٣٨ - ص
38 - Sad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
86
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الله تعالى ختم هذه السورة بهذه الخاتمة الشريفة، وذلك لأنه تعالى ذكر طرقاً كثيرة دالة على وجوب الاحتياط في طلب الدين، ثم قال عند الختم: هذا الذي أدعو الناس إليه يجب أن ينظر في حال الداعي، وفي حال الدعوة ليظهر أنه حق أو باطل. أما الداعي وهو أنا. فأنا لا أسألكم على هذه الدعوة أجراً ومالاً، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طمعه عن طلب المال ألبتة، وكان من الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كان بعيداً عن الدنيا عديم الرغبة فيها، وأما كيفية الدعوة فقال: وما أنا من المتكلفين، والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً، والذي يغلب على الظن أن المراد أن هذا الذي أدعوكم إليه دين ليس يحتاج في معرفة صحته إلى التكلفات الكثيرة، بل هو دين يشهد صريح العقل بصحته، فإني أدعوكم إلى الإقرار بوجود الله أولاً: ثم أدعوكم ثانياً: إلى تنزيهه وتقديسه عن كل ما لا يليق به، يقوي ذلك قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } وأمثاله، ثم أدعوكم ثالثاً: إلى الإقرار بكونه موصوفاً بكمال العلم والقدرة والحكمة والرحمة، ثم أدعوكم رابعاً: إلى الإقرار بكونه منزهاً عن الشركاء والأضداد، ثم أدعوكم خامساً: إلى الإمتناع عن عبادة هذه الأوثان، التي هي جمادات خسيسة ولا منفعة في عبادتها ولا مضرة في الإعراض عنها، ثم أدعوكم سابعاً: إلى الإقرار بالبعث والقيامة: {أية : لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى } تفسير : [النجم: 31] ثم أدعوكم ثامناً: إلى الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، فهذه الأصول الثمانية، هي الأصول القوية المعتبرة في دين الله تعالى، ودين محمد صلى الله عليه وسلم وبدائه العقول، وأوائل الأفكار شاهدة بصحة هذه الأصول الثمانية، فثبت أني لست من المتكلفين في الشريعة التي أدعو الخلق إليها. بل كل عقل سليم وطبع مستقيم، فإنه يشهد بصحتها وجلالتها، وبعدها عن الباطل والفساد وهو المراد من قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ } ولما بين هذه المقدمات قال: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ } والمعنى أنكم إن أصررتم على الجهل والتقليد، وأبيتم قبول هذه البيانات التي ذكرناها، فستعلمون بعد حين أنكم كنتم مصيبين في هذا الإعراض أو مخطئين، وذكر مثل هذه الكلمة بعد تلك البيانات المتقدمة مما لا مزيد عليه في التخويف والترهيب، والله أعلم.قال المصنف رحمة الله عليه: تم تفسير هذه السورة يوم الخميس في آخر الثلاثاء الثاني من شهر ذي القعدة سنة ثلاث وستمائة، والحمد لله على آلائه ونعمائه. والصلاة على المطهرين من عباده في أرضه وسمائه، والمدح والثناء كما يليق بصفاته وأسمائه، والتعظيم التام لأنبيائه وأوليائه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجراً تعطونيه من عرض الحياة الدنيا، {وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} أي: وما أريد على ما أرسلني الله تعالى به، ولا أبتغي زيادة عليه، بل ما أمرت به أديته، لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنما أبتغي بذلك وجه الله عز وجل، والدار الآخرة، قال سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور عن أبي الضحى عن مسروق قال: أتينا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال: يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم؛ فإن الله عز وجل قال لنبيكم صلى الله عليه وسلم { قُلْ مَآ أَسْـأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} أخرجاه من حديث الأعمش، به. وقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ} يعني: القرآن ذكر لجميع المكلفين به من الإنس والجن، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وروى ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي غسان مالك بن إسماعيل: حدثنا قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {لِلْعَـٰلَمِينَ} قال: الجن والإنس، وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: {أية : لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19] وكقوله عز وجل: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} تفسير : [هود: 17] وقوله تعالى: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ} أي: خبره وصدقه {بَعْدَ حِينِ} أي: عن قريب. قال قتادة: بعد الموت. وقال عكرمة: يعني: يوم القيامة، ولا منافاة بين القولين؛ فإن من مات، فقد دخل في حكم القيامة، وقال قتادة في قوله تعالى: { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ} قال الحسن: يابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين.آخر تفسير سورة ص ولله الحمد والمنة والله سبحانه وتعالى أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } على تبليغ الرسالة {مِنْ أَجْرٍ } جُعل {وَمَآ أَنَا مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ } المتقوّلين القرآن من تلقاء نفسي.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَآ أَسْئَلُكُمْ} على طاعة الله، أو على القرآن أجراً {الْمُتَكَلِّفِينَ} للقرآن من تلقاء نفسي، أو لأن آمركم بما لم أُؤمر به، أو ما أنا بمكلفكم الأجر.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على تبليغ الرسالة "من أجر" جعل فقوله: "عليه" متعلق "بأَسْأَلَكُمْ" لاَ "بالأَجر" لأنه مصدر، ويجوز أن يكون حالاً منه والضمير إما للقرآن وإما للوَحْي وإما للدعاء إلى الله. قوله: {وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} المتقولين القرآن من تلقاء نفسي، وكل من قال شيئاً من تلقاء نفسه فقد تكلف له وقيل: معناه أن هذا الدين الذين أدعوكم إليه ليس يحتاج في معرفة صحته إلى التَّكْلِيفَات الكثيرة بل هو دين يشهد صريح القعل بصحته. قوله: "إِنْ هُوَ" ما هو يعني القرآن "إِلاَّ ذِكْرٌ" موعظة "للعالمين" أي للخلق أجمعين "لَتَعْلَمُنَّ" جواب قسم مقدر ومعناه لَتَعْرْفُنَّ "نَبَأَهُ" أنتم يا كفار (مكة) خبر صدقه "بَعْدَ حِينٍ" قال ابن عباس وقتادة: بعد الموت، وقال عكرمة: يعني يوم القيامة، وقال الكلبي: من بقي علم ذلك إذا ظهر أمره وعلا من مات عَلِمَهُ بعد الموت. قال الحسن: ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. روى الثعلبي في تفسيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورَةَ "ص" أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بِعَدَدِ كُلّ جَبَلٍ سَخَّره اللَّهُ لِدَاوُدَ - عليه السلام - عشرَ حَسَناتٍ وعُصِمَ أن يصرَّ على ذنب صغيرٍ أو كبيرٍ" تفسير : ، وقال أبو أُمامة عصمة الله من كل ذنب صغيرٍ أو كبيرٍ، والله أعلم( وهو الرحيم الغفور، وإليه ترجع الأمور).
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: قل يا محمد {ما أسألكم} على ما أدعوكم إليه من أجر عرض من الدنيا. وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن مسروق رضي الله عنه قال: بينما رجل يحدث في المسجد فقال فيما يقول {أية : يوم تأتي السماء بدخان} تفسير : [الدخان: 10] يكون يوم القيامة يأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام قال: فقمنا حتى دخلنا على عبد الله رضي الله عنه وهو في بيته، فاخبرناه وكان متكئاً فاستوى قاعداً فقال: أيها الناس من علم منكم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم. قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين}.حديث : وأخرج الديلمي وابن عساكر عن الزبير رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لا ألي من التكلف وصالحو أمتي . تفسير : وأخرج أحمد وابن عدي والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن شقيق رضي الله عنه قال: دخلت أنا وصاحب لي على سلمان رضي الله عنه، فقرب إلينا خبزاً وملحاً فقال: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن التكلفت لتكلفت لكم فقال صاحبي لو كان في ملحتنا صعتر، فبعث مطهرته فرهنها فجاء الصعتر، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا. فقال سلمان رضي الله عنه: لو قنعت ما كانت مطهرتي مرهونة عند البقال. وأخرج الطبراني والحاكم والبيهقي عن سلمان رضي الله عنه قال: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتكلف للضيف". وأخرج البيهقي عن سلمان رضي الله عنه قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نتكلف للضيف ما ليس عندنا، وأن نقدم ما حضر". وأخرج ابن عدي عن أبي برزة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ قلنا بلى يا رسول الله قال: الرحماء بينهم. ألا أنبئكم بأهل النار؟ قلنا بلى. قال: هم الآيسون، والقانطون، والكذابون، والمتكلفون ." تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن المنذر قال: آية المتكلف ثلاث: تكلف فيما لا يعلم، وينازل من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال. وأخرج ابن سعد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: من علم علماً فليعلمه، ولا يقولن ما ليس له به علم، فيكون من المتكلفين ويمرق من الدين.
ابو السعود
تفسير : {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} على القُرآنِ أو على تبليغِ ما يُوحى إليَّ. {مِنْ أَجْرٍ} دنيويَ {وَمَا أَنَا مِنَ ٱلْمُتَكَلّفِينَ} أي المتصنِّعين بما ليسُوا من أهلِه حتَّى أنتحلَ النبوة وأتقوَّلَ القُرآنَ {إِنْ هُوَ} أي مَا هُو {إِلاَّ ذِكْرٌ} من الله عزَّ وجلَّ {لّلْعَـٰلَمِينَ} أي للثَّقلينِ كافَّةً {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ} أي ما أنبأ بهِ من الوعدِ والوعيدِ وغيرِهما أو صحَّةَ خبرهِ وأنَّه الحقُّ والصِّدقُ {بَعْدَ حِينِ} بعد الموتِ أو يومَ القيامةِ أو عند ظهورِ الإسلامِ وفشوِّه. وقيل: من بقى علمَ ذلك أذا ظهرَ أمرُه وعلاَ ومَن ماتَ علمَهُ بعدَ الموتِ وفيه من التَّهديدِ ما لا يخَفْى. عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَن قرأَ سورةَ ص كانَ له بوزنِ كلِّ جبلٍ سخَّره الله لداودَ عشرَ حسناتٍ وعُصم أنْ يُصرَّ على ذنبٍ صغيرٍ أو كبـيرٍ » تفسير : وقال أبُو أمامةَ: عصمَه الله تُعالى من كلِّ ذنبٍ صغيرٍ أو كبـيرٍ, والله أعلمُ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان هو} اى ما هو: يعنى [نيست اين كه من آوردم ازخدا] يعنى القرآن والرسالة {الا ذكر} اى عظة من الله تعالى وايضا شرف وذكر باق {للعالمين} للثقلين كافة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قل ما أسألُكُم} على تبليغ الوحي أو على القرآن {من أجْرٍ} دنيوي، حتى يثقل عليكم، {وما أنا من المتكلِّفين} أي: المتصنِّعين بما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط متصنعاً حتى أنتحل النبوة، أو أتقوّل القرآن، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم ". تفسير : {إِن هو}: ما هو {إِلا ذِكْرٌ}: وعظ من الله عزّ وجل {للعالَمين}؛ الثقلين كافة، {ولتعلمُنَّ نبأَهُ}؛ نبأ القرآن، وصحة خبره، وما فيه من الوعد والوعيد، وذكر البعث والنشور، {بعد حين}؛ بعد الموت، أو: يوم بدر، أو القيامة، أو: بعد ظهور الإسلام وفشوه. وفيه من التهديد ما لا يخفى. ختم السورة بالذكر كما افتتحها بالذكر. الإشارة: تقدّم مراراً التحذير من طلب الأجر على التعليم، أو الوعظ والتذكير، اقتداء بالرسل عليهم السلام. وفي الآية أيضاً: النهي عن التكلُّف والتصنُّع، وهو نوع من النفاق، وضرب من الرياء. وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اغفر للذين لا يدعون، ولا يتكلفون، ألا إني بريء من التكلُّف، وصالحوا أمتي"تفسير : .وقال سلمان: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاَّ نتكلف للضيف ما ليس عندنا!". وكان الصحابة رضي الله عنهم يُقَدِّمون ما حضر من الكسر اليابسة، والحشف البالي ـ أي: الرديء من التمر ـ ويقولون: لا ندري أيهما أعظم وزراً، الذي يحتقر ما قدم إليه، أو: الذي يحتقر ما عنده فلا يقدمه. هـ. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
اطفيش
تفسير : {قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على القرآن أو على تبليغ الرسالة أو الوحي* {مِنْ أَجْرٍ} من صلة وأجر مفعول ثان لسألتكم* {وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} أي من المدعين المتصنعين بما ليسوا من أهله على ما عرفتم من حالي فضلاً عن أن تنحل النبوة والقول القرآن من نفسي. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : للمتكلف ثلاث علامات ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول ما لا يعلم" تفسير : ونادى مناديه: اللهم اغفر للذين لا يدعون والذين لا يتكلفون الا أنى بريء من التكلف وصالحوا أمتي. وصالحوا معطوف على ضمير بريء أو على محل الرفع في اسم ان عند بعض أو مبتدأ محذوف الخبر أي بريئون وعلى العطف على اسم ان فانما أخبر ببريء عن الجميع لانه فعيل بمعنى فاعل. قال ابن مسعود: (يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فان من العلم أن يقول فيما لا يعلم الله أعلم)
اطفيش
تفسير : {قُل} تذكيرا لهم بما عرفوه منك، من أنك لا تطلب أجرا منهم، وأنك لا تتكلف حلية ليست لك {ما أسألكم عَليْه} لأجله، أى لأجل القرآن، كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما، أو لتبليغ ما يوحى الى، والدليل على الوجهين الحال، وقيل للدعاء الى الله تعالى والدليل أيضا الحال، وادعاء لى الله مما تضمنه القرآن والتبليغ {مِن أجر} دنيوى ولو قليلا، من مال أو قوة أو جاه أو ثناء أو غير ذلك {وما أنا مِن المتَكلِّفينَ} المتصنعين لما ليس لهم مثل أن آتى بأقوال ادعى أنها من الله، وأننى بها رسول منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "ألا أنبئكم بأهل الجنة؟" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "هم الرحماء بينهم" قال: "ألا أنبئكم بأهل النار؟" قالوا: بلى، قال: "هم الآيسون القانطون الكذابون المتكلفون""تفسير : رواه ابن عدى عن أبى بزرة. وأخرج البيهقى عن ابن المنذر: أن علامة المتكلف أن ينازل من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم، وفى البخارى ومسلم، عن ابن مسعود: " حديث : أيها الناس من علم منكم علما فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله تعالى أعلم"تفسير : قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين}.
الالوسي
تفسير : {قُلْ مَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي على القرآن كما روي عن ابن عباس أو على تبليغ ما يوحى إلي أو على الدعاء إلى الله تعالى على ما قيل {مِنْ أَجْرٍ } أي أجراً دنيوياً جل أو قل {وَمَا أَنَا مِنَ ٱلْمُتَكَلّفِينَ } من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله وما عرفتموني قط متصنعاً ولا مدعياً ما ليس عندي حتى انتحل النبوة وأتقول القرآن فأمره صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم عن نفسه هذه المقالة ليس لإعلامهم بالمضمون بل للاستشهاد بما عرفوه منه عليه الصلاة والسلام وللتذكير بما علموه وفي ذلك ذم التكلف. وأخرج ابن عدي عن أبـي برزة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال: هم الرحماء بينهم قال: ألا أنبئكم بأهل النار؟ قلنا: بلى قال: هم الآيسون القانطون الكذابون المتكلفون» وعلامة المتكلف كما أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن المنذر ثلاث أن ينازل من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول ما لا يعلم، وفي «الصحيحين» أن ابن مسعود قال: أيها الناس من علم منكم علماً فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله تعالى أعلم قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ ٱلْمُتَكَلّفِينَ }.
ابن عاشور
تفسير : لمّا أمر الله رسوله بإبلاغ المواعظ والعبر التي تضمنتها هذه السورة أمره عند انتهائها أن يقرع أسماعهم بهذا الكلام الذي هو كالفذلكة للسورة تنهية لها تسجيلاً عليهم أنه ما جاءهم إلا بما ينفعهم وليس طالباً من ذلك جزاء، أي لو سألهم عليه أجراً لراج اتّهامهم إياه بالكذب لنفع نفسه، فلما انتفى ذلك وجب أن ينتفي توهم اتهامه بالكذب لأن وازع العقل يصرف صاحبه عن أن يكذب لغير نفع يرجوه لِنفسه. والمعنى عموم نفي سؤالِه الأجرَ منهم من يوم بعث إلى وقت نزول هذه الآية وهو قياس استقراء لأنهم إذا استقرَوْا أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما مضى وجدوا انتفاء سؤاله أجراً أمراً عاماً بالاستقراء التام الحاصل من جميع أفراد المشركين في جميع مخالطاتهم إياه، فهو أمر متواتر بينهم فهذا إبطال لقولهم {أية : كذاب}تفسير : [ص: 4] المحكي عنهم في أول السورة وإقامة الحجة على صدق رسالته كما سيجيء. وضمير {عَلَيْهِ} عائد إلى القرآن المعلوم من المقام فإن مبدأ السورة قوله {أية : والقرآنِ ذي الذِكرِ}تفسير : [ص: 1] فهذا من رد العجز على الصدر. وعطف {وما أنا من المتكلفين} أفاد انتفاء جميع التكلف عن النبي صلى الله عليه وسلم. والتكلف: معالجة الكلفة، وهي ما يشقّ على المرء عمله والتزامه لكونه يحرجه أو يشق عليه، ومادة التفعل تدل على معالجة ما ليس بسهل، فالمتكلف هو الذي يتطلب ما ليس له أو يدعي علم ما لا يعلمه. فالمعنى هنا: ما أنا بمُدَّع النبوءة باطلاً من غير أن يوحى إليّ وهو رد لقولهم: {أية : كذاب}تفسير : [ص: 4] وبذلك كان كالنتيجة لقوله: {ما أسألكم عليه من أجْرٍ} لأن المتكلف شيئاً إنما يطلب من تكلُّفِه نفعاً، فالمعنى: وما أنا ممن يدعون ما ليس لهم. ومنه حديث الدارقطني عن ابن عمر قال: "خرج رسول الله في بعض أسفاره فمرّ على رجل جالس عند مقراة له (أي حوض ماء)، فقال عُمر: يا صاحبَ المَقراة أَوَلَغَتْ السباع الليلة في مَقراتك؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا صاحب المَقراة لا تخبره، هذا متكلف لها مَا حملتْ في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور". وفي «الصحيحين» عن ابن مسعود أنه قال: «يا أيها الناس من علِم منكم علماً فليقل به ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، قال الله لرسوله: {قُلْ ما أسألُكُم عليهِ من أجْرٍ وما أنا مِن المتكلفين}. وأخذ من قوله: {وما أنا من المتكلفين} أن ما جاء به من الدين لا تكلف فيه، أي لا مشقة في تكاليفه وهو معنى سماحة الإِسلام، وهذا استرواح مبني على أن من حكمة الله أن يجعل بين طبع الرسول صلى الله عليه وسلم وبين روح شريعته تناسباً ليكون إقباله على تنفيذ شرعه بِشَرَاشِره لأن ذلك أنفى للحرج عنه في القيام بتنفيذ ما أمر به. وتركيب {ما أنا من المتكلفين} أشدّ في نفي التكلّف من أن يقول: ما أنا بمتكلف، كما تقدم بيانه عند قوله تعالى: {أية : قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}تفسير : في سورة البقرة (67). وجملة {إن هُو إلا ذِكرٌ للعالمين} بدل اشتمال من جملة {وما أنا منَ المتكلفين} اشتمال نفي الشيء على ثبوت ضده، فلما نفَى بقوله: {وما أنا من المتكلفين} أن يكون تَقَوَّل القرآن على الله، ثبت من ذلك أن القرآن ذكرٌ للناس ذكّرهم الله به، أي ليس هو بالأساطير أو الترهات. ولك أن تجعلها تذييلاً إذ لا منافاة بينهما هنا. وهذا الإِخبار عن موقع القرآن لدى جميع أمة الدعوة لا خصوص المشركين الذين كان في مجادلتهم لأنه لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجو من معانديه أجراً. وثبت بذلك أنه ليس بمتقول ما لم يُوحَ إليه انتقل إلى إثبات أن القرآن ذكر للناس قاطبة فيدخل في ذلك مشركو أهل مكة وغيرهم من الناس، فكأنه قيل يستغني الله عنكم بأقوامٍ آخرين كما قال تعالى: {أية : إن تكفروا فإن الله غني عنكم}تفسير : [الزمر: 7]. وعموم العالمين يكسب الجملة معنى التذييل للجملتين قبلها. والقصر الذي اشتملت عليه جملة {إن هو إلا ذِكرٌ للعالمين} قصر قلب إضافي، أي هو ذكر لا أساطير ولا سِحر ولا شعر ولا غير ذلك للردّ على المشركين ما وسَموا به القرآن من غير صفاته الحقيقية. وجملة {ولتعلمن نبأهُ بعد حينٍ} عطف على جملة {إن هُوَ إلا ذِكرٌ للعالمين} باعتبار ما يشتمل عليه القصر من جانب الإِثبات، أي وستعلمون خبر هذا القرآن بعد زمان علماً جزماً فيزول شكُّكُم فيه، فالكلام إخبار عن المستقبل كما هو مقتضى وجود نون التوكيد. والنبأ: الخبر، وأصل الخبر: الصدق، أي الموافقة للواقع، فإذا قيل: أتاني نبأُ كذا، فمعناه الخبر عن حاله في الواقع، فإضافة النبأ إلى ما يضاف إليه على معنى اللام إذ معنى اللام هو أصل معاني الإِضافة، قال تعالى: {أية : وهل أتاك نبأ الخصم}تفسير : [ص: 21]، أي ستعلمون صدق وصف هذا القرآن أنه الحق، وهذا كما قال تعالى: {أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}تفسير : [فصلت: 53]. وفُسر النبأ بمعنى المفعول، أي ما أَنبأَ به القرآن من إنذاركم بالعذاب، فهو تهديد. وكلا الاحتمالين واقع فإن من المخاطبين من عجّل له عذاب السيف يوم بدر، وبقيتهم رأوا ذلك رأي العين منهم مَن علموا دخول الناس في الإِسلام فماتوا بغيظهم ومنهم من شاهدوا فتح مكة وآمنوا، أو رأوا قبائل العرب تدخل في الدين أفواجاً فعلموا نبأ صدق القرآن وما وعد به بعد حين فازدادوا إيماناً. وحين كلِّ فريق ما مضى عليه من زمن بين هذا الخطاب وبين تحقق الصدق. والحين: الزمن من ساعة إلى أربعينَ سنة. فختم الكلام بتسجيل التبليغ وأن فائدة ما أبلغهم لهم لا للنبي صلى الله عليه وسلم. وختم بالمواعدة لوقتِ يقينهم بنبيئه، وهذا مؤذن بانتهاء الكلام ومراعاة حسن الختام.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة هود، وذكرنا الأحكام المتعلقة بالآيات، في الكلام على قوله تعالى عن نبيه نوح {أية : وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 29] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَسْأَلُكُمْ} (86) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ: إِنَّنِي لاَ أَسْأَلُكُمْ أَجْراً عَلَى مَا أَقُومُ بِهِ مِنْ إِبلاَغِكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي، وَإِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّنِي لاَ أَتَكَلَّفُ مَا لَيْسَ عِنْدِي حَتَّى أَدَّعِيَ النُّبُوَّةَ، وَلاَ أَتَقَوَّلُ القُرْآنَ. المُتَكَلِّفُ - الذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ. وَالمُتَصَنِّعُ المُتَقَوِّلُ عَلَى اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (قُلْ) أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ..} [ص: 86] ولو قال: ما أسألكم عليه أجراً لاستقام المعنى أيضاً، لكن قوله: {مِنْ أَجْرٍ ..} [ص: 86] من هنا دلَّتْ على أقل ما يُقَال له أجر ولو كان جنيهاً واحداً، أو قرشاً واحداً، فمن هنا نفت مطلق الأجر، أما كلمة أجر فهي تعني أجراً مُجْزياً يُعْتَدُّ به ولا تمنع وجود الأجر القليل، كما تقول: ما عندي مال، وما عندي من مال أي: من بداية ما يُقال له مال. ولو كان قرشاً واحداً. وكَوْنُ الحق سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ لهم يا محمد ما أسألكم عليه من أجر، كأنه يقول لهم: يا قوم إنَّ ما جاءكم به محمد عمل نافع لكم في دينكم وفي دنياكم، وكان الواجب عليكم أنْ تُعطوه أجراً عليه، إذن: هو يستحق الأجر لكن لن يسألكم إياه لأن ما يقدمه لكم لا يستطيع بشر أنْ يُؤدّي حقه أو يدفع ثمنه، فأجره لا يأخذه إلا من الله، فهو وحده القادر على أنْ يجازيه، وأنْ يُعوِّضه عما قدَّم. إذن: محمد صلى الله عليه وسلم يستحق على هداية القوم وتبليغهم منهج ربهم أجراً، وهو غير زاهد في هذا الأجر، إنما يريد أنْ يُقوِّم هذا العمل بتقويم الذي أرسله بهذه الرسالة. وهذه العبارة {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ..} [ص: 86] سنة لازمة لجميع الأنبياء، فكلهم قالوها لأقوامهم عدا سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى عليهما السلام، لماذا؟ قالوا: لأن سيدنا إبراهيم أول ما دعا إلى الإيمان بالله ووحدانيته دعا أباه آزر، ولا ينبغي له أن يطلب أجراً من أبيه، كذلك سيدنا موسى أول ما دعا إلى الإيمان دعا فرعون الذي ربَّاه وأحسن إليه، فكيف يقول له: أعطني أجري. وقوله سبحانه: {وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] المتكلِّف: هو المتصنِّع الذي يُظهر شيئاً فوق قَدْره المنوط به، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تتكلفوا للضيف فتبغضوه" تفسير : يعني: لا تُحمِّلوا أنفسكم فوق طاقتها، كالذي يقترض ليقوم بواجب الضيافة، ثم يذهب الضيف ويبقى عليه الدين وهذا يجعله يكره الضيف بعد ذلك ويتأذى أنْ ينزل به. إذن: كُنْ على طبيعتك، وقُمْ بواجب الضيافة على قَدْر طاقتك. ولِمَ لا وقدوتك صلى الله عليه وسلم يقول: {وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] لأن الأمر الذي جئتُ به لا يحتاج إلى تكلُّف إقناع لأنه أمر موافق للطبيعة. ولك أنْ تستعرضَ أحكام الشرع، وأنْ تنظرَ فيها، أهي صالحة في ذاتها أم لا؟ الدين يقول لك: لا تكذب. فمَنْ يقول إن الخير في الكذب؟ الدين يقول لك لا تغش فمن يقول: إن الصلاح في الغش؟ الدين نهاك عن شرب الخمر فمَنْ يقول إنها تصلح؟ ومَنْ ينكر أنها تفسد العقلَ الذي ما كُرِّم الإنسان إلا به؟ إذن: كلها أحكام واضحة لا تحتاج إلى تكلُّف في الإقناع بها، لأنها توافق الفطرة السليمة. ثم يقول سبحانه: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} [ص: 87] أي: ما هو أي القرآن {إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} [ص: 87] والذكر والتذكير لا ينشأ إلا من نسيان شيء سابق ونريد أنْ نُذكِّرك به، فالقرآن ذكْر بمعنى أنْ يُذكِّرك بما نسيته من العهد الأول عهد الفطرة الذي أخذه الله عليك وأنت في طوْر الذَّرِّ، فقال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 172] فأقر الجميع{أية : قَالُواْ بَلَىٰ ..} تفسير : [الأعراف: 172]. فقال الله تعالى: إذن احفظوا هذا العهد وتذكروا هذا الإقرار {أية : أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ..} تفسير : [الأعراف: 172-173]. إذن: الحق سبحانه لا يكلِّفك بهذا الإقرار إنما يُذكِّرك به، لأن التكليف أُخِذَ عليك يوم أنْ كنتَ ذرةً في ظهر أبيك آدم، ولم تكُنْ لك شهوة. فقوله تعالى عن القرآن: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} [ص: 87] دلَّ على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من قمة توحيد الله والإيمان به إلى فرعيات التكليف وجزئياته أمر كان في القديم، عرفه الجميع وأقرُّوا به، والقرآن فقط مُذكِّر بهذا العهد الأول. ثم تختم السورة بقوله تعالى: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ} [ص: 88] أي: الذين كذَّبوا القرآن سيعلمون عاقبة هذا التكذيب, وسيعلمون أنه خبر صادق، سيعلمون ذلك {بَعْدَ حِينِ} [ص: 88] قالوا: الحين يُرَاد به ظهور الإسلام وانتصاره على الكفر، بداية من معركة بدر إلى أنْ قال القائل: عجبتُ لهذا الأُمِيِّ، كيف يفتح نصف الدنيا في نصف قرن، نعم هذه عجيبة ولا تزال حتى الآن. وقد شاهد هؤلاء المكذِّبون بأعينهم انتصارَ الإسلام واندحار الكفر، وشاهدوا نقصان رقعة أرض الكفر، وازدياد رقعة أرض الإيمان، كما قال سبحانه: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ..} تفسير : [الرعد: 41] ومع ذلك لم يأخذوا من فتوحات الإسلام عبرة. وقالوا: الحين يراد به القيامة حين يدخل هؤلاء المكذبون النارَ، عندها سيعلمون صِدْق هذا الكلام الذي أخبرهم الله به في قرآنه. وكلمة النبأ لا تقال إلا للخبر العظيم الهام، كما قال سبحانه: {أية : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} تفسير : [ص: 67-68]. فما بالك بنبأٍ الذي وصفه بأنه عظيم هو الله؟ وعظمة الخبر تأتي بمقدار ما يُهيىء من الخير للإنسان، فالخبر بأنك نجحت في القبول، غير الخبر بنجاحك في التوجيهية، غير الخبر بأنك أصبحت وزيراً، فعِظَم الخبر بمقدار ما يحمل لك من الخير المرجو منه للإنسان. إذن: ما بالك بالخير الذي ينتظرك بعد قيامك بالتكاليف الربانية، إنه خير لا يسعدك في دنياك المنقضية فحسب، إنما يسعدك في آخرتك الباقية الخالدة، فعِظَم هذا الخبر أنه ضَمِن لك الحياتين الدنيا والآخرة. وأسأل الله في آخر السورة أنْ يجعل لنا حظاً من قوله: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ} [ص: 88].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):