٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
55
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما وصف ثواب المتقين، وصف بعده عقاب الطاغين، ليكون الوعيد مذكوراً عقيب الوعد، والترهيب عقيب الترغيب. واعلم أنه تعالى ذكر من أحوال النار أنواعاً فالأول: مرجعهم ومآبهم، فقال: {أية : هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَـئَابٍ } تفسير : [ص: 55] وهذا في مقابلة قوله: {أية : وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لحُسْن مَـئَابٍ } تفسير : [ص: 49] فبين تعالى أن حال الطاغين مضاد لحال المتقين، واختلفوا في المراد بالطاغين، فأكثر المفسرين حملوه على الكفار، وقال الجبائي: إنه محمول على أصحاب الكبائر سواء كانوا كفاراً أو لم يكونوا كذلك، واحتج الأولون بوجوه الأول: أن قوله: {لَشَرَّ مَـئَابٍ } يقتضي أن يكون مآبهم شراً من مآب غيرهم، وذلك لا يليق إلا بالكفار الثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: {أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيّاً } وذلك لا يليق إلا بالكفار، لأن الفاسق لا يتخذ المؤمن سخرياً الثالث: أنه اسم ذم، والاسم المطلق محمول على الكامل، والكامل في الطغيان هو الكافر، واحتج الجبائي على صحة قوله بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّءاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } تفسير : [العلق: 6، 7] وهذا يدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل في حق صاحب الكبيرة، ولأن كل من تجاوز عن تكاليف الله تعالى وتعداها فقد طغى، إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس رضي الله عنهما، المعنى أن الذين طغوا وكذبوا رسلي لهم شر مآب، أي شر مرجع ومصير، ثم قال: {جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا } والمعنى أنه تعالى لما حكم بأن الطاغين لهم شر مآب فسره بقوله: {جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا } ثم قال: {فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } وهو كقوله: {أية : لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } تفسير : [الأعراف: 41] شبه الله ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم. ثم قال تعالى: {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: فيه وجهان الأول: أنه على التقديم والتأخير، والتقدير هذا حميم وغساق فليذوقوه الثاني: أن يكون التقدير جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه، ثم يبتدىء فيقول: حميم وغساق. المسألة الثانية: الغساق بالتخفيف والتشديد فيه وجوه الأول: أنه الذي يغسق من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقال ابن عمر هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه الثاني: قيل الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده، وذكر الأزهري: أن الغاسق البارد، ولهذا قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار الثالث: أن الغساق المنتن حكى الزجاج لو قطرت منه قطرة في المشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت منه قطرة في المغرب لأنتنت أهل المشرق الرابع: قال كعب: الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذات حمة من عقرب وحية. المسألة الثالثة: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم غساق بتشديد السين حيث كان والباقون بالتخفيف. قال أبو علي الفارسي الاختيار التخفيف لأنه إذا شدد لم يخل من أن يكون اسماً أو صفة، فإن كان اسماً فالأسماء لم تجيء على هذا الوزن إلا قليلاً، وإن كان صفة فقد أقيم مقام الموصوف والأصل أن لا يجوز ذلك. ثم قال تعالى: {وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوٰجٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمر {وَأَخَّرَ } بضم الألف على جمع أخرى أي أصناف أخر من العذاب، وهو قراءة مجاهد والباقون آخر على الواحد أي عذاب آخر، أما على قراءة الأولى فقوله وأخر أي ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق، أي من مثله في الشدة والفظاعة، أزواج أي أجناس، وأما على القراءة الثانية فالتقدير وعذاب أو مذوق آخر، وأزواج صفة لآخر لأنه يجوز أن يكون ضروباً أو صفة للثلاثة وهم حميم وغساق وآخر من شكله. قال صاحب «الكشاف»: وقرىء من شكله بالكسر وهي لغة، وأما الغنج فبالكسر لا غير. واعلم أنه تعالى لما وصف مسكن الطاغين ومأكولهم حكى أحوالهم الذين كانوا أحباء لهم في الدنيا أولاً، ثم مع الذين كانوا أعداء لهم في الدنيا ثانياً أما الأول: فهو قوله: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ } واعلم أن هذا حكاية كلام رؤساء أهل النار يقوله بعضهم لبعض بدليل أن ما حكى بعد هذا من أقوال الأتباع وهو قوله: {قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا }، وقيل إن قوله: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ } كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم، وقوله: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو ٱلنَّارِ } كلام الرؤساء، وقوله: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ } أي هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار كما كانوا قد اقتحموا معكم في الجهل والضلال، ومعنى اقتحم معكم النار أي دخل النار في صحبتكم، والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها، والقحمة الشدة. وقوله تعالى: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ } دعاء منهم على أتباعهم، يقول الرجل لمن يدعو له مرحباً أي أتيت رحباً في البلاد لا ضيقاً أو رحبت بلادك رحباً، ثم يدخل عليه كلمة لا في دعاء السوء، وقوله: {بِهِمُ } بيان للمدعو عليهم أنهم صالوا النار تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } تفسير : [الأعراف: 38] قالوا أي الأتباع {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ } يريدون أن الدعاء الذي دعوتم به علينا أيها الرؤساء أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقولهم: {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا } والضمير للعذاب أو لصليهم، فإن قيل ما معنى تقديمهم العذاب لهم؟ قلنا الذي أوجب التقديم هو عمل السوء قال تعالى: {أية : ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ * ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } تفسير : [آل عمران: 181، 182] إلا أن الرؤساء لما كانوا هم السبب فيه بإغوائهم وكان العذاب جزاءهم عليه قيل أنتم قدمتموه لنا فجعل الرؤساء هم المقدمين وجعل الجزاء هو المقدم، والضمير في قوله: {قَدَّمْتُمُوهُ } كناية عن الطغيان الذي دل عليه قوله: {وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لشَرُّ مَـئَابٍ } وقوله: {فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } أي: بئس المستقر والمسكن جهنم، ثم قالت الأتباع {رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً } أي مضاعفاً ومعناه ذا ضعف ونظيره قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَـئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا } تفسير : [الأعراف: 38] وكذلك قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ * رَبَّنَا ءاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [الأحزاب: 67، 68] فإن قيل كل مقدار يفرض من العذاب فإن كان بقدر الاستحقاق لم يكن مضاعفاً، وإن كان زائداً عليه كان ظالماً وإنه لا يجوز. قلنا المراد منه قوله عليه السلام: «حديث : ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» تفسير : والمعنى أنه يكون أحد القسمين عذاب الضلال، والثاني عذاب الإضلال، والله أعلم. وهههنا آخر شرح أحوال الكفار مع الذين كانوا أحباباً لهم في الدنيا، وأما شرح أحوالهم مع الذين كانوا أعداء لهم في الدنيا فهو قوله: {وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ ٱلأَشْرَارِ } يعني أن الكفار إذا نظروا إلى جوانب جهنم فيحنئذ يقولون: {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ ٱلأَشْرَارِ } يعنون فقراء المسلمين الذين لا يؤبه بهم وسموهم من الأشرار، إما بمعنى الأراذل الذين لا خير فيهم ولا جدوى، أو لأنهم كانوا على خلاف دينهم فكانوا عندهم أشراراً ثم قالوا: {أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيّاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي {مّنَ ٱلأَشْرَارِ أَتَّخَذْنَـٰهُمْ } بوصل ألف {أَتَّخَذْنَـٰهُمْ } والباقون بفتحها على الاستفهام، قال أبو عبيد وبالوصل يقرأ لأن الاستفهام متقدم في قوله: {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً }، ولأن المشركين لا يشكون في اتخاذهم المؤمنين في الدنيا سخرياً، لأنه تعالى قد أخبر عنهم بذلك في قوله: {أية : فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى } تفسير : [المؤمنون: 110] فكيف يحسن أن يستفهموا عن شيء علموه؟ أجاب الفراء عنه بأن قال هذا من الاستفهام الذي معناه التعجيب والتوبيخ، ومثل هذا الاستفهام جائز عن الشيء المعلوم، أما وجه قول من ألحق الهمزة للاستفهام أنه لا بد من المصير إليه ليعادل قوله: {أَتَّخَذْنَـٰهُمْ } بأم في قوله: {أَمْ زَاغَتْ عنهُمْ } فإن قيل فما الجملة المعادلة لقوله: {أَمْ زَاغَتْ } على القراءة الأولى؟ قلنا إنها محذوفة والمعنى المقصودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. المسألة الثانية: قرأ نافع {سِخْرِيّاً } بضم السين والباقون بكسرها، وقيل هما بمعنى واحد وقيل بالكسر هو الهزء وبالضم هو التذليل والتسخير. المسألة الثالثة: اختلفوا في نظم الآية على قولين بناء على القراءتين المذكورتين أما القراءة على سبيل الإخبار فالتقدير ما لنا لا نراهم حاضرين لأجل أنهم لحقارتهم تركوا، أو لأجل أنهم زاغت عنهم الأبصار. ووقع التعبير عن حقارتهم بقولهم {أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيّاً } وأما القراءة على سبيل الاستفهام، فالتقدير لأجل أنا قد اتخذناهم سخرياً وما كانوا كذلك فلم يدخلوا النار، أم لأجل أنه زاغت عنهم الأبصار، واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه المناظرة قال إن ذلك الذي حكينا عنهم لحق لا بد وأن يتكلموا به، ثم بين أن الذي حكيناه عنهم ما هو، فقال: {تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ } وإنما سمى الله تعالى تلك الكلمات تخاصماً لأن قول الرؤساء {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ } وقول الأتباع {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ } من باب الخصومة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ } لما ذكر ما للمتقين ذكر ما للطاغين. قال الزجاج: «هَذَا» خبر ابتداء محذوف أي الأمر هذا فيوقف على «هذا» قال ابن الأنباري: «هذا» وقف حسن ثم تبتدىء «وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ» وهم الذين كذبوا الرسل. {لَشَرَّ مَآبٍ} أي منقلب يصيرون إليه. ثم بيّن ذلك بقوله: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } أي بئس ما مهدوا لأنفسهم، أو بئس الفراش لهم. ومنه مهد الصبي. وقيل: فيه حذف أي بئس موضع المهاد. وقيل: أي هذا الذي وصفت لهؤلاء المتقين، ثم قال: وإن للطاغين لشر مرجع فيوقف على «هذا» أيضاً. قوله تعالى: {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } «هَذَا» في موضع رفع بالابتداء وخبره «حَمِيمٌ» على التقديم والتأخير؛ أي هذا حميم وغساق فليذوقوه. ولا يوقف على «فلْيَذُوقُوهُ» ويجوز أن يكون «هَذَا» في موضع رفع بالابتداء و«فَلْيَذُوقُوهُ» في موضع الخبر، ودخلت الفاء للتنبيه الذي في «هَذَا» فيوقف على «فَلْيَذُوقُوهُ» ويرتفع «حَمِيمٌ» على تقدير هذا حميم. قال النحاس: ويجوز أن يكون المعنى الأمر هذا، وحميم وغساق إذا لم تجعلهما خبرا فرفعهما على معنى هو حميم وغسّاق. والفرّاء يرفعهما بمعنى منه حميم ومنه غسّاق وأنشد:شعر : حتّى إذا ما أَضَاءَ الصُّبْحُ في غلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصُودُ تفسير : وقال آخر:شعر : لها مَتَاعٌ وأَعْوانٌ غَدَوْنَ بِهِ قِتْبٌ وغَرْب إذا ما أُفْرغَ انْسَحَقَا تفسير : ويجوز أن يكون «هذَا» في موضع نصب بإضمار فعل يفسره «فَلْيَذُوقُوهُ» كما تقول زيداً اضربه. والنصب في هذا أولى فيوقف على «فَلْيَذُوقُوهُ» وتبتدىء «حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ» على تقدير الأمر حميم وغسّاق. وقراءة أهل المدينة وأهل البصرة وبعض الكوفيين بتخفيف السين في «وغَسَّاق». وقرأ يحيـى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي «وغسَّاق» بالتشديد، وهما لغتان بمعنى واحد في قول الأخفش. وقيل: معناهما مختلف؛ فمن خفّف فهو اسم مثل عذاب وجوَاب وصوَاب، ومن شدّد قال: هو اسم فاعل نقل إلى فعّال للمبالغة، نحو ضرّاب وقتّال وهو فعّال من غَسَق يغسِق فهو غسّاق وغاسِق. قال ابن عباس: هو الزمهرير يخوّفهم ببرده. وقال مجاهد ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده. وقال غيرهما. إنه يحرق ببرده كما يحرق الحميم بحرِّه. وقال عبد الله بن عمرو: هو قيح غليظ لو وقع منه شيء بالمشرق لأنتن من في المغرب، ولو وقع منه شيء في المغرب لأنتن من في المشرق. وقال قتادة: هو ما يسيل من فروج الزناة ومن نَتْن لحوم الكفرة وجلودهم من الصديد والقيح والنَّتْن. وقال محمد بن كعب: هو عصارة أهل النار. وهذا القول أشبه باللغة؛ يقال: غَسَق الجرح يغسِق غسقا إذا خرج منه ماء أصفر؛ قال الشاعر:شعر : إذا ما تَذَكَّرْتُ الحياةَ وطِيبهَا إليّ جَرَى دَمْعٌ من اللّيلِ غاسِقُ تفسير : أي بارد. ويقال: ليل غاسق؛ لأنه أبرد من النهار. وقال السدّي: الغسّاق الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. وقال ابن زيد: الحميم دموع أعينهم، يجمع في حياض النار فيسقونه، والصديد الذي يخرج من جلودهم. والاختيار على هذا «وغَسّاق» حتى يكون مثل سيّال. وقال كعب: الغسّاق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذي حُمَةٍ من عقرب وحيَّة. وقيل: هو مأخوذ من الظلمة والسواد. والغسق أوّل ظلمة الليل، وقد غَسقَ الليلُ يغسِق إذا أظلم. وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أن دَلْواً من غساق يُهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا».تفسير : قلت: وهذا أشبه على الاشتقاق الأوّل كما بينا، إلا أنه يحتمل أن يكون الغساق مع سيلانه أسود مظلماً فيصح الاشتقاقان. والله أعلم. قوله تعالى: {وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ } قرأ أبو عمرو: «وَأخَرُ» جمع أخرى مثل الكبرى والكُبَر. الباقون: «وَآخَرُ» مفرد مذكر. وأنكر أبو عمرو «وَآخَرُ» لقوله تعالى: {أَزْوَاجٌ} أي لا يخبر بواحد عن جماعة. وأنكر عاصم الجحدريّ «وَأخَرُ» قال: ولو كانت «وَأُخَرُ» لكان من شكلها. وكلا الردين لا يلزم والقراءتان صحيحتان. «وَآخرُ» أي وعذاب آخر سوى الحميم والغساق. «مِنْ شَكْلِهِ» قال قتادة: من نحوه. قال ابن مسعود: هو الزمهرير. وارتفع «وآخر» بالابتداء و«أَزْوَاجٌ» مبتدأ ثانٍ و«مِنْ شَكْلِهِ» خبره والجملة خبر «آخر». ويجوز أن يكون «وآخر» مبتدأ والخبر مضمر دل عليه {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } لأن فيه دليلاً على أنه لهم، فكأنه قال: ولهم آخر ويكون {مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} صفة لآخر فالمبتدأ متخصص بالصفة و«أَزْوَاجٌ» مرفوع بالظرف. ومن قرأ «وَأُخرُ» أراد وأنواع من العذاب أُخَرُ، ومن جمع وهو يريد الزمهرير فعلى أنه جعل الزمهرير أجناساً فجمع لاختلاف الأجناس. أو على أنه جعل لكل جزء منه زمهريراً ثم جمع كما قالوا: شابت مفارقه. أو على أنه جمع لما في الكلام من الدلالة على جواز الجمع؛ لأنه جعل الزمهرير الذي هو نهاية البرد بإزاء الجمع في قوله: {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } والضمير في «شكْلِهِ» يجوز أن يعود على الحميم أو الغسّاق. أو على معنى: «وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ» ما ذكرنا، ورفع «أُخَرُ» على قراءة الجمع بالابتداء و«مِنْ شَكْلِهِ» صفة له وفيه ذكر يعود على المبتدأ و«أَزْوَاجٌ» خبر المبتدأ. ولا يجوز أن يحمل على تقدير ولهم أخر و«مِنْ شَكْلِهِ» صفة لأخر و«أَزْوَاجٌ» مرتفعة بالظرف كما جاز في الإفراد؛ لأن الصفة لا ضمير فيها من حيث ارتفع «أَزْوَاجٌ» بالظرف ولا ضمير في الظرف، والهاء في «شكله» لا تعود على «أخر» لأنه جمع والضمير مفرد؛ قاله أبو علي. و«أَزْوَاجٌ» أي أصناف وألوان من العذاب. وقال يعقوب: الشكل بالفتح المثل وبالكسر الدل. قوله تعالى: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} قال ابن عباس: هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة: «هَذَا فَوْجٌ» يعني الأتباع والفوج الجماعة «مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ» أي داخل النار معكم؛ فقالت السادة: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} أي لا اتسعت منازلهم في النار. والرحب السعة، ومنه رحبة المسجد وغيره. وهو في مذهب الدعاء فلذلك نصب؛ قال النابغة:شعر : لاَ مَرْحَباً بِغَدٍ ولاَ أَهْلاً بِهِ إنْ كَانَ تَفْرِيقُ الأَحِبَّةِ في غَد تفسير : قال أبو عبيدة العرب تقول: لا مرحبا بك؛ أي لا رحبت عليك الأرض ولا اتسعت. {إِنَّهُمْ صَالُوا ٱلنَّارِ} قيل: هو من قول القادة، أي إنهم صالوا النار كما صليناها. وقيل: هو من قول الملائكة متصل بقولهم: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} و{قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} هو من قول الأتباع. وحكى النقاش: إن الفوج الأوّل قادة المشركين ومطعموهم يوم بدر، والفوج الثاني أتباعهم ببدر. والظاهر من الآية أنها عامة في كل تابع ومتبوع. {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا} أي دعوتمونا إلى العصيان {فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} لنا ولكم {قَالُواْ} يعني الأتباع {رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا} قال الفراء: من سوّغ لنا هذا وسَنّه. وقال غيره: من قدم لنا هذا العذاب بدعائه إيانا إلى المعاصي {فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ} وعذاباً بدعائه إيانا فصار ذلك ضعفاً. وقال ابن مسعود: معنى عذاباً ضعفاً في النار الحيات والأفاعي. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [الأعراف: 38].
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تبارك وتعالى مآل السعداء، ثنى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم، فقال عز وجل: {هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ} وهم الخارجون عن طاعة الله عز وجل، المخالفون لرسل الله صلى الله عليه وسلم {لَشَرَّ مَـئَابٍ} أي: لسوء منقلب ومرجع. ثم فسره بقوله جل وعلا: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} أي: يدخلونها، فتغمرهم من جميع جوانبهم، { فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } أما الحميم، فهو الحار الذي قد انتهى حره، وأما الغساق، فهو ضده، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم. ولهذا قال عز وجل: { وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَٰجٌ} أي: وأشياء من هذا القبيل: الشيء وضده يعاقبون بها. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لو أن دلواً من غساق يهراق في الدنيا، لأنتن أهل الدنيا» تفسير : ورواه الترمذي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج به، ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين، كذا قال، وقد تقدم في غير حديثه، ورواه ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث به. وقال كعب الأحبار: غساق: عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية وعقرب وغير ذلك، فيستنقع، فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه كله كما يجر الرجل ثوبه، رواه ابن أبي حاتم. وقال الحسن البصري في قوله تعالى: { وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَٰجٌ} ألوان من العذاب، وقال غيره: كالزمهرير والسموم، وشرب الحميم وأكل الزقوم، والصعود والهوي، إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة، والجميع مما يعذبون به، ويهانون بسببه. وقوله عز وجل: { هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ} هذا إخبار من الله تعالى عن قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} تفسير : [الأعراف: 38] يعني: بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون، ويكفر بعضهم ببعض، فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ} أي: داخل {مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ} أي: لأنهم من أهل جهنم {قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} أي: فيقول لهم الداخلون {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا} أي: أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير {فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} أي: فبئس المنزل والمستقر والمصير { قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِى ٱلنَّارِ} كما قال عز وجل: {أية : قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَـٰهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 38] أي: لكل منكم عذاب بحسبه، { وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَـٰرُ } هذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفقدون رجالاً كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة، وهم المؤمنون، في زعمهم قالوا: مالنا لا نراهم معنا في النار؟ قال مجاهد: هذا قول أبي جهل، يقول: مالي لا أرى بلالاً وعماراً وصهيباً وفلاناً وفلاناً؟ وهذا ضرب مثل، وإلا فكل الكفار هذا حالهم يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار، فلما دخل الكفار النار، افتقدوهم فلم يجدوهم، فقالوا: { مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيّاً} أي: في الدار الدنيا، {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَـٰرُ} يسألون أنفسهم بالمحال، يقولون: أو لعلهم معنا في جهنم، ولكن لم يقع بصرنا عليهم، فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات، وهو قوله عز وجل: {أية : وَنَادَىۤ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ}تفسير : - إلى قوله - {أية : ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}تفسير : [الأعراف: 43 ــــ 49] وقوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} أي: إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض، ولعن بعضهم لبعض، لحق لا مرية فيه ولا شك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هَٰذَا } المذكور للمؤمنين {وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ } مستأنف {لَشَرَّ مَئَابٍ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {هَـٰذَا } قال الزجاج: هذا خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر هذا، فيوقف على هذا. قال ابن الأنباري: وهذا وقف حسن، ثم يبتدىء {وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ }، ويجوز أن يكون هذا مبتدأ، وخبره محذوف، أي: هذا كما ذكر، أو هذا ذكر. ثم ذكر سبحانه ما لأهل الشرّ بعد أن ذكر ما لأهل الخير، فقال: {وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} أي: الذين طغوا على الله، وكذبوا رسله {لَشَرَّ مَـئَابٍ } لشر منقلب ينقلبون إليه، ثم بيّن ذلك، فقال: {جَهَنَّم يَصْلَوْنَهَا }، وانتصاب {جهنم} على أنها بدل من {شرّ مآب}، أو منصوبة بأعني، ويجوز أن يكون عطف بيان على قول البعض كما سلف قريباً، ويجوز أن يكون منصوباً على الاشتغال، أي: يصلون جهنم يصلونها، ومعنى {يصلونها}: يدخلونها، وهو في محل نصب على الحالية {فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } أي: بئس ما مهدوا لأنفسهم، وهو الفراش، مأخوذ من مهد الصبي، ويجوز أن يكون المراد بالمهد الموضع، والمخصوص بالذمّ محذوف، أي: بئس المهاد هي كما في قوله: {أية : لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ } تفسير : [الأعراف: 41] شبه الله سبحانه ما تحتهم من نار جهنم بالمهاد {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } هذا في موضع رفع بالابتداء، وخبره حميم، وغساق على التقديم والتأخير، أي: هذا حميم، وغساق، فليذوقوه. قال الفراء، والزجاج: تقدير الآية: هذا حميم وغساق فليذوقوه، أو يقال لهم في ذلك اليوم هذه المقالة. والحميم: الماء الحارّ الذي قد انتهى حرّه، والغساق: ما سال من جلود أهل النار من القيح، والصديد، من قولهم: غسقت عينه إذا انصبت، والغسقان: الانصباب. قال النحاس: ويجوز أن يكون المعنى: الأمر هذا، وارتفاع حميم وغساق على أنهما خبران لمبتدأ محذوف، أي: هو حميم، وغساق، ويجوز أن يكون هذا في موضع نصب بإضمار فعل يفسره ما بعده، أي: ليذوقوا هذا، فليذوقوه، ويجوز أن يكون حميم مرتفع على الابتداء، وخبره مقدّر قبله، أي: منه حميم، ومنه غساق، ومثله قول الشاعر:شعر : حتى إذا ما أضاء البرق في غلس وغودر البقل ملويّ ومخضود تفسير : أي: منه ملويّ، ومنه مخضود، وقيل: الغساق ما قتل ببرده، ومنه قيل: لليل غاسق، لأنه أبرد من النهار، وقيل: هو الزمهرير، وقيل: الغساق: المنتن، وقيل: الغساق: عين في جهنم يسيل منه كلّ ذوب حية، وعقرب. وقال قتادة: هو ما يسيل من فروج النساء الزواني، ومن نتن لحوم الكفرة، وجلودهم. وقال محمد بن كعب: هو: عصارة أهل النار، وقال السدي: الغساق: الذي يسيل من دموع أهل النار يسقونه مع الحميم، وكذا قال ابن زيد. وقال مجاهد، ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده، وتفسير الغساق بالبارد أنسب بما تقتضيه لغة العرب، ومنه قول الشاعر:شعر : إذا ما تذكرت الحياة وطيبها إليّ جرى دمع من الليل غاسق تفسير : أي: بارد، وأنسب أيضاً بمقابلة الحميم. وقرأ أهل المدينة، وأهل البصرة، وبعض الكوفيين بتخفيف السين من (غساق)، وقرأ يحيـى بن وثاب، والأعمش، وحمزة بالتشديد، وهما لغتان بمعنى واحد كما قال الأخفش. وقيل: معناهما مختلف؛ فمن خفف، فهو اسم مثل عذاب، وجواب، وصواب، ومن شدّد قال: هو اسم فاعل للمبالغة نحو ضرّاب، وقتال {وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ } قرأ الجمهور: {وآخر} مفرد مذكر، وقرأ أبو عمرو: "وأخر" بضم الهمزة على أنه جمع، وأنكر قراءة الجمهور لقوله أزواج، وأنكر عاصم الجحدري قراءة أبي عمرو، وقال: لو كانت كما قرأ لقال: من شكلها، وارتفاع آخر على أنه مبتدأ، وخبره أزواج، ويجوز أن يكون من شكله خبراً مقدّماً، وأزواج مبتدأ مؤخراً، والجملة خبر آخر، ويجوز أن يكون خبراً آخر مقدراً، أي: وآخر لهم، و {مِن شَكْلِهِ أَزْوٰجٌ } جملة مستقلة؛ ومعنى الآية على قراءة الجمهور: وعذاب آخر، أو مذوق آخر، أو نوع آخر من شكل العذاب، أو المذوق، أو النوع الأوّل، والشكل المثل، وعلى القراءة الثانية يكون معنى الآية: ومذوقات أخر، أو أنواع أخر من شكل ذلك المذوق، أو النوع المتقدّم. وإفراد الضمير في شكله على تأويل المذكور، أي: من شكل المذكور، ومعنى {أَزْوٰجٌ }: أجناس، وأنواع وأشباه. وحاصل معنى الآية: أن لأهل النار حميماً، وغساقاً، وأنواعاً من العذاب من مثل الحميم، والغساق. قال الواحدي: قال المفسرون: هو: الزمهرير، ولا يتمّ هذا الذي حكاه عن المفسرين إلا على تقدير أن الزمهرير أنواع مختلفة، وأجناس متفاوتة؛ ليطابق معنى أزواج، أو على تقدير أن لكلّ فرد من أهل النار زمهريراً. {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ } الفوج: الجماعة، والاقتحام. الدخول، وهذا حكاية لقول الملائكة الذين هم خزنة النار، وذلك أن القادة والرؤساء إذا دخلوا النار، ثم دخل بعدهم الأتباع. قالت الخزنة للقادة: هذا فوج، يعنون: الأتباع {مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ } أي: داخل معكم إلى النار، وقوله: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ } من قول القادة والرؤساء لما قالت لهم الخزنة ذلك قالوا: لا مرحباً بهم، أي: لا اتسعت منازلهم في النار، والرحب: السعة، والمعنى: لا كرامة لهم، وهذا إخبار من الله سبحانه بانقطاع المودة بين الكفار، وأن المودّة التي كانت بينهم تصير عداوة. وجملة لا مرحباً بهم دعائية لا محل لها من الإعراب، أو صفة للفوج، أو حال منه، أو بتقدير القول، أي: مقولاً في حقهم لا مرحباً بهم. وقيل: إنها من تمام قول الخزنة. والأوّل أولى كما يدل عليه جواب الأتباع الآتي، وجملة: {إِنَّهُمْ صَالُو ٱلنَّارِ } تعليل من جهة القائلين: لا مرحباً بهم، أي: إنهم صالوا النار كما صليناها، ومستحقون لها كما استحقيناها. وجملة: {قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، أي: قال الأتباع عند سماع ما قاله الرؤساء لهم: بل أنتم لا مرحباً بكم، أي: لا كرامة لكم، ثم عللوا ذلك بقولهم: {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا } أي: أنتم قدّمتم العذاب أو الصليّ لنا، وأوقعتمونا فيه، ودعوتمونا إليه بما كنتم تقولون لنا من أن الحقّ ما أنتم عليه، وأن الأنبياء غير صادقين فيما جاءوا به {بِئْسَ ٱلْقَرَارُ } أي: بئس المقرّ جهنم لنا، ولكم. ثم حكي عن الأتباع أيضاً: أنهم أردفوا هذا القول بقول آخر، وهو: {قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِى ٱلنَّارِ } أي: زده عذاباً ذا ضعف، والضعف بأن يزيد عليه مثله، ومعنى من {قدّم لنا هذا}: من دعانا إليه، وسوّغه لنا. قال الفراء: المعنى: من سوّغ لنا هذا، وسنه، وقيل: معناه: قدّم لنا هذا العذاب بدعائه إيانا إلى الكفر، فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا، فصار ذلك ضعفاً، ومثله قوله سبحانه: {أية : رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَـئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مّنَ ٱلنَّارِ } تفسير : [الأعراف: 38] وقوله: {أية : رَبَّنَا ءاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [الأحزاب: 68] وقيل: المراد بالضعف هنا: الحيات، والعقارب. {وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ ٱلأَشْرَارِ } قيل: هو من قول الرؤساء، وقيل: من قول الطاغين المذكورين سابقاً. قال الكلبي: ينظرون في النار، فلا يرون من كان يخالفهم من المؤمنين معهم فيها، فعند ذلك قالوا: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدّهم من الأشرار. وقيل: يعنون: فقراء المؤمنين كعمار، وخباب، وصهيب، وبلال، وسالم، وسلمان. وقيل: أرادوا أصحاب محمد على العموم {أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأبْصَـٰرُ } قال مجاهد: المعنى: أتخذناهم سخرياً في الدنيا، فأخطأنا، أم زاغت عنهم الأبصار، فلم نعلم مكانهم؟ والإنكار المفهوم من الاستفهام متوجه إلى كل واحد من الأمرين. قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا: اتخذوهم سخرياً، وزاغت عنهم أبصارهم. قال الفراء: والاستفهام هنا بمعنى: التوبيخ، والتعجب. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وابن كثير، والأعمش بحذف همزة اتخذناهم في الوصل. وهذه القراءة تحتمل أن يكون الكلام خبراً محضاً، وتكون الجملة في محل نصب صفة ثانية لـ {رجالاً}، وأن يكون المراد: الاستفهام، وحذفت أداته لدلالة أم عليها، فتكون أم على الوجه الأوّل منقطعة بمعنى: بل، والهمزة، أي: بل أزاغت عنهم الأبصار على معنى: توبيخ أنفسهم على الاستسخار، ثم الإضراب، والانتقال منه إلى التوبيخ على الازدراء، والتحقير، وعلى الثاني أم هي المتصلة. وقرأ الباقون بهمزة استفهام سقطت لأجلها همزة الوصل، ولا محل للجملة حينئذٍ، وفيه التوبيخ لأنفسهم على الأمرين جميعاً؛ لأن أم على هذه القراءة هي للتسوية. وقرأ أبو جعفر، ونافع، وشيبة، والمفضل، وهبيرة، ويحيـى بن وثاب، والأعمش، وحمزة، والكسائي: (سخرياً) بضم السين، وقرأ الباقون بكسرها. قال أبو عبيدة: من كسر جعله من الهزء، ومن ضم جعله من التسخير، والإشارة بقوله: {إِنَّ ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم من حكاية حالهم، وخبر إنّ قوله: {لَحَقُّ } أي: لواقع ثابت في الدار الآخرة لا يتخلف ألبتة، و {تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ } خبر مبتدأ محذوف، والجملة بيان لذلك، وقيل: بيان لحقّ، وقيل: بدل منه، وقيل: بدل من محل ذلك، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وهذا على قراءة الجمهور برفع تخاصم. والمعنى: إن ذلك الذي حكاه الله عنهم لحقّ لا بدّ أن يتكلموا به، وهو تخاصم أهل النار فيها، وما قالته الرؤساء للأتباع، وما قالته الأتباع لهم. وقرأ ابن أبي عبلة بنصب: «تخاصم» على أنه بدل من ذلك، أو بإضمار أعني. وقرأ ابن السميفع: «تخاصم» بصيغة الفعل الماضي، فتكون جملة مستأنفة. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول قولاً جامعاً بين التخويف، والإرشاد إلى التوحيد، فقال: {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ } أي: مخوّف لكم من عقاب الله، وعذابه {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ } يستحق العبادة {إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوٰحِدُ } الذي لا شريك له {ٱلْقَهَّارُ } لكل شيء سواه. {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } من المخلوقات {ٱلْعَزِيزُ } الذي لا يغالبه مغالب {ٱلْغَفَّارُ } لمن أطاعه، وقيل: معنى {ٱلْعَزِيزُ }: المنيع الذي لا مثل له، ومعنى {ٱلْغَفَّارُ }: الستار لذنوب خلقه. ثم أمره سبحانه أن يبالغ في إنذارهم، ويبين لهم عظم الأمر، وجلالته، فقال: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ } أي: ما أنذرتكم به من العقاب وما بينته لكم من التوحيد هو خبر عظيم، ونبأ جليل، من شأنه العناية به، والتعظيم له، وعدم الاستخفاف به، ومثل هذه الآية قوله: {أية : عَمَّ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [النبأ: 1، 2]، وقال مجاهد، وقتادة، ومقاتل: هو: القرآن، فإنه نبأ عظيم؛ لأنه كلام الله. قال الزجاح: قل: النبأ الذي أنبأتكم به عن الله نبأ عظيم، يعني: ما أنبأهم به من قصص الأولين، وذلك دليل على صدقه، ونبوّته؛ لأنه لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله، وجملة {أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } توبيخ لهم، وتقريع لكونهم أعرضوا عنه، ولم يتفكروا فيه، فيعلموا صدقه، ويستدلوا به على ما أنكروه من البعث. وقوله: {مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأعْلَىٰ } استئناف مسوق لتقرير أنه نبأ عظيم، والملأ الأعلى هم: الملائكة {إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أي: وقت اختصامهم؛ فقوله: {بِٱلْمَـَلإِ ٱلأعْلَىٰ } متعلق بعلم على تضمينه معنى: الإحاطة، وقوله: {إِذْ يَخْتَصِمُونَ } متعلق بمحذوف، أي: ما كان لي فيما سبق علم بوجه من الوجوه بحال الملأ الأعلى وقت اختصامهم، والضمير في {يختصمون} راجع إلى الملأ الأعلى، والخصومة الكائنة بينهم هي في أمر آدم كما يفيده ما سيأتي قريباً. وجملة: {إِن يُوحَىٰ إِلَىَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } معترضة بين اختصامهم المجمل، وبين تفصيله بقوله: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ }. والمعنى: ما يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين. قال الفراء: المعنى: ما يوحى إليّ إلا أنني نذير مبين أبين لكم ما تأتون من الفرائض، والسنن، وما تدعون من الحرام، والمعصية. قال: كأنك قلت: ما يوحى إليّ إلا الإنذار. قال النحاس: ويجوز أن تكون في محل نصب، بمعنى: ما يوحى إليّ إلا لأنما أنا نذير مبين. قرأ الجمهور بفتح همزة أنما على أنها وما في حيزها في محل رفع لقيامها مقام الفاعل، أي: ما يوحى إليّ إلا الإنذار، أو إلا كوني نذيراً مبيناً، أو في محل نصب، أو جرّ بعد إسقاط لام العلة، والقائم مقام الفاعل على هذا الجارّ والمجرور. وقرأ أبو جعفر بكسر الهمزة؛ لأن في الوحي معنى القول، وهي: القائمة مقام الفاعل على سبيل الحكاية، كأنه قيل: ما يوحى إليّ إلا هذه الجملة المتضمنة لهذا الإخبار، وهو أن أقول لكم إنما أنا نذير مبين. وقيل: إن الضمير في {يختصمون} عائد إلى قريش؛ يعني: قول من قال منهم: الملائكة بنات الله، والمعنى: ما كان لي علم بالملائكة إذ تختصم فيهم قريش، والأوّل أولى. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَغَسَّاقٌ } قال: الزمهرير {وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ } قال: من نحوه {أَزْوٰجٌ } قال: ألوان من العذاب. وأخرج أحمد، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا»تفسير : . قال الترمذي بعد إخراجه: لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد. قلت: ورشدين فيه مقال معروف. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود في قوله: {فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِى ٱلنَّارِ } قال: أفاعي، وحيات. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {بِٱلْمَـَلإِ ٱلأعْلَىٰ } قال: الملائكة حين شوروا في خلق آدم، فاختصموا فيه، وقالوا: لا تجعل في الأرض خليفة. وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } قال: هي: الخصومة في شأن آدم حيث قالوا: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } تفسير : [البقرة: 30]. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن نصر في كتاب الصلاة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتاني الليلة ربي في أحسن صورة، أحسبه قال في المنام - قال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثديّي، أو في نحري، فعلمت ما في السمٰوات، والأرض، ثم قال لي: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم في الكفارات، والكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره»تفسير : ، الحديث. وأخرج الترمذي وصححه، ومحمد بن نصر، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه من حديث معاذ بن جبل نحوه بأطول منه، وقال: «حديث : وإسباغ الوضوء في السبرات»تفسير : . وأخرج الطبراني، وابن مردويه من حديث جابر بن سمرة نحوه بأخصر منه. وأخرجا أيضاً من حديث أبي هريرة نحوه، وفي الباب أحاديث.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {هذا فليذوقوه حميمٌ وغساق} أي منه حميم ومنه غساق والحميم الحار، وفي الغساق ستة أوجه: أحدها: أنه البارد الزمهرير، قاله ابن عباس فكأنهم عذبوا بحارّ التراب وبارده. الثاني: أنه القيح الذي يسيل من جلودهم، قاله عطية. الثالث: أنه دموعهم التي تسيل من أعينهم، قاله قتادة. الرابع: أنها عين في جهنم تسيل إليها حِمة كل ذي حِمة من حية أو عقرب، قاله كعب الأحبار. الخامس: أنه المنتن، رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً. السادس: أنه السواد والظلمة وهو ضد ما يراد من صفاء الشراب ورقته، قاله ابن بحر. وفي هذا الاسم وجهان: أحدهما: حكاه النقاش أنه بلغة الترك. الثاني: حكاه ابن بحر وابن عيسى أنه عربي مشتق واختلف في اشتقاقه على وجهين: أحدهما: من الغسق وهو الظمة، قاله ابن بحر. الثاني: من غسقت القرحة تغسق غسقاً. إذا جرت، وأنشد قطرب قول الشاعر: شعر : فالعين مطروقة لبينهم تغسق في غربة سرها تفسير : وإليه ذهب ابن عيسى. وفي {غساق} قراءتان بالتخفيف والتشديد وفيها وجهان: أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد، قاله الأخفش. الثاني: معناهما مختلف والمراد بالتخفيف الاسم وبالتشديد الفعل وقيل إن في الكلام تقديماً وتأخيراً، وتقديره: هذا حميم وهذا غساق فليذوقوه. قوله عز وجل: {وآخر مِنْ شكله أزواج} فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: وآخر من شكل العذاب أنواع، قاله السدي. الثاني: وآخر من شكل عذاب الدنيا أنواع في الآخرة لم تر في الدنيا، قاله الحسن. الثالث: أنه الزمهرير، قاله بن مسعود. وفي الأزواج هنا ثلاثة أوجه: أحدها: أنواع. الثاني: ألوان. الثالث: مجموعة. قوله عز وجل: {هذا فوج مقتحم معكم...} فوج بعد فوج أي قوم بعد قوم، مقتحمون النار أي يدخلونها.وفي الفوج قولان: أحدهما: أنهم بنو إبليس. والثاني: بنو آدم، قاله الحسن. والقول الثاني: أن كلا الفوجين بنو آدم إلى أن الأول الرؤساء والثاني الأتباع. وحكىالنقاش أن الفوج الأول قادة المشركين ومطعموهم يوم بدر، والفوج الثاني أتباعهم ببدر. وفي القائل {هذا فوجٌ مقتحم معكم} قولان: أحدهما: الملائكة قالوا لبني إبليس لما تقدموا في النار هذا فوج مقتحم معكم إشارة لبني آدم حين دخلوها. قال بنو إبليس {لا مرحَباً بهم إنهم صالوا النار قالوا} أي بنو آدم: {بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار}. والقول الثاني: أن الله قال للفوج الأول حين أمر بدخول الفوج الثاني: {هذا فوج مقتحم معكم} فأجابوه {لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار} فأجابهم الفوج الثاني {بل أنتم مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه أنتم شرعتموه لنا وجعلتم لنا إليه قدماً، قاله الكلبي. الثاني: قدمتم لنا هذا العذاب بما أضللتمونا عن الهدى {فبئس القرار} أي بئس الدار النار، قاله الضحاك. الثالث: أنتم قدمتم لنا الكفر الذي استوجبنا به هذا العذاب في النار، حكاه ابن زياد. {قالوا ربنا من قدم لنا هذا} الآية. يحتمل وجهين: أحدهما: أنه قاله الفوج الأول جواباً للفوج الثاني. الثاني: قاله الفوج تبعاً لكلامهم الأول تحقيقاً لقولهم عند التكذيب. وفي تأويل {من قدم لنا هذا} وجهان: أحدهما: من سنه وشرعه، قاله الكلبي. الثاني: من زينه، قاله مقاتل. والمرحب والرحب: السعة ومنه سميت الرحبة لسعتها ومعناه لا اتسعت لكم أماكنكم؛ وأنشد الأخفش قول أبي الأسود. شعر : اذا جئت بوّاباً له قال مرحباً ألا مَرْحباً واديك غير مضيق تفسير : قوله عز وجل: {وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً...} الآية. قال مجاهد هذا يقوله أبو جهل وأشياعه في النار: ما لنا لا نرى رجلاً كنا نعدهم في الدنيا من الأشرار لا نرى عماراً وخباباً وصهيباً وبلالاً. {أتخذناهم سخرياً} قال مجاهد اتخذناهم سخرياً في الدنيا فأخطأنا. {أم زاغت عنهم الأبصار} فلم نعلم مكانهم. قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخريا وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم. وقال أبو عبيدة من كسر {سخرياً} جعله من الهزء، ومن ضمه جعله من التسخير {أم زاغت عنهم الأبصار} يعني أهم معنا في النار أم زاغت أبصارنا فلا نراهم وإن كانوا معنا.
ابن عطية
تفسير : التقدير: الأمر هذا، ويحتمل أن يكون التقدير: هذا واقع ونحوه. والطاغي: المفرط في الشر، مأخوذ من طغا يطغى، والطغيان هنا في الكفر. و"المآب": المرجع، و {جهنم} بدل من قولهم: {لشر}. و {يصلونها} معناه: يباشرون حرها. و {المهاد} ما يفترشه الإنسان ويتصرف فيه. وقوله: {هذا فليذوقوه} يحتمل أن يكون {هذا} ابتداء، والخبر {حميم} ويحتمل أن يكون التقدير: الأمر هذا فليذوقوه، ويحتمل أن يكون في موضع نصب بفعل يدل عليه {فليذوقوه} و {حميم} على هذا خبر ابتداء مضمر. قال ابن زيد: الحميم، دموعهم تجتمع في حياض فيسقونها وقرأ جمهور الناس: "وغساق" بتخفيف السين، وهو اسم بمعنى السائل، يروى عن قتادة أنه ما يسيل من صديد أهل النار. ويروى عن السدي أنه ما يسيل من عيونهم. ويروى عن كعب الأحبار أنه ما يسيل من حمة عقارب النار، وهي يقال مجتمعة عندهم. وقال الضحاك: هو أشد الأشياء برداً. وقال عبد الله بن بريدة: هو أنتن الأشياء، ورواه أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: "وغسّاق" بتشديد السين، بمعنى سيال وهي قراءة قتادة وابن أبي إسحاق وابن وثاب وطلحة، والمعنى فيه على ما قدمناه من الاختلاف غير أنها قراءة تضعف، لأن غساقاً إما أن يكون صفة فيجيء في الآية حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، وذلك غير مستحسن هنا، وأما أن يكون اسماً، فالأسماء على هذا الوزن قليلة في كلام العرب كالفياد ونحوه وقرأ جمهور الناس: "وآخر" بالإفراد، وهو رفع بالابتداء، واختلف في تقديره خبره، فقالت طائفة تقديره: ولهم عذاب آخر. وقالت طائفة: خبره: {أزواج} لأن قوله: {أزواج} ابتداء و {من شكله} خبره، والجملة خبر "آخر". وقالت طائفة: خبره: {أزواج}، و {من شكله} في موضع الصفة. ومعنى {من شكله}: من مثله وضربه، وجاز على هذا القول أن يخبر الجمع الذي هو أزواج عن الواحد من حيث ذلك الواحد درجات ورتب من العذاب وقوى وأقل منه. وأيضاً فمن جهة أخرى على أن يسمى كل جزء من ذلك الآخر باسم الكل، قالوا: عرفات لعرفة: وشابت مفارقه فجعلوا كل جزء من المفرق مفرقاً، وكما قالوا: جمل ذو عثانين ونحو هذا، ألا ترى أن جماعة من المفسرين قالوا إن هذا الآخر هو الزمهرير، فكأنهم جعلوا كل جزء منه زمهريراً. وقرأ أبو عمرو وحده: "وأخر" على الجمع، وهي قراءة الحسن ومجاهد والجحدري وابن جبير وعيسى، وهو رفع بالابتداء وخبره {أزواج}، و {من شكله} في موضع الصفة، ورجح أبو عبيد هذه القراءة وأبو حاتم بكون الصفة جمعاً، ولم ينصرف "أخر" لأنه معدول عن الألف واللام صفة، وذلك أن حق أفعل وجمعه أن لا يستعمل إلا بالألف واللام، فلما استعملت "أخر" دون الألف واللام كان ذلك عدلاً لها، وجاز في "أخر" أن يوصف بها النكرة كقوله تعالى: {أية : فعدة من أيام أخر} تفسير : [البقرة: 184 - 185] بخلاف جمع ما عدل عن الألف واللام، كسحر ونحوه في أنه لا يجوز أن يوصف به النكرة، لأن هذا العدل في "أخر" اعتد به في منع الصرف ولم يعتد به في الامتناع من صفة النكرة كما يعتدون بالشيء في حكم دون حكم، نحو اللام في قولهم: لا أبا لك، لأن اللام المتصلة بالكاف اعتد بها فاصلة للإضافة، ولذلك جاز دخول لا، ولم يعتد بها في أن أعرب أبا بالحروف وشأنه إذا انفصل ولم يكن مضافاً أن يعرب بالحركات فجاءت اللام ملغاة الحكم من حيث أعرب بالحرف، كأنه مضاف وهي معتد بها فاصلة في أن جوزت دخول لا. وقرأ مجاهد: "من شِكله" بكسر الشين. و {أزواج} معناه: أنواع، والمعنى لهم حميم وغساق وأغذية أخر من ضرب ما ذكره ونحوه أنواع كثيرة. وقوله تعالى: {هذا فوج} هو ما يقال لأهل النار إذا سيق عامة الكفار وأتباعهم لأن رؤساءهم يدخلون النار أولاً، والأظهر أن قائل ذلك لهم ملائكة العذاب، وهو الذي حكاه الثعلبي وغيره، ويحتمل أن يكون ذلك من قول بعضهم لبعض، فيقول البعض الآخر: {لا مرحباً بهم} أي لا سعة مكان ولا خير يلقونه. والفوج: الفريق من الناس. قوله تعالى: {بل أنتم لا مرحباً بكم} حكاية لقول الأتباع حين سمعوا قول الرؤساء: {أنتم قدمتموه} معناه بإغوائكم، أسلفتم لنا ما أوجب هذا، فكأنكم فعلتم بنا هذا. وقوله: {قالوا ربنا} حكاية لقول الأتباع أيضاً دعوا على رؤسائهم بأن يكون عذابهم مضاعفاً.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَـئَابٍ} الآية، التقديرُ: الأمرُ هذا، ويحتمل أنْ يكونَ التقديرُ: هذا واقعٌ أو نحوَهُ، و«الطغيان» هنا في الكُفْرِ. وقوله تعالى: {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} قرأ الجمهورُ: «غَسَاق» ـــ بتخفيف السينِ ـــ وهو اسم بمعنى السائِل، قال قتادةُ: الغَسَاقُ: ما يَسِيلُ من صديدِ أهلِ النار، قال * ص *: الغَسَاقُ السَّائِل، وعن أبي عبيدةَ أيضاً: الباردُ المُنْتِنُ بلُغَةِ التُّرْكِ، انتهى، قال الفخرُ: {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} فيه وجْهَانِ: الأول على التقديمِ والتأخير، والتقديرُ: هذا حميمٌ وغساقٌ أي: منه حميمٌ وغساقٌ، انتهى، * ت *: والوجهُ الثاني: أنَّ الآيةَ لَيْسَ فيها تقديمٌ ولا تأخيرٌ وهو واضِح، وقرأ الجمهور {وَءَاخَرُ} بالإفرادِ، ولَهُمْ عذابٌ آخَرُ، ومعنى {مِن شَكْلِهِ} أي: من مِثْلِهِ وضَرْبِهِ، وقرأ أبو عمرو وحدَه: «وأُخَرُ» على الجمعِ، و{أَزْوٰجٌ} معناه: أنواع، والمعنى: لهم حميمٌ وغساقٌ، وأغذية أُخَرُ من ضَرْبِ ما ذُكِرَ. وقوله تعالى: {هَـٰذَا فَوْجٌ} هو مِمَّا يُقَالُ لأهْلِ النارِ، إذا سِيقَ عامَّةُ الكفَّارِ والأتباعِ إليها؛ لأن رؤساءَهم يَدْخلونَ النارَ أولاً، والأظهرُ أنَّ قائلَ ذلكَ لَهُمْ ملائكةُ العذابِ، وهو الذي حكَاه الثعلبيُّ وغَيْرُهُ، ويحتملُ أنْ يكونَ ذلكَ من قولِ بعضِهم لبعض، فيقولُ البعضُ الأخرُ: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} أي، لا سَعَةَ مَكَانٍ، ولا خَيْرَ يَلْقَوْنَهُ. وقوله: {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} حكايةٌ لقولِ الأتبَاعِ لرؤسائِهم، أي: أنتم قَدَّمْتُمُوهُ لنا بإغوائِكم وأسلفتم لنا ما أوجب هذا، قال العِرَاقِيُّ: [الرجز] شعر : مُقْتَحِمٌ أَيْ دَاخِلٌ بِشِدَّه مُجَاوَزٌ لِمَا ٱقْتُحِمْ بالشَّدَّهْ تفسير : انتهى. وقوله تعالى: {قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا...} الآية، هو حكايةٌ لقول الأتباعِ أيضاً دَعَوْا على رؤسائِهم؛ بأن يكونَ عذابُهُمْ مُضَاعَفاً.
ابن عادل
تفسير : قوله: {هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ} يجوز أن يكون "هذا" مبتدأ، والخبر مقدر، فقدره الزمخشري: "هذا كما ذكر" وقدره أبو علي للمؤمنين، ويجوز أن يكون خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي الأمرُ هذا. فصل لما وصف ثواب المؤمنين وصف بعده عقاب الظالمين ليكون الوعيد مذكوراً عقيبَ الوعد والترهيب عقيب الترغيب فقال: {هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} أي مرجع، وهذا في مقابلة قوله: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ}. والمراد "بالطاغين": الكفار، وقال الجبائي: هم أصحاب الكبائر سواء كانوا كفاراً أم لا، واحتج الأولون بقوله: {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً}؛ ولأن هذا ذمّ مطلق فلا يحمل إلا على الكامل في الطغيان وهو الكافر، واحتج الجبائي بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7] فدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل لصاحب الكبيرة، لأن كل من تجاوز حدّ تكاليف الله وتعداها فقد طغى. قوله: "جَهَنَّمَ" يجوز أن يكون بدلاً من "شَرَّ مَآبٍ" أو منصوبة بإضمار أعني فعل، وقياس قول الزمخشري في: "جَنَّاتِ عَدْنٍ" أي يكون عطف بيان وأن يكون جهنم منصوبة بفعل يتقدمه على الاشتغال أي يَصْلَوْنَ جَهْنَّمَ يَصْلَوْنَها، والمخصوص بالذم محذوف أي "هِيَ". قوله: "فَبِئْسَ الْمِهَادُ" هو معنى قوله: {أية : لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} تفسير : [الأعراف:41] شبَّه الله تعالى ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرشه النائمُ. قوله: "هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ" في هذا أوجه: أحدها: أن يكون مبتدأ وخبره: "حميمٌ وغَسَّاقٌ". وقد تقدم أن اسم الإشارة يكتفي بواحدة في المثنى كقوله: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ} تفسير : [البقرة:68] أو يكون المعنى: هذا جامع بين الوصفين ويكون قوله: "فَلْيَذُوقُوهُ" جملة اعتراضية. الثاني: أن يكون "هذا" منصوباً بمقدر على الاشتغال أي لِيَذُوقُوا هذا، وشبهه الزمخشري بقوله تعالى: {أية : وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} تفسير : [البقرة:40] يعني على الاشتغال والكلام على مثل هذه الفاء قد تقدم. و "حمِيمٌ" على هذا خبر مبتدأ مضمر، أو مبتدأ وخبره مضمر أي مِنْهُ حميمٌ ومنهُ غسَّاقٌ كقوله: شعر : 4277- حَتَّى إذَا مَا أَضَاءَ الْبَرْقُ فِي غَلَسٍ وَغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصُودُ تفسير : أي منه ملويٌّ ومنه محصود. الثالث: أن يكون "هذا" مبتدأ والخبر محذوف أي هذا كَمَا ذُكِرَ أو هذا للطاغين. الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمر أي الأمر هذا. ثم استأنف أمراً فقال "فَلْيَذُوقُوهُ". الخامس: أن يكون مبتدأ خبره فليذوقوه وهو رأي الأخفش. ومنه: شعر : 4278- وَقَائِلَةٍ خَوْلاَنُ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ تفسير : وتقدم تحقيق هذا عند قوله: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ} تفسير : [المائدة:38]. وقرأ الأَخَوانِ وحفصٌ غَسَّاق بتشديد السين هنا وفي {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [النبأ:1] وخَفَّفَهُ الباقون فيهما. فأما المثقل فهو صفة كالجّبَّار والضَّرَّاب مثال مبالغةٍ وذلك أن "فَعَّالاً" في الصفات أغلب منه في الاسم. ومِنْ وُرُودِهِ في الأسماء الكلاَّء والحَبَّان والفَيَّاد لذَكَر البوم والعَقَّار والخَطَّار. وأما المخفف فهو اسم لا صفة لأن فَعَالاً بالتخفيف في الأسماء كالعَذَاب والنَّكَال أغلب منه في الصفات على أنَّ منْهُمْ من جعلَهُ صفةً بمعنى "ذو كذا" أي ذِي غَسَق، وقال أبو البقاء أو يكون "فَعَّال" بمعنى فَاعِلٍ. قال شهاب الدين: وهذا غير معروفٍ. فصل قيل: هذا على التقديم والتأخير. والتقدير: هذا حميمٌ وغَسَّاق (فَليَذُوقُوهُ، وقيل: التقدير: جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه ثم يبتدىء فيقول: حَمِيمٌ وغَسَّاق أي منه حميم وغساق). والغَسَقُ السَّيَلاَنُ، يقال: غَسَقَتْ عَيْنهُ أي سَالَتْ، قال المفسرون: إنه ما يسيل من صديدهم، وقيل: غسق أي امتلأ، ومنه غسقت عينه أي امتلأت بالدمع ومنه الغَاسِق للقمر لامتلائه وكماله. وقيل: الغَسَّاق ما قَتَلَ ببردِهِ، ومنه قيل: لليل: غاسِقٌ، لأنه أبرد من النهار، (و) قال ابن عباس: هو الزَّمْهَريرُ يحرقهم ببرده كما تحرقهم النار بحرِّها. وقال مجاهد وقتادة: هو الذي انتهى برده، وقيل: الغسق شدة الظلمة ومنه قيل للّيل غاسق، ويقال للقمر غاسق إذا كسف لا سُوِدَادِهِ، والْقَولان منقولان في تفسير قوله تعالى: {أية : وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ} تفسير : [الفلق:2]. وقيل: الغساق: المنتن بلغة الترك وحكى الزجاج: "لو قَطَرَتْ منه قطرة بالمغرب لأَنْتَنَتْ أهل المشرق". وقال ابن عُمَر: هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيُسْقَوْنَهُ، قال قتادة: هو ما يَغْسِقُ أي يسيل من القيح والصَّديد من جلود أهل النار ولحومهم وفروج الزناة من قولهم: غَسَقَتْ عَيْنُهُ إذا انْصَبَّتْ والغَسَقَانُ الانْصِبَابُ، قال كعب: الغَسّاق عينٌ في جهنم يسيل إليهم كل ذوات حية وعقربٍ. قوله: "وَآخَرُ" قرأ أبو عمرو بضم الهمزة على أنه جمع وارتفاعه من أوجهٍ: أحدها: أنه مبتدأ و "مِنْ شَكْلِهِ" خبره، و "أَزْوَاجٌ" فاعل به. الثاني: أن يكون مبتدأ أيضاً و "مِنْ شَكْلِهِ" خبر مقدم، و"أزواج" مبتدأ. والجملة خبره، وعلى هذين القولين فيقال: كيف يصحُّ من غير ضمير يعود على "آخر" فإن الضمير في "شكله" يعود على ما تقدم أي من شكل المذوق؟ والجواب أن الضمير عائد على المبتدأ وإنما أفرد وذكر لأن المعنى من شكل ما ذكرنا. ذكر هذا التأويل أبُو البَقَاء. وقد منعَ مَكِّيٌّ ذلك لأجل الخُلُوِّ من الضمير. وجوابه ما ذكرنا. الثالث: أن يكون "مِنْ شَكْلِهِ" نعتاً "لآخر" و"أزواج" خبر المبتدأ أي و "آخر من شكله المذوق أزواج". الرابع: أن يكون "مِنْ شَكْلِهِ" نعتاً أيضاً، و "أزواج" فاعل به والضمير عائد على "آخر " بالتأويل المتقدم وعلى هذا فيرتفع "آخر" على الابتداء، والخبر مقدر أي ولهم أنواع أخرُ استقر من شكلها أزواج. الخامس: أن يكون الخبر مقدراً كما تقدم أي ولهم آخر و "مِنْ شَكْلِهِ" و "أزواج" صفتان لآخر، وقرأ العامة "من شَكْله" بفتح الشين، وقرأ مجاهد بكسرها. وهما لغتان بمعنى المثل والضرب. تقوله: هذَا عَلَى شَكْلِهِ أي مثله وضربه وأما الشِّكْل بمعنى الغنج فبالكسر لا غير. قاله الزمخشري. وقرأ البَاقُونَ وآخر بفتح الهمزة وبعدها ألف بصيغة أفعل التفضيل والإعراب فيه كما تقدم، والضمير في أحد الأوجه يعود عليه من غير تأويل لأنه مفرد إلا أن في أحد الأوجه يلزم الإخبار عن المفرد بالجمع أو وصف المفرد بالجمع لأن من جملة الأوجه المتقدمة أن يكون "أزواج" خبراً عن "آخر" أو نعت له كما تقدم. وعنه جوابان: أحدهما: أن التقدير وعذاب آخر أو مذوق آخر، وهو ضروب ودرجات فكان في قوة الجمع أو يجعل كل جزء من ذلك الآخر مثل الكل وسماه باسمه وهو شائع كثير نحو غَلِيظ الحَوَاجب وشابت مفارقه. على أن لقائلٍ أن يقول: إن "أزواجاً" صفة للثلاثة الأشياء المتقدمة أعني الحميمَ والغساقَ وآخرَ من شكله فيلغي السؤال. قوله: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} مفعول "مقتحم" محذوف أي مُقْتَحِمٌ النار، والاقتحام الدخول في الشيء بشدة والقُحْمةُ الشدة. وقال الراغب: الاقتحام توسط شدة مخيفة ومنه قَحَمَ الفرسُ فارسَه أي توغل به ما يخاف منه، والمقاحيم الذين يقتحمون في الأمر الذي يتجنب. قوله: "مَعَكُمْ" يجوز أن يكون نعتاً ثانياً "لِفَوْجٍ" وأن يكون حالاً منه لأنه قد وصف وأن يكون حالاً من الضمير المستتر في "مُقْتَحِمٌ". قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون طرفاً لفساد المعنى، قال شهاب الدين: ولَمْ أدرِ من أي وجه يفسد والحالية والصفة في المعنى كالظرفية، وقوله: "هَذَا فَوْجٌ" إلى "النار" يجوز أن يكون من كلام الرؤساء بعضهم لبعض بدليل قول الأتباع "لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوه لَنَا" وأن يكون من كلام الخَزَنَة، ويجوز أن يكون "هَذَا فَوجٌ" من كلام الملائكة والباقي من كلام الرؤساء. وكان القياس على هذا أن يقال: بَلْ هُمْ لا مرحباً بهم لا يقولون للملائكة ذلك إلا أنهم عدلوا عن خطاب الملائكة إلى خطاب أعدائهم تشفياً منهم. والمعنى هنا جمع كثيف وقد اقتحم معكم النار كما كانوا قد اقتحموا معكم في الجهل والضلال، والفَوْجُ القطيعُ من النَّاسِ وجمعه أفواجٌ. (قوله): "لاَ مَرْحَباً" في "مرحباً" وجهان: أظهرهما: أنه مفعول بفعل مقدر أي لا أتيتم مرحباً (أو لا سمعتم مرحباً. والثاني: أنه منصوب على المصدر. قاله أبو البقاء أي لا رَحُبَتكُمْ دارُكُمْ مَرْحَباً) بل ضِيقاً، ثم في الجملة المنفية وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة سِيقَتْ للدعاء عليهم، وقوله: "بِهِمْ" بيان للمدعُوِّ عليهم. والثاني: أنها حالية، وقد يعترض عليه بأنه دعاء والدعاء طلب (والطلب) لا يقع حالاً والجواب أنه على إضمار القول أي مقولاً لهم لا مرحباً. قال المفسرون قوله تعالى: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} دعاء منهم على أتباعهم يقول الرجل لمن يدعو له: مرحباً أي أتيت رَحْباً من البلاد لا ضيقاً أو رَحُبَتْ بلاَدُكَ رَحْباً، ثم تدخل عليه كلمة "لا" في دعاء النفي. قوله: {إِنَّهُمْ صَالُو ٱلنَّارِ} تعليل لاستجابة الدعاء عليهم. ونظير هذه الآية قوله: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} تفسير : [الأعراف: 38] "قالوا" أي الأتباع {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} يريدون أن الدعاء الذي دعوتم به علينا أيها الرؤساء أنتم أحق به وعللوا ذلك بقولهم: "أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا" والضمير للعذاب أو للضَّلال. فإن قيل: ما معنى تقديمهم العذاب لهم؟ فالجواب: الذي أوجب التقديم عو عمل السوء كقوله تعالى: {أية : وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } تفسير : [الحج:9،10] إلا أن الرؤساء لما كانوا هم السبب فيه بإغوائهم وكان العذاب جزاءهم عليه قيل: أنتم قدمتموه لنا، وقوله: "فبئس القرار" أي بئس المستقرّ والمستكنّ جهنم. قوله: "مَنْ قَدَّمَ" يجوز أن تكون "مَنْ" شرطية و("فـ)ـزِدُهُ" جوابها، وأن تكون استفهامية وقدّم خبرها أي (أن) أي شخص قم لنا هذا؟ ثم استأنفوا دعاءً، بقوله: "فَزِدْهُ" وأن تكون موصولة بمعنى الذي وحينئذ يجوز فيها وجهان: الرفع بالابتداء والخبر "فَزِدْهُ" والفاء زائدة تشبيهاً له بالشرط، والثاني: أنها منصوبة بفعل مقدر على الاشتغال والكلام في مثل هذه الفاء (قَدْ) تقدم. وهذا الوجه يجوز عند بعضهم حال كونها شرطية أو استفهامية أعني الاشتغال إلا أنه لا يقدر الفعل إلا بعدها لأن لها صدر الكلام و"ضِعْفاً" نعت لعذاب أي مضاعفاً. قوله: "فِي النَّار" يجوز أن تكون ظرفاً "لِزدْهُ" أو نعتاً "لعَذَابٍ" أو حالاً منه لتخصيصه أو حالاً من مفعول "زِدْهُ". قوله: "قَالُوا" يعني الأتباع {رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا} أي شرعَهُ وسنَّهُ لنا فزده عذاباً ضعفاً أي مضاعفاً "فِي النَّارِ" ونظيره قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً (ضِعْفاً) مِّنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [الأعراف: 38] وقولهم {أية : إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} تفسير : [الأحزاب: 67-68]. فإن قيل: كل مِقْدَارٍ يفرض من العذاب فإن كان بقدر الاستحقاق لم يكن مضاعفاً وإن كان زائداً عليه كان ظلماً وإنه لا يجوز. فالجواب: المراد منه قوله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وزْرُها ووِزْرُ من عَمِلَ بِهَا إلى يَوم الْقِيَامَةِ" تفسير : والمعنى أنه يكون أحد القِسمين عذاب الضَّلاَلِ، والثَّانِي عذاب الإضْلاَلِ، والله أعلم. وهذا آخر شرح أحوال الكفار مع الذين كانوا أحباباً لهم في الدنيا، وأما شرح أحوالهم مع الذين كانوا أعداء لهم في الدنيا فهو قوله: {وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ} أي أن صناديد قريش قالوا، وهم في النار: {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ} في الدنيا يعنون فقراء المؤمنين عماراً وخباباً وصهيباً وبلالاً وسلمان وسموهم أشراراً إما بمعنى الأرذال الذين لاَ خير فيهم ولا جدوى أو لأنهم كانوا على خلاف دينهم فكانوا عندهم أشْراراً. قوله: "أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً" قرأ الأخوان وأبو عمرو بوصل الهمزة، وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون خبراً محضاً، وتكون الجملة في محل نصب صفة ثانية "لرجالاً" كما وقع "كُنَّا نَعُدُّهُمْ" صفة وأن يكون المراد الاستفهام وحذفت أداته لدلالة "أَمْ" عليها كقوله: شعر : 4279- تَرُوحُ مِنَ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِر وَمَاذَا عَلَيْكَ بِأَنْ تَنْتَظِر تفسير : "فأم" متصلة على هذا، وعلى الأول منقطعة، بمعنى "بل" والهمزة لأنها لم يتقدمها همزة استفهام ولا تسوية، والباقون بهمزة استفهام سقطت لأجلها همزة الوصل، والظاهر أنه لا محل للجملة حينئذ لأنه طلبية، وجوز بعضهم أن تكون صفة لكن على إضمار القول أي رجالاً مقولاً فيهم أتخذناهم كقوله: شعر : 4280-........................ جَاؤُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطّ تفسير : إلا أن الصفة في الحقيقة ذلك القول المضمر، وقد تقدم الخلاف في "سُخْرِيًّا" في "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ" والمشهور أن المكسور من الهُزْء كقوله: شعر : 4281- إنّي أَتَانِي لِسَانٌ لاَ أُسَرُّ بِهَا مِنْ عَلْوِ لاَ كَذِبٌ فِيهَا ولا سُخْرُ تفسير : وتقدم معنى لحاق الياء المشددة في ذلك، و"أم" مع الخبر منقطعة فقط كما تقدم ومع الاستفهام يجوز أن تكون متصلةً، وأن تكون منقطعةً كقولك: (أَ) زَيْدٌ عِنْدَكَ أَمْ عِنْدَكَ عَمْرو، ويجوز أن يكون "أَمْ زَاغَتْ" متصلاً بقوله: "مَا لَنَا"؛ لأنه استفهام إلا أنه يتعين انقطاعها لعدم الهمزة ويكون ما بينهما معترضاً على قراءة "أَتَّخَذْنَاهُمْ" بالاستفهام إن لم تجعلْه صفةً على إضمار القول كما تقدم. قال أَهْلُ المعاني: قراءة الأخوين أولى لأنهم علموا أنهم اتخذوهم سخرياً لقوله تعالى: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سُخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْري} فلا يستقيم الاستفهام. وتكون "أم" على هذه القراءة بمعنى "بل" وأجاب الفراء عن هذا بأَن قال: هذا من الاستفهام الذي معناه التعجب والتوبيخ. ومثلُ هذا الاستفهام جائز عن الشيء المعلوم ومن فتح الألف قال هو على اللفظ لا على المعنى ليعادِل "أمْ" في قوله "أَمْ زَاغتْ". فإن قيل: فما الجملة المعادلة بقوله: "أم زاغت" على القراءة الأولى؟ فالجواب: أنها محذوفة، والتقدير: أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ. وقرأ نافعٌ سُخْريًّا - بضم السِّين - والباقون بكسرها. فقيل: هما بمعنى، وقيل: الكسر بمعنى الهُزْء، وبالضم التذليل والتسخير وأما نظم الآية على قراءة الإخبار فالتقدير: مَا لَنَا نَرَاهُمْ حَاضِرينَ لأجْلِ أنَّهُمْ لحَقَارَتِهمْ تُركوا لأجل أنهم زاغت عنهم الأبصار، ووقع التعبير عن حقارتهم بقولهم: "أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْريًّا" وأما على قراءة الاستفهام فالتقدير لأجل أنّا قد اتخذناهم سخرياً وما كانوا كذلك فلم يدخلوا لأجل أنه زاغت عنهم الأبصار. فصل معنى الآية: ومَا لَنَا لا نرى هؤلاء الذين اتخذناهم سخرياً لم يدخلوا معنا النَّار أم دخلو(ها) فزاغت أي فمالت عنهم أبصارنا فَلَمْ نَرَهُمْ حتى دخلوا. وقيل: (أم) هم في النار ولكن احتجبوا عن أبصارنا، وقال ابن كيسان أم كانوا خيراً منا ونحن لا نعلم فكان أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدُهُّمْ شيئاً. قوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ} أي الذي ذكرت لحق أي لا بدّ وأن يتكلموا به، ثم بين ذلك الذي حكاه عنهم فقال: {تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} العامة على رفع "تخاصم" مضافاً "لأهل" وفيه أَوْجُهٌ: أحدها: أنه بدل من "لَحَقّ". الثاني: أنه عطفُ بيان. الثالث: أنه بدل من "ذَلِكَ" على الموضع حكاه مكي وهذا يوافق قولَ بعضِ الكوفيين. الرابع: أنه خبر ثانٍ لـ "إنَّ". الخامس: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هُو تَخَاصُمُ. السادس: أنه مرفوع بقوله: "لحَقّ" إلا أن أبا البقاء قال: ولو قيل: هو مرفوع "بحق" لكان بعيداً لأنه يصير جملة ولا ضمير فيها يعود على اسم "إنّ"، وهذا رد صحيح. وقد يجاب عنه بأن الضمير مقدر أن لحقٌّ تَخَاصُم أهل النار فِيهِ، كقوله: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى:43] أي مِنْهُ، وقرأ ابن مُحَيْصِن بتنوين "تَخَاصُمٌ" ورفع "أَهْلُ" فرفع "تخاصم" على ما تقدم، وأما رفع "أهل" فعلى الفاعلية بالمصدر المنون كقولك: "يعجبني تَخَاصُمٌ الزيدونَ" أي (أَنْ) تَخَاصَمُوا وهذا قولُ البَصْرِيِّينَ، وبعض الكوفيين خَلاَ الفراءَ، وقرأ ابنُ أبي عبلة تَخَاصُمَ بالنصب مضافاً "لأهل" وفيه أوجه: أحدها: أنه صفة "لذلك" على اللفظ، قال الزمخشري: لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس وهذا فيه نظر لأنهم نصوا على أن أسماء الإشارة لا توصف إلا بما فيه أل نحوه: (مَرَرْتُ) بهَذَا الرجل ولا يجوز: "مَرَرْتُ" بهذا غلامِ الرجلِ، فهذا أبعد، ولأن الصحيح أن الواقع بعد اسم الإشارة المقارن "لأل" إن كان مشتقاً كان صفة وإلا كان بدلاً، و"تخاصم" ليس مشتقاً. الثاني: أنه بدل من "ذَلِكَ" الثالث: أنه عطف بيان. الرابع: على إضمار أَعْنِي، وقال أَبُو الفَضْلِ: ولو نصب "تَخَاصُم" على أنه بدل من "ذلك" لجاز انتهى. كأنه لم يطلع عليها قراءة. وقرأ ابن السَّمَيْقَع "تَخَاصَمَ" فعلاً ماضياً "أَهْلُ" فاعل به وهي جملة استئنافية، وإنما سمى الله تعالى تلك الكلمات تخاصماً لأن قول الرؤساء: "لا مرحباً بهم" وقول الأتباع "بل أنتم لا مرحباً بكُم" من باب الخُصُومَة.
القشيري
تفسير : لَشَرَّ مَرْجع ومُنْقَلَبٍ؛ وهي جهنم يدخلونها فيبقون مُعّذَّبِين فيها، وبِئْس المكانُ ذلك!
اسماعيل حقي
تفسير : {هذا} اى الامر فى حق المتقين هذا الذى ذكرناه. وقال بعضهم هذا من قبيل ما اذا فرغ الكاتب من فصل واراد الشروع فى فصل آخر منفصل عما قبله قال هذا اى احفظ ما كان كيت وكيت وانتظر الى ما يجيىء {وان للطاغين} اى للذين طغوا على الله وكذبوا الرسل يعنى للكافرين. قال الراغب الطغيان تجاوز الحد فى العصيان {لشر مآب} مرجع فى الآخرة
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (هذا) خبر، أي: الأمر هذا، أو: مبتدأ؛ أي: هذا كما ذكر، وهو من الاقتضاب الذي يقرب من التخلص، كقوله بعد الحمد: أما بعد. قال السعد: هو من فصل الخطاب، الذي هو أحسن موقعاً من التخلُّص. قال: وقد يكون الخبر مذكوراً كقوله: {أية : هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ...} تفسير : [ص: 49] هـ. قال الطيبي: هو من فصل الخطاب، على التقدير الأول، لا الثاني. هـ. أي: إذا كان خبراً عن مضمر، لا ما إذا ذكر الخبر. يقول الحق جلّ جلاله: {هذا} أي: الأمر هذا، {وإِنَّ للطاغين لشرَّ مآبٍ}؛ مرجع {جهنَّمَ يصلونها}؛ يدخلونها، حال من جهنم، {فبئس المِهادُ}: الفراش، شبّه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم، والمخصوص محذوف، أي: جهنم. {هذا فليذوقوه} أي: ليذوقوا هذا فليذوقوه، كقوله تعالى: {أية : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} تفسير : [البقرة: 40] أو: العذاب هذا فليذوقوه، وهو {حميمٌ وغسَّاق}... الخ، أو: {هذا}: مبتدأ، و {حميم وغساق}: خبر، وما بينهما اعتراض، والغساق: ما يَغسَق، أي: يسيل من صديد أهل النار، يقال: غَسَقت العين؛ إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحرّه، والغساق يحرق ببرده. قيل: "لو قطرت منه قطرة بالمشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت بالمغرب لأنتنت أهل المشرق" وقيل: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله. وهو بالتخفيف والتشديد، قرىء بهما. {وآخَرُ} أي: وعذاب آخر، أو: مذوق آخر، {من شَكْلِه}؛ من مثل العذاب المذكور. وقرأ البصري: "أُخَرُ" بالجمع، أي: ومذوقات أُخَرُ من شكل هذا العذاب في الشدّة والفظاظة، {أزواجٌ} أي: أصناف، وهو خبر لأخر، أو: صفة له، أو: للثلاثة. {هذا فوج مُّقْتَحِمٌ معكم}، حكاية لِمَا يقوله الخزنة للطاغين إذا دخلوا النار، واقتحمها معهم فوج كانوا يتبعونهم في الكفر والضلالة. والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة، أو: من كلام الطاغين بعضهم من بعض. {لا مرحباً بهم}، هو من تمام كلام الخزنة، على الأول، أو: من كلام الطاغين، دعاء منهم على أتباعهم. يُقال لمَن يدعو له أو يفرح به. مرحباً، أي: وجدت مكاناً رَحْباً، لا ضيقاً، ثم تدخل عليه النفي في دعاء السوء، فتقول: لا مرحباً. و "بهم": بيان للمدعو عليهم، {إِنهم صالُوا النارِ} أي: داخلوها. وهو تعليل لاستحقاقهم الدعاء عليهم. وقيل: {هذا فوج...} إلخ، من كلام الخزنة لرؤساء الكفرة. و {لا مرحباً بهم...} الخ، من كلام الرؤساء. {قالوا} أي: الأتباع، {بل أنتم لا مرحباً بكم} أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحقّ به، وعلّلوا ذلك بقوله: {أنتم قدمتموه لنا} أي: إنكم دعوتمونا للكفر، فتبعناكم، فقدمتمونا به للعذاب، {فبئس القرارُ} أي: بئس المقر جهنم، قصدوا بذمها تغليظ جناية الرؤساء عليهم. {قالوا} أي: الأتباع، معرَّضين عن خصومتهم، متوجهين إلى الله: {ربَّنا مَن قدَّم لنا هذا فزِدْهُ عذاباً ضعفاً} أي: مضاعفاً. {في النار} أو: ذا ضعف، ومثله قوله: {أية : رَبَّنَا هَؤُلآَءِ أَضَلُّونَا فَئَاتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً} تفسير : [الأعراف: 38]، وهو أن يزيد على عذابه مثله. {وقالوا} أي: الرؤساء: {ما لنا لا نرى رجالاً}، يعنون: فقراء المسلمين، {كنا نَعُدُّهُم} في الدنيا {من الأشرار}؛ من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى، حيث كانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم، {أتَّخذناهم سِخْرِيّاً}، بهمزة الاستفهام، سقطت لأجلها همزة الوصل. والجملة: استئنافية، ومَن قرأ بالوصل فقط فالجملة: صفة ثانية لرجال، {أم زاغتْ}؛ مالت {عنهم الأبصارُ}، والمعنى على الاستفهام: أتخذناهم سخرياً وليسوا كذلك، فلم يدخلوا معنا النار فهم في الجنة، أم دخلوها معنا، ولكن مالت عنهم أبصارنا، فلا نراهم معنا؟ وعلى الاستخبار: ما لنا لا نرى رجالاً معنا في النار، كانوا عندنا أشراراً، قد اتخذناهم سخرياً نسخر بهم، ثم أضربوا وقالوا: بل زاغت عنهم الأبصار، فلا نراهم فيها، وإن كانوا معنا، أو: زاغت أبصارنا، وكلَّت أفهامنا عنهم، حتى خفي علينا مقامهم، وأنهم على الحق ونحن على الباطل، وما تبعناهم. ومَن قرأ "سُخريا" بالضم؛ فمن: التسخير والاستخدام. ومَن قرأ بالكسر، فمن: السخر، الذي هو الهزء. وجَوز في القاموس الضم والكسر فيهما معاً، فراجعه. {إِن ذلك} الذي حكى من أحوالهم {لَحَقٌّ} لا بد من وقوعه ألْبتة، وهو {تخاصمُ أهلِ النار} فيها على ما تقدّم. ولمّا شبَّه تفاوضهم، وما يجري بينهم من السؤال والجواب، بما يجري بين المتخاصمين، سمَّاه تخاصماً، وبأنَّ قول الرؤساء: {لا مرحباً} وقول الأتباع: {بل أنتم لا مرحباً بكم} من باب الخصومة لا محالة، فسمي التقاول كله تخاصماً؛ لاشتماله على ذلك. الإشارة: كل مَن تعدى وطغى، ولم يتب، من المؤمنين، يرى شيئاً من أهوال الكفرة، فلا يدخل الجنة حتى يتخلص، وكل مَن سخر بالفقراء يسقط في الحضيض الأسفل، ويكون سكناه في أسفل الجنة، فيقول: ما لنا لا نرى معنا رجالاً كنا نَعُدُّهم من المبتدعة الأشرار، أتخذناهم سخرياً، وهم كُبراء عند الله، رُفعوا عنه، أم هم معنا ولكن زاغت عنهم الأبصار؟ فيُجابون: بأنهم رُفعوا مع المقربين، كانوا مشتغلين بنا، وكنتم منهم تضحكون. إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون بالقُرب ومشاهدة طلعتنا، في كل حين، وبالله التوفيق. ثم قرّر تحقيق الرسالة والوحدانية، فقال: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ}.
الطوسي
تفسير : لما وصف الله تعالى اهل الجنة وما أعده لهم من انواع النعيم فيها وصف ما أعده لأهل النار والعصاة من انواع العقاب، فقال {هذا} يعني هذا ما ذكرنا لأهل الجنة. ثم ابتدأ فقال {وإن للطاغين} وهم الذين طغوا في معاصي الله {لشر مآب} يعني شر مرجع. ثم بين ذلك المرجع فقال {جهنم يصلونها فبئس المهاد} وإنما وصف جهنم بأنها مهاد لما كانت عوضاً لهم عن المهاد، فسميت باسمه، كما قال {أية : فبشرهم بعذاب أليم} تفسير : وقال قوم: هو على تقدير بئس موضع المهاد، والمهاد الفراش الموطأة تقول: مهدت له تمهيداً كقولك وطأت له توطئة، ومنه مهد الصبي، لأنه يوطأ له. ثم قال {هذا فليذوقوه حميم وغساق} وتقديره هذا عذاب جهنم فليذوقوه حميم وغسان. ويجوز أن تجعله مستأنفاً كانك قلت هذا فليذوقوه. ثم قلت منه حميم وغساق. أمرهم الله بذواق الحميم، لان الذواق ابتداء إدراك الطعم على طلبه بالفم، ولذلك يقال: ذقته فلم اجد له طعماً لما فيه من طلب ادراك الطعم بالفم. ومن طلب إدراك الشيء كان أشد احساساً به. والحميم الحار الشديد الحرارة، ومنه الحمى لشدة حرارتها وحم الشيء إذا دنا وأحمه لهذا أي ادناه قال الشاعر: شعر : احم الله ذلك من لقاء احاد احاد في الشهر الحلال تفسير : والغساق ما يسيل من صديد أهل النار. وقال ابن عمر: هو القيح الذي يسيل منهم يجمع فيسقونه، وقال كعب الأحبار: الغساق عين في جهنم يسيل اليها سم كل ذات حمة من عقرب وحية. وقيل: هو قيح شديد النتن، يقال: غسقت القرحة تغسق غسوقاً. والتشديد والتخفيف لغتان. وقيل: الغساق الزمهرير - في قول ابن مسعود - فلبرده يحرق كما تحرق النار. ثم قال {وآخر من شكله أزواج} معناه انواع أخر من شكل العذاب أزواج اي امثال. وقال الحسن: ذكر السلاسل والاغلال ونحوه، ثم قال {وآخر من شكله} مما لم ير في الدنيا. والشكل - بفتح الشين - الضرب المشابه. والشكل - بكسر الشين - النظير في الحسن، ومن قرأ {وآخر} أراد الواحد. ومن قرأ {وأخر} اراد الجمع {ازواج} معناه اشكال. ثم قال {هذا فوج مقتحم معكم} قال الحسن يعني به بني إبليس، والآخر بنو آدم يقتحمون معكم النار وعذابها {لا مرحباً بهم} أي لا اتسعت لهم أماكنهم {إنهم صالوا النار} أي لازموها. قال الفراء: هي الأمة بعد الأمة تدخل النار. وقوله {لا مرحباً بهم} من قول أهل النار، كما قال {أية : كلما دخلت أمة لعنت أختها} تفسير : وقيل هم اتباع الرؤساء في الضلالة قيل لهم لا مرحباً بهم، وهو نصب على المصدر {قالوا بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار} حكاية ما يردون عليهم من الجواب فانهم يقولون: بل انتم لا اتسعت عليكم أماكنكم قدمتموه لنا فبئس القرار الذي استقررنا عليه، وهو مثل قوله {أية : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً } تفسير : وقرأ حمزة والكسائي وخلف (غساق) - بالتشديد - الباقون بالتخفيف وهما لغتان. وقرأ ابو عمرو وابن كثير {واخر} مضمومة الالف على الجمع. الباقون {وآخر} بفتح الالف ممدودة على التوحيد. ومن قرأ على الجمع، فلقوله {ازواج} وهما لا ينصرفان، لان (آخر) وزنه افعل واما أخر فلأنه معدول عن الألف واللام، لانه لا يستعمل في الجارية الكبرى والمرأة الأخرى إلا بالألف واللام، فلما عدلوه وعرفوه تركوا صرفه مثل (سحر) إذا أردت سحر يوم بعينه تركت صرفه لأنه معدول عن الألف واللام في السحر.
الجنابذي
تفسير : فسّر الطّاغين ببنى اميّة واولياءهم، وقدّ تكرّر انّ الاصل فى كلّ شرٍّ وذى شرٍّ اعداء علىٍّ وبنو اميّة ومن وافقهم ولذلك صحّ تفسير كلّ شرّ وذى شرّ ذكر فى القرآن بهم.
اطفيش
تفسير : {هَذَا} اقتضاب ومر بيانه وهو مبتدأ خبره محذوف أي هذا للمؤمنين أو هذا واقع أو كما ذكر وخبر محذوف أي الأمر هذا أو مفعول لمحذوف أي خذ هذا {وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ} أي الكافرين
اطفيش
تفسير : {هَذا} الأمر هذا، أو هذا للمؤمنين، أو هذا كما ذكر أو مضى هذا فى علم الله، فلا مرد له، او خذوا يا أهل الاتقاء هذا، أو خذ يا محمد هذا باعتقاده، وها حرف تنبيه، ولو كان اسم فعل بمعنى خذ، وخذوا لكتب منفصلا بألف {وإنَّ للطاغين لشرَّ مآبٍ} عطف على للمتقين لحسن مآب، وقيل على هذا، وما قدر معه من مبتدأ أو خبر أو جملة فعلية، وهى خذ، أو خذوا عطفا للأخبار على الأخبار، ويبعد حمل ذلك على الاحتباك هكذا: إن للمتقين لخير مآب، وحسن مآب، وإن للطاغين لقبح مآب وشر مآب، والطاغين المشركون وأصحاب الكبائر مطلقا، وشر وصف لا مصدر أو اسم أضيف لموصوفه، أى لمآبا شرا، ولو جعل غير وصف لقدر مضاف أى لمآبا ذا شر.
الالوسي
تفسير : {هَـٰذَا } قال الزجاج: أي الأمر هذا على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقال أبو علي: أي هذا للمؤمنين على أنه مبتدأ خبره محذوف وقدره بعضهم كما ذكر. وجوز أبو البقاء احتمال كونه مبتدأ محذوف الخبر واحتمال كونه خبراً محذوف المبتدأ، وجوز بعضهم كونه فاعل فعل محذوف أي مضى هذا وكونه مفعولاً للفعل محذوف أي خذ هذا، وجوز أيضاً كون ها اسم فعل بمعنى خذ وذا مفعوله من غير تقدير ورسمه متصلاً يبعده والتقدير أسهل منه. وقوله تعالى: {وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَآب} عطف على ما قبله، ولزوم عطف الخبر على الإنشاء على بعض الاحتمالات جوابه سهل، وأشار الخفاجي إلى الحالية هنا أيضاً ولعل أمرها على بعض الأقوال المذكورة هين. والطاغون هنا الكفار كلام يدل عليه كلام ابن عباس حيث قال: أي الذين طغوا علي وكذبوا رسلي، وقال الجبائي: أصحاب الكبائر كفاراً كانوا أو لم يكونوا. وإضافة {شَرُّ } إلى {مَـآبٍ } كإضافة {أية : حُسْنُ }تفسير : [ص: 49] إليه فيما تقدم، وظاهر المقابلة يقتضي أن يقال: لقبح مآب هنا أو لخير مآب فيما مضى لكن مثله لا يلتفت إليه إذا تقابلت المعاني لأنه من تكلف الصنعة البديعية كما صرح به المرزوفي في «شرح الحماسة» كذا قيل، وقيل إنه من الاحتباك وأصله إن للمتقين لخير مآب وحسن مآب وإن للطاغين لقبح مآب وشر مآب واستحسنه الخفاجي وفيه نوع بعد.
ابن عاشور
تفسير : اسم الإِشارة {هذا} مستعمل في الانتقال من غرض إلى غرض تنهية للغرض الذي قبله. والقول فيه كالقول في {أية : هٰذَا ذِكرٌ وإنَّ للمتقين لحُسنَ مآبٍ}تفسير : [ص: 49]. والتقدير: هذا شأن المتقين، أو هذا الشأن، أو هذا كما ذُكر. وجملة {يَصْلَونَهَا} حال من {جَهَنَّمَ} وهي حال مؤكدة لمعنى اللام الذي هو عامل في «الطاغين» فإن معنى اللام أنهم تختصّ بهم جهنم واختصاصها بهم هو ذَوْق عذابها لأن العذاب ذاتي لجهنم. والطاغي: الموصوف بالطغيان وهو: مجاوزة الحد في الكِبر والتعاظم. والمراد بهم عظماء أهل الشرك لأنهم تكبَّروا بعظمتهم على قبول الإِسلام، وأعرضوا عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بكبر واستهزاء، وحكموا على عامة قومهم بالابتعَاد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين وعن سماع القرآن، وهم: أبو جهل وأميةُ بن خلف، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، والعاصي بن وائل وأضرابهم. والفاء في {فَبِئْسَ المِهَادُ} لترتيب الإِخبار وتسببه على ما قبله، نظير عطف الجمل بــــ (ثُمّ) وهي كالفاء في قوله تعالى: {أية : فلم تقتلوهم}تفسير : [الأنفال: 17] بعد قوله: {أية : فلا تولوهم الأدبار}تفسير : في سورة [الأنفال: 15]. وهذا استعمال بديع كثير في القرآن وهو يندرج في استعمالات الفاء العاطفة ولم يكشف عنه في «مغني اللبيب». والمعنى: جهنم يصلونها، فيتسبب على ذلك أن نذكر ذَم هذا المقرّ لهم، وعبر عن جهنم بــــ {المِهَادُ} على وجه الاستعارة، شبه ما هم فيه من النار من تحتهم بالمهاد وهو فراش النائم كقوله تعالى: {أية : لهم من جهنم مهاد}تفسير : [الأعراف: 41].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: هذا: أي المذكور للمتقين. وإن للطاغين: أي الذين طغوا في الكفر والشر والفساد. لشر مآب: أي جهنم يصلونها. فبئس المهاد: أي الفراش الذي مهدوه لأنفسهم في الدنيا بالشرك والمعاصي. هذا فليذوقوه: أي العذاب المفهوم مما بعده فليذوقوه. حميم: أي ماء حار محرق. وغساق: أي قيح وصديد يسيل من لحوم وفروج الزناة في النار. وآخر من شكله أزواج: أي وعذاب آخر كالحميم والغساق أصناف. هذا فوج مقتحم معكم: أي يقال لهم عند دخولهم النار هذا فوج مقتحم معكم. لا مرحبا بهم: أي لا سعة عليهم ولا راحة لهم إنهم صالو النار. قالوا أي الاتباع للطاغين: بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا. قالوا ربنا من قدم لنا هذا: أي الأتباع أي من كان سببا في عذابنا هذا في جهنم فزده عذابا. وقالوا ما لنا لا نرى رجالا: أي قال الطاغون وهم في النار مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار في الدنيا يعنون فقراء المسلمين كبلال وعمار وصهيب. اتخذناهم سخريا: أي كنا نسخر منهم في الدنيا. أم زاغت عنهم الأبصار: أي امفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار؟ فلم نرهم. إن ذلك لحق تخاصم أهل النار: أي إن ذلك المذكور لأهل النار لحق ثابت وهو تخاصم أهل النار. معنى الآيات: بعد ذكر نعيم أهل الإِيمان والتقوى ناسب ذكر شقاء أهل الكفر والفجور وهو أسلوب الترهيب والترغيب الذي امتاز به القرآن الكريم في هداية العباد. فقال تعالى {هَـٰذَا} أي ما تقدم ذكره من نعيم أهل السعادة {وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ} وهم المشركون الظلمة كأبي جهل وعتبة بن معيط والعاص بن وائل {لَشَرَّ مَآبٍ} أي لأسوأ مرجع وأقبحه وهو {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} هي يمهدها الظالمون لأنفسهم. وقوله تعالى {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} أي هذا حميم وغساق فليذوقوه والحميم الماء الحار المحرق والغساق ما سال من جلود ولحوم وفروج الزناة من أهل النار كالقيح والصديد وقوله {وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ} أي وعذاب آخر من شكل الأول {أَزْوَاجٌ} أي أصناف عديدة وقوله تعالى {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} أي يقال عند دخولهم النار هذا فوج أي فريق مقتحم معكم النار، فيقول الطاغون {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} أي لا سعة ولا راحة لهم {إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ} أي داخلوها محترقون بحرها ولهبها، فيرد الأتباع عليهم قائلين {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} أي لا سعة ولا راحة {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا} إذ كنتم تأمروننا بالشرك والكفر والفجور قال تعالى {قَالُواْ فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} أي الذي انتهى إليه الطاغون وأتباعهم في النار، وقالوا أيضا ما أخبر تعالى به عنهم في قوله {قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا} أي العذاب {فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ} أي يا ربنا ضاعف لهم العذاب مرتين لأنهم هم الذين قدموه لنا يوم كانوا يدعوننا إلى الشرك والباطل ويحضوننا عليه. وقوله تعالى {وَقَالُواْ} أي الطغاة {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ} بيننا {أَتَّخَذْنَاهُمْ} في الدنيا {سِخْرِيّاً} نسخر منهم يعنون فقراء المسلمين كبلال وعمّار وصهيب وخبيب، أمفقودون هم {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ} أبصارنا فلم نرهم، قال تعالى {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} أي إن ذلك الكلام الذي دار بين أهل النار حق وصدق هو تخاصم أهل النار فاسمعوه ايها المشركون اليوم آيات تتلى وغداً يوم الحساب حقائق تشاهدوه وغصص تتجرع وحسرات تمزق الأكباد والقلوب. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- ذم الطغيان وهو مجاوزة الحد في الظلم والكفر وبيان جزاء أهله يوم القيامة. 2- بيان ما يجري من خصام بين أهل النار للعظة والاعتبار. 3- شكوى الأتباع ممن اتبعوهم في الضلال ومطالبتهم بمضاعفة العذاب لهم. 4- تذكر أهل النار فقراء المسلمين الذين كانوا يعدونهم متخلفين ورجعيين لأنهم كانوا لا يأتون الفجور والشرور مثلهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِلطَّاغِينَ} {مَآبٍ} (55) - هَذَا الذِي تَقَدَّمَ هُوَ جَزَاءُ المُؤْمِنِينَ الأَخْيَارِ، عَلَى مَا قَدَّمُوهُ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، وَطَاعَةٍ لِرَبِّهِمْ. أَمَّا الكَافِرُونَ الخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَالمُكَذِبُّونَ رُسُلَهُ الكِرَامَ، فَلَهُمْ سُوءُ المُنْقَلَبِ، وَشَرُّ العَاقِبَةِ. لَشَرَّ مَآبٍ - لأَسْوَأَ مُنْقَلَبٍ وَمَصِيرٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قال هنا أيضاً (هذا) أي: الكلام السابق عن جزاء المتقين في الجنة. وفي مقابله {وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} [ص: 55] لشرّ مصير وأسوأ منقلب ومرجع، والمآب هنا أيضاً كالمآب السابق، مآب إلى مَنْ أخذ عليهم العهد الأول ومنحهم إيمانَ الفطرة، فكلُّ مولود يُولَد على الفطرة، لكن هؤلاء لم يُوفوا بالعهد الذي أخذوه على أنفسهم، إنما خالفوا {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ ..} تفسير : [الأعراف: 172]. وكما فَصَّلَ الحق سبحانه حُسْن المآب يُفصِّل هنا أيضاً شر المآب، فيقول {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ..} [ص: 56] أي: يصطلون بنارها {فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [ص: 56] أي: ساء. والمهاد: هو فراش الطفل الذي يمهد له لينام فيه نَوْمةً مريحة، لكن ليس للطفل دَخْل في إعداده إنما يُعدُّه له وليُّه الذي يتولى أمره، كذلك هؤلاء الطاغون لا دَخْلَ لهم في المهد الذي سيُلقون فيه. إذن: استخدام المهد هنا على سبيل الاستهزاء والسخرية منهم. {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} [ص: 57] أي: يذوقوا العذاب (حَمِيم) هو الشيء الحار الذي تناهتْ حرارته، و (غَسَّاق) هو صديد أهل النار الذي يسيل منهم في جهنم والعياذ بالله، تقول: غسقتْ عينه أي: سال دمعها. لكن هل ينتهي العذاب بالحميم والغساق؟ لا، بل لهم ألوان أخرى من العذاب {وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} [ص: 58] آخر: يعني عذاب آخر غير هذا ينتظرهم {مِن شَكْلِهِ ..} [ص: 58] من مثله ومن جنسه ومن نوعه وتكوينه {أَزْوَاجٌ} [ص: 58] أنواع وأصناف مختلفة، وإلاَّ فأين المُهْل؟ وأين شجرة الزقوم التي طَلْعها كأنه رؤوس الشياطين، وغيرها من ألوان العذاب الذي أعدَّه الله لهؤلاء الطاغين؟ وبعد أن أعطانا الحق سبحانه هذه المقابلَة التوضيحية بين جزاء أهل الأخيار المتقين، ومصير الأشرار الطاغين، أراد سبحانه أنْ يُفرِّق بين صحبة الأخيار وصحبة الأشرار، فصحبة الأخيار تعينك على الطاعة وتعينك على الخير, وصحبة الأشرار تجرُّك إلى الشر وتدعوك إلى المعصية. ففي المدارس مثلاً، كم من تلميذ تفوق لأنه مَاشَى زميلاً من أهل الخير أعانه على دروسه وحَثَّه على المذاكرة وخَوَّفه من سوء العاقبة آخر العام إنْ أهمل، وفي المقابل كم من تلميذ فشل لأنه صاحبَ الأشرار الذين أغروْه بالهروب من الحصص، وأخذوه إلى الشارع، وإلى السلوك غير المستقيم. وفي النهاية، لا بُدَّ أنْ يحمد المتفوق زميله الذي أخذ بيده إلى الخير، ولا بدّ أنْ يذم الفاشل زميله الذي أغراه وأضلّه وضيَّع عليه الفرصة. أراد الحق سبحانه أنْ يعطينا هذه الصورة، فقال سبحانه: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى مآل السعداء المتقين، ثنَّى بذكر حال الأشقياء المجرمين، ثم ذكر بعض الأدلة على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وختم السورة الكريمة بذكر قصة آدم وإِبليس وامتناعه عن السجود لآدم، تحذيراً للبشر من عدوهم الأكبر ومن وساوسه وإِغوائه. اللغَة {غَسَّاقٌ} الغسَّاق: ما يخرج من لحوم الكفرة من الصديد والقيح والنتن {زَاغَتْ} مالت {سِخْرِيّاً} بكسر السين وهو الهزء والسخرية {مُّقْتَحِمٌ} الاقتحام: ركوب الشدة والدخول فيها ومنه اقتحام المخاطر {سَوَّيْتُهُ} أتممت خلقه على أكمل الوجوه {ٱلْعَالِينَ} المتكبرين، وعلا في الأرض: تكبر وتجبر {رَجِيمٌ} مرجوم بالكواكب والشهب. التفسِير: {هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} {هَـٰذَا} خبرٌ لمبتدأ محذوف تقديره الأمرُ هذا وهي بمنزلة أما بعد، ثم قال {وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} أي وإِنَّ للكافرين الذين كذبوا الرسل، لشرَّ منقلب يصيرون إليه في الآخرة ثم فسَّر هذا المصير بقوله {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} أي جهنم يذوقونها ويصلون سعيرها، وبئست جهنم فراشاً ومهاداً لهم قال ابن الجزي: لما تمَّ ذكر أهل الجنة ختمه بقوله {هَـٰذَا} ثم ابتدأ بذكر وصف أهل النار، وعنى بالطاغين الكفار {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} أي هذا هو العذاب الأليم فليذوقوه وهو الحميم أي الماء الحار المحرق، والغسَّاق وهو ما يسيل من صديد أهل النار قال الطبري: في الآية تقديم وتأخير أي هذا حميم وغساق فليذوقوه، والحميمُ الذين أُغلي حتى انتهى حره، والغسَّاق ما يسيل من جلودهم من الصديد والدم {وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} أي وعذابٌ آخر من مثل هذا العذاب المذكور كالزمهرير، والسموم، وأكل الزقوم لهم منه أنواع وأصناف.. ثم حكى ما يقال للرؤساء الطاغين إذا دخلوا النار فقال {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} أي تقول لهم خزنة جهنم: هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار، ودخلوها بصحبتكم كما اقتحموا معكم في الجهل والضلال، لا أهلاً ولا مرحباً بهم {إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ} أي إِنهم ذائقو النار، وداخلوها كما دخلتموها أنتم قال الرازي: والاقتحامُ ركوبُ الشدة والدخولُ فيها، وهذا من كلام خزنة جهنم لرؤساء الكفرة عن أتباعهم، والعرب تقول لمن يدعون له: مرحباً أي أتيتَ رحباً في البلاد لا ضيِّقاً، ثم يدخلون عليها كلمة "لا" في د عاء السوء {قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} أي قال الأتباع للرؤساء الطغاة الذين أضلوهم بل أنتم لا أهلاً بكم ولا مرحباً قال المفسرون: عندما يدخل الأتباع جهنم تتلقاهم الرؤساء بقولهم {لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} أي لا تلقون هنا رحباً ولا خيراً - وهذه تحية أهل النار - كما قال تعالى {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا}تفسير : [الأعراف: 38] فعند ذلك يقول لهم الداخلون {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} وهذا على حد قول القائل "تحيةُ بينهِم ضربٌ وجيع" فكذلك أهل النار يتلقون بعضهم باللعنات والشتائم بدل التحايا والسلام، ثم يعلِّل الأتباع ذلك بقولهم {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} أي أنتم قدمتم لنا هذا العذاب وكنتم السبب في ضلالنا، فبئس المنزل والمستقر لنا ولكم نار جهنم {قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ} هذا أيضاً من كلام الأتباع دعوا الله أن يضاعف العذاب لرؤسائهم الذين أوجبوا لهم العذاب فهو كقولهم {أية : رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [الأعراف: 38] والضعفُ زيادة المثل قال البيضاوي: وقال الأتباع أيضاً {رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً} أي مضاعفاً وذلك أن يزيد على عذابه مثله فيصير ضعفين {وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ}؟ أي وقال الطغاة من رؤساء الكفر وأئمة الضلال: ما لنا لا نرى في النار هؤلاء الذين كنا نعدُّهم في الدنيا من الأشرار؟ يعنون بهم المؤمنين قال ابن عباس: يريدون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقول أبو جهل: أين بلال، أين صهيب، أين عمار؟ أولئك في الفردوس! واعجباً لأبي جهل! مسكين، أسلم ابنه عكرمة، وابنته جويرية، وأسلمت أُمه، وأسلم أخوه وكفر هو قال ابن كثير: هذا إِخبار عن الكفار في النار، أنهم يفتقدون رجالاً كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون، يقول أبو جهل: ما لي لا أرى بلالاً وعماراً وصهيباً وفلاناً وفلاناً؟ وهذا ضربُ مثل وإلا فكل الكفار هذا حالهم، يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار، فلما دخلها الكفار افتقدوهم فلم يجدوهم، ثم قالوا {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار}؟ أي يؤنبون أنفسهم قائلين: أجعلنا هؤلاء المؤمنين في الدنيا هزءاً وسخرية؟ أم هم معنا في النار ولكن لا نراهم؟ قال البيضاوي: إنكار على أنفسهم وتأنيبُ لها في الاستسخار من المؤمنين، كأنهم قالوا: ليسوا هٰهنا في النار؟ أم مالت عنهم أبصارنا فلا نراهم؟ قال تعالى {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} أي إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد من أقوال أهل النار وتخاصمهم، لهو الحقُّ الذي لا بدَّ وأن يتكلموا به، فنحن نخبرك عن قول الرؤساء {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} وقول الأتباع {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} من باب الخصومة {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ} هذا شروع في بيان مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي إثبات الوحدانية، والمعاد، والجزاء أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إِنما أنا رسولٌ من رب العالمين، أُنذركم وأخوفكم من عذابه إن لم تؤمنوا، ولستُ بساحرٍ ولا شاعر ولا كاهن {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} أي وليس لكم ربٌ ولا معبود إلا الواحد الأحد، الغالب على خلقه، القاهر لكل شيء {رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي خالق جميع ما في الكون من الخلائق والعجائب، والمتصرف فيها بالإِيجاد والإِعدام {ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ} أي الغالب على أمره الذي لا يُغلب، المبالغ في المغفرة لمن شاء من العباد قال الرازي: لما ذكر أنه {قهار} وهذا مشعر بالترهيب والتخويف، أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب وذكر ثلاث صفات دالة على الرحمة، والفضل والكرم وهي: "الرب، العزيز، الغفار" فكونه رباً مشعر بالتربية والإِحسان، وكونه عزيزاً مشعرٌ بأنه قادر على كل شيء ولا يعجزه شيء، وكونه غفاراً مشعر بالترغيب وأنه يرجى فضله وثوابه، فلو بقي الإِنسان على الكفر سبعين سنة، ثم تاب فإن الله سبحانه يغفر له برحمته جميع ذنوبه، ويمحو اسمه من ديوان المذنبين، ويوصله إلى درجات الأبرار {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} أي قل لهم يا محمد: إن هذا القرآن الذي جئتكم به هو نبأ هام وأمر عظيم الشأن، أنتم عنه غافلون لا تلتفتون إليه ولا تعلمون قدره {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} أي من أين لي العلم باختلاف الملائكة في شأن خلق آدم لولا الوحي المنزل عليَّ؟ قال ابن جزي: والقصدُ الاحتجاج على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر بأمور لم يكون يعلمها قبل ذلك، والإِشارة الى اختصام الملائكة هو ما جاء في قصة آدم حين قال تعالى لهم {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البقرة: 30] حسبما تضمنته قصته في مواضع من القرآن {إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي ما يوحى إليَّ إلا لأني رسولٌ مرسل إليكم لأنذركم عذاب الله، ومعنى النذير المنذر المخوّف من عذاب الله، ثم شرع تعالى في ذكر قصة آدم فقال {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ} أي اذكر حين أعلم ربك الملائكة أنه سيخلق إِنساناً من طين وهو آدم عليه السلام {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} أي فإِذا أتممتُ خلقه ونفخت فيه الروح فاسجدوا إكراماً له وإِعظاماً قال القرطبي: وهذا سجود تحية لا سجود عبادة {فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} أي فسجد جميع الملائكة خضوعاً له وتعظيماً لأمر الله بالسجود له {إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} أي لكن إبليس استكبر عن طاعة الله وأبى السجود لآدم فصار من الكافرين قال ابن كثير: امتثل الملائكة كلهم سوى إبليس، ولم يكن منهم جنساً كان من الجن، فخانه طبعه وجبلته فاستنكف عن السجود لآدم، وخاصم ربه عز وجل فيه، وادعى أنه خيرٌ من آدم، فكفر بذلك وطرده الله عن باب رحمته، ومحل أنسه، وحضرة قدسه {قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}؟ أي: قال له ربه: ما الذي صرفك وصدَّك عن السجود لمن خلقته بذاتي من غير واسطة أب وأُم؟ قال القرطبي: أضاف خلقه إلى نفسه تكريماً لآدم وإِن كان خالق كل شيء، كما أضاف إلى نفسه الروح، والبيت، والناقة، والمساجد، فخاطب الناس بما يعرفونه {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ}؟ أي استكبرتَ الآن عن السجود أم كنت قديماً من المتكبرين على ربك؟ وهذا على جهة التوبيخ له لاستنكافه عن السجود {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} أي قال اللعينُ أنا خير من آدم وأشرف وأفضل {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} أي لأنني مخلوق من النار، وآدم مخلوق من الطين، والنار خيرٌ من الطين، فكيف يسجد الفاضل للمفضول؟ {قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} أي اخرج من الجنة فإِنك لعين مطرود من كل خيرٍ وكرامة {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} أي وأنت مبعدٌ عن رحمتي إلى يوم الجزاء والعقوبة ثم تلقى ما هو أفظع وأشنع من اللعنة {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي أخرني وأمهلني إلى اليوم الذي تبعث فيه الخلائق من القبور قال أبو السعود: أراد بذلك أن يجد فسحةً لإِغوائهم، ويأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موتَ بعد البعث فأجابه الله بأنه مؤخر إلى وقت النفخة الأولى لا إلى وقت البعث الذي طلبه {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} أي إِنك من الممهلين إلى وقت النفخة الأولى حيث يموت الناس وتنتهي مهمتك {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} أي قال اللعين: أُقسم بعزتك لأُضلنَّ بني آدم أجمعين، إلا الذين أخلصتهم لعبادتك وعصمتهم مني {قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} أي قال تعالى أقسم بالحقِّ ولا أقول إلا الحقَّ لأملأن جنهم منك ومن أتباعك قال السُّدي: هو قسم أقسم الله به، وجملة "والحقَّ أقول" اعتراضية لتأكيد القسم {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} أي قل لهم يا محمد: لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجراً، ولست من الذين يتصنعون ويتحيلون حتى انتحل النبوة وأتقوَّل القرآن {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} أي ما هذا القرآن إلا عظة وذكرى للإٍِنس والجن والعقلاء {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ} أي ولتعلمنَّ خبره وصدقه عن قريب، وهذا وعيدٌ وتهديد قال الحسن البصري: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1ـ المقابلة بين المؤمنين والمفسدين، وبين المتقين والفجار {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ}تفسير : [ص: 28] وهذه من ألطف أنواع البديع. 2ـ الكناية {أية : فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ}تفسير : [ص: 33] كنَّى عن العقر والذبح بالمسح وهي كناية بليغة. 3ـ الطباق بين {أية : فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ}تفسير : [ص: 39] لأنها بمعنى أعط من شئت، وامنع من شئت. 4ـ مراعاة الأدب {أية : أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ}تفسير : [ص: 41] أسند الضرر إلى الشيطان أدباً، والخير والشر بيد الله تعالى. 5ـ الاستعارة التصريحية {أية : أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ}تفسير : [ص: 45] استعار الأيدي للقوة في العبادة والأبصار للبصيرة في الدين. 6ـ المقابلة الرائعة {أية : هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ}تفسير : [ص: 49ـ 50] ثم قابل ذلك بقوله {هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} وياله من تصوير رائع! 7ـ التأكيد بمؤكدين {فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} فقد أكده أولاً بلفظ كل ثم بلفظ أجمعون. 8ـ مراعاة الفواصل وهي من خصائل القرآن {وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} فمثل هذا البيان الرائع والجرس العذب، يسري في النفس سريان الروح في الجسد، وأقسم بالله أنني أشعر بهزة في نفسي كلما قرأتُ القرآن، لما له من وقع عذب على السمع، وأحياناً أجدني أتمايل طرباً بدون شعور، أكثر مما يتمايل المغرمون بالأنغام، وما ذلك إلا لروعة البيان في هذا القرآن، وصدق رسول الله حين قال "حديث : إن من البيان لسحراً ".
الجيلاني
تفسير : خذ {هَـٰذَا} أيها المتشمر نحو الحق، والراغب إلى ما عنده من موائد الإنعام والإفضال، وكما فضلنا على المطيعين بأنواع التعظيم والتنعيم، وكرمناهم بأنواع الكرامة والتكريم، انتقمنا عن العاصين الجاحدين {وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ} الذين طغوا علينا بخروجهم عن مقتضيات حدودنا الموضوعة فيهم، المنبهة إلى مبدئهم ومعادهم {لَشَرَّ مَآبٍ} [ص: 55] وأسوا منقلب ومئاب على عكس المطيعين المتقين. يعني: {جَهَنَّمَ} البعد والخذلان وجحيم الطرد والحرمان {يَصْلَوْنَهَا} ويدخلون فيها بأنواع حسراتهم والزفرات بين أصناف العقارب والحيات، وأنواع الحشرات المصورة لهم من سيئات أعمالهم التي أتوا بها في دار الاختبار ونشأة الاعتبار، وبالجملة: {فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [ص: 56] والفراش مهد أصحاب الجحيم وفراشهم. {هَـٰذَا} منقلبهم ومآبهم، ثم بعدما دخلوا في النار، قيل لهم من قبل الحق لخرنة جهنم: {فَلْيَذُوقُوهُ} أي: كل واحد منهم نزلاً لهم شراباً، هو {حَمِيمٌ} وهو الماء الحار الذي يشوي وجوههم ويخرق أمعاءهم، يسخنه نيران شهواتهم التي أتوا بها على خلاف ما أمر الله وحكم عليه {وَغَسَّاقٌ} [ص: 57] الماء البارد الزمهريري الذي يتجمد في فيهم، وفي أجوافهم، يبرده كمال بلادتهم وجهلهم بالله الحكيم العليم، وبما وضع سبحانه من الحدود والأحكام الصادرة عن محض الحكمة المتقنة المتعلقة لإصلاح أحوالهم، {وَآخَرُ} أيضاً {مِن شَكْلِهِ} أو من جنس الشراب المذوق ومثله، أو "وأُخر" من أنواعه على القراءتين {أَزْوَاجٌ} [ص: 58] أصناف وأنواع، بعضها أسوأ من بعض؛ ليكون عذاباً فوق عذاب. ثم لما اقتحم القادة من أصحاب النار، وأدخلوا أنفسهم عليها خوفاً من الموكلين الذين يسوقوهم نحوها بمقامع من حديد، وازدحم عيبهم أتباعهم على الفور، فضيقوا على القادة مكانهم، وصرخوا على الخزنة من تضييقهم، قال الخزنة لهم بعدما سمعوا صيحتهم وصراخهم: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ} بعدكم، معقبين عليكم مضيقين عليكم، فالتفتوا أثرهم أهؤلاء أتباعنا {مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} ولا يوسع عليهم {إِنَّهُمْ} أيضاً {صَالُواْ ٱلنَّارِ} [ص: 59] أي: داخلوها أمثالنا. ثم لما سمع الأتباع قول قادتهم هذا: {قَالُواْ} على سبيل المعارضة والمخاصمة: {بَلْ أَنتُمْ} أيها الضالون المضلون حقاً أن يقال لكم: {لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} إذ {أَنتُمْ} بشؤم إضلالكم وإغرائكم {قَدَّمْتُمُوهُ} اي: الكفر الذي هو سبب دخول النار، وابتدأتموه أولاً، ثم أغريتمونا بتغريركم وتضليلكم، حتى كفرنا بسعيكم، وابتلينا بها أمثالكم {لَنَا فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} [ص: 60] أي: بئس مقرنا ومقركم جنهم الطرد والحرمان. وبعدما بالغ الأتباع في تعيير القادة وتشنيعهم، تضرعوا نحونا داعين على رؤسائهم؛ حيث {قَالُواْ رَبَّنَا} يا من ربانا على فطرة التوحيد، وأشركناك بشؤم هؤلاء المشركين المضلين، ونرجو من عدلك {مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا} ودلنا عليه بتغريره {فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً} أي: ضعف عذابنا {فِي ٱلنَّارِ} [ص: 61] إذ نحن ضالون، وهم ضالون مضلون. {وَقَالُواْ} أي: الرؤساء القادة بعدما توغلوا في ألوان العذاب على سبيل التحسر والتقريع على أنفسهم: {مَا لَنَا} أي: أي: شيؤء عرض لنا، ولحق بأبصارنا {لاَ نَرَىٰ رِجَالاً} فقراء أراذل بيننا، أحاطتهم أنواع الفاقة والعناء كذلك {كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ} [ص: 62] الأراذل الساقطين عن درجة الاعتبار، وبالغنا في طردهم. حيث {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً} واستهزأنا معهم تهكماً وتقريعاً، لا نرى اليوم منهم أصلاً في النار، أهم مايدخلون النار كما هو دعواهم {أَمْ} هم أيضاً داخلون، لكن {زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار} [ص: 63] أي: مالت عن رؤيتهم أبصارنا، واحتجبوا منَّا؛ يعنون بهؤلاء الرجال: فقراء المسلمين الذين استرذلوهم واستهزءوا معهم. ثم قال سبحانه على سبيل المبالغة والتأكيد: {إِنَّ ذَلِكَ} الذي حكينا عن أهل النار {لَحَقٌّ} مطابق للواقع، لا بدَّ أن يتكلموا به حين دخولهم فيها، وهو {تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} [ص: 64] في النار على الوجه الذي ذُكر.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الطاغين الباغين بقوله تعالى: {هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} [ص: 55]، يشير إلى أن لأهل الطغيان الذين أعرضوا عن الحق تعالى لشر مرجع {جَهَنَّمَ} [ص: 56] البعد والطرد {يَصْلَوْنَهَا} [ص: 56] يوم القيامة، ولكنهم اليوم مهدوا لأنفسهم {فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ * هَـٰذَا} [ص: 56-57]؛ أي: هذا الذي مهدوا اليوم، {فَلْيَذُوقُوهُ} [ص: 57] يوم القيامة، ولكنهم اليوم مهدوا لأنفسهم؛ يعني: قد حصَّلوا اليوم معنى صورته، {حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} [ص: 57] يوم القيامة، ولكن مذاقهم بخلل يجدون ذوق ألم عذاب ما حصَّلوه لسوء أعمالهم فليذوقوه يوم القيامة. {وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} [ص: 58]؛ أي: فنون آخر من مثل ذلك العذاب، يشير به إلى: إن لكل نوع من المعاصي نوعاً آخر من العذاب، كما أن لكل بذر يزرعون يكون له ثمرة تناسب البذر. وكما أخبر عن حال الأتباع والمتبوعين {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} [ص: 59]؛ أي: يسأل الخزنة للمتبوعين، هل دخل الأتباع معكم مرجعكم؟ فإنهم زرعوا ما زرعتم، هل يحصدون معكم ما تحصدون؟ قال المتبوعون: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} [ص: 59]؛ يعني: بالأتباع لا تعذر بما عملنا، وبما عمل الأتباع باتباعهم إياهم {إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ} [ص: 59] معنا، {قَالُواْ} [ص: 60] الأتباع، {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا} [ص: 60] بأمركم ما وافقناكم {فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} [ص: 60] قرارنا وقراركم. وبقوله: {قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ} [ص: 61]، يشير إلى أن للمتبوعين ضعف عذاب الأتباع، عذاب ضلالة أنفسهم، وعذاب إضلال المتابعين لهم، كما قال تعالى: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [النحل: 25].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { هَذَا } الجزاء للمتقين ما وصفناه { وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ } أي: المتجاوزين للحد في الكفر والمعاصي { لَشَرَّ مَآبٍ } أي: لشر مرجع ومنقلب. ثم فصله فقال: { جَهَنَّمَ } التي جمع فيها كل عذاب، واشتد حرها، وانتهى قرها { يَصْلَوْنَهَا } أي: يعذبون فيها عذابا يحيط بهم من كل وجه، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. { فَبِئْسَ الْمِهَادُ } المعد لهم مسكنا ومستقرا. { هَذَا } المهاد، هذا العذاب الشديد، والخزي والفضيحة والنكال { فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ } ماء حار، قد اشتد حره، يشربونه فَيقَطعُ أمعاءهم. { وَغَسَّاقٌ } وهو أكره ما يكون من الشراب، من قيح وصديد، مر المذاق، كريه الرائحة. { وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ } أي: من نوعه { أَزْوَاجٌ } أي: عدة أصناف من أصناف العذاب، يعذبون بها ويخزون بها. وعند تواردهم على النار يشتم بعضهم بعضا، ويقول بعضهم لبعض: { هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ } النار { لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ }. { قَالُوا } أي: الفوج المقبل المقتحم: { بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ } أي: العذاب { لَنَا } بدعوتكم لنا، وفتنتكم وإضلالكم وتسببكم. { فَبِئْسَ الْقَرَارُ } قرار الجميع، قرار السوء والشر. ثم دعوا على المغوين لهم، فـ { قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ }. وقال في الآية الأخرى: {أية : قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ }. تفسير : { وَقَالُوا } وهم في النار { مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ } أي: كنا نزعم أنهم من الأشرار، المستحقين لعذاب النار، وهم المؤمنون، تفقدهم أهل النار - قبحهم اللّه - هل يرونهم في النار؟ { أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الأبْصَارُ } أي: عدم رؤيتنا لهم دائر بين أمرين: إما أننا غالطون في عدنا إياهم من الأشرار، بل هم من الأخيار، وإنما كلامنا لهم من باب السخرية والاستهزاء بهم، وهذا هو الواقع، كما قال تعالى لأهل النار: {أية : إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ }. تفسير : والأمر الثاني أنهم لعلهم زاغت أبصارنا عن رؤيتهم معنا في العذاب وإلا فهم معنا معذبون ولكن تجاوزتهم أبصارنا فيحتمل أن هذا الذي في قلوبهم فتكون العقائد التي اعتقدوها في الدنيا وكثرة ما حكموا لأهل الإيمان بالنار تمكنت من قلوبهم وصارت صبغة لها فدخلوا النار وهم بهذه الحالة فقالوا ما قالوا. ويحتمل أن كلامهم هذا كلام تمويه كما موهوا في الدنيا موهوا حتى في النار ولهذا يقول أهل الأعراف لأهل النار {أية : أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ }. تفسير : قال تعالى مؤكدا ما أخبر به وهو أصدق القائلين { إِنَّ ذَلِكَ } الذي ذكرت لكم { لَحَقٌّ } ما فيه شك ولا مرية { تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):