Verse. 4045 (AR)

٣٨ - ص

38 - Sad (AR)

قَالَ يٰۗـاِبْلِيْسُ مَا مَنَعَكَ اَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ۝۰ۭ اَسْتَكْبَرْتَ اَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِيْنَ۝۷۵
Qala ya ibleesu ma manaAAaka an tasjuda lima khalaqtu biyadayya astakbarta am kunta mina alAAaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ» أي توليت خلقه وهذا تشريف لآدم فإن كل مخلوق تولى الله خلقه «أستكبرت» الآن عن السجود استفهام توبيخ «أم كنت من العالين» المتكبرين فتكبرت عن السجود لكونك منهم.

75

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ} أي صرفك وصدّك {أَن تَسْجُدَ} أي عن أن تسجد {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} أضاف خلقه إلى نفسه تكريماً له، وإن كان خالق كل شيء وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد؛ فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم، فإن الرئيس من المخلوقين لا يباشر شيئاً بيده إلا على سبيل الإعظام والتكرم، فذِكْر اليد هنا بمعنى هذا. قال مجاهد: اليد هاهنا بمعنى التأكيد والصلة؛ مجازه لما خلقت أنا كقوله: {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ}تفسير : [الرحمن: 27] أي يبقى ربك. وقيل: التشبيه في اليد في خلق الله تعالى دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة؛ وإنما هما صفتان من صفات ذاته تعالى. وقيل: أراد باليد القدرة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد. وما لي بالحِمْل الثقيلِ يَدَانِ. ويدل عليه أن الخلق لا يقع إلا بالقدرة بالإجماع. وقال الشاعر: شعر : تَحمَّلْت مِنْ (عَفْرَاءَ) ما ليس لِي بِه ولا للجِبَالِ الرّاسِياتِ يَدَانِ تفسير : وقيل: «لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» لما خلقت بغير واسطة. {أَسْتَكْبَرْتَ} أي عن السجود {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} أي المتكبرين على ربك. وقرأ محمد بن صالح عن شبل عن ابن كثير وأهل مكة «بِيَدَيَّ اسْتَكْبَرْتَ» موصولة الألف على الخبر وتكون أم منقطعة بمعنى بل مثل: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ» وشبهه. ومن استفهم فـ«ـأمْ» معادلة لهمزة الاستفهام وهو تقرير وتوبيخ. أي استكبرت بنفسك حين أبيت عن السجود لآدم، أم كنت من القوم الذين يتكبرون فتكبرت لهذا. قوله تعالى: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} قال الفرّاء: من العرب من يقول أنا أخير منه وأشرُّ منه؛ وهذا هو الأصل إلا أنه حذف لكثرة الاستعمال. {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} فَضَّل النار على الطين وهذا جهل منه؛ لأن الجواهر متجانسة فقاس فأخطأ القياس. وقد مضى في «الأعراف» بيانه. {قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا} يعني من الجنة {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} أي مرجوم بالكواكب والشهب {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ} أي طردي وإبعادي من رحمتي {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تعريف بإصراره على الكفر لأن اللعن منقطع حينئذٍ، ثم بدخوله النار يظهر تحقيق اللعن {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أراد الملعون ألا يموت فلم يُجَب إلى ذلك، وَأُخِّر إلى الوقت المعلوم، وهو يوم يموت الخلق فيه، فَأُخّر إليه تهاوناً به. {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } لما طرده بسبب آدم حلف بعزة الله أنه يضل بني آدم بتزيين الشهوات وإدخال الشبه عليهم، فمعنى: «لأُغْوِيَنَّهُمْ» لأستدعينهم إلى المعاصي وقد علم أنه لا يصل إلا إلى الوسوسة، ولا يفسد إلا من كان لا يصلح لو لم يوسوسه؛ ولهذا قال: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } أي الذين أخلصتَهم لعبادتك، وعصمتهم مني. وقد مضى في «الحجر» بيانه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ يَٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } أي توليت خلقه، وهذا تشريف لآدم فإن كل مخلوق تولى الله خلقه {أَسْتَكْبَرْتَ } الآن على السجود؟ استفهام توبيخ {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } المتكبّرين فتكبرت عن السجود لكونك منهم.

ابن عطية

تفسير : القائل لإبليس هو الله عز وجل، وقوله {ما منعك} تقرير وتوبيخ. وقرأ عاصم والجحدري: "لَمَّا خلقت" بفتح اللام من: "لَمَّا" وشد الميم. وقرأ جمهور الناس "بيديْ" بالتثنية. وقرأت فرقة: "بيديَّ" بفتح الياء، وقد جاء في كتاب الله: {أية : مما عملت أيدينا} تفسير : [يس: 71] بالجمع. وهذه كلها عبارة عن القدرة والقوة، وعبر عن هذا المعنى بذكر اليد تقريباً على السامعين، إذا المعتاد عند البشر أن القوه والبطش والاقتدار إنما هو باليد، وقد كانت جهالة العرب بالله تعالى تقتضي أن تنكر نفوسها أن يكون خلق بغير مماسة، ونحو هذا من المعاني المعقولة، وذهب القاضي ابن الطيب إلى أن اليد والعين والوجه صفات ذات زائدة على القدرة والعلم غير ذلك من متقرر صفاته تعالى، وذلك قول مرغوب عنه ويسميها الصفات الخبرية. وروي في بعض الآثار أن الله تعالى خلق أربعة أشياء بيده وهي: العرش والقلم وجنة عدن وآدم وسائر المخلوقات بقوله: "كن". قال القاضي أبو محمد: وهذا إن صح فإنما ذكر على جهة التشريف للأربعة والتنبيه منها، وإلا فإذا حقق النظر فكل مخلوق فهوة بالقدرة التي بها يقع الإيجاد بعد العدم. وقرأت فرقة: "استكبرت" بصلة الألف على الخبر عن إبليس، وتكون {أم} بينة الانقطاع لا معادلة لها. وقرأت فرقة: "أستكبرت" بقطع الألف على الاستفهام، فــ {أم} على هذا معادلة للألف، وذهب كثير من النحويين إلى أن "أم" لا تكون معادلة للألف مع اختلاف الفعلين، وإنما تكون معادلة إذا أدخلتا على فعل واحد، كقولك: أزيد قام أم عمرو؟ وقولك: أقام زيد أو عمرو؟ قالوا: وإذا اختلف الفعلان كهذه الآية فليست أم معادلة، ومعنى الآية: أحدث لك الاستكبار الآن أن كنت قديماً ممن لا يليق أن تكلف مثل هذا لعلو مكانك، وهذا على جهة التوبيخ. وقول إبليس: {أنا خير منه} قياس أخطأ فيه، وذلك أنه لما توهم أن النار أفضل من الطين، قاس أن ما يخلق من الأفضل فهو أفضل من الذي يخلق من المفضول، ولم يدر أن الفضائل تخصيصات من الله تعالى يسم بها من شاء، وفي قوله رد على حكمة الله تعالى وتجوير. وذلك بين في قوله: {أية : أرأيتك هذا الذي كرمت علي} تفسير : [الإسراء: 62] ثم قال: {أنا خير منه}، وعند هذه المقالة اقترن كفر إبليس به إما عناداً على قول من يجيزه، وإما بأن سلب المعرفة، وظاهر أمره أنه كفر عناداً، لأن الله تعالى قد حكم عليه بأنه كافر، ونحن نجده خلال القصة يقول: يا رب بعزتك وإلى يوم يبعثون، فهذا كله يقتضي المعرفة، وإن كان للتأويل فيه مزاحم فتأمله، ثم أمر الله تعالى إبليس بالخروج على جهة الادخار له، فقالت فرقة: أمره بالخروج من الجنة. وقالت فرقة: من السماء. وحكى الثعلبي عن الحسن وأبي العالية أن قوله: {منها} يريد به من الخلقة التي أنت فيها ومن صفات الكرامة التي كانت له، قال الحسين بن الفضل: ورجعت له أضدادها، وعلى القول الأول فإنما أمره أمراً يقتضي بعده عن السماء، ولا خلاف أنه أهبط إلى الأرض. و"الرجيم": المرجوم بالقول السيىء. و"اللعنة" الإبعاد. و: {يوم الدين} يوم القيامة. و {الدين}: الجزاء، وإنما حد له اللعنة بـ {يوم الدين}، ولعنته إنما هي مخلدة ليحصر له أمد التوبة، لأن امتناع توبته بعد يوم القيامة، إذ ليست الآخرة دار عمل، ثم إن إبليس سأل النظرة وتأخير الأجل إلى يوم بعث الأجساد من القبور، فأعطاه الله تعالى الإبقاء {إلى يوم الوقت المعلوم}. واختلف الناس في تأويل ذلك، فقال الجمهور: أسعفه الله في طلبته وأخره إلى يوم القيامة، فهو الآن حي مغو مضل، وهذا هو الأصح من القولين. وقالت فرقة: لم يسعف بطلبته، وإنما أسعف إلى الوقت الذي سبق من الله تعالى أن يموت إبليس فيه. وقال بعض هذه الفرقة: مات إبليس يوم بدر.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِيَدَىَّ} بقوتي، أو قدرتي، أو توليت خلقه بنفسي، أو خلقته بيدي صفة ليست بجارحة {أَسْتَكْبَرْتَ} عن الطاعة أم تعاليت عن السجود.

البقاعي

تفسير : ولما كان من خالف أمر الملك جديراً بأن يحدث إليه أمر ينتقم به منه، فتشوف السامع لما كان من الملك إليه، استأنف البيان لذلك بقوله: {قال} وبين أنه بمحل البعد بقوله: {يا} وبين يأسه من الرحمة، وأنه لا جواب له اصلاً بتعبيره بقوله: {إبليس ما} أي، أي شيء {منعك أن تسجد} وبين ما يوجب طاعته ولو أمر بتعظيم ما لا يعقل بقوله معبراً بأداة ما لا يعقل عمن كان عند السجود له عاقلاً كامل العقل: {لما خلقت} فأنا العالم به وبما يستحقه دون غيري، وما أمرت بالسجود له إلا لحكمة في الأمر وابتلاء للغير، وأكد بيان ذلك بذكر اليد وتثنيتها فقال: {بيدي} أي من غير توسط سبب من بين هذا النوع وما ذاك إلا لمزيد اختصاص، والمراد باليد هنا صفة شريفة غير النعمة والقدرة معلومة له سبحانه ولمن تبحر في علمي اللغة والسنّة، خص بها خلق آدم عليه السلام تشريفاً له وفي تثنية اليد إشارة إلى أنه ربما أظهر فيه معاني الشمال وإن كان كل من يديه مباركاً، ثم قسم المانع إلى طلب العلو ووجود العلو مع الإنكار عليه في الاستناد إلى شيء منهما، فقال في صيغة استفهام التقرير مع الإنكار والتقريع، بياناً لأنه يلزمه لا محالة زيادة على ما كفر به أن يكون على أحد هذين الأمرين: {أستكبرت} أي طلبت أن تكون أعلى منه وأنت تعلم أنك دونه فأنت بذلك ظالم، فكنت من المستكبرين العريقين في وصف الظلم، فإن من اجترأ على أدناه أوشك أن يصل إلى أعلاه {أم كنت} أي مما لك من الجبلة الراسخة {من العالين *} أي الكبراء المستحقين للكبر وأنا لا أعلم ذلك فنقصتك من منزلتك فكنت جائراً في أمري لك بما أمرتك به، فلذلك علوت بنفسك فلم تسجد له، هذا المراد لا ما يقوله بعض الملاحدة من أن العالين جماعة من الملائكة لم يسجدوا لأنهم لم يؤمروا لأن ذلك قدح في العموم المؤكد هذا التأكيد العظيم، وفي تفسير العلماء له من غير شبهة، والآية من الاحتباك؛ دل فعل الاستكبار أولاً على فعل العلو ثانياً، ووصف العلو ثانياً على وصف الاستكبار أولاً، وسر ذلك ان إنكار الفعل المطلق مستلزم لإنكار المقيد لأنه المطلق بزيادة، وإنكار الوصف مستلزم لإنكار الفعل لأنه جزوه مع أن إنكار الفعل من هذا مستلزم لإنكار الفعل من ذاك، فيكون كل من الفعلين مدلولاً على إنكاره مرتين: تارة بإنكار فعل عديله وأخرى بإنكار وصفه نفسه, والوصفان كذلك, وفعل الكبر أجدر بالإنكار من فعل العلو و "أم" معادلة لهمزة الاستفهام وإن حذفت من قراءة بعضهم لدلالة "أم" عليها وإن اختلف الفعل، قال أبو حيان: قال سيبويه: تقول: أضربت زيداً أم قتلته، فالبدء هنا بالفعل أحسن لأنك إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيهما كان، ولا تسأل عن موضع أحدهما كأنك قلت: أي ذلك كان - انتهى. ولما صدعه سبحانه بهذا الإنكار، دل على إبلاسه بقوله مستأنفاً: {قال} مدعياً لأنه من العالين: {أنا خير منه} أي فلا حكمة في أمري بالسجود له، ثم بين ما ادعاه بقوله: {خلقتني من نار} أي وهي في غاية القوة والإشراق {وخلقته من طين *} أي وهو في غاية الكدورة والضعف، واستؤنف بيان ما حصل التشوف إليه من علم جوابه بقوله معرضاً عن القدح في جوابه لظهور سقوطه بأن المخلوق المربوب لا اعتراض له على ربه بوجه: {قال فاخرج} أي بسبب تكبرك ونسبتك الحكيم الذي لا اعتراض عليه إلى الجور {منها} أي من الجنة محل الطهر عن الأدواء الظاهرة والباطنة، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لأجل ادعاء أنه أهل لأقرب القرب: {فإنك رجيم *} أي مستحق للطرد والرجم وهو الرمي بالحجارة الذي هو للمبالغة في الطرد. ولما كان الطرد قد يكون في وقت يسير، بين أنه دائم بقوله، مؤكداً إشارة إلى الإعلام بما في نفسه من مزيد الكبر: {وإن عليك} أي خاصة. ولما كان السياق هنا للتكلم في غير مظهر العظمة لم يأت بلام الكلام بخلاف الحجر فقال: {لعنتي} أي إبعادي مع الطرد والخزي والهوان والذل مستعل ذلك عليك دائماً قاهراً لك لا تقدر على الانفكاك عنه بوجه، وأما غيرك فلا يتعين للعن بل يكون بين الرجاء والخوف لا علم للخلائق بأنه مقطوع بلعنة ما دام حياً إلا من أخبر عنه نبي من الأنبياء بذلك، ثم غيى هذا اللعن بقوله: {إلى يوم الدين *} أي فإذا جاء ذلك اليوم أخذ في المجازاة لكل عامل بما عمل ولم يبق لمذنب وقت يتدارك فيه ما فاته، وحينئذ يعلم أهل الاستحقاق للعن كلهم، ولم يبق علم ذلك خاصاً بإبليس، بل يقع العلم بجميع أهل اللعنة، فالغاية لعلم الاختصاص باللعن لا للعن. ولما كان ذلك، تشوف السامع إلى ما كان منه فأخبر سبحانه به في سياق معلم أنه منعه التوفيق فلم يسأل التخفيف ولا عطف نحو التوبة، بل أدركه الخذلان بالتمادي في الطغيان، فطلب ما يزداد به لعنة من الإضلال والإعراق في الضلال ضد ما أنعم به على آدم عليه السلام، فقال ذاكراً صفة الإحسان والتسبيب لسؤال الإنظار لما جرأه عليهما من ظاهر العبارة في أن اللعنة مغباة بيوم الدين: {قال رب} أي أيها المحسن إليّ بإيجادي وجعلي في عداد الملائكة الكرام {فأنظرني} أي بسبب ما عذبتني به من الطرد {إلى يوم يبعثون *} أي آدم وذريته الذين تبعثهم ببعث جميع الخلائق: {قال} مؤكداً لأن مثل ذلك في خرقه للعادة لا يكاد يتصور: {فإنك} أي بسبب هذا السؤال {من المنظرين *} وهذا يدل أن مثل هذا الإنظار لغيره أيضاً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن الحارث رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏خلق الله ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده‏.‏ ثم قال‏:‏ وعزتي لا يسكنها مدمن خمر، ولا ديوث‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله قد عرفنا مدمن الخمر فما الديوث‏؟‏ قال‏:‏ الذي يشير لأهله السوء‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ خلق الله أربعاً بيده‏:‏ العرش، وجنات عدن، والقلم، وآدم‏.‏ ثم قال لكل شيء كن فكان‏.‏ واحتجب من خلقه بأربعة‏:‏ بنار، وظلمة، ونور‏‏. وأخرج هناد عن ميسرة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏خلق الله أربعة بيده:‏ خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، وخلق القلم بيده‏. وأخرج هناد عن إبراهيم رضي الله عنه‏، مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن كعب قال‏:‏ إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثة أشياء‏:‏ خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة قال‏:‏ الرجيم اللعين‏.‏ قوله {‏إلا عبادك منهم المخلصين‏}‏ قال‏:‏ المخلصين بالنصب‏.‏ فقلت كل شيء في القرآن هكذا نقرأها‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏

القشيري

تفسير : من هنا وقع في الغلط؛ تَوَهَّمَ أَنَّ التفضيل من حيث البنية والجوهرية، ولم يعلم أن التفضيلَ من حيث القسمة دون الخِلْقَة. ويقال ما أودع اللَّهُ - سبحانه - عند آدم لم يوجد عند غيره، ففيه ظهرت الخصوصية.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} الله تعالى لابليس مشافهة حين امتنع من السجود {يا ابليس} وهذه مشافهة لا تدل على اكرام ابليس اذ يخاطب السيد عبده بطريق الغضب وتمامه فى سورة الحجر {ما} أى شىء {منعك} من {ان تسجد} اى دعاك الى ترك السجود {لما} اى لمن {خلقت بيدىّ} خصصته بخلقى اياه بيدى كرامة له اى خلقته بالذات من غير توسط اب وام فذكر اليد لنفى توهم التحوز اى لتحقيق اضافة خلقه اليه تعالى واسناد اليد الى اب بعد قيام البرهان على تنزهه عن الاعضاء مجاز عن التفرد فى الخلق والايجاد تشبيها لتفرده بالايجاد باختصاص ما عمل الانسان بها والتثنية فى اليد لما فى خلقه من مزيد القدرة واختلاف الفعل فان طينته خمرت اربعين صباحا وكان خلقه مخالفا لسائر ابناء جنسه المتكونة من نطفة الابوين او من نطفة الام مميزا عنه ببديع صنعه تعالى ولقد نظم الحكيم السنائى بعض التأويلات بالفارسية شعر : يد او قدرتست ووجه بقاش آمدن حكمش ونزول عطاش اصبعينش نفاذ حكم قدر قدمينش جلال وقهر وخطر تفسير : [ودر بعضى تفسير آمده كه مراد يد قدرت ويد نعمتست ودر فتوحات فرموده كه قدرت ونعمت شاملست همه موجودات را "لانه خلق ابليس بالقدرة التى خلق بها آدم" بس بدين منوال تأويل آدم را هيج شر فى ثابت نشود بس لابداست از آنكه بيدى معنى باشدكه دلالت كند برتشريف آدم عليه السلام بر حمل نسبتين تنزيه وتشبيه كه آدم جامع هر دو صفتست مناسب مى نمايد]. وفى بحر الحقائق يشير بيدى الى صفتى اللطف والقهر وهما تشتملان على جميع الصفات وما من صفة الا وهى اما من قبيل اللطف واما من قبيل القهر وما من مخلوق من جميع المخلوقات الا وهو اما مظهر صفة اللطف او مظهر صفة القهر كما ان الملك مظهر صفة لطف الحق والشيطان مظهر صفة قهر الحق الا الآدمى فانه خلق مظهر كلتى صفتى اللطف والقهر والعالم بما فيه بعضه مرآة صفة لطفه تعالى وبعضه مرآة صفة قهره تعالى والآدمى مرآة ذاته وصفاته تعالى كما قال {أية : سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق} تفسير : وبهذه الجامعية كان مستحقا لمسجودية الملائكة [ودرين معنى كفته اند] شعر : آمد آيينه جميله ولى همجو آيينه نكرده جلى كشت آدم جلاء اين مرآت شدعيان ذات او بجمله صفات مظهرى كشت كلى وجامع سر ذات وصفات از ولامع تفسير : والحاصل ان الله تعالى اوجد العالم ذا خوف ورجاء فنخاف غضبه ونرجو رضاه فهذا الخوف والرجاء اثر صفتى الغضب والرضى ووصف تعالى نفسه بانه جميل وذو جلال اى متصف بالصفات الجمالية وهى ما يتعلق باللطف والرحمة ومتصف بالصفات الجلالية وهى ما يتعلق بالقهر والغلبة فاوجدنا على انس وهيبة فالانس من كونه جميلا والهيبة من كونه جليلا وهكذا جميع ما ينسب اليه تعالى ويسمى به من الاسماء المتقابلة كالهداية والاضلال والاعزاز والاذلال وغيرها فانه سبحانه اوجدنا بحيث نتصف بها تارة ويظهر فينا آثارها تارة فعبر عن هذين النوعين المتقابلين من الصفات باليدين لتقابلهما وتصرف الحق بهما فى الاشياء وهاتان اليدان هما اللتان توجهتا من الحق سبحانه على خلق الانسان الكامل لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته التى هى مظاهر لجميع الاسماء فلهذا السر ثنى الله اليدين. واما الجمع فى قوله {أية : مما عملت ايدينا} تفسير : فوارد على طريق التعظيم كما هو عادة الملوك وايضا ان العرب تسمى الاثنين جمعا كما فى قوله تعالى {أية : فقد صغت قلوبكما} تفسير : واما الواحد فى قوله تعالى {أية : يد الله} تفسير : فباعتبار المبدأ والمآل والله الملك المتعال {أستكبرت} بقطع الالف اصله أاستكبرت ادخلت همزة الاستفهام للتوبيخ والانكار على همزة الوصل فحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام وبقيت همزة الاستفهام مفتوحة. والمعنى أتكبرت من غير استحقاق {ام كنت من العالين} المستحقين للتفوق والعلو ويحتمل ان يكون المراد بالعالين الملائكة المهيمين الذين ما امروا بالسجود لآدم لاستغراقهم فى شهود الحق وهم الارواح المجردة كما سبق بيانهم فى سورة الحجر

اطفيش

تفسير : {قال} الله عز وجل توبيخا وإنكارا {يا إبليسُ ما منَعَك أن تَسْجُد} من أن تسجد، أى من السجود، أو ما منعك السجود، فانه قد يتعدى لاثنين {لما خَلقْتُ بيَديَّ} أى لمن خلقت، فما واقعة على العاقل كما تقع على الجماد، وسائر الحيوان، أو لما كان شيئا جديدا غير معروف، عبر عنه بما، أو ما مصدرية والمصدر بمعى مفعول، أى لخلقى أو مخلوقى، وانما صرنا الى هذا لتأويل ما لا عبثا. واليدان تعظيم له عليه السلام وتأكيد للقدرة، والشىء المعتنى به يعمل باليدين، وهو من غير أب وأم، وفيه علوم ومزايا ليست للملائكة، وأنه طين ثم لحم ودم وعظم، ثم حياة وقوة وعلم، ومن كان ذلك حاله حقيق أن يعظم ويسجد له، إذ أمر الله تعالى بالسجود له، أو اليدان لأن له أفعالا ملكية تناسب اليمين، وأفعالا حيوانية تناسب الشمال، ولا يد لله حقيقة، أو اليد النعمة والتثنية لتأكيد النعمة، أو لنعمة الدنيا ونعمة الآخرة، ولا بأس أن تقول بيدى تأكيد لكنه خلقه، وتحقيق، كما يقال: هذا رأيته بعينى، أو هذا كتبته بيدى، أو قلته بلسانى على أن يرجع هذا التأكيد لتعظيمه، كأنه قيل حقيق أن تسجد لما تحقق أنه خلقته بيدى. قال ابن عمر: " خلق الله أربعة بيده: العرش، وجنات عدن، والقلم، وآدم، ثم قال لكل شىء كن فكان" رواه البيهقى، وثم الترتيب الذكرى، والتراخى الرتبى، ويروى أن الله تعالى كتب التوراة بيده، ولا يخفى أن ذا اليدين يباشر الأعمال، فغلب الفعل بهما على سائر الأعمال، حتى يقال فى عمل القلب: إنه مما عملته يده، ويقال لمن لا يدين له: عملته يداك، ومنه مما عملت أيدينا، ولما خلقت بيدى، ويروى أن الملائكة قالوا: أجعل لآدم وذريته الدنيا، ولنا الآخرة، فقال الله عز وجل: "حديث : وعزتي وجلالي لا أجعل من خلقته بيدي كمن قلت له كن فكان ". تفسير : {أسْتَكْبرت} بفتح الهمزة للاستفهام التوبيخى، وهمزة الوصل المذكورة محذوفة لفظا وخطا، أى أتكبرت من غير استحقاق وهو فوقك {أمْ} متصل {كُنْت مِن العَالِينَ} ممن هو فى الحقيقة أعلى منه شأنا، فظهر لك أن لا تسجد له ولو أمرتك بالسجود، أو أحدث لك التكبر بعد الاتضاع لأمر الله، أو أحدث لك استحقاق رفعة وأنت قبل ذلك لم تكن برفيع، أم كنت عاليا عليه من أول مرة حقيقة، أو مدعيا للرفة من أول مرة،ولفظ كنت أنسب بهذه الأوجه غير الأول، إذ لم يقل أم أنت من العالين، كذا قيل، وقيل: من العالين من الملائكة العالين على من سواهم من الملائكة لا يعرفون أحدا معهم إلا الله والإكباب على طاعته لم يؤمرا بالسجود لآدم، ويسمون المهيمين. وقيل: {من العالين} من ملائكة السماوات على أنه أمر بالسجود ملائكة الأرض فقط، والصحيح أن الملائكة كلهم أمروا بالسجود له، وأجاب قوله: {أستكبرت} إلخ بقوله: " أية : أنا خير" تفسير : [ص: 76] كما قال.

الالوسي

تفسير : {قَالَ } عز وجل على سبيل الإنكار والتوبيخ {يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } أي من السجود {لِمَا خَلَقْتُ } أي للذي خلقته على أن ما موصولة والعائد محذوف، واستدل به على جواز إطلاق {مَا } على آحاد من يعقل ومن لم يجز قال: إن {مَا } مصدرية ويراد بالمصدر المفعول أي أن تسجد لمخلوق {بِيَدَىَّ } وهذا عند بعض أهل التأويل من الخلف تمثيل لكونه عليه السلام معتني بخلقه فإن من شأن المعتنى به أن يعمل باليدين، ومن آثار ذلك خلقه من غير توسط أب وأم وكونه جسماً صغيراً انطوى فيه العالم الأكبر وكونه أهلاً لأن يفاض عليه ما لا يفاض على غيره إلى غير ذلك من مزايا الآدمية. وعند بعض آخر منهم اليد بمعنى القدرة والتثنية للتأكيد الدال على مزيد قدرته تعالى لأنها ترد لمجرد التكرير نحو {أية : ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ }تفسير : [الملك: 4] فأريد به لازمه وهو التأكيد وذلك لأن لله تعالى في خلقه أفعالاً مختلفة من جعله طيناً مخمراً ثم جسماً ذا لحم وعظم ثم نفخ الروح فيه وإعطائه قوة العلم والعمل ونحو ذلك مما هو دال على مزيد قدرة خالق القوى والقدر، وجوز أن يكون ذلك لاختلاف فعل آدم فقد يصدر منه أفعال ملكية كأنها من آثار اليمين وقد يصدر منه أفعال حيوانية كأنها من آثار الشمال وكلتا يديه سبحانه يمين. وعند بعض اليد بمعنى النعمة والتثنية إما لنحو ما مر وإما على إرادة نعمة الدنيا ونعمة الآخرة. والسلف يقولون: اليد مفردة وغير مفردة ثابتة لله عز وجل على المعنى اللائق به سبحانه ولا يقولون في مثل هذا الموضع إنها بمعنى القدرة أو النعمة، وظاهر الأخبار أن للمخلوق بها مزية على غيره، فقد ثبت/ في «الصحيح» أنه سبحانه قال في جواب الملائكة: اجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة وعزتي وجلالي لا أجعل من خلقته بيدي كمن قلت له كن فكان. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في "العظمة" والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: خلق الله تعالى أربعاً بيده: العرش وجنات عدن والقلم وآدم ثم قال لكل شيء كن فكان، وجاء في غير ما خبر أنه تعالى كتب التوراة بيده، وفي حديث محاجة آدم وموسى عليهما السلام ما يدل على أن المخلوقية بها وصف تعظيم حيث قال له موسى: أنت آدم الذي خلقك الله تعالى بيده، وكذلك في حديث الشفاعة أن أهل الموقف يأتون آدم ويقولون له: أنت آدم أبو الناس خلقك الله تعالى بيده، ويعلم من ذلك أن ترتيب الإنكار في {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } على خلق الله تعالى إياه بيديه لتأكيد الإنكار وتشديد التوبيخ كأنه قيل: ما منعك أن تعظم بالسجود من هو أهل للتعظيم للعناية الربانية التي حفت إيجاده. وزعم الزمخشري أن {خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } من باب رأيته بعيني فبيدي لتأكيد أنه مخلوق لا شك فيه وحيث إن إبليس ترك السجود لآدم عليه السلام لشبهة أنه سجود لمخلوق وانضم إلى ذلك أنه مخلوق من طين وأنه هو مخلوق من نار وزل عنه أن الله سبحانه حين أمر من هو أجل منه وأقرب عباده إليه زلفى وهم الملائكة امتثلوا ولم يلتفتوا إلى التفاوت بين الساجد والمسجود له تعظيماً لأمر ربهم وإجلالاً لخطابه ذكر له ما يتشبث به من الشبهة وأخرج له الكلام مخرج القول بالموجب مع التنبيه على مزلة القدم فكأنه قيل له ما منعك من السجود لشيء هو كما تقول مخلوق خلقته بيدي لا شك في كونه مخلوقاً امتثالاً لأمري وإعظاماً لخطابـي كما فعلت الملائكة ولا يخفى أن المقام ناب عما ذكره أشد النبو، وجعل ذلك من باب رأيت بعيني لا يفيد إلا تأكيد المخلوقية، وإخراج الكلام مخرج القول بالموجب مما لا يكاد يقبل فإن سياق القول بالموجب أن يسلم له ثم ينكر عليه لا أن يقدم الإنكار أصلاً ويؤتى به كالرمز بل كالإلغاز، وأيضاً الأخبار الصحيحة ظاهرة في أن ذاك وصف تعظيم لا كما زعمه، وأيضاً جعل سجود الملائكة لآدم راجعاً إلى محض الامتثال من غير نظر إلى تكريم آدم عليه السلام مردود بما سلم في عدة مواضع أنه سجود تكريم كيف وهو يقابل {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا }تفسير : [البقرة: 30] وكذلك تعليمه إياهم فليلحظ فيه جانب الآمر تعالى شأنه وجانب المسجود له عليه الصلاة والسلام توفية للحقين وكأنه قال ما قال وأخرج الآية على وجه لم يخطر ببال إبليس حذراً من خرم مذهبه ولا عليه أن يسلم دلالة الآية على التكريم ويخصه بوجه وحينئذٍ لا تدل على الأفضلية مطلقاً حتى يلزم خرم مذهبه. ولعمري أن هذا الرجل عق أباه آدم عليه السلام في هذا المبحث من "كشافه" حيث أورد فيه مثالاً لما قرره في الآية جعل فيه سقاط الحشم مثالاً لآدم عليه السلام وبر عدو الله تعالى إبليس حيث أقام له عذره وصوب اعتقاده أنه أفضل من آدم لكونه من نار وآدم من طين وإنما غلطه من جهة أخرى وهو أنه لم يقس نفسه على الملائكة إذ سجدوا له على علمهم أنه بالنسبة إليهم محطوط الرتبة ساقط المنزلة وكم له من عثرة لا يقال لصاحبها لعا مع الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم في هذا المقام، نسأل الله تعالى أن يعصمنا من مهاوي الهوى ويثبت لنا الأقدام. وقرىء {بيدي} بكسر الدال كمصرخي و {بيدي} على التوحيد. {أَسْتَكْبَرْتَ } بهمزة الإنكار وطرح همزة الوصل أي أتكبرت من غير استحقاق {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} أو كنت مستحقاً للعلو فائقاً فيه، وقيل المعنى أحدث لك الاستكبار أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين فالتقابل على الأول: باعتبار الاستحقاق وعدمه/ وعلى الثاني: باعتبار الحدوث والقدم ولذا قيل {كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} دون أنت من العالين، وقيل إن العالين صنف من الملائكة يقال لهم المهيمون مستغرقون بملاحظة جمال الله تعالى وجلاله لا يعلم أحدهم أن الله تعالى خلق غيره لم يؤمروا بالسجود لآدم عليه السلام أو هم ملائكة السماء كلهم ولم يؤمروا بالسجود وإنما المؤمور ملائكة الأرض فالمعنى أتركت السجود استكباراً أم تركته لكونك ممن لم يؤمر به ولا يخفى ما فيه. وأم في كل ذلك متصلة ونقل ابن عطية عن كثير من النحويين أنها لا تكون كذلك إذا اختلف الفعلان نحو أضربت زيداً أم قتلته. وتعقبه أبو حيان بأنه مذهب غير صحيح وأن سيبويه صرح بخلافه. وقرأت فرقة منهم ابن كثير فيما قيل {استكبرت} بصلة الألف وهي قراءة أهل مكة وليست في مشهور ابن كثير فاحتمل أن تكون همزة الاستفهام قد حذفت لدلالة أم عليها كقوله: شعر : بسبع رمينا الجمر أم بثمان >تفسير : واحتمل أن يكون الكلام إخباراً وأم منقطعة والمعنى بل أنت من العالين والمراد استخفافه سبحانه به.

ابن عاشور

تفسير : أي خاطب الله إبليس ولا شك أن هذا الخطاب حينئذٍ كان بواسطة ملَك من الملائكة لأن إبليس لما استكبر قد انسلخ عن صفة الملكية فلم يعد بعد أهلاً لتلقي الخطاب من الله ولم يكن أرفع رتبة من الرسل الذين قال الله فيهم {أية : وما كان لبشر أن يكلمه اللَّه إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء}تفسير : [الشورى: 51]، وبذلك تكون المحاورة المحكية هنا بواسطة ملَك فيكون الاختصام بينه وبين الملائكة على جعل ضمير {أية : يختَصِمُونَ}تفسير : [ص: 69] عائداً إلى الملأ الأعلى كما تقدم. وجيء بفعل {قال} غير معطوف حسب طريقة المقاولات. وتقدم قريب من هذه الآية في سورة الحجر إلا قوله هنا {ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ}، أي ما منعك من السجود، ووقع في [سورة الأعراف: 12] {أية : أن لا تسجد}تفسير : على أن (لا) زائدة. وحُكي هنا أن الله قال له: {لِمَا خلقْتُ بِيدي}، أي خلقته بقدرتي، أي خلقاً خاصّاً دفعة ومباشرة لأمر التكوين، فكان تعلق هذا التكوين تعلقاً أقربَ من تعلقه بإيجاد الموجودات المرتَّبة لها أسباب تباشرها من حمل وولادة كما هو المعروف في تخلق الموجودات عن أصولها. ولا شكّ في أن خلق آدم فيه عناية زائدة وتشريف اتصال أقرب. فاليدان تمثيل لتكوّن آدم من مُجرد أمر التكوين للطين بهيئة صنع الفخَّاري للإِناء من طين إذ يسوّيه بيديه. وكان السلف يُقِرّون أن اليدين صفة خاصة لله تعالى لورودهما في القرآن مع جزمهم بتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات وعن الجسمية وقصدهم الحذر من تحكيم الآراء في صفات الله، أو أن تحمل العقول القاصرة صفاتتِ الله على ما تعارفته {أية : ولتصنع على عيني}تفسير : [طه: 39] وقال مرة {أية : فإنك بأعيننا}تفسير : [الطور: 48]. وقد تقدم القول في الآيات المشاهبة في أول سورة آل عمران. وفي إلقاء هذا السؤال إلى إبليس قطع بمعذرته. والمعنى: أمن أجل أنك تتعاظم بغير حق أم لأنك من أصحاب العلو، والمراد بالعلو الشرف، أي من العالين على آدم فلا يستحق أن تعظمه فأجاب إبليس مما يشق الثاني. فتبين أنه يعدّ نفسه أفضل من آدم لأنه مخلوق من النار وآدم مخلوق من الطين، يعني والنار أفضل من الطين، أي في رأيه. وعبر عن آدم باسم «مَا» الموصولة وهو حينئذٍ إنسان لأن سجود الملائكة لآدم كان بعد خلقه وتعليمه الأسماء كما في سورة البقرة. ويؤيد قول أهل التحقيق أن «ما» لا تختص بغير العاقل وشواهده كثيرة في القرآن وغيره من كلام العرب. وقال: {أنَا خيرٌ منه} قولٌ من الشيطان حكي على طريقة المحاورات. وجملة {خلقتني من نارٍ وخلقته من طِينٍ} بيان لجملة {أنا خيرٌ منه}. وقد جعل إبليس عذره مبْنياً على تأصيل أن النار خير من الطين ولم يرد في القرآن أن الله رد عليه هذا التأصيل لأنه أحقر من ذلك فلعنه وأطرده لأنه ادعى باطلاً وعصى ربّه استكباراً: وطَرْدُه أجمع لإِبطال علمه ودحض دليله، غير أن النور الذي في النار نور عارض قائم بالأجسام الملْتهبة التي تسمّى ناراً، وليس للنار قيام بنفسها ولذلك لم تَعْدُ أن يكون كيانها مخلوطاً بما يُلهبها. ومعنى كون الشيطان مخلوقاً من النار أَنَّ ابتداء تكوّن الذَّرة الأصلية لقوام ماهيته من عنصر النار، ثم تمتزج تلك الذرة بعناصر أخرى مثل الهواء وما الله أعلم به. ومعنى كون آدم مخلوقاً من الطين أن ابتداء تكوّن ذَرات جثمانه من عنصر التراب وأدخل على تلك الذرات ما امتزجت به عناصر الهواء والماء والنار وما يتولد على ذلك التركيب من عناصر كيماوية وقوة كهربائية تتقوم بمجموعها ماهية الإِنسان. وتكون {من} في الموضعين ابتدائية لا تبعيضية. وقد جزم الفلاسفة الأولون والأطباء بأن عنصر النار أشرف من عنصر التراب ويعبر عنه بالأرض لأن النار لطيفة مضيئة اللون والتراب كثيف مظلم اللون. وقال الشيرازي في «شرح كليات القانون»: إن النار وإن ترَجحت على الأرض بما ذكر فالأرض راجحة عليها بأنها خير للحيوان والنبات، وغيرُ مفسدة ببردها، بخلاف النار فإنها مفسدة بحرّها لكونه في الغاية إلى غير ذلك. والحق: أن أفضليّة العناصر لا تقتضي أفضلية الكائنات المنشأَة منها لأن العناصر أجرام بسيطة لا تتكون المخلوقات من مجردها بل المخلوقات تتكون بالتركيب بين العناصر، والأجسامُ الإِنسانية مركبة من العناصر كلّها. والروح الآدمي لطيفة نورانية تفوَّق بها الإِنسان على جميع المركبات بأن كان فيه جزء ملَكي شارك به الملائكة، ولذلك طلب منه خالقه تعالى وتقدّس أن يلحق نفسه بالملائكة فتحقق ذلك الالتحاق كاملاً في الأنبياء والمرسلين ومن أجل ذلك قلنا: إن الأنبياء والرسل أفضل من الملائكة لاستواء الفريقين في تمحض النورانية وتميُّز فريق الأنبياء بأنهم لَحقوا تلك المراتب بالاصطفاء والطاعة، فليس لإِبليس دليل في التفضيل على آدم وإنما عرضت له شبهة ضالة ولذلك جوزي على إبائه من السجود إليه بالطرد من الملأِ الأعلى. وإنما بسطنا القول هنا لردّ شبه طائفة من الملاحدة الذين يصوبون شبهة إبليس طعناً في الدين لا إيماناً بالشياطين ليعلموا أنه لو سلمنا أن النار أشرف من الطين لما كان ذلك مُقتضياً أن يكون ما ينشأ من النار أفضل مما ينشأ من الطين لأن المخلوق كائن مركب من عناصر وأجزاء متفاوتة والتركيب قد يُدخل على المادة الأولى شرفاً وقد يدخل عليها حَقارة، والتفاضل إنما يتقوم من الكمال في الذات والآثار.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لما خلقت بيديّ: أي للذي خلقته بيديَّ وهو آدم فدل ذلك على شرفه. استكبرت أم كنت من العالين: استكبرت الآن أم كنت من قبل من العالين المتكبرين والاستفهام للتوبيخ. والتقريع لإِبليس. فاخرج منها: أي من الجنة. فإِنك رجيم: أي مرجوم مطرود. وأن عليك لعنتي إلى يوم الدين: أي طرده من الجنة وألحقه لعنة وهي الطرد من الرحمة إلى يوم الدين أي الجزاء وهو يوم القيامة. قال رب فانظرني: أي أخر موتي وأبق عليَّ حيَّا إلى يوم يبعثون أي الناس. إلى يوم الوقت المعلوم: أي إلى النفخة الأولى وهي نفخة الموت والفناء. إلا عبادك منهم المخلصين: أي الذين استخلصتهم للإِيمان بك وعبادتك ومجاورتك في الجنة. قل ما أسألكم عليه من أجر: لا أسألكم على البلاغ أجراً تعطونه لي. وما أنا من المتكلفين: أي المتقولين القرآن ومات أنذركم به من تلقاء نفسي. إن هو إلا ذكر للعالمين: أي ما أتلوه من القرآن وما أقوله من الهدى إلا ذكر للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين: أي ولتعلمن أيها المكذبون نبأ القرآن الذي أنبأ به من الوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين بعد حين. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر ما دار بين الربّ تعالى وعدوه إبليس من حديث في الملأ الأعلى إذ قال تعالى بعد أن امتنع إبليس من السجود لآدم {يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} أي أيُّ شيء جعلك تمتنع من السجود لآدم وقد أمرتك بذلك {أَسْتَكْبَرْتَ} أي الآن {أَمْ كُنتَ} من قبل {مِنَ ٱلْعَالِينَ} أي المستكبرين، وهذا الاستفهام من الله تعالى توبيخ لإِبليس وتقريع له. وأجابه إبليس بما أخبر تعالى به عنه في قوله {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} فاستعمل اللعين القياس الفاسد المردود عند أرباب العقول، إذ النار لم تكن أبداً خيرا من الطين، النار تحرق ونهايتها رماد، والطين لا يحرق ومنه سائر أنواع المغذيات التي بها الحياة الحبوب والثمار والفواكه والخضر واللحوم وحسبه أنه أصل الإِنسان ومادة خلقته. فأيُّ شرف للنّار أعظم لو كان اللعين يعقل. وهنا قال تعالى له {فَٱخْرُجْ مِنْهَا} أي من الجنة {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} أي مطرود مبعد لا ينبغي أن تبقى في رحمة الله، {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ} لا تفارقك على مدى الحياة وهي بُعد من رحمتي طوال الحياة. وهنا قال اللعين لما آيس من الرحمة {رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ} أي ابق عليَّ حياً لا تمتني {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} حتى يتمكن من إغواء بني آدم، ولا يموت إذا ماتوا في النفخة الأولى فلا يذوق هو الموت وعلم الله ما أضمره في نفسه فرد عليه بقوله {فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ} أي الممهلين المبقى على حياتهم {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} وهو النفخة الأولى حتى يموت مع سائر الخلائق ولما علم اللعين أنه أنظر قال في صفاقة وجه ووقاحة قول مقسماً بعزة الله {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} فاستثنى اللعين عباد الله المؤمنين المتبقين الذين استخلصهم الله لطاعته وجواره في دار كرامته. وهنا قال تعالى ردا على اللعين {قَالَ فَٱلْحَقُّ} أي أنا الحق {وَٱلْحَقَّ أَقُولُ} {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} أي من الإِنس والجن أجمعين. وإلى هنا انتهى ما دار من خصومة في الملأ الأعلى، وكيف عرف محمد صلى الله عليه وسلم هذا وأخبر به لولا أنه وحيّ يوحى إليه. وهنا قال تعالى لرسوله قل لقومك المكذبين برسالتك {مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على البلاغ {مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} الذين يتقولون على الله ويقولون ما لم يقل {إِنْ هُوَ} أي القرآن {إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} من الإِنس والجن يذكرون به فيؤمنون ويهتدون {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ} أي ولتعرفن صدق ما أخبر به من وعد ووعيد وصلاحية ما تضمنه من تشريع بعد حين، وقد عرف بعضهم ذلك يوم بدر، ويوم الفتح، ويوم موته. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- ذم الكبر والحسد وحرمتهما وبيان جزائهما. 2- مشروعية القياس إن كان قياس صحيحا، وبيان أخطار القياس الفاسد. 3- مشروعية القسم بالله وبصفاته وأسمائه. 4- بيان أن من كتب الله سعادتهم لا يقوى الشيطان على إغوائهم وإضلالهم. 5- لا يجوز أخذ الأجرة على بيان الحق والدين. 6- ذم التكلُّف المفضي إلى الكذب والتقول على الله وعلى الرسول والمؤمنين. 7- ظهر مصداق ما أخبر به القرآن بعد حين قصير وطويل.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰإِبْلِيسُ} (75) - وَقَالَ الرَّبُّ الكَرِيمُ لإِبْلِيسَ: مَا الذِي مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ لآِدَمَ الذِي خَلَقْتُهُ بِيَدي، هَلِ اسْتَكْبَرْتَ عَنْ إِطَاعَةِ أَمْرِي؟ أَمْ كُنْتَ مِنَ المُتَعَالِينَ الذِينَ لاَ يَخْضَعُونَ لأَِمْرِي؟ العَالِينَ - المُسْتَحِقِّينَ لِلْعُلُوِّ والرِّفْعَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المتتبع لهذه القصة يجد أن القرآن استوعبها في سبع سور، لكن بأسلوب مختلف في كل منها، فمرة قال: {أية : أَبَىٰ ..} تفسير : [الحجر: 31] ومرة قال: {أية : أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ ..} تفسير : [البقرة: 34]. المسألة الأولى التي أردنا توضيحها في هذه القصة أن الحق سبحانه لم يجعل الجنة التي خرج منها آدم إلى الأرض هي جنة المأوى، لأنه لم يُخلق للجنة ثم خرج منها بمعصيته، إنما خُلق آدم للخلافة في الأرض، وفي أول بلاغ عنه من الله قال تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ..} تفسير : [البقرة: 30]. إذن: هو مخلوق للأرض، ونظراً لأنه أبو البشر جميعاً، والبشر على صنفين: صنف معصوم هم الرسل، وصنف غير معصوم هم عامة الناس، فكان ولا بُدَّ أنْ يتمثّل في آدم ما ثبت للصنفين، عصى آدم أولاً، ثم اجتباه ربه وتاب عليه وعصمه الله بعدها، إذن: لم يَعْص آدم وهو نبي، إنما عصى قبل النبوة. والحق - سبحانه وتعالى - لما عرض هذه المسألة وقال: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ..} تفسير : [البقرة: 30] لم يشأ سبحانه بعدالته ورحمته أنْ يُنزِلَ آدم إلى الأرض ليعمرها بغير منهج من المناهج التي تُصلح حركةَ الحياة، ولم يشأ أنْ يُجرِّب فيه التكليف الأول، فصنع له قطعة من الأرض فيها كل مقومات الحياة وترفها، وأسكنه إياها ليدربه على التوجيه والتكليف بافعل ولا تفعل. فأباح له أنْ يأكل من كل ما في هذا البستان إلا شجرة واحدة نهاه عن مجرد الاقتراب منها، ليمثل له الإباحة فيما أحل والحظر فيما منع، ثم ذكَّره بعداوة الشيطان له وحذَّر منه ومن وسوسته. لكن أغوى الشيطانُ آدمَ، فأكل من الشجرة التي نُهِي عنها، وحدثتْ منه المخالفة التي ترتب عليها ظهور عورته لأول مرة، وهنا إشارة رمزية إلى أن العورات لا تظهر في المجتمع إلا بمخالفة منهج الله. ثم نقف أيضاً عند {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ..} تفسير : [البقرة: 35] فلم يقل سبحانه: ولا تأكلا من هذه الشجرة، بل نهى عن مجرد قربها، لأن من حام حول الحِمَى يُوشِك أنْ يواقعه. لذلك تجد الحق سبحانه حين يحدثنا عن الحدود التي أحلها الله لنا يقول: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} تفسير : [البقرة: 229] أما في الحدود التي حرّمها فيقول: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} تفسير : [البقرة: 187]. ونلحظ في الآية التي معنا قوله تعالى: {يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ..} [ص: 75] وفي الأعراف قال: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ..} تفسير : [الأعراف: 12] فمرة بالإثبات ومرة بالنفي. والمعنى واحد، لأن المتكلم بهذا الكلام هو الله رَبُّ العالمين، معنى {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ..} [ص: 75] يعني: أردتَ أنْ تسجد، فعرض لك عارض، أما {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ..} تفسير : [الأعراف: 12] يعني: أمَنعكَ مانع فلم تسجد قهراً عنك؟ وقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ..} [ص: 75] بيان لشرف هذا المخلوق، ويكفي في شرفه أن الله تعالى نسب خَلْقه إليه سبحانه مباشرة {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} [ص: 75] يعني: السبب الذي دعاك إلى عدم السجود إما استكبارك أنْ تسجدَ لآدم، أم كنتَ من العالين؟ وقد اختلف العلماء في معنى العالين، بعضهم قال: من الطاغين المتكبِّرين الذي أعرضوا عن أحكام الله ومنهجه استكباراً، ومن ذلك قوله تعالى في فرعون: {أية : وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} تفسير : [يونس: 83] وقال سبحانه: {أية : تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [القصص: 83] أي: عُلُواً على أحكام الله، وعلى أوامر الله. وقال آخرون: معنى العالين هم نوع من الملائكة، والذين لم يشملهم الأمر بالسجود لآدم، فالمأمور بالسجود هم الملائكة الذين لهم علاقة بهذا المخلوق وهم المدبِّرات الذين قال اللهُ عنهم {أية : فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} تفسير : [النازعات: 5] والمعقِّبات الذين قال الله فيهم {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ..} تفسير : [الرعد: 11] هؤلاء هم الذين أمروا بالسجود. أما العَالُون فهم ملائكة لا عملَ لهم إلا تسبيح الله، ولا صلةَ لهم بهذا الكون، ولا يدرون عنه شيئاً. فالمعنى {أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} [ص: 75] أي الذين لم يشملهم الأمر بالسجود، وهذا المعنى أقرب للصواب، لأن الله تعالى قال قبلها: {أَسْتَكْبَرْتَ ..} [ص: 75] فلا نفسر العالين بعدها بمعنى المتكبرين، لأنها تؤدي نفس المعنى الأول. وهنا ينبغي أنْ نشيرَ إلى اختلاف العلماء حول طبيعة إبليس، حيث قال بعضهم: إنه من الملائكة. وقال آخرون: من الجن. أصحاب الرأي الأول يعتمدون على قوله تعالى: {أية : إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [ص: 71-72] فقالوا: إذن إبليس من الملائكة لأن الأمر وُجِّه إليهم، والدليل على ذلك أنه لما خالف وامتنع عن السجود عُوقِب، فهو إذن داخل في الأمر، والله سبحانه لم يأمر إلا الملائكة، فلو لم يكُنْ من الملائكة لم يُعاقَب. ونقول في الرد على أصحاب هذا الرأي: لا بُدَّ أنْ نُفرِّق بين الدليل بالالتزام أو الاستنباط، وبين دليل النص، فإذا وُجِدَ نَصٌّ فلا مجالَ لدليل الالتزام أو الاستنباط، وقد قال الحق سبحانه في سورة الكهف: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} تفسير : [الكهف: 50] فكيف تُصرِّح الآية بأنه من الجن ونقول نحن: إنه من الملائكة؟ أما لماذا آخذه الله على عدم السجود إنْ كان من الجن؟ نقول: لأن الملائكة مقهورون على الطاعة، فهي غريزة فيهم {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6] أما الإنس والجن فهم مُخيَّرون بين الإيمان أو الكفر، وبين الطاعة أو المعصية، فإذا جاء منهم مَنْ ألزم نفسه بالطاعة بحيث لا يعصي فهو أفضل من الملائكة، لأن الملائكة مقهورون على الطاعة أما هو فطائع باختياره وهو قادر على المعصية. إذن: أخذ هذه الأفضلية، لأنه حمل نفسه على أن يطيع، وقد كان إبليس في هذه المنزلة حتى قيل: إنه طاووس الملائكة لأفضليته عليهم، فلما صدر الأمر للملائكة شمله أيضاً، لأنه إنْ كان أعلى منزلة من الملائكة وحالة الطاعة، فكان عليه أنْ يطيعَ الأمر، وإن كان أقلَّ من الملائكة، فالأمر للأعلى يستلزم الأمر للأدنى. ومثَّلْنا لهذه المسألة قلنا: إذا دخل رئيس الجمهورية فوقف له الوزراء، فوقوف وكلاء الوزراء من باب أَوْلَى، وبذلك نحسم هذا الخلاف بعيداً عن الجدل الذي لا طائل منه. وقوله تعالى: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [ص: 73-74] دليل على أنه مخلوق مختار، كالإنسان يطيع ويعصي، كما قال تعالى: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..} تفسير : [الكهف: 29]. ثم يحكي الحق سبحانه قوْلَ إبليس في الردِّ على ربه عز وجل: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ...}.

الجيلاني

تفسير : ثم لما امتنع إبليس عن إطاعته وتعظيمه مع ورود الأمر الوجوبي من قبل الحق {قَالَ} معاتباً عليه منادياً له سائلاً عن سبب امتناعه: {يٰإِبْلِيسُ} المستكبر المتخلف عن أمرنا {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} أي: أي شيء منعك عن سجود التكريم {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} وصورته بقدرتي، وبمقتضى صورتي، وبكمال حولي وقوتي؛ ليكون مرآتي ويليق بخلتي وخلافتي {أَسْتَكْبَرْتَ} عن طاعة حكمنا وامتثال أمرنا {أَمْ كُنتَ} احتسبت نفسك {مِنَ ٱلْعَالِينَ} [ص: 75] المتفوقين عليه، بحيث لا يجوّز لنفسك أن تتذلل عنده وتنقاد له؟. وبعدما سمع اللعين منه سبحانه الخطاب المشتمل على أنواع العتاب {قَالَ} اللعين بعدما اختار الشق الثاني من الترديد: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} صورة ومادة؛ إذ {خَلَقْتَنِي} بكمال قدرتك {مِن نَّارٍ} هي أعلى العناصر وأرفعها قدراً وإمكاناً {وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ص:76] هي أسفل العناصر وأرذلها قدراً وأدناها مكاناً، والأمر بسجود الأفضل الأعلى للأرذل الأدنى غير موافق ومطابق لحكمتك المتقنة. ثم لما خرج إبليس عن ربقة الإطاعة التعبدية، وأتى بالحجة الإقناعية الجدلية {قَالَ} سبحانه مغاضباً عليه من كمال غيرته وقهره: أنَّى يطيق أحد من مظاهره ومصنوعاته أن يخالف أمره ويحتج عليه؟ {فَٱخْرُجْ مِنْهَا} أي: من مرتبة الملكية وأعلى مرتبة العبودية {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [ص: 77] مرجوم مطرود عن سعة رحمتنا، وشرف عز حضرتنا، {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ} أي: طردي وتبعيدي عن ساحة عز قربتي، مستمرة عليك {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [ص: 78] وبعد ذلك عذابك مؤبد أبدَ الآبدين. ثم لما قنط إبليس عن روح الله وسعة رحمته {قَالَ} بعدما آيس مناجياً: {رَبِّ} يا من رباني على فطرة الإطاعة، فعصيت أمرك بشؤم عُجبي ونخوتي {فَأَنظِرْنِيۤ} وأمهل علي، بعدما بعدتني عن كنف قربك وجوارك، وطردتني عن محل كرامتك وجودك {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [ص: 79]. {قَالَ} سبحانه: {فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} [ص: 80-81] وهو النفخة الأولى.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]، يشير إلى استحقاق آدم لمسجوديه الملائكة باختصاصه في الخلقة بيديه من سائر المخلوقات، ويشير بيديه إلى صفتي اللطف والقهر، وهما يشتملان على جميع الصفات، وما من صفة إلا وهي إما من قيبل اللطف، وإما من قبيل القهر، وما من مخلوق من جميع المخلوقات إلا هو إما مظهر صفة اللطف، وإما مظهر صفة القهر، كما أن الملك مظهر صفة لطف الحق تعالى، والشيطان مطهر صفة قهر الحق تعالى إلا الآدمي، فإنه خلق مظهر كلتي صفتي اللطف والقهر، والعالم بما فيه بعضه مرآة صفات لطفه تعالى وبعضه مرآة صفة قهره، والآدمي مرآة ذاته وصفاته تعالى وتقدس كما قال: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]، وبقوله: {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ * قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [ص: 75-78]، يشير إلى عزة آدم وكرامته بأن يكون مستحقاً لسجود الملائكة ولم يكن لأحد منهم أن يستكبر من سجوده، وإن استكبر ويدعي الخيرية عليه يلعنه الله، ويخرجه عما يكون فيه من المقام والمنزلة، وحسن الصورة والطرد وإن استكبر عن الحضرة. وبقوله قال: {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } [ص: 79-81]، يشير إلى أن من أبعده الحق وأطرده، وقلب عليه أحواله حتى تجر إلى نفسه أسباب الشقاوة، كما دعا ربه وسأله الأنظار من كمال شقاوته؛ ليزداد إلى يوم القيامة في سبب عقوبته فأنظره الله وأجابه إذا سأله بربوبيته؛ ليعلم أنه كل من سأله باسمه الرب فإنه يجيب كما أجاب إبليس، وكما أجاب آدم عليه السلام إذا قال: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعراف: 23]، وأجابه وتاب عليه، وهدى إبليس لتمام شقاوته.