Verse. 4041 (AR)

٣٨ - ص

38 - Sad (AR)

اِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلٰۗىِٕكَۃِ اِنِّىْ خَالِقٌۢ بَشَرًا مِّنْ طِيْنٍ۝۷۱
Ith qala rabbuka lilmalaikati innee khaliqun basharan min teenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

اذكر «إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين» هو آدم.

71

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر، وذلك لأن إبليس، إنما وقع فيما وقع فيه بسبب الحسد والكبر، والكفار إنما نازعوا محمداً عليه السلام بسبب الحسد والكبر، فالله تعالى ذكر هذه القصة ههنا ليصير سماعها زاجراً لهم عن هاتين الخصلتين المذمومتين والحاصل أنه تعالى رغب المكلفين في النظر والاستدلال، ومنعهم عن الإصرار والتقليد وذكر في تقريره أموراً أربعة أولها: أنه نبأ عظيم فيجب الاحتياط فيه والثاني: أن قصة سؤال الملائكة عن الحكمة في تخليق البشر يدل على أن الحكمة الأصلية في تخليق آدم هو المعرفة والطاعة لا الجهل والتكبر الثالث: أن إبليس إنما خاصم آدم عليه السلام لأجل الحسد والكبر فيجب على العاقل أن يحترز عنهما، فهذا هو وجه النظم في هذه الآيات، واعلم أن هذه القصة قد تقدم شرحها في سور كثيرة، فلا فائدة في الإعادة إلا ما لا بد منه وفيها مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {إِنّى خَـٰلِقٌ بَشَراً مّن طِينٍ } سؤالات: الأول: أن هذا النظم إنما يصح لو أمكن خلق البشر لا من الطين، كما إذا قيل أنا متخذ سواراً من ذهب، فهذا إنما يستقيم لو أمكن اتخاذه من الفضة. الثاني: ذكر ههنا أنه خلق البشر من طين، وفي سائر الآيات ذكر أنه خلقه من سائر الأشياء كقوله تعالى في آدم إنه خلقه من تراب وكقوله: {أية : مِن صَلْصَـٰلٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } تفسير : [الحجر: 26] وكقوله: {أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } تفسير : [الأنبياء: 37]. الثالث: أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لما أخبر الملائكة بأنه خلق بشراً من طين. لم يقولوا شيئاً، وفي الآية الأخرى وهي التي قال: {أية : إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } تفسير : [البقرة: 30] بين أنهم أوردوا السؤال والجواب فبينهما تناقض، والجواب عن الأول أن التقدير كأنه سبحانه وصف لهم أولاً أن البشر شخص جامع للقوة البهيمية والسبعية والشيطانية والملكية، فلما قال: {إِنّى خَـٰلِقٌ بَشَراً مّن طِينٍ } فكأنه قال ذلك الشخص المستجمع لتلك الصفات، إنما أخلقه من الطين، والجواب عن الثاني أن المادة البعيدة هو التراب، وأقرب منه الطين، وأقرب منه الحمأ المسنون، وأقرب منه الصلصال فثبت أنه لا منافاة بين الكل، والجواب عن الثالث أنه في الآية المذكورة في سورة البقرة بين لهم أنه يخلق في الأرض خليفة، وبالآية المذكورة ههنا بين أن ذلك الخليفة بشر مخلوق من الطين. المسألة الثانية: قال {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } وهذا يدل على أن تخليق البشر لا يتم إلا بأمرين التسوية أولاً، ثم نفخ الروح ثانياً، وهذا حق لأن الإنسان مركب من جسد ونفس. أما الجسد فإنه إنما يتولد من المني، والمني إنما يتولد من دم الطمث وهو إنما يتولد من الأخلاط الأربعة، وهي إنما تتولد من الأركان الأربعة، ولا بد في حصول هذه التسوية من رعاية مقدار مخصوص لكل واحد منها، ومن رعاية كيفية امتزاجاتها وتركيباتها، ومن رعاية المدة التي في مثلها حصل ذلك المزاج الذي لأجله يحصل الاستعداد لقبول النفس الناطقة. وأما النفس فإليها الإشارة بقوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } ولما أضاف الروح إلى نفسه دل على أنه جوهر شريف علوي قدسي، وذهبت الحلولية إلى أن كلمة (من) تدل على التبعيض، وهذا يوهم أن الروح جزء من أجزاء الله تعالى، وهذا غاية الفساد، لأن كل ما له جزء وكل، فهو مركب وممكن الوجود لذاته ومحدث. وأما كيفية نفخ الروح، فاعلم أن الأقرب أن جوهر النفس عبارة عن أجسام شفافة نورانية، علوية العنصر، قدسية الجوهر، وهي تسري في البدن سريان الضوء في الهواء، وسريان النار في الفحم، فهذا القدر معلوم. أما كيفية ذلك النفخ فمما لا يعلمه إلا الله تعالى. المسألة الثالثة: الفاء في قوله: {فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } تدل على أنه كما تم نفخ الروح في الجسد توجه أمر الله عليهم بالسجود، وأما أن المأمور بذلك السجود ملائكة الأرض، أو دخل فيه ملائكة السموات مثل جبريل وميكائيل، والروح الأعظم المذكور في قوله: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً } تفسير : [النبأ: 38] ففيه مباحث عميقة. وقال بعض الصوفية: الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم، هم القوى النباتية والحيوانية الحسية والحركية، فإنها في بدن الإنسان خوادم النفس الناطقة، وإبليس الذي لم يسجد هو القوة الوهمية التي هي المنازعة لجوهر العقل، والكلام فيه طويل. وأما بقية المسائل وهي: كيفية سجود الملائكة لآدم، وأن ذلك هل يدل على كونه أفضل من الملائكة أم لا، وأن إبليس هل كان من الملائكة أم لا، وأنه هل كان كافراً، أصلياً أم لا، فكل ذلك تقدم في سورة البقرة وغيرها. المسألة الرابعة: احتج من أثبت الأعضاء والجوارح لله تعالى بقوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } في إثبات يدين لله تعالى، بأن قالوا ظاهر الآية يدل عليه، فوجب المصير إليه، والآيات الكثيرة واردة على وفق هذه الآية، فوجب القطع به. واعلم أن الدلائل الدالة على نفي كونه تعالى جسماً مركباً من الأجزاء والأعضاء، قد سبقت إلا أنا نذكر ههنا نكتاً جارية مجرى الإلزامات الظاهرة فالأول: أن من قال إنه مركب من الأعضاء والأجزاء، فإما أن يثبت الأعضاء التي ورد ذكرها في القرآن ولا يزيد عليها، وإما أن يزيد عليها، فإن كان الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح، لأنه يلزمه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] ويلزمه أن يثبت في تلك الرقعة عيوناً كثيرة لقوله: {أية : تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا } تفسير : [القمر: 14] وأن يثبت جنباً واحداً لقوله تعالى: {أية : يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر: 56] وأن يثبت على ذلك الجنب أيدي كثيرة لقوله تعالى: {أية : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } تفسير : [يس: 71] وبتقدير أن يكون له يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحجر الأسود يمين الله في الأرض» تفسير : وأن يثبت له ساقاً واحداً لقوله تعالى: { أية : يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } تفسير : [القلم: 42] فيكون الحاصل من هذه الصورة، مجرد رقعة الوجه ويكون عليها عيون كثيرة، وجنب واحد ويكون عليه أيد كثيرة وساق واحد، ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور، ولو كان هذا عبداً لم يرغب أحد في شرائه، فكيف يقول العاقل إن رب العالمين موصوف بهذه الصورة. وأما القسم الثاني: وهو أن لا يقتصر على الأعضاء المذكورة في القرآن، بل يزيد وينقص على وفق التأويلات، فحينئذ يبطل مذهبه في الحمل على مجرد الظواهر، ولا بد له من قبول دلائل العقل. الحجة الثانية: في إبطال قولهم إنهم إذا أثبتوا الأعضاء لله تعالى، فإن أثبتوا له عضو الرجل فهو رجل وأن أثبتوا له عضو النساء فهو أنثى، وإن نفوهما فهو خصي أو عنين، وتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. الحجة الثالثة: أنه في ذاته سبحانه وتعالى، إما أن يكون جسماً صلباً لا ينغمز ألبتة، فيكون حجراً صلباً، وإما أن يكون قابلاً للانغماز، فيكون ليناً قابلاً للتفرق والتمزق. وتعالى الله عن ذلك. الحجة الرابعة: أنه إن كان بحيث لا يمكنه أن يتحرك عن مكانه، كان كالزمن المعقد العاجز، وإن كان بحيث يمكنه أن يتحرك عن مكانه، كان محلاً للتغيرات، فدخل تحت قوله: {أية : لا أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76]. الحجة الخامسة: إن كان لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يتحرك كان كالميت، وإن كان يفعل هذه الأشياء، كان إنساناً كثير التهمة محتاجاً إلى الأكل والشرب والوقاع وذلك باطل. الحجة السادسة: أنهم يقولون إنه ينزل كل ليلة من العرش إلى السماء الدنيا، فنقول لهم حين نزوله: هل يبقى مدبراً للعرش ويبقى مدبراً للسماء الدنيا حين كان على العرش، وحينئذ لا يبقى في النزول فائدة، وإن لم يبق مدبراً للعرش فعند نزوله يصير معزولاً عن إلهية العرش والسموات. الحجة السابعة: أنهم يقولون إنه تعالى أعظم من العرش، وإن العرش لا نسبة لعظمته إلى عظمة الكرسي، وعلى هذا الترتيب حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فإذا كان كذلك كانت السماء الدنيا بالنسبة إلى عظمة الله كالذرة بالنسبة إلى البحر، فإذا نزل فإما أن يقال إن الإله يصير صغيراً بحيث تسعه السماء الدنيا، وإما أن يقال إن السماء الدنيا تصير أعظم من العرش، وكل ذلك باطل. الحجة الثامنة: ثبت أن العالم كرة، فإن كان فوق بالنسبة إلى قوم كانت تحت بالنسبة إلى قوم آخرين وذلك باطل، وإن كان فوق بالنسبة إلى الكل، فحينئذ يكون جسماً محيطاً بهذا العالم من كل الجوانب، فيكون إله العالم على هذا القول فلكاً من الأفلاك. الحجة التاسعة: لما كانت الأرض كرة، وكانت السموات كرات، فكل ساعة تفرض الساعات فإنها تكون ثلث الليل في حق أقوام معينين من سكان كرة العوارض، فلو نزل من العرش في ثلث الليل وجب أن يبقى أبداً نازلاً عن العرش، وأن لا يرجع إلى العرش ألبتة. الحجة العاشرة: أنا إنما زيفنا إلهية الشمس والقمر لثلاثة أنواع من العيوب أولها: كونه مؤلفاً من الأجزاء والأبعاض وثانيها: كونه محدوداً متناهياً وثالثها: كونه موصوفاً بالحركة والسكون والطلوع والغروب، فإذا كان إله المشبهة مؤلفاً من الأعضاء والأجزاء كان مركباً، فإذا كان العرش كان محدوداً متناهياً، وإن كان ينزل من العرش ويرجع إليه كان موصوفاً بالحركة والسكون، فهذه الصفات الثلاثة إن كانت منافية للألهية وجب تنزيه الإله عنها بأسرها، وذلك يبطل قول المشبهة، وإن لم تكن منافية للألهية فحينئذ لا يقدر أحد على الطعن في إلهية الشمس والقمر. الحجة الحادية عشرة: قوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 1] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض. الحجة الثانية عشرة: قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء } تفسير : [محمد: 38] ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال، ولما ثبت بالدلائل اليقينية وجوب تنزيه الله تعالى، عن هذه الأعضاء، فنقول ذكر العلماء في لفظ اليد وجوهاً الأول: أن اليد عبارة عن القدرة تقول العرب ما لي بهذا الأمر من يد، أي من قوة وطاقة، قال تعالى: {أية : أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ } تفسير : [البقرة: 237]، الثاني: اليد عبارة عن النعمة يقال أيادي فلان في حق فلان ظاهرة والمراد النعم والمراد باليدين النعم الظاهرة والباطنة أو نعم الدين والدنيا الثالث: أن لفظ اليد قد يزاد للتأكيد كقول القائل لمن جنى باللسان هذا ما كسبت يداك وكقوله تعالى: {أية : بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } تفسير : [الأعراف: 57]. ولقائل أن يقول حمل اليد على القدرة ههنا غير جائز، ويدل عليه وجوه الأول: أن ظاهر الآية يقتضي إثبات اليدين، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لزم إثبات قدرتين لله وهو باطل والثاني: أن الآية تقتضي أن كون آدم مخلوقاً باليدين يوجب فضيلته وكونه مسجوداً للملائكة، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لكان آدم مخلوقاً بالقدرة، لكن جميع الأشياء مخلوقة بقدرة الله تعالى فكما أن آدم عليه السلام مخلوق بيد الله تعالى، فكذلك إبليس مخلوق بيد الله تعالى، وعلى تقدير أن تكون اليد عبارة عن القدرة، لم تكن هذه العلة علة لكون آدم مسجوداً لإبليس أولى من أن يكون إبليس مسجوداً لآدم، وحينئذٍ يختل نظم الآية ويبطل الثالث: أنه جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كلتا يديه يمنى» تفسير : ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق بالقدرة. وأما التأويل الثاني: وهو حمل اليدين على النعمتين فهو أيضاً باطل لوجوه الأول: أن نعم الله تعالى كثيرة كما قال: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [إبراهيم: 34] وظاهر الآية يدل على أن اليد لا تزيد على الإثنتين الثاني: لو كانت اليد عبارة عن النعمة فنقول النعمة مخلوقة لله فحينئذٍ لا يكون آدم مخلوقاً لله تعالى بل يكون مخلوقاً لبعض المخلوقات، وذلك بأن يكون سبباً لمزيد النقصان أولى من أن يكون سبباً لمزيد الكمال الثالث: لو كانت اليد عبارة عن النعمة لكان قوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ } تفسير : [الملك: 1] معناه تبارك الذي بنعمته الملك ولكان قوله: «حديث : بيدك الخير» تفسير : معناه بنعمتك الخير ولكان قوله: {أية : يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } تفسير : [المائدة: 64] معناه نعمتان مبسوطتان، ومعلوم أن كل ذلك فاسد. وأما التأويل الثالث: وهو قوله إن لفظ اليد قد يذكر زيادة لأجل التأكيد فنقول لفظ اليد قد يستعمل في حق من يكون هذا العضو حاصلاً له وفي حق من لا يكون هذا العضو حاصلاً في حقه أما الأول: فكقولهم في حق من جنى بلسانه هذا ما كسبت يداك والسبب في هذا أن محل القدرة هو اليد فأطلق اسم اليد على القدرة، وعلى هذا التقدير فيصير المراد من لفظ اليد القدرة، وقد تقدم إبطال هذا الوجه وأما الثاني: فكقوله {أية : بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } تفسير : [سبأ: 46] وقوله: (بين يدي الساعة) إلا أنا نقول هذا المجاز بهذا اللفظ مذكور والمجاز لا يقاس عليه ولا يكون مطرداً، فلا جرم لا يجوز أن يقال إن هذا المعنى إنما حصل بيد العذاب وبيد الساعة، ونحن نسلم أن قوله: {أية : لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } تفسير : [الحجرات: 1] قد يجوز أن يراد به التأكيد والصلة، أما المذكور في هذه الآية ليس هذا اللفظ بل قوله تعالى: {خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } وإن كان القياس في المجازات باطلاً فقد سقط كلامكم بالكلية، فهذا منتهى البحث في هذا الباب. والذي تلخص عندي في هذا الباب أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء بيده إلا إذا كانت غاية عنايته مصروفة إلى ذلك العمل، فإذا كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجازاً عنه عند قيام الدلائل القاهرة. فهذا ما لخصناه في هذا الباب، والله أعلم. أما قوله تعالى: {اسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَـٰلِينَ } فالمعنى: استكبرت الآن أم كنت أبداً من المتكبرين العالين، فأجاب إبليس بقوله: {أَنَا خَيْرٌ مّنْه خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فالمعنى أني لو كنت مساوياً له في الشرف لكان يقبح أمري بسجودي له فكيف وأنا خير منه ثم بين كونه خيراً منه بأن أصله من النار والنار أشرف من الطين، فصح أن أصله خير من أصل آدم ومن كان أصله خيراً من أصله فهو خير منه فهذه مقدمات ثلاثة: المقدمة الأولى: أن إبليس مخلوق من النار، يدل عليه قوله تعالى حكاية عنه: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } وقوله تعالى: {أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } تفسير : [الحجر: 27]. المقدمة الثانية: أن النار أفضل من الطين ويدل عليه وجوه الأول: أن الأجرام الفلكية أشرف من الأجرام العنصرية والنار أقرب العناصر من الفلك والأرض أبعدها عنه فوجب كون النار أفضل من الأرض الثاني: أن النار خليفة الشمس والقمر في إضاءة هذا العالم عند غيبتهما والشمس والقمر أشرف من الأرض، فخليفتهما في الإضاءة أفضل من الأرض الثالث: أن الكيفية الفاعلة الأصلية، إما الحرارة أو البرودة والحرارة أفضل من البرودة لأن الحرارة تناسب الحياة والبرودة تناسب الموت الرابع: الأرض كثيفة والنار لطيفة واللطافة أشرف من الكثافة الخامس: النار مشرقة والأرض مظلمة والنور خير من الظلمة السادس: النار خفيفة تشبه الروح والأرض ثقيلة تشبه الجسد والروح أفضل من الجسد فالنار أفضل من الأرض ولذلك فإن الأطباء أطبقوا على أن العنصرين الثقيلين أعون على تركيب الأجساد وأن العنصرين الخفيفين أعون على تولد الأرواح السابع: النار صاعدة والأرض هابطة والصاعد أفضل من الهابط الثامن: أن أول بروج الفلك هو الحمل لأنه هو الذي يبدأ من نقطة الاستواء الشمالي، ثم إن الحمل على طبيعة النار وأشرف أعضاء الحيوان والقلب والروح وهما على طبيعة النار وأخس أعضاء الحيوان هو العظم وهو بارد يابس أرضي التاسع: أن الأجسام الأرضية كلما كانت أشد نورانية ومشابهة بالنار كانت أشرف وكلما كانت أكثر غبرة وكثافة وكدورة ومشابهة بالأرض كانت أخس، مثاله الأجسام الشبيهة بالنار الذهب والياقوت والأحجار الصافية النورانية ومثاله أيضاً من الثياب الإبريسم وما يتخذ منه، وأما أن كل ما كان أكثر أرضية وغبرة فهو أخس فالأمر ظاهر العاشر: أن القوة الباصرة قوة في غاية الشرف والجلالة ولا يتم عملها إلا بالشعاع وهو جسم شبيه بالنار الحادي عشر: أن أشرف أجسام العالم الجسماني هو الشمس ولا شك أنه شبيه بالنار في صورته وطبيعته وأثره الثاني عشر: أن النضج والهضم والحياة لا تتم إلا بالحرارة ولولا قوة الحرارة لما تم المزاج وتولدت المركبات الثالث عشر: أن أقوى العناصر الأربعة في قوة الفعل هو النار وأكملها في قوة الانفعال هو الأرض والفعل فضل من الانفعال فالنار أفضل من الأرض. أما القائلون بتفضيل الأرض على النار فذكروا أيضاً وجوهاً الأول: أن الأرض أمين مصلح فإذا أودعتها حبة ردتها إليك شجرة مثمرة والنار خائنة تفسد كل ما أسلمته إليها الثاني: أن الحس البصري أثنى على النار فليستمع ما يقوله الحس اللمسي الثالث: أن الأرض مستولية على النار فإنها تطفىء النار، وأما النار فإنها لا تؤثر في الأرض الخالصة. وأما المقدمة الثالثة: فهي أن من كان أصله خيراً من أصله فهو خير منه، فاعلم أن هذه المقدمة كاذبة جداً وذلك لأن أصل الرماد النار وأصل البساتين النزهة والأشجار المثمرة هو الطين ومعلوم بالضرورة أن الأشجار المثمرة خير من الرماد، وأيضاً فهب أن اعتبار هذه الجهة يوجب الفضيلة إلا أن هذا يمكن أن يصير معارضاً بجهة أخرى توجب الرجحان مثل إنسان نسيب عار عن كل الفضائل فإن نسبه يوجب رجحانه، إلا أن الذي لا يكون نسبياً قد يكون كثير العلم والزهد فيكون هو أفضل من ذلك النسيب بدرجات لا حد لها، فالمقدمة الكاذبة في القياس الذي ذكره إبليس هو هذه المقدمة، فإن قال قائل هب أن إبليس أخطأ في هذا القياس لكن كيف لزمه الكفر من تلك المخالفة؟ وبيان هذا السؤال من وجوه الأول: أن قوله: {ٱسْجُدُواْ } أمر والأمر لا يقتضي الوجوب بل الندب ومخالفة الندب لا توجب العصيان فضلاً عن الكفر، وأيضاً فالذين يقولون إن الأمر للوجوب فهم لا ينكرون كونه محتملاً للندب احتمالاً ظاهراً ومع قيام هذا الاحتمال الظاهر كيف يلزم العصيان فضلاً عن الكفر الثاني: هب أنه للوجوب إلا أن إبليس ما كان من الملائكة فأمر الملائكة بسجود آدم لا يدخل فيه إبليس الثالث: هب أنه يتناوله إلا أن تخصيص العام بالقياس جائز فخصص نفسه عن عموم ذلك الأمر بالقياس الرابع: هب أنه لم يسجد مع علمه بأنه كان مأموراً به إلا أن هذا القدر يوجب العصيان ولا يوجب الكفر فكيف لزمه الكفر الجواب: هب أن صيغة الأمر لا تدل على الوجوب ولكن يجوز أن ينضم إليها من القرائن ما يدل على الوجوب، وههنا حصلت تلك القرائن وهي قوله تعالى: {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَـٰلِينَ } فلما أتى إبليس بقياسه الفاسد دل ذلك على أنه إنما ذكر ذلك القياس ليتوسل به إلى القدح في أمر الله وتكليفه وذلك يوجب الكفر. إذا عرفت هذا فنقول إن إبليس لما ذكر هذا القياس الفاسد قال تعالى: {أَخْرَجَ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ }. واعلم أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف وههنا الحكم بكونه رجيماً ورد عقيب ما حكى عنه أنه خصص النص بالقياس، فهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس يوجب هذا الحكم، وقوله: {مِنْهَا } أي من الجنة أو من السموات والرجيم المرجوم وفيه قولان: القول الأول: أنه مجاز عن الطرد، لأن الظاهر أن من طرد فقد يرمى بالحجارة وهو الرجم فلما كان الرجم من لوازم الطرد جعل الرجم كناية عن الطرد فإن قالوا الطرد هو اللعن فلو حملنا قوله: {رَّجِيمٍ } على الطرد لكان قوله بعد ذلك: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى } تكراراً والجواب من وجهين الأول: أنا نحمل الرجم على الطرد من الجنة أو من السموات ونحمل اللعن على الطرد من رحمة الله والثاني: أنا نحمل الرجم على الطرد ونحمل قوله: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدّينِ } على أن ذلك الطرد يمتد إلى آخر القيامة فيكون هذا فائدة زائدة ولا يكون تكريراً. والقول الثاني: في تفسير الرجيم أن نحمله على الحقيقة وهو كون الشياطين مرجومين بالشهب، والله أعلم. فإن قيل كلمة إلى لانتهاء الغاية فقوله: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدّينِ } يقتضي انقطاع تلك اللعنة عند مجيء يوم الدين، أجاب صاحب «الكشاف» بأن اللعنة باقية عليه في الدنيا فإذا جاء يوم القيامة جعل مع اللعنة أنواع من العذاب تصير اللعنة مع حضورها منسية. واعلم أن إبليس لما صار ملعوناً قال: {فَأَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } قيل إنما طلب الإنظار إلى يوم يبعثون لأجل أن يتخلص من الموت لأنه إذا نظر إلى يوم البعث لم يمت قبل يوم البعث وعند مجيء يوم البعث لا يموت أيضاً فحينئذ يتخلص من الموت فقال تعالى: {إِنَّكَ مِنَ ٱلمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } ومعناه إنك من المنظرين إلى يوم يعلمه الله ولا يعلمه أحد سواه، فقال إبليس: {فَبِعِزَّتِكَ } وهو قسم بعزة الله وسلطانه {لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } فههنا أضاف الإغواء إلى نفسه وهو على مذهب القدر وقال مرة أخرى: {رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } فأضاف الإغواء إلى الله على ما هو مذهب الجبر وهذا يدل على أنه متحير في هذه المسألة. وأما قوله: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } ففيه فوائد: الفائدة الأولى: قيل غرض إبليس من ذكره هذا الاستثناء أن لا يقع في كلامه الكذب لأنه لو لم يذكر هذا الاستثناء وادعى أنه يغوي الكل لكان يظهر كذبه حين يعجز عن إغواء عباد الله الصالحين، فكأن إبليس قال: إنما ذكرت هذا الاستثناء لئلا يقع الكذب في هذا الكلام، وعن هذا يقال إن الكذب شيء يستنكف منه إبليس فكيف يليق بالمسلم الإقدام عليه؟ فإن قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أُلْقِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ }؟ تفسير : [الحج: 52] قلنا إن إبليس لم يقل إني لم أقصد إغواء عباد الله الصالحين بل قال لأغوينهم وهو وإن كان يقصد الإغواء إلا أنه لا يغويهم. الفائدة الثانية: هذه الآية تدل على أن إبليس لا يغوي عباد الله المخلصين، وقال تعالى في صفة يوسف: {أية : إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [يوسف: 24] فنصل من مجموع هاتين الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف عليه السلام، وذلك يدل على كذب الحشوية فيما ينسبون إلى يوسف عليه السلام من القبائح. واعلم أن إبليس لما ذكر هذا الكلام قال الله تعالى: {فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ منك وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة {فَٱلْحَقُّ } بالرفع {وَٱلْحَقَّ } بالنصب، والباقون بالنصب فيهما. أما الرفع فتقديره فالحق قسمي. وأما النصب فعلى القسم، أي فبالحق، كقولك والله لأفعلن. وأما قوله: {وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } انتصب قوله: {وَٱلْحَقَّ } بقوله: {أَقُولُ }. المسألة الثانية: قوله: {مِنكَ } أي من جنسك، وهم الشياطين {وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } من ذرية آدم، فإن قيل قوله: {أَجْمَعِينَ } تأكيد لماذا؟ قلنا: يحتمل أن يؤكد به الضمير في {مِنْهُمْ }، أو الكاف في {مِنكَ } مع من تبعك، ومعناه لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين لا أترك منهم أحداً. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة أن الكل بقضاء الله من وجوه الأول: أنه تعالى قال في حق إبليس: {فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدّينِ } فهذا إخبار من الله تعالى بأنه لا يؤمن، فلو آمن لانقلب خبر الله الصدق كذباً وهو محال، فكان صدور الإيمان منه محالاً مع أنه أمر به والثاني: أنه قال: {فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } فالله تعالى علم منه أنه يغويهم، وسمع منه هذه الدعوى، وكان قادراً على منعه عن ذلك، والقادر على المنع إذا لم يمنع كان راضياً به، فإن قالوا: لعل ذلك المنع مفسد، قلنا: هذا قول فاسد، لأن ذلك المنع يخلص إبليس عن الإضلال، ويخلص بني آدم عن الضلال، وهذا عين المصلحة الثالث: أنه تعالى أخبر أنه يملأ جهنم من الكفرة، فلو لم يكفروا لزم الكذب والجهل في حق الله تعالى الرابع: أنه لو أراد أن لا يكفر الكافر لوجب أن يبقى الأنبياء والصالحين، وأن يميت إبليس والشياطين، وحيث قلب الأمر علمنا أنه فاسد الخامس: أن تكليف أولئك الكفار بالإيمان، يقتضي تكليفهم بالإيمان بهذه الآيات التي هي دالة على أنهم لا يؤمنون ألبتة، وحينئذ يلزم أن يصيروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون ألبتة، وذلك تكليف بما لا يطاق، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} «إِذْ» من صلة «يَخْتَصِمُونَ» المعنى؛ ما كان لي من علم بالملإ الأعلى حين يختصمون حين {قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ}. وقيل: «إِذْ قَالَ» بدل من «إِذْ يَخْتَصِمُونَ» و«يَخْتَصِمُونَ» يتعلق بمحذوف؛ لأن المعنى ما كان لي من علم بكلام الملإ الأعلى وقت اختصامهم. {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} «إذَا» تردّ الماضي إلى المستقبل؛ لأنها تشبه حروف الشرط وجوابها كجوابه؛ أي خلقته. {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} أي من الروح الذي أملكه ولا يملكه غيري. فهذا معنى الإضافة، وقد مضى هذا المعنى مجوّداً في «النساء» في قوله في عيسى {أية : وَرُوحٌ مِّنْهُ}تفسير : [النساء: 171]. {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} نصب على الحال. وهذا سجود تحية لا سجود عبادة. وقد مضى في «البقرة» {فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } أي امتثلوا الأمر وسجدوا له خضوعاً له وتعظيماً لله بتعظيمه {إِلاَّ إِبْلِيسَ} أنف من السجود له جهلاً بأن السجود له طاعة لله، والأنفة من طاعة الله استكباراً كفر، ولذلك كان من الكافرين باستكباره عن أمر الله تعالى. وقد مضى الكلام في هذا في «البقرة» مستوفى.

البيضاوي

تفسير : {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّى خَـٰلِقٌ بَشَراً مّن طِينٍ } بدل من {إِذْ يَخْتَصِمُونَ } مبين له فإن القصة التي دخلت إذ عليها مشتملة على تقاول الملائكة وإبليس في خلق آدم عليه السلام، واستحقاقه للخلافة والسجود على ما مر في «البقرة»، غير أنها اختصرت اكتفاء بذلك واقتصاراً على ما هو المقصود منها، وهو إنذار المشركين على استكبارهم على النبي عليه الصلاة والسلام بمثل ما حاق بإبليس على استكباره على آدم عليه السلام، هذا ومن الجائز أن يكون مقاولة الله تعالى إياهم بواسطة ملك، وأن يفسر «الملأ الأعلى» بما يعم الله تعالى والملائكة. {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } عدلت خلقته. {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } وأحييته بنفخ الروح فيه، وإضافته الى نفسه لشرفه وطهارته. {فَقَعُواْ لَهُ } فخروا له. {سَـٰجِدِينَ } تكرمة وتبجيلاً له وقد مر من الكلام فيه في «البقرة». {فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ }. {إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ } تعظم. {وَكَانَ } وصار. {مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } باستنكاره أمر الله تعالى واستكباره عن المطاوعة، أو كان منهم في علم الله تعالى. {قَالَ يَـا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ} خلقته بنفسي من غير توسط كأب وأم، والثنية لما في خلقه من مزيد القدرة واختلاف الفعل، وقرىء على التوحيد وترتيب الإنكار عليه للإشعار بأنه المستدعي للتعظيم، أو بأنه الذي تشبث به في تركه وهو لا يصلح مانعاً إذ للسيد أن يستخدم بعض عبيده لبعض سيما وله مزيد اختصاص. {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَـٰلِينَ } تكبرت من غير استحقاق أو كنت ممن علا واستحق التفوق، وقيل استكبرت الآن أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين، وقرىء {اسْتَكْبَرْتَ} بحذف الهمزة لدلالة {أَمْ} عليها أو بمعنى الإخبار. {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } إبداء للمانع وقوله: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} دليل عليه وقد سبق الكلام فيه. {قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا } من الجنة أو من السماء، أو من الصورة الملكية. {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} مطرود من الرحمة ومحل الكرامة. {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدّينِ قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} مر بيانه في «الحجر». {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ} فبسلطانك وقهرك. {لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} الذين أخلصهم الله لطاعته وعصمهم من الضلالة، أو أخلصوا قلوبهم لله على اختلاف القراءتين. {قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ} أي فأحق الحق وأقوله، وقيل «الحق» الأول اسم الله نصبه بحذف حرف القسم كقوله:شعر : إِنَّ عَلَيْكَ الله أَنْ تُبَايِعَاتفسير : وجوابه {لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } وما بينهما اعتراض وهو على الأول جواب محذوف والجملة تفسير لـ {ٱلْحَقّ } المقول، وقرأ عاصم وحمزة برفع الأول على الابتداء أي الحق يميني أو قسمي، أو الخبر أي أنا {ٱلْحَقّ }، وقرئا مرفوعين على حذف الضمير من أقول كقوله: كله لم أصنع. ومجرورين على إضمار حرف القسم في الأول وحكاية لفظ المقسم به في الثاني للتأكيد، وهو سائغ فيه إذا شارك الأول وبرفع الأول وجره ونصب الثاني وتخريجه على ما ذكرناه، والضمير في منهم للناس إذ الكلام فيهم والمراد بمنك من جنسك ليتناول الشياطين، وقيل للثقلين وأجمعين تأكيد له أو للضميرين. {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } أي على القرآن أو تبليغ الوحي. {وَمَا أَنَا مِنَ ٱلْمُتَكَلّفِينَ } المتصفين بما ليسوا من أهله على ما عرفتم من حالي فأنتحل النبوة، وأتقول القرآن. {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ } عظة. {لّلْعَـٰلَمِينَ } للثقلين. {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ } وهو ما فيه من الوعد والوعيد، أو صدقه بإتيان ذلك. {بَعْدَ حِينِ } بعد الموت أو يوم القيامة أو عند ظهور الإِسلام وفيه تهديد. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة (ص) كان له بوزن كل جبل سخره الله لداود عشر حسنات، وعصمه الله أن يصر على ذنب صغير أو كبير».

ابن كثير

تفسير : هذه القصة ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة البقرة، وفي أول سورة الأعراف، وفي سورة الحجر، وسبحان، والكهف، وههنا، وهي أن الله سبحانه وتعالى أعلم الملائكة قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام بأنه سيخلق بشراً من صلصال من حمأ مسنون، وتقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته فليسجدوا له إكراماً وإعظاماً واحتراماً وامتثالاً لأمر الله عز وجل، فامتثل الملائكة كلهم ذلك سوى إبليس، ولم يكن منهم جنساً. كان من الجن، فخانه طبعه وجبلته أحوج ما كان إليه، فاستنكف عن السجود لآدم، وخاصم ربه عز وجل فيه، وادعى أنه خير من آدم؛ فإنه مخلوق من نار، وآدم خلق من طين، والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله تعالى، وكفر بذلك، فأبعده الله عز وجل، وأرغم أنفه، وطرده عن باب رحمته ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه إبليس إعلاماً له بأنه قد أبلس من الرحمة، وأنزله من السماء مذموماً مدحوراً إلى الأرض، فسأل الله النظرة إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة، تمرد وطغى، وقال: { فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } كما قال عز وجل: {أية : أَرَءَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 62] وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً} تفسير : [الإسراء: 65]. وقوله تبارك وتعالى: { قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } قرأ ذلك جماعة منهم مجاهد برفع الحق الأول، وفسره مجاهد بأن معناه: أنا الحق، والحق أقول، وفي رواية عنه: الحق مني، وأقول الحق، وقرأ آخرون بنصبهما. قال السدي: هو قسم أقسم الله به (قلت): وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [السجدة: 13] وكقوله عز وجل: {أية : قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوفُورًا} تفسير : [الإسراء: 63].

المحلي و السيوطي

تفسير : اذكر {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } هو آدم.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه خصومة الملائكة إجمالاً فيما تقدّم ذكرها هنا تفصيلاً، فقال: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ } "إذ" هذه هي بدل من {إِذْ يَخْتَصِمُونَ } لاشتمال ما في حيز هذه على الخصومة. وقيل: هي منصوبة بإضمار اذكر، والأوّل أولى إذا كانت خصومة الملائكة في شأن من يستخلف في الأرض. وأما إذا كانت في غير ذلك مما تقدّم ذكره، فالثاني أولى {إِنّى خَـٰلِقٌ بَشَراً مّن طِينٍ } أي: خالق فيما سيأتي من الزمن {بَشَرًا } أي: جسماً من جنس البشر مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه بادي البشرة. وقوله: {مِن طِينٍ } متعلق بمحذوف هو: صفة لبشر، أو بخالق، ومعنى {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ }: صوّرته على صورة البشر، وصارت أجزاؤه مستوية {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } أي: من الروح الذي أملكه، ولا يملكه غيري. وقيل: هو تمثيل، ولا نفخ، ولا منفوخ فيه. والمراد: جعله حياً بعد أن كان جماداً لا حياة فيه. وقد مرّ الكلام في هذا في سورة النساء {فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } هو أمر من وقع يقع، وانتصاب {ساجدين} على الحال، والسجود هنا هو: سجود التحية لا سجود العبادة، وقد مضى تحقيقه في سورة البقرة. {فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } في الكلام حذف تدلّ عليه الفاء، والتقدير: فخلقه، فسوّاه، ونفخ فيه من روحه، فسجد له الملائكة. وقوله: {كُلُّهُمْ } يفيد أنهم سجدوا جميعاً، ولم يبق منهم أحد. وقوله: {أَجْمَعُونَ } يفيد أنهم اجتمعوا على السجود في وقت واحد، فالأوّل: لقصد الإحاطة، والثاني: لقصد الاجتماع. قال في الكشاف: فأفادا معاً أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعاً في وقت واحد غير متفرّقين في أوقات. وقيل: إنه أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم {إِلاَّ إِبْلِيسَ } الاستثناء متصل على تقدير: أنه كان متصفاً بصفات الملائكة داخلاً في عدادهم، فغلبوا عليه، أو منقطع على ما هو الظاهر من عدم دخوله فيهم، أي: لكن إبليس {ٱسْتَكْبَرَ } أي: أنف من السجود جهلاً منه بأنه طاعة لله، وكان استكباره استكبار كفر، فلذلك {كَانَ مِنْ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي: صار منهم بمخالفته لأمر الله، واستكباره عن طاعته، أو كان من الكافرين في علم الله سبحانه، وقد تقدّم الكلام على هذا مستوفى في سورة البقرة، والأعراف، وبني إسرائيل، والكهف، وطه. ثم إن الله سبحانه سأله عن سبب تركه للسجود الذي أمره به فقال: {يَـاإِبْلِيسَ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } أي: ما صرفك، وصدّك عن السجود لما توليت خلقه من غير واسطة؟ وأضاف خلقه إلى نفسه تكريماً له، وتشريفاً، مع أنه سبحانه خالق كل شيء كما أضاف إلى نفسه الروح، والبيت، والناقة، والمساجد. قال مجاهد: اليد هنا بمعنى: التأكيد، والصلة مجازاً كقوله: {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبّكَ } تفسير : [الرحمٰن: 27]. وقيل: أراد باليد القدرة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد، وما لي به يدان أي: قدرة، ومنه قول الشاعر:شعر : تحملت من عفراء ما ليس لي به ولا للجبال الراسيات يدان تفسير : وقيل: التثنية في اليد للدلالة على أنها ليس بمعنى: القوّة، والقدرة، بل للدلالة على أنهما صفتان من صفات ذاته سبحانه، و «ما» في قوله: {لِمَا خَلَقْتُ } هي: المصدرية، أو الموصولة. وقرأ الجحدري: (لما) بالتشديد مع فتح اللام على أنها ظرف بمعنى: حين كما قال أبو عليّ الفارسي. وقرىء: "بيدي" على الإفراد {أَسْتَكْبَرْتَ } قرأ الجمهور بهمزة الاستفهام، وهو استفهام توبيخ، وتقريع و {أَمْ } متصلة. وقرأ ابن كثير في رواية عنه، وأهل مكة بألف وصل، ويجوز أن يكون الاستفهام مراداً، فيوافق القراءة الأولى كما في قول الشاعر:شعر : تروح من الحيّ أم تبتكر تفسير : وقول الآخر:شعر : بسبع رمين الجمر أم بثمانيا تفسير : ويحتمل أن يكون خبراً محضاً من غير إرادة للاستفهام، فتكون «أم» منقطعة، والمعنى: استكبرت عن السجود الذي أمرت به بل أكُنتَ مِنَ ٱلْعَـٰلِينَ، أي: المستحقين للترفع عن طاعة أمر الله المتعالين عن ذلك، وقيل: المعنى: استكبرت عن السجود الآن، أم لم تزل من القوم الذين يتكبرون عن ذلك؟ وجملة: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، ادّعى اللعين لنفسه: أنه خير من آدم، وفي ضمن كلامه هذا: أن سجود الفاضل للمفضول لا يحسن. ثم علل ما ادّعاه من كونه خيراً منه بقوله: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }، وفي زعمه أن عنصر النار أشرف من عنصر الطين، وذهب عنه أن النار إنما هي بمنزلة الخادم لعنصر الطين إن احتيج إليها استدعيت كما يستدعى الخادم، وإن استغنى عنها طردت، وأيضاً فالطين يستولي على النار، فيطفئها، وأيضاً فهي لا توجد إلا بما أصله من عنصر الأرض، وعلى كل حال، فقد شرّف آدم بشرف، وكرّم بكرامة لا يوازيها شيء من شرف العناصر، وذلك أن الله خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، والجواهر في أنفسها متجانسة، وإنما تشرف بعارض من عوارضها. وجملة: {قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا } مستأنفة كالتي قبلها، أي: فاخرج من الجنة، أو من زمرة الملائكة، ثم علل أمره بالخروج بقوله: {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } أي: مرجوم بالكواكب مطرود من كل خير {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدّينِ } أي: طردي لك عن الرحمة، وإبعادي لك منها، ويوم الدين يوم الجزاء، فأخبر سبحانه وتعالى: أن تلك اللعنة مستمرّة له دائمة عليه ما دامت الدنيا، ثم في الآخرة يلقى من أنواع عذاب الله، وعقوبته، وسخطه ما هو به حقيق، وليس المراد: أن اللعنة تزول عنه في الآخرة، بل هو ملعون أبداً، ولكن لما كان له في الآخرة ما ينسى عنده اللعنة، ويذهل عند الوقوع فيه منها صارت كأنها لم تكن بجنب ما يكون فيه، وجملة: {قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } مستأنفة كما تقدّم فيما قبلها أي: أمهلني، ولا تعاجلني إلى غاية هي يوم يبعثون: يعني: آدم، وذريته {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ } أي: الممهلين {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } الذي قدّره الله لفناء الخلائق، وهو عند النفخة الآخرة، وقيل: هو النفخة الأولى. قيل: إنما طلب إبليس الإنظار إلى يوم البعث؛ ليتخلص من الموت، لأنه إذا أنظر إلى يوم البعث لم يمت قبل البعث، وعند مجيء البعث لا يموت، فحينئذٍ يتخلص من الموت. فأجيب بما يبطل مراده، وينقض عليه مقصده، وهو الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم، وهو الذي يعلمه الله، ولا يعلمه غيره. فلما سمع اللعين إنظار الله له إلى ذلك الوقت قال {فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } فأقسم بعزّة الله أنه يضلّ بني آدم بتزيين الشهوات لهم، وإدخال الشبه عليهم حتى يصيروا غاوين جميعاً. ثم لما علم أن كيده لا ينجع إلا في أتباعه، وأحزابه من أهل الكفر، والمعاصي، استثنى من لا يقدر على إضلاله، ولا يجد السبيل إلى إغوائه، فقال: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } أي: الذين أخلصتهم لطاعتك، وعصمتهم من الشيطان الرجيم، وقد تقدّم تفسير هذه الآيات في سورة الحجر، وغيرها. وقد أقسم ها هنا بعزّة الله، وأقسم في موضع آخر بقوله: {أية : فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } تفسير : [الأعراف: 16] ولا تنافي بين القسمين، فإن إغواءه إياه من آثار عزّته سبحانه، وجملة {قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } مستأنفة كالجمل التي قبلها. قرأ الجمهور بنصب الحق في الموضعين على أنه مقسم به حذف منه حرف القسم، فانتصب، أو هما منصوبان على الإغراء، أي: الزموا الحق، أو مصدران مؤكدان لمضمون قوله: {لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ }، وقرأ ابن عباس، ومجاهد، والأعمش، وعاصم، وحمزة برفع الأوّل، ونصب الثاني، فرفع الأوّل على أنه مبتدأ، وخبره مقدّر، أي: فالحق مني، أو فالحق أنا، أو خبره: لأملأن، أو هو خبر مبتدأ محذوف، وأما نصب الثاني، فبالفعل المذكور بعده أي: وأنا أقول الحق، وأجاز الفراء، وأبو عبيد أن يكون منصوباً بمعنى: حقاً لأملأنّ جهنم. واعترض عليهما بأن ما بعد اللام مقطوع عما قبلها. وروي عن سيبويه، والفراء أيضاً: أن المعنى: فالحق أن إملاء جهنم. وروي عن ابن عباس، ومجاهد: أنهما قرآ برفعها، فرفع الأوّل على ما تقدّم، ورفع الثاني بالابتداء، وخبره الجملة المذكورة بعده، والعائد محذوف. وقرأ ابن السميفع، وطلحة بن مصرف بخفضهما على تقدير حرف القسم. قال الفراء: كما يقول الله عزّ وجلّ: لأفعلنّ كذا، وغلطه أبو العباس ثعلب وقال: لا يجوز الخفض بحرف مضمر، وجملة {لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ } جواب القسم على قراءة الجمهور، وجملة: {وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } معترضة بين القسم، وجوابه، ومعنى {مِنكَ } أي: من جنسك من الشياطين {وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } أي: من ذرّية آدم، فأطاعوك إذ دعوتهم إلى الضلال، والغواية و{أَجْمَعِينَ } تأكيد للمعطوف، والمعطوف عليه، أي: لأملأنها من الشياطين، وأتباعهم أجمعين. ثم أمر الله سبحانه رسوله: أن يخبرهم بأنه إنما يريد بالدعوة إلى الله امتثال أمره لا عرض الدنيا الزائل، فقال: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } والضمير في: {عليه} راجع إلى تبليغ الوحي، ولم يتقدّم له ذكر، ولكنه مفهوم من السياق. وقيل: هو عائد إلى ما تقدّم من قوله: {أية : أَءنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ مِن بَيْنِنَا } تفسير : [صۤ: 8] وقيل: الضمير راجع إلى القرآن، وقيل: إلى الدّعاء إلى الله على العموم، فيشمل القرآن، وغيره من الوحي، ومن قول الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى: ما أطلب منكم من جعل تعطونيه عليه {وَمَا أَنَا مِنَ ٱلْمُتَكَلّفِينَ } حتى أقول ما لا أعلم إذ أدعوكم إلى غير ما أمرني الله بالدعوّة إليه، والتكلف: التصنع. {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ } أي: ما هذا القرآن، أو الوحي، أو ما أدعوكم إليه إلا ذكر من الله عزّ وجلّ للجنّ، والإنس. قال الأعمش: ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين {وَلَتَعْلَمُنَّ } أيها الكفار {نَبَأَهُ } أي: ما أنبأ عنه، وأخبر به من الدّعاء إلى الله، وتوحيده، والترغيب إلى الجنة، والتحذير من النار {بَعْدَ حِينِ } قال قتادة، والزجاج، والفراء: بعد الموت. وقال عكرمة، وابن زيد: يوم القيامة. وقال الكلبي: من بقي علم ذلك لما ظهر أمره، وعلا، ومن مات علمه بعد الموت. وقال السدّي: وذلك يوم بدر. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس {إِذْ يَخْتَصِمُونَ }: أن الخصومة هي: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ } إلخ. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي عن ابن عمر قال: خلق الله أربعاً بيده: العرش، وجنة عدن، والقلم، وآدم. وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن الحارث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خلق الله ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده»تفسير : ، وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } قال: أنا الحق أقول الحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } قال: قل يا محمد: {مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } ما أدعوكم إليه {مِنْ أَجْرٍ } عرض دنيا. وفي البخاري، ومسلم، وغيرهما عن مسروق قال: بينما رجل يحدّث في المسجد، فقال فيما يقول: {أية : يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الدخان: 10] قال: دخان يكون يوم القيامة يأخذ بأسماع المنافقين، وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين كهيئة الزكام، قال: قمنا حتى دخلنا على عبد الله، وهو في بيته، وكان متكئاً، فاستوى قاعداً، فقال: يا أيها الناس من علم منكم علماً، فليقل به، ومن لم يعلم، فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول العالم لما لا يعلم: الله أعلم، قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ ٱلْمُتَكَلّفِينَ }. وأخرج البخاري عن عمر قال: نهينا عن التكلف. وأخرج الطبراني، والحاكم، والبيهقي عن سلمان قال: نهانا رسول الله أن نتكلف للضيف.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خَلَقْتُ بيديَّ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بقوتي، قاله علي بن عاصم. الثاني: بقدرتي، ومنه قول الشاعر: شعر : تحملت من عفراء، ما ليس لي به ولا للجبال الراسيات يدان تفسير : الثالث: لما توليت خلقه بنفسي، قاله ابن عيسى. {أستكبرت}أي عن الطاعة أم تعاليت عن السجود؟ قوله عز وجل: {قال فالحق والحق أقول} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنا الحق، وأقول الحق، قاله مجاهد. الثاني: الحق مني والحق قولي، رواه الحكم. الثالث: معناه حقاً لأملأن جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين، قاله الحسن. قوله عز وجل: {قل ما أسألكم عليه من أجْر} فيه وجهان: أحدهما: قل يا محمد للمشركين ما أسألكم على ما أدعوكم إليه من طاعة الله أجراً قاله ابن عباس. الثاني: ما أسألكم على ما جئتكم به من القرآن أجراً، قاله عطاء. {وما أنا من المتكلفين} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وما أنا من المتكلفين لهذا القرآن من تلقاء نفسي. الثاني: وما أنا من المتكلفين لأن آمركم بما لم أؤمر به. الثالث: وما أنا بالذي أكلفكم الأجر وهو معنى قول مقاتل. قوله عز وجل: {ولتعلَمُنَّ نبأه بَعْد حين} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: نبأ القرآن أنه حق. الثاني: نبأ محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول. الثالث: نبأ الوعيد أنه صدق. {بعد حين} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: بعد الموت، قاله قتادة. وقال الحسن: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. الثاني: يوم بدر، قاله السدي. الثالث: يوم القيامة، قاله ابن زيد وعكرمة، والله أعلم.

النسفي

تفسير : {إِذْ قَالَ رَبُّكَ } بدل من {إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أي في شأن آدم حين قال تعالى على لسان ملك{لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنِّى خَـٰلِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ } وقال {أية : إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } تفسير : [البقرة: 30] {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } فإذا أتممت خلقته وعدلته {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } الذي خلقته، وأضافه إليه تخصيصاً كبيت الله وناقة الله، والمعنى أحييته وجعلته حساساً متنفساً {فَقَعُواْ } أمر من وقع يقع أي اسقطوا على الأرض والمعنى اسجدوا {لَهُ سَـٰجِدِينَ } قيل: كان انحناء يدل على التواضع. وقيل: كان سجدة لله أو كان سجدة التحية {فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } «كل» للإحاطة وأجمعون للاجتماع فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعهم في وقت واحد غير متفرقين في أوقات {إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ } تعظم عن السجود {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } وصار من الكافرين بإباء الأمر {قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } ما منعك عن السجود {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } أي بلا واسطة امتثالاً لأمري وإعظاماً لخطابي، وقد مر أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيده فغلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما حتى قيل في عمل القلب: هو ما عملت يداك، حتى قيل لمن لا يدين له: يداك اوكتا وفوك نفخ. وحتى لم يبق فرق بين قولك «هذا مما عملته» و «هذا مما عملته يداك»، ومنه قوله {أية : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا }تفسير : [يس: 71] و {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } {أَسْتَكْبَرْتَ } استفهام إنكار {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَـٰلِينَ } ممن علوت وفقت. وقيل: أستكبرت الآن أم لم تزل مذ كنت من المستكبرين. {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } يعني لو كان مخلوقاً من نار لما سجدت له لأنه مخلوق مثلي فكيف أسجد لمن هو دوني لأنه من طين والنار تغلب الطين وتأكله؟ وقد جرت الجملة الثانية من الأولى وهي {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ } مجرى المعطوف عطف البيان والإيضاح. {قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا } من الجنة أو من السماوات أو من الخلقة التي أنت فيها، لأنه كان يفتخر بخلقته فغير الله خلقته واسود بعد ما كان أبيض وقبح بعد ما كان حسناً وأظلم بعدما كان نورانياً {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } مرجوم أي مطرود. تكبر إبليس أن يسجد لمن خلق من طين وزل عنه أن الله أمر به ملائكته واتبعوا أمره إجلالاً لخطابه وتعظيماً لأمره فصار مرجوماً ملعوناً بترك أمره {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى } بفتح الياء: مدني أي إبعادي من كل الخير {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ } أي يوم الجزاء ولا يظن أن لعنته غايتها يوم الدين ثم تنقطع، لأن معناه أن عليه اللعنة في الدنيا وحدها فإذا كان يوم الدين اقترن بها العذاب فينقطع الانفراد، أو لما كان عليه اللعنة في أوان الرحمة فأولى أن تكون عليه في غير أوانها، وكيف تنقطع وقد قال الله تعالى {أية : فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ }تفسير : {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى } فأمهلني {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } الوقت المعلوم الوقت الذي تقع فيه النفخة الأولى، ويومه اليوم الذي وقت النفخة جزء من أجزائه، ومعنى المعلوم أنه معلوم عند الله معين لا يتقدم ولا يتأخر {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أي أقسم بعزة الله وهي سلطانه وقهره {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } وبكسر اللام: مكي وبصري وشامي. {قَالَ فَٱلْحَقُّ } بالرفع: كوفي غير عليّ على الابتداء أي الحق قسمي، أو على الخبر أي أنا الحق. وغيرهم بالنصب على أنه مقسم به كقولك الله لأفعلن كذا يعني حذف عنه الباء فانتصب وجوابه {لأَمْلاَنَّ } {وَٱلْحَقَّ أَقُولُ } اعتراض بين المقسم والمقسم عليه وهو منصوب بـ {أَقُولُ } ومعناه ولا أقول إلا الحق، والمراد بالحق إما اسمه عز وجل الذي في قوله {أية : أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ }تفسير : [الحج: 6] أو الحق الذي هو نقيض الباطل عظمه الله بإقسامه به {لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ } من جنسك وهم الشياطين {وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } من ذرية آدم {أَجْمَعِينَ } أي لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين لا أترك منهم أحداً {قُلْ مَآ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } الضمير للقرآن أو للوحي {وَمَا أَنَا مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ } من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله وما عرفتموني قط متصنعاً ولا مدعياً بما ليس عندي حتى أنتحل النبوة وأتقول القرآن {إِنْ هُوَ } ما القرآن {إِلاَّ ذِكْرٌ } من الله {لِّلْعَـٰلَمِينَ } للثقلين أوحى إليّ فأنا أبلغه. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول ما لا يعلم»تفسير : {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ } نبأ القرآن وما فيه من الوعد والوعيد وذكر البعث والنشور {بَعْدَ حِينِ } بعد الموت أو يوم بدر أو يوم القيامة، ختم السورة بالذكر كما افتتحها بالذكر والله الموفق.

البقاعي

تفسير : ولما دل على أنه نذير، وأزال ما ربما أوردوه عليه، أتبعه ظرف اختصام الملأ الأعلى، أو بدل "إذ" الأولى فقال: {إذ} أي حين {قال} ودل على أنه هذا كله إحسان إليه وإنعام عليه بذكر الوصف الدال على ذلك، ولفت القول عن التكلم إلى الخطاب لأنه أقعد في المدح وأدل على أنه كلام الله كما في قوله: {أية : قل من كان عدواً لجبريل}تفسير : [البقرة: 97] دليلاً يوهم أنه ظرف ليوحى أو لنذير فقال: {ربك} أي المحسن إليك بجعلك خير المخلوقين وأكرمهم عليه فإنه أعطاك الكوثر، وهو كل ما يمكن أن تحتاج إليه {للملائكة} وهم الملأ الأعلى وإبليس منهم لأنه كان إذ ذاك معهم وفي عدادهم. ولما كانوا عالمين بما دلهم عليه دليل من الله كما تقدم في سورة البقرة أن البشر يقع منه الفساد، فكانوا يبعدون أن يخلق سبحانه من فيه فساد لأنه الحكيم الذي لا حكيم سواه، أكد لهم سبحانه قوله: {إني خالق بشراً} أي شخصاً ظاهر البشرة لا ساتر له من ريش ولا شعر ولا غيرهما ليكون التأكيد دليلاً على ما مضى من مراجعتهم لله تعالى التي أشار إليها بالاختصام، وبين أصله بقوله معلقاً بخالق أو بوصف بشر: {من طين *} اجعله خليفتي في الأرض وإن كان في ذلك فساد لأني أريد أن أظهر حلمي ورحمتي وعفوي وغير ذلك من صفاتي التي لا يحسن في الحكمة إظهارها إلا مع الذنوب "لو لم تذنبوا فتستغفروا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" قال القشيري: وإخباره للملائكة بذلك يدل على تفخيم شأن آدم عليه السلام لأنه خلق ما خلق من الكونين والجنة والنار والعرش والكرسي والملائكة، ولم يقل في صفة شيء منها ما قاله في صفة آدم عليه السلام وأولاده، ولم يأمر بالسجود لشيء غيره. ولما أخبرهم سبحانه بما يريد أن يفعل، سبب عنه قوله: {فإذا سويته} أي هيأنه بإتمام خلقه لما يراد منه من قبول الروح وما يترتب عليه {ونفخت فيه من روحي} فصار حساساً متنفساً، سبه سبحانه إفاضته الروح بما يتأثر عن نفخ الإنسان من لهب النيران، وغير ذلك من التحريك والإسكان، والزيادة والنقصان، وأضافه سبحانه إليه تشريفاً له، {فقعوا له} أي خاصة {ساجدين *} أي اسجدوا له للتكرمة امتثالاً لأمري سجوداً هو بغاية ما يكون من الطواعية والاختيار والمحبة لتكونوا كأنكم وقعتم بغير اختيار، ففعلوا ما أمرهم به سبحانه من غير توقف، ولذلك ذكر فعلهم مع جواز تأنيثه فقال: {فسجد} أي عند ما نفخ فيه الروح {الملائكة} على ما أمرهم الله، ولما كان إسناد الخبر إلى الجميع قد يراد به أكثرهم، أكد بقوله: {كلهم} إرادة لرفع المجاز. ولما كان لا يقدح في ذلك واحد مثلاً أو قليل لا يعبأ بهم لضعف أو نحوه، رفع ذلك بقوله: {أجمعون*} مع إفادة أن السجود كان في آن واحد إعلاماً بشدة انقيادهم، وحسن تأهبهم للطاعة واستعدادهم، ثم زاد في إيضاح العموم بالاستثناء الذي هو معياره فقال: {إلا إبليس} عبر عنه بهذا الاسم لكونه من الإبلاس وهو انقطاع الرجاء إشارة إلى أنه في أول خطاب الله له بالإنكار عليه على كيفية علم منها تأبد الغضب عليه وتحتم العقوبة له. ولما عرف بالاستثناء أنه لم يسجد، وكان مبنى السورة على استكبار الكفرة بكونهم في عزة وشقاق، بين أن المانع له من السجود الكبر تنفيراً عنه مقتصراً في شرح الاختصام عليه وعلى ما يتصل به فقال: {استكبر} أي طلب أن يكون أكبر من أن يؤمر بالسجود له وأوجد الكبر على أمر الله، وكان من المستكبرين العريقين في هذا الوصف كما استكبرتم أيها الكفرة على رسولنا، وسنرفع رسولنا صلى الله عليه وسلم كما رفعنا آدم صفينا عليه السلام على من استكبر عن السجود له، ونجعله خليفة هذا الوجود كما جعلنا آدم عليه السلام، وأشرنا إلى ذلك في هذه السورة بافتتاحها بخليفة واختتامها بخليفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر كل من أحوالهما. ولما كان الفعل الماضي ربما أوهم أنه حدث فيه وصف لم يكن، وكان التقدير: فكفر بذلك، عطفاً عليه بياناً لأنه جبل على الكفر ولم يحدث منه إلا ظهور ذلك للخلق قوله: {وكان} أي جبلة وطبعاً {من الكافرين *} أي عريقاً في وصف الكفر الذي منشؤه الكبر على الحق المستلزم للذل للباطل، فالآية من الاحتباك: ذكر فعل الاستكبار أولاً، دليلاً على فعل الكفر ثانياً ووصف الكفر ثانياً دليلاً على وصف الاستكبار أولاً، وسر ذلك أن ما ذكره أقعد في التحذير بأن من وقع منه كبر جره إلى الكفر.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {‏ما كان لي من علم بالملإِ الأعلى إذ يختصمون،‏.... ‏إذ قال ربك للملائكة‏} ‏ قال‏:‏ هذه الخصومة‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ} [الآية: 71]. قيل: امتحنهم بالإعلام يحثهم بذلك على طلب الاستفهام فيزادوا علمًا من عجائب قدرته وتتلاشى عندهم نفوسهم.

القشيري

تفسير : إخباره الملائكة بذلك إنما يَدُلُّ على تفخيم شأن آدم؛ لأنه خَلَقَ ما خَلَقَ من الكونين، والجنة والنار، والعرش والكرسي، والملائكة، ولم يقل في صفة شيءٍ منها ما قال في صفة آدم وأولاده. ولم يأمر بالسجود لأَحَدٍ ولا لشيءٍ إلا لآدم، وسبحان الله! خَلَقَ أَعَزَّ خَلْقِه من أَذَلِّ شيءٍ وأَخَسِّه وهو التراب والطين.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} بين الله سبحانه ها هنا تفصيل أدم على الملائكة المقربين فالخطاب لا كابرهم اذ كان روحه خلقت قبل ارواحهم اذ روحه تكونت من ظهر تجلى الحق بجميع الذات والصفات كاملة بخلعة كسوة الربوبية التى البسها الحق حتى صارت مراة يتجلى منها للعالمين ما بقيت فى اول الاول مشاهدة انوار الازليات والابديات ولو كانت الملائكة بهذه المثابة لكان معها فى الكينونية من سنا برق تجلى الحق وعرفتها بالاهلية فاذا كانت الملائكة نازلة من درجاتها وصارت محجوبة عن رؤية ظهورها فى العالم احتاجت الى اعلام الحق بذلك فلما علم الحق انهم جهلوا حقائق وجود أدم لم يذكر ها هنا ذكر روحه معهم وقدم ذكر الصورة من قلة عرفانهم شرف روحه وقال انى خالق بشرا من طين مكر بهم حتى وقعوا فى التشويش والنظر الى انفسهم بالخيرية حتى يظهر بعد ذلك كمال أدم فاذا كانوا مخالفين فى صورته باول الخطاب كيف كانوا فى قوله {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} وذلك من اعظم عجايب الربوبية وفيه تفهيم تحقيق عبوديته حتى لا يرجى فى قلوب الملائكة انه بمعنى من الربوبية فى وقت سجوده اى انى خالق بشرا من طين اى من عجز وضعف اكسيه انوار جلال وعظمتى فاذا اكملته متصفا بصفاتى منورا بنور ذاتى ونفخت فيه من روحى اى احييه بحيوتى وبروحى التى ظهرت من تجلى الجلال والجمال {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} اذ يكون قبلة انوار عزتى وكبريائى وموقع تجلى ذاتى وصفاتى فلما رأته الملائكة بتلك الصفات سجدت له كلهم من حيث اراهم الحق أدم منورا بنوره مصورا بصورته الا ابليس لانه كان من الكافرين المحجوبين لطمس الحق اياه وبانه لم يكن مكتحلا بكحل نور جمال الازل فلما لم يكن له اهليته الرؤية وقع فى رؤية نفسه ورؤية خيريته حتى {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} وقع فى قياس النار والطين ولم يرا نور جمال الحق التى ظهرت من وجه أدم ولهكذا حال المدعين والسالوسين والمرائين المداهنين فى حق اوليائيه لا جرم كان مخاطبا بالطرد والابعاد الى يوم الميعاد حتى لا يذوق حلاوة برد الواصل ولا يرى انوار الجمال والجلال ولا يدرك فضائل الانبياء والاولياء الى ابد الاباد بل اذا يرى اثر سلطنة ولا يتهم وعزة احوالهم يذوب كما يذوب الملح فى الماء ويبقى له حيل ولا يطيق ان يمكن بهم بل يذى فى رؤيتى جميع مكرياته ولا يطيق ان يرمى اليهم من اسهم وسوسة سبل وسوسته تلحق باهله لا باهل الحق وذلك قوله {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} المتجردين فى قصودهم نحو قدم الحق وبقائه الابدى وجماله الازلى عن الاكوان والحدثان واحذر ان لا يجرى على خاطرك ان لابليس قدرة اهله بل يغويهم باغواء الحق اياهم الا ترى الى قوله فبعزتك لاغوينهم اجميعن ظاهره القسم وباطنه الألة والاستعانة بقهره يا ليت الملعون ادرك الخطاب الثالث بعد الخطاب الاول والثانى حيث قال انى خالق بشرا من طين وحيث قال ونفخت فيه من روحى ثم قال خلقت بيدى لم يعرف مفهوم الخطاب وهو ان من كان له مباشرة انوار يد الازل ويد الابد فى طاهره وروح تجلى جلال الذات فى باطنه يكون مستحقا فى جميع الاحوال الكرامات سنية واحوال رفيعة وخدمة اهل الملكوت له وسجود الملائكة له اذ كان مشرق انوار جلال الازلى وجمال الابدى جئنا الى مقالة المشائخ رحمة الله عليهم فيما قالوا فى هذه الأى قال بعضهم فى قوله انى خلق بشرا من طين امتحنهم بالاعلام وحثهم بذلك على طلب الاستفهام فيزدادوا علما بعجائب قدرته ويتلاشى عندهم نفوسهم قال بعضهم فى قوله فاذا سويته اى كاملا يستحق التعظيم بخصائص الاختصاص التى خص بها من خصوص الخلقة فقعوا له ساجدين قال ابن عطا فى قوله ونفخت فيه من روحى ابديت عليه أثار شواهد عزتى وروَّحت ستره بما يكون به العبيد روحانين قال بعضهم هو روح ملك وهو الذى خصصه به فاوجبت تلك الخصوصية سجود الملائكة له وقال بعضهم وهو قول القتاد جذبهم بشهود التعظيم فلم يستجيزوا المخالفة وحجب ابليس برؤية الفخر بنفسه عن التعظيم ولوارث تعظيم الحق لما استجار الفخر عليه لان من استولى عليه الحق قهره قال جعفر فى قوله وان عليك لعنتى الى يوم الدين سخطى الذى لم يزل جاريا عليك واصلا اليك فى اوقاتك المقدرة وايامك الماضية قال بعضهم فى قوله الا عبادك منهم المخلصين الذين يكون سره بينه وبين ربه بحيث لا يعلم مكل فيكتبه ولا هو فيميله ولا عدو فيفسده.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذ قال ربك للملائكة} بدل من اذ يختصمون. فان قيل كيف يجوز ان يقال ان الملائكة اختصموا بهذا القول والمخاصمة مع الله تعالى كفر قلت لا شك انه جرى هناك سؤال وجواب وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة والمشابهة تجوّز اطلاق اسم المشبه به على المشبه فحسن اطلاق المخاصمة على المقاولة الواقعة هناك. فان قلت ان الاختصام المذكور سابقا مسند الى الملأ الاعلى وواقع فيما بينهم وما وقع فى جملة البدل هو التقاول الواقع بين الله تعالى وبينهم لانه تعالى هو الذى قال لهم وقالوا له فكيف تجعل هذه الجملة بدلا من قوله اذ يختصمون مبينا ومشتملا له قلت حيث كان تكليمه تعالى اياهم بواسطة الملك صح اسناد الاختصام الى الله تعالى لكونه سببا آمرا وقد سبق المراد بالملائكة في سورة الحجر فارجع {انى خالق} اى فيما سيأتى {بشرا}. قال الراغب عبر عن الانسان بالبشر اعتبارا بظهور جلده من الشعر فان البشرة هى ظاهر الجلد بخلاف الحيوانات التى عليها الصوف او الشعر او الوبر. وقال بعضهم اى ارباب الحقائق سمى آدم بشرا لانه باشره الحق سبحانه بيديه عند خلقه مباشرة لائقة بذلك الجناب مقدسة عن توهم التشبه فان المباشرة حقيقة هى الافضاء بالبشرتين ولذا كنى بها عن الجماع {من طين} اى من تراب مبلول. قال بعض الكبار من عجز وضعف كما قال الله تعالى {أية : الذى خلقكم من ضعف} تفسير : قالوا مقام التراب مقام التواضع والمسكنة ومقام التواضع الرفعة والثبات ولذا ورد "حديث : من تواضع لله رفعه" تفسير : وكان من دعائه عليه السلام "حديث : اللهم احينى مسكينا وامتنى مسكينا "

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إذ قال}: متعلق بيختصمون، أو: بدل من {إذ} قبله، أو: باذكر. و "الحق": فمن نصبه، فعلى حذف فعل القسم، كقولك: الله لأفعلن، أي: أقسم بالحق، فحذفت الباء ووصل الفعل به، ومن رفعه؛ فمبتدأ، أي: الحقُّ مني، أو: خبر، أي: أنا الحق. والحق الثاني: مفعول "أقول"، والجملة: معترضة بين القسم وجوابه، وهو: {لأملأن}. يقول الحق جلّ جلاله في تفسير الاختصام المذكور: {إِذ قال ربُّكَ للملائكة} حين أراد خلق آدم، {إِني خالق بشراً من طينٍ}، وقال: {أية : إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} تفسير : [البقرة: 30]. والتعرُّض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره ـ عليه الصلاة والسلام ـ لتشريفه صلى الله عليه وسلم، والإيذان بأنَّ وحي هذا النبأ إليه تربية وتأييد له. والكاف وارد باعتبار حال الآمر، لكونه أدلّ على كونه وحياً منزلاً من عنده تعالى، كما في قوله تعالى: {أية : ... يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ...} تفسير : [الزمر: 54] الخ، دون حال المأمور، وإلاَّ لقال: ربي؛ لأنه داخل في حيز الأمر. {فإِذا سوَّيتُه} أي: صوَّرْتُه بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية، أو: سويت أجزاء بدنه، بتعديل أعضائه، {ونَفَخْتُ فيه من روحي} الذي خلقته قبلُ، وأضافه إليه تخصيصاً، كبيت الله، وناقة الله. والروح سر من أسرار الله، لطيفة ربانية، سارية في كثيفة ظلمانية، فإذا سرت فيه حيى بإذن الله، أي: فإذا أحييته {فَقَعُوا} أي: اسقطوا {له}، وهو أمر، مِن وقع، {ساجدين} قيل: كان انحناء يدلّ على التواضع، وقيل: كان سجوداً لله، أو سجود تحية لآدم وتكريماً له. {فسجد الملائكةُ كلُّهم أجمعون}، "كلّ" للإحاطة، و "أجمعون" للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم جميعاً، في قوت واحد، غير متفرقين في أوقات. وظاهر هذه الآية وما في سورة الحِجْر: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} تفسير : [الحجر:29،30] أن الأمر بالسجود كان تعليقياً، لا تنجيزياً، فأمرهم بالسجود قبل أن يخلقه، بل حين أعلمهم بخلقه، فلما خلقه سجدوا ممتثلين للأمر الأول، وظاهر ما في البقرة والأعراف والإسراء والكهف: أن الأمر كان تنجيزياً بعد خلقه، والجمع بينهما: أنه وقع قبل وبعد، أو: اكتفى بالتعليقي، كما يقتضيه الحديث، حيث قال له بعد نفح الروح فيه: "حديث : اذهب فسلِّم على أولئك الملائكة، فسلّم عليهم، فردُّوا عليه وسجدوا له"تفسير : . والله تعالى أعلم بغيبه. {إِلا إِبليسَ استكْبَرَ} أي: تعاظم عن السجود، والاستثناء متصل إن قلنا: كان منهم، حيث عبد عبادتهم، واتصف بصفاتهم، مع كونه جنياً، أو: منقطع، أي: لكن إبليس استكبر، {وكان من الكافرين} أي: صار منهم بمخالفته للأمر، واستكباره عن الطاعة، أو: كان منهم في علم الله. {قال يا إبليسُ ما منعك أن تسجدَ} أي: عن السجود {لِما خلقتُ بيديَّ}، بلا واسطة أب ولا أم، امتثالاً لأمري، وإعظاماً لخطابي، ولَمَّا كانت الأعمال تُباشر في الغالب باليد، أطلقت على القدرة. والتثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام، المستدعي لإجلاله وإعظامه، قصداً إلى تأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وسيأتي في الإشارة بقية الكلام في سر التثنية. قال له تعالى: {أَسْتَكْبَرْتَ}، بهمزة الاستفهام، وطرح همزة الوصل، أي: أتكبرت من غير استحقاق، {أم كنت من العالين} المستحقين للتفوُّق، أو: أستكبرت عن السجود ولم تكن قبل ذلك من المتكبرين، أم كنت قبل ذلك من المتكبرين على ربك؟ {قال أنا خير منه}، ولا يليق أن يسجد الفاضل للمفضول، كقوله: {أية : لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}تفسير : [الحجر: 30]، وبيَّن فضيلته في زعمه بقوله: {خلقتني من نارٍ وخلقته من طينٍ}، يعني لو كان مخلوقاً من نار لَمَا سجدتُ له؛ لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمَن هو دوني؛ لأنه طين، والنار تغلب الطين وتأكله، ولقد أخطأ اللعين، حين خَصَّ الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغاب عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: {لِما خلقتُ بيدي}، وما من جهة الصورة كما نبّه عليه قوله تعالى: {ونفخت فيه من روحي}، وما من جهة الغاية، وهو ما خصَّه به من علوم الحكمة، التي ظهرت بها مزيته على الملائكة، حتى أُمروا بالسجود، لما ظهر أنه أعلم منهم بما تدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. {قال فاخرجْ منها}؛ من الجنة، أو: من زمرة الملائكة، وهو المراد بالأمر بالهبوط، أو: من السموات، أو: من الخِلقة التي أنت فيها، وانسلخ منها، فإنه كان يفتخر بخلقته، فغيّر الله خلقته، فاسودّ بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسناً، وأظلم بعدما كان نورانياً. {فإِنك رجيم} أي: مرجوم، مطرود، من كل خير وكرامة. أو: شيطان يُرجم بالشُهب. {وإِن عليك لعنتي}؛ إبعادي من الرحمة، وتقييدها هنا، وإطلاقها في قوله: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ}تفسير : [الحجر: 35]؛ لأن لعنة اللاعنين من الثقلين والملائكة أيضاً من جهته تعالى، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله وإبعاده من الرحمة، {إِلى يوم الدين}؛ إلى يوم الجزاء والعقوبة، ولا يُظَن أن لعنته غايتها يوم الدين، ثم تنقطع، بل في الدنيا اللعنة وحدها، ويوم القيامة يقترن بها العذاب، فيلقى يومئذ من ألوان العذاب، وأفانين العقاب، ما ينسى به اللعنة، وتصير عنده كالزائد. أو: لَمَّا كان عليه اللعنة في أوان الرحمة، فأولى أن يكون عليه اللعنة في غير أوانها، وكيف ينقطع، وقد قال تعالى: {أية : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 44] وهو إمامُهم؟ {قال} إبليسُ: {رَبِّ فأَنظِرْنِي}؛ أمهلني وأخِّرني، أي: إذا جعلتني رجيماً فأمهلني ولا تمتني، {إِلى يوم يبعثون} أي: آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم. وأراد بذلك فسْحته لإغوائهم، وليأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية؛ إذ لا موت بعد البعث، {قال} تعالى: {فإِنك من المنظرين إلى يوم الوقتِ المعلوم}، وهو وقت النفخة الأولى، ومعنى "معلوم" أنه معلوم عند الله، لا يتقدم ولا يتأخر، وورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرُّض لشمول ما سأله لآخرين، على وجهٍ يُشعر بكون السائل تبعاً لهم في ذلك، دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلاً، لا إنشاء لإنظار خاص به، قد وقع إجابة لدعائه، أي: إنك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلاً، حسبما تقتضيه حكمة التكوين. {قال فبعزَّتك لأُغْوِينَّهم أجمعين}، أقسم بعزّة الله، وهو سلطانه وقهره على إغواء بني آدم، بتزيين المعاصي والكفر، {إِلا عبادَكَ منهم المخلصِين}، وهم الذين أخلصهم الله للإيمان به وطاعته، وعصمهم من الغواية، أو: الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله في قراءة الكسر. {قال} تعالى: {فالحقّ والحقَّ أقولُ} أي: أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق، أو: الحق قسَمي وأقول الحق: {لأملأَنَّ جهنمَ منك}؛ من جنسك، وهم الشياطين، {وممن تَبِعَكَ منهم}؛ من ذرية آدم {أجمعين} أي: لأعمرنَّ جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحداً. الإشارة: التجلي بهذا الهيكل الآدمي فاق جميع التجليات، وصورته البديعة فاقت جميع الصور، ولذلك لم يقل الحق تعالى في شيء أنه خلقه في أحسن تقويم إلا الآدمي، وذلك لأنه اجتمع فيه الضدان، واعتدل فيه الأمران؛ الظلمة والنور، الحس والمعنى، الروحانية والبشرية، القدرة والحكمة. ولذلك قال تعالى فيه: {لِما خلقت بيدي}، ولم يقله في غيره، أي: خلقته بيد القدرة ويد الحكمة. فالقدرة كناية عما في باطنه من أسرار المعاني الإلهية، والحكمة عبارة عما في قالَبه من عجائب التصوير، وغرائب التركيب، ولذلك كانت معرفته أتم، وترقِّيه لا ينقطع، إن كان من أهله، وراجع ما تقدّم في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ} تفسير : [الإسراء: 70]. وقال القشيري بعد كلام: فسبحان الله! خلق أعَزَّ خَلْقِه من أذّلِّ شيءٍ وأَخَسِّه. ثم قال: ما أودع عند آدم لم يوجد عند غيره، فيه ظهرت الخصوصية. هـ. ثم نزّه نبيه عن الطمع في الأجر على التبليغ و التكلُّف، فقال: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله قل يا محمد {ما كان لي من علم بالملأ الأعلى} من الملائكة {إذ يختصمون.... إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين} يعني آدم عليه السلام، لأن الله تعالى خلقه من طين، فالخلق فعل الشيء على تقدير وترتيب وكان جعل آدم على مقدار ما تقتضيه الحكمة واصل الخلق التقدير. والبشر مأخوذ من البشرة، وهي الجلدة الظاهرة، والانسان مأخوذ من الانس، لأنه يأنس بمثله في ما يؤنس به، فجرى عليه الاسم، لأن هذا من شأنه {فإذا سوّيته} أي سويت خلق هذا البشر وتممت أعضاه وصورته {فقعوا له ساجدين} أي اسجدوا له. وقد بينا في ما مضى أن السجود كان لله تعالى وعبادة له وفيه تفضيلا لآدم على الملائكة وقوله {ونفخت فيه من روحي} فالروح جسم رقيق هوائي بها يتم كون الحي حياً لتخرقه في مخارق الانسان وهو مشتق من الريح، ومنه الراحة والاستراحة من الكد للخفة على النفس كالريح، ومنه الأريحة، والراحة كف الانسان لما يتراوح الناس اليها في العمل، ومنه الرواح إلى المنزل للاستراحة ومعنى {ونفخت فيه من روحي} أي توليت خلقها من غير سبب كالولادة التي تؤدي اليها، لان الله تعالى شرف آدم بهذه الحال وكرمه. وفي الكلام حذف وتقديره إن الله خلق آدم الذي وعدهم بخلقه ثم إن الملائكة سجدت بأجمعها له إلا إبليس الذي أمتنع، وقد بينا اختلاف الناس في أن إبليس هل كان من جملة الملائكة، ومن قبلهم او كان في جملتهم يتناول الأمر له بالسجود فلا نطوّل باعادته فمن قال لم يكن منهم، قال (إلا) بمعنى (لكن) وتقديره: لكن إبليس استكبر وتجبر وامتنع من السجود له، وكان بذلك الاباء والمخالفة من جملة الكافرين. ثم حكى ما خاطب الله تعالى إبليس به حين امتنع من السجود لآدم {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} على وجه التقريع له والتهجين لفعله، وإنما قال {بيدي} على وجه تحقيق الاضافة لخلقة الله تعالى، لا انه أمر به او كان على سبب أدى اليه تعالى، والتثنية أشد مبالغة، كما قال الشاعر: شعر : دعوت لما نابني مسوراً فلبي فلبي يدي مسور تفسير : لتحقيق اضافة المبالغة إلى مسور، ومثله قولهم: هذا ما كسبت يداك أى ما كسبته أنت قال الشاعر: شعر : ايها المبتغي فناء قريش بيد الله عمرها والفناء تفسير : فوحد لتحقيق الاضافة. ثم قال له بلفظ الاستفهام والمراد به الانكار {استكبرت} يا إبليس أى طلبت التكبر بامتناعك من السجود له {أم كنت من العالين} الذين يعلون على الخلق تجبراً وتكبراً. وقرئ في الشواذ {بيدي أستكبرت} على وصل الهمزة. وروي ذلك عن مجاهد عن شبل ابن كثير اجتزاء بـ (أم) عن الف الاستفهام. ويحتمل أن يكون على اليمين، كأنه اقسم فقال بنعمتي الدينية والدنياوية تكبرت بل كنت من العالين بهذا الفعل فتكون على هذا (أم) منقطعة وعلى الأول وهو المعروف تكون معادلة لهمزة الاستفهام.

الجنابذي

تفسير : {إِذْ قَالَ رَبُّكَ} متعلّقاً بيختصمون او بدلاً من اذ يختصمون واذ يختصمون ظرف لكان او بدل من الملأ الاعلى يعنى ما كان لى من علم بالملأ الاعلى بوقت قوله تعالى {لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} قد مضى فى اوّل البقرة بيان تامّ لهذه الآيات وقد اشير الى بيانها فى سورة الاعراف ايضاً.

الهواري

تفسير : قوله: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة. وقال الحسن: إن الله أمر الملائكة أن تسجد لآدم، وأمر إبليس بالسجود له، ولم يكن من الملائكة، فسجدت الملائكة ولم يسجد إبليس، واستكبر عن الله وكان من الكافرين. كان أول الكافرين، كما أن آدم من الإنس وهو أول الإنس. وقال بعضهم: إن كل عبد كان في أم الكتاب شقياً أو سعيداً، وكان إبليس ممن كان في أم الكتاب شقياً. {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ} [يعني: تكبرت] {أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ... قََالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا} [أي: من السماء] {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} أي: ملعون، رجم اللعنة. {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} يعني إلى يوم الحساب، وأبدأ في الإضمار. قال بعض العلماء: ثلاثة ليست لهم توبة: إبليس، وابن آدم الذي قتل أخاه، ومن قتل نبياً.

اطفيش

تفسير : {إِذْ} بدل من اذا المذكورة والجملة معترضة أو مفعول أي ذكر وقت* {قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ} بأن خلق لهم كلاماً مستقلاً سمعوه أو أرسل اليهم رسولاً* {إِنِّى خَالِقٌ بَشَراً} هو آدم* {مِّن طِينٍ} أصل الكلام انى خالق خلقاً من طين استخلفه في الارض وأفعل كذا وكذا في شأنه فاختصر الكلام اكتفاء بذكره في البقرة وعبر بالبشر فى الحكاية نظراً للمعنى ولم يعبر للملائكة بالبشر لانهم ما يدرون ما البشر وعبروا لهم به وهم عارفوه من المعنى العام وهو الظهور أي اخلق خلقاً ظاهراً يباشر وعلى هذا فالخليقة نظراً للمعنى لا للفظ الخطاب أو ذكرهم البشر والخليقة جميعاً واقتصر على بعض الصفات وهو الخلق والبشرية لانه المقصود لانذار المشركين على استكبارهم على النبى صلى الله عليه وسلم أن يقع بهم مثل ما وقع لابليس على استكباره على أدم. قال القاضي: ومن الجائز أن يكون مقاولة الله اياهم بواسطة ملك وأن يفسر الملأ الأعلى بما يعلم الله سبحانه والملائكة وقواعد المذهب تمنع الأخير وهو ادخاله في اسم الملأ

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ } الخ شروع في تفصيل ما أجمل من الاختصام الذي هو ما جرى بينهم من التقاول فهو بدل من {أية : إِذْ يَخْتَصِمُونَ }تفسير : [ص: 69] بدل كل من كل، وجوز كونه بدل بعض، وصح إسناد الاختصام إلى الملائكة مع أن التقاول كان بينهم وبين الله تعالى كما يدل عليه {إِذْ قَالَ رَبُّكَ } الخ لأن تكليمه تعالى إياهم كان بواسطة الملك فمعنى المقاولة بين الملأ الأعلى مقاولة ملك من الملائكة مع سائر الملائكة عليهم السلام في شأن الاستخلاف ومع إبليس في شأن السجود ومع آدم في قوله: {أية : أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ }تفسير : [البقرة: 33] ومعنى كون المقاولة بين الملائكة وآدم وإبليس وجودها فيما بينهم في الجملة. ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في الإسناد فالكل حقيقة لأن الملأ الأعلى شامل للملك المتوسط وهو المقاول بالحقيقة وهو عز وجل مقاول بالمجاز، ولا تقل المخاصم ليكون الأمر بالعكس، وما يقال: إن قوله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ } يقتضي أن تكون مقاولته تعالى إياهم بلا واسطة فهو ممنوع لأنه إبدال زمان قصة عن زمان التفاوض فيها، والغرض أن تعلم القصة لا مطابقة كل جزء جزء لكل جزء جزء فذلك غير لازم ولا ومراد، ثم فيه فائدة جليلة وهي أن مقاولة الملك إياهم أو إياهما عن الله تعالى فهم مقاولوه تعالى أيضاً، وأريد هذا المعنى من هذا الإيراد لا من اللفظ ليلزم الجمع المذكور آنفاً، وجعل الله عز وجل من الملأ الأعلى بأن يراد به ما عدا البشر ليكون الاختصام قائماً به تعالى وبهم على معنى أنه سبحانه في مقابلتهم يخاصمونه ويخاصمهم مع ما فيه من إيهام الجهة له عز وجل ينبو المقام عنه نبواً ظاهراً، ولم يذكر سبحانه جواب الملائكة عليهم السلام لتتم المقاولة اختصاراً بما كرر مراراً ولهذا لم يقل جل شأنه إني خالق خلقاً من صفته كيت وكيت جاعل إياه خليفة. وروعي هذا النسق هٰهنا لنكتة سرية وهي أن يجعل مصب الغرض من القصة حديث إبليس ليلائم ما كان فيه أهل مكة وأنه بامتناعه عن امتثال أمر واحد جرى عليه ما جرى فكيف يكون حالهم وهم مغمورون في المعاصي؛ وفيه أنه أول من سن العصيان فهو إمامهم وقائدهم إلى النار، وذكر حديث سجود الملائكة وطي مقاولتهم في شأن الاستخلاف ليفرق بين المقاولتين وأن السؤال قبل الأمر ليس مثله بعده فإن الثاني يلزمه التواني، ثم فيه حديث تكريم آدم عليه السلام ضمناً دلالة على أن المعلم والناصح يعظم وأنه شرع منه تعالى قديم، وكان على أهل مكة أن يعاملوا النبـي صلى الله عليه وسلم معاملة الملائكة لآدم لا معاملة إبليس له قاله صاحب «الكشف» وهو حسن بيد أن ما علل به الاختصار من تكرار ذلك مراراً لا يتم إلا إذا كان ذلك في سورة مكية نزلت قبل هذه السورة، وقد علل بعضهم ترك الذكر بالاكتفاء بما في البقرة، وفيه أن نزولها متأخر عن نزول هذه السورة لأنها مدنية وهذه مكية فلا يصح الاكتفاء إحالة عليها قبل نزولها، وكون المراد اكتفاء السامعين للقرآن بعد ذلك لا يخفى حاله، ولعل القصة كانت معلومة سماعاً منه صلى الله عليه وسلم وكان عالماً بها بواسطة الوحي/ وإن لم تكن إذ ذاك نازلة قرآناً فاختصرت هٰهنا لما ذكر في «الكشف» اكتفاء بذلك، وقال فيه أيضاً: وذلك أن تقول التقاول بين الملائكة وآدم عليهم السلام حيث قال: {أية : أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء }تفسير : [البقرة: 31] تبكيتاً لهم بما نسبوا إليه من قولهم {أَتَجْعَلُ فِيهَا} وبينه وبين إبليس إما لأنه داخل في الإنكار والتبكيت بل هو أشدهم في ذلك لكن غلب الله تعالى الملائكة لأنه أخس من أن يقرن مع هؤلاء مفرداً في الذكر أو لأنه أمر بالسجود لمعلمه فامتنع وأسمعه لما أسمع. وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } الخ للإتيان بطرف مشتمل على قصة المقاولة وتصوير أصلها فلم يلزم منه أن يكون الرب جل شأن من المقاولين وإن كان بينه سبحانه وبينهم تقاول قد حكاه الله تعالى، وهذا أقل تكلفاً مما فيه دعوى أن تكليمه تعالى كان بواسطة الملك إذ للمانع أن يمنع التوسط على أصلنا وعلى أصل المعتزلة أيضاً لا سيما إذا جعل المبكتون الملائكة كلهم، وعلى الوجهين ظهر فائدة إبدال {إِذْ قَالَ رَبُّكَ } من {إِذْ يَخْتَصِمُونَ } على وجه بين، والاعتراض بأنه لو كان بدلاً لكان الظاهر إذ قال ربـي لقوله {أية : مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ }تفسير : [ص: 69] فليس المقام مما يقتضي الالتفات غير قادح فإنه على أسلوب قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ * ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ}تفسير : [الزخرف: 9ـ10] فالخطاب بلكم نظراً إلى أنه من قول الله تعالى تمم قولهم وذنبه كذلك هٰهنا هو من قول الله تعالى لتتميم قول النبـي صلى الله عليه وسلم وهذا على نحو ما يقول: مخاطبك جاءني الأمير فتقول الذي أكرمك وحباك أو يقول رأيت الأمير يوم الجمعة فتقول: يوم خلع عليك الخلعة الفلانية، ومنه علم أنه ليس من الالتفات في شيء وإن هذا الإبدال على هذا الأسلوب لمزيد الحسن انتهى. وجوز أن يقال: إن {إِذْ } قوله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ } ظرف ليختصمون، والمراد بالملا الأعلى الملائكة وباختصامهم قولهم لله تعالى {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء } تفسير : [البقرة: 30] في مقابلة قوله تعالى: {أية : إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ }تفسير : [البقرة: 30] إلى غير ذلك، ولا يتوقف صحة إرادة ذلك على جعل الله تعالى من الملأ ولا على أنه سبحانه كلمهم بواسطة ملك ولا تقدم تفصيل الاختصام مطلقاً بل يكفي ذكره بعد النزول سواء ذكر قرآناً أم لا، ويجرح تفسير الملأ بما ذكر على تفسيره بما يعم آدم عليه السلام أن ذاك على ما سمعت يستدعي القول بأن آدم كان في السماء وهو ظاهر في أنه عليه السلام خلق في السماء أو رفع إليها بعد خلقه في الأرض وكلا الأمرين لا يسلمهما كثير من الناس، وقد نقل ابن القيم في كتابه "مفتاح دار السعادة" عن جمع أن آدم عليه السلام إنما خلق في الأرض وأن الجنة التي أسكنها بعد أن جرى ما جرى كانت فيها أيضاً وأتى بأدلة كثيرة قوية على ذلك ولم يجب عن شيء منها فتدبر. وذهب بعضهم إلى أن الملأ الأعلى الملائكة وأن اختصامهم كان في الدرجات والكفارات، فقد أخرج الترمذي وصححه والطبراني وغيرهما عن معاذ بن جبل قال: «احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس فخرج سريعاً فثوب بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سلم دعا بصوته فقال: على مصافكم ثم التفت إلينا ثم قال: أما إني أحدثكم بما حبسني عنكم الغداة إني قمت الليلة فقمت وصليت ما قدر لي ونعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربـي تبارك وتعالى في أحسن صورة فقال: يا محمد قلت: لبيك ربـي قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري فوضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفته فقال: يا محمد قلت: لبيك قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الدرجات والكفارات فقال: ما الدرجات؟ فقلت: إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام قال: صدقت فما الكفارات؟ قلت: إسباغ الوضوء في المكاره وانتظار الصلاة بعد الصلاة ونقل الأقدام/ إلى الجماعات قال: صدقت سل يا محمد فقلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون اللهم إني أسألك حبك وحب من أحبك وحب عمل يقربني إلى حبك قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : تعملوهن وادرسوهن فإنهم حق»تفسير : ومعنى اختصامهم في ذلك على ما في البحر اختلافهم في قدر ثوابه، ولا يخفى أن حمل الاختصام في الآية على ما ذكر بمراحل عن السياق فإنه مما لم يعرفه أهل الكتاب فلا يسلمه المشكرون له عليه الصلاة والسلام أصلاً، نعم هو اختصام آخر لا تعلق له بالمقام، وجعل هؤلاء ـ إذ ـ في {إِذْ قَالَ } منصوباً باذكر مقدراً، وكذا كل من قال: إن الاختصام ليس في شأن آدم عليه السلام يجعله كذلك. والشهاب الخفاجي قال: الأظهر أي مطلقاً تعلق إذ باذكر المقدر على ما عهد في مثله ليبقى {إِذْ يَخْتَصِمُونَ } على عمومه ولئلا يفصل بين البدل والمبدل منه وليشتمل ما في الحديث الصحيح من اختصامهم في الكفارات والدرجات ولئلا يحتاج إلى توجيه العدول عن ربـي إلى {رَبَّكَ } انتهى، وفيه شيء لا يخفى. ومن غريب ما قيل في اختصامهم ما حكاه الكرماني في "عجائبه" أنه عبارة عن مناظرتهم بينهم في استنباط العلوم كمناظرة أهل العلم في الأرض، ويرد به على من يزعم أن جميع علومهم بالفعل، والمعروف عن السلف أنه المقاولة في شأن آدم عليه السلام والرد به حاصل أيضاً. والمراد بالملائكة في {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ } ما يعم إبليس لأنه إذ ذاك كان مغموراً فيهم، ولعل التعبير بهم دون الضمير الراجع إلى الملأ الأعلى على القول بالاتحاد لشيوع تعلق القول بهم بين أهل الكتاب بهذا العنوان أو لشهرة المقابلة بين الملك والبشر فيلطف جداً قوله سبحانه: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ } {إِنّى خَـٰلِقٌ بَشَراً مّن طِينٍ } وقيل: عبر بذلك إظهاراً للاستغراق في المقول له، والمراد إني خالق فيما سيأتي، وفي التعبير بما ذكر ما ليس في التعبير بصيغة المضارع من الدلالة على أنه تعالى فاعل البتة من غير صارف. والبشر الجسم الكثيف يلاقي ويباشر أو بادي البشرة ظاهر الجلد غير مستور بشعر أو وبر أو صوف، والمراد به آدم عليه السلام؛ وذكر هنا خلقه من طين وفي آل عمران خلقه من تراب وفي الحجر من صلصال من حمإ مسنون وفي الأنبياء من عجل ولا منافاة غاية ما في الباب أنه ذكر في بعض المادة القريبة في بعض المادة البعيدة، ثم إن ما جرى عند وقوع المحكي ليس اسم البشر الذي لم يخلق مسماه حينئذ فضلاً عن تسميته به بل عبارة كاشفة عن حاله وإنما عبر عنه بهذا الاسم عند الحكاية.

ابن عاشور

تفسير : موقع {إذْ قالَ ربُّكَ للملائِكة} صالح لأن يكون استئنافاً فإذا جعلنا النبأ بمعنى نبأ أهل المحشر الموعود به فيكون {إذْ قَالَ} متعلقاً بفعل محذوف تقديره: أُذكر، على أسلوب قوله: {أية : وإنك لتلقى القرآن من لَدُن حكيم عليم إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً}تفسير : [النمل: 6، 7]، ونظائِرِه. فإمّا على جعل النبأ بمعنى نبأ خلق آدم فإن جملة {إذْ قال ربك} بدل من {أية : إذْ يختصمون}تفسير : [ص: 69] بدلَ بعض من كل لأن مجادلة الملأ الأعلى على كلا التفسيرين المتقدمين غير مقتصرة على قضية قصة إبليس، فقد روى الترمذي بسنده عن مالك بن يخامر عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً طويلاً في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أنه رأى ربه تعالى فقال له: يا محمد فِيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري. قالها ثلاثاً. ثم قال بعد الثالثة بعد أن فتح الله عليه، قلت: في الكفارات. قال: ما هن؟ قلت مشي الأقدام إلى الحسنات والجلوس في المساجد»تفسير : . وذكرَ أشياء من الأعمال الصالحة (ولم يذكر اختصامهم في قضية خلق آدم). وقال الترمذي هو حديث حسن صحيح وقال عن البخاري: إنه أصح من غيره مما في معناه ولم يخرجه البخاري في «صحيحه» وليس في الحديث أنه تفسير لهذه الآية، وإنما جعله الترمذي في كتاب «التفسير» لأن ما ذُكر فيه بعضٌ مما يختصم فيه أهل الملأ الأعلى مراد به اختصام خاص هو ما جرى بينهم في قصة خلق آدم والمقاولة بين الله وبين الملائكة لأن قوله: {فَسَجَدَ الملائكةُ} يقتضي أنهم قالوا كلاماً دَل على أنهم أطاعوا الله فيما أمرهم به، بل ورد في سورة البقرة تفصيل ما جرى من قول الملائكة فهو يبيّن ما أجمل هنا وإن كان متأخراً إذ المقصود من سوق القصة هنا الاتّعاظ بكبِرْ إبليس دون ما نشأ عن ذلك. ويَجوز أن يكون {إذْ قالَ ربُّكَ} منصوباً بفعل مقدر، أي اذكر إذ قال ربك للملائكة، وهو بناء على أن ضمير {أية : هُو نبأ عظيمٌ}تفسير : [ص: 67] ليس ضمير شأن بل هو عائد إلى ما قبله وأن {أية : إذْ يختصمون}تفسير : [ص: 69] مراد به خصومة أهل النار. وقصة خلق آدم تقدم ذكرها في سور كثيرة أشبهها بما هنا ما في سورة الحجر، وأبينُها ما في سورة البقرة. ووقع في سورة الحِجْر (31){أية : إلا إبليس أبى}تفسير : وفي هذه السورة {إلا إبليس استكْبَر} فيكون ما في هذه الآية يبين الباعث على الإِباية. ووقعت هنا زيادة {وكانَ مِنَ الكافِرينَ}، وهو بيان لكون المراد في سورة الحجر (31) من قوله: {أية : أن يكون مع الساجدين}تفسير : الإِبَاية من الكون من الساجدين لله، أي المنزهي الله عن الظلم والجهل. ووقع في هذه السورة {وكان من الكافرين}، ومعناه أنه كان كافراً ساعتئذٍ، أي ساعة إبائه من السجود ولم يكن قبلُ كافراً، ففعل {كان} الذي وقع في هذا الكلام حكاية لكفره الواقع في ذلك الوقت. قال الزجّاج: «(كان) جَارٍ على باب سائر الأفعال الماضية إلاّ أن فيه إخباراً عن الحَالة فيما مضى، إذا قلت: كان زيد عالماً، فقد أنبأتَ عن أن حالته فيما مضى من الدهر هذا، وإذا قلت: سيكون عالماً فقد أنبأت عن أن حالة ستقع فيما يستقبل، فهما عبارتان عن الأفعال والأحوال» اهــــ. وقد بدتْ من إبليس نزعة كانت كامنة في جبلته وهي نزعة الكبر والعصيان، ولم تكن تظهر منه قبل ذلك لأن الملأ الذي كان معهم كانوا على أكمل حسن الخلطة فلم يكن منهم مثير لما سكن في نفسه من طبع الكبر والعصيان. فلما طرأ على ذلك الملأ مخلوق جديد وأُمر أهل الملأ الأعلى بتعظيمه كان ذلك مورِياً زناد الكبر في نفس إبليس فنشأ عنه الكفر بالله وعصيان أمره. وهذا ناموس خُلُقي جعله الله مبدأ لهذا العالم قبل تعميره، وهو أن تكون الحوادث والمضائق معيار الأخلاق والفضيلة، فلا يحكم على نفس بتزكية أو ضدها إلا بعد تجربتها وملاحظة تصرفاتها عند حلول الحوادث بها. وقد مُدح رجل عند عمر بن الخطاب بالخير، فقال عمر: هل أريتموه الأبيضَ والأصفر؟ يعني الدراهم والدنانير. وقال الشاعر: شعر : لا تمدحَنَّ امرأً حتّى تُجرّبه ولا تذمَّنَّه من قبل تجريب إن الرجال صناديقُ مقفَّلة وما مفاتيحها غَير التجاريب تفسير : ووجه كونه من الكافرين أنه امتنع من طاعة الله امتناع طعن في حكمة الله وعلمه، وذلك كفر لا محالة، وليس كامتناع أحد من أداء الفرائض إن لم يجحد أنها حَقّ خلافاً للخوارج وكذلك المعتزلة.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِلْمَلاَئِكَةِ} {خَالِقٌ} (71) - وَاذْكُر لَهُمْ حِينَ أَعْلَمَ رَبُّكَ المَلاَئِكَةَ - قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ - بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرَاً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمأٍ مَسْنُونٍ.

الثعلبي

تفسير : {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ * قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} وفي تحقيق الله سبحانه وتعالى التنشئة في اليد، دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة، إنما هما وصفان من صفات ذاته. قال مجاهد: اليد هاهنا بمعنى التأكيد، والصلة مجاز لما خلقت، كقوله سبحانه: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ} أي ربك، وهذا تأويل غير قوي، لأنه لو كان بمعنى الصلة فكان لإبليس أن يقول: إن كنت خلقته فقد خلقتني. وكذلك في القدرة والنعمة، لاتكون لآدم في الخلق مزية على إبليس وقد مضت هذه المسألة عند قوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ}. قال: العرب تسمي الاثنين جميعاً لقوله سبحانه {أية : هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ}تفسير : [الحج: 19]، وقوله {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النور: 2] قال: هما رجلان وقال: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}تفسير : [التحريم: 4]. {أَسْتَكْبَرْتَ} ألف الاستفهام تدخل على ألف الخبر {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} المتكبرين على السجود كقوله سبحانه: {أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [القصص: 4]. {قَالَ} إبليس {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا} أي من الجنّة. وقيل: من السماوات. وقال الحسن وأبو العالية: أيّ من الخلقه التي أنت فيها. قال الحسين بن الفضل: وهذا تأويل صحيح، لأن ابليس تجبّر وافتخر بالخلقة،فغيّر الله تعالى خلقه فاسودَّ بعدما كان أبيضاً وقبح بعدما كان حسناً وأظلم بعد أن كان نورانياً. {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} مطرود معذّب {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} وهو النفخة الأولى {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ}. قرأ مجاهد والأعمش وعاصم وحمزة وخلف: برفع الأول ونصب الثانية على معنى فأنا الحقّ أو فمنّي الحق، وأقول الحق. وقال الباقون: بنصبهما. واختلف النحاة في وجهيهما، قيل: نصب الأول على الإغراء والثاني بايقاع القول عليه. وقيل: هو الأول قسم، والثاني مفعول مجاز قال: فبالحق وهو الله عزّ وجلّ أقسم بنفسه والحق أقول. وقيل: إنه أتبع قسماً بعد قسم. وقال الفراء وأبو عبيد: معناهما حققا لم يدخل الألف واللام، كما يقال: الحمد لله وأحمد الله، هما بمعنى واحد. وقرأ طلحة بن مصرف: فالحق والحق بالكسر فهما على القسم. وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عبدش يقول: هو مردود إلى ماقبله ومجازه: فبعزتك وبالحق والحق قال الله سبحانه: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ} أيّ من نفسك وذريتك {وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ * قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أيّ على تبليغ الوحي، كناية عن غير مذكور {مِنْ أَجْرٍ} قال الحسين بن الفضل: هذه الآية ناسخة لقوله {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}تفسير : [الشورى: 23]. {وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} المتقولين القرآن من تلقاء نفسي. أخبرنا ابن فنجويه قال: حدثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق البستي قال: حدثنا أحمد بن عمير بن يوسف قال: حدثنا محمّد بن عوف قال: حدثنا محمّد بن المصفى قال: حدثنا حنوة بن سريج بن يزيد قال: حدثنا أُرطاة بن المنذر عن ضمرة بن حبيب عن سلمة بن مقبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى مالا ينال، ويقول فيما لا يعلم ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثني السنّي قال: حدثني عبد الله بن محمّد بن جعفر قال: حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي قال: حدثنا شعيب بن إبراهيم قال: حدثنا سيف بن عمر الضبي عن وائل بن داود عن يزيد البهي عن الزبير بن العوام قال: نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم أغفر للذين يدعون أموات امتي ولا يتكلفون إلاّ أني بريء من التكلف وصالحوا أمتي ". تفسير : وأخبرني الحسين قال: حدثنا ابن شيبة قال: حدثنا عبد الله بن محمّد بن وهب قال: حدثنا إبراهيم بن عمرو بن بكر السكسكي ببيت المقدس قال: حدثنا أبي قال: حدثنا إبراهيم بن [........] علية الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس من أتاه الله عزّ وجلّ علماً فليتق الله وليعلّمه الناس ولا يكتمه، فإنه من كتم علماً يعلمه كان كمن كتم ما أنزل الله تعالى على نبيّه وأمره أن يعلمه الناس، ومن لم يعلم فليسكت وإياه أن يقول مالا يعلم فيهلك ويصير من المتكلفين ويمرق من الدين، وأن الله عزّ وجلّ قال: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} من أَفتى بغير السنّة فعليه الأثم. وأخبرني الحسن قال: حدثنا السنيّ قال: أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا محمّد بن خبير العبدي قال: أخبرنا سفيان الثوري عن الأعمش عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل به ومن لم يعلم شيئاً فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لايعلم: الله أعلم وأن الله عزّ وجلّ قال لنبيّه: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ}، {إِنْ هُوَ} ماهو يعني القرآن {إِلاَّ ذِكْرٌ} عظة {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ}. قال قتادة: يعني بعد الموت. وابن عبّاس: يعني يوم القيامة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا الكلام جاء من الحق - سبحانه وتعالى - للملائكة على سبيل الإخبار، لكن فهموا هم أنه استشارة، وأن الخالق سبحانه يستشيرهم في مسألة خَلق الإنسان؛ لذلك قالوا ما قالوه، وكان عليهم أنْ يتنبهوا إلى أن المسألة مبتوتٌ فيها، وأنها قضية منتهية؛ لأن الله أخبر بها بقوله: {إِنِّي خَالِقٌ ..} [ص: 71] هكذا بلفظ التوكيد. وهنا لا بُدَّ أنْ نشيرَ إلى أن البعض يحاول الاستدراك على كلام الله في مسألة خَلْق الإنسان من طين، يقولون: إن القرآن قال مرة: من طين. ومرة: من ماء. ومرة: من حمأ مسنون. ومرة: من صلصال، والواقع أن هذه مراحل للشيء الواحد وليست اختلاف بدايات مأخوذ منها، فالتراب حين يوضع على الماء يصير طيناً، فإذا تُرِكَ الطين حتى عطن وتغيَّرت رائحته، فهو الحمأ المسنون، فإذا جَفَّ وتصلَّب فهو صَلْصَال كالفخار. ولما خلق الله الإنسان خلقه من الطين، بمعنى أنه جامع لكل عناصر التربة السوداء والصفراء والرملية .. إلخ وقد توصَّل العلماء إلى أن هذه التربة هي الصالحة للزراعة، لأن الطينة أو التربة إنْ كانت متماسكة تمسك الماء تحت الجذر فيمور ويذبل النبات، وإن كانت رملية تسرب فيها الماء قبل أنْ يمتصَّه النبات. إذن: نحتاج إلى تربة بين بين، بحيث تمسك الماء بالقدر الذي يتيح للنبات أنْ يستفيد منه ويمتص عناصر الغذاء، ثم يتسرَّب الباقي فلا يضر بالجذور. كما توصل العلماء إلى أن عناصر جسم الإنسان عبارة عن 16 عنصراً، تبدأ بالأكسوجين بنسبة 67% وهي أعلى نسبة وتنتهي بالمنجنيز. وأن الطين يحتوي على نفس هذه العناصر الستة عشر، وهذا يثبت صدْق الحق سبحانه في خلْق الإنسان من الطين. ومعنى {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ..} [ص: 72] يعني: صوَّرْتُ قالبه وشكله {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ..} [ص: 72] يعني يصير مخلوقاً كاملاً تدبّ فيه الحياة ويتحرك {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 72] أي: خرّوا ساجدين، ليس سجودَ عبادة، إنما سجود طاعة لصاحب الأمر بالسجود. إذن: سجود الملائكة لم يكن لآدم ذاته، إنما كان لله الذي خلق آدم وأمر الملائكة أنْ تسجدَ له، ومعنى تسجد له كما تقول: أنا أسجد للقبْلة، فالسجود ليس للقبلة ذاتها إنما ناحيتها. {فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} [ص: 73-74].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [71-72] 463 - أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربيٍّ، قال حدثنا مُعتمرٌ - يعني ابن سليمان، قال: حدثنا أبي، عن سليمان، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : احتجَّ آدمُ وموسى، فقال: يا آدمُ، أنت الذي خلقك الله بيدهِ، ونفخ فيك من روحهِ، أغويت الناس وأخرجتهم من الجنةِ. فقال آدمُ: وأنت موسى الذي اصطفاك اللهُ بكلامِهِ، تلومُني على عملٍ عمِلتُهُ، كتبهُ اللهُ عليَّ قبل أن يخلق السماواتِ والأرضَ. قال: فحجَّ آدمُ موسى ".