٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
59
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : ويقال لهم عند دخولهم النار بأتباعهم {هَٰذَا فَوْجٌ } جمع {مُّقْتَحِمٌ } داخل {مَّعَكُمْ } النار بشدّة فيقول المتبوعون {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ } أي لا سعة عليهم {إِنَّهُمْ صَالُو ٱلنَّارِ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَوْجٌ} يدخلونها قوم بعد قوم فالفوج الأول بنو إبليس والثاني بنو آدم"ح"، أو كلاهما بنو آدم الأول الرؤساء والثاني الأتباع أو الأول قادة المشركين ومطعموهم ببدر والثاني أتباعهم ببدر يقول الله ـ تعالى ـ للفوج الأول عند دخول الفوج الثاني {هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} فيقولون {لا مَرْحَباً بِهِمْ} فيقول الفوج الثاني بل أنتم {لا مَرْحَباً بِكُمْ} أو قالت الملائكة لبني إبليس {هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ} إشارة إلى بني آدم لما أدخلوا عليهم فقال بنو إبليس لا مرحباً بهم فقال بنو آدم بل أنتم لا مرحباً بكم {قَدَّمْتُمُوهُ} شرعتموه وجعلتم لنا إليه قدماً، أو قدمتم لنا هذا العذاب بإضلالنا على الهدى، أو قدمتم لنا الكفر، الموجب لعذاب النار {فَبِئْسَ الْقَرَارُ} بئس الدار النار. {مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا} من سنه وشرعه، أو من زينه {مَرْحَباً} المرحب والرحب السعة ومنه الرحبة لسعتها معناه لا اتسعت لكم أماكنكم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ}. هؤلاء قومٌ يقتحمون النارَ معكم وهم أتباعكم، ويقول الأتباع للمتبوعين: لا مرحباً بكم؛ أنتم قدمتموه لنا بأمركم فوافقناكم، ويقولون: {رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ}. فيقال لهم كُلُّكُم فيها، ولن يفترَ العذابُ عنكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {هذا فوج مقتحم معكم} الفوج الجماعة والقطيع من الناس وافاج اسرع وعدا وندّ. قال الراغب الفوج الجماعة المارة المسرعة وهو مفرد اللفظ ولذا قيل مقتحم لا مقتحمون والاقتحام الدخول فى الشىء بشدة والقحمة الشدة. قال فى القاموس قحم فى الامر كنصر قحوما رمى بنفسه فيه فجأة بلا رؤية. والمعنى يقول الخزنة لرؤساء الطاغين اذا دخلوا النار مشيرين الى الاتباع الذين اضلوهم هذا اى الاتباع فوج تبعكم فى دخول النار بالاضطرار كما كانوا قد تبعوكم فى الكفر والضلالة بالاختيار فانظروا الى اتباعكم لم يحصل بينكم وبينهم تناصر وانقطعت مودتكم وصارت عداوة. قيل يضرب الزبانية المتبوعين والاتباع معا بالمقامع فيسقطون فى النار خوفا من تلك المقامع فذلك هو الاقتحام: وبالفارسية [اين كردهست كه در آمدكانند در دوزخ برنج وسختى باشما هركه از روى حرص وشهوت جايى نشيندكه خواهد بجاى كشندش كه نخواهد] {لا مرحبا بهم} مصدر بمعنى الرحب وهو السعة وبهم بيان للمدعو وانتصابه على انه مفعول به لفعل مقدر اى لا يصادفون رحبا وسعة او لا يأتون رحب عيش ولا وسعة مسكن ولا غيره وحاصله لا كرامة لهم او على المصدر اى لا رحبهم عيشهم ومنزلهم رحبا بل ضاق عليهم: وبالفارسية [هيج مرحبا مباد ايشانرا] يقول الرجل لمن يدعوه مرحبا اى اتيت رحبا من البلاء واتيت واسعا وخيرا كثيرا. قال الكاشفى [مرحبا كلمه ايست براى اكرام مهمان ميكويند]. وقال غيره يقصد به اكرام الداخل واظهار المسرة بدخوله ثم يدخل عليه كلمة لا فى دعاء السوء. وفى بعض شروح الحديث التكلم بكلمة مرحبا سنة اقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم حيث قال "حديث : مرحبا يا ام هانى" حين ذهبت الى رسول الله عام الفتح وهى بنت ابى طالب تفسير : اسلمت يوم الفتح ومن ابواب الكعبة باب ام هانى لكون بيتها فى جانب ذلك الباب وقد صح انه عليه السلام عرج به من بيتها كما قال المولى الجامى شعر : جو دولت شد زبد خواهان نهانى سوى دولت سراى ام هانى تفسير : {انهم صالوا النار} تعليل من جهة الخزنة لاستحقاقهم الدعاء عليهم اى داخلون النار باعمالهم السيئة وباستحقاقهم
الجنابذي
تفسير : {هَـٰذَا فَوْجٌ} جملة حاليّة او مستأنفة على تقدير القول {مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} الاقتحام الدّخول فى الشّدّة بنحو الشّدّة يعنى يقال للرّؤساء او لبنى اميّة: هذا السّواد اى المتبوعون او بنو العبّاس فوج مقتحم معكم {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} جملة حاليّة او وصفيّة او مستأنفة جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ او للدّعاء عليهم من كلام الله او من قول الرّؤساء للمتبوعين بتقدير القول {إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ} تعليل وقيل: يقول بنو اميّة: لا مرحباً بهم.
اطفيش
تفسير : {هَذَا فَوْجٌ} أي جمع كثيف وهو أتباعكم* {مُّقْتَحِمٌ} النار* {مَّعَكُمْ} أي داخلوها كما دخلتموها بشدة والاقتحام ركوب الشدة كما كانوا معكم في الضلالة يضرب الجميع بالمقامع حتى يقتحم النار بأنفسهم خوفاً من تلك المقامع فيقول المتبوعون وهم القادة {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} أي لا سعة لهم في قلوبنا ومحبتنا والضمير للاتباع أو الجملة نعت فوج أو حال (مقولا فيهم) لا مرحباً وانما قدرت هذا القول لان الدعاء لا يكون حالاً* {إِنَّهُمْ صَالُواْ النَّارِ} من تمام مقول القادة أي داخلوها كما دخلناها. قال الزمخشري: تعليل للادعاء عليهم. وقيل هذا فوج مقتحم معكم لا مرحباً بهم انهم صالو النار كلام الرؤساء بعضهم لبعض وهم داخلون أولاً والفوج الاتباع وقيل: كلام الخزنة و (صالو) جمع مذكر سالم حذفت نونه للاضافة للنار أصله صاليو بضم الياء ثقل عليها الضم فنقل الى اللام فحذفت لالتقاء الساكنين
اطفيش
تفسير : {هَذا فَوْجٌ} تقول الملائكة للطاغين عند دخول النار أولى من أن يقال: يقول الطاغون بعض لبعض: {هذا فوج} أى جمع كثير {مُقْتحِمٌ} داخل شدة النار، أو متوسط فى النار {مَعَكم} لاتباعهم لكم فى الضلال {لا مَرْحباً بهم} داخل فى الحكاية بالقول المقدر لا على طريق النعت، بل مجرد إخبار أو انشاء، أو على طريق الاخبار والنعت، وان جعل انشاء صح أن يكون مفعولا لنعت محذوف، أى فوج مقول فيهم لا مرحبا بهم، والافراد فى هذا فوج نظر للفظ، والجمع فى بهم نظر للمعنى، ومرحبا اسم لا، وبهم متعلق به، والخبر محذوف، أى عندنا أولهم أولى من تقدير لا أتوا مرحبا أو لا رحبت بهم الدار مرحبا. والمرحب مصدر ميمى بمعنى الوسع لا نفع لنا فيهم، وأن كان القول المقدر من الملائكة، فالمعنى لا رحب لهم فى قلوبنا، أو فى رحمة الله تعالى {إنَّهُم صالُوا النَّار} داخلوها مقاسون حرها، والأصل صاليوا بضم الياء، نقلت ضمتها لنقلها الى اللام فحذفت للساكن، بعددها لفظا وخطا، وحذف الساكن بعدها وهو الواو لفظا لا خطا، والجملة من مقول المقدر بلا قصد تعليل مستأنفة أو نعت آخر لفوج، وان قدر قول قبل لا مرحبا صح أن هذه تعليل له.
الالوسي
تفسير : {هَـٰذَا فَوْجٌ } جمع كثير من أتباعكم في الضلال. {مُّقْتَحِمٌ } راكب الشدة داخل فيها أو متوسط شدة مخيفة {مَّعَكُمْ } والمراد هذا فوج داخل معكم النار مقاس فيها ما تقاسونه، وهذا حكاية ما تقوله ملائكة العذاب لرؤساء الضلال عند دخول النار تقريعاً لهم فهو بتقدير فيقال لهم عند الدخول هذا الخ. وفي "الكشاف" واستظهره أبو حيان أنه حكاية كلام الطاغين بعضهم مع بعض يخاطب بعضهم بعضاً في شأن أتباعهم يقول هذا فوج مقتحم معكم، والظرف متعلق بمقتحم، وجوز فيه أن يكون نعتاً ثانياً لفوج أو حالاً منه لأنه قد وصف أو من الضمير المستتر فيه، ومنع أبو البقاء جواز كونه ظرفاً قائلاً: إنه يلزم عليه فساد المعنى وتبعه الكواشي وصاحب "الأنوار"، وتعقبه صاحب "الكشف" بأنه إن كان الفساد لإنبائه عن تزاحمهم في الدخول وليس المعنى على المزاحمة بين الفريقين الأتباع والمتبوعين لأنهم بعد الدخول يقولون ذلك لا عند المزاحمة غير لازم لأن الاقتحام لا ينبىء عن التزاحم ولا هو لازم له وإنما مثل ضربت معه زيداً ينبىء عن المشاركة في الضرب والمقارنة فكذلك اقتحام المتبوعين النار مع الأتباع ينبىء عن المشاركة في ركوب كل من الطائفتين قحمة النار ومقاساة شدتها في زمان متقارب عرفاً، ولو قيل هذا فوج معكم مقتحمون لم يفد أن المخاطبين أيضاً كذلك وفسد المعنى المقصود، والعجب ممن جوز أن يكون حالاً من ضمير {مُّقْتَحِمٌ } ولم يجوز أن يكون ظرفاً وإن كان بغير ذلك فليفد أولاً ثم ليعترض انتهى. وقال بعضهم: إن وجه فساد الظرفية دون الحالية أنه ليس المراد أنهم اقتحموا في الصحبة ودخلوا فيها بل اقتحموا في النار مصاحبين لكم ومقارنين إياكم، وهو كلام فاسد لا محصل له لأن مدلول مع المعبر عنه بالصحبة معناه الاجتماع في التلبس بمدلول متعلقها فيفيد اشتراك الطائفتين في الاقتحام لا في الصحبة كما توهمه ولا يدل على اتحاد زمانيهما كما صرح به في "المغني"، ولو سلم فهو لتقاربه عد متحداً كما أشير في عبارة "الكشف" إليه فالحق أنه لا فساد. وقوله تعالى: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ } دعاء من المتبوعين على أتباعهم سواء كان قائل ما تقدم الملائكة عليهم السلام أو بعض الرؤساء لبعض أو صفة لفوج أو حال منه لوصفه أو من ضميره، وأياً ما كان يؤول بمقول لهم لا مرحباً لأنه دعاء فهو إنشاء لا يوصف به، وكذا لا يكون حالاً بدون تأويل، والمعنى على استحقاقهم أن يقال لهم ذل لا أنهم قيل لهم ذلك بالفعل، وهو على الوصفية والحالية من كلام الملائكة/ عليهم السلام إن كانوا هم القائلين أو من كلام بعض الرؤساء، وجوز كونه ابتداء كلام منهم و {مَرْحَباً } من الرحب بضم الراء وهو السعة ومنه الرحبة للفضاء الواسع وهو مفعول به لفعل واجب الإضمار و {بِهِمُ } بيان للمدعو عليهم، وتكون الباء للبيان كاللام في نحو سقيا له، وكون اللام دون الباء كذلك دعوى من غير دليل أي ما أتوا بهم رحباً وسعة، وقيل: الباء للتعدية فمجرورها مفعول ثان لأتوا وهو مبني على زعم أن اللام لا تكون للبيان، وكفى بكلام الزمخشري وأبـي حيان دليلاً على خلافه، ويقال: مرحباً بك على معنى رحبت بلادك رحباً كما يقال على معنى أتيت رحباً من البلاد لا ضيقاً؛ ويفهم من كلام بعضهم جواز أن يكون {مَرْحَباً } مفعولاً مطلقاً لمحذوف أي لا رحبت بهم الدار مرحباً، والجمهور على الأول، وأياً ما كان فالمراد بذلك مثبتاً الدعاء بالخير ومنفياً الدعاء بالسوء. {إِنَّهُمْ صَالُو ٱلنَّارِ } تعليل من جهة الملائكة لاستحقاقهم الدعاء عليهم أو وصفهم بما ذكر أو تعليل من الرؤساء لذلك، والكلام عليه يتضمن الإشارة إلى عدم انتفاعهم بهم كأنه قيل: إنهم داخلون النار بأعمالهم مثلنا فأي نفع لنا فلا مرحباً بهم.
ابن عاشور
تفسير : ابتداء كلام حكي به تخاصم المشركين في النار فيما بينهم إذا دخلوها كما دل عليه قوله تعالى في آخره: {أية : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار}تفسير : [ص:64]، وبه فسر قتادة وابن زيد، وجريانه بينهم ليزدادوا مقتاً بأن يضاف إلى عذابهم الجسماني عذاب أنفسهم برجوع بعضهم على بعض بالتنديم وسوء المعاملة. وأسلوب الكلام يقتضي متكلماً صادراً منه، وأسلوبُ المقاولة يقتضي أن المتكلم به هم الطاغون الذين لهم شر المآب لأنهم أساس هذه القضية. فالتقدير: يقولون، أي الطاغون بعضهم لبعض: هذا فوج مقتحم معكم، أي يقولون مشيرين إلى فوج من أهل النار أُقحم فيهم لَيسوا من أكفائهم ولا من طبقتهم وهم فوج الأتباع من المشركين الذين اتبعوا الطاغين في الحياة الدنيا، وذلك ما دل عليه قوله: {أية : أنتم قدمتموه لنا}تفسير : [ص: 60] أي أنتم سبب إحضار هذا العذاب لنا. وهو الموافق لمعنى نظائره في القرآن كقوله تعالى: {أية : كلما دخلت أمة لعنت أختها}تفسير : [الأعراف: 38] إلى قوله: {أية : بما كنتم تكسبون}تفسير : في سورة [الأعراف: 39]، وقوله: {أية : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا}تفسير : في سورة [البقرة: 166]، وقوله: {أية : وأَقْبَلَ بَعْضُهُم عَلىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : الآيات من سورة {الصافات: 27]. وأوضحُ من ذلك كله قوله تعالى في آخر هذه الآية {أية : إنَّ ذٰلِكَ لحقٌّ تخاصم أهلِ النَّارِ}تفسير : [ص: 64]. فجملة القول المحذوف في موضع الحال من الطّاغين. وجملة {هذا فوجٌ} إلى آخرها مقول القول المحذوف. والفوج: الجماعة العظيمة من الناس، وتقدم في قوله: {أية : ويوم نحشر من كل أمة فوجاً}تفسير : في سورة [النمل: 83]. والاقتحام: الدخول في الناس، و (مع) مؤذنة بأن المتكلمين متبوعون، وأن الفوج المقتحم أتباع لهم، فأدخلوا فيهم مدخل التابع مع المتبوع بعلامات تشعر بذلك. وجملة: {لا مرحباً بهم} معترضة مستأنفة لإِنشاء ذم الفوج. و {لاَ مَرْحَباً} نفيٌ لكلمةٍ يقولها المزور لزائره وهي إنشاء دعاء الوافد. و{مرحباً} مصدر بوزن المفعل، وهو الرُّحب بضم الراء وهو منصوب بفعل محذوف دل عليه معنى الرحب، أي أتيت رحباً، أي مكاناً ذا رحب، فإذا أرادوا كراهية الوافد والدعاء عليه قالوا: لا مرحباً به، كأنهم أرادوا النفي بمجموع الكلمة:شعر : لا مرحباً بِغَدٍ ولا أهلاً به إن كان تفريق الأحبة في غدِ تفسير : وذلك كما يقولون في المدح: حبّذا، فإذا أرادوا ذمّاً قالوا: لا حبّذا. وقد جمعهما قول كنزة أمّ شملة المنقري تهجو فيه صاحبة ذي الرمة:شعر : ألا حبّذا أهل الملا غير أنه إذا ذكرت ميَّ فلا حبّذا هيا تفسير : ومعنى الرحب في هذا كله: السعة المجازية، وهي الفرح ولقاء المرغوب في ذلك المكان بقرينة أن نفس السعة لا تفيد الزائر، وإنما قالوا ذلك لأنهم كرهوا أن يكونوا هم وأتباعهم في مكان واحد جرياً على خلق جاهليتهم من الكبرياء واحتقار الضعفاء. وجملة {إنهم صَالُوا النَّارِ} خبر ثان عن اسم الإِشارة، والخبر مستعمل في التضجّر منهم، أي أنهم مضايقوننا في مضيق النار كما أومأ إليه قولهم: {مقتحِم معكم لا مرحباً بهم}.
د. أسعد حومد
تفسير : {صَالُواْ} (59) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ النَّارِ، وَكَيْفَ يَتَنَكَّرُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَكَيْفَ يَتَشَاتَمُونَ وَيَتَلاَعَنُونَ، وَيُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَحِينَمَا يَرَى جَمَاعَةُ الكُبَرَاءِ، الذِينَ دَخَلُوا النَّارَ، فَوْجاً يَدْخُلُهَا مِنَ الأَتْبَاعِ الذِينَ يَعْرِفُونَهُمْ فِي الدُّنْيَا، يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَذَا فَوْجٌ مِنَ الكَفَرَةِ الضَّالينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ مَعَكُمْ، فَلاَ مَرْحَباً بِهِمْ، إِنَّهُمْ َسَيَذُوقُونَ عَذَابَ النَّارِ، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرَهَا. فَوْجٌ - جَمْعٌ كَثِيفٌ. مُقْتَحِمٌ - دَاخِلٌ النَّارَ قَهْراً عَنْهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه الآيات تصور لنا موقفاً من مواقف القيامة دار بين أهل الشر الذين تعاونوا عليه واجتمعوا من أجله، بين الأخلاء على الشر، وهذا الحوار عناصره ثلاثة، هم: الملائكة خَزَنة النار، وزعماء الكفر الذين سبقوا إلى النار، ثم أتباعهم من الذين أضلوهم، يقول الملائكة لزعماء الكفر: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} [ص: 59] يُنبهون أهل النار أن جماعة من أتباعكم قادمة إليكم. ومعنى {مُّقْتَحِمٌ ..} [ص: 59] يعني: داخل النار بشدة وبسرعة، لكن كيف يسرع الداخل وهو داخل إلى النار؟ قالوا: لأنه لا يسير بإرادته، إنما يُجبر على الحضور ويُدفع إلى الدخول رَغْماً عنه، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} تفسير : [الطور: 13]. والفوج هو الجماعة أو الطائفة كما نقول: فوج الحجاج، أو فوج المسافرين. فماذا قال زعماء الكفر الذين هم في النار؟ قالوا: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ} [ص: 59] يعني: لا سعةَ ولا تحيةَ ولا تكريم، هكذا حال الأخلاء على شَرٍّ، ففي الآخرة تنقلب هذه الخُلَّة وهذه الصداقة إلى عداء، ويلعن كل منهم صاحبه، المتبوع يلعن التابع، والتابع يلعن المتبوع، وها هم المتبوعون يقولون لأتباعهم: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ ..} [ص: 59] وعلام نرحب بهم؟ أجاءوا لينقذونا مما نحن فيه؟ أو حتى ليخففوا عنا؟ إنهم جاءوا للنار وللاصطلاء بحرِّها. فردَّ الفوج المقتحم الداخل على قادته وزعمائه الذين أضلوه: {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ..} [ص: 60] أي: الكفر والضلال، يعني: أنتم غَشَشْتمونا وأضللتمونا وأخذتم بأيدينا إلى هذا المصير السيء {أية : فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [المجادلة: 8] الذي صِرْتم وصِرْنا إليه {قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ} [ص: 61]. وفي موضع آخر، يُصوِّر القرآنُ هذا الموقفَ، فيقول حكايةً عن الكافرين: {أية : رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} تفسير : [الأحزاب: 67-68]. فطلبوا لهم ضعفين من العذاب، لأنهم ضَلُّوا في أنفسهم، ثم أضلُّوا غيرهم فاستوجب كل ضلال جزاءً، إذن: لا بُدَّ أنْ يكونَ المتبوعُ أشدَّ عذاباً من تابعه، والحق سبحانه لا يعذِّب عبده بأكثر مما يستحق، لكن هؤلاء يُضَاعَف لهم العذابُ ضِعْفين من ناحية انفكاك الجهة، فضِعف لأنه ضَلَّ في ذاته، وضِعْفَ لأنه أضلَّ غيره. ومعنى: {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ..} [ص: 60] أي: بالإغواء والتزيين وتحسين الضلال وتيسير سُبُله. وفي موضع آخر في سورة البقرة يُبيِّن الحق سبحانه أن الأخلاء على الشر سيتبرأ كل منهم من الآخر: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة: 166-167]. وما أشبه موقفهم هذا بموقف الشيطان حين يقول لأتباعه يوم القيامة: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..} تفسير : [إبراهيم: 22]. هذا إذن مصير الأخلاء على الشر، تنتهي خُلَّتهم بالعداوة واللعن أما الأخلاَّء على الخير فهم أخلاء في الدنيا أخلاء في الآخرة، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزخرف: 67]. كلمة أخلاء جمع خليل، والخُلَّة تعني أنهما تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، تحابَّا حُباً تعدَّى مرحلة اللقاء والعناق إلى أن ذوّب كلاً منهما في الآخر، وكأنه أحدث بينهما تداخلَ ذرات من جسم إلى جسم، وهذا الذي عَبَّر عنه إسماعيل صبري رحمة الله عليه حين قال: شعر : وَلَمَّا التقَيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقُ جُهْدهُ خَليلَيْنِ فَاضَا لَوْعةً وَعِتَابَا كَأنَّ حَبِيباً في خلال حَبيبه تَسرَّبَ أَثْنَاءَ العِنَاقِ وَغَابَا تفسير : لكن كيف يكون تحسين الضلال؟ وكيف يقبل الناسُ الإغواءَ بالباطل؟ قالوا: لأن أيَّ منهج من السماء لا بُدَّ أنْ يصادمَ شهوات النفس ونزواتها، فحين تتغلب الشهواتُ والنزوات على الإنسان يلجأ إلى إله لا منهجَ له ولا أوامرَ ولا نواهيَ، ومن هنا ضَلَّ الناسُ، فعبدوا الأصنام والجمادات، لأن عبادة مثل هذه الآلهة تُشعِرهم بالتديُّن الذي يميل إليه الإنسان بطبعه، فهو إذن متدين. وفي نفس الوقت، ينفلت من قيود المنهج، لأن إلهه لا يأمره بشيء، ولا ينهاه عن شيء؛ لأن العبادة كما قلنا: طاعة العابد للمعبود في أمره ونَهْيه، فالذين عبدوا الأصنام مثلاً أو الشمس أو القمر، بماذا أمرتْهُم هذه الآلهة، وعَمَّ نَهَتم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها؟ وماذا أعدَّتْ لمن كفر بها؟ إذن: فهي آلهة باطلة؛ لأن المعبود بحق له منهج افعل ولا تفعل، عنده الثواب لمَن أطاع، والعقاب لمن يعصى. ثم يلتفت أهل النار لفتة أخرى: {وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):