٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
49
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في قوله: {ذُكِرَ } وجهين الأول: أنه تعالى إنما شرح ذكر أحوال هؤلاء الأنبياء عليهم السلام لأجل أن يصبر محمد عليه السلام على تحمل سفاهة قومه فلما تمم بيان هذا الطريق وأراد أن يذكر عقيبه طريقاً آخر يوجب الصبر على سفاهة الجهال، وأراد أن يميز أحد البابين عن الآخر، لا جرم قال: {هَـٰذَا ذِكْرُ }، ثم شرع في تقرير الباب الثاني فقال: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ } كما أن المصنف إذا تمم كلاماً قال هذا باب، ثم شرع في باب آخر، وإذا فرغ الكاتب من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر قال هذا وقد كان كيت وكيت، والدليل عليه أنما لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد أن يردفه بذكر أهل النار قال: {أية : هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ } تفسير : [ص: 55] الوجه الثاني: في التأويل، أن المراد هذا شرف وذكر جميل لهؤلاء الأنبياء عليهم السلام يذكرون به أبداً، والأول هو الصحيح. أما قوله: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لحُسْن مَـئَابٍ }. فاعلم أنه تعالى لما حكى عن كفار قريش سفاهتهم على النبي صلى الله عليه وسلم بأن وصفوه بأنه ساحر كذاب، وقالوا له على سبيل الاستهزاء {أية : رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا } تفسير : [ص: 16] فعند هذا أمر محمداً بالصبر على تلك السفاهة، وبين أن ذلك الصبر لازم من وجهين الأول: أنه تعالى لما بين أن الأنبياء المتقدمين صبروا على المكاره والشدائد، فيجب عليك أن تقتدي بهم في هذا المعنى الثاني: أنه تعالى بين في هذه الآية أن من أطاع الله كان له من الثواب كذا وكذا، ومن خالفه كان له من العقاب كذا وكذا، وكل ذلك يوجب الصبر على تكاليف الله تعالى، وهذا نظم حسن وترتيب لطيف. أما قوله تعالى: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لحُسْن مَـئَابٍ} المآب المرجع. واحتج القائلون بقدم الأرواح بهذه الآية، وبكل آية تشتمل على لفظ الرجوع ووجه الاستدلال، أن لفظ الرجوع إنما يصدق لو كانت هذه الأرواح موجودة قبل الأجساد، وكانت في حضرة جلال الله ثم تعلقت بالأبدان، فعند انفصالها عن الأبدان يسمى ذلك رجوعاً وجوابه: أن هذا إن دل فإنما يدل على أن الأرواح كانت موجودة قبل الأبدان، ولا يدل على قدم الأرواح. ثم قال تعالى: {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } وهو بدل من قوله: {لَحُسْنَ مَـئَابٍ } ثم قال: {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في تأويل هذا اللفظ وجوهاً الأول: قال الفراء: معناه مفتحة لهم أبوابها، والعرب تجعل الألف واللام خلفاً من الإضافة، تقول العرب: مررت برجل حسن الوجه، فالألف واللام في الوجه بدل من الإضافة والثاني: قال الزجاج: المعنى: مفتحة لهم الأبواب منها الثالث: قال صاحب «الكشاف» {ٱلأَبْوَابُ } بدل من الضمير، وتقديره مفتحة هي الأبواب، كقولك ضرب زيد اليد والرجل، وهو من بدل الاشتمال. المسألة الثانية: قرىء: {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } مفتحة بالرفع على تقدير أن يكون قوله: {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } مبتدأ و {مُّفَتَّحَةً } خبره، وكلاهما خبر مبتدأ محذوف، أي هو جنات عدن مفتحة لهم. المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى وصف من أحوال أهل الجنة في هذه الآية أشياء الأول: أحوال مساكنهم، فقوله: {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } يدل على أمرين أحدهما: كونها جنات وبساتين والثاني: كونها دائمة آمنة من الانقضاء. وفي قوله: {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ } وجوه الأول: أن يكون المعنى أن الملائكة الموكلين بالجنان إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام، فيدخل كذلك محفوفاً بالملائكة على أعز حال وأجمل هيئة، قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ } تفسير : [الزمر: 73]. الثاني: أن تلك الأبواب كلما أرادوا انفتاحها انفتحت لهم، وكلما أرادوا انغلاقها انغلقت لهم الثالث: المراد من هذا الفتح، وصف تلك المساكن بالسعة، ومسافرة العيون فيها، ومشاهدة الأحوال اللذيذة الطيبة. ثم قال تعالى: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا } يدعون فيها، وفيه مباحث: البحث الأول: أنه تعالى ذكر في هذه الآية كونهم متكئين في الجنة، وذكر في سائر الآيات كيفية ذلك الاتكاء، فقال في آية: {أية : عَلَى ٱلأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ } تفسير : [يس: 56] وقال في آية أخرى: {أية : مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ } تفسير : [الرحمٰن: 76]. البحث الثاني: قوله: {متكئين فيها } حال قدمت على العامل فيها وهو قوله: {يَدْعُونَ فِيهَا } والمعنى يدعون في الجنات متكئين فيها ثم قال: {بِفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ } والمعنى بألوان الفاكهة وألوان الشراب، والتقدير بفاكهة كثيرة وشراب كثير، والسبب في ذكر هذا المعنى أن ديار العرب حارة قليلة الفواكه والأشربة، فرغبهم الله تعالى فيه. ولما بين تعالى أمر المسكن وأمر المأكول والمشروب ذكر عقيبه أمر المنكوح، فقال: {وَعِندَهُمْ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ } وقد سبق تفسيره في سورة والصافات، وبالجملة فالمعنى كونهن قاصرات عن غيرهم مقصورات القلب على محبتهم، وقوله: {أَتْرَابٌ } أي على سن واحد، ويحتمل كون الجواري أتراباً، ويحتمل كونهن أتراباً للأزواج، قال القفال: والسبب في اعتبار هذه الصفة، أنهن لما تشابهن في الصفة والسن والحلية كان الميل إليهن على السوية، وذلك يقتضي عدم الغيرة. ثم قال تعالى: {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } يعني أن الله تعالى وعد المتقين بالثواب الموصوف بهذه الصفة، ثم إنه تعالى أخبر عن دوام الثواب فقال: {إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَالَهُ مِن نَّفَادٍ }.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء: أن لهم في الدار الآخرة لحسن مآب، وهو المرجع والمنقلب، ثم فسره بقوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب. والألف واللام ههنا بمعنى الإضافة، كأنه يقول: مفتحة لهم أبوابها، أي: إذا جاؤوها فتحت لهم أبوابها، قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن ثواب الهباري، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الله بن مسلم، يعني: ابن هرمز، عن ابن سابط عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن في الجنة قصراً يقال له عدن، حوله البروج والمروج، له خمسة آلاف باب، عند كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله ــــ أو لا يسكنه ــــ إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عدل» تفسير : وقد ورد في ذكر أبواب الجنة الثمانية أحاديث كثيرة من وجوه عديدة. وقوله عز وجل: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا} قيل: متربعين على سرر تحت الحجال {يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ} أي: مهما طلبوا، وجدوا، وأحضر كما أرادوا {وَشَرَابٍ} أي: من أي أنواعه شاؤوا أتتهم به الخدام {أية : بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} تفسير : [الواقعة: 18] {أية : وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ} تفسير : [الصافات: 48] أي: عن غير أزواجهن، فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن {أَتْرَابٌ} أي: متساويات في السن والعمر. هذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والسدي { هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} أي: هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة هي التي وعدها لعباده المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار. ثم أخبر تبارك وتعالى عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا زوال ولا انقضاء ولا انتهاء، فقال تعالى: { إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} كقوله عز وجل: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ} تفسير : [النحل: 96] وكقوله جل وعلا: {أية : عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} تفسير : [هود: 108] وكقوله تعالى: {أية : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} تفسير : [فصلت: 8] أي: غير مقطوع، وكقوله عز وجل: {أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ} تفسير : [الرعد: 35] والآيات في هذا كثيرة جداً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هَٰذَا ذِكْرُ } لهم بالثناء الجميل هنا {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ } الشاملين لهم {لَحُسْنَ مَئَابٍ } مرجع في الآخرة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وعندهم قاصرات الطرف أتراب} يعني قاصرات الطرف على أزواجهم. {أتراب} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أقران، قاله عطية. الثاني: أمثال، قاله مجاهد. الثالث: متآخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن، حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم. الرابع: مستويات الأسنان بنات ثلاث وثلاثين قاله يحيى بن سلام. الخامس: أتراب أزواجهن بأن خلقهن على مقاديرهم، وقال ابن عيسى: الترب اللدة وهو مأخوذ من اللعب بالتراب.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {هَـٰذَا ذِكْرٌ} يحتملُ معنييْنِ: أحدهما: أن يشيرَ إلى مَدْحِ مَنْ ذُكِرَ وإبقاءِ الشَّرَفِ له، فيَتأيَّدُ بهذا قولُ مَنْ قَال: إن الدارَ يرادُ بها الدنيا. والثاني: أن يُشيرَ بهذا إلى القرآن، أي: ذكرٌ للعالم. و{جَنَّـٰتِ} بدل من {لَحُسْنُ مَـئَابٍ} و{مُّفَتَّحَةً} نَعْتٌ لـ{جَنَّـٰتِ}، و{ٱلأَبْوَابُ} مفعولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعله، وباقي الآيةِ بيِّن.
ابن عادل
تفسير : قوله:{هَـٰذَا ذِكْرٌ} جملة جيء بها إيذاناً بأنَّ القصَّة قد تَمَّتْ وأَخَذَ في أخرى وهذا كما فعل الجاحظ في كتبه يقول فهذا باب ثم يشرع في آخر ويدل على ذلك أنه لما أراد أن يعقب بذكر أهل النار ذكر أهل الجنة ثم قال: "هَذَا وإنَّ لِلطَّاغِين" وقيل: المراد هذا شرف وذكر جميل لهؤلاء الأنبياء يذكرون أبداً والصحيح الأول. قوله: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} المآب المرجعُ، لما حكى سَفَاهَة قُرَيْش على النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولهم: "سَاحِر كَذَّاب" وقولهم له استهزاء: {عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا} ثم أمره بالصبر على سَفَاهَتهم واقتدائه بالأنبياء المذكورين في صبرهم على الشدائد والمكاره بين ههنا أن من أطاع الله كان له من الثواب كذا وكذا وكل من خالفه كان له من العقاب كذا وكذا. وذلك يوجب الصبر على تكاليف الله تعالى. وهذا نظم حسن، وترتيب لطيف. قوله: "جَنَّاتِ عَدْنٍ" العامة على نصب "جنات" بدلاً من "حسن مآب" سواء كانت "جنات عدن" معرفة أم نكرة لأن المعرفة تبدل من النكرة وبالعكس، ويجوز أن تكون عطف بيان إن كانت نكرة ولا يجوز ذلك فيها إن كانت معرفةً. (وقد جوز الزمخشري ذلك بعد حكمه) واستدلاله على أنها معرفة، وهذا كما تقدم له في مواضع يجيز عطف البيان وإن تخلفا تعريفاً وتنكيراً. وقد تقدم هذه في قوله تعالى: {أية : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [آل عمران:97]، ويجوز أن ينتصب "جَنَّاتِ عَدْنٍ" بإضمار فعل، و"مُفَتَّحَةً" حال من "جَنَّات عَدْنٍ" أو نعت لها إن كانت نكرة. وقال الزمخشري: حال، والعامل فيها ما في "المُتَّقِينَ" من معنى الفعل. انتهى. وقد علل أبو البقاء بعلة في "مُتَّكِئِينَ" تقتضي مع "مفتحةً" أن تكونَ حالاً وإن كانت العلة غير صحيحة فقال: ولا يجوز أن تكون - يعني متكئين - حالاً من "للمتقين"؛ لأنه قد أخبر عنهم قبل الحال. وهذه العلة موجودة في جعل "مُفَتَّحةً" حالاً من للمتقين كما ذكره الزمخشري إلاّ أنّ هذه العلة ليست صحيحة. وهو نظير قولك: "إنَّ لهندٍ (ما) لاً قائمةً" وأيضاً في عبارته تجوز فإن "للمتقين" لم يخبر عنهم صناعة إنما أخبر عنهم معنى وإلا فقد أخبر عن "حُسْنَ مَآبٍ" بأنه لهم، وجعل الحوفي العامل مقدراً أي يَدْخُلُونَها مفتحةً. قوله: "الأبواب" في ارتفاعها وجهان: أشهرهما عند الناس: أنها مرتفعة باسم المفعول كقوله: {أية : وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} تفسير : [الزمر:73]. واعترض على هذا بأن "مُفَتَّحَةً" إما حال، وما نعت "لجَنَّات". وعلى التقديرين فلا رابطَ. وأجيب بوجهين: أحدهما: قول البصريين وهو أن ثَمَّ خبراً مقدراً تقديره الأبوابُ منها. والثاني: أن ("أل") قامت مقام الضمير، إذ الأصل أبوابها، وهو قول الكوفيين. وتقدم تحقيق هذا. والوجهان جريان في قوله: {أية : فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات:41]. الثاني: أنها مرتفعة على البدل من الضمير في مفتحة العائد على جنات. وهو قول الفارسي. لما رأى خلوّها من الرابط لفظاً ادّعى ذلك. واعترض على هذا بأن هذا من بدل البعض أو الاشتمال وكلاهما لا بدّ فيهما من ضمير فيضطر إلى تقديره كما تقدم. ورجح بعضهم الأول بأن فيه إضماراً واحداً وفي هذا إضماران وتبعه الزمخشري فقال "والأبواب" بدل من الضمير في "مفتحة" أي مفتحة هي الأبواب كقولك: "ضُرِبَ زَيْدٌ الْيَدُ والرِّجْلُ" وهو من بدل الاشْتِمال. فقوله: "بدل الاشتمال" إنما يعني به الأبواب لأن الأبواب قد يقال: إنها ليست بعض الجنات، وأما ضرب زيد اليد والرجل فهو بعض من كل ليس إلا. وقرأ زيد بن علي وأبو حيوة جنات عدن مفتحة برفعها إما على أنها جملة من مبتدأ وخبر، وإما على أن كل واحدة خبر مبتدأ مضمر أي هِيَ جناتٌ هِيَ مفتحةٌ. قوله: "متَّكئين" حال من "لهم" العامل فيها مفتحة، وقيل: العامل "يَدْعُونَ". (و) تأخر عنها. وقد تقدم منع أبي البقاء أنها حال من "للمتقين" وما فيه، و"يَدْعُونَ" يجوز أن يكون مستأنفاً وأن يكون حالاً إما من ضمير "متكئين" وإما حالاً ثانيةً. فصل اعلم أنه تعالى وصف أحوال أهل الجنة في هذه الآية بأشياء: أولها: أحوال مساكنهم جنات عدن وذلك يدل على أمرين: أحدهما: كونها بساتينَ. والثاني: كونها دائمةً ليست منقضيةً، وقوله: {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ} قيل: المراد أن الملائكة يفتحو(ن) لهم أبواب الجنة ويُحَيُّونهم بالسلام كما قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} تفسير : [الزمر:73]. وقيل: الحق أنهم كلما أرادوا انفتاح الأبواب انفتحت لهم وكلما أرادوا انغلاقها انغلقت لهم، وقيل: المراد من هذا الفتح وصف تلك المساكن بالسَّعة وقُرَّة العيون فيها، وقوله: "مُتَّكِئِينَ" قد ذكر في آيات أخر كيفية ذلك الاتّكاء فقال في آيةٍ: {أية : عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ} تفسير : [يس:56] وقال في آخرى: {أية : مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} تفسير : [الرحمن:76]، وقوله: "يَدْعُونَ فِيهَا" فِي الجنات بألوان الفاكهة وألوان الشراب والتقدير بفاكهة كثيرة وشراب كثير، ولما بين المسكن والمأكول والمشروب ذكر ألأمر المنكوح فقال {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} أي عن غيرهم وقوله "أَتْرَابٌ" أي على سنٍّ واحد، وقيل: بنات ثلاث وستين سنة واحدها تِرْب. وعن مجاهد: متواخِيات لا يَتَبَاغَضْنَ ولا يَتَغَايَرْنَ، وقيل: أتراب للأزواج، وقال القفال: والسبب في اعتبار هذه الصفة أنهن لما تَشَابَهْنَ في الصِّفة والسن والجِبِلّة كان الميل إليهن على السَّوِيَّة وذلك يقتضي عدم الغيرة. قوله: {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو: {هذا ما يُوعَدُونَ} بياء الغيبة وفي (ق) (و) ابن كثير وحده. والباقون بالخطاب فيهما. وجه الغيبة هنا وفي (ق) تقدم ذكر المتقين ووجه الخطاب الالتفات إليهم والإقبال عليهم؛ أي قُلْ لِلْمُتَّقِين هذا ما توعدون ليوم الحساب أي في يوم الحساب. {إنَّ هَذَا لَرِزْقُنا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ} أي فناء وانقطاع، وهذا إخبار عن دوام هذا الثواب. قوله: "من نفاد" إما مبتدأ وإما فاعل و"من" مزيدة، والجملة في محل نصب الحال من رزْقُنَا أي غير فانٍ، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله {جنات عدن مفتحة لهم الأبواب} قال: يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها. يقال لها انفتحي وانغلقي تكلمي، فتفهم وتتكلم. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله {وعندهم قاصرات الطرف أتراب} قال: قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يردن غيرهن {أتراب} قال: سن واحد. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس في قوله {أتراب} قال: أمثال. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} أي من انقطاع {هذا فليذقوه حميم وغساق} قال: كنا نحدث أن الغساق ما يسيل من بين جلده ولحمه {وآخر من شكله أزواج} قال: من نحوه أزواج من العذاب. وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد عن أبي رزين قال: الغساق ما يسيل من صديدهم. وأخرج هناد عن عطية في قوله {وغساق} قال: الذي يسيل من جلودهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وغساق} قال: الزمهرير {وآخر من شكله} قال: نحوه {أزواج} قال: ألوان من العذاب. وأخرج هناد بن السري في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: الغساق الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من شدة برده. وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن بريدة قال: الغساق المنتن، وهو بالطخاوية. وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أن دلواً من غساق يُهْرَاقُ في الدنيا لأنتن أهل الدنيا ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن كعب قال: {غساق} عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية أو عقرب أو غيرها فليستنقع. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله {وآخر من شكله أزواج} قال: الزمهرير. وأخرج عبد بن حميد عن مرة قال: ذكروا الزمهرير فقال {وآخر من شكله أزواج} فقالوا لعبد الله: إن للزمهرير برداً فقرأ هذه الآية {أية : لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً} تفسير : [النبأ: 24 - 25]. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله {وآخر من شكله أزواج} قال: ألوان من العذاب. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: ذكر الله العذاب، فذكر السلاسل، والأغلال، وما يكون في الدنيا ثم قال {وآخر من شكله أزواج} قال: آخر لم ير في الدنيا. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قرأ {وآخر من شكله} برفع الألف ونصب الخاء. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {وآخر من شكله} ممدودة منصوبة الألف. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {هذا فوج مقتحم معكم} إلى قوله {فبئس القرار} قال: هؤلاء الأتباع يقولونه للرؤوس. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود في قوله {فزده عذاباً ضعفاً في النار} قال: أفاعي وحيات.
ابو السعود
تفسير : {هَـٰذَا} إشارةٌ إلى ما تقدَّمَ من الآياتِ النَّاطقةِ بمحاسِنهم. {ذِكرٌ} أي شَرفٌ لهم وذكرٌ جميلٌ يُذكرون به أبداً أو نوعٌ من الذِّكرِ الذي هو القرآنُ وبابٌ منه مشتملٌ على أنباءِ الأنبـياءِ عليهم السَّلامُ. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: هذا ذكرُ مَن مضى من الأنبـياءِ. وقولُه تعالى {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} شروع في بـيان أجرِهم الجزيل في الآجلِ بعد بـيان ذكرِهم الجميلِ في العاجلِ وهو بابٌ آخرُ من أبواب التَّنزيلِ. والمرادُ بالمتَّقينَ إمَّا الجنسُ وهم داخلون في الحكم دُخولاً أوليَّاً وإما نفسُ المذكورين عبَّر عنهم بذلك مَدْحاً لهم بالتَّقوى التي هي الغايةُ القاصيةُ من الكمالِ. {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ} عطفُ بـيانٍ لحسنَ مآبٍ عندَ من يجوِّزُ تخالفَهما تعريفاً وتنكيراً فإنَّ عَدْناً مَعْرِفةٌ لقولِه تعالى: { أية : جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ} تفسير : [سورة الكهف: الآية 31] أو بدلٌ منه أو نصب على المدحِ. وقولُه تعالى: {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ} حالٌ من جنَّاتِ عَدْنٍ، والعاملُ فيها ما في للمتَّقين من معنى الفعلِ. والأبوابُ مرتفعةٌ باسمِ المفعولِ والرَّابطُ بـين الحالِ وصاحبِها إمَّا ضميرٌ مقدَّرٌ كما هو رأيُ البصريِّـينَ أي الأبوابُ منها أو الألفُ واللاَّمُ القائمةُ مقامَه كما هو رأيُ الكوفيِّـينَ إذِ الأصلُ أبوابُها، وقُرئتا مرفوعتينِ على الابتداءِ والخبرِ، أو على أنَّهما خبرانِ لمحذوفٍ أي هي جنَّاتُ عدنٍ هي مفتّحةٌ. {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا} حالٌ من ضميرِ لَهمُ والعاملُ فيها مفتَّحة. وقولُه تعالى {يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ} استئنافٌ لبـيانِ حالِم فيها وقيل: هو أيضاً حالٌ مَّما ذُكر أو من ضمير متَّكئين والاقتصارُ على دعاءِ الفاكهةِ للإيذانِ بأنَّ مطاعَمهم لمحضِ التَّفكهِ والتَّلذذِ دُون التَّغذِّي فإنَّه لتحصيل بدلِ المتحلِّلِ ولا تحلَّلِ ثَمة {وَعِندَهُمْ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ} أي على أزواجهنَّ لا ينظُرن إلى غيرِهم {أَتْرَابٌ} لداتٌ لهم فإنَّ التَّحابَّ بـين الأقرانِ أرسخُ أو بعضهن لبعضٍ لا عجوزَ فيهنَّ ولا صبـيَّةَ. واشتقاقُه من التُّراب فإنَّه يمسُّهم في وقتٍ واحدٍ {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} أي لأجلِه فإنَّ الحسابَ علَّةٌ للوصولِ إلى الجزاءِ. وقُرىء بالياءِ ليوافقَ ما قبلَه. والالتفاتُ أليقُ بمقامِ الامتنانِ والتَّكريمِ.
القشيري
تفسير : أي هذا القرآن فيه ذِكْرُ ما كان، وذِكْرُ الأنبياء والقصص. ويقال إنَّه شرفٌ لك؛ لأن معجزةٌ تدل على صِدْقِك، وإن للذين يتَقَّوُن المعاصِيَ لَحُسْنَ المُنْقَلَبِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {هذا} المذكور من الآيات الناطقة بمجالس الانبياء {ذكر} اى شرف لهم وذكر جميل يذكرون به ابدا كما يقال يموت الرجل ويبقى اسمه وذكره ويموت الفرس ويبقى ميدانه شعر : يادكارست جون حديث بشر يادكارت بخير به كه بشر تفسير : وفى التفسير الفارسى [اين خبر انبيا سبب ياد كردست ترا اى محمد وقوم ترا] كما فى قوله تعالى {أية : وانه لذكر لك ولقومك} تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما هذا ذكر من مضى من الانبياء. وفى التأويلات النجمية هذا اى القرآن فيه ذكر ما كان وذكر الانبياء وقصصهم لتعتبر بهم وتقتدى بسيرهم {وان للمتقين} الذين يتقون الله لا ما سواه وهذا لان جنات عدن مقام اهل الخصوص {لحسن مآب} مرجع فى الآخرة مع مالهم فى الدنيا من الثناء الجميل وهو من اضافة الصفة الى الموصوف اى مآبا حسنا
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {جناتِ}: عطف بيان لحُسن مآب، أو: بدل. و {مفتَّحة}: حال من {جنات عدن}. والعامل فيها: الاستقرار في {للمتقين}. و {الأبواب}: نائب الفاعل لمُفتَّحة. والرابط بين الحال وصاحبها: إما ضمير مقدّر، كما هو رأي البصريين، أي: الأبواب منها، أو: الألف واللام القائم مقامه، كما هو رأي الكوفيين، أي: أبوابها. و {متكئين}: حال من ضمير {لهم}، والعامل فيه: {مفتحة}. و {يَدْعُون}: إما استئناف، أو: حال مما ذكر، أو: من ضمير {متكئين}. يقول الحق جلّ جلاله: {هذا} أي: هذا الذي ذكر من الآيات الناطقة بمحاسن الأنبياء والرسل، {ذِكْرٌ} أي: شَرَفٌ لهم، وذِكْر جميل يُذكرون به أبداً، أو: نوع من الذكر، أي: القرآن. وآيٌ منه مشتمل على أنباء الأنبياء، أو: تذكير ووعظ؛ لأنه يذكر أحوال الأكابر ليقتدي بهم، أو: ذكر مَن مضى الأنبياء، أو: شرف لك؛ لأنه معجزة لك يدلّ على صدقك، {وإِنَّ للمتقين} أي: جنس المتقين، أو: مَن ذكر مِن الرسل، عبّر عنهم بالمتقين مدحاً لهم بالتقوى؛ إذ هي غاية الكمال. {لَحسنْ مآبٍ}؛ مرجع. ثم بيَّنه بقوله: {جنات عدنٍ}؛ إقامة {مفتحةً لهم الأبوابُ} فإذا جاؤوها لا يلحقهم ذلّ الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة بالتبجيل والترحيب، {متكئينَ فيها} على أرائكهم في حِجالهم، {يَدْعُون فيها بفاكهةٍ كثيرة} مما يشتهون {وشرابٍ} كثير كذلك، حذف اكتفاء بالأول، والاقتصار على دُعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكُّه والتلذُّذ، دون التغذي والحاجة، فإنه لا تَحلُل في الأبدان ولا حاجة. {وعندهم} حور {قاصِراتُ الطَّرْفِ} على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم، {أترابٌ}؛ لِداتٌ، أسنانُهنّ كأسنانهم. قيل: ثلاث وثلاثون سنة لكل واحد، أو: مستويات في الحُسن والجمال والشكل؛ لأن التحابّ بين الأقران أبلغ وأثبت، وقيل: أتراب بعضهن لبعض، لا عجوز فيهن ولا صبية. واشتقاقه من التراب، فإنه يمسَّهن في وقت واحد. {هذا ما تُوعدون ليوم الحساب}، قال ابن عرفة: اللام للتوقيت، أي: عنده، أو: للتعليل، فإن الحساب علَّة للوصول إلى الجزاء. وقرأ المكي والبصري بياء الغيب، ليُوافق ما قبله، والالتفات أليق بمقام الامتنان والتكريم. {إِنَّ هذا} الذي ذكر من ألوان النعيم والكرامات {لَرِزْقُنا} أعطيناكموه، {ما له من نفاذٍ}؛ من انقطاع وتمام أبداً. الإشارة: كل مَن توجه إلى الله بكليته، واتصف بمحاسن الأخلاق، كان له ذكر وشرف في الدنيا، وكرامة في العُقبى، بما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم ذكر أضدادهم بقوله: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً}.
اطفيش
تفسير : {هَذَا} الذي تقدم من أمورهم* {ذِكْرٌ} أي ثناء جميل عليهم وقيل شرف وقيل نوع من (الذكر) وهو القرآن. وعن ابن عباس: هذا ذكر من مضى من الأنبياء لما جرى ذكر الأنبياء وثم أشار اليه على جهة الاقتضاب وشرع في ذكر الجنة وأشار الى القرآن بعد ذكرهم الذي هو باب من أبواب القرآن وهذا كما يقول المؤلف عند تمام الباب اشارة الى الباب المنتهى ليستشعر القارئ أو السامع بأنه باب آخر ويتهيأ له* {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ} الشاملين لمن ذكر أو المراد من ذكر كأنه قيل هذا ثناء جميل عليهم وتشريف في الدنيا وان لهم في الآخرة {لَحُسْنَ مَآبٍ} أي مرجع
اطفيش
تفسير : {هَذا} أى وصفهم بالمحاسن المذكورة {ذِكْر} شرف لهم، أو تشريف، وذلك أن من لازم الشرف الذكر بين الناس، وقيل الذكر القرآن، أى هذا قرآن أى بعض القرآن على سبيل الانتقال من كلام الى آخر المسمى مع المناسبة بالتخلص، كما هنا، ومع عدمها بالاقتضاب، ومن التخلص ما يقال بعد كلام هذا، وأن كذا وكما يقال: وبعد ويقال: أما بعد، وكقوله تعالى: " أية : هذا وإن للطاغين لشر مآب" تفسير : [ص: 55] وذلك أنه انتقل للكلام من قصصهم الى ثوابهم وثواب من اتبعهم، وعقاب من خالفهم كما قال {وإنَّ للمتَّقِينَ} الأنبياء وأتباعهم {لحُسْن مَآبٍ} حسن مرجع.
الالوسي
تفسير : {هَـٰذَا } إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم {ذكْرٌ} أي شرف لهم وشاع الذكر بهذا المعنى لأن الشرف يلزمه الشهرة والذكر بين الناس فتجوز به عنه بعلاقة اللزوم، والمراد في ذكر قصصهم وتنويه الله تعالى بهم شرف عظيم لهم أو المعنى هذا المذكور من الآيات نوع من الذكر الذي هو القرآن، وذكر ذلك للانتقال من نوع من الكلام إلى آخر كما يقول الجاحظ في كتبه: فهذا باب ثم شرع في باب آخر ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر: هذا وكان كيت وكيت، ويحذف على ما قيل الخبر في مثل ذلك كثيراً وعليه {أية : هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَـئَابٍ } تفسير : [ص: 55] وستسمع إن شاء الله تعالى الكلام فيه فلا يقال: إنه لا فائدة فيه لأنه معلوم أنه من القرآن. وقال ابن عباس: هذا ذكر من مضى من الأنبياء عليهم السلام. وقوله تعالى: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} أي مرجع شروع في بيان أجرهم الجزيل في الآجل بعد بيان ذكرهم الجميل في العاجل. والمراد بالمتقين إما الجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً وإما نفس المذكورين عبر عنهم بذلك مدحاً لهم بالتقوى التي هي الغاية القصوى في الكمال. والجملة فيما أرى عطف على الجملة قبلها كأنه قيل: هذا شرف لهم في الدنيا وإن لهم ولأضرابهم أو إن لهم في الآخرة لحسن مآب أو هي من قبيل عطف القصة على القصة، وقال الشهاب الخفاجي عليه الرحمة: هي حالية ولم يبين صاحب الحال، ويبعد أن يكون ذكراً لأنه نكرة متقدمة وأن يكون {هَـٰذَا } لأنه مبتدأ ومع ذلك في المعنى على تقدير الحالية خفاء، وقال بعض أجلة المعاصرين. إنه أراد أن الكلام على معنى والحال كذا أي الأمر والشأن كذا ولم يرد أن الجملة حال بالمعنى المعروف الذي يقتضي ذا حال وعاملا في الحال إلى غير ذلك وادعى أن الأمر كذلك في كل جملة يقال إنها حال وليس فيها ضمير يعود على ما قبلها نحو جاء زيد والشمس طالعة وقال: إنه الذي ينبغي أن يعول عليه وإن لم يذكره النحويون اهـ، والحال لا يخفى على ذي تمييز. وإضافة {حُسْنَ} إلى {مَآبٍ} من إضافة الصفة إلى الموصوف إما بتأويل مآب ذي حسن أو حسن وأما بدونه قصداً للمبالغة.
سيد قطب
تفسير : كانت الجولة الماضية حياة وذكرى مع المختارين من عباد الله. مع الابتلاء والصبر. والرحمة والإفضال. كان هذا ذكراً لتلك الحيوات الرفيعة في الأرض وفي هذه الدنيا.. ثم يتابع السياق خطاه مع عباد الله المتقين، ومع المكذبين الطاغين إلى العالم الآخر وفي الحياة الباقية.. يتابعه في مشهد من مشاهد القيامة نستعير لعرضه صفحات من كتاب مشاهد القيامة في القرآن مع تصرف قليل: يبدأ المشهد بمنظرين متقابلين تمام التقابل في المجموع وفي الأجزاء، وفي السمات والهيئات: منظر {المتقين} لهم {حسن مآب}. ومنظر {الطاغين} لهم {شر مآب}. فأما الأولون فلهم جنات عدن مفتحة لهم الأبواب. ولهم فيها راحة الاتكاء، ومتعة الطعام والشراب. ولهم كذلك متعة الحوريات الشواب. وهن مع شبابهن {قاصرات الطرف} لا يتطلعن ولا يمددن بأبصارهن. وكلهن شواب أتراب. وهو متاع دائم ورزق من عند الله {ما له من نفاد}. وأما الآخرون فلهم مهاد. ولكن لا راحة فيه. إنه جهنم {فبئس المهاد}! ولهم فيه شراب ساخن وطعام مقيئ. إنه ما يغسق ويسيل من أهل النار! أو لهم صنوف أخرى من جنس هذا العذاب. يعبر عنها بأنها {أزواج}! ثم يتم المشهد بمنظر ثالث حي شاخص بما فيه من حوار: فها هي ذي جماعة من أولئك الطاغين من أهل جهنم. كانت في الدنيا متوادة متحابة. فهي اليوم متناكرة متنابذة كان بعضهم يملي لبعض في الضلال. وكان بعضهم يتعالى على المؤمنين، ويهزأ من دعوتهم ودعواهم في النعيم. كما يصنع الملأ من قريش وهم يقولون: {أأنزل عليه الذكر من بيننا؟}.. ها هم أولاء يقتحمون النار فوجاً بعد فوج وها هم أولاء يقول بعضهم لبعض: {هذا فوج مقتحم معكم}.. فماذا يكون الجواب؟ يكون الجواب في إندفاع وحنق: {لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار}! فهل يسكت المشتومون؟ كلا! إنهم يردون: {قالوا: بل أنتم لا مرحباً بكم. أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار!}.. فلقد كنتم أنتم السبب في هذا العذاب. وإذا دعوة فيها الحنق والضيق والانتقام: {قالوا: ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار}! ثم ماذا؟ ثم ها هم أولاء يفتقدون المؤمنين، الذين كانوا يتعالون عليهم في الدنيا، ويظنون بهم شراً، ويسخرون من دعواهم في النعيم. ها هم أولاء يفتقدونهم فلا يرونهم معهم مقتحمين في النار، فيستاءلون: أين هم؟ أين ذهبوا؟ أم تراهم هنا ولكن زاغت عنهم أبصارنا؟: {وقالوا: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخرياً؟ أم زاغت عنهم الأبصار؟}.. بينما هؤلاء الرجال الذين يتساءلون عنهم هناك في الجنان! ويختم المشهد بتقرير واقع أهل النار: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار}!! فما أبعد مصيرهم عن مصير المتقين. الذين كانوا يسخرون منهم، ويستكثرون اختيار الله لهم. وما أبأس نصيبهم الذي كانوا يستعجلون به وهم يقولون: {أية : ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب }!
ابن عاشور
تفسير : {هٰذَا ذِكْرٌ} جملة فَصلت الكلامَ السابق عن الكلام الآتي بعدها قصداً لانتقال الكلام من غرض إلى غرض مثل جملة: أما بعد فكذا ومثل اسم الإِشارة المجرّد نحو {أية : هذا وإن للطاغين لشر مآب}تفسير : [ص: 55]، وقوله: {أية : ذلك ومن يعظم حرمات الله}تفسير : [الحج: 30]، {أية : وذلك ومن يعظم شعائر الله}،تفسير : في سورة [الحج: 32]. قال في «الكشاف»: وهو كما يقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر: هذا وقد كان كيْتَ وكَيت اهــــ. وهذا الأسلوب من الانتقال هو المسمى في عرف علماء الأدب بالاقتضاب وهو طريقة العرب ومن يليهم من المخضرمين، ولهم في مثله طريقتان: أن يذكروا الخبر كما في هذه الآية وقولِ المؤلفين: هذا باب كذا، وأن يحذفوا الخبر لدلالة الإِشارة على المقصود، كقوله تعالى: {أية : ذلك ومن يعظم حرمات الله}تفسير : [الحج: 30]، أي ذلك شأن الذين عمِلوا بما دعاهم إليه إبراهيم وذكروا اسم الله على ذبائحهم ولم يذكروا أسماء الأصنام، وقوله: {أية : ذلك ومن يعظم شعائر الله}،تفسير : [الحج: 32] أي ذلك مثل الذين أشركوا بالله، وقوله بعد آيات {أية : هذا وإن للطاغين لشر مئاب}تفسير : [ص: 55] أي هذا مآب المتقين، ومنه قول الكاتب: هذا وقد كان كَيْت وكَيْتتِ، وإنما صرح بالخبر في قوله: {هٰذَا ذِكرٌ} للاهتمام بتعيين الخبر، وأن المقصود من المشار إليه التذكر والاقتداء فلا يأخذ السامع اسم الإِشارة مأخذ الفصل المجرَّد والانتقالِ الاقتضابي، مع إرادة التوجيه بلفظ {ذكر} بتحميله معنى حُسن السمعة، أي هذا ذكر لأولئك المسمَّيْن في الآخرين مع أنه تذكرة للمقتدِين على نحو المعْنَيَيْن في قوله تعالى: {أية : وإنه لذكر لك ولقومك}تفسير : في سورة الدخان [الزخرف: 44]. ومن هنا احتمل أن تكون الإِشارة بــــ {هذا}إلى القرآن، أي القرآن ذِكر، فتكون الجملة استئنافاً ابتدائياً للتنويه بشأن القرآن رَاجعاً إلى غَرض قوله تعالى: {أية : كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب}تفسير : [ص: 29]. والواو في {وإن للمتقين} الخ، يجوز أن تكون للعطف الذكري، أي انتهى الكلام السابق بقولنا {هذا} ونعطف عليه {إنَّ للمُتَّقينَ} الخ. ويجوز أن تكون واو الحال. وتقدم معنى {حسن مئاب}. واللام في {للمُتَّقينَ} لام الاختصاص، أي لهم حسن مآب يوم الجزاء. وانتصب {جنَّاتِ عدنٍ} على البيان من {حسن مئاب}. والعدن: الخلود. و {مُفَتَحَةً} حال من {جنَّاتِ عدنٍ}، والعامل في الحال ما في {للمُتَّقينَ} من معنى الفعل وهو الاستقرار فيكون (ال) في {الأبوابُ} عوضاً عن الضمير. والتقدير: أبوابها، على رأي نحاة الكوفة، وأما عند البصريين فــــ{الأبواب} بدل من الضمير في {مُفتَّحَةً} على أنه بدل اشتمال أو بعض والرابط بينه وبين المبدل منه محذوف تقديره: الأبواب منها. وتفتيح الأبواب كناية عن التمكين من الانتفاع بنعيمها لأن تفتيح الأبواب يستلزم الإِذن بالدخول وهو يستلزم التخلية بين الداخل وبين الانتفاع بما وراء الأبواب. وقوله {مُتَّكِئينَ فيها} تقدم قريب منه في سورة يس. و {يَدْعُونَ}: يَأمرون بأن يجلب لهم، يقال: دعا بكذا، أي سأل أن يحضر له. والباء في قولهم: دعا بكذا، للمصاحبة، والتقدير: دعا مدعُوَّاً يصاحبه كذا، قال عدي بن زيد: شعر : ودعَوا بالصَّبوح يوماً فجاءت قينَة في يمينها إبريق تفسير : قال تعالى في سورة [يس: 57] {أية : لهم فيها فاكهة ولهم ما يَدّعون}تفسير : . وانتصب {مُتَّكِئينَ} على الحال من «المتقين» وهي حال مقدرة. وجملة {يَدْعُونَ} حال ثانية مقدرة أيضاً. والشراب: اسم للمشروب، وغلب إطلاقه على الخمر إذا لم يكن في الكلام ذكر للماء كقوله آنفاً {أية : هذا مغتسَل بارد وشراب}تفسير : [ص: 42]. وتنوين {شراب} هنا للتعظيم، أي شراب نفيس في جنسه، كقول أبي خراش الهذلي: شعر : لقد وقعت على لحم تفسير : و {عندهم قاصِراتُ الطَّرْفِ} {عند} ظرف مكان قريب و {قَاصِرات الطرف} صفة لموصوف محذوف، أي نساء قاصرات النظر. وتعريف {الطرف} تعريف الجنس الصادقُ بالكثير، أي قاصرات الأطراف. و {الطرف}: النظر بالعَين، وقصر الطرف توجيهه إلى منظور غير متعدد، فيجوز أن يكون المعنى: أنهن قاصرات أطرافَهن على أزواجهن. فالأطراف المقصورة أطرافهن. وإسناد {قاصرات} إلى ضميرهن إسناد حقيقي، أيْ لا يوجّهْن أنظارهن إلى غيرهم وذلك كناية عن قصر محبتهن على أزواجهن. ويجوز أن يكون المعنى: أنهن يقصرن أطرافَ أزواجهن عليهن فلا تتوجه أنظار أزواجهن إلى غيرهن اكتفاء منهم بحسنهن وذلك كناية عن تمام حسنهن في أنظار أزواجهن بحيث لا يتعلق استحسانهم بغيرهن، فالأطراف المقصورة أطراف أزواجهن، وإسناد {قاصرات} إليهن مجاز عقلي إذْ كان حسنهن سببَ قصْر أطراف الأزواج فإنهن ملابسات سَبب سَبَبِ القصر. و {أَتراب}: جمع تِرْب بكسر التاء وسكون الراء، وهو اسم لمن كان عمره مساوياً عُمرَ من يُضاف إليه، تقول: هو تِرب فلان، وهي ترب فلانة، ولا تلحق لفظَ ترب علامةُ تأنيث. والمراد: أنهن أتراب بعضُهن لبعض، وأنهن أتراب لأزواجهن لأن التحابَّ بين الأقران أمكن. والظاهر أن {أتْرَابٌ} وصف قائم بجميع نساء الجنة من مخلوقاتِ الجنةِ ومن النساء اللاتي كنّ أزواجاً في الدنيا لأصحاب الجنة، فلا يكون بعضهن أحسن شباباً من بعض فلا يلحق بعضَ أهل الجنة غَضّ إذا كانت نساء غيره أجدّ شباباً، ولئلا تتفاوت نساء الواحد من المتقين في شرخ الشباب، فيكون النعيم بالأقل شباباً دون النعيم بالأجدّ منهن. وتقدم الكلام على {أية : وعندهم قاصرات الطرف عين}تفسير : في سورة [الصافات: 48].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 49- هذا الذى قصصناه عليك نبأ بعض المرسلين تذكير لك ولقومك، وإن للمتقين المتحرزين من عصيان الله - تعالى - حسن مرجع ومآل. 50- أعد لهم جنات عدن مفتحة لهم أبوابها، لا يصدهم عنها صاد. 51- يجلسون فيها متكئين على الأرائك والسُّرر شأن المترفين، ويتمتعون فيها بطلب فاكهة كثيرة وشراب كثير. 52- وعندهم فى الجنة من نسوة قصرن أبصارهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم، وهن مستويات السن معهم، ليكون ذلك أدعى إلى الوفاق. 53- هذا النعيم هو الذى توعدونه ليوم القيامة. 54- إن هذا لعطاؤنا ما له من نهاية. 55- هذا النعيم جزاء المتقين. وإن للطاغين المتمردين على أنبيائهم لشر مآل ومنقلب. 56- وهو جهنم يدخلونها ويقاسون حرها، وبئس الفراش هى. 57- هذا ماء بلغ الغاية فى الحرارة وصديد أهل جهنم، يؤمرون أن يذوقوه. 58- وعذاب آخر مثل هذا العذاب أنواع مزدوجة. 59- ويقال للطاغين - وهم رؤساء المشركين -: هذا جمع كثير داخلون النار معكم فى زحمة وشدة، وهمَ أتباعكم، فيقول هؤلاء الرؤساء: لا مرحباً بهم، إنهم داخلون النار مقاسون حرّها.
القطان
تفسير : مآب: مرجع. جنات عدْن: جنات الاقامة والاستقرار. قاصرات الطرف: عفيفات. أتراب: متساويات في الأعمار. فبئس المهاد: فَسَاء الفراش. الحميم: شدة الحرارة، غسّاق: ما يسيل من صديد اهل النار. من شكله: من مثله. ازواج: الون. فوج: جمع كثير. لا مرحبا بهم: غير مرغوب فيهم، ولذلك لا يرحب بهم. زاغت عنهم: مالت عنهم. هذا الذي قصصْناه عليك أيها النبي، نبأَ بعض المرسَلين - تذكير لك ولقومك، وان الله اعطى المتقين حسن المرجع إليه، حيث أعدّ لهم جناتِ عدْنٍ أبوابُها مفتحة اكراما لهم، يجلسون فيها متكئين على الأرائك مسرورين، يتمتعون فيها بأطيب انواع الفواكه، وخير الشراب، وعندهم ازواجهم من الحور العِين القاصراتِ الطرف العفيفات، متساويات في العمرُ، على خير ما يرام من الوفاق والسعادة والسرور. {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} أيها المؤمنون المخلصون، وهو بعض عطائنا الذي لا ينفد ولا ينتهي. ثم بعد ان وصف ثواب المتقين وما أعدّ لهم، أردفه بوصف عقاب الطاغين، فقال: ان هذا النعيم لهو جزاء المتقين، وان للطاغين المتمردين لشر عاقبة، وسوء منقلب. {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} هذا حميم بالغ الحرارة وصديدٌ من نار جهنم، فليذوقوه. ولهم عذاب آخر في أشكال متعددة وانواع متشابهة في شدتها وقسوتها. ويقال للطاغين وهم رؤساء المشركين: هذا جمعٌ كثير داخلون النار معكم يقتحمونها فوجا اثر فوج، وهم اتباعكم، فيقول هؤلاء الرؤساء: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو ٱلنَّارِ} وداخلون فيها غير مرحَّب بهم. ثم يرد عليهم الداخلون من الاتباع ويقولون لهم: {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} لأنكم الذين قدّمتم لنا هذا العذاب بإغرائكم لنا ودعوتنا الى الكفر، {فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} لكم في جهنم. ثم يزيد الأتباع بدعائهم على رؤساء الضلال قائلين: يا ربنا، من تسبّب لنا في هذا العذاب فزدْه عذابا مضاعفا في النار. وفي سورة الاعراف 38 {أية : رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ}تفسير : . وكذلك قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً}تفسير : [الاحزاب:67، 68]. ثم يتساءل اهل الكفر في النار عن الذين آمنوا من الضعفاء وفقراء المسلمين، فيقولون: ما لنا لا نرى رجالاً كنّا نعدّهم في الدنيا من الاشرار الذي لا خير فيهم، وقد كنّا نسخَر منهم في الدنيا ونهزأ بهم فأين هم؟ ام ان أعيننا زاغت عنهم فلا نراهم!. ثم يبين الله تعالى ان هذا التساؤل وهذا الكلام والتخاصم مع بعضهم البعض حقٌّ يوم القيامة لا مرية فيه فيقول: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ}. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وابو عمرو: اتخذناهم على الاخبار، وقرأ الباقون: أَتخذناهم بفتح الهمزة على الاستفهام. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: سُخريا بضم السين، والباقون بكسرها، وهما لغتان. وقرأ ابن كثير وابوعمرو: هذا ما يوعدون بالياء. والباقون: بالتاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَآبٍ} (49) - وَهَذَا الذِي تَقَدَّمَ سَرْدُهُ، مِنْ أَخْبَارِ الأَنْبِيَاءِ الكِرَامِ، فِيهِ ذِكْرٌ لَهُمْ، وَشَرَفٌ، وَإِشَادَةٌ بِمَحَاسِنِهِمْ، وَفِيهِ تَذْكِيرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ. والمُؤْمِنُونَ السُّعَدَاءُ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ المُنْقَلبُ الحَسَنُ، وَالمآبُ الكَرِيمُ. هَذَا ذِكْرٌ - المَذْكُورُ مِنْ مَحَاسِنِهِم شَرَفٌ لَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {هَـٰذَا} أي: ما تقدم من موكب الرسل {ذِكْرٌ} تذكير كما في قوله تعالى: {أية : أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 282]. يعني: هذا الذي ذكرناه من موكب الرسل ومن موقف الأمم معهم، وكيف أنهم تحمَّلوا تفاهة القوم وقِلَّة أدبهم مع أنبياءهم، وتحمَّلوا الاجتراء باللسان وبالجوارح، نذكر هذا لمحمد الذي يَلْقى من قومه ما يَلْقى من الأذى لنذكره أنه ليس بدْعاً في الرسل، وأن ما جرى لإخوانه المرسلين لا بُدَّ أنْ يجري له، وإذا كنا نقيس الابتلاء بمقدار الرسالة فنصيبُ محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الإيذاء أكبر من نصيب الرسل أجمعين. فقوله تعالى: {هَـٰذَا ذِكْرٌ ..} [ص: 49] تسليةٌ لسيدنا رسول الله حتى يعلم أنه ليس بِدْعاً في ذلك، وأن عظمته في أنْ يتلقَّى سفاهة القوم؛ لأن القومَ حين يسفهون على الرسول يدلُّ ذلك على أنهم منتفعون بالفساد الشائع في قومهم، وما جاء الرسول إلا ليقضي على هذا الفساد، إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الرسولُ خَصْماً لهؤلاء، وكلما تصدَّى لفسادهم اشتدتْ عداوتهم له، وإيذاؤهم وسخريتهم منه، واتهامهم له بالكذب والسحر والجنون .. إلخ. فهذه إذن سنة لله تعالى في كل مَنْ يتصدَّى للدعوة ويجابه الفساد في المجتمع، لا بُدَّ أنْ يجد مَنْ يجترئ عليه ويتهمه بالباطل، ويحاول النيل منه والتشكيك في قصده، هذا رَدُّ فعل طبيعي إذا وجده الداعية ينبغي أنْ يُسَرَّ به، فهو إشارة وعلامة تدلّ على نجَاحه في مسعاه، وأنه نال منهم وغَاظهم. وقوله سبحانه: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 49] أي: مرجع حسن إلى الله يوم القيامة، فهي تتحدث عن الآخرة وما ينتظره صلى الله عليه وسلم من الجزاء الحسن، ففي الآية عطاءان لرسول الله: الأولى: تسليته صلى الله عليه وسلم في قوله: {هَـٰذَا ذِكْرٌ ..} [ص: 49] ثم {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 49] كأنه تعالى يقول: هذا الذي ذكرناه ذِكْر لمحمد كي نُسَلِّيه، لكن الأهمّ من ذلك ما ينتظره من الجزاء الحسن في الآخرة، الواو هنا عطفت {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 49] على {هَـٰذَا ذِكْرٌ ..} [ص: 49]. والمتقون مادتها: وَقَى يعني حال بين شيء يصيبه، وبين نفسه، واتقى الشيء جعل بينه وبين الشيء وقايةً تحميه. وإذا نظرنا إلى هذه المادة في القرآن نجد الحق سبحانه يأمر بالتقوى تكليفاً يكلف الإنسان أنْ يقي نفسه مما يعُود عليه بالشر، وقد أتتْ هذه المادة بلفظ: اتقوا الله، واتقوا ربكم، واتقوني، واتقوا النار، واتقوا الفتنة. وكلها تلتقي في معنى واحد، لأن لله تعالى كما قلنا صفات جلال وصفات جمال، فمعنى اتقوا الله: اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال لله وقاية، مثل: المنتقم الجبار القهار .. إلخ. وهذه الصفات هي التي ترهب المخالف وتردعه، فاتقوا صفات الجلال من الله، لأنه سبحانه قادر أنْ يبطش بكم وليس لكم جَلَد على انتقام الله أو التعرُّض لأثر هذه الصفات. وبنفس المعنى: اتقوا النار لأنها جُنْد من جُنْد الله، وأثر من آثار صفات الجلال. وفي موضع واحد من القرآن وردتْ التقوى بلفظ (واتقوا) دون ذكر للمتقَى، وكأن هذا اللفظ جاء ليدلّ على شمول التقوى أو مطلق التقوى، فهي تعني: اتقوا الله، واتقوا النار، واتقوا الفتنة .. إلخ. ومعنى {لَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 49] يعني: حُسْن مرجع، لكن أيّ مرجع؟ للعلماء في المرجع كلام فلسفي يقولون: أي مرجع الروح ومردّها إلى الأجساد يوم القيامة، وهذا كلام لا وزنَ له؛ لأننا نفهم المرجع والمردَّ إذا لاحظنا الخَلق الأول، والخالق سبحانه قبل أنْ يخلق الخَلْق أخذ عليهم العهد، وهم ما يزالون في مرحلة الذَّرِّ. كما قاله سبحانه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 172-173]. إذن: إيمان الفطرة في عالم الذرِّ والشهادة لله تعالى بأنه الربُّ الخالق المُربِّي تستدعي أن يكون المرجع إليه سبحانه والمردّ إليه للحساب، هل قابلتم هذه الشهادة بالطاعة أم بالعصيان؟ فمن أدّى العهد القديم واستصحبه إلى العهد الجديد فقد فاز وله حُسْن مآب، وأما مَنْ ظلم نفسه وخالف العهد الذي أخذه على نفسه فقد خاب وخسر، وله في الآخرة مآب الشرِّ والسُّوء. ولما كان حُسْن المآب كلمة عامة مُجْملة أراد الحق سبحانه أن يُفصِّلها وأنْ يوضحها لنا، فقال: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ} [ص: 50] فكلمة جنات عدن بدل من حُسْن مآب، فكأن الحق سبحانه حصر حُسْن المآب في جنات عدن، والجنات جمع جنة، وهي المكان المليء بالأشجار المتشابكة التي تستر مَنْ يسير تحتها، أو لأنها تجنّ مَنْ يسير فيها وتحبسه عن الخروج فيها أو الحاجة لغيره؛ لأن فيها كلّ ما يحتاجه، وهذا هو معنى الجنة في الدنيا أيضاً، ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ ..} تفسير : [الكهف: 32]. ومثَلُ الجنة التي دخلها آدم - عليه السلام - ليتلقَّى فيها من الله التجربة التكليفية بافعل ولا تفعل، لكن نسمع مَنْ يقول أن آدم كان في جنة الآخرة، وأخرجه الله منها إلى الدنيا، وهذا لا يستقيم لأن أول إخبار من الله عن آدم لم يقُلْ أنِّي خلقته للجنة، إنما قال: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ..} تفسير : [البقرة: 30]. أما مسألة دخوله الجنةَ أي جنة الدنيا، فذلك لأنك حين تريد أنْ تدرِّب شخصاً على عمل ما فإنك لا بُدَّ أنْ تتكفَّل له بالإقامة والنفقة، وتوفر له مُقوِّمات حياته بالطريقة التي تتيح له التدريب والقيام بالمهمة التي كلف بها، وهكذا فعل الله تعالى لآدم، فلما نسي ما أمره الله به واتبع الشيطان تغيَّرت طبيعته، ولم يَعُدْ صالحاً للإقامة في هذه الجنة، كما قال سبحانه: {أية : فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا ..} تفسير : [الأعراف: 22]. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها آدم بسوأته لأنه خالف أمر ربه، كذلك إذا رأيتَ عورة ظهرتْ في الأرض إلى أن تقوم الساعة فاعلم أنها نتيجة مخالفة لمنهج الله أو تعطيلٍ لحكم من أحكامه، وإلا ما الذي جعل هذه الفتحة في آدم عورة، وهي لا تختلف عن أيِّ فتحة مثلها في الجسم، ما الفرق بينها وبين فتحة الفم مثلاً؟ إذن: متى كانت عورة؟ كانت عورة حين أصبح لها مُسْتقذرات ينفر منها طبْع الإنسان، وكيف تكونتْ هذه المستقذرات؟ تكوَّنت لأنه أكل على خلاف منهج ربه، بدليل أنه لما أكل وفْق ما أمره الله لم تكُنْ له فضلات، كان يأكل من طهي الله، يأكل على قَدْر استبقاء الحياة. لكن لما خالف وأكل من الشجرة تكوَّنتْ الفضلات وظهر أثرها المستقذر {أية : وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ..} تفسير : [الأعراف: 22] يريد أنْ يستر هذه العورة وأنْ يداريها، لكنها أصبحتْ عادة لازمة للإنسان إلى الأبد، سوأة لا تُستر ولا تُدفع، إذن: صارت سوأة بالمخالفة. لذلك نجدهم في الحروب وميادين القتال يعطون الجنود أقراصاً مغذية تفيد الجسم، ولا تترك فضلات، ولا تزحم المعدة. ولو تنبَّه آدمُ لوسوسة الشيطان ما طاوعه وما أكل من الشجرة؛ لأنه أغواهما بقوله: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 20] في حين أنه يطلب من الله أنْ يُنْظِره إلى يوم يُبعثون، ولو علم أن هذه الشجرة تبقيه وتُخلده لأكل هو منها، أليس هو القائل: {أية : رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} تفسير : [ص: 79]. إذن: كان الشيطان كذاباً، لكن لم يتنبه آدم لكذبه، قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه: 115]. لكن لماذا يقع آدم - عليه السلام - في هذا الابتلاء؟ قالوا: لأن آدم سيكون أباً للبشر جميعاً، وسيكون ممثلاً لصِنفيْن منهم، صنف معصوم من الخطأ وهم الأنبياء والرسل، وصنف يخطئ وهم عامة الناس، إذن: لا بُدَّ أنْ تتمثل في حياته هاتان الصورتان، وقد وقع منه العصيان وهو في الجنة في فترة الاختبار التكليفي كما قلنا، وعصيانه هذا لا ينافي عصمة الأنبياء، لأنه لم يكُن قد نُبِّئ بعد، لكن تاب آدم فتاب الله عليه {أية : فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ..} تفسير : [البقرة: 37]. وقال: {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} تفسير : [طه: 122]. إذن: كان الاجتباء والاختيار للنبوة بعد المحنة التي وقع فيها، وبعد الاجتباء عصم آدم عصمة الأنبياء، وكلمة {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ ..} تفسير : [طه: 122] دلتْ على التعقيب ووجود مدة بين عصيان آدم واجتبائه. إذن: قوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ ..} [ص: 50] أي: في دار الجزاء ومعنى {عَدْنٍ} يعني: إقامة دائمة لا تزول ولا تنتهي، وقال (عَدْن) لأن جنات الدنيا ينتفع بها صاحبها مدة ثم تزول، فإما أنْ تصيبها جائحة، كما في قوله تعالى في قصة أصحاب الجنة: {أية : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ} تفسير : [القلم: 17-20] وإما أن يموت هو ويتركها لغيره. لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يُطمئن أهل طاعته بأن الجنة التي أعدَّها لهم باقية دائمة لا تزول، جنات إقامة دائمة خالدة، لا يفوتك نعيمها ولا تفوته. وقوله سبحانه: {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ} [ص: 50] مُفتحة اسم مفعول يدل على المبالغة وكثرة تفتيح الأبواب، فمَنِ الذي يفتحها؟ يجوز فتحها الخزنة ساعة يروْنَ أهل الجنة قادمين يفتحونَ لهم ويحيونهم {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} تفسير : [الزمر: 73]. كما نرى مثلاً في الفنادق الكبيرة، يقف الحراس والحُجَّاب على الباب، وساعةَ يأتي الزائر يفتحون له الباب، لكن لما ارتقوا بهذه المسألة رأينا الأبواب تُفتح وحدها أتوماتيكياً بمجرد الاقتراب منها، فإنْ دخل الزائر تُغلق أيضاً تلقائياً. فيجوز أن الأبواب تُفتح بفعل الملائكة، أو تُفتح بمجرد إرادة أهل الجنة، فساعةَ يريد أنْ يدخل تُفتح له دون تدخُّل من أحد. فإذا كان البشر قد توصَّلوا إلى هذه الدرجة في مسألة فَتْح الأبواب، فهذا التقدُّم يؤيد ما جاء به القرآن، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} تفسير : [الزخرف: 33]. لقد رأينا هذه السُّقف وهذه المعارج، وقد يُراد بها السلالم والأسانسيرات التي نصعد فيها الآن، وقد نزل هذا الكلام منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان على أمة أمية مُتبدية، لا تعرف المباني، إنما تسكن الخيام وبيوت الشَّعر والوَبَر. إذن: في القرآن لقطات تدلُّك على أن في كتاب الله رصيداً لكل ما يجدُّ في حياة الناس، فإنْ تعجبتَ لشيء في كتاب الله فاعلم أن الواقع يؤيده، وأنكم أيها الخَلْق ستصلون في علومكم وارتقاءاتكم إلى مِثْل ما تتعجبون منه، فإذا كنتم قدرتم أنْ تفعلوا ذلك فاسمحوا لله تعالى أنْ يفعله من باب أوْلَى. ثم يقول سبحانه في وصف أهل الجنة {مُتَّكِئِينَ فِيهَا ..} [ص: 51] المتكئ هو ما بين النائم والجالس، أو ما بين النائم والقاعد؛ لأن هناك فَرْقاً بين قعد وجلس - وإنْ كان المعنى واحداً - لأن قعد تكون عن قيام، كان قائماً فقعد، أما جلس فمن الاضطجاع، يعني كان مضطجعاً فجلس. والإنسان حين يكون قائماً يحمل وزنه كله على القدمين، فإنْ تعب من القيام قعد، وفي القعود يكون ثقل الجسم على المقعدة، فإنْ تعب من القعود اتكأ على جنبه .. وهذا وَضْع بين الجلوس والاضطجاع على الأرض، ويُوزع فيه ثقل الجسم فيكون أكثر راحة للإنسان. لذلك اختاره الله لأهل الجنة، واختارته امرأة العزيز للنسوة اللاتي استضافتهن. قال تعالى: {أية : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ..} تفسير : [يوسف: 31] فالمتكأ دَلَّ على أن المجلس لا يُمَلُّ، وأن الاتكاء هو الوضع الذي يأخذ فيه الإنسان راحته. وقال تعالى في أهل الجنة: {أية : مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} تفسير : [الرحمن: 54]. وقال أيضاً في سورة الرحمن: {أية : مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} تفسير : [الرحمن: 76]. وقال أيضاً في بيان مُتكأ أهل الجنة: {أية : مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ ..} تفسير : [الكهف: 31]. إذن: أهل الجنة يتكئون إما على الفرش المُبطَّنة بالإستبرق، وهو الحرير السميك الغليظ، وهو يشبه ما نسميه الآن (الستان)، وإذا كانت هذه الفرش حشوها وبطانتها من إستبرق، فما بالك بظاهرها؟ ومعنى (رَفْرَفٍ) هو ما نسميه الآن الكرانيش الموجود مثلاً في الستائر. ومعنى (الأرائك) مفردها أريكة، وهي السرير الذي تُوضع عليه الحليات والستائر أشبه (بالنموسية) مثلاً. هذه هي مُتكاءات أهل الجنة. لكن ماذا بعد أنْ يتكئ؟ لا بُدَّ لتمام النعيم من الطعام والشراب فهو لا يتكئ ويصوم، إنما {يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ} [ص: 51] فكأن التحية التي تُقدَّم لهم هي ما تشتهيه نفوسهم. يعني: لا يقدم لهم شيئاً على غير مرادهم، إنما حسب ما يرغبون وما يشتهون، فالتحية ليستْ مُلزِمة للجميع؛ لأنها قد لا تصادف هَوىً في النفس، وقدَّم الفاكهة مع أنها تفكُّهٌ ورفاهية بعد القوت الطبيعي والضروري، قالوا: وجود الفاكهة أو التفكُّه دليل على وجود الضروريات من باب أَوْلَى. وقوله {وَشَرَابٍ} [ص: 51] المراد الشراب المستخرج من العنب، وخَصَّ الفاكهة والشراب لأنها لم تكُنْ موجودة في البيئة التي نزل فيها القرآن، فكان لها لذة عندهم، فهم لا يعرفون في طعامهم إلا التمر والبُرّ والشعير، فذكر لهم ما يشتهونه من الطعام والشراب. وفي موضع آخر قال سبحانه: {أية : وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} تفسير : [الواقعة: 20-21]. وفي سورة البقرة يُبيِّن لهم أن فاكهة الآخرة تختلف عما يعرفونه من فاكهة الدنيا وإنْ تشابه الاثنان، فالشكل واللون واحد، لكن المذاق مختلف، قال تعالى: {أية : كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ} تفسير : [البقرة: 25]. إذن: الثمرة هي الثمرة، تفاح مثل التفاح، حتى أنك تقول: هذا الذي أكلتُه في الدنيا، والحقيقة أنه مختلف تماماً لأنه مُعَدٌّ لك بطلاقة القدرة. وفي مواضع أخرى يوضح لنا القرآن الكريم مجلسَ أهل الجنة فيحدثنا مرة عن الفُرُش والمتكأ، فيقول: {أية : فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} تفسير : [الغاشية: 13-16]. النمارق جمع نمرقة، وهي التكاية التي نتكئ عليها. والزرابي: جمع زريبة، وهي البساط المنقوش. وإذا حدَّثنا عن أدوات الشراب يقول مرة (أكواب) ومرة (أباريق) ومرة (كأس). هذه كلها أوعية للشراب، لكن هناك فرقاً بين هذه الثلاثة: فالكوب هو الإناء الذي ليس له عُرْوة ولا خرطوم، عروة يعني يد يُمسَك منها: والخرطوم هو الذي نسميه (البزبوز) الذي يُصَبُّ منه الماء، فإنْ كان له عروة أو خرطوم سُمِّي إبريقاً، فإنْ كان في الكوب شرابٌ سُمِّي كأساً، يعني: الكأس هو الكوب إنْ كان ممتلئاً، وإن كان فارغاً فهو كوب. ومن عادات العرب في الكاسات أن الواحد منهم لا يشرب كلَّ ما فيها، إنما يُبقي فيها كمية من الشراب، ثم يريقها على الأرض، وفي هذا دلالة على عدم الشَّرَه وعدم الطمع، أو دلالة على امتلاء العين والاستغناء. وقد عَبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: شعر : ولِلأرْضِ مِنْ كَأْسِ الكِرَامِ نَصِيبُ تفسير : وكنا قبل أن نذهب إلى طعام أحد الإخوان حين نُدْعَى إليه نأكل أكلة خفيفة، أو طبقاً نسميه طبقَ الكرامة، حتى لا نجلس على الطعام ونحن متلهفون للطعام، فلا يليق بالكريم أنْ يُقبِلَ على الطعام بشَرَهٍ، كأنه لم يَرَ طعاماً من قبل. ومن عادات العرب أيضاً في شرابهم أنهم لا يملئون الكأس إلى آخرها، حتى يستطيع الشارب أنْ يُميز الشراب من الكأس التي وُضِعت فيه، وهذا يدل على صفاء الشراب أو صفاء الكأس. لذلك قال شاعرهم: شعر : لَوْلاَ انْتِصَافُ الكأْسِ خِلْنَا أنَّهَا فِي كَفِّ سَاقِيهَا تقوم بِذَاتِها تفسير : يعني: لو مُلِئت الكأس لَخِلْتَ أنها كأس بلا شراب، أو شرابٌ بلا كأس. لكن ماذا يطلب أهل الجنة بعد الاتكاء وبعد الأكل والشرب مما تشتهيه أنفسهم، قالوا: الإنسان بعد أن تتوافر له هذه النعم يتطلع إلى حسناء يداعبها تكون له وحده لا يشاركه فيها غيره، لذلك قال تعالى بعدها: {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ...}.
الأندلسي
تفسير : {هَـٰذَا ذِكْرٌ} الآية، لما كان ما ذكر نوعاً من أنواع التنزيل قال: هذا ذكر كأنه فصل بين ما قبله وما بعده ألا ترى أنه لما ذكر أهل الجنة وأعقبه بذكر أهل النار قال: هذا وإن للطاغين وقال الزمخشري: جنات معرفة لقوله: {أية : جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [مريم: 61] وانتصابها على أنها عطف بيان لحسن مآب ومفتحة حال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل وفي مفتحة ضمير الجنات والأبواب بدل من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب كقولهم: ضرب زيد اليد والرجل وهو من بدل الاشتمال "انتهى". ولا يتعين أن يكون جنات عدن التي معرفة بالدليل الذي استدل به وهو قوله: جنات عدن لأنه اعتقد أن التي صفة لجنات عدن ولا يتعين ما ذكره إذ يجوز أن يكون التي بدلاً من جنات عدن ألا ترى أن الذي والتي وجموعهما تستعمل استعمال الأسماء فتلي العوامل فلا يلزم أن تكون صفة وأما انتصابها على أنها عطف بيان فلا يجوز لأن النحويين في ذلك على مذهبين أحدهما أن ذلك لا يكون إلا في المعارف فلا يكون عطف البيان إلا تابعاً لمعرفة وهو مذهب البصريين والثاني أنه يجوز أن يكون في النكرات فيكون عطف البيان تابعاً لنكرة كما تكون المعرفة فيه تابعة لمعرفة وهذا مذهب الكوفيين وتبعهم الفارسي وأما تخالفهما في التنكير والتعريف فلم يذهب إليه أحد سوى هذا المصنف وقد أجاز ذلك في قوله تعالى: {أية : مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [البقرة: 125] فاعربه عطف بيان تابعاً لنكرة وهو آياته بينات ومقام إبراهيم معرفة وقد رددنا عليه ذلك في موضعه في آل عمران وأما قوله: وهي مفتحة ضمير الجنات فجمهور النحويين أعربوا الأبواب مفعولاً لم يسم فاعله مرفوعاً بمفتحة وجاء أبو علي فقال: إذا كان ذلك لم يكن في ذلك ضمير يعود على جنات عدن من الحال أن أعرب مفتحة حال أو من النعت ان اعرب نعتاً لجنات عدن فقال في مفتحة ضمير يعود على الجنات حتى يرتبط المال بصاحبها أو النعت بمنعوته والأبواب بذل وقال من أعرب الأبواب مفعولاً لا لم يسم فاعله العائد على الجنات محذوف تقديره الأبواب منها والزم أبو علي أن البدل في مثل هذا لا بد فيه من الضمير إما ملفوظاً به أو مقدراً وإذا كان الكلام عليه محتاجاً إلى تقدير واحد كان أولى مما يحتاج إلى تقديرين وأما الكوفيون فالرابط عندهم هوال لقيامه مقام الضمير فكأنه قال مفتحة لهم أبوابها وأما قوله وهو بدل الاشتمال فإِن عنى بقوله: وهو قوله اليد والرجل فهو وهم وإنما هو بدل بعض من كل وإن عنى الأبواب فقد يصح لأن أبواب الجنات ليست بعضاً من الجنات وأما تشبيهه ما قدره من قوله: مفتحة هي الأبوب بقولهم: ضرب زيد اليد والرجل فوجهه أن الأبواب بدل من ذلك الضمير المستكن كما أن إليه والرجل بدل من الظاهر الذي هو زيد أبو إسحاق وتبعه ابن عطية مفتحة نعت لجنات عدن وقال الحوفي: مفتحة حال والعامل فيها محذوف بدل عليه المعنى تقديره يدخلونها. {أَتْرَابٌ} أي أمثال على سن واحد هذا مبتدأ وحميم خبره وفليذوقوه جملة اعتراض وقرىء: وغساق بتخفيف السين وتشديدها فإِن كانت صفة فتكون مما حذف موصوفها وإن كانت إسماً ففعال قليل في الأسماء كالفناد وهو ذكر اليوم وقرىء وآخر على الأفراد وآخر على الجمع. و{مِن شَكْلِهِ} أي من شكل العذاب. {أَزْوَاجٌ} أي أصناف والظاهر أن قوله هذا فوج مقتحم معكم من قول رؤسائهم بعضهم لبعض والفوج الجمع الكثير. {مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} أي في النار وهم الأتباع ثم دعوا عليهم بقولهم لا مرحباً بهم لأن الرئيس إذا رأى الخسيس قد قرن معه في العذاب ساءه ذلك حيث وقع التساوي في العذاب ولم يكن هو السالم من العذاب واتباعه من العذاب ومرحباً معناه أتيت رحباً وسعة لا ضيقاً. {قَالُواْ} أي الفوج. {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} ردّ على الرؤساء فدعوا عليهم به ثم ذكروا أن ما وقعوا فيه من العذاب وصلي النار إنما هو بما ألقيتم إلينا وزينتموه من الكفر فكأنكم قدّمتم لنا العذاب والصلي. {وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً} الآية، روي أن القائلين من كفار عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وهم أبو جهل وأمية بن خلف وأصحاب القليب والذين لم يروهم عمار وصهيب وسلمان ومن جرى مجراهم وقرىء اتخذناهم بهمزة الاستفهام لتقرير أنفسهم على هذا على جهة التوبيخ لها والأسف أي اتخذناهم سخرياً وقرىء: بوصل الهمزة على أنه خبر ثم اضربوا عن هذا واستفهموا فقالوا بل أزاغت عنهم أبصارنا وهم فيها فنفوا أولاً ما يدل على كونهم ليسوا معهم ثم جوزوا أن يكونوا معهم ولكن أبصارهم لم ترهم. {إِنَّ ذَلِكَ} أي التفاوض الذي حكيناه عنهم. {لَحَقٌّ} أي ثابت واقع لا بد أن يجري بينهم وتخاصم بدل من لحق. {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ} أي قل يا محمد إنما أنا منذر المشركين بعذاب الله وأنه لا إله إلا الله لا ند له ولا شريك له وهو {ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} لكل شىء وأنه مالك العالم علوه وسفله. {ٱلْعَزِيزُ} الذي لا يغالب. {ٱلْغَفَّارُ} لمن تاب وآمن به واتبع دينه. {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ} وهو ما قصه الله تعالى من مناظرة أهل النار ومقاولات الاتباع مع السادات لأنه من أحوال البعث وقريش كانت تنكر البعث والحساب والعقاب وهم يعرضون عن ذلك. {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ} أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول ما كان لي من علم باختصام الملأ الأعلى واختصامهم هو في آدم وذريته في جعلهم في الأرض ثم قال: {إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ} إلخ فنفى أن يكون علم ذلك في غير جهة الوحي الإِلهي. {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} تقدم الكلام عليه والبشر هو آدم عليه السلام وذكر هنا أنه خلقه من طين وفي آل عمران من تراب وفي الحجر من صلصال وفي الأنبياء من عجل ولا منافاة ذكر المادة البعيدة وهو التراب ثم ما يليه وهو الطين ثم ما يليه وهو الحمأ المسنون ثم المادة الأخيرة تلي الحمأ وهو الصلصال والاستثناء في جميع هذه الأيات يدل على أنه لم يسجد فتارة أكد بالنفي المحض وتارة ذكر إبايته عن السجود وهي الإِنفة من ذلك وتارة نص على أن ذلك الامتناع كان سببه الاستكبار. {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} أي ممن علوت وفقت فأجاب بأنه من العالين حيث قال: أنا خير منه قال ابن عطية: وذكر كثير من النحويين أن أم لا تكون معادلة للألف مع اختلاف الفعلين وإنما تكون معادلة إذا دخلتا على فعل واحد كقولك أزيد قام أم عمرو وقولك أقام زيد أم عمرو فإِذا اختلف الفعلان كهذه الآية فليست معادلة ومعنى الآية أحدث لك الاستكبار الآن أم كنت قديماً ممن لا يليق أن يكلف مثل هذا لعلو مكانك وهذا على جهة التوبيخ "انتهى". هذا الذي ذكره عن كثير من النحويين مذهب غير صحيح قال سيبويه: وتقول أضربت زيداً أم قتلته فالبدء هنا بالفعل أحسن لأنك إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيها كان ولا تسأل عن موضع أحدهما كأنك قلت أي ذلك كان "انتهى" فعادل بأم الألف مع اختلاف الفعلين. {قَالَ فَٱلْحَقُّ} قرىء بالنصب وبالرفع وهو قسم جوابه لأملأن. {وَٱلْحَقَّ أَقُولُ} جملة اعتراض بين القسم وجوابه والمعنى وأقول الحق وإذا رفعنا فالحق مبتدأ خبره محذوف تقديره فالحق يميني وإذا نصبنا فعلى إسقاط حرف الجر تقديره أقسم بالحق قال ابن عطية: أما الأول فرفع على الابتداء وخبره في قوله: لأملأن لأن المعنى ان املأ "انتهى". هذا ليس بشىء لأن لأملأن جواب قسم ويجب أن يكون جملة فلا يتقدر بمفرد وأيضاً ليس مصدراً مقدراً بحرف مصدري والفعل حتى ينحل إليهما ولكنه لما صح له إسناد ما قدر إلى المبتدأ حكم أنه خبر عنه ومنهم بدل من في قوله من تبعك وأجمعين تأكيد للمتبع عليه أي على القرآن. {وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} أي المتصنعين المتحلين بما ليسوا من أهله. {إِنْ هُوَ} أي القرآن إلا ذكر أي من الله تعالى للعالين الثقلين الإِنس والجن. {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ} أي عاقبة خبره وما نرتب عليه لمن آمن به ومن أعرض عنه. {بَعْدَ حِينِ} قال ابن عباس هو يوم القيامة.
الجيلاني
تفسير : {هَـٰذَا} الذي يتلى عليكم من الأمر بتذكير أولئك الثقات الكرام {ذِكْرٌ} جميل وإثبات شريف وكمال لهم، إنما ذكرناهم وأمرناك بذكرهم تنبيهاً على جلال قدرهم وعظم شأنهم {وَ} بالجملة: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ} المجتنبين عن محظوراتنا، المتصفين بمأموراتنا، الطالبين لمرضاتنا، الهاربين من سخطنا وانتقاماتنا {لَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 49] عندنا، وخير منقلب ومتاب في كنف جوارنا وساحة عز قبولنا. {جَنَّاتِ عَدْنٍ} عطف بيان "لحسن مآب"، وهي عبارة عن درجات القرب إلى الوحدة الذاتية، وتجددات التجليات الشهودية على أرباب الكشف والعيان، ولكمال تخفظهم عن مقتضيات القوى ومشتهيات الهوى، وخلوصهم في التوجه نحو المولى، صارت الجنات ودرجات القرب والوصول {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ} [ص: 50] أي: مفتوحة الطرق، واضحة السبل بالنسبة إليهم، يدخلون فيها من كل باب بلا منع وحجاب. وبعد دخولهم فيها، وتحققهم عندها صاروا {مُتَّكِئِينَ فِيهَا} متمكنين على أرائك القبول وسرر الإخلاص، ولهم فيها ما تشتهي قلوبهم من المعارف المتجددة بتجدد التجليات الحبية المنبعثة من حضرة الرحموت؛ إذ {يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ} من أنواع ما يتفكهون ويتلذذون علماً وعيناً وحقاً {وَشَرَابٍ} [ص: 51] يشربون من رحيق الحق ولا يروون. {وَ} يصور {عِندَهُمْ} أعمالهم المقبولة وأحوالهم المرضية ومقاماتهم العلية في سلوك طريق التوحيد أزواج أبكار {قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} عليهم، لا ينظرن إلى غيره {أَتْرَابٌ} [ص: 52] أحداث كلهن مستويات في السن، ليس فيهن صغر ولا كبر، بل كلهن على كمال اللطافة والعدالة؛ إذ كل ما فيها على كمال الاعتدال. وبعدما تمكنوا فيها وترفهوا بنعيمها، قيل لهم من قبل الحق امتناناً عليهم وتشويقاً: {هَـٰذَا} الذي بين يديكم من النعيم المقيم واللذة الدائمة {مَا تُوعَدُونَ} بألسنة الكتب والرسل {لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} [ص: 53] أي: لأجله أو فيه؛ إذ لا وصول إليها إلا بعد الحساب. ثم قال سبحانه إظهاراً لكمال قدرته على الإنعام والانتقام: {إِنَّ هَـٰذَا} المذكور {لَرِزْقُنَا} المعد لخواص عبادنا، المنجذبين إلينا بانخلاعهم عن لوازم هوياتهم الباطلة، وعن مقتضيات تعيناتهم العاطلة من المأكل والمشرب والمناكح الفانية، فنستبدل لهم بدلها {مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} [ص: 54] أي: رزقاً معنوياً لا انقطاع له أصلاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):