٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
48
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ} مضى ذكر اليسع في «الأنعام» وذكر ذي الكفل في «الأنبياء». {وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ} أي ممن اختير للنبوّة. {هَـٰذَا ذِكْرٌ} بمعنى هذا ذكر جميل في الدنيا وشرف يذكرون به في الدنيا أبداً. {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} أي لهم مع هذا الذكر الجميل في الدنيا حسن المرجع في القيامة. ثم بيّن ذلك بقوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} والعدن في اللغة الإقامة؛ يقال: عدن بالمكان إذا أقام. وقال عبد الله بن عمر: إن في الجنة قصراً يقال له عَدْن حوله البروج والمروج فيه خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حِبَرَة لا يدخله إلا نبيّ أو صِدّيق أو شهيد. {مُّفَتَّحَةً} حال {لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ} رفعت الأبواب لأنه اسم ما لم يسم فاعله. قال الزجاج: أي مفتحة لهم الأبواب منها. وقال الفرّاء: مفتحة لهم أبوابها. وأجاز الفرّاء: «مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابَ» بالنصب. قال الفرّاء: أي مفتحة الأبوابِ ثم جئت بالتنوين فنصبت. وأنشد هو وسيبويه:شعر : ونأخذُ بعدهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ أَجبَّ الظَّهْرَ ليس له سَنَامُ تفسير : وإنما قال: «مُفَتَّحَةً» ولم يقل مفتوحة؛ لأنها تفتح لهم بالأمر لا بالمس. قال الحسن: تُكلَّم: انفتحي فتنفتح انغلقي فتنغلق. وقيل: تفتح لهم الملائكة الأبواب. قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا} هو حال قدمت على العامل فيها وهو قوله: {يَدْعُونَ فِيهَا} أي يدعون في الجنات متكئين فيها. {بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ} أي بألوان الفواكه {وَشَرَابٍ} أي وشراب كثير فحذف لدلالة الكلام عليه. قوله تعالى: {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} أي على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم وقد مضى في «الصافات». {أَتْرَابٌ} أي على سن واحد. وميلاد امرأة واحدة، وقد تساوين في الحسن والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة. قال ابن عباس: يريد الآدميات. و«أَتْرابٌ» جمع تِرْب وهو نعت لقاصرات؛ لأن «قاصِرَاتُ» نكرة وإن كان مضافاً إلى المعرفة. والدليل على ذلك أن الألف واللام يدخلانه كما قال:شعر : مِن القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ من الذَّرِّ فوق الإِتْبِ مِنها لأَثَّرا تفسير : قوله تعالى: {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } أي هذا الجزاء الذي وعدتم به. وقراءة العامة بالتاء أي ما توعدون أيها المؤمنون. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب بالياء على الخبر، وهي قراءة السُّلمي واختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ لقوله تعالى: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} فهو خبر. «لِيوْمِ الْحِسَابِ» أي في يوم الحساب، قال الأعشى:شعر : المهِينِين مَا لَهُمْ لزمانِ السَّـ ـوءِ حتى إِذا أفاق أفاقوا تفسير : أي في زمان السوء. قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ } دليل على أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع؛ كما قال: {أية : عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}تفسير : [هود: 108]وقال: {أية : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}تفسير : [الانشقاق: 25].
البيضاوي
تفسير : {وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ } هو ابن أخطوب استخلفه إلياس على بني إسرائيل ثم استنبىء، واللام فيه كما في قوله:شعر : رَأَيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدَ مُبَارَكاً تفسير : وقرأ حمزة والكسائي «ولليسع» تشبيهاً بالمنقول من ليسع من اللسع. {وَذَا ٱلْكِفْلِ} ابن عم يسع أو بشر بن أيوب. واختلف في نبوته ولقبه فقيل فر إليه مائة نبي من بني إسرائيل من القتل فآواهم وكفلهم، وقيل كفل بعمل رجل صالح كان يصلي كل يوم مائة صلاة {وَكُلٌّ } أي وكلهم. {مّنَ ٱلأَخْيَارِ}. {هَـٰذَا} إشارة إلى ما تقدم من أمورهم. {ذُكِرٌ} شرف لهم، أو نوع من الذكر وهو القرآن. ثم شرع في بيان ما أعد لهم ولأمثالهم فقال: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} مرجع. {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ} عطف بيان {لَحُسْنَ مَـئَابٍ} وهو من الأعلام الغالبة لقوله {أية : جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ }تفسير : [مريم: 61] وانتصب عنها. {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ } على الحال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل، وقرئتا مرفوعتين على الابتداء والخبر أو أنهما خبران لمحذوف. {مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ } حالان متعاقبان أو متداخلان من الضمير في لهم لا من المتقين للفصل، والأظهر أن يدعون استئناف لبيان حالهم فيها ومتكئين حال من ضميره، والاقتصار على الفاكهة للإشعار بأن مطاعمهم لمحض التلذذ، فإن التغذي للتحلل ولا تحلل ثمة. {وَعِندَهُمْ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ} لا ينظرون إلى غير أزواجهن. {أَتْرَابٌ } لذات لهم فإن التحاب بين الأقران أثبت، أو بعضهن لبعض لا عجوز فيهن ولا صبية، واشتقاقه من التراب فإنه يمسهن في وقت واحد. {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } لآجاله فإن الحساب علة الوصول إلى الجزاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء ليوافق ما قبله. {إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} انقطاع. {هَـٰذَا} أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر أو خذ هذا. {وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَئَابٍ}. {جَهَنَّمَ} إعرابه ما سبق. {يَصْلَوْنَهَا } حال من جهنم. {فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} المهد والمفترش، مستعار من فراش النائم والمخصوص بالذم محذوف وهو {جَهَنَّمَ} لقوله {أية : لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ}تفسير : [الأعراف: 41] {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ }، أي ليذوقوا هذا فليذوقوه، أو العذاب هذا فليذوقوه، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره: {حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} وهو على الأولين خبر محذوف أي هو {حَمِيمٍ}، والغساق ما يغسق من صديد أهل النار من غسقت العين إذا سال دمعها، وقرأ حفص وحمزة والكسائي «غَسَّاق» بتشديد السين. { وَءَاخَرُ} أي مذوق أو عذاب آخر، وقرأ البصريان «وأخرى» أي ومذوقات أو أنواع عذاب أخر. {مِن شَكْلِهِ } من مثل هذا المذوق أو العذاب في الشدة، وتوحيد الضمير على أنه لما ذكر أو للشراب الشامل للحميم والغساق أو للغساق. وقرىء بالكسر وهو لغة. {أَزْوٰجٌ } أجناس خبر لـ {ءَاخَرُ} أو صفة له أو للثلاثة، أو مرتفع بالجار والخبر محذوف مثل لهم. {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ } حكاية ما يقال للرؤساء الطاغين إذا دخلوا النار واقتحمها معهم فوج تبعهم في الضلال، والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها. {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ } دعاء من المتبوعين على أتباعهم أو صفة لـ {فَوْجٌ }، أو حال أي مقولاً فيهم لا مرحباً أي ما أتوا بهم رحباً وسعة. {إِنَّهُمْ صَالُو ٱلنَّارِ } داخلون النار بأعمالهم مثلنا. {قَالُواْ} أي الأتباع للرؤساء. {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} بل أنتم أحق بما قلتم، أو قيل لنا لضلالكم وإضلالكم كما قالوا: {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا} قدمتم العذاب أو الصلي لنا بإِغوائنا وإغرائنا على ما قدمتموه من العقائد الزائغة والأعمال القبيحة. {فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } فبئس المقر جهنم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱذْكُرْ إِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ } هو نبيّ، واللام زائدة {وَذَا ٱلْكِفْلِ } اختلف في نبوَّته، قيل: كفل مائة نبيّ فرّوا إليه من القتل {وَكُلٌّ } أي كلهم {مِّنَ ٱلأَخْيَارِ } جمع «خيّر» بالتثقيل.
القشيري
تفسير : {وَذَا ٱلْكِفْلِ}: قيل كان تَكَفَّلَ لله بعمل رجلٍ صالحٍ مات في وقته، وقيل كَفَلَ مائةً من بني إسرائيل هربوا من أمير لهم ظالمٍ، فكان يُنْفِقُ عليهم. ويقال كان اليسعُ وذو الكفل أَخَوَيْن.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذكر اسمعيل} ابن ابراهيم عليهما السلام وليس هو باشموئيل بن هلقاثان على ما قال قتادة وانما فصل ذكره عن ذكر ابيه واخيه للاشعار بعراقته فى الصبر الذى هو المقصود بالتذكر وذلك لانه اسلم نفسه للذبح فى سبيل الله او ليكون اكثر تعظيما فانه جد افضل الانبياء والمرسلين {واليسع} هو ابن اخطوب من العجوز استخلفه الياس عليه السلام على بنى اسرائيل ثم استنبىء ودخل اللام على العلم لكونه منكرا بسبب طرو الاشتراك عليه فعرف باللام العهدية على ارادة اليسع الفلانى مثل قول الشاعر شعر : رأيت الوليد بن اليزيد مباركا تفسير : {وذا الكفل} هو ابن عم يسع او يشير بن ايوب عليه السلام بعث بعد ابيه الى قوم فى الشام. واختلف فى نبوته والاكثرون على انه نبى لذكره فى سلك الانبياء واختلف ايضا انه الياس او يوشع او زكريا او غيرهم وانما لقب بذى الكفل لانه فرّ اليه مائة نبى من بنى اسرائيل من القتل فآواهم وكفلهم بمعنى اطعمهم وكساهم وكتمهم من الاعداء. وفى التأويلات النجمية قيل ان اليسع وذا الكفل كانا اخوين وذو الكفل تكفل بعمل رجل صالح مات فى وقته كان يصلى لله كل يوم مائة صلاة فاحسن الله اليه الثناء {وكل} اى وكلهم على ان يكونوا بدلا منهم {من الاخيار} المشهورين بالخيرية. والآيات تعزية وتسلية للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فان الانبياء عليهم الصلاة والسلام اذا اجتهدوا فى الطاعات وقاسوا الشدائد والآفات وصبروا على البلايا والاذيات من اعدائهم مع انهم مفضولون فالنبى عليه السلام اولى بذلك لكونه افضل منهم والافضل يقاسى ما لا يقاسى المفضول اذ به تتم رتبته وتظهر رفعته. قال فى كشف الاسرار [اسما دختر صديق رضى الله عنها روايت كندكه مصطفى عليه السلام روزى در انجمن قريش بكذشت يكى از ايشان بر خاست كفت تويىكه خدايان مارا بد ميكويى ودشنام مىدهى رسول خدا كفت من ميكويم كه معبود عالميان يكيست بى شريك وبى نظير شما در برستش اصنام برباطليد ايشان همه بيكبار هجوم كردند ودر رسول آويختندن واورا ميزدند اسما كفت اين ساعت يكى آمد بدرسراى ابو بكر وكفت "ادرك صاحبك" صاحب خويش را در ياب كه در زخم دشمنانى كرفتارست ابو بكر بشتاب رفت وبا ايشان كفت "ويلكم أتقتلون رجلا ان يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم" ايشان رسول را بكذاشتند وابوبكررا بيمحابازدند وابوبكر كيسوان داشت جون بخانه بازآمددست بكيسوان فرو مى آورد وموىبدست وىبازمى آمد وميكفت "تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والاكرام" رب العالمين اين همه رنج وبلا بر دوستان نهدكه از ايشان دوجيز دوست دارد جشمى كريان ودلى بريان ودوست داردكه بنده مى كريد واورا دران كريه مى ستايدكه "ترى اعينهم تفيض من الدمع" ودوست داردكه بنده مى نالد وبردركاه او مىزارد واورادآن مىستايدكه] وجلت قلوبهم وفى المثنوى شعر : باسياستهاى جاهل صبركن خوش مدارا كن بعقل من لدن صبر برنا اهل اهلا نراجليست صبر صافى ميكند هر جادليست آتش نمرود ابراهيم را صفوت آينه آمد در جلا جور كفر نوحيان وصبر نوح نوح را شد صيقل مر آت نوح انبيا رنج خسان بس ديده اند از جنين ماران بسى بيجيده اند روبكش خندان وخوش بارحرج از بى الصبر مفتاح الفرج تفسير : اللهم اعنا على الصبر
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {واذكر إِسماعيلَ}، فصل ترجمته عن أبيه وأخيه؛ للإشعار بعلو شأنه، واستقلاله بالشرف والذكر، ولعراقته في الصبر، الذي هو المقصود بالتذكير، وهو أكبر بنيه. {و} اذكر {الْيَسَعَ} بن خطوب بن العجوز، استعمله إلياس على بني إسرائيل، ثم استنبىء. و "الـ" فيه، قيل: للتعريف، وأصله: يسع، وقيل: زائدة؛ لأنه عجمي علَم، وقيل: هو يوشع، {وذا الكفلِ} وهو ابن عم اليسع، أو: بشر بن أيوب. واختلف في نبوته وسبب لقبه، فقيل: فرّ إليه مائة نبي من بني إسرائيل، خوفاً من القتل، فآواهم وكفلهم، وقيل: تكفل بعبادة رجل صالح كان في وقته. {وكلٌّ} أي: وكلهم {مِّنَ الأخيارِ} المشهورين بالخيرة. الإشارة: إنما كان هؤلاء مصطفين أخياراً بالوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، والصبر على طاعة الملك المعبود، وتحمُّل ما يقرب إلى حضرة الشهود. فكل مَن اتصف بهذه الخصال كان من المُصْطَفَين الأخيار. ثم ذكر عامة المؤمنين، أو: ما أعدّ لمَن ذُكر آجلاً، بعد ذكرهم الجميل عاجلاً، فقال: {هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ}.
اطفيش
تفسير : {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ} هو نبي وهو ابن عم اليسع أو هو بشر بن أيوب وقيل غير نبي ولقب ذا الكفل لانه كفل ماية نبي من بني اسرائيل فروا اليه من القتل فآواهم، وقيل: كفل بخدمة رجل صالح كان يصلي كل يوم مائة صلاة وقرئ (اللّيسع) بتشديد اللام وسكون الياء كأن (ال) دخلت على (ليسع) فيعل من اليسع وهى قراءة حمزة والكسائي وعلى كل فأل زائدة وبسطتها في حواشي النحو وهو أخطوب استخلفه الياس على بني اسرائيل ثم بعثه الله نبياً* {وَكُلٌّ} أي وكلهم {مِّنَ الأَخْيَارِ} وفايدة ذكرهم المأمور به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم في الصبر ويسلك طريقهم وليس بممنوع أن يأمره بالاقتداء بغير النبى وهو ذو الكفل ان قلنا غير نبى
اطفيش
تفسير : {واذْكُر إسماعيل} فصله عن ذكر أبيه وأخيه اعلاء لشأنه، إذ كان جد سيد الخلق، ولم يشارك العجم فيه العرب، ولأنه الغاية فى الصبر، اذ صبر على الذبح، اذ الصحيح أنه هو الذبيح، وصبر هؤلاء كلهم دون صبره، فهو كصبر أبيه على الالقاء فى النار {والْيَسع} هو ابن أخطوب بن العجوز، استخلفه الياس على بنى اسرائيل، ثم أوحى الله اليه بالنبوة والرسالة، وهو اسم عربى، سموه به من وسع يسع بالحذف والزيادة، وأل فيه زائدة، وقيل لفظ عجمى كله أصول أل وما بعده، ولا حذف فيه، وصلت همزته تخفيفا، اذ لا وصل فى العجمة. {وذَا الكِفْل} هو شرف بن أيوب، نبأه الله تعالى بعد أيوب، وذو الكفل لقبه، اذ تكفل بالدعاء الى التوحيد، والقيام بالشرع وهو فى الشام حتى مات وعمره خمس وسبعون سنة، وعبارة بعض أنه نبى تكفل الله له فى عمله بضعف عمل غيره من الأنبياء، وقيل هو زكريا لقوله: "أية : وكفلها زكريا" تفسير : [آل عمران: 37] وقيل: إلياس، وقيل: يوشع، وقيل: رجل صالح تكفل بأمور فقام بها، وقيل: رجل صالح استخلفه اليسع فتكفل له أن يصوم النهار، ويقوم الليل، وقيل: أن يصلى كل يوم مائة ركعة، وقيل: رجل صالح تكفل بمائة نبى ومؤنتهم وأخفاهم هربوا من قتل جبار قد قتل ثلثمائة نبى، وذلك أربعمائة نبى من بنى اسرائيل ويضعف ما قد يقال: إنه اليسع وانه روعى الوسع فى الخير الدينى، والكفالة بما مر فساغ العطف باعتبار تعاير الصفات كأنه قيل: والمتصف بالوسع والكفالة كقولك: جاء العالم والعامل، تريد المتصف بالعلم والعمل. {وكلُّ} من اسماعيل واليسع وذى الكفل {مِن الأَخيْار} المشهورين فى الخير، ولعل اتحاد اللفظ والمعنى فى كثير من الفواصل مع القرب أو الاتصال نهى عن اكثار السمع والرغبة فيه، وعن المدح والتمدح به.
الالوسي
تفسير : {وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ } فصل ذكره عن ذكر أبيه وأخيه اعتنار بشأنه من حيث إنه لا يشرك العرب فيه غيرهم أو للإشعار بعراقته في الصبر الذي هو المقصود بالذكر {وَٱلْيَسَعَ } قال ابن جرير هو ابن أخطوب بن العجوز، وذكر أنه استخلفه إلياس على بني إسرائيل ثم استنبىء، واللام فيه زائدة لازمة لمقارنتها للوضع، ولا ينافي كونه غير عربـي فإنها قد لزمت في بعض الأعلام الأعجمية كالإسكندر فقد لحن التبريزي من قال اسكندر مجرداً له منها، والأولى عندي أنه إذا كان اسما أعجمياً وأل فيه مقارنة للوضع أن لا يقال بزيادتها فيه، وقيل هو اسم عربـي منقول من يسع مضارع وسع حكاه الجلال السيوطي في "الإتقان". وفي "القاموس" يسع كيضع اسم أعجمي أدخل عليه أل ولا تدخل على نظائره كيزيد. وقرأ حمزة والكسائي {والليسع} بلامين والتشديد كان أصله ليس بوزن فيعل من اللسع دخل عليه أل تشبيهاً بالمنقول الذي تدخله للمح أصله، وجزم بعضهم بأنه على هذه القراءة أيضاً علم أعجمي دخل عليه اللام. {وَذَا ٱلْكِفْلِ} قيل هو ابن أيوب، وعن وهب أن الله تعالى بعث بعد أيوب شرف بن أيوب نبياً وسماه الكفل وأمره بالدعاء إلى توحيده وكان مقيماً بالشام عمره حتى مات وعمره خمس وسبعون سنة. وفي "العجائب" للكرماني قيل هو إلياس، وقيل هو يوشع بن نون، وقيل هو نبـي اسمه ذو الكفل، وقيل كان رجلاً صالحاً تكفل بأمور فوفى بها، وقيل هو زكريا من قوله تعالى: {أية : وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا }تفسير : [آل عمران: 37] اهـ، وقال ابن عساكر: هو نبـي تكفل الله تعالى له في عمله بضعف عمل غيره من الأنبياء، وقيل لم يكن نبياً وإن اليسع استخلفه فتكفل له أن يصوم النهار ويقوم الليل، وقيل أن يصلي كل يوم مائة ركعة، وقيل: كان رجلاً من الصالحين كان في زمانه أربعمائة نبـي من بني إسرائيل فقتلهم ملك جبار إلا مائة منهم فروا من القتل فآواهم وأخفاهم وقام بمونتهم فسماه الله تعالى ذا الكفل، وقيل هو اليسع وأن له اسمين ويأباه ظاهر النظم {وَكُلٌّ } أي وكلهم {مّنَ ٱلاْخْيَارِ } المشهورين بالخيرية.
ابن عاشور
تفسير : فُصل ذكر إسماعيل عن عدّه مع أبيه إبراهيم وأخيه إسحاق لأن إسماعيل كان جد الأمة العربية، أي معظمِها فإنه أبو العدنانيين. وجدّ للأم لمعظم القحطانيين لأن زوج إسماعيل جُرْهُميّة فلذلك قطع عن عطفه على ذكر إبراهيم وعاد الكلام إليه هنا. وأمّا قرنه ذِكرَه بذكر اليسَع وذي الكفل بعطف اسميهما على اسمه فوجهه دقيق في البلاغة وليس يكفي في توجيهه ما تضمنه قوله: {وكُلٌّ مِنَ الأخيارِ}، لأن التماثل في الخيريّة والاصطفاء ثابت لجميع الأنبياء والمرسلين، فلا يكون ذكرُهما بعد ذكر إسماعيل أولى من ذكر غيرهما من ذوي الخيرية الذين شملهم لفظ الأخيار والاصطفاء، فإن شرط قبول العطف بالواو أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه جامع عقلي أو وهمي أو خيالي كما قال في «المفتاح»، قال ومن هنا عابوا أبا تمام في قوله:شعر : لا والذي هو عالم أن النوى صبر وأن أبا الحسين كريم تفسير : حيث جمع بين مرارة النوى وكرم أبي الحسين وإن كانا مقترنين في تعلق علم الله بهما وذلك مساوٍ لاقتران إسماعيل واليسع وذي الكفل في أنهم من الأخيار في هذه الآية. فبنا أن نطلب الدقيقة التي حسّنت في هذه الآية عطف اليسع وذي الكفل على إسماعيل. فأما عطف اليسع على إسماعيل فلأن اليسع كان مقامه في بني إسرائيل كمقام إسماعيل في بني إبراهيم لأن اليسع كان بمنزلة الابن للرسول إلياس (إيليا) وكان إلياس يدافع ملوك يهوذا وملوكَ إسرائيل عن عبادة الأصنام، وكان اليسع في إعانته كما كان إسماعيل في إعانة إبراهيم، وكان إلياس لما رفع إلى السماء قام اليسع مقامه كما هو مبيّن في سفر «الملوك الثاني» الإصحاح (1 ــــ 2). وأما عطف ذي الكفل على إسماعيل فلأنه مماثل لإسماعيل في صفة الصبر قال الله تعالى في سورة الأنبياء (85) {أية : وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين}.تفسير : وقرأ الجمهور {الْيسع} بهمزة وصل وبلام واحدة وهي من أصل الاسم في اللغة العبرانية فعربته العرب باللام وليست لام التعريف، فدع عنك ما أطالوا به. وقرأه حمزة والكسائي بهمزة وصل وبلامين وتشديد الثانية وهو أقرب إلى أصله العبراني وهو اسم أعجميّ معرب، والهمزة واللام، أوْ واللامان أصلية. وتنوين {كلٌ} في قوله: {وكُلٌّ من الأخيارِ} عوض عن المضاف إليه، أي وكل أولئك الثلاثة من الأخيار. وتقدم ذكر اليَسع في سورة الأنعام، وذكر ذي الكفل في سورة الأنبياء.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ} الآية. أطلق هنا أيضاً الأمر بذكر إسماعيل وقيده في سورة مريم بكونه في الكتاب في قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ} تفسير : [مريم: 54] الآية، وفي ذلك إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم مأمور أيضاً بذكر جميع المذكورين في الكتاب. ولذلك جاء ذكرهم كلهم في القرآن العظيم كما لا يخفى.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِسْمَاعِيلَ} (48) - وَاذْكُر أَنْبِيَاءَ اللهِ إِسْمَاعِيلَ واليَسَعَ وذَا الكِفْلِ الذِينَ شَرَّفَهُمُ اللهُ تَعَالَى، وَجَعَلَهُمْ مِنَ المُصْطَفَيْن الأَخْيَارِ وَتَأَمَّلْ صَبْرَهُمْ، وَرَحْمَةَ اللهِ بِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سيدنا إسماعيل معروف لنا جميعاً من خلال قصته مع أبيه إبراهيم، والخلاف هنا بين العلماء في سيدنا ذي الكفل، لأن من الرسل مَنْ عدَّهم الله في موكب الرسالات، لكن لم يذكر لنا إلا أسماءهم وأوصافهم، وذو الكفل ذُكِر هنا بهذا الوصف. {أية : وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ} تفسير : [ص: 47] فاليسع لا نعرف عنه إلا اسمه، ولم يذكر القرآن مَنْ هو، ولا متى بُعِث، ولا إلى مَنْ أرسِل، ولا المنهج الذي جاء به، كذلك في ذي الكفل لم يذكر عنه القرآن إلا اسمه، ووصفه هنا بأنه من المصطفين الأخيار، وفي سورة الأنبياء قال عنه الحق سبحانه: {أية : وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الأنبياء: 85-86]. فوُصِف مرةً بأنه من الأخيار، ومرة بأنه من الصابرين، ومرة من الصالحين، ولهذا أدخله الله في رحمته، وهذه التي جعلت العلماء يختلفون في ذي الكفل، أهو رسول أم غير رسول؟ لكن جمهور العلماء على أنه رسول، بدليل أن الله تعالى سلكه ضمن هؤلاء الرسل. ومما قيل في ذي الكفل أنه في فترة اليسع وفي رسالته أراد أن يستخلفَ على الناس رجلاً بعده، وأراد أنْ يرى سيرته في الرعية، وكيف سيتصرف هذا في أخريات حياته؟ وحين رأى أن قوته عجزتْ عن القيام بأمر الدعوة. وكان من حرصه على الدعوة من بعده أنْ يختبر مَنْ يستخلفه وينظر ما يفعل. فلما جلس اليسع في قومه قال: مَنْ يتقبل مني بثلاث؟ والباء عادة كما في هذه العبارة تدخل على الثمن، كما تقول: اشتريتُ كذا بكذا، والمعنى: مَنْ يتكفل لي بثلاثة أشياء وأستخلفه على القوم، ثم قال في بيان هذه الثلاث: أنْ يصومَ النهار، ويقومَ الليل، ولا يغضبَ. فقام رجل من القوم تزدريه العين وقال: أنا، فأعاد عليه: أنت تصوم النهار، وتقوم الليل، ولا تغضب؟ قال: نعم، فردَّه. وفي الغد، جلس اليسع في مجلسه، وعرض على القوم مقالته، فقام الرجل بعينه وقال: أنا، فعرف اليسع أن الرجل عنده عزيمة وإصرار على القيام بهذه المهمة، فاستخلفه على القوم. وقد تكلم العلماء في هذه الشروط الثلاثة التي جعلها سيدنا اليسع - عليه السلام - حيثيات الاستخلاف، قالوا: لأن الذي يصوم النهار يصوم عما أحله الله في غير الصوم، والذي يصوم عَمَّا أحله الله يصوم من باب أَوْلَى عما حرَّمه الله، فضمن بذلك بُعْده عن المحرمات، والذي يقوم الليل ترك راحته وترك التنعُّم ليأنس بربه، ومَنْ كانت فيه هذه الصفة لا يتخذ الاستخلاف للنعمة والرفاهية إنما يتخذه للقيام بأعبائه، وإلا لو أراد التنعُّم لَنام الليل مِلْء جفونه. أما عدم الغضب فهي صفة لا بُدَّ أنْ تتوافر في كل مَنْ يسوس الرعية، أو يجلس في مجلس حكم بين الناس، ومعلوم أن للرعية أخلاقاً شتى وصفات متباينة، فلا بُدَّ لمن يتولَّى أمرهم أنْ يكون حليماً لا يغضب؛ لأن الغضب يستر العقل، فلا يختار بين البدائل، ولا يُحسن التصرف في الحكومة. لذلك قالوا للقاضي حين يغضب: ردَّ نفسك، يعني: أنت لا تصلح لمنصب القضاء. إذن: قال ولا تغضب لأن العقل يتأثر بالغضب، فتختلف موازينه في الحكم، وتختلف كذلك مَلَكات النفس فلا يصح الحكم. قالوا في مسألة عدم الغضب: إن الشيطان لم يستطع التدخُّل في صيام النهار وقيام الليل، فأراد أنْ يدخل إليه من ناحية عدم الغضب، فأرسل إليه ذريته ليُغضبوه فلم يغضب ذو الكفل - عليه السلام - فقال لهم: ارفعوا أيديكم عنه وسأتولى أنا هذا الأمر، وكان ذو الكفل لا ينام إلا نومةً واحدة في القيلولة، هي كل ما ينام في الليل والنهار، وكان يأمر خادمه ألاَّ يدخل أحد عليه في هذا الوقت، فكان الشيطان يتحيَّن هذا الوقت، ويطرق على ذي الكفل الباب، ويُحدث عنده ضجة يقول: أنا رجل ظلمني قومي وفعلوا بي كيت وكيت وأريد أنْ تنصفني منهم. فقال ذو الكفل: أَلاَ تعلم أن هذا الوقت هو الوقت الذي أستريح فيه، اذهب وتعالَ في وقت أجلس فيه للحكم بينكم، وأنا أقضي في أمرك. وفي اليوم التالي، جاء الشيطان وفعل كما فعل بالأمس، وفي اليوم الثالث وجد الباب مغلقاً فنفذ إلى ذي الكفل بطريقته الخاصة، قالوا: دخل من كوة في البيت في غفلة من الحارس، وطرق على ذي الكفل باب مِخْدعه، فلما رآه قال: كيف دخلتَ؟ فتلعثم. قال: إذن: أنت هو. أي الشيطان قال: والله لقد احتلنا كثيراً على أنْ نغضبك فلم نفلح، ثم تركه وانصرف. أما عن خلاف العلماء في رسالة ذي الكفل، فأنا أريد أنْ أُجلَّ العلماء عن الخلاف في شيء يصح أن نلتقي فيه. قالوا: الكفل من التكفُّل، كما في قوله تعالى: {أية : وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ..} تفسير : [آل عمران: 37] والكِفْل: هو النصير. والذين قالوا برسالته استدلوا على ذلك بأمرين: الأول أن الله ذكره في عداد الرسل، الآخر: أن اليسع - عليه السلام - استخلفه. والحق سبحانه وتعالى سكت على هذا الاستخلاف ولم يُغيِّره، وهذا إقرار للاستخلاف وموافقة عليه، كما وافق الحق سبحانه لموسى - عليه السلام - لما طلب من ربه أن يُؤيِّده بأخيه هارون، فقال: {أية : وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي ..} تفسير : [القصص: 34]. قال آخرون: بل هو رجل متطوع بالدعوة، فَسَد الناس في زمانه، ورأى أن هذا الفساد لا يصلحه إلا رجلٌ له عدالة في الحكم، ونزاهة في القضاء بين الناس، ورأى في نفسه هذه المواهب، فعرض على قومه أن يقوم بأمرهم، وأنْ يسيرَ فيهم بالعدل فوافقوا عليه. إذن: ذو الكفل في رأَي هؤلاء أنه ليس رسولاً، بل رجل متطوع بمنهج كمنهج الرسل.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ * هَذَا ذِكْرُ } . أي: واذكر هؤلاء الأنبياء بأحسن الذكر، وأثن عليهم أحسن الثناء، فإن كلا منهم من الأخيار الذين اختارهم اللّه من الخلق، واختار لهم أكمل الأحوال، من الأعمال، والأخلاق، والصفات الحميدة، والخصال السديدة. { هَذَا } أي: ذكر هؤلاء الأنبياء الصفوة وذكر أوصافهم، { ذكر } في هذا القرآن ذي الذكر، يتذكر بأحوالهم المتذكرون، ويشتاق إلى الاقتداء بأوصافهم الحميدة المقتدون، ويعرف ما منَّ اللّه عليهم به من الأوصاف الزكية، وما نشر لهم من الثناء بين البرية. فهذا نوع من أنواع الذكر، وهو ذكر أهل الخير، ومن أنواع الذكر، ذكر جزاء أهل الخير وأهل الشر، ولهذا قال: { وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ } . أي: { وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ } ربهم، بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، من كل مؤمن ومؤمنة، { لَحُسْنَ مَآبٍ } أي: لمآبا حسنا، ومرجعا مستحسنا. ثم فسره وفصله فقال: { جَنَّاتِ عَدْنٍ } أي: جنات إقامة، لا يبغي صاحبها بدلا منها، من كمالها وتمام نعيمها، وليسوا بخارجين منها ولا بمخرجين. { مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ } أي: مفتحة لأجلهم أبواب منازلها ومساكنها، لا يحتاجون أن يفتحوها هم ، بل هم مخدومون، وهذا دليل أيضا على الأمان التام، وأنه ليس في جنات عدن، ما يوجب أن تغلق لأجله أبوابها. { مُتَّكِئِينَ فِيهَا } على الأرائك المزينات، والمجالس المزخرفات. { يَدْعُونَ فِيهَا } أي: يأمرون خدامهم، أن يأتوا { بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ } من كل ما تشتهيه نفوسهم، وتلذه أعينهم، وهذا يدل على كمال النعيم، وكمال الراحة والطمأنينة، وتمام اللذة. { وَعِنْدَهُمْ } من أزواجهم، الحور العين { قَاصِرَاتُ } طرفهن على أزواجهن، وطرف أزواجهن عليهن، لجمالهم كلهم، ومحبة كل منهما للآخر، وعدم طموحه لغيره، وأنه لا يبغي بصاحبه بدلا ولا عنه عوضا. { أَتْرَابٌ } أي: على سن واحد، أعدل سن الشباب وأحسنه وألذه. { هَذَا مَا تُوعَدُونَ } أيها المتقون { لِيَوْمِ الْحِسَابِ } جزاء على أعمالكم الصالحة. { إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا } الذي أوردناه على أهل دار النعيم { مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ } أي: انقطاع، بل هو دائم مستقر في جميع الأوقات، متزايد في جميع الآنات. وليس هذا بعظيم على الرب الكريم، الرءوف الرحيم، البر الجواد، الواسع الغني، الحميد اللطيف الرحمن، الملك الديان، الجليل الجميل المنان، ذي الفضل الباهر، والكرم المتواتر، الذي لا تحصى نعمه، ولا يحاط ببعض بره.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):