير : واختلف القراء في قوله: (وغساق)، فشددها يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف وحفص وهي قراءة أصحاب عبد الله، وخففها الآخرون. قال الفراء: من شدد جعله اسماً على فَعّال نحو الخبّاز والطبّاخ. ومن خفف [جعله] اسماً على فِعال نحو العذاب. واختلف المفسرون فيه: فقال ابن عبّاس: هو الزمهرير يحرقهم ببرده كما تحرقهم النار. وقال مجاهد ومقاتل: هو [الثلج] البارد الذي قد انتهى برده، أي يريد هو المبين بلغة الطحارية وقد بلغه النزل. محمّد بن كعب: هو عصارة أهل النار. قتادة والأخفش: هو مايغسق من قروح الكفرة والزناة بين لحومهم وجلودهم، أيّ تسيل. قال الشاعر: شعر : إذا ماتذكرت الحياة وطيبها وإلي جرى دمع من العين غاسق تفسير : {وَآخَرُ} قرأ أهل البصرة ومجاهد: (وأُخر) بضم الألف على جمع أُخرى، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأنه نعته بالجمع فقال: أرواح مثل الكبرى والكبر. وقرأ غيرهم: على الواحد واخر. {مِن شَكْلِهِ} مثله {أَزْوَاجٌ} أصناف من العذاب والكناية في شكله راجعة إلى العذاب في قوله هذا. وأما قوله {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} قال ابن عبّاس: هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع قالت الخزنة للقادة {هَـٰذَا} يعني الاتباع {فَوْجٌ} جماعة {مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} النار، أيّ داخلوها كما دخلتم. فقالت السادة: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} يعني بالأتباع {إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ} كما صليناها، فقال الاتباع للسادة: {بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا} أيّ شرعتم وسننتم الكفر لنا {فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} أي قرارنا وقراركم، والمرحب والرحب السعة، ومنه رحبة المسجد. قال أبو عبيدة: يقول العرب للرجل: لامرحباً بك، أي لا رحبت عليك الأرض، أيّ اتسعت. وقال القتيبي: معنى قولهم: مرحباً وأهلاً وسهلاً، أي أتيت رحباً وسعة، وأتيت سهلاً لاحزناً، وأتيت أهلاً لاغرباء، فأنس ولاتستوحش، وهي في مذهب الدعاء كما تقول: لقيت خيراً، فلذلك نصب. قال النابغة: شعر : لا مرحباً بغد ولا أهلاً به إن كان تفريق الأحبة في غد

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا أيضاً (واذكر) أي: بالحمد والثناء (عبادنا) جمع عبد وقلنا: إن العبودية ممقوتة إنْ كانت للبشر، لكن العبودية لله عِزٌّ وشرف (إبراهيم) هو أبو الأنبياء (وإسحاق) وهبه الله لإبراهيم بعد أنْ أسلم الحكم لله حين أمره بذبح ولده إسماعيل (ويعقوب) هو ابن إسحاق. وقد وقفنا على قصة هؤلاء الأنبياء في قوله تعالى على لسان إبراهيم يقول لولده إسماعيل: {أية : يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ..} تفسير : [الصافات: 102] فلم يشأ إبراهيم أنْ يقبل على ذَبْح ولده قبل أنْ يُبيِّن له الأمر الذي صدر إليه، ذلك لأنه أشفق عليه أنْ يأخذه على غِرَّة فيمتلئ قلب الولد على أبيه حقداً؛ لأنه لا يعرف الحكمة من قَتْل أبيه له، ثم أراد أن يشرك ولده معه في التسليم لله وألاّ يحرمه الأجر. لذلك قال تعالى: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا ..} تفسير : [الصافات: 103] يعني: إبراهيم وإسماعيل {أية : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ..} تفسير : [الصافات: 103-105] أي: استسلمتَ واستسلم ولدك، إذن ارفع يدك {أية : وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} تفسير : [الصافات: 107-113]. إذن: جاء إسحاق وجاء من بعده يعقوب نتيجة لتسليم إبراهيم وانصياعه لأمر ربه في ذبح إسماعيل، فأبقى على إسماعيل، ووهب إسحاق ويعقوب زيادةً وفضلاً من الله؛ لأن الحق سبحانه لا يريد بالابتلاء أنْ يعذِّب الناس. لذلك قلنا: إن لسيدنا إبراهيم فضلاً على كل مسلم، وجميلاً في عنق كل مؤمن، لماذا؟ لأن مسألة الذبح لو نُفِّذت في إسماعيل لصارتْ ابتلاءً من الله للإنسان بأنْ يتقرَّب إلى الله بذبح ولده، لكن سيدنا إبراهيم بإيمانه وتسليمه الأمر والحكم لله تحمل عنّا هذه المسألة، ورفع عنا هذا الحكم، وإلا صارتْ المسألة نُسُكاً وعبادة لازمة لكل مؤمن من بعده، وصدق القائل: شعر : سَلَّمْ لِرَبِّك حكْمَهُ فَلِحِكْمَةٍ يَقْضِيه حَتَّى تَسْتَريحَ وتغْنَما وَاذْكُرْ خليلَ الله في ذَبْحِ ابْنِهِ إذْ قالَ خالِقُهُ فَلَمَّا أسْلَمَا تفسير : ونتعلم من هذه المسألة أن كل أمر أو حدث يُسيء الإنسان في ظاهره ويتعبه ويعتبره الإنسان مصيبةً لا ينبغي أنْ ننظر إليه مُنفصلاً عن فاعله، لكن يجب أنْ نأخذَ الحدث بضميمة مَنْ أحدثه؛ لأن الحكم على الحدث يتغير بالنظر إلى الفاعل. وأوضحنا هذه المسألة وقلنا: هَبْ أن ولدك دخل عليك، والدم يسيل من وجهه، فإنك لا تهتم بالإصابة بقدر ما تهتم بالفاعل، فأول سؤال تسأله: مَنْ فعل بك هذا؟ ثم تنتظر أن تسمع اسم الفاعل، فإنْ قال الولد: عمي ضربني فإنك ستهدأ وتقول: لا بُدَّ أنك فعلتَ شيئاً استوجبَ أنْ يضربك عمك، لكن إنْ قال لك: فلان خاصة إنْ كان عدواً لك، فإنك تقيم الدنيا ولا تقعدها. إذن: لا يمكن أنْ تحكم على الفعل بالخير أو الشر إلا بنسبته إلى فاعله؛ لأنه بنسبة الفعل إلى فاعل تتمحض الخيرية فيه أو يتمحَّض الشرُّ فيه. ومعنى {أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ} [ص: 45] أصحاب الأيدي وهي جمع يد، وتُطلَق اليد على الجارحة المعروفة، وتُطلَق على ما تأتي به الجارحة من فعل، تقول: فلان له يد عليَّ يعني: فضل وجميل، ولأن أغلب الأفعال تُزَاوَلُ باليد سُمِّيَتْ النعمة التي تصل بطريق اليد باسم هذه الجارحة الفاعلة، ومن ذلك قوْل القائل: شعر : له أيادٍ عليَّ سابغة أعدّ منها ولا أعددها تفسير : وفَرْق بين الحركة الفاعلة التي تقوم بالفعل، ومعنى آخر في الحركة الفاعلة هو ما يُوجب عليك الحركة، مثلاً حين نريد البَذْل والعطاء، فمَنْ عنده مال يبذل ويعطي بيده، أما المعدم فلا يعطي إنما ينصح مَنْ عنده المال بأنْ يبذلَ منه. يقول تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ..} تفسير : [التوبة: 91]. فالعمل هنا ليس باليد إنما باللسان، لكن لما كانتْ اليد هي الآلة التي نباشر بها أكثر الأعمال نسبنا كلَّ خير يتعدَّى منك إلى غيرك نسبناه إلى اليد؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ..} تفسير : [الفتح: 10]. فإذا كان الإنسان غير واجد للمال، وغير قادر على النصح باللسان، فإن الله تعالى لا يحرمه أبداً من العمل الصالح في البذل، ويكتفي منه بأنْ يفرح بمَنْ يبذل ويسعده العطاء من غيره. ومثال ذلك: الرجل الذي سمعوه يدعو عند الكعبة يقول: اللهم إنك تعلم أنِّي عاصيك، لكن أحب مَنْ يطيعك. والأصمعي يسمع رجلاً عند الملتزم يدعو ويقول: يا رب أنا أعلم أني عاصيك وأستحي وأنا عاصيك أنْ أطلب منك، لكن لا إله إلا أنت، فلمن أذهب؛ فقال له: يا هذا، إن ربك يغفر لك لحُسْن مسألتك. ومعلوم أن المؤمن يجتهد في الدعاء خاصة عند الملتزم، ويحاول أن يُحسِن الدعاء، ويُحسِن المسألة في هذا الموقف. مرتبة أخرى يجعلها الله لغير الواجد حتى لا يُحْرم الأجر في العطاء، هي أنْ يحزن لأنه لا يجد ما يبذله، كما جاء في قول الله تعالى: {أية : وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} تفسير : [التوبة: 92]. فالحق سبحانه لا يحرم مؤمناً أنْ يكون له موقف في البذل، ولو كان بَذْلاً سلبياً. ومن معاني اليد: القوة كما في قوله تعالى: {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ..} تفسير : [الفتح: 10] فالمراد {أُوْلِي ٱلأَيْدِي ..} [ص: 45] أي: أصحاب القوة في طاعة الله. و {ٱلأَبْصَارِ} [ص: 45] أي: البصائر في العلم والدين والحكمة، أما الأبصار بمعنى حَاسَّةِ البصر، فهي موجودة في الجميع المؤمن وغير المؤمن، إذن: المراد الأبصار التي ترى ثم تؤدي مهمة أخرى فوق البصر، وتزيده نوراً على نور. إذن: البصر وحده لا يكفي لأن آيات الله في الكون هي المعطيات، كما نقول في المسألة الرياضية، وهذه المعطيات تحتاج إلى بصيرة واعية لتصل بالمعطيات إلى المطلوب، وهو الإيمان بمَنْ أعطى هذه المعطيات. فالأبصار حينما تنظر في الكون، وترى معطياته، وترى آيات الله فيه، ثم لا تتأثر عقلياً ولا وجدانياً بها، ولا تلتفت إلى صانعها ومبدعها، فلا قيمة لهذه الأبصار. فالمعنى {ٱلأَبْصَارِ} [ص: 45] أي: أصحاب البصائر التي شغلتْ العقول والوجدان، بما تراه من الآيات، وعلمت أن هذا الكون لا يمكن أنْ يُنْسَب إلا إلى قوة قادرة ظاهرة مسيطرة، لا يوجد لها شريك، وإلا لو كان له شريك لظهر أثره، ولدافع عن حقه في هذا الملْك، وما دام لم يظهر هذا المعارض ولم يَدَّعِ أحد أنه خلق، فالقضية تَسْلَم لمن ادعاها. لذلك يقول سبحانه: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42]. وقدَّم الأيدي على الأبصار، لأن عمل الأيدي نتيجة نهائية للبصر، لأنك تبصر آيات الله في كونه، وتعرف أنه ربُّ الجميع، وخالق الجميع، ورازق الجميع، فيرقّ قلبك للفقير وتعطيه، لعلَّكَ تصبح مثله في يوم ما فتجد من يعطيك، ولا تحقد على واجد وأنت معدم، لأن خير الواجد سينالك بأيِّ حال. لذلك قال تعالى: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} تفسير : [النساء: 9]. ولنعتبر بقوله تعالى: {أية : وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ..} تفسير : [الكهف: 82]. ثم يقول سبحانه: {إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ} [ص: 46]. أخلصناهم يعني: أعطيناهم شيئاً خالصاً لهم، والخالصة التي خصصناهم بها هي التي تلفتهم دائماً إلى دار الجزاء وهي الآخرة، وبهذه الذكرى يظل الإنسان دائماً مُسْتحضراً ثوابَ الطاعة وعقابَ المعصية، وإذا استحضر الإنسان هذه العاقبة استقام على الطاعة وابتعد عن المعصية. لذلك يقول صلى الله عليه وسلم في بيان هذه المسألة: "حديث : .. لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". تفسير : لماذا نفى عنه الإيمان في هذه اللحظة؟ قالوا: لأنه غفل عن عاقبة فِعْله غفل عن الجزاء، فالغفلة هي التي تكسلنا عن الطاعة، وتُوقِعنا في المعصية، وتُغرينا بها، ولو استحضر الإنسانُ العقوبة على المعصية ما وقع فيها. وسبق أنْ ضربنا مثلاً فقلنا: لو أن شاباً عنده شرهٌ جنسي. وقلنا له: سنوفر لك ما تريد، لكن بعد أنْ تقضي ليلتك سنأخذك إلى هذا الفرن المسجور، ونضعك فيه لمدة ساعة واحدة، مثل هذا الشاب ما ظنكم به؟ لا بُدَّ أنه سيفر من هذه المعصية، ويهرب منها، ويزهد فيها، لماذا؟ لأنه عاين العاقبة واستحضر الجزاء. كذلك الطالب الذي يجتهد في دروسه، حتى أنه يهمل في أكله وشربه، لماذا يفعل ذلك؟ لأنه استحضر لذة النجاح وشرف التفوق وعُلُوّ المنزلة بين أهله وزملائه، وفي المقابل الطالب المهمل لا يهمل إلا لأنه غفل عن عاقبة الإهمال وذِلّة الفشل يوم أنْ تظهر نتيجته. فمعنى {ذِكْرَى ٱلدَّارِ} [ص: 46] أي: يظل دائماً على ذِكْر لها يستحضر الثواب على الطاعة، فيقبل عليها، ويستحضر العقاب على المَعصية فيفرّ منها. وقوله: {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ} [ص: 47]. أي: الذين اصطفيناهم، ولله تعالى في الخَلْق اصطفاءات يصطفي من الأماكن، ويصطفي من الأزمنة ما يشاء، كما اصطفى من الأمكنة الكعبة وبيتَ المقدس، واصطفى من الأزمنة شهر رمضان كذلك يصطفي من الناس رسلاً، ويصطفي من الملائكة رسلاً. والاصطفاء ليس تدليلاً للمصطفى ولا محاباة له، إنما ائتمان المصطفَى على ما يريده من اصطفاه أي المصْطِفي من إشاعة الخير في جنسه، فاصطفاء الرسل ليس تدليلاً لهم، إنما الاصطفاء يُحمِّلهم أعباء جسيمة في ذواتهم وأنفسهم وفي أموالهم وأهليهم. كذلك اصطفى رمضان لا لنعبد الله ونطيعه في رمضان وحده، إنما ليشيع الطاعة في الزمان كله بأنْ تأخذ من رمضان الطاقة اللازمة للعام كله، إذن: فاصطفاء الزمان أو المكان أو الإنسان أو الملائكة ليس تدليلاً لخَلْق على خَلْق، إنما لإشاعة الخير في كل الخَلْق للخَلْق. ومعنى {ٱلأَخْيَارِ} [ص: 47] جمع خيِّر. والمعنى: اصطفيناهم لما فيهم من الخيرية، التي تؤهِّلهم لهذا الاصطفاء.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ} فالأيدي: القوةُ في العَملِ. والأَبصارُ: العُقولُ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن خلاص أهل الإخلاص بقوله تعالى: {وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ} [ص: 45]، يشير إلى أن كمالية العبودية إنما يحصل في عبادنا المخلصين؛ إذاً {إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ} [ص: 46] من غل بشريتهم، و[شوائب] أنانيتهم {بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ} [ص: 46]؛ أي: تفصيله خالصة بجعل القلب سليمان من ذكر الدار؛ يعني: بقطع تعلقه عن الدارين؛ إذ لم يعلموا على ملاحظة حظوظها، بل تجردوا لنا بقلوبهم عن ذكر الدارين. {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ * وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ} [ص: 47-48] واعتبر أو أسلم نفسه للذبح في سبيل الله، {وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ} [ص: 48] قيل أنهما كانا أخوين، {وَذَا ٱلْكِفْلِ} [ص: 47] تكفل الله تعالى بعمل رجل صالح مات في وقته، {وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ * هَـٰذَا ذِكْرٌ} [ص: 48-49]؛ أي: القرآن فيه ذكر ما كان، وذكر الأنبياء وقصصهم؛ ليعتبر بهم ويقتدي بسيرهم، فإنهم كل من الأخيار للنبوة والرسالة، {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ} [ص: 49] الذين يتقون بالله عما سواه {لَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 49] في الحضرة وعالم الوحدة. وبقوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} [ص: 50-53]، يشير إلى أن هذه الجنات بهذه الصفات مفتوحة الأبواب لهم، وأبواب الجنة بعضها مفتوحة إلى الخلق، وبعضها مفتوحة إلى الخالق، لا يغلق عليهم واحدة منها، فيدخلون من باب الخلق، ويتنعمون بما أعد لهم فيها، ثم يخرجون من باب الخالق وينزلون {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 55]، لا يقيدهم نعيم الجنة ليكونوا من أهل الجنة، كما لم يقيدهم نعيم الدنيا ليكونوا من أهل الدنيا، بل أخلصهم الله من حبس الدار، ومتعهم بنزل المنزلين، وجعلهم من أهل الله وخاصته، {إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} [ص: 54]؛ أي: هذا ما رزقناهم من الأزل فلا نفاذ له إلى الأبد.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا } الذين أخلصوا لنا العبادة ذكرا حسنا، { إِبْرَاهِيمَ } الخليل { و } ابنه { إِسْحَاقَ وَ } ابن ابنه { يَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي } أي: القوة على عبادة اللّه تعالى { وَالأبْصَار } أي: البصيرة في دين اللّه. فوصفهم بالعلم النافع، والعمل الصالح الكثير. { إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ } عظيمة، وخصيصة جسيمة، وهي: { ذِكْرَى الدَّارِ } جعلنا ذكرى الدار الآخرة في قلوبهم، والعمل لها صفوة وقتهم، والإخلاص والمراقبة للّه وصفهم الدائم، وجعلناهم ذكرى الدار يتذكر بأحوالهم المتذكر، ويعتبر بهم المعتبر، ويذكرون بأحسن الذكر. { وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ } الذين اصطفاهم اللّه من صفوة خلقه، { الأخْيَارِ } الذين لهم كل خلق كريم، وعمل مستقيم.

همام الصنعاني

تفسير : 2607- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله : {أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ}: [الآية: 45]، قَال: أُولي القوة في العبادة.