٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
65
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى في أول السورة أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما دعا الناس إلى أنه لا إله إلا الله واحد، وإلى أنه رسول مبين من عند الله، وإلى أن القول بالقيامة حق، فأولئك الكفار أظهروا السفاهة وقالوا إنه ساحر كذاب واستهزؤا بقوله، ثم إنه تعالى ذكر قصص الأنبياء لوجهين الأول: ليصير ذلك حاملاً لمحمد صلى الله عليه وسلم على التأسي بالأنبياء عليهم السلام في الصبر على سفاهة القوم والثاني: ليصير ذلك رادعاً للكفار على الإصرار على الكفر والسفاهة وداعياً إلى قبول الإيمان، ولما تمم الله تعالى هذه البيانات عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أول السورة وهي تقدير التوحيد والنبوة والبعث، فقال قل يا محمد إنما أنا منذر ولا بد من الإقرار بأنه ما من إله إلا الله الواحد القهار، فإن الترتيب الصحيح أن تذكر شبهات الخصوم أولاً ويجاب عنها ثم نذكر عقيبها الدلائل الدالة على صحة المطلوب، فكذا ههنا أجاب الله تعالى عن شبهتهم ونبه على فساد كلماتهم، ثم ذكر عقيبه ما يدل على صحة هذه المطالب، لأن إزالة ما لا ينبغي مقدمة على إثبات ما ينبغي، وغسل اللوح من النقوش الفاسدة مقدم على كتب النقوش الصحيحة فيه، ومن نظر في هذا الترتيب اعترف بأن الكلام من أول السورة إلى آخرها قد جاء على أحسن وجوه الترتيب والنظم. أما قوله: {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ } يعني أبلغ أحوال عقاب من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد، وأحوال ثواب من أقربها، وكما بدأ في أول السورة بأدلة التوحيد حيث حكى عنهم أنهم قالوا {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً } [ص: 5] فكذلك بدأ ههنا بتقرير التوحيد فقال: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ } وفي هذه الكلمة إشارة إلى الدليل الدال على كونه منزهاً عن الشريك والنظير، وبيانه أن الذي يجعل شريكاً له في الإلهية، إما أن يكون موجوداً قادراً على الإطلاق على التصرف في العالم أو لا يكون كذلك، بل يكون جماداً عاجزاً والأول: باطل لأنه لو كان شريكه قادراً على الإطلاق لم يكن هو قادراً قاهراً، لأن بتقدير أن يريد هو شيئاً ويريد شريكه ضد ذلك الشيء لم يكن حصول أحد الأمرين أولى من الآخر، فيفضي إلى اندفاع كل واحد منهما بالآخر، وحينئذ لا يكون قادراً قاهراً بل كان عاجزاً ضعيفاً، والعاجز لا يصلح للإلهية، فقوله: {إلا aٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ } إشارة إلى أن كونه قهاراً يدل على كونه واحداً وأما الثاني: وهو أن يقال إن الذي جعل شريكاً له لا يقدر على شيء ألبتة مثل هذه الأوثان، فهذا أيضاً فاسد لأن صريح العقل يحكم بأن عبادة الإله القادر القاهر أولى من عبادة الجماد الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً فقوله: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ } يدل على هذه الدلائل، واعلم أن كونه سبحانه قهاراً مشعر بالترهيب والتخويف، فلما ذكر ذلك أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب فقال: {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } فكونه رباً مشعر بالتربية والإحسان والكرم والجود، وكونه غفاراً مشعر بالترغيب، وهذا الموجود هو الذي تجب عبادته، لأنه هو الذي يخشى عقابه ويرجى فضله وثوابه. ونذكر طريقة أخرى في تفسير هذه الآيات، فنقول إنه تعالى ذكر من صفاته في هذا الموضع خمسة الواحد والقهار والرب والعزيز والغفار، أما كونه واحداً فهو الذي وقع الخلاف فيه بين أهل الحق وبين المشركين واستدل تعالى على كونه واحداً بكونه قهاراً وقد بينا وجه هذه الدلالة إلا أن كونه قهاراً وإن دل على إثبات الوحدانية إلا أنه يوجب الخوف الشديد فأردفه تعالى بذكر صفات ثلاثة دالة على الرحمة والفضل والكرم أولها: كونه رباً للسموات والأرض وما بينهما وهذا إنما تتم معرفته بالنظر في آثار حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض والعناصر الأربعة والمواليد الثلاثة، وذلك بحر لا ساحل له فإذا تأملت في آثار حكمته ورحمته في خلق هذه الأشياء عرفت حينئذ تربيته للكل وذلك يفيد الرجاء العظيم وثانيها: كونه عزيزاً والفائدة في ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومربي وكريم إلا أنه غير قادر على كل المقدورات، فأجاب عنه بأنه عزيز أي قادر على كل الممكنات فهو يغلب الكل ولا يغلبه شيء وثالثها: كونه غفاراً والفائدة في ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومحسن ولكنه يكون كذلك في حق المطيعين المخلصين في العبادة، فأجاب عنه بأن من بقي على الكفر سبعين سنة ثم تاب فإني أزيل اسمه عن ديوان المذنبين وأستر عليه بفضلي ورحمتي جميع ذنوبه وأوصله إلى درجات الأبرار، واعلم أنه تعالى لما بين ذلك قال: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } وهذا النبأ العظيم يحتمل وجوهاً فيمكن أن يكون المراد أن القول بأن الإله واحد نبأ عظيم، ويمكن أن يقال المراد أن القول بالنبوة نبأ عظيم، ويمكن أن يقال المراد أن القول بإثبات الحشر والنشر والقيامة نبأ عظيم، وذلك لأن هذه المطالب الثلاثة كانت مذكورة في أول السورة ولأجلها أنجز الكلام إلى كل ما سبق ذكره، ويمكن أيضاً أن يكون المراد كون القرآن معجزاً لأن هذا أيضاً قد تقدم ذكره في قوله: {أية : كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لّيَدَّبَّرُواْ ءايَـٰتِهِ } تفسير : [ص: 29] وهؤلاء الأقوام أعرضوا عنه على ما قال {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } واعلم أن قوله: {أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } ترغيب في النظر والاستدلال ومنع من التقليد، لأن هذه المطالب مطالب شريفة عالية، فإن بتقدير أن يكون الإنسان فيها على الحق يفوز بأعظم أبواب السعادة، وبتقدير أن يكون الإنسان فيها على الباطل وقع في أعظم أبواب الشقاوة فكانت هذه المباحث أنباء عظيمة ومطالب عالية بهية، وصريح العقل يوجب على الإنسان أن يأتي فيها بالاحتياط التام وأن لا يكتفي بالمساهلة والمسامحة. أما قوله تعالى: {مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فاعلم أنه تعالى رغب المكلفين في الاحتياط في هذه المسائل الأربعة، وبالغ في ذلك الترغيب من وجوه: الأول: أن كل واحد منها نبأ عظيم، والنبأ العظيم يجب الاحتياط فيه الثاني: أن الملأ الأعلى اختصموا وأحسن ما قيل فيه أنه تعالى لما قال: {أية : إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 30] والمعنى أنهم قالوا أي فائدة في خلق البشر مع أنهم يشتغلون بقضاء الشهوة وهو المراد من قوله: {مَن يُفْسِدُ فِيهَا } وبإمضاء الغضب وهو المراد من قوله: {وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ } فقال الله سبحانه وتعالى: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وتقرير هذا الجواب، والله أعلم، أن يقال إن المخلوقات بحسب القسمة العقلية على أقسام أربعة: أحدها: الذين حصل لهم العقل والحكمة، ولم تحصل لهم النفس والشهوة وهم الملائكة فقط ثانيها: الذين حصل لهم النفس والشهوة، ولم يحصل لهم العلم والحكمة وهي البهائم وثالثها: الأشياء الخالية عن القسمين، وهي الجمادات وبقي في التقسيم قسم رابع: وهو الذي حصل فيه الأمران وهو الإنسان والمقصود من تخليق الإنسان ليس هو الجهل والتقليد والتكبر والتمرد فإن كل ذلك صفات البهائم والسباع بل المقصود من تخليقه ظهور العلم والحكمة والطاعة، فقوله {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } يعني أن هذا النوع من المخلوقات، وإن حصلت فيه الشهوة الداعية إلى الفساد والغضب الحامل له على سفك الدماء، لكن حصل فيه العقل الذي يدعوه إلى المعرفة والمحبة والطاعة والخدمة، وإذا ثبت أنه تعالى إنما أجاب الملائكة بهذا الجواب وجب على الإنسان أن يسعى في تحصيل هذه الصفات، وأن يجتهد في اكتسابها، وأن يحترز عن طريقة الجهل والتقليد والإصرار والتكبر، وإذا كان كذلك فكل من وقف على كيفية هذه الواقعة صار وقوفه عليها داعياً له إلى الجد والاجتهاد في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة زاجراً له عن أضدادها ومقابلاتها، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذا الكلام في هذا المقام. فإن قيل الملائكة لا يجوز أن يقال إنهم اختصموا بسبب قولهم: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء } تفسير : [البقرة: 30] فإن المخاصمة مع الله كفر، قلنا لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب، وذلك يشابه المخاصمة والمناظرة والمشابهة علة لجواز المجاز، فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه، ولما أمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم لم يذكر هذا الكلام على سبيل الرمز أمره أن يقول: {إِن يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } يعني أنا ما عرفت هذه المخاصمة إلا بالوحي، وإنما أوحى الله إليّ هذه القصة لأنذركم بها ولتصير هذه القصة حاملة لكم على الإخلاص في الطاعة والاحتراز عن الجهل والتقليد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ} أي مخوف عقاب الله لمن عصاه وقد تقدّم. {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ} أي معبود {إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} الذي لا شريك له {رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } بالرفع على النعت وإن نصبت الأول نصبته. ويجوز رفع الأول ونصب ما بعده على المدح. «وَالْعَزِيزُ» معناه المنيع الذي لا مثل له. «الغَفَّارُ» الستار لذنوب خلقه. قوله تعالى: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ } أي وقل لهم يا محمد: «هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ» أي ما أنذركم به من الحساب والثواب والعقاب خبر عظيم القدر فلا ينبغي أن يُستخَّف به. قال معناه قتادة. نظيره قوله تعالى: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ }تفسير : [النبأ: 1 ـ 2]. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني القرآن الذي أنبأكم به خبر جليل. وقيل: عظيم المنفعة {أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }. قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } الملأ الأعلى هم الملائكة في قول ابن عباس والسّدي اختصموا في أمر آدم حين خلق فـ{أية : قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}تفسير : [البقرة: 30] وقال إبليس: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} وفي هذا بيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم وغيره، وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلٰهي؛ فقد قامت المعجزة على صدقه، فما بالهم أعرضوا عن تدبر القرآن ليعرفوا صدقه؛ ولهذا وصل قوله بقوله: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }. وقول ثان رواه أبو الأشهب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سألني ربي فقال يا محمد فِيم اختصم الملأ الأعلى قلت في الكفارات والدرجات قال وما الكفارات قلت المشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السَّبْرَات والتعقيب في المساجد بانتظار الصلاة بعد الصلاة قال وما الدرجات قلت إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام» تفسير : خرجه الترمذي بمعناه عن ابن عباس، وقال فيه حديث غريب. وعن معاذ بن جبل أيضاً وقال حديث حسن صحيح. وقد كتبناه بكماله في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، وأوضحنا إشكاله والحمد لله. وقد مضى في «يس» القول في المشي إلى المساجد، وأن الخُطَا تكفّر السيئات، وترفع الدرجات. وقيل: الملأ الأعلى الملائكة والضمير في «يَخْتَصِمُونَ» لفرقتين. يعني قول من قال منهم الملائكة بنات الله، (ومن قال آلهة تعبد). وقيل: الملأ الأعلى هاهنا قريش؛ يعني اختصامهم فيما بينهم سِرًّا، فأطلع الله نبيه على ذلك. {إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي إن يوحى إليّ إلا الإنذار. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «إِلاَّ إِنَّمَا» بكسر الهمزة؛ لأن الوحي قول، كأنه قال: يقال لي إنما أنت نذير مبين، ومن فتحها جعلها في موضع رفع؛ لأنها اسم ما لم يسمّ فاعله. قال الفراء: كأنك قلت ما يوحى إليّ إلا الإنذار، النحاس: ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى إلا لأنما. والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار بالله، المشركين به، المكذبين لرسوله: إنما أنا منذر، لست كما تزعمون، {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ} أي: هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه {رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي: هو مالك جميع ذلك، ومتصرف فيه، {ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ} أي غفار مع عظمته وعزته { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ} أي: خبر عظيم، وشأن بليغ، وهو إرسال الله تعالى إياي إليكم { أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} أي: غافلون، قال مجاهد وشريح القاضي والسدي في قوله عز وجل: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ} يعني: القرآن. وقوله تعالى: { مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} أي: لولا الوحي، من أين كنت أدري باختلاف الملأ الأعلى؟ يعني: في شأن آدم عليه الصلاة والسلام، وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه في تفضيله عليه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا جهضم اليمامي عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن أبي سلام عن أبي سلام عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ رضي الله عنه قال: احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة من صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج صلى الله عليه وسلم سريعاً، فثوب بالصلاة، فصلى وتجوز في صلاته، فلما سلم قال صلى الله عليه وسلم «حديث : كما أنتم على مصافكم» تفسير : ثم أقبل إلينا فقال: «حديث : سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي، حتى استيقظت فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة، فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب ــــ أعادها ثلاثاً ــــ فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري، فتجلى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات. قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام في الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك ــــ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها حق فادرسوها وتعلموها» تفسير : فهو حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة فقد غلط، وهو في السنن من طرق، وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليمامي به، وقال الحسن: صحيح. وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن، فإن هذا قد فسر، وأما الاختصام الذي في القرآن، فقد فسر بعد هذا، وهو في قوله تعالى:
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } يا محمد لكفار مكة {إِنَّمآ أَنَاْ مُنذِرٌ } مخوّف بالنار {وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ } لخلقه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ هو نبأ عظيم} فيه قولان: أحدهما: أنه القيامة لأن الله تعالى قد أنبأنا بها في كتبه. والقول الثاني: هو القرآن، قاله مجاهد والضحاك والسدي. {أنتم عنه معرضون} قال الضحاك أنتم به مكذبون. قال السدي: يريد به المشركين. وفي تسميته نبأ وجهان: أحدهما: لأن الله أنبأ به فعرفناه. الثاني: لأن فيه أنباء الأولين. وفي وصفه بأنه عظيم وجهان: أحدهما: لعظم قدره وكثرة منفعته. الثاني: لعظيم ما تضمنه من الزواجر والأوامر. قوله عز وجل: {ما كان لي من عِلم بالملإِ الأعلى} قال ابن عباس يعني الملائكة. {إذ يختصمون} فيه وجهان: أحدهما: في قوله تعالى للملائكة: {إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها} الآية. فهذه الخصومة، قاله ابن عباس. الثاني: ما رواه أبو الأشهب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سألني ربي فقال يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قلت في الكفارات والدرجات، قال وما الكفارات؟ قلت المشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في السبرات، والتعقيب في المساجد انتظار الصلوات بعد الصلوات. قال وما الدرجات؟ قلت إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بليل والناس نيام ".
ابن عادل
تفسير : قوله: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ} لما شرح الله نعيمَ أهلِ الثَّوَابِ وعقابَ أهلِ العقاب عاد إلى تقرير التوحيد والنبوة والبعث المذكورين أول السورة فقال: قُلْ يا محمد إنما أَنا مُنْذِرٌ مخوف ولا بد من الإقرار بأنه ما من إله إلا الله الواحد القهار فكونه واحداً يدل على عدم التشريك وكونه قهاراً مشعر بالترهيب والتخويف ولما ذكر ذلك أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب فقال: {رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ} فكونه ربًّا يشعر بالتربية والإحسان والكرم والجود وكونه غفاراً يشعر بأن العبد لو أقدر على المعاصي والذنوب فإنه يغفر برحمته. وهذا الموصوف هو الذي (يجب عبادته لأنه هو الذي يخشى عقابه ويُرْجَى ثوابه ويجوز أن يكون) "رب السموات" خبر مبتدأ مضمر، وفيه معنى المدح. قوله: "هُوَ نَبَأٌ" (هو) يعود على القرآن وما فيه من القصص والأخبار، وقيل: على تخاصم أهل النار وقيل: على ما تقدم من إخباره - صلى الله عليه وسلم - بأنه نذير مبين وبأن الله إله واحدٌ متصف بتِلْكَ الصفات الحُسْنَى و {أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} صفة "لنبأ"، أو مستأنفة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد بالنبأ العظيم القرآن، وقيل: القيامة لقوله: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [النبأ: 1و 2]. قال ابن الخطيب: هذا النبأ العظيم يحتمل وجوهاً: فيمكن أن يكون المراد به القول بأن "الإله" واحد، وأن يكون المراد القول بإثبات الحشر والقيامة نبأ عظيم ويمكن أن يكون المراد (كون) القرآن معجزاً لتقدم ذكره في قوله: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ} تفسير : [ص:29]، وهؤلاء الأقوام أعراضوا عنه. قوله: {أية : مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [ص:69] يعني الملائكة فقوله: "بالمَلإ الأَعْلَى" متعلق بقوله: "مِنْ عِلْمٍ" وضمن معنى الإحاطة فلذلك تعدي بالباء. و (قد) تقدم تحقيقه.
البقاعي
تفسير : ولما كانت قد جرت عادتهم عند التخويف أن يقولوا: عجل لنا هذا إن كنت صادقاً فينا ادعيت، ومن المقطوع به أنه لا يقدر على ذلك إلا الإله فصاروا كأنهم نسبوه إلى أنه ادعى الإلهية، قال تعالى منبهاً على ذلك آمراً له بالجواب: {قل} أي لمن يقول لك ذلك: {إنما أنا منذر} أي مخوف لمن عصى، ولم أدّع أني إله، ليطلب مني ذلك فإنه لا يقدر على مثله إلا الإله، فهو قصر قلب للموصوف على الصفة، وأفرد قاصراً للصفة في قوله: {وما} وأعرق في النفي بقوله: {من إله} أي معبود بحق لكونه محيطاً بصفات الكمال. ولما كان السياق للتوحيد الذي هو أصل الدين، لفت القول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه وأبين فقال: {إلا الله} وللإحاطة عبر بالاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى ولو شاركه شيء لم يكن محيطاً وللتفرد قال مبرهناً على ذلك: {الواحد} أي بكل اعتبار فلا يمكن أن يكون له جزء أو يكون له شبيه محتاجاً مكافئاً {القهار *} أي الذي يقهر غيره على ما يريد، وهذا برهان على أنه الإله وحده وأن آلهتهم بعيدة عن استحقاق الإلهية لتعددها وتكافئها بالمشابهة واحتياجها. ولما وصف نفسه سبحانه بذلك، دل عليه بقوله: {رب السماوات} أي مبدعها وحافظها على علوها وسعتها وإحكامها بما لها من الزينة والمنافع، وجمع لأن المقام للقدرة، وإقامة الدليل على تعددها سهل {والأرض} على سعتها وضخامتها وكثافتها وما فيها من العجائب. ولما كان القائل مخيراً كما قال ابن مالك في الكافية الشافية عند اختلاط العقلاء بغيرهم في إطلاق ما شاء من "مَن" التي أغلب إطلاقها على العقلاء و "ما" التي هي بعكس ذلك، وكان ربما وقع في وهم أن تمكنه تعالى من العقلاء دون تمكنه من غيرهم لما لهم من الحيل التي يحترزون بها عن المحذور، وينظرون بها في عواقب الأمور، أشار إلى أن حكمه فيهم كحكمه في غيرهم من غير فرق بالتعبير عنهم بـ "ما" التي أصلها وأغلب استعمالها لمن لا يعقل، وسياق العظمة بالوحدانية وآثارها دال على دخولها في العبادة قطعاً فقال: {وما بينهما} أي الخافقين من الفضاء والهواء وغيرهما من العناصر والنبات والحيوانات العقلاء وغيرها، ربي كل شيء من ذلك إيجاداً وإبقاء على ما يريد وإن كره ذلك المربوب، فدل ذلك على قهره، وتفرده في جميع أمره. ولما كان السياق للإنذار، كرر ما يدل على القهر فقال: {العزيز} أي الذي يعز الوصول إليه ويغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، ولما ثبت أنه يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، وكانت دلالة الوصفين العظيمين على الوعيد أظهر من إشعارها بالوعد، كان موضع قولهم، فما له لا يعجل بالهلاك لمن يخالفه فقال: {الغفار *} أي المكرر ستره لما يشاء من الذنوب حلماً إلى وقت الماحي لها بالكلية بالنسبة إلى من يشاء من العباد كما فعل مع أكثر الصحابة رضي الله عنهم حيث غفر لهم ما اقترفوه قبل الإسلام. ولما ثبت بهذا وحدانيته وقدرته ولم يزعهم ذلك عن ضلالهم، ولا ردهم عن عتوهم ومحالهم، مع كونه موجباً لأن يقبل كل أحد عليه ولا يعدل أبداً عنه، قال آمراً له بما ينبههم على عظيم خطئهم: {قل هو} أي هذا الأمر الذي تلوته عليكم من الأخبار عن الماضي والآتي من القيامة المشتملة على التخاصم المذكور وغيرها والأحكام والمواعظ، فثبت بمضمونه الوحدانية، وتحقق بإعجازه مع ثبوت الوحدانية وتمام القدرة وجميع صفات الكمال أنه كلام الله: {نَبَأٌ عظيم *} أي خبر يفوت الوصف في الجلال والعظم بدلالة العبارة والصفة لا يعرض عن مثله إلا غافل لا وعي له ولا شيء من رأى. ولما كانوا يدعون أنهم أعظم الناس إقبالاً على الغرائب، وتنقيباً عن الدقائق والجلائل من المناقب، بكتهم بقوله واصفاً له: {أنتم عنه} أي خاصة لا عن غيره والحال أن غيره من المهملات, ولما كان أكثرهم متهيئاً للإسلام والرجوع عن الكفران لم يقل: مدبرون، ولا "يعرضون" بل قال: {معرضون *} أي ثابت لكم الإعراض في هذا الحين، وقد كان ينبغي لكم الإقبال عليه خاصة والإعراض عن كل ما عداه لأن في ذلك السعادة الكاملة، ولو أقبلتم عليه بالتدبر لعلمتم قطعاً صدقي وأني ما أريد بكم إلا السعادة في الدنيا والآخرة، فبادرتم الإقبال إليّ والقبول لما أقول. ولما قصر نفسه الشريفة على الإنذار، وكانوا ينازعون فيه وينسبونه إلى الكذب، دل على صدقه وعلى عظيم هذا النبأ بقوله: {ما كان لي} وأعرق في النفي بالتأكيد في قوله: {من علم} أي من جهة أحد من الناس كما تعرفون ذلك من حالي له إحاطة ما {بالملإ} أي الفريق المتصف بالشرف {الأعلى} وهم الملائكة أهل السماوات العلى وآدم وإبليس، وكأن مخاطبة الله لهم كانت بواسطة ملك كما هو أليق بالكبرياء والجلال، فصح أن المقاولة بين الملأ {إذ} أي حين، ولما أفرد وصف الملأ إيذاناً بأنهم في الاتفاق في علو رتبة الطاعة كأنهم شيء واحد، جمع لئلا يظن حقيقة الوحدة فقال: {يختصمون *} أي في شأن آدم عليه السلام، أول خليفة في الأرض بل الخليفة المطلق، لأن خلافه أولاده من خلافته، وفي الكفارات الواقعة من بينه، كما أنه ما كان لي من علم بأهل النار إذ يختصمون، ولا بالخصم الذين دخلوا على داود عليه السلام الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض إذ يختصمون، وقد علمت ذلك علماً مطابقاً للحق بشهادة الكتب القديمة وأنتم تعلمون أني لم أخالط عالماً قط، فهذا علم من أعلام النبوة واضح في أني لم أعلم ذلك إلا بالوحي لكوني رسول الله وعبر هنا بالمضارع - وإن كان قد وقع ومضى من أول الدهر - تذكيراً بذلك الحال وإعلاماً بما هم فيه الآن من مثله في الدرجات، كما سيأتي قريباً في الحديث القدسي، وعبر في تخاصم أهل النار - وهو لم يأت - بالماضي تنبيهاً على أن وقوعه مما لا ريب فيه، فكأنه وقع وفرغ منه لأنه قد فرغ من قضائه من لا يرد له قضاء، لأنه الواحد فلا شريك له ولا منازع. ولما كانوا ربما قالوا في تعنتهم: فلعله مثل ما أوحي إليك بعلم ما لم تكن تعلم، يوحي إليك بالقدرة على ما لم تكن تقدر عليه، فتعجل لنا الموت ثم البعث لنرى ما أخبرتنا به من التخاصم مصوراً، لعلناً نصدقك فيما أتيت به، قال مجيباً لهم قاصراً للوحي على قصره على النذارة وهي إبلاغ ما أنزل إليه، لا تعجيل شيء مما توعدوا به: {إن} أي ما {يوحى} أي في وقت من الأوقات، وبناه للمفعول لأن ذلك كاف في تنبيههم على موضع الإشارة في أن دعواه إنما هي النبوة لا الإلهية {إليّ إلا} ولما كان الوحي قولاً قرأ أبو جعفر بكسر {إنما أنا نذير} أي قصري على النذارة لا أني أنجز ما يتوعد به الله؛ فإنما مفعول يوحى القائم مقام الفاعل في القراءتين وإن اختلف التوجيهان فالتقدير على قراءة الجماعة بالفتح: إلا الإنذار أو إلا كوني نذيراً، وعلى قراءة الكسر: إلا هذا القول وهو أني أقول لكم كذا {مبين *} أي لا أدع لبساً فيما ابلغه بوجه من الوجوه.
السيوطي
تفسير : أخرج النسائي ومحمد بن نصر والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة رضي الله عنها قالت: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل قال: لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار ".
القشيري
تفسير : قل يا محمد: إنما أنا مُنْذِرٌ مخوِّفٌ، مُبَلِّغٌ رسالةَ ربي، وما من إلهٍ إلا الله الواحد الذي لا شريك له.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} يا محمد لمشركى مكة {انما انا منذر} رسول منذر من جهته تعالى انذركم واحذركم عذابه على كفركم ومعاصيكم وقل ايضا {وما من اله} فى الوجود {الا الله الواحد} الذى لا يقبل الشركة والكثرة اصلا اى لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى افعاله فلا ملجأ ولا مفرّ الا اليه يعنى من عرف انه الواحد افرد قلبه له فكان واحدا به وقد فسر قوله عليه السلام "حديث : ان الله وتر يحب الوتر" تفسير : يعنى القلب المنفرد له شعر : اذا كان ما تهواه فى الحسن واحدا فكن واحدا فى الحب ان كنت تهواه تفسير : ومن خاصية هذا الاسم ان من قرأه الف مرة خرج الخلائق من قلبه {القهار} لكل شىء سواه ومن الاشياء آلهتهم فهو يغلبهم فكيف تكون له شركاء وايضا يقهر العباد بذنوبهم ومعاصيهم. قال الكاشفى [قهر كننده كه بناى آمال را بقواصف آجال درهم شكند باشركت متوهم وكثرت بى اعتبار را فى نفس الامر وجود ندارد درنظر عارف مضمحل ومتلاشى سازد] شعر : غيرتش غيردرجهان نكذاشت وحدتش اسم اين وآن برداشت كم شود جمله ظلمت بندار نزد انوار واحد قهار تفسير : يقول الفقير سمعت من فى حضرة شيخى وسندى قدس سره يقول فى هذه الآية ترتيب انيق فان الذات الاحدية تدفع بوحدتها الكثرة وبقهرها الآثار فيضمحل الكل فلا يبقى سواه تعالى. قال بعضهم القهار الذى له الغلبة التامة على ظاهر كل امر وباطنه ومن عرف قهره لعباده نسى مراد نفسه لمراده فكان له وبه لا لأحد سواه ولا شىء دونه. وخاصية هذا الاسم اذهاب حب الدنيا وعظمة ما سوى الله تعالى عن القلب ومن اكثر ذكره ظهرت له آثار القهر على عدوه ويذكر عند طلوع الشمس وجوف الليل لاهلاك الظالم بهذه الصفة يا جبار يا قهار يا ذا البطش الشديد مرة ثم تقول خذ حقى ممن ظلمنى وعدا علىّ. وفى الاربعين الادريسية يا قاهر ذا البطش الشديد الذى لا يطاق انتقامه يكتب على جام صينى لحل المعقود وعلى ثوب الحرب فى وقته لقهر الاعداء وغلبة الخصوم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قُلْ} يا محمد للمشركين: {إِنما أنا مُنذِر} من جهته تعالى، أُنذركم عذابه، {وما من إِلهٍ} في الوجود {إِلا اللهُ الواحدُ} الذي لا يقبل الشركة أصلاً، {القهَّارُ} لكل شيء سواه، {ربُّ السماواتِ والأرضِ وما بينهما} من المخلوقات، فكيف يتوهم أن يكون له شريك منها، {العزيزُ}؛ الذي لا يغلب {الغفارُ}؛ المبالغ في المغفرة لمَن يشاء. وفي هذه النعوت من تقرير التوحيد، والوعد للموحِّدين، والوعيد للمشركين، ما لا يخفى. وتثنية ما يُشعر بالوعيد من وصف القهر والعزة وتقديمهما على وصف المغفرة؛ لتقوية الإنذار. {قل هو} أي: ما نبأتكم به من كوني رسولاً، وأنَّ الله واحد لا شريك له، {نبأٌ عظيمٌ}؛ وارد من جهته تعالى، لا يُعرِض عن مثله إلا غافل منهمك. {أنتم عنه معرضون}؛ غافلون، وعن ابن عباس: النبأ العظيم: القرآن. وعن الحسن: يوم القيامة. وتكرير الأمر للإيذان بأن المقول أمرٌ جليل، له شأن خطير، لا بد من الاعتناء به، أمراً وائتماراً. {ما كان لِيَ من عِلْم بالملأِ الأعلى إِذْ يختصمون}، احتجاج على صحة نبوته، بأن ما ينبىء به عن الملأ الأعلى، واختصامهم، أمر غيبي، لم يكن له به علم قطّ، ثم علمه وأخبر به، ولم يسلك الطريق الذي سلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ عن أهل العلم، ودراسة الكتب، فتحقق أن ذلك لم يحصل له إلا بالوحي من الله تعالى. والملأ الأعلى هم الملائكة، وآدم، وإبليس؛ لأنهم كانوا في السماء، وكان اختصامهم: التقاول بينهم، كقولهم: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا...} تفسير : [البقرة: 30] الخ، وكقول إبليس: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ...}تفسير : [الأعراف: 12 و ص: 76] الخ، ويدل عليه ما يأتي من الآيات. وقيل: اختصامهم في الكفارات وغفران الذنوب، فإن العبد إذا فعل حسنة اختلفت الملائكة في قدر ثوابه، حتى يقضي الله ما شاء. ورُوي في هذا حديث، وهو أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال له ربه ـ عزّ وجل ـ في النوم: "حديث : أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، قال: اختصموا في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات فإسباغ الوضوء على المكاره، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وأما الدرجات؛ فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام"تفسير : . رواه الترمذي. و {إِذ يختصمون}: متعلق بمحذوف يقتضيه المقام؛ إذ المراد نفي علمه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بحالهم لا بذواتهم، والتقدير: ما كان لِيَ فيما سبق علم بما يوحيه في شأن الملأ الأعلى وقت اختصامهم. وانظر أبا السعود. {إِن يُوحَى إِليَّ أَنَّما أنا نذير مبينٌ} أي: ما يُوحى إليَّ ما يوحى من الأمور الغيبية، التي من جملتها حال الملأ الأعلى، إلا لأنما أنا نذير مبين من جهته تعالى، فحذف اللام وانتصب بإيصال الفعل إليه، ويجوز أن يرتفع بالنيابة عن الفاعل، أي: ما يوحى إليّ إلا هذا، وهو أن أُنذر وأُبلّغ، ولا أُفرط في ذلك، أي: ما أومرَ إلا بهذا الأمر وحده، وليس إليَّ غير ذلك. وقرىء بكسر "إنما" على الحكاية، أي: إلا هذا القول، وهو: أن أقول لكم: إنما أنا نذير مبين، ولا أدّعي شيئاً آخر. الإشارة: تربية اليقين تُطلب في ثلاثة أمور؛ في توحيد الألوهية، بالتبري من الشرك الجلي والخفي. وهو مفاد قوله: {وما من إِله إِلا الله...} الخ. وفي تصديق الواسطة، وهو النذير المبين، بتعظيمه واتباع سُنَّته ومنهاجه القويم، وفي التصديق بما جاء به، وهو النبأ العظيم، على أيّ تفسير كان، إما القرآن، باتباعه، والتدبُّر في معانيه، أو: يوم القيامة، بالتأهُّب له، وجعله نُصب العين. وبالله التوفيق. ثم فسَّر الاختصام المتقدم، فقال: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ}.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ} للمشركين او للمنافقين من امّتك {إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ} لست اجبركم على التّوحيد او على ولاية علىّ (ع) {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} فلا حكم الاّ له لقهّاريّته فلا معبود سواه فلست احكم بالخلافة من قبل نفسى ولا حكم لمن اشركتموه به.
الأعقم
تفسير : {قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار} على ما يشاء {رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار} الذي لا يمتنع عليه شيء، الغفار يستر ذنوب عباده {قل} يا محمد {هو نبأ عظيم}، قيل: القرآن وصفه بالعظمة لما فيه من الزجر والأجر والأحكام والتوحيد والعدل والقصص والشرائع وجميع ما يحتاج إليه، وقيل: هو يوم القيامة عن الحسن، قال جار الله: هو نبأ عظيم أي هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولاَ منذراً وأن الله وحده لا شريك له نبأ عظيم لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة {ما كان لي من علم بالملأ الأعلى} هم الملائكة وآدم وإبليس {إذ يختصمون} في حديث آدم وقالوا: {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : [البقرة: 30] فما علمت ما كانوا فيه إلاَّ بوحي من الله تعالى، وهذا محمول أنهم تناصروا أولاً فيما بينهم ثم دعوا الله فبين لهم، وقيل: اختصامهم فيما طريقه الاجتهاد، وقيل: بل على طريق المذاكرة لأن بعضهم أعلم من بعض، وقد يجتمع أهل الحق للمناظرة مع اتفاقهم على كلمة واحدة وهم على كلمة الحق، ولما تقدم ذكر مخاصمة الملأ الأعلى في حديث آدم بيَّن تعالى ذلك فقال سبحانه: {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا} أي آدم {من طين} فإنما تصير تلك الأجزاء بشراً بما يخلق فيه من التأليف والحياة {فإذا سويته} أي خلقته وتم خلقي إياه {ونفخت فيه من روحي} أي أحييته وجعلت فيه الروح وهو النفس المترددة {فقعوا له ساجدين} وقد قدمنا ما قالوا فيه وأنه سجدة التحية لا سجدة العبادة {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} {إلا ابليس استكبر وكان من الكافرين} لأنه مأمور معهم بالسجود ولم يكن منهم بل كان من الجن وخلق من النار والملائكة من الريح {قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} قيل: خلقته من غير واسطة، وقيل: بنعمتي نعمة الدين والدنيا، أو نعمة الظاهرة والباطنة، أو خلقته للدين والدنيا ليكون هو وذريته خلفاء الأرض {استكبرت أم كنت من العالين} {قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} وفضل النار على الطين وذلك خطأ منه {قال فاخرج منها}، قيل: من الجنة، وقيل: من السماء، وقيل: من الخلقة التي أنت فيها لأنه كان يفتخر بخلقه فغير الله خلقه فاسود بعدما كان أبيض وأقبح بعدما كان حسناً {فإنك رجيم}، قيل: مطرود، وقيل: مرجوم بالشهب {وإن عليك لعنتي} على لسان عبادي إذ أمرتهم بلعنك {إلى يوم الدين} يعني لا تنقطع الى يوم القيامة {قال رب فانظرني} أي امهلني وأخرني {إلى يوم يبعثون} يوم القيامة يبعث فيه الخلق {قال فإنك من المنظرين} {إلى يوم الوقت المعلوم} والذي أضيف إليه اليوم وهو الذي يقع فيه النفخة الأولى، ومعنى المعلوم أنه معلوم عند الله معيّن لا يستقدم ولا يستأخر، وقد قدمنا ما قالوا فيه في سورة الأعراف {قال فبعزتك} أقسم بالله {لأغوينهم} يعني بني آدم كلهم {أجمعين} تأكيد {إلا عبادك منهم المخلصين} وإنما استثناهم لعلمه بأنهم لا يقبلون فأيس منهم {قال} سبحانه {فالحق والحق أقول} والمراد بالحق أنا اسمه في قوله تعالى: {أية : إن الله هو الحق المبين} تفسير : [النور: 25] والحق الذي هو يقبض الباطل، وقيل: لما أقسم على اغوائهم أقسم الله تعالى أنه يدخله ومن معه النار فقال سبحانه: {فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} من بني آدم {قل} يا محمد {ما أسألكم} أيها الناس على تبليغ الوحي والرسالة {من أجر} أي لا طمع لي فيكم {وما أنا من المتكلفين} المقولين القرآن من قبل نفسي، وقيل: لا أتكلف أمراً لم يأمرني به الله، قال جار الله: المتكلفين الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله وما عرفتموني قط متصنعاً ولا مدّعياً ما ليس عندي، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم" تفسير : {ولتعلمن نبأه بعد حين} أي ما يأتيكم عند الموت، أو يوم القيامة، أو عند ظهور الاسلام {ولتعلمن} صحة خبره ووعده ووعيده {بعد حين} بعد مدة ودهر.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} يا محمد للمشركين من أهل مكة {إِنَّمَآ أَنّاْ مُنذِرٌ} أي ما أمري الا الانذار أنذركم عذاب الله وأخوفكم النار {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلآَّ اللهُ الْوَاحِدُ} الذي لا يقبل الشركة في ذات ولا فعل ولا صفة* {الْقَهَّارُ} لكل شيء فيجرى كل شيء على مشيئته عز وجل فله الملك والربوبية في العالم كله كما قال {رَبُّ السَّمَوَات وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} وهو خالقها واليه تعود والذي يحكم بينهما انس وجن وملائكة وطير ودواب وماء وحوت وريح والفضاء الذي بينهما فانه كان معدوماً ثم أوجده وغير ذلك وانما ثنى الضمير لتأويل السماوات بالرتق أو لانها كانت رتقاً* {الْعَزِيزُ} الغالب على أمره الذي لا يغلب اذا عاقب العصاة {الْغَفَّارُ} لذنوب أوليائه الذين سبقت لهم السعادة لالتجائهم اليه وفي ذلك اثبات للتوحيد ووعد للمسلمين وايعاد للكافرين فكونه واحداً اشعار بأن ليس له ند يرد قوله أو فعله والقهار مشعر بالترهيب وكونه (رب) يشعر بالتربية والجودة والاحسان والكرم وكونه (غفاراً) يشعر بأنه يغفر الذنوب وان عظمت وكثرت ويرحم فاعلها لتوبته وكونه (عزيزاً) يشعر بأنه غالب له يبطل ذلك منه
اطفيش
تفسير : {قُل} يا محمد {إنَّما أنَا مُنْذرٌ} من الله، وهذا حصر أضافى،أى لا ساحر ولا كاذب {ومَا مِن إله إلا الله} من جملة ما أمره الله تعالى، أن يقوله {الواحدُ} لا إله معه، ولا هو جوهر لا يقبل التجزىء، ولا جسم له أجزاء كسائر الأجسام، ولا عرض تشاركه الأعراض، بل هو لا يشبه شيئا، ولا يشبهه شىء سبحانه وتعالى {القَهَّار} لكل شىء، ولو كان إله آخر لم يكن الله قهارا لثبوت الألوهة لغيره أيضا، بل قد يكون مقهورا حاشاه عما لا يليق به.
الالوسي
تفسير : {قُلْ } يا محمد لمشركي مكة {إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ } أنذرتكم عذاب الله تعالى للمشركين، والكلام رد لقولهم {أية : هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} تفسير : [ص: 4] فإن الإنذار ينافي السحر والكذب. وقد يقال: المراد إنما أنا رسول منذر لا ساحر كذاب، وفيه من الحسن ما فيه فإن كل واحد من وصفي الرسالة والإنذار ينافي كل واحد من وصفي السحر والكذب لكن منافاة الرسالة للسحر أظهر وبينهما طباق فكذلك الإنذار للكذب، وضم إلى ذلك قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ } لإفادة أن له صلى الله عليه وسلم صفة الدعوة إلى توحيده عز وجل أيضاً فالأمران مستقلان بالإفادة. و {مِنْ } زائدة للتأكيد أي ما إله أصلاً إلا الله {ٱلْوَاحِدُ } أي الذي لا يحتمل الكثرة في ذاته بحسب الجزئيات بأن يكون له سبحانه ماهية كلية ولا بحسب الأجزاء {ٱلْقَهَّارُ } لكل شيء.
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس الأخير في السورة يعود إلى تقرير القضايا التي عرضت في مقدمتها: قضية التوحيد. والوحي. وقضية الجزاء في الآخرة. ويستعرض قصة آدم دليلاً على الوحي بما دار في الملأ الأعلى ذات يوم. وما تقرر يوم ذاك من الحساب على الهدى والضلال في يوم الحساب. كما تتضمن القصة لوناً من الحسد في نفس الشيطان هو الذي أراده وطرده من رحمة الله؛ حينما استكثر على آدم فضل الله الذي أعطاه. كذلك تصور المعركة المستمرة بين الشيطان وأبناء آدم، والتي لا يهدأ أوارها ولا تضع أوزارها. والتي يهدف من ورائها إلى إيقاع أكبر عدد منهم في حبائله، لإيرادهم النار معه، انتقاماً من أبيهم آدم، وقد كان طرده بسببه، وهي معركة معروفة الأهداف. ولكن أبناء آدم يستسلمون لعدوهم القديم! وتختم السورة بتوكيد قضية الوحي، وعظمة ما وراءه، مما يغفل عنه المكذبون الغافلون.. {قل: إنما أنا منذر، وما من إله إلا الله الواحد القهار. رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز القهار}.. قل لأولئك المشركين، الذين يدهشون ويعجبون ويقولون: {أية : أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ إن هذا لشيء عجاب}تفسير : قل لهم: إن هذه هي الحقيقة: {وما من إله إلا الله الواحد القهار}.. وقل لهم: إنه ليس لك من الأمر، وليس عليك منه إلا أن تنذر وتحذر؛ وتدع الناس بعد ذلك إلى الله الواحد القهار: {رب السماوات والأرض وما بينهما}.. فليس له من شريك. وليس من دونه ملجأ في السماوات أو في الأرض أو فيما بينهما. وهو {العزيز} القوي القادر. وهو {الغفار} الذي يتجاوز عن الذنب ويقبل التوبة، ويغفر لمن يثوبون إلى حماه. وقل لهم: إن ما جئتهم به وما يعرضون عنه أكبر وأعظم مما يظنون. وإن وراءه ما وراءه مما هم عنه غافلون: {قل: هو نبأ عظيم. أنتم عنه معرضون}.. وإنه لأمر أعظم بكثير من ظاهره القريب. إنه أمر من أمر الله في هذا الوجود كله. وشأن من شؤون هذا الكون بكامله. إنه قدر من قدر الله في نظام هذا الوجود. ليس منفصلاً ولا بعيداً عن شأن السماوات والأرض، وشأن الماضي السحيق والمستقبل البعيد. ولقد جاء هذا النبأ العظيم ليتجاوز قريشاً في مكة، والعرب في الجزيرة، والجيل الذي عاصر الدعوة في الأرض. ليتجاوز هذا المدى المحدود من المكان والزمان؛ ويؤثر في مستقبل البشرية كلها في جميع أعصارها وأقطارها؛ ويكيف مصائرها منذ نزوله إلى الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولقد نزل في أوانه المقدر له في نظام هذا الكون كله، ليؤدي دوره هذا في الوقت الذي قدره الله له. ولقد حول خط سير البشرية إلى الطريق الذي خطته يد القدر بهذا النبأ العظيم. سواء في ذلك من آمن به ومن صدّ عنه. ومن جاهد معه ومن قاومه. في جيله وفي الأجيال التي تلته. ولم يمر بالبشرية في تاريخها كله حادث أو نبأ ترك فيها من الآثار ما تركه هذا النبأ العظيم. ولقد أنشأ من القيم والتصورات، وأرسى من القواعد والنظم في هذه الأرض كلها، وفي أجيال البشرية جميعها، ما لم يكن العرب يتصورونه ولو في الخيال! وما كانوا يدركون في ذلك الزمان أن هذا النبأ إنما جاء ليغير وجه الأرض؛ ويوجه سير التاريخ؛ ويحقق قدر الله في مصير هذه الحياة؛ ويؤثر في ضمير البشرية وفي واقعها؛ ويصل هذا كله بخط سير الوجود كله، وبالحق الكامن في خلق السماوات والأرض وما بينهما. وأنه ماض كذلك إلى يوم القيامة. يؤدي دوره في توجيه أقدار الناس وأقدار الحياة. والمسلمون اليوم يقفون من هذا النبأ كما وقف منه العرب أول الأمر. لا يدركون طبيعته وارتباطها بطبيعة الوجود؛ ولا يتدبرون الحق الكامن فيه ليعلموا أنه طرف من الحق الكامن في بناء الوجود؛ ولا يستعرضون آثاره في تاريخ البشرية وفي خط سيرها الطويل استعراضاً واقعياً، يعتمدون فيه على نظرة مستقلة غير مستمدة من أعداء هذا النبأ الذين يهمهم دائماً أن يصغروا من شأنه في تكييف حياة البشر وفي تحديد خط التاريخ.. ومن ثم فإن المسلمين لا يدركون حقيقة دورهم سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل. وأنه دور ماض في هذه الأرض إلى آخر الزمان.. ولقد كان العرب الأولون يظنون أن الأمر هو أمرهم وأمر محمد بن عبدالله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واختياره من بينهم، لينزل عليه الذكر. وكانوا يحصرون همهم في هذه الشكلية. فالقرآن يوجه أنظارهم بهذا إلى أن الأمر أعظم من هذا جداً. وأنه أكبر منهم ومن محمد بن عبدالله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن محمداً ليس إلا حاملاً لهذا النبأ ومبلغاً؛ وأنه لم يبتدعه ابتداعاً؛ وما كان له أن يعلم ما وراءه لولا تعليم الله إياه؛ وما كان حاضراَ ما دار في الملأ الأعلى منذ البدء إنما أخبره الله: {ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين}. وعند هذا يأخذ السياق في عرض قصة البشرية؛ وما دار في الملأ الأعلى بشأنها منذ البدء. مما يحدد خط سيرها، ويرسم أقدارها ومصائرها. وهو ما أرسل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليبلغه وينذر به في آخر الزمان: {إذ قال ربك للملائكة: إني خالق بشراً من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}.. وما ندري نحن كيف قال الله أو كيف يقول للملائكة. وما ندري كذلك كيف يتلقى الملائكة عن الله ولا ندري عن كنههم إلا ما بلغنا من صفاتهم في كتاب الله. ولا حاجة بنا إلى الخوض في شيء من هذا الذي لا طائل وراء الخوض فيه. إنما نمضي إلى مغزى القصة ودلالتها كما يقصها القرآن. لقد خلق الله هذا الكائن البشري من الطين. كما أن سائر الأحياء في الأرض خلقت من طين. فمن الطين كل عناصرها. فيما عدا سر الحياة الذي لا يدري أحد من أين جاء ولا كيف جاء. ومن الطين كل عناصر ذلك الكائن البشري فيما عدا ذلك السر. وفيما عدا تلك النفخة العلوية التي جعلت منه إنساناً. من الطين كل عناصر جسده. فهو من أمه الأرض. ومن عناصرها تكون. وهو يستحيل إلى تلك العناصر حينما يفارقه ذلك السر الإلهي المجهول؛ وتفارقه مع آثار تلك النفخة العلوية التي حددت خط سيره في الحياة. ونحن نجهل كنه هذه النفخة؛ ولكننا نعرف آثارها. فآثارها هي التي ميزت هذا الكائن الإنساني عن سائر الخلائق في هذه الأرض. ميزته بخاصية القابلية للرقي العقلي والروحي. هي التي جعلت عقله ينظر تجارب الماضي، ويصمم خطط المستقبل. وجعلت روحه يتجاوز المدرك بالحواس والمدرك بالعقول، ليتصل بالمجهول للحواس والعقول. وخاصية الارتقاء العقلي والروحي خاصية إنسانية بحتة، لا يشاركه فيها سائر الأحياء في هذه الأرض. وقد عاصر مولد الإنسان الأول أجناس وأنواع شتى من الأحياء. ولم يقع في هذا التاريخ الطويل أن ارتقى نوع أو جنس ـ ولا أحد أفراده ـ عقلياً أو روحياً. حتى مع التسليم بوقوع الارتقاء العضوي. لقد نفخ الله من روحه في هذا الكائن البشري، لأن إرادته اقتضت أن يكون خليفة في الأرض؛ وأن يتسلم مقاليد هذا الكوكب في الحدود التي قدرها له. حدود العمارة ومقتضياتها من قوى وطاقات. لقد أودعه القدرة على الارتقاء في المعرفة. ومن يومها وهو يرتقي كلما اتصل بمصدر تلك النفخة، واستمد من هذا المصدر في استقامة. فأما حين ينحرف عن ذلك المصدر العلوي فإن تيارات المعرفة في كيانه وفي حياته لا تتناسق، ولا تتجه الاتجاه المتكامل المتناسق المتجه إلى الأمام؛ وتصبح هذه التيارات المتعارضة خطراً على سلامة اتجاهه. إن لم تقده إلى نكسة في خصائصه الإنسانية، تهبط به في سلم الارتقاء الحقيقي. ولو تضخمت علومه وتجاربه في جانب من جوانب الحياة. وما كان لهذا الكائن الصغير الحجم، المحدود القوة، القصير الأجل، المحدود المعرفة.. ما كان له أن ينال شيئاً من هذه الكرامة لولا تلك اللطيفة الربانية الكريمة.. وإلا فمن هو؟ إنه ذلك الخلق الصغير الضئيل الهزيل الذي يحيا على هذا الكوكب الأرضي مع ملايين الأنواع والأجناس من الأحياء. وما الكوكب الأرضي إلا تابع صغير من توابع أحد النجوم. ومن هذه النجوم ملايين الملايين في ذلك الفضاء الذي لا يدري إلا الله مداه.. فماذا يبلغ هذا الإنسان لتسجد له ملائكة الرحمن؛ إلا بهذا السر اللطيف العظيم؟ إنه بهذا السر كريم كريم. فإذا تخلى عنه أو انفصم منه ارتد إلى أصله الزهيد.. من طين! ولقد استجاب الملائكة لأمر ربهم كما هي فطرتهم: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون}.. كيف؟ وأين؟ ومتى؟ كل أولئك غيب من غيب الله. ومعرفته لا تزيد في مغزى القصة شيئاً. هذا المغزى الذي يبرز في تقدير قيمة هذا الإنسان المخلوق من الطين؛ بعدما ارتفع عن أصله بتلك النفخة من روح الله العظيم. سجد الملائكة امتثالاً لأمر الله. وشعوراً بحكمته فيما يراه. {إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين}.. فهل كان إبليس من الملائكة؟ الظاهر أنه لا. لأنه لو كان من الملائكة ما عصى. فالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.. وسيجيء أنه خلق من نار. والمأثور أن الملائكة خلق من نور.. ولكنه كان مع الملائكة وكان مأموراً بالسجود. ولم يخص بالذكر الصريح عنه الأمر إهمالاً لشأنه بسبب ما كان من عصيانه. إنما عرفنا أن الأمر كان قد وجه إليه من توجيه التوبيخ إليه: {قال: يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي؟ أستكبرت؟ أم كنت من العالين؟}.. ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي؟ والله خالق كل شيء. فلا بد أن تكون هناك خصوصية في خلق هذا الإنسان تستحق هذا التنويه. هي خصوصية العناية الربانية بهذا الكائن وإيداعه نفخة من روح الله دلالة على هذه العناية. أستكبرت؟ عن أمري {أم كنت من العالين؟} الذين لا يخضعون؟ {قال: أنا خير منه. خلقتني من نار وخلقته من طين}! إنه الحسد ينضح من هذا الرد. والغفلة أو الإغفال للعنصر الكريم الزائد على الطين في آدم، والذي يستحق هذا التكريم. وهو الرد القبيح الذي يصدر عن الطبيعة التي تجردت من الخير كله في هذا الموقف المشهود. هنا صدر الأمر الإلهي العالي بطرد هذا المخلوق المتمرد القبيح: {قال: فاخرج منها فإنك رجيم. وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين}.. ولا نملك أن نحدد عائد الضمير في قوله: {منها} فهل هي الجنة؟ أم هل هي رحمة الله.. هذا وذلك جائز. ولا محل للجدل الكثير. فإنما هو الطرد واللعنة والغضب جزاء التمرد والتجرؤ على أمر الله الكريم. هنا تحول الحسد إلى حقد. وإلى تصميم على الانتقام في نفس إبليس: {قال: رب فأنظرني إلى يوم يبعثون}.. واقتضت مشيئة الله للحكمة المقدرة في علمه أن يجيبه إلى ما طلب، وأن يمنحه الفرصة التي أراد: {قال: فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم}.. وكشف الشيطان عن هدفه الذي ينفق في حقده: {قال: فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين}.. وبهذا تحدد منهجه وتحدد طريقه. إنه يقسم بعزة الله ليغوين جميع الآدميين. لا يستثني إلا من ليس له عليهم سلطان. لا تطوعاً منه ولكن عجزاً عن بلوغ غايته فيهم! وبهذا يكشف عن الحاجز بينه وبين الناجين من غوايته وكيده؛ والعاصم الذي يحول بينهم وبينه. إنه عبادة الله التي تخلصهم لله. هذا هو طوق النجاة. وحبل الحياة!.. وكان هذا وفق إرادة الله وتقديره في الردى والنجاة. فأعلن ـ سبحانه ـ إرادته. وحدد المنهج والطريق: {قال: فالحق. والحق أقول. لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين}.. والله يقول الحق دائماً. والقرآن يقرر هذا ويؤكد الإشارة إليه في هذه السورة في شتى صوره ومناسباته. فالخصم الذين تسوروا المحراب على داود يقولون له: {أية : فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط}.. تفسير : والله ينادي عبده داود: {أية : فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى}.. تفسير : ثم يعقب على هذا بالإشارة إلى الحق الكامن في خلق السماوات والأرض: {أية : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً. ذلك ظن الذين كفروا}.. تفسير : ثم يجيء ذكر الحق على لسان القوي العزيز: {قال فالحق والحق أقول}.. فهو الحق الذي تتعدد مواضعه وصوره، وتتحدد طبيعته وكنهه. ومنه هذا الوعد الصادق: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين}.. وهي المعركة إذن بين الشيطان وأبناء آدم، يخوضونها على علم. والعاقبة مكشوفة لهم في وعد الله الصادق الواضح المبين. وعليهم تبعة ما يختارون لأنفسهم بعد هذا البيان. وقد شاءت رحمة الله ألا يدعهم جاهلين ولا غافلين. فأرسل إليهم المنذرين. وفي نهاية الشوط وختام السورة يكلف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يلقي إليهم بالقول الأخير: {قل: ما أسألكم عليه من أجر؛ وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين}.. إنها الدعوة الخالصة للنجاة، بعد كشف المصير وإعلان النذير. الدعوة الخالصة التي لا يطلب صاحبها أجراً وهو الداعية السليم الفطرة، الذي ينطق بلسانه، لا يتكلف ولا يتصنع، ولا يأمر إلا بما يوحي منطق الفطرة القريب. وإنه للتذكير للعالمين أجمعين فقد ينسون ويغفلون. وإنه للنبأ العظيم الذي لا يلقون بالهم إليه اليوم، وليعلمن نبأه بعد حين. نبأه في الأرض ـ وقد علموه بعد سنوات من هذا القول ـ ونبأه في اليوم المعلوم. عندما يحق وعد الله اليقين: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين}.. إنه الختام الذي يتناسق مع افتتاح السورة ومع موضوعها والقضايا التي تعالجها: وهو الإيقاع المدوي العميق، الموحي بضخامة ما سيكون: {ولتعلمن نبأه بعد حين}..
ابن عاشور
تفسير : هذا راجع إلى قوله: {أية : وقال الكافرونَ هٰذَا ساحِرٌ كذَّابٌ}تفسير : [ص: 4] إلى قوله: { أية : أأُنزِلَ عليهِ الذكرُ من بيننا}تفسير : [ص: 8]، فلما ابتدرهم الجواب عن ذلك التكذيب بأن نظَّر حالهم بحال الأمم المكذبة من قبلهم ولتنظير حال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال الأنبياء الذين صبروا، واستوعب ذلك بما فيه مقنع عاد الكلام إلى تحقيق مقام الرسول صلى الله عليه وسلم من قومه فأمره الله أن يقول: {إنمَّا أنا مُنذِرٌ} مقابل قولهم: {هٰذَا ساحِرٌ كذَّابٌ}، وأن يقول: {ما من إله إلا الله} مقابل إنكارهم التوحيد كقولهم: {أية : أجَعَلَ الآلهة إلٰهاً واحداً}تفسير : [ص: 5] فالجملة استئناف ابتدائي. وذكر صفة الواحد تأكيد لمدلول {ما من إله إلا الله} إماء إلى رد إنكارهم. وذكر صفة {القهّار} تعريض بتهديد المشركين بأن الله قادر على قهرهم، أي غلبهم. وتقدم الكلام على القهر عند قوله تعالى: {أية : وهو القاهر فوق عباده}تفسير : في سورة [الأنعام: 18]. وإتباع ذلك بصفة رَبُّ السمواتِ والأرضِ وما بينهما} تصريح بعموم ربوبيته وأنه لا شريك له في شيء منها. ووصف {العزيزُ} تمهيد للوصف بــــ {الغَفَّارُ}، أي الغفّار عن عزّة ومقدرة لا عن عجز وملق أو مراعاة جانب مساو. والمقصود من وصف {الغفَّارُ} هنا استدعاء المشركين إلى التوحيد بعد تهديدهم بمفاد وصف {القهَّارُ} لكي لا ييأسوا من قبول التوبة بسبب كثرة ما سيق إليهم من الوعيد جرياً على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب والعكس.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قل: أي يا رسولنا لمشركي قومك أي مخوفاً من عذاب الله. وما من إله إلا الله الواحد القهار: أي وليس هناك من إله قط إلا الله الواحد القهار. العزيز الغفار: أي الغالب الذي لا يمانع في مراده الغفار للتائبين من عباده. قل هو نبأ عظيم: أي قل يا رسولنا لكفار مكة القرآن نبأ عظيم وخبر جسيم. أنتم عنه معرضون: لا ترغبون في سماعه ولا في تدبر معانيه. بالملأ الأعلى: أي بالملائكة عندما شووِرُوا في خلق آدم. إذ قال ربك للملائكة: أي اذكر لهم تدليلا على أنه يوحى إليك القرآن إذ قال ربك للملائكة. خالق بشرا من طين: أي خالق آدم من مادة الطين وقيل فيه بشر لبدُوُّ بشرته. من روحي: الروح جسم لطيف يسري في الجسم سريان النار في الفحم أو الماء في الشجر أو الكهرباء في الأسلاك. إلا إبليس: أي لم يسجد. استكبر: عن السجود لآدم كبراً وحسداً له. معنى الآيات: بعد كل ذلك العرض للقصص ولما في الجنة والنار وما تقرر به من التوحيد والنبوة والبعث والجزاء أمر تعالى رسوله أن يقول لمشركي قريش {إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ} أي مخوف من عذاب الله الواجب لكل من كفر به وكذب بآياته ولقاه وترك عبادته وعبد الشيطان عدوه، كما أخبركم مقررا أنه ليس هناك من إله قط إلا الله الواحد في ذاته وصفاته وربوبيته وعبادته القهار لكل قاهر والجبار لكل جبار رب السماوات والأرض وما بينهما أي مالك لها متصرف فيها دون شريك له في ذلك. العزيز الانتقام ممن كفر به وعصاه الغفار لمن أناب إليه واتبع هداه. وقوله تعالى {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} أي يأمر تعالى رسوله أن يقول للمشركين من أهل مكة هو أي القرآن وما حواه من تقرير التوحيد والنبوة والبعث والجزاء وعرض القصص والأحداث ووصف الجنة والنار نبأ عظيم أي خبر ذو شأن عظيم أنتم عنه معرضون تأبون سماعه والإِيمان به والاهتداء بهديه. بدعوى أني اختلقته وافتريته وهي حجة داحضة وأدلتكم في ذلك واهية. كيف يكون ما اتلوه عليكم من القرآن افتراء منّي عليكم وعلى الله ربي وربكم. وانه ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون عندما قال الله للملائكة {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ} وقال {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة: 30] فقال الملائكة {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} تفسير : [البقرة: 30] كيف عرفت أنا هذا وحدثت به لو لم يكن وحياً من الله أوحاه إليَّ. يا قوم إنه ما يوحى إليَّ إلا أنما أنا نذير مبين أي بيَّن النذارة. فلم يوح إليَّ الأمر بالتسلط عليكم وأخذكم بالشدة لأستعبدكم وتكونوا خولا لي وخدماً لا، لا. إنما يوحى إليَّ لتقرير حقيقة واحدة وهي أني نذير لكم ولغيركم من عذاب الله المعدّ لمن كفر به وأشرك في عبادته، وفسق عن طاعته. وقوله تعالى في الآية [71] {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ} هو آدم عليه السلام {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} أي أتممت خلقه {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} فحييى وصار بشراً سوياً {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} أي خروا على الأرض ساجدين له طاعة لأمرنا وتحيّة لعبدنا، {فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} سواء من كان منهم في السماوات أو في الأرض {إِلاَّ إِبْلِيسَ} استكبر عن السجود لآدم لزعمه الكاذب أنه خير منه لكونه من النار وآدم من طين، ولحسده أيضا حيث فضله وفٌُضِّل عليه، وكان بذلك الكبر الحسد من الكافرين إذ جحد معلوما من طاعة الله بالضرورة وكيف وهو يتلقى الخطاب من الله تعالى بلا واسطة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد بأدلته. 2- تقرير النبوة والوحي بشواهده من نبأ الملأ الأعلى. 3- عداوة إبليس لآدم وأن الحامل عليها الحسد والكبر وهما من شر صفات العبد. 4- تقرير أن من القياس وما هو شر وباطل كقياس إبليس إذ قاس النار على التراب فرأى أن النار أفضل فهلك بذلك، إذ التراب أفضل النار تحرق والتراب يحيي، وشتان ما بين الموت والحياة.
القطان
تفسير : الملأ الاعلى: الملائكة. فقعوا له: اسجدوا له. خلقتُ بيدي: بقدرتي من غير أبٍ ولا أُم. العالين: المتكبرين. فاخرجْ منها: من الجنة. فأنظِرني: فأمهلني. الى يوم يبعثون: الى يوم القيامة. المخلَصين: بفتح اللام: الذين استخلصتُهم للعبادة. في ختام السورة تعود الى تقرير القضايا التي عرضت لها في اولها وهي قضية التوحيد، والوحي والجزاء في الآخرة، ثم تستعرض قصة آدم، دليلا على الوحي بما دار في الملأ الاعلى، وتتضمن حسد إبليس لأدم وطرده من رحمة الله، ثم دوام المعركة بين الشيطان وابناء آدم التي ستدوم ما دامت الأرض والسماء. ثم تختم السورة بتوكيد قصة الوحي، وان الرسول الكريم لا يُسأل على أدائه الرسالة اجراً، وما هذا القرآن الا ذكر للعالمين. قل يا محمد للمشركين: ما انا الا نذير مرسَل من قِبل رب الاله الواحد القهار، مالكِ هذا الكون بما فيه، وهو مع ذلك كله عزيز لا يُغلب، غفار يتجاوز عن الذنوب، ويقبل التوبة.. إذا سبقتْ رحمته غضبه. وقل لهم: إن ما أقوله لكم من الوحي امرٌ عظيم، اكبر مما تظنون وما تفكرون. أنتم تعلمون حالي، كنت لا أعلم شيئا قبل ان يأتيني الوحي، وما كان لي اي علم باختلاف الملأ الاعلى في قضية آدم، فأنا لم اجلس الى معلّم، ولا دخلت مدرسة، وطريق علمي هو الوحي من عند رب العالمين. وما يوحى إلي إلا أن أنذركم وأبلّغكم رسالة ربي بأوضح تعبير. ثم تأتي قصة آدم وقد تقدمت في سورة البقرة والاعراف والحِجر والإسراء والكهف، وفي كل مرة تأتي بأسلوب جديد. ومعنى {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} جعلتُ في هذا الطين سر الحياة. وقد طلب الله من الملائكة ان يسجدوا لآدم سجود تعظيم فأطاعوا الا ابليس استكبر، وحسد آدم وقال إنه خير منه، فطرده الله من رحمته. وطلب ابليس ان يُنظره الله الى يوم القيامة. {قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} المُمْهَلين الى ذلك اليوم المعيَّن. فحلف ابليس بعزة الله الخالق انه لَيُغوينَّ بني آدم الا الذين آمنوا باخلاص وصِدق، فانه لا سلطان له عليهم، وهان يقول تعالى: {قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} الحق يميني وقسَمي، ولا اقول الا الحق، لأملأن جهنم من جنسك واتباعك من الشياطين، وممن تبعك من بني آدم. ثم تختم السورة بهذه الآيات الكريمة: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ} قل يا محمد لأمتك: ما أسألكم على تبليغ ما يوحى اليّ اجراً، وما انا من الذين يتصنعون ويتكلفون حتى أدّعي النبوة، وما هذا القرآن الا تذكير وعظة للعالمين جميعا، ولتعلمُنَّ أيها المكذّبون به صِدق ما اشتمل عليه من الخير للبشرية جمعاء بعد حين. صدق الله العظيم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْوَاحِدُ} (65) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ: إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ إِلَيْكُمْ لأُِحَذِّرَكُمْ مُخَالَفَةَ أوَامِرِهِ حَتَّى لاَ يَحْلَّ بِكُمُ العَذَابُ مِثْلَمَا حَلَّ بِالأُمَمِ السَّابِقَةِ مِنْ قَبْلِكُمْ كَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ.. وَلَسْتُ بِالسَّاحِرِ وَلاَ بِالكَذَّابِ، حِينَمَا أقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الوَاحِدُ الذِي لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَلاَ مُعِينَ وَلاَ صَاحِبَةَ وَلاَ وَلَدَ، وَقَدْ قَهَرَ كُلَّ شَيءٍ وَغَلَبَهُ بِعِزَّتِهِ وَجَبَرُوتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نفهم هذه الآيات في ضوء ما حكاه القرآن في أول السورة من تكذيب الكافرين لرسول الله، ففي الآيات الأولى من السورة قال تعالى: {أية : وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} تفسير : [ص: 4-5] إلى أنْ قالوا: {أية : أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} تفسير : [ص: 8]. إذن: الآيات في صدر السورة تبين أن هؤلاء القوم عندهم خَلَل في قضيتين الأولى في قضية التوحيد {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً ..} تفسير : [ص: 5] والأخرى: قضية النبوة {أية : أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ..} تفسير : [ص: 8]. فجاءت هذه الآيات لتردَّ عليهم ولتصحح هذا الخلل، فقال هنا: (قل) يا محمد {إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ ..} [ص: 65] واختار هنا الإنذار مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بشيراً ونذيراً، لأن الكلام هنا في مواجهة الكافرين، فناسبهم الإنذار، وفي القضية الأخرى يقول سبحانه: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ * رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ} [ص: 65-66].
الجيلاني
تفسير : ثم لما بالغ سبحانه في حقية ما حكى عن أهل النار، أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم بأن بلغ للأنام التوحيد المبعد لهم عن النار والعذاب المؤبد فيها، فقال: {قُلْ} يا أكمل الرسل للمشركين المستحقين لعذاب النار إنقاذاً لهم عنها، وإن قبلوا منك قولك: {إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ} لكم بإذن الله ووحيه عن أمثال ما ذكر من العذاب في النشأة الأخرى {وَ} أعلموا أنه {مَا مِنْ إِلَـٰهٍ} يُعبد بالحق، ويُرجع إليه في الخطوب، ويُلتجأ نحوه في النوائب والمصائب {إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ} الأحد الصمد الحي القيوم الذي لا شريك له في الوجود، ولا شيء غيره في الشهود {ٱلْقَهَّارُ} [ص: 65] للأغيار مطلقاً؛ إذ {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [القصص: 88] رجوع الأظلال إلى الشمس، والأمواج إلى البحر. وهو بتوحيده واستقلاله {رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي: مظهر كل ما في العلو والسفل وما في حشوهما، والمحاط بهما؛ إذ الكل منه بدأ وإليه يعود، وكيف لا وهو {ٱلْعَزِيزُ} الغالب على أمره في خلقه وحكمه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد؛ إذ هو {ٱلْغَفَّارُ} [ص: 66] الستَّار المحَّاء لهويات الأغيار، وهياكل الأظلال الغير القار. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما بينت لهم توحيد الحق، واستقلاله في تصرفاته وتدابيره: {هُوَ} أي: الذي بلغت لكم بوحي الله من إحاطة الحق، وشموله لجميع ما لمع عليه بروق تجلياته {نَبَأٌ عَظِيمٌ} [ص: 67] وخبر خطير، يخبركم به الحق، وينبهكم عليه من كمال إعطافه وإشفاقه؛ لينقذكم به عن عذابه المترتب على كفركم وشرككم. {أَنتُمْ} من كمال توغلكم في الجهل والظلال {عَنْهُ مُعْرِضُونَ} [ص: 68] مع أنه أنفع لكم وأصلح بحالكم، وهو سبحانه أعلم بشأنكم منكم، ويمقتضى علمه بحالكم، أنزل كتابه عليكم ليرشدكم إلى جهة معرفته ووجهة توحيده، ومالي إلا تبليغ ما أُوحي إلي كسائر الرسل. إذ {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} أي: الملائكة السامويين {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [ص: 69] وقت خلافة آدم ونبوته ونيابته، فألهمني الله بوحيه ما جرى عليهم من الحجج والمعارض، وإفحامهم بعد جدالهم واصطفاء الله إياه، وأمرهم بسجوده تكريماً وتعظيماً. وبالجملة: {إِن يُوحَىٰ} إي: ما يوحى {إِلَيَّ} من عند ربي {إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [ص: 70] أي: إنما أنا منذر لكم عن أن يفتنكم الشيطان وجنوده المرتكزة في هياكلكم، فيضلوكم عن سبل السلامة وطرق الاستقامة الموصلة إلى وحدة ذات الحق وكمال أسمائه وصفاته. اذكر يا أكمل الرسل {إِذْ قَالَ رَبُّكَ} الذي رباك على مقتضى الجمعية المنتهية إلى الوحدة الذاتية التي جئت لإظهارها وإيضاح منهجها {لِلْمَلاَئِكَةِ} المهيمين بمطالعة وجهه الكريم على سبيل المشورة معه؛ ليظهر كرامة آدم وجلالة قدره: {إِنِّي} بمقتضى بدائع صنعتي وغرائب قدرتي {خَالِقٌ} أي: مظهر موجد {بَشَراً} أي: جسداً متخذاً {مِّن طِينٍ} [ص: 71] ليكون مرآة يتراءة فيها عموم أوصافي وأسمائي. {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} وعدلت قالبه على الوجه الذي جرى في حضرة علمي ولوح قضائي {وَنَفَخْتُ فِيهِ} بعد تعديله {مِن رُّوحِي} أي: أفيض عليه من حياتي ومن مقتضيات أسمائي وصفاتي؛ ليستحق بخلافتي ونيابتي، ويظهر فيه ومنه آثار أسمائي وصفاتي {فَقَعُواْ لَهُ} وخرُّوا عنده؛ لتعظميه وتكريمه {سَاجِدِينَ} [ص: 72] متذللين له، واضعين جباهكم على تراب المذلة دونه. ثم لما سمع الملائكة منه سبحانه ما سمعوا {فَسَجَدَ} له {ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [ص: 73] امتثالاً للأمر الوجوبي {إِلاَّ إِبْلِيسَ} المعدود من عدادهم، والمنخرط في سلوكهم {ٱسْتَكْبَرَ} عن سجوده وتعظيمه {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} [ص: 74] بترك الانقياد للأمر الإلهي.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { قُلْ } يا أيها الرسول لهؤلاء المكذبين، إن طلبوا منك ما ليس لك ولا بيدك: { إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ } هذا نهاية ما عندي، وأما الأمر فلله تعالى، ولكني آمركم، وأنهاكم، وأحثكم على الخير وأزجركم عن الشر فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَعَلَيْهَا { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ } أي: ما أحد يؤله ويعبد بحق إلا اللّه { الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } هذا تقرير لألوهيته، بهذا البرهان القاطع، وهو وحدته تعالى، وقهره لكل شيء، فإن القهر ملازم للوحدة، فلا يكون قهارين متساويين في قهرهما أبدا. فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده، كما كان قاهرا وحده، وقرر ذلك أيضا بتوحيد الربوبية فقال: { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } أي: خالقهما، ومربيهما، ومدبرها بجميع أنواع التدابير. { الْعَزِيزُ } الذي له القوة، التي بها خلق المخلوقات العظيمة. { الْغَفَّارُ } لجميع الذنوب، صغيرها، وكبيرها، لمن تاب إليه وأقلع منها. فهذا الذي يحب ويستحق أن يعبد، دون من لا يخلق ولا يرزق، ولا يضر ولا ينفع، ولا يملك من الأمر شيئا، وليس له قوة الاقتدار، ولا بيده مغفرة الذنوب والأوزار. { قُلْ } لهم، مخوفا ومحذرا، ومنهضا لهم ومنذرا: { هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ } أي: ما أنبأتكم به من البعث والنشور والجزاء على الأعمال، خبر عظيم ينبغي الاهتمام الشديد بشأنه، ولا ينبغي إغفاله. ولكن { أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } كأنه ليس أمامكم حساب ولا عقاب ولا ثواب، فإن شككتم في قولي، وامتريتم في خبري، فإني أخبركم بأخبار لا علم لي بها ولا درستها في كتاب، فإخباري بها على وجهها، من غير زيادة ولا نقص، أكبر شاهد لصدقي، وأدل دليل على حق ما جئتكم به، ولهذا قال: { مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى } أي: الملائكة { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } لولا تعليم اللّه إياي، وإيحاؤه إلي، ولهذا قال: { إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ } أي: ظاهر النذارة، جليها، فلا نذير أبلغ من نذارته صلى اللّه عليه وسلم. ثم ذكر اختصام الملأ الأعلى فقال: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ } على وجه الإخبار { إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ } أي: مادته من طين. { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } أي: سويت جسمه وتم، { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } فوطَّن الملائكة الكرام أنفسهم على ذلك، حين يتم خلقه ونفخ الروح فيه، امتثالا لربهم، وإكراما لآدم عليه السلام، فلما تم خلقه في بدنه وروحه، وامتحن اللّه آدم والملائكة في العلم، وظهر فضله عليهم، أمرهم اللّه بالسجود. فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس لم يسجد { اسْتَكْبَرَ } عن أمر ربه، واستكبر على آدم { وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } في علم اللّه تعالى. فـ { قَالَ } اللّه موبخا ومعاتبا: { مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } أي: شرفته وكرمته واختصصته بهذه الخصيصة، التي اختص بها عن سائر الخلق، وذلك يقتضي عدم التكبر عليه. { أسْتَكْبَرْتَ } في امتناعك { أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ }. { قَالَ } إبليس معارضا لربه ومناقضا: { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ } وبزعمه أن عنصر النار خير من عنصر الطين، وهذا من القياس الفاسد، فإن عنصر النار مادة الشر والفساد، والعلو والطيش والخفة وعنصر الطين مادة الرزانة والتواضع وإخراج أنواع الأشجار والنباتات وهو يغلب النار ويطفئها، والنار تحتاج إلى مادة تقوم بها، والطين قائم بنفسه، فهذا قياس شيخ القوم، الذي عارض به الأمر الشفاهي من اللّه، قد تبين غاية بطلانه وفساده، فما بالك بأقيسة التلاميذ الذين عارضوا الحق بأقيستهم؟ فإنها كلها أعظم بطلانا وفسادا من هذا القياس. فـ { قَالَ } اللّه له: { فَاخْرُجْ مِنْهَا } أي: من السماء والمحل الكريم. { فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } أي: مبعد مدحور. { وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي } أي: طردي وإبعادي { إِلَى يَوْمِ الدِّينِ } أي: دائما أبدا. { قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } لشدة عداوته لآدم وذريته، ليتمكن من إغواء من قدر اللّه أن يغويه. فـ(قال) اللّه مجيبا لدعوته، حيث اقتضت حكمته ذلك: { فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ } حين تستكمل الذرية، يتم الامتحان. فلما علم أنه منظر، بادى ربه، من خبثه، بشدة العداوة لربه ولآدم وذريته، فقال: { فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } يحتمل أن الباء للقسم، وأنه أقسم بعزة اللّه ليغوينهم كلهم أجمعين. { إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } علم أن الله سيحفظهم من كيده. ويحتمل أن الباء للاستعانة، وأنه لما علم أنه عاجز من كل وجه، وأنه لا يضل أحدا إلا بمشيئة اللّه تعالى، فاستعان بعزة اللّه على إغواء ذرية آدم هذا، وهو عدو اللّه حقا. ونحن يا ربنا العاجزون المقصرون، المقرون لك بكل نعمة، ذرية من شرفته وكرمته، فنستعين بعزتك العظيمة، وقدرتك، ورحمتك الواسعة لكل مخلوق، ورحمتك التي أوصلت إلينا بها، ما أوصلت من النعم الدينية والدنيوية، وصرفت بها عنا ما صرفت من النقم، أن تعيننا على محاربته وعداوته، والسلامة من شره وشركه، ونحسن الظن بك أن تجيب دعاءنا، ونؤمن بوعدك الذي قلت لنا: {أية : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } تفسير : فقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا. {أية : إنك لا تخلف الميعاد } . تفسير : { قَالَ } اللّه تعالى { فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ } أي: الحق وصفي، والحق قولي. { لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } فلما بين الرسول للناس الدليل ووضح لهم السبيل قال الله له: { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي: على دعائي إياكم { مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ } أدعي أمرا ليس لي، وأقفو ما ليس لي به علم، لا أتبع إلا ما يوحى إليَّ. { إِنْ هُوَ } أي: هذا الوحي والقرآن { إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } يتذكرون به كل ما ينفعهم، من مصالح دينهم ودنياهم، فيكون شرفا ورفعة للعاملين به، وإقامة حجة على المعاندين. فهذه السورة العظيمة، مشتملة على الذكر الحكيم، والنبأ العظيم، وإقامة الحجج والبراهين، على من كذب بالقرآن وعارضه، وكذب من جاء به، والإخبار عن عباد اللّه المخلصين، وجزاء المتقين والطاغين. فلهذا أقسم في أولها بأنه ذو الذكر، ووصفه في آخرها بأنه ذكر للعالمين. وأكثر التذكير بها فيما بين ذلك، كقوله: { واذكر عبدنا } - { واذكر عبادنا } - { رحمة من عندنا وذكرى } { هذا ذكر }. اللّهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، نسيان غفلة ونسيان ترك. { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ } أي: خبره { بَعْدَ حِينٍ } وذلك حين يقع عليهم العذاب وتتقطع عنهم الأسباب. تم تفسير سورة ص بمنه تعالى وعونه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):