Verse. 4032 (AR)

٣٨ - ص

38 - Sad (AR)

وَقَالُوْا مَا لَنَا لَا نَرٰى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّہُمْ مِّنَ الْاَشْرَارِ۝۶۲ۭ
Waqaloo ma lana la nara rijalan kunna naAAudduhum mina alashrari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالوا» أي كفار مكة وهم في النار «ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم» في الدنيا «من الأشرار».

62

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ} يعني أكابر المشركين {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ} قال ابن عباس: يريدون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ يقول أبو جهل: أين بلال أين صُهَيْب أين عَمّار أولئك في الفردوس! واعجباً لأبي جهل! مسكين؛ أسلم ابنه عكرمة، وابنته جُوَيرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه، وكفر هو؛ قال:شعر : ونوراً أضاءَ الأرضَ شَرْقاً ومَغْرِباً وموضِعُ رِجلِي مِنْهُ أَسْوَدُ مُظْلِمُ تفسير : {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً} قال مجاهد: أتخذناهم سخريا في الدنيا فأخطأنا {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَـرُ} فلم نعلم مكانهم. قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا؛ اتخذوهم سخريًّا، وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا محقرة لهم. وقيل: معنى {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَـرُ} أي أهم معنا في النار فلا نراهم. وكان ابن كثير والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي يقرؤون «مِنَ الأَشْرَارِ اتَّخَذْنَاهُمْ» بحذف الألف في الوصل. وكان أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وابن عامر يقرؤون «أَتَّخَذْنَاهُمْ» بقطع الألف على الاستفهام وسقطت ألف الوصل؛ لأنه قد استغنى عنها؛ فمن قرأ بحذف الألف لم يقف على «الأَشْرَارِ» لأن «اتَّخَذْنَاهُمْ» حال. وقال النحاس والسجستاني: هو نعت لرجال. قال ابن الأنباري: وهذا خطأ؛ لأن النعت لا يكون ماضياً ولا مستقبلاً. ومن قرأ: «أَتخذناهم» بقطع الألف وقف على «الأَشْرَارِ» قال الفراء: والاستفهام هنا بمعنى التوبيخ والتعجب. «أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ» إذا قرأت بالاستفهام كانت أم للتسوية، وإذا قرأت بغير الاستفهام فهي بمعنى بل. وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة والمفضّل وهبيرة ويحيـى والأعمش وحمزة والكسائي: «سُخْرِيًّا» بضم السين. الباقون بالكسر. قال أبو عبيدة: من كسر جعله من الهزء ومن ضم جعله من التسخير. وقد تقدّم. {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ } «لَحَقٌّ» خبر إنّ و«تَخَاصُمُ» خبر مبتدأ محذوف بمعنى هو تخاصم. ويجوز أن يكون بدلاً من حق. ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر. ويجوز أن يكون بدلاً من ذلك على الموضع. أي إنّ تخاصم أهل النار في النار لحق. يعني قولهم: «لاَ مَرْحبَاً بِكُمْ» الآية وشبهه من قول أهل النار.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالُواْ } أي كفار مكة وهم في النار {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ } في الدنيا {مِّنَ ٱلأَشْرَارِ }.

ابن عطية

تفسير : الضمير في: {قالوا} لأشراف الكفار ورؤسائهم، أخبر الله عنهم أنهم يتذكرون إذا دخلوا النار لقوم من مستضعفي المؤمنين فيقولون هذه المقالة، وهذا مطرد في كل أمة جاءها رسول. وروي أن القائلين من كفار عصر النبي عليه السلام هم أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأهل القليب ومن جرى مجراهم، قاله مجاهد وغيره، والمعنى: كنا نعدهم في الدنيا أشراراً لا خلاق لهم، وأمال الراء {من الأشرار}: أبو عمرو وابن عامر والكسائي، وفتحها ابن كثير وعاصم، وأشم نافع وحمزة. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: {أتخذناهم سخرياً} بألف الاستفهام، ومعناها: تقرير أنفسهم على هذا على جهة التوبيخ لها والأسف، أي أتخذناهم سخرياً ولم يكونوا كذلك، واستبعد معنى هذه القراءة أبو علي. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: "سُخريا" بضم السين، وهي قراءة الأعرج وشيبة وأبي جعفر وابن مسعود وأصحابه ومجاهد والضحاك، ومعناها: من السخرة والاستخدام. وقرأ الباقون: "سِخرياً" بكسر السين وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وعيسى وابن محيصن ومعناها المشهور من السخر الذي هو الهزء، ومنه قول الشاعر [عامر بن الحارث]: [البسيط] شعر : إني أتاني لسان لا أسر بها من علو لا كذب فيها ولا سخر تفسير : وقالت فرقة يكون كسر السين من التسخير. و {أم} في قولهم: {أم زاغت} معادلة لـ {ما} في قولهم: {ما لنا لا نرى} وذلك أنها قد تعادل {ما}، وتعادل من، وأنكر بعض النحويين هذا، وقال: إنها لا تعادل إلا الألف فقط. والتقدير في هذه الآية: أمفقودون هم أم زاغت؟ ومعنى هذا الكلام: أليسوا معنا أم هم معنا؟ ولكن أبصرنا تميل عنهم فلا تراهم، والزيغ: الميل. ثم أخبر الله تعالى نبيه بقوله: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} و: {تخاصم} بدل من قوله: {لحق}. وقرأ ابن أبي عبلة: "تخاصمَ" بفتح الميم. وقرأ ابن محيصن: "تخاصمٌ" بالتنوين "أهلُ النار" برفع اللام. ثم أمر نبيه أن يتجرد للكفار من جيمع الأغراض، إلا أنه منذر لهم، وهذا توعد بليغ محرك للنفوس، وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَا لَنَا لا نَرَى} يقوله أبو جهل وأتباعه {رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم} عماراً وصهيباً وبلالاً وابن مسعود.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأشْرَارِ...} الآية: الضميرُ في {قَالُواْ} لأشْرَافِ الكفارِ ورؤسائِهم، وهذا مطَّرِدٌ في كل أمة، ورُوِيَ أن قائِلي هذه المقالةِ أهْلُ القَلِيبِ؛ كأبِي جَهْلٍ وأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ وعُتْبَةَ بن رَبيعةِ، ومَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ، وأنَّ الرجالَ الذين يشيرون إليهم هم كَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وبِلاَلٍ وصُهَيْبٍ، ومَنْ جَرَىٰ مجراهم، قاله مجاهد وغيره، والمعنى: كنا في الدنيا نَعُدُّهم أشْرَاراً، وقرأ حمزةُ والكسائي وأبو عمرو «ٱتَّخَذْنَاهُمْ» بِصِلَةِ الألِف، على أن يكونَ ذلك في موضِع الصفةِ لرجال، وقرأ الباقونَ «أَتَّخَذْنَاهُمْ» بهمزةِ الاسْتِفْهَامِ، ومعناها: تقريرُ أنفسِهِم على هذا؛ على جهة التوبيخ لها والأسفِ، أي: اتخذناهم سِخْرِيًّا ولم يكونوا كذلك، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «سُخْرِيًّا» ـــ بضم السين ـــ من السُّخْرةِ، والاستخدامِ، وقرأ الباقون: «سِخْرِيًّا» ـــ بكسر السين ـــ، ومعناها المشهورُ من السَّخْرِ الذي هو بمعنى الهُزْءِ، وقولُهُمْ: {أَمْ زَاغَتْ} معادلةٌ لما في قولِهِمْ: {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ} والتقديرُ في هذه الآيةِ: أمَفْقُودُونَ هم أَمْ هُمْ معنا، ولكن زاغَتْ عنهم أبصارنا، فلا نراهم، والزَّيْغُ: المَيْلُ. ثم أخْبَرَ تعالى نبيَّه بقوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} والإشارةُ بقوله تعالى: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ} إلى التوحيد والمَعَادِ، فهي إلى القرآن وجميعِ ما تَضَمَّنَ، وعِظَمُهُ أنَّ التصديقَ بهِ نجاةٌ والتكذيبُ به هَلَكَةٌ، ووبَّخَهُمْ بقوله: {أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ}، ثم أُمِرَ ـــ عليه السلام ـــ أن يقولَ محتجًّا علَىٰ صِحَّةِ رسالتِه: «{مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} لولا أنْ اللَّه أخْبَرَنِي بذلك» والملأ الأعلى أَرَادَ بِهِ: الملائكةَ، واخْتُلِفَ في الشَّيْءِ الذي هُوَ اخْتِصَامُهُمْ فِيه؛ فقالت فرقةٌ: ٱخْتِصَامُهُمْ في شأن آدَمَ: كقولهم: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا }تفسير : [البقرة:30] وَيَدُلُّ على ذلك ما يأتي من الآياتِ، وقالت فرقة: بل اختصَامُهم في الكفَّارَاتِ وَغَفْرِ الذُّنُوبِ، ونحوه فإن العَبْدَ إذا فعل حسنَةً، ٱخْتَلَفَتِ الملائكةُ في قَدْرِ ثوابِهِ في ذلك، حتى يَقْضِيَ اللَّهُ بما شاء، وروي في هذا حديثٌ فَسَّرَهُ ابنُ فُورَكَ يتضمَّنُ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ له ربُّهُ ـــ عزَّ وجلَّ ـــ في نومه: «أتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَىٰ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: ٱخْتَصِمُوا في الْكَفَّارَاتِ والدَّرَجَاتِ، فَأَمَّا الكَفَّارَاتُ: فَإسْبَاغُ الوُضُوءِ في الغَدَوَاتِ البارِدَةِ، ونَقْلُ الأَقْدَامِ إلَى الجَمَاعَاتِ، وَٱنْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، وأَمَّا الدَّرَجَاتُ: فَإفْشَاءُ السَّلامِ، وَإطْعَامُ الطَّعَامِ، وَالصَّلاَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» الحديثَ قال ابن العربيِّ في «أحكامِه»: وقَدْ رَوَاهُ الترمذيُّ صحيحاً، وفيه «قال: سَلْ؛ قَالَ: اللَّهُمَّ، إنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ، وأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً في قَوْمٍ، فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وأَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَعَمَلاً يُقَرِّبُ إلَيَّ حُبِّكَ» قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّهَا حَقٌّ فَٱرْسُمُوَها، ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا» تفسير : انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن مجاهد في قوله ‏ {‏وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار‏}‏ قال‏:‏ ذلك قول أبي جهل بن هشام في النار‏:‏ ما لي لا أرى بلالاً وعماراً وصهيباً وخباباً وفلانا‏ً.‏‏.‏‏!‏ ‏ {‏أتخذناهم سخرياً‏} ‏ وليسوا كذلك ‏{‏أم زاغت عنهم الأبصار‏} ‏ أم هم في النار ولا نراهم‏. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار‏}‏ قال‏:‏ عبد الله بن مسعود ومن معه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن شمر بن عطية ‏{‏وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال أبو جهل في النار‏:‏ أين خباب‏؟‏ أين صهيب‏؟‏ أين بلال‏؟‏ أين عمار‏؟‏‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏{‏وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار‏} ‏ قال‏:‏ فقدوا أهل الجنة ‏ {‏أتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار‏}‏ قال‏:‏ أم هم معنا في النار ولا نراهم ‏ {‏زاغت‏}‏ أبصارنا عنهم فلم ترهم حين أدخلوا النار‏.

القشيري

تفسير : يقول الكفار عندما يدخلون النار: ما لنا لا نرى رجالاً كُنَّا نعدهم في الدنيا من الأشرار والمستضعفين... فَلَسْنَا نراهم ها هنا؟ أهم ليسوا هنا أم زاغت عنهم أبصارُنا؟ يقوله أبو جهل وأصحابُه يعنون بلالاً والمستضعفين، فيُعَرَّفون بأنهم في الفردوس، فتزداد حسراتُهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالوا} اى الطاغون مثل ابى جهل واضرابه: وبالفارسية [وكويند صناديد قريش دردوزخ] {مالنا} [جيست مارا امروز] وما استفهامية مبتدأ ولنا خبره وهو مثل قوله {أية : مالى لا ارى الهدهد} تفسير : فى ان الاستفهام محمول على التعجب لا على حقيقته اذ لا معنى لاستفهام العاقل عن نفسه {لا نرى رجالا} الفعل المنفى حال من معنى الفعل فى مالنا كما تقول مالك قائما بمعنى ما تصنع قائما اى ما نصنع حال كونا غير رائين رجالا. والمعنى أى حال لنا لا نرى فى النار رجالا {كنا} فى الدنيا {نعدّهم من الاشرار} يعنى [از بدان ومردودان] جمع شر وهو الذى يرغب عنه الكل كما ان الخير هو الذى يرغب فيه الكل يعنون فقراء المسلمين كانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم مثل صهيب الرومى وبلال الحبشى وسلمان الفارسى وحباب وعمار وغيرهم من صعاليك المهاجرين الذين كانوا يقولون لهم هؤلاء منّ الله عليهم من بيننا سموهم اشرارا اما بمعنى الاراذل والسفلة الذين لا خير فيهم ولا جدوى كما قال هذا من شر المتاع او لانهم كانوا على خلاف دينهم فكانوا عندهم اشرارا

الجنابذي

تفسير : {وَقَالُواْ} اى الاتباع او بنو العبّاس او قال المتبوعون وبنو اميّة او المجموع {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ} قيل: ثمّ يقول اعداء آل محمّد (ص) ذلك والمراد شيعة امير المؤمنين (ع).

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزارى معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله [تعالى. ر. أ: قول الله عز ذكره]: {ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار} قال: إياكم والله عنى [ر: عنوا] يا معشر الشيعة. فرات قال: حدثنا جعفر بن أحمد [ب: محمد] الأودي معنعناً: عن سماعة بن مهران قال: قال لي أبو عبد الله [عليه السلام. أ] ما حالكم عند الناس؟ قال: قلت: ما أحد [أ: أجد] أسوء حالاً منا عندهم، [نحن عندهم. أ، ب] أشر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا. قال: لا والله لا يرى في النار منكم اثنان لا والله لا واحد وإنكم الذين نزلت فيهم هذه الآية: {وقالوا: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار اتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار}. فرات قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً: عن سليمان الديلمي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه أبو بصير وقد أخذه النفس فلما أن أخذ مجلسه قال له أبو عبد الله [عليه السلام. أ]: يا أبا محمد ما هذا النفس العالي؟ قال: جعلت فداك يا ابن رسول الله كبرت! سني ورق [ب: دق] عظمي واقترب أجلي ولست أدري ما أرد عليه من أمر آخرتي. فقال [أبو عبد الله. أ، ب] يا أبا محمد إنك لتقول هذا!؟ فقال: جعلت فداك وكيف لا أقول هذا فذكر كلاماً ثم قال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله [في كتابه. أ، ب] إذ حكى قول عدوكم [في النار. ر، خ]: {ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار اتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} والله ما [أ: لا] عنا بهذا ولا أراد غيركم إذ صرتم عند هذا العالم شرار الناس فأنتم والله في الجنة تحبرون وهم في النار يصلون.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُواْ} أي كفار مكة وهم في النار أو الطاغون وقيل أشراف الكفار وقيل كفار قريش وقيل القادة المذكورون* {مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأَشْرَارِ} أي الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى وقيل لانهم كانوا على خلاف دينهم ويعنون فقراء المسلمين يسترذلونهم ويستسخرون بهم. وقال مجاهد وغيره: قائل هذه المقالة أهل القليب كأبي جهل وأبيّ ابن خلف وعتبة بن ربيعة ومن جرى مجراهم والرجال الذين يشير اليهم عمار ابن ياسر وخباب وصهيب وبلال وسلمان ونحوهم من فقراء المسلمين {أَتَّخَذْنَاهُمْ} باثبات الهمزة وفتحها لانها همزة قطع للاستفهام وهمزة الفعل محذوفة لانها همزة وصل والاستفهام للانكار على جني أنفسهم وتوبيخ وارجاع لها عن الاستسخار. وقرأ حمزة وأبو عمرو والكسائى بوصل الهمزة الا اذا ابتدوا فانهم يثبتونها مكسورة وعليه فالجملة صفة لـ (رجالا) أو حال من (رجالا) أو من الهاء أو تقدر همزة الاستفهام {سِخْرِيّاً} بضم السين عند نافع وحمزة والكسائي وبكسرها عند غيرهم والياء للنسب أي اتخذناهم أمرهم أمر سخر من سخرنا بهم في الدنيا؛ وقيل: الضم من السخرة والاستخدام والكسر من السخر والاستهزاء* {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ} أم متصلة معادلة لقوله: {ما لنا لا نرى} على أن المراد نفي رؤيتهم لعدم وجودهم معهم فى النار كأنهم قالوا (أليسوا فى النار أم هم فيها وزاغت عنهم أبصارنا) أو متصلة معادلة لقوله (أتخذناهم) على قراءة القطع والاستفهام أو على قراءة الوصل وتقدير الاستفهام ان قدر لدلالة (أم) عليه أي الامرين فعلنا بهم الاستسخار منهم أو تحقيرهم فان زيغ الابصار كناية عن تحقيرهم على معنى انكار الامرين جميعاً مع أنهم فعلوهما جميعاً ويجوز أن تكون منقطعة أي بل استر زلنا لهم والاستسخار منهم كان لزيغ أبصارنا وقصور أنظارنا على رثاثة حالهم والزيغ الميل فانهم خير منا ونحن لا نعلم فمالت أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا

اطفيش

تفسير : {وقالُوا} أى الطاغون الرؤساء بعض لبعض تعجبا وتحسراً، لأنهم الذين قد يراجعون ما كان فى الدنيا من تسمية المؤمنين مطلقا أشراراً استخفافا بالإيمان، أو تسمية المؤمنين الفقراء أشرارا لفقرهم، وأما الأتباع فهم دون إن يستحضروا ذلك، ولو فعلوه فى الدنيا مع الرؤساء، وقيل الضمير لهم، لأن الضمير فى قالوا: " أية : بل أنتم" تفسير : [ص: 60] وفى "أية : قالوا ربنا" تفسير : [ص: 61] لهم {ما لنا} وقوله: {لا نَرَى} حال من نا {رجالاً كُنَّا} فى الدنيا {نَعدُّهم مِن الأشْرار} الذين لا خير فيهم لإيمانهم، أو له ولفقرهم. ووجه قولهم ذلك مع ما شهدوه من فوز المؤمنين فى المحشر أنهم نسوا ذلك الفوز لشدة ما هم فيه من العذاب، وسبب النزول لا يدفع عموم اللفظ، إذ سبب الآية قيل استهزاء رؤساء قريش: كأبى جهل، وأمية بن خلف، وأصحاب القليب لعنهم الله، والهاء لفقراء المؤمنين، كعمار، وصهيب، وسلمان، وخباب، وبلال، وهم الرجال، ولا يقدح ذلك فى عموم اللفظ، مع أنا لا نسلم أن الواو لهؤلاء الكفرة، ورجالا لهؤلاء المؤمنين، بل هما للعموم، من أول.

الالوسي

تفسير : {وَقَالُواْ } الضمير للطاغين عند جمع أي قال الطاغون بعضهم لبعض على سبيل التعجب والتحسر {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا } في الدنيا {نَعُدُّهُمْ مّنَ ٱلاْشْرَارِ } أي الأراذل الذين لا خير فيهم ولا جدوى يعنون بذلك فقراء المؤمنين وكانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم لفقرهم ومخالفتهم إياهم في الدين، وقيل: الضمير لصناديد قريش كأبـي جهل وأمية بن خلف وأصحاب القليب، والرجال عمار وصهيب وسلمان وخباب وبلال وأضرابهم رضي الله تعالى عنهم بناء على ما روي عن مجاهد من أن الآية نزلت فيهم، واستضعف «صاحب الكشف» وسبب النزول لا يكون دليلاً على الخصوص، واستظهر بعضهم أن الضمير للأتباع لأنه فيما قبل يعني قوله تعالى: {أية : قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ }تفسير : [ص: 60] الخ لهم أيضاً، وكانوا أيضاً يسخرون من فقراء المؤمنين تبعاً لرؤسائهم، وأياً ما كان فجملة {كُنَّا } الخ صفة {رِجَالاً }.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : هذا فوجٌ مُقتحمٌ معكُم}تفسير : [ص: 59] على ما قدّر فيه من فعلِ قَول محذوفٍ كما تقدم، فهذا من قول الطاغين فإنهم الذين كانوا يحقِّرون المسلمين. والاستفهام في {ما لنا لا نرى رِجالاً} استفهام يلقيه بعضهم لبعض تلهّفاً على عدم رؤيتهم من عرفوهم من المسلمين مكنًّى به عن ملام بعضهم لبعض على تحقيرهم المسلمين واعترافهم بالخطأ في حسبانهم. فليس الاستفهام عن عدم رؤيتهم المسلمين في جهنم استفهاماً حقيقياً ناشئاً عن ظن أنهم يجدون رجال المسلمين معهم إذ لا يخطر ببال الطاغين أن يكون رجال المسلمين معهم، كيف وهم يعلمون أنهم بضد حالهم فلا يتوهمونهم معهم في العذاب، ويجوز أن يكون الاستفهام حقيقياً استفهموا عن مصير المسلمين لأنهم لم يروهم يومئذٍ، إذ قد علموا أن الناس صاروا إلى عالَم آخر وهو الذي كانوا يُنذرون به، ويكون قولهم: {ما لنا لا نرى رِجالاً} الخ تمهيداً لقولهم: {أتخذناهم سخرِيّاً} على كلتا القراءتين الآتي ذكرهما. و {الأشرار}: جمع شرَ الذي هو بمعنى الأشر، مثل الأخيار جمع خَيْر بمعنى الأَخْيَر، أو هو: جمع شِرِّير ضد الخيِّر، أي الموصوفين بشر الحالة، أي كُنا نحسبهم أشقياء قد خسروا لذة الحياة باتّباعهم الإِسلام ورضاهم بشظف العيش، وهم يعنون أمثال بلال، وعمار بن ياسر، وصهيب، وخباب، وسلمان. وليس المراد أنهم يعدونهم أشراراً في الآخرة مستحقين العذاب فإنهم لم يكونوا يؤمنون بالبعث. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم {أَتَّخَذْناهُم} بهمزة قطع هي همزة الاستفهام، وحذفت همزة الوصل من فعل (اتخذنا) لأنها لا تثبت مع همزة الاستفهام لعدم صحة الوقف على همزة الاستفهام، فجملة {أتخذناهم} بدل من جملة {ما لنا لا نرىٰ رِجالاً}. و {أم} حرف إضراب، والتقدير: بل زاغت عنهم أبصارنا. والزيغ: الميل عن الجهة، أي مالت أبصارنا عن جهتهم فلم تنظرهم. و (أل) في {الأبْصَارُ} عوض عن المضاف إليه، أي أبصارنا، فيكون المعنى: أكان تحقيرنا إياهم في الدنيا خطأ. وكنّى عنه باتخاذهم سخرياً لأن في فعل {أتخذناهم} إيماء إلى أنهم ليسوا بأهل للسخرية، وهذا تندم منهم على الاستسخار بهم. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف {أتخَذْناهُم} بهمزة وصل على أن الجملة صفة {رِجَالاً} ثانية وعليه تكون أم منقطعة للإِضراب عن قولهم {اتخذناهم سِخرياً} أي بل زاغت عنهم الأبصار. والسخريَّ: اسم مصدر سَخِر منه، إذا استهزأ به، فالسخريُّ الاستهزاء، وهو دال على شدة الاستهزاء لأن ياءَه في الأصل ياء نسب وياء النسب تأتي للمبالغة في الوصف. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف بضم السين. وقرأه الباقون بكسر السين كما تقدم في سورة المؤمنين.

د. أسعد حومد

تفسير : (62) - ثُمَّ يَلْتَفِتُ أَهْلُ النَّارِ لِيَبْحَثُوا بِأنْظَارِهِمْ فِي النَّارِ عَنْ فُقَرَاءِ المُؤْمِنِينَ، وَضُعَفَائِهِمْ، الذِينَ كَانُوا يَسْخَرُونَ مِنْهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَعُدُّونَهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ، فَلاَ يَرَوْنَهُمْ فِي النَّارِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لِمَاذَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ أَشْرَاراً فِي الدُّنْيَا، وَكُنَّا نَسْخَرُ مِنْ دَعْوَتِهِمْ إِيَّانَا إِلَى الإِيْمَانِ؟ (وَهُمْ يَقْصُدُونَ فُقَرَاءَ المُؤْمِنِينَ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {وَقَالُواْ} [ص: 62] أي: أهل النار {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً ..} [ص: 62] يعنون أصحاب محمد الذين {كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ} [ص: 62]، كما قال الكفار لسيدنا نوح عليه السلام: {أية : مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} تفسير : [هود: 27] كذلك قال كفار مكة لأتباع محمد من العبيد أمثال بلال وخبّاب وغيرهم. فزعماء الكفر في النار ينظرون حولهم، فلا يجدون هؤلاء الأشرار - معهم - فيتعجَّبون {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ} [ص: 62] أين هم؟ فالحال أنَّا لا نراهم، ثم يعودون إلى أنفسهم فيقولون: {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً ..} [ص: 63] يعني: سخرنا منهم، وقلنا: إنهم أشرار وهم ليسوا أشراراً، فمصيرهم غير مصيرنا {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار} [ص: 63] يعني: هم موجودون معنا، لكن زاغتْ أبصارنا فلا نراهم. وكلمة (سِخْريّاً) من السخرية والاستهزاء، أما سُخرياً بالضم فهي بمعنى الاستغلال والاستذلال من التسخير في الأعمال. ومعنى {زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار} [ص: 63] يعني: مالتْ عنهم، وقولهم {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ ..} [ص: 62] مثل قول سيدنا سليمان في قصة الهدهد: {أية : مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ ..} تفسير : [النمل: 20] فالمعنى أن الهدهد لا بُدَّ أنْ يكونَ موجوداً، لكن المانع عندي في أنْ أراه، ثم استدرك فقال: {أية : أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} تفسير : [النمل: 20]. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} [ص: 64] ولا بُدَّ أنْ يتخاصمَ أهلُ النار لأنهم إما ضَالٌّ وإما مُضِلٌّ فيُلقي كل منهم اللومَ على الآخر ساعةَ يرى المصير الذي صاروا إليه، ثم مَنِ الذي أخبرنا بهذا التخاصم، أخبرنا به القرآن الكريم، والقرآن لم يَقُلْ قضية وخالَفها الواقع. ولك أنْ تلاحظ هذه الحقيقة من واقع القرآن مع المجتمع منذ بَعْث محمد صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحالي، أأخبر الحق سبحانه بقضية، وجاء الواقع مخالفاً لها؟ {أية : فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً ..} تفسير : [فاطر: 43]. فمثلاً في بدر انتصرنا عليهم وقتلنا منهم قَتْلى وأخذنا أَسْرى، ولم يمر عام واحد حتى جاءتْ أُحُد، وفيها سار الكفار من مكة إلى مقربة من المدينة، وكانت المؤشرات تدل على انتصار المسلمين، لكنهم خالفوا منهج الله في عدم طاعتهم أمر رسولهم. وقد كان رسول الله قد أمر الرُّماة ألاَّ يتركوا أماكنهم مهما حدث. فلما رأى الرماة تفوُّق المسلمين وشاهدوا بوادر النصر سالَ لعابهم على الأسْلاب والغنائم، فنزلوا إليها، وتركوا أماكنهم، فاستغلَّ الكفارُ الفرصةَ، والتفُّوا حول المسلمين، وفعلاً (ماعت) المعركة وإنْ كنا لم نُهزم، إلا أننا لم ننتصر، مع أن الله تعالى وعد رسله بالنصر ووعد جنده بالغلبة، فقال سبحانه: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. ومع ذلك كان عدم النصر في أُحُد ظاهِرة صحية في الإيمان؛ لأن المسلمين لو انتصروا مع المخالفة لأمر الرسول لَهَان عليهم أمره بعد ذلك، ولقالوا: خالفناه في أُحُد وانتصرنا، فإذا رأيتَ جندياً للإسلام يُهزم فاعلم أنه خالف التوجيه، إما خالف توجيه الرسول، أو خالف توجيه القائد الموكَّل من الرسول. إذن: سنة الله في النصر لم تتخلف، إنما تخلفتْ الجندية لله تعالى؛ لذلك قُلْنا في أُحُد لم ينتصر المسلمون، لكن انتصر الإسلام وانتصرتْ أوامره. كذلك حذَّرنا الحق سبحانه من الغرور والزَّهْو بالقوة وكثرة العدد، لأن النصر في الحقيقة ليس بكثرة عددكم، إنما النصر من الله، وهذا الدرس أخذناه في غزوة حنين، فأبو بكر نفسه داخله شيء من ذلك حين رأى أعداد المسلمين مقارنةً بأعداد الكافرين، فقال: لن نُهزم اليوم من قِلَّة، فأعطاهم الله درساً لا يُنْسى، وكاد النصر أنْ يكون للكفار، لكن أدركتهم رحمة الله، وحَنَّ الله عليهم في نهاية المعركة وحُسِمتْ لصالح الإسلام. إذن: فالزَّهْو والغرور مخالف لقواعد الجندية فالنصر ليس بالعدد ولا بالعُدَّة، إنما النصر من الله كما قال سبحانه: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [التوبة: 14]. وقال: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ..} تفسير : [الأنفال: 17]. إذن: نقول ما دام أن الله أخبرنا بتخاصم أهل النار فهو حَقٌّ واقع نؤمن بصدقه. ثم أراد الحق سبحانه أن يعطي نبيه صلى الله عليه وسلم حجَّة، فقال: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ} [ص: 62]، يشير إلى تخاصم أهل النار مع أنفسهم، يسخرون بأنفسهم كما كانوا يسخرون بالمؤمنين، فيقولون: {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ} [ص: 62] في جهنم، {رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ} [ص: 62]، وهذا مقام الأشرار. {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً} [ص: 63] وما كانوا من الأشرار، {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار} [ص: 63]، ما لنا لا نراهم معنا هاهنا، {إِنَّ ذَلِكَ} [ص: 64] التخاصم، {لَحَقٌّ} [ص: 64] مع أنفسهم {تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ} [ص: 64] من الندامة، حين لا ينفعهم التخاصم ولا الندامة. وبقوله: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} [ص: 65]، يشير إلى أنه ليس للعباد ملجأ ولا مفر إلا إله واحد لا شريك له؛ ليعز العباد في الله إلى شريكه، وهو قهار يقهر العباد بذنوبهم ومعاصيهم، وليس النبي صلى الله عليه وسلم إلا مخوفهم ومحذرهم من الكفر والمعاصي، ومبشرهم على الإيمان والطاعة، وإن الله {رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ} [ص: 66] بالانتقام من المجرمين، {ٱلْغَفَّارُ} [ص: 66] لمن تاب وآمن وعمل صالحاً. ثم أخبر عن تعظيم النبأ العظيم بقوله تعالى: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} [ص: 67-68]، يشير إلى أن أمر النبوة وما أنبأهم به من أخبار القيامة والحشر، والجنة والنار، هو نبأ عظيم وشأن جسيم، يستدل به على صدقه في دعوى النبوة {أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} [ص: 68]؛ لضلالتكم، وغاية جهالتكم، {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [ص: 69] فيما أخبرتكم من اختصامهم لو لم يكن لي نبوة، {إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ} [ص: 70]؛ أي: ما يوحى {إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [ص: 70]، ظاهر النبوة بالدلائل الواضحة منها: قوله: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} [ص: 71-72] تسوية تصلح لنفخ الروح الخاصة المضافة للحضرة، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 72]؛ لاستحقاقه الخلافة، ومسجود به الملائكة، {فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [ص: 73]؛ لآدم خلافة عن أهل الحق تعالى؛ إذ كان متجلياً فيه فوقعت هيبته على الملائكة فسجدوا له، ولما كان إبليس أعول فلما رأى آثار أنوار التجلي على مشاهدة آدم استكبر، كما قال: {إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} [ص: 74].

همام الصنعاني

تفسير : 2610- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار}: [الآية: 62-63]، يقول: زاغت أبصارنا عنهم، فلم نرهم حين دخلوا النَّارَ.