Verse. 4062 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

لَوْ اَرَادَ اللہُ اَنْ يَّتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفٰى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاۗءُ۝۰ۙ سُبْحٰنَہٗ۝۰ۭ ہُوَاللہُ الْوَاحِدُ الْقَہَّارُ۝۴
Law arada Allahu an yattakhitha waladan laistafa mimma yakhluqu ma yashao subhanahu huwa Allahu alwahidu alqahharu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لو أراد الله أن يتخذ ولدا» كما قالوا: (اتخذ الرحمن ولدا) «لاصطفى مما يخلق ما يشاء» واتخذه ولدا غير من قالوا الملائكة بنات الله وعزير ابن الله والمسيح ابن الله «سبحانه» تنزيها له عن اتخاذ الولد «هو الله الواحد القهار» لخلقه.

4

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } كما قالوا « أية : اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولداً » تفسير : [26:21,88:19]{لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } واتخذه ولداً غير من قالوا: إنّ الملائكة بنات الله و { أية : عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ }تفسير : [30:9] { أية : المَسِيِحُ ابْنُ اللهِ } تفسير : [30:9]{سُبْحَٰنَهُ } تنزيهاً له عن اتخاذ الولد {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ } لخلقه.

ابن عادل

تفسير : قوله: {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ} لاختار {مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} يعني الملائكة كما قال: {أية : لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ} تفسير : [الأنبياء:17] ثم نزه نفسه فقال: "سُبْحَانَهُ" تنزيهاً له عن ذلك وعما لا يليق بطهارته {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} والمراد من هذا الكلام إقامة الدلائل القاهرة على كونه منزهاً عن الولد. قوله: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} لما بين في الآية المتقدمة كونه منزهاً عن الولد بكونه إلهاً واحداً قهاراً أي كامل القدرة ذكر عقيبها ما يدل على الاستغناء. وأيضاً لما أبطل إلهيَّة الأصنام ذكر عقيبها الصفات التي باعتبارها تحصل الإلهية، وقد تقدم أن الدَّلائل التي يذكرها الله تعالى في إثبات الإلهية إمّا أن تكون فلكية أو أرضيَّة أما الفلكية فأقسام: أحدها: خلق السموات والأرض. وقد تقدم شرحها في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [الأنعام:1]. وثانيها: اختلاف أحوال الليل والنهار، وهو المراد ههنا من قوله: {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ}. وفي هذه الجملة وجهان: أظهرهما: أنها مستأنفة، أخبر تعالى بذلك. والثاني: أنها حال، قاله أبو البقاء، وفيه ضعفٌ من حيث أن تكوير أحدهما على الآخر إنما كان بعد خلق السموات والأرض إلا أن يقال: هي حالٌ مقدرة، وهُو خلاف الأصل. والتكوير: اللَّفُّ واللَّيُّ يقال: كَارَ العَمَامَةَ على رأسه وكَوَّرهَا، ومعنى تكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل على هذا المعنى أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويغشى مكانه هذا وإذا غشي مكانه فكأنه لف عليه وألبسه كما يلف اللباس على اللابس أو أن كل واحد منهما يغيِّب الآخر إذا طرأ عليه فشبه في تغييبه إياه بشيء لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار أو إن هذا يَكر على هذا كُرُوراً متتابعاً فشبه ذلك بتتابع إكرار العِمَامَة بعضها على بعض. قاله الزمخشري. وهذا أوفق للاشتقاق من أشياء قد ذكرت. وقال الراغب: كَوْرُ الشيء إدارته وضمّ بعضه إلى بعض كَكَوْر العِمَامَة، وقوله: {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ} إشارة إلى جرَيَان الشمس في مطالعها وانتقاص الليل والنهار وازديادهما. وكوَّره إذا ألقاه مجتمعاً. واكْتَار الفرس إذا رد ذَنَبَهُ في عَدُوِهِ، وكَوارَةُ النَّحْل معروفة، والكُور الرَّحْلُ. وقيل لكل مِصر كُورةٌ وهي البقعة التي يجتمع فيها قرًى ومحال. قال ابن الخطيب: إن النور والظلمة عسكرانِ عظيمان، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك وذاك هذا، وذلك يدل على أن كل واحد منهما يكون مغلوباً مقهوراً، ولا بد من غالب قاهر لهما يكونان تحت تدبيره وقهوة وهو الله تعالى، والمراد من هذا التكوير أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر، والمراد من تكوير الليل والنهار ما ورد في الحديث: "حديث : نَعُوذُ باللَّهِ من الحَوْر بَعْدَ الكَوْرِ" تفسير : أي من النقصان بعد الزيادة، وقيل: من الإدبار بعد الإقبال. قوله: {وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} فإن الشمس سلطانُ النهار، والقمرَ سلطان الليل وأكثر مصالح هذا العالم مربوطةٌ بهما كل يجري لأجل مسمى إلى يوم القيامة لا يزالان يَجْريَانِ إلى هذا اليوم، فإذا كان يوم القيامة ذهبا، والمراد من هذا التسخير أن هذه الأفلاك تدور كَدَوَرَانِ المَنْجَنُون على حدٍّ واحدٍ. ثم قال: {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ} ومعناه أن خلق هذه الأجرام العظيمة وإنْ دلّ على كونه عزيزاً أي كامل القدرة إلا أنه غفارٌ عظيم الرحمة والفضل والإحسان، فإنه لما كان الإخبار عن كونه عظيم القدرة يوجب الخوف والرهبة فكوْنُهُ غفاراً كثير الرحمة يوجب الرجاء والرغبة. ثم إنه تعالى لما ذكر الدلائل الفلكية أتبعها بذكر الدلائل السفلية فبدأ بذكر الإنسان فقال: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم. قوله: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا} في "ثم" هذه أوجه: أحدها: أنها على بابها من الترتيب بمهلة وذلك أنه يروى أنه تعالى أخرجنا من ظهر آدم كالذَّرِّ، ثم خلق حواء بعد ذلك بزمانٍ. الثاني: أنها على بابها أيضاً ولكن لمَدْرَكٍ آخر وهو أن يعطف بها ما بعدها على ما فهم من الصفة في قوله "وَاحِدَةٍ" إذا التقدير من نفس وحِّدَتْ أي انفردت ثم جعل منها زوجها. الثالث: أنها للترتيب في الإخبار لا في الزمان الوجوديِّ كأنه قيل: كان من أمرها قبل ذلك أن جعل منها زَوْجَها. (الرابع: أنها للترتيب في الأحوال والرُّتَب، قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: ما وجه قوله: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}) وما تعْطيه من التراخي؟ قلت: هما آيتان من جملة الآيات التي عددها دالاً على وحدانيته وقدرته بتشعيب هذا الخلق الثابت للحصر من نفس آدم عليه (الصلاة و) السلام وخلق حواء من قُصَيْرَاه إلا أنّ إحديهما جعلها الله عادة مستمرةً والأخرى لم تجر بها العادة ولم تخلق أنثى غير حواء من قُصَيْرَى رجل فكانت أدخل في كونها آية وأَجْلَبَ لعَجَب السامع فعطفها "بِثُمَّ" على الآية الأولى للدلالة على مُبايَنَتِهَا فضلاً ومزيَّة وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية فهي مِنَ التراخي في الحال والمنزلة لا من التراخي في الوجود. قال ابن الخطيب: إن كلمة "ثمَّ" كما تجيء لبيان كون إحدى الواقعتين متأخرة عن الثانية فكذلك تجيء لبيان تأخر أحد المكانين عن الآخر كقول القائل: بَلَغَنِي مَا صَنَعْتَ اليَوْمَ ثم ما صَنَعْتَ أَمْسِ أعْجَبُ، وأَعْطَيْتُكَ اليَوْمَ شَيْئاً ثُمَّ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ أَمْس أَكْثر. قوله: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} عطف على "خَلَقَكُمْ". والإنزال يَحْتَمِلُ الحقيقةَ، يروى أنه خلقها في الجنة ثم أنزلها. وَيحْتَمِلُ المجاز. وله وجهان: أحدهما: أنها لما لم تعش إلا بالنبات والماء والنبات إنما يعيش بالماء والماء ينزل من السحاب أطلق الإنزل عليها وهو في الحقيقة مطلق على سبب السبب كقوله: شعر : 4288- أَسْنِمَةُ الآبَالِ فِي رَبَابِهِ تفسير : وقوله: شعر : 4289- صَارَ الثَّرِيدُ في رُؤُوسِ العِيدَانِ تفسير : وقوله: شعر : 4290- إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وإِنْ كَانُوا غِضَابَا تفسير : والثاني: أن قضاياه وأحكامه منزلةً من السماء من حيث كتبها في اللوح المحفوظ، وهو أيضاً سبب في إيجادها. وقال البغوي: معنى الإنزل ههنا الإحداث والإنشاء كقوله: {أية : أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} تفسير : [الأعراف:26]، وقيل: معناه: أنزل لكم من الأنعام جعلها نزلاً لكم ورزقاً ومعنى ثمانية أزواج أي ثمانية أصناف، وهي الإبل والبَقَر والضَّأن والمَعِز، وتقدَّم تفسيرها في سورة الأنْعَام. قوله: "يَخْلُقُكُمْ" هذه الجملة استئنافية، ولا حاجة إِلى جَعلهَا خبر مبتدأ مضمر بل استؤنفت للإخبار بجملة فعلية، وقد تقدم خلاف القراء في كسر الهمزة في "اُمَّهَاتِكُمْ". قوله: "خَلْقاً" مصدر "خَلَقَ"، وقوله: {مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} صفة له فهو لبيان النوع من حيث إنه لما وصف زاد معناه على معنى عامله، ويجوز أن يتعلق {مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} بالفعل قبله، فيكون خلقاً لمجرد التوكيد. قوله: "فِي ظُلُمَاتٍ" متعلق "بخَلْقٍ" الذي قبله، ولا يجوز تعلقه "بخَلْقاً" المنصوب، لأنه مصدر مؤكد، وإن كان أبو البقاء جوزه ثم منعه بما ذكرت فإنه قال: و "في" يَتَعَلَّق به؛ أي "بخَلْقاً" أو "بخَلْق" الثاني، لأن الأول مؤكد فلا يعمل، ولا يجوز تعلقه بالفعل قبله لأنه قد تعلق به حرف مثله، ولا يتعلق حرفان متحدان لفظاً ومعنى إلا بالبَدَلِيَّةِ أو العطف، فإن جعلت "في ظلمات" بدلاً من {فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ} بدل اشمتال لأن البطون مشتملة عليها وتكون بدلاً بإعادة العامل جاز ذلك أعني تَعَلُّقَ الجَارَّين بـ "يخْلُقكم" ولا يضر الفَصْلُ بين البَدَل والمبدل منه بالمصدر لأنه من تَتِمَّة العامل فليس بأجنبيٍّ. فصل هذه الحالة مشتركة بين الإنسان وبين الأنعام وهي كونها مخلوقة في بطون الأمهات، وقوله: {خلقاً من بعد خلق} معناه ما ذكر الله تعالى في قوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ....} تفسير : الآيات [المؤمنون:12-14]. وقوله: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} قال ابن عباس: ظلمة البطن، وظلمة الرَّحِم، وظلمة المشيمة، وقيل: الصلب والرحم والبطن. ووجه الاستدلال بهذه الآيات مذكور في قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} تفسير : [آل عمران:6]. قوله: {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} يجوز أن يكون "الله" خبراً "لِذَلِكُمْ" و "ربُّكُمْ" نعت لِلَّه أو بيان له أو بدل منه. ويجوز أن يكونَ "الله" بدلاً من "ذلكم" و "ربكم" خبره، والمعنى: ذَلِكُمُ اللَّهُ الذي خلق هذه الأشياء رَبُّكُمْ. قوله: "لَهُ المُلْكُ" يجوز أن يكون مستأنفاً، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون "الله" بدلاً من "ذلكم" و "ربكم" نعت لله أو بدل منه، والخبر الجملة من "له الملك". ويجوز أن يكون الخبر نفس الجار والمجرور وحده، و"المُلْكُ" فاعل به فهو من باب الإخبار بالمفرد. قوله: {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون خبراً بعد خبر. فصل قوله: "له الملك" يفيد الحصر أي له الملك لا لغيره، ولما ثبت أنه لا مُلْكَ إلا له وجب القول بأن لا إله إلا هو. ولما بين بهذه الدلائل كمال قدرته وحكمته ورحمته زَيَّف طريقة المشركين وقال: "فَأَنَّى تُصْرَفُونَ" عن طريق الحق بعد هذا البيان، وهذا يدل على أنهم لم يصرفوا بأنفسهم عن هذه البيانات بل صرفهم عنها غيرُهم وما ذلك الغير إلا الله وأيضاً فدليل العقل يقوي ذلك لأن كل أحد يريد تحصيل الحق والصواب فلمَّا لم يحصل ذلك فإنما حصل الجهل والضلال علمنا أنه من غيره لا منه. واستدلت المعتزلة بهذه الآيات أيضاً لأن قوله تعالى: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} تعجب من هذا الانصراف ولو كان الفاعل لذلك الصرف هو الله لم يبق لهذا التعجب معنى. قوله: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} أي إنه تعالى ما كلف المكلفين ليجرّ إلى نفسه منفعةً أو ليَدْفَع عن نفسه مضرَّة لأنه تعالى غني على الإطلاق فيمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة، لأنه واجب الوجود لذاته وواجب الوجود لذاته في جميع صفاته يكون غنياً على الإطلاق وأيضاً فالقادر على خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسيّ والعناصر الأربعة والمواليد الثلاثة ممتنع أن ينتفع بصلاة "زَيْدٍ" وصيامِ "عَمْرٍو" وأن يستضر بعدم صلاة هذا وعدم صيام ذلك. ثم قال: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} أي وإن كَان لا ينفعه إيمانهم ولا يضره كفرهم، إلا أنه لا يرضى بالكفر. قال ابن عباس والسدي: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : [الحجر:42] فيكون عاماً في اللفظ خاصاً في المعنى كقوله: {أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} تفسير : [الإنسان:6] يريد بعض العباد، وقال قتادة: لا يرضى لأحد من عباده الكفر أي لا يرضى لعباده أن يكفروا به. وهو قول السَّلَفِ قالوا: كُفر الكافر غير مرضي لله وإن كان بإرادته. واحتج الجبائيّ بهذه الآية من وجهين: الأول: أن المُجبرة يقولون: إن الله تعالى خلق العباد وأفعالهم وأقوالهم وكل ما خلقه حقّ وصواب، وإذا كان كذلك كان قد رَضِي بالكفر من التوجه الذي خلقه وذلك ضد الآية. الثاني: لو كان الكفر بقضاء الله تعالى لوجب علينا أن نرضى به لأن الرضا بقضاء الله واجب وحيث اجتمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر ثبت أنه ليس بقضاء الله وليس أيضاً برضا الله تعالى. وأجيب بوجوه: أحدها: إن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين كما قدماه عن ابْنِ عَبَاسٍ. وثانيها: قول السلف المتقدم وأنشد ابنُ دُرَيْدٍ: شعر : 4291- رَضِيتُ قَسْراً أو عَلَى القَسْرِ رِضا مَنْ كَانَ ذَا سُخْطٍ علَى صَرْفِ القضا تفسير : أثبت الرضا مع القَسْر. وثالثها: هب أن الرضا هو الإرادة إلا أن قوله: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} عام فيتخصص بالآيات الدالة على أنه تعالى لا يريد الكفر لقوله تعالى: {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الإنسان:30]. قوله: "وَإِن تَشْكُرُواْ" أي تؤمنوا بربكم وتُطِيعُوه "يَرْضَهُ لَكُمْ" فَيثيبكم عليه. قرأ ابن كثير والكسائي وابن ذكوان يَرْضَهُو بالصلة. وهي الأصل من غير خلاف وهي قراءة واضحةٌ. قال الواحدي: من أشبع الهاء (حتى ألحق فيها واواً لأن ما قبل الهاء متحرك فصار بمنزلة ضربه، وقرأ "يَرْضَهُ" بضم الهاء) من غير صلة بلا خلاف نافعٌ وعاصمٌ وحمزة وقرأ "يَرْضَهْ" بإسكانها وصلاً من غير خلاف السُّوسِيُّ عن أبي عمرو، وقرأ بالوجهين أعني الإسكان والصلة الدّورِيّ عن أبي عمرٍو. وقرأ بالإسكان والتحريك من غير صلة هشام عن ابن عامر. فهذه خمس مراتب للقراءة وقد تقدم توجيه الإسكان والقصر والإشباع أول الكتاب وما أنشد عليه، ولا يلتفت إلى أبي حاتم في تَغْليطه رَاوِي السكون؛ فإنها لغة ثابتةٌ عن بني عقيل وبني كِلاَبٍ. قوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} قال الجبائي: هذا يدل على أنه لا يجوز أن يقال: إنه تعالى يأخذ الأولاد بذنوب الآباء واحتج به أيضاً من أنكر وجوب ضرب الدية على العَاقِلَة. ثم قال: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ} وهذا يدل على إثبات البعث والقيامة {فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وهذا يدل على تهديد العاصي وبشارة المطيع. وقوله: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} كالعلة لما سبق أي إنه إنما ينبئكم بأعمالكم لأنه عالم بجميع المعلومات فيعلم ما في قلوبكم من الدواعي والصوارف قال - صلى الله عليه وسلم -: حديث : إنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وَلاَ إِلَى أَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأَعْمَالِكُمْ . تفسير : قوله: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ} لما بين فساد القول بالشِّركِ وبين أنه تعالى هو الذي يجب أن يعبد بين ههنا أن طريقة الكفار متاقضة لأنهم إذا مسهم الضر طلبوا دفعه من الله، وإذا أزال ذلك الضر عنهم رَجَعُوا إلى عبادة غيره فكان الواجب عليهم أن يتعرفوا بالله تعالى في جميع الأحوال لأنه القادر على إيصال الخير ودفع الشر فظهر تناقض طريقهم. والمراد بالإنسان الكافر، وقيل المراد: أقوام معينين كعُتْبَةَ بْنِ ريبعة وغيره. والمراد بالضر جميع المكاره سواء كان في جسمه أو ماله أو في أهله وولده، لأن اللفظ مطلق فلا معنى لتقييده. قوله: {مُنِيباً} حال من فاعل "دَعَا" و "إلَيْهِ" متعلق "بمُنِيباً" أي راجعاً إليه في إزالة ذلك الضر، ولأن الإنابة الرجوع. قوله: {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ} أعطاه "نعمة منهُ" أي أعطاها إياه ابتداء من غير مقتضٍ. ولا يتسعمل في الجزاء بل في باتداء العطيَّة، قال زهير: شعر : 4292- هُنَالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المَالَ يُخْولوا ..................... تفسير : ويروى: يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلوا، وقال أبو النجم: شعر : 4293- أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ يُبَخَّلِ كُومَ الذُّرَى مِنْ خَوَلِ المُخَوِّلِ تفسير : وحقيقة خول من أحد معنيين إما من قولهم: هو خائلُ مال إذا كان متعهِّداً له حسن القيام عليه، وإما من خَالَ يَخُول إذا اخْتَالَ وافْتَخَر، ومنه قول العرب: إن الغَنِيَّ طَويلُ الذَّيْلِ مَيَّاسُ الخَيْلِ، وقد تقدم اشتقاق هذه المادة مُسْتَوْفًى في الأنْعَام. قوله: "منه" يجوز أن يكون متعلقاً "بِخَوَّلَ" وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفة: "لِنِعْمَةٍ". قوله: "نَسِيَ" أي تَرَكَ {مَا كَان يَدْعُو إلَيْهِ} يجوز في "ما" هذه أربعة أوجه: أحدها: أن تكون موصولة بمعنى الذي مراداً بها الضُّرّ أي نَسِيَ الشَّرَّ الذي يدعو إلى كَشفه أي ترك دعاءه كأنه (لم) يتضرع إلى ربه. الثاني: أنها بمعنى الذي مراداً الباري تعالى أي نسي الله الذي كان يتضرع إليه. وهذا عند من يجيز وقوع "ما" على أولي العلم، وقال ابن الخطيب: وما بمعنى "مَنْ" كقوله: {أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [الليل:3] {أية : وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} تفسير : [الكافرون:3] {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء:3]. الثالث: أن تكون "ما" مصدرية أي نَسِيَ كَوْنَهُ داعياً. الرابع: أن تكون (ما) نافية وعلى هذا فالكلام تام على قوله: ("نَسِيَ") ثم استأنف إخباراً بجملة منفية، والتقدير: نسي ما كان فيه لم يكن دعاء هذا الكافر خالصاً لله (تعالى). وقوله: "مِن قَبْلُ" أي من قبل الضر على القول الأخير، وأما على الأقوال قبله فالتقدير من قبل تحويل النِّعْمة. قوله: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً} يعني الأوثان {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو "لِيَضِلَّ" بفتح الياء أي ليفعل الضلالَ بنفسه، والباقون بضمها فمفعوله محذوف، وله نظائر تقدمتْ، واللام يجوز أن تكون للعلة، وأن تكون لام العاقبة كقوله: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص:8]. ثم قال: قُلْ يَا مُحَمد لهذا الكافر "تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قِلِيلاً" في الدنيا أي إلى انقضاء أجلك، وليس المراد منه الأمر بل المراد منه الزجرُ وأن يعرفه قلة تَمَتُّعِهِ في الدنيا ثم مصيره إلى النار، قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة، وقال مقاتل: نزلت في حُذَيْفَةَ بنِ المغيرة المَخْزُومِيّ، وقيل: عامٌّ في كل كافر. قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} لما شرح الله تعالى صفات المشركين وتمسكهم بغير الله أردفه بشرح أحوال المحقين. قرأ الحَرَمِيَّان نافعٌ وابنُ كثير بتخفيف الميم والباقون بتشديدها فأما الأولى ففيها وجهان: أحدهما: أنها همزة الاستفهام دخلت على "مَنْ" بمعنى الذي، والاستفهام للتقرير، ومقابله محذوف تقديره: أَمَّنْ هُوَ قَانتٌ كَمْن جَعَل لِلَّهِ أنْدَاداً؟ أو: أمَّنْ هُوَ قانت كغيره؟ أو التقدير: أَهَذا القَانِتُ خيرٌ أم الكافر المخاطب بقوله: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً}؟ ويدل عليه قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} محذوف خبر المبتدأ وما يعادل المستفهم عنه. والتقدير أن الأوَّلان أولى لقلة الحذف ومِنْ حذف المعادل للدلالة قول الشاعر: شعر : 4294- دَعَانِي إِلَيْهَا القَلْبُ إِنِّي لأَمْرِهَا سَمِيعٌ فَمَا أَدْرِي أَرشْدٌ طِلاَبُهَا تفسير : يريد: أم غي. الثاني: أن تكون الهمزة للنداء و"مَنْ" مُنَادَى ويكون المنادَى هو النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهو المأمور بقوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ} كأنه قال: يا مَنْ هُوَ قانت قُلْ كَيْتَ وكَيْتَ كقول الآخر: شعر : 4295- أَزَيْدٌ أَخَا وَرْقَاء إنْ كُنْتَ ثائِراً ........................ تفسير : وفيه بعد، ولم يقع في القرآن نداء بغير يا حتى يحمل هذا عليه. وضعف أبو حيان هذا الوجه بأنه أجنبي مما قبله ومما بعده، قال شهاب الدين: وقد تقدم أنه ليس أجنبياً مما بعده إذ المنادى هو المأمور بالقول. وضعفه الفارسي ايضاً بقريب من هذا. وتجرأ على قارىءِ هذهِ القراءةِ أبو حَاتم والأخفش، وأما القراءة الثانية فهي "أم" داخلة على من الموصولة أيضاً فأدغمت الميمُ في المِيم. وفي "أم" حينئذ قولان: أحدهما: أنها متصلة ومعادلها محذوف تقديره: الكافر خيرٌ أم الذي هو قانتٌ، وهذا معنى قول الأخفش. قال أبو حيان: ويحتاج حذف المعادل إذا كان أَوَّلَ إلى سماع، وقيل: تقديره أمّن يعصي أمن هو مطيع يستويان وحذف الخبر لدلالة قوله {هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ}. والثاني: أنها منقطعة فتتقدّر ببل والهمزة أي بل أمَّنْ هو قانت كغيره أو كالكافر المقولِ له تمتع بكفرك. وقال أبو جعفر: هي بمعنى "بَلْ" و "مَنْ" بمعنى الذي تقديره بل الذي هو قانت أفضل مما ذكر قبله. وانتقد عليه هذا التقدير من حيث إن من تقدم ليس له فضيلة البتّة حتى يكون هذا أفضل منه والذي ينبغي أن يقدر: بَلِ الّذِي هُوَ قانتٌ من أصحاب الجنة لدلالة ما لِقَسِيمِهِ عليه من قوله: {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ}. وقال البغوي من شدَّدَ فله وجهان: أحدهما: أن تكون الميم في "أم" صلة ويكون معنى الكلام استفهاماً وجوابه محذوف مجازه: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ كمن هو غير قانت كقوله: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} تفسير : [الزمر:22] يعني كمن لم يشرح صَدْرَهُ. والثاني: أنه عطف على الاستفهام مجازه: الذي جعل لِلَّهِ أندَاداً. فصل القانت: هو القائم بما يجب عليه من الطاعة، ومنه قوله عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : أَفْضَلُ الصَّلاَةِ صَلاَةُ القُنُوت" تفسير : وهو القائم فيها ومنه القُنُوت لأنه يدعو قائماً، وعن ابن عمر أنه قال: لاَ أعْلَمُ القنوتَ إلا قَرَاءَةَ القُرْآنِ وطولَ القيام وتلا: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ}. وعن ابن عباس: القنوت الطاعة كقوله: {أية : كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} تفسير : [البقرة:116] أي مطيعون. قوله: "آنَآءَ اللَّيْلِ" آناءَ منصوب على الظرف. وتقدم اشتقاقه، والكلام في مفرده، والمعنى ساعات الليل. وفي هذه الآية دلالة على أن قيام الليل أفضل من قيام النهار، قال ابن عابس- في رواية عَطَاءٍ -: نَزَلَتْ في (أبي بكر الصدِّيقِ، وقال الضحاك: نزلت في أبي بكر وعمر، وعن ابن عمر: أنها نزلت في عثمانَ وعن الكلبي: أنها نزلت في) ابْن مَسْعودٍ، وعَمَّارٍ وسَلْمَانَ. قوله: "سَاجِداً" حال و"قائماً" حال أيضاً وفي صاحبها وجهان: أظهرهما: أن الضمير المستتر (في) "وقانت". والثاني: أنه الضمير المرفوع "بِيَحْذَرُ" قدماً على عاملهما، والعامة على نصبهما. وقرأ الضحاك برفعهما على أحد وجهين، إما النعت "لِقَانِتٍ" وإما أنها خبرٌ بعد خبرٍ. قوله: "يَحْذَرُ الآخِرَةَ" يجوز أن يكون حالاً من الضمير في "قَانِت" وأن يكون حالاً من الضمير في "ساجداً" و"قائماً" وأن يكون مستأنفاً جواباً لسؤال مقدر كأنه قيل: ما شأنه يقنت آناء الليل ويتعب نفسه ويكدّها؟ فقيل: يحذر الآخرة ويرجُو رحمة ربه، أي عذاب الآخرة. وفي الكلام حذف، والتقدير كمن لا يفعل شيئاً من ذلك، وإنمَّا حَسَّنَ هذا الحذف دلالةُ ذكر الكافر قبل هذه الآية وذكر بعدها {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} والتقدير: هل يستوي الذين يعملون وهم الذين صفتهم أنهم يقنتون آناء الليل ساجداً وقائماً والذين لا يعلمون وهم الذين صفتهم عند البلاء والخوف يوحدون وعند الراحة والفراغ يشركون، وإنما وصف الله الكفار بأنهم لا يعلمون لأنه تعالى وإن آتاهم آلة العلم إلا أنهم أعرضوا عن تحصيل العلم فلهذا جعلهم الله كأنهم ليسوا أُولِي الأَلْبَابِ من حيث إنّهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم. قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} قيل: الذين يعلمون "عمار" والذين لا يعملون أبو حُذَيْفَة المَخْزُوميّ، وهذا الكلام تنبيه على فضيلةِ العلم قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون العلم أفضل من المال (ثم نرى العلماء عند أبواب الملوك) ولا نرى الملوك عند أبواب العلماء فأجاب بأن هذا أيضاً يدل على فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنفعة فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما للعلم من المنافع فلا جَرَمَ تركوه. (قوله): {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} قرىء: إنَّمَا يذكر بإدغام التاء في الذال.

البقاعي

تفسير : ولما أخبر سبحانه بالحكم بينهم، فكان ذلك مع تضمنه التهديد وافياً بنفي الشريك، كافياً في ذلك لأن المحكوم فيه لا يجوز أن يكون قسيماً للحاكم، فلم يبق في شيء من ذلك شبهة إلا عند ادعاء الولدية، قال نافياً لها على سبيل الاستئناف جواباً لمن يقول: فما حال من يتولى الولد؟ - قال القشيري: والمحال يذكر على جهة الإبعاد أن لو كان كيف حكمه -: {لو أراد الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال {أن يتخذ} أي يتكلف كما هو دأبكم، ولا يسوغ في عقل أن الإله يكون متكلفاً {ولداً} أي كما زعم من زعم ذلك، ولما كان الولد لا يراد إلا أن يكون خياراً، وكان الله قادراً على كل شيء، عدل عن أن يقول {لاتخذ} إلى قوله: {لاصطفى} أي اختار على سبيل التبني {مما يخلق} أي يبدعه في أسرع من الطرف، وعبر بالأداة التي أكثر استعمالها فيما لا يعقل إشارة إلى أنه قادر على جعل أقل الأشياء أجلّها على سبيل التكرار والاستمرار - كما أشار إليه التعبير بالمضارع فقال: {ما يشاء} أي مما يقوم مقام الولد فإنه لا يحتاج إلى التطوير في إتيان الولد إلا من لا يقدر على الإبداع بغير ذلك. ولما كان لا يرضى إلا بأكمل الأولاد وهم الأبناء، لكنه لم يرد ذلك فلم يكن، فهذا أقصى ما يمكن أن يجوز خلقاً شريفاً ويسميه ولداً إشارة إلى شدة إكرامه له وتشريفه إياه، أو يقربه غاية التقريب كما فعل بالملائكة وعيسى عليهم السلام، فكان ذلك سبباً لغلطكم فيهم حتى دعيتم أنهم أولاد ثم زعمتم أنهم بنات، فكنتم كاذبين من جهتين، هذا غاية الإمكان، وأما أنه يجوز عليه التوليد فلا، بل هو مما يحيله العقل، لأن ذلك لا يكون إلا لمحتاج، والإله لا يتصور في عقل أن يكون محتاجاً أصلاً، قال ابن برجان ما معناه: كان معهود الولادة على وجهين، فولد منسوب إلى والده بنوة وولادة ورحماً، فهذا ليس له في الوجود العلي وجود، ولا في الإمكان تمكن، ولا في الفعل مساغ بوجه من الوجوه، وولد بمعنى التبني والاتخاذ، وقد كانت العرب وغيرها من الأمم يفعلونه حتى نسخة القرآن، فلا يبعد أن تكون هذه العبارة كانت جائزة في الكتب قبلنا، فلما أعضل بهم الداء وألحدوا في ذلك عن سواء القصد الذي هو الاصطفاء إلى بنوة الولادة أضلهم الله وأعمى أبصارهم وسد السبيل عن العبادة عن ذلك، وكشف معنى الاصطفاء، وأظهر معنى الولاية، ونسخ ذلك بهذا، لأن هذا لا يداخله لبس، وذلك كله لبيان كمال هذه الأمة وعلوها في كل أمر. ولما كانت نسبة الولد إليه كنسبة الشريك أو أشنع، وانتفى الأمران بما تقدم من الدليل باالحكم باعترافهم بأن حكمه سبحانه نافذ في كل شيء لشهادة الوجود، ولقيام الأدلة على عدم الحاجة إلى شيء أصلاً فضلاً عن الولد، نزه نفسه بما يليق بجلاله من التنزيه في هذا المقام، فقال: {سبحانه} أي له التنزيه التام عن كل نقيصة، ثم أقام الدليل على هذا التنزيه المقتضي لتفرده فقال: {هو} أي الفاعل لهذا الفعال، والقائل لهذه الأقوال، ظاهراً وباطناً {الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال، ثم ذكر من الأوصاف ما هو كالعلة لذلك فقال: {الواحد} أي الذي لا ينقسم أصلاً، ولا يكون له مثل فلا يكون له صاحبة ولا ولد، لأنه لو كان شيء من ذلك لما كان لا مجانساً ولا جنس له ولا شبه بوجه من الوجوه {القهار *} أي الذي له هذه الصفة، فكل شيء تحت قهره آلهتهم وغيرها على سبيل التكرار والاستمرار، فصح من غير شك أنه لا يحتاج إلى شيء أصلاً، وجُعل ما لا حاجة إليه ولا داعي يبعث عليه عبث ينزه عنه العاقل فكيف من له الكمال كله. ولما أثبت هذه الصفات التي نفت أن يكون له شريك أو ولد، وأثبتت له الكمال المطلق، دل عليها بقوله: {خلق السماوات والأرض} أي أبدعهما من العدم {بالحق} أي خلقاً متلبساً بالأمر الثابت الذي ليس بخيال ولا سحر، على وجه لا نقص فيه بوجه، ولا تفاوت ولا خلل يقول أحد فيه أنه مناف للحكمة ولما كان من أدل الأشياء على صفتي الوحدانية والقهر، وتمام القدرة وكمال الأمر، بعد إيجاد الخافقين اختلاف الملوين، وكان التكوير - وهو إدارة الشيء على الشيء بسرعة وإحاطته به بحيث يعلو عليه ويغلبه ويغطيه - أدل على صفة القهر من الإيلاج، قال مبيناً لوقت إيجاد الملوين: {يكور} أي خلقهما أي صورهما في حال كونه يلف ويلوي ويدير فيغطي مع السرعة والعلو والغلة تكويراً كثيراً متجدداً مستمراً إلى أجله {الّيل على النهار} بأن يستره به فلا يدع له أثراً، ولعظمة هذا الصنع أعاد العامل فقال: {ويكور النهار} عالياً تكويره وتغطيته {على الّيل} فيذهبه كذلك ويدخل في هذا الزيادة في كل منهما بما ينقص من الآخر لأنه إذا ذهب أحدهما وأتى الآخر مكانه، فكأن الآتي لف على الذاهب وألبسه كما يلف اللباس على اللابس، أو أنه شبه الذاهب في خفائه بالآتي بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامع الأبصار، أو أن كلاًّ منهما لما كان يكر على الآخر كروراً متتابعاً شبه ذلك بتتابع أكوار بعضها على بعض، فتغيب ما تحتها. ولما كانت الظلمة سابقة على الضياء، وكان الليل إنما هو ظلمة يسبقها ضياء بطلوع الشمس، رتب سبحانه هذا الترتيب على حسب الإيجاد، ولذلك قدم آية النهار فقال معبراً بالماضي بخلقه الآيتين مسخرتين على منهاج معلوم لكل منها لا يتعداه، وحد محدود لا يتخطاه {وسخر} أي ذلل وأكره وقهر وكلف لما يريد من غير نفع للمسخر {الشمس} أي التي محت ما كان من الظلام فأوجبت اسم النهار {والقمر} أي آية الليل. ولما أخبر بقهرهما، بين ما صرفهما فيه، فقال بياناً لهذا التسخير: {كل} أي منهما {يجري} أي بقضائنا الذي لا مرد له، وهذا آية لاختلاف أحوال العبد لأن خلقه جامع، فيختلف في القبض والبسط والجمع والفرق والأخذ والرد والصحو والسكر، وفي نجوم العقل، وأقمار العلم، وشموس المعرفة، ونهار التوحيد، وليل الشك والجحد، ونهار الوصل وليالي الهجر والفراق، وكيفية اختلافها وزيادتها ونقصانها - قاله القشيري. ولما كان مقصود السورة العزة التي محطها الغلبة، وكان السياق للقهر، وكان القضاء لعلة لا يتخلف عنها المعلول أدل على القهر من ذكر الغاية مجردة عن العلة قال: {لأجل مسمى} أي لمنتهى الدور ومنقطع الحركة. ولما ثبت بهذا قهره، قال منادياً رشقاً في قلوب المنكرين: {ألا هو} أي وحده {العزيز} ولما كان ربما قال متعنت: فما له لا يأخذ من يخالفه؟ وكانت صفة القهر والعزة ربما أقنطت العصاة فأخرتهم عن الإقبال، قال مبيناً لسبب التأخير ومستعطفاً: {الغفار *} أي الذي له صفة الستر على الذنوب متكررة فيمحو ذنوب من يشاء عيناً، وأثراً بمغفرته ويأخذ من يشاء بعزته. ولما كان خلق الحيوان أدل على الوحدانية والقهر بما خالف به الجمادات من الحياة التي لا يقدر على الانفكاك عنها قبل أجله، وبما له من أمور اضطرارية لا محيص له عنها، وأمور اختيارية موكولة في الظاهر إلى مشيئته، وكان أعجبه خلقاً الإنسان بما له من قوة النطق، قال دالاً على ما دل عليه بخلق الخافقين لافتاً القول إلى خطاب النوع كله إيذاناً بتأهلهم للخطاب، وترقيهم في عُلا الأسباب، من غير عطف إيذاناً بأن كلاًّ من خلقهم وخلق ما قبلهم مستقل بالدلالة على ما سيق له: {خلقكم} أي أيها الناس المدعون لإلهية غيره {من نفس واحدة} هي آدم عليه السلام. ولما كان إيجادنا منها بعد شق الأنثى منها، قال عاطفاً على ما تقديره: أوجدها من تراب، مبيناً بلفظ الجعل أن الذكر هو سببها ومادتها منبهاً بأداة التراخي على القهر الذي السياق له بالتراخي في الزمان بتأخير المسبب عن سببه المقتضي له إلى حين مشيئته لأن إيجادها منه كان بعد مدة من إيجاده، والأصل في الأسباب ترتب المسببات عليها من غير مهلة وعلى التراخي في الرتبة أيضاً بأن ذلك - لكونه شديد المباينة لأصله - من أعجب العجب: {ثم} أي بعد حين، وعبر بالجعل لأنه كافٍ في نفي الشركة التي هذا أسلوبها وليبين أنه ما خلق آدم عليه السلام إلا ليكون سبباً لما يحدث عنه من الذرية ليترتب على ذلك إظهار ما له سبحانه من صفات الكمال فقال: {جعل منها} أي تلك النفس {زوجها} أي ونقلكم بعد خلقكم منه إليها ثم أبرزكم إلى الوجود الخارجي منها، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون المعنى لأن السياق لإحاطة العلم المدلول عليه بإنزال الكتاب وما تبعه: قدر خلقكم على ما أنتم عليه من العدد والألوان وجميع الهيئات حين خلق آدم بأن هيأه لأن تفيضوا منه، فلا تزيدون على ما قدره شيئاً ولا تنقصون وأن تفيض منه زوجه، وذلك قبل خلق حواء منه، ثم أوجدها فكان الفيض منها فيضاً منه فالكل منه، ولهذا ورد الحديث في مسند أحمد بن منيع عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خلق الله آدم يوم خلقه وضرب على كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في يساره: إلى النار ولا أبالي . تفسير : ولما كان تنويع الحيوان إلى أنواع متباينة أدل على القدرة التي هي منشأ القهر، وكان سبحانه موصوفاً بالعلو، وكان أكثر الأنعام أشد من الإنسان، فكان تسخيره له وتذليله إنزالاً عن قوته وإيهاناً لشدته، قال دالاً على ذلك الإنشاء والجعل بلفظ الإنزال: {وأنزل لكم} أي خاصة {من الأنعام} أي الإبل بنوعيها، والبقر كذلك، والضأن والمعز. ولما لم يكن عند العرب البخاتي والجواميس لم يذكرها سبحانه، واقتصر على ما عندهم، وقال: {ثمانية أزواج} أي من كل نوع زوجين ذكراً وأنثى، والزوج اسم لواحد معه آخر لا يكمل نفعه إلا به، وإذا نظرت هذه العبارة مع العبارة عن خلق الإنسان فهمت أن الأنعام خلق كل ذكرها وأنثاها على انفراده، لا أن أحداً منها من صاحبه، وذلك أدل على إطلاق التصرف وتنويعه مما لو جعل خلقها مثل خلق الآدمي. ولما كان تكوينهم في تطويرهم عجباً قال مستأنفاً بياناً لما أجمل قبل: {يخلقكم} أي يقدر إيجادكم أنتم والأنعام على ما أنتم عليه من أخلاط العناصر {في بطون أمهاتكم} ولما كان تطوير الخلق داخل البطن حيث لا تصل إليه يد مخلوق ولا بصره، قال دالاً على عظمته ودلالته على تمام القدرة والقهر: {خلقاً} ودل على تكوينه شيئاً بعد شيء بإثبات الحرف فقال: {من بعد خلق} أي في تنقلات الأطوار وتقلبات الأدوار. ولما كان الحيوان لا يعرف ما هو إلا في التطوير الرابع، وكان الجهل ظلمة قال: {في ظلمات ثلاث} ظلمة النطفة ثم العلقة ثم المضغة، فإذا صار عظاماً مكسوة لحماً عرف هل هو ذكر أو أنثى فزالت عنه ظلمات الجهل، وصار خلقاً آخر، وقيل؛ ظلمة البطن والرحم والمشيمة - نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما وعزاه ابن أبي الدنيا في كتاب القناعة إلى عيسى ابن مريم عليه السلام. ولما ثبت له سبحانه كمال العظمة والقهر، قال مستأنفاً ما أنتجه الكلام السابق معظماً باداة البعد رميم الجمع: {ذلكم} أي العالي المراتب شهادتكم أيها الخلق كلكم، بعضكم بلسان قاله، وبعضكم بناطق حاله، الذي جميع ما ذكر من أول السورة إلى هنا أفعاله، ولما أشار إلى عظمته بأداة البعد، أخبر عن اسم الإشارة فقال: {الله} أي الجامع لجميع صفات الكمال، ونبه على جهلهم مما يعلمون من ربوبيته لعملهم بالشرك عمل جاهل بذلك فقال واصفاً: {ربكم} أي المالك والمربي لكم بالخلق والرزق. ولما كان المربي قد لا يكون ملكاً قال نتيجة لما سبق: {له} أي وحده {الملك} ولما كان المختص بالملك قد لا يكون إلهاً، قال مثبتاً له الإلهية على ما يقتضيه من الوحدانية وهو بمنزلة نتيجة النتيجة: {لا إله إلا هو}. ولما تكفل هذا السياق بوجوب الإخلاص في الإقبال عليه والإعراض عما سواه، لأن الكل تحت قهره، وشمول نهيه وأمره، سبب عنه قوله: {فأنى} أي فكيف ومن أي وجه {تصرفون *} أي قهراً عن الإخلاص له إلى الإشراك به بصارف ما وإن كان عظيماً، ونبه بالبناء للمفعول مع هذا على أنهم مقهورون في فعل ما هم عليه لأنهم تابعون للهلاك المحض، تاركون للأدلة التي لا خفاء في شيء منها، ومعلوم أنه لا يترك أحد الدليل في الفيافي العطشة الذي إن تركه هلك إلا قهراً؛ وأن الناس هيئوا لطريق الهدى بما خلقوا عليه من أحسن تقويم بسلامة الفطر واستقامة العقول، وأشار إلى هذا لأنهم يأنفون من النسبة إلى القهر وأن يفعلوا شيئاً بغير اختيار لما عندهم من الأنفة وعلو الهمم والعظمة.

ابو السعود

تفسير : {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} الخ استئنافٌ مسوقٌ لتحقيقِ الحقِّ وإبطالِ القولِ بأنَّ الملائكةَ بناتُ الله وعيسى ابنُه تعالى عن ذلك عُلَّواً كبـيراً ببـيانِ استحالةِ اتَّخاذ الولدِ في حقَّه تعالى على الإطلاقِ ليندرجَ فيه استحالةُ ما قيل اندراجاً أوليَّاً أي أرادَ الله أنْ يـتَّخذَ وَلَداً {لاَّصْطَفَىٰ} أي لاتَّخذَ {مِمَّا يَخْلُقُ} أي من جملة ما يخلقُه أو من جنس ما يخلقه {مَا يَشَاء} أنْ يتَّخذَه إذْ لا موجودَ سواهُ إلاَّ وهو مخلوقٌ له تعالى لامتناعِ تعدُّدِ الواجبِ ووجوبِ استنادِ جميعِ ما عداهُ إليه، ومن البـيِّنِ أنَّ اتِّخاذَ الولد منوطٌ بالمماثلة بـين المتَّخِذِ والمتَّخَذِ وأنَّ المخلوقَ لا يُماثل خالقَه حتَّى يمكن اتِّخاذُه ولداً فما فرضناه اتِّخاذَ ولدٍ لم يكُن اتِّخاذَ ولدٍ بل اصطفاءُ عبدٍ وإليه أُشير حيث وُضع الاصطفاءُ موضع الاتِّخاذِ الذي تقتضيهِ الشَّرطَّيةُ تنبـيهاً على استحالةِ مُقدمها لاستلزامِ فرض وقوعِه بل فرضِ إرادةِ وقوعِه انتفاءه أي لو أراد الله تعالى أنْ يتَّخذَ ولداً لفعل شيئاً ليس هو من اتِّخاذِ الولد في شيءٍ أصلاً بل إنَّما هو اصطفاءُ عبدٍ ولا ريب في أنَّ ما يستلزم فرضُ وقوَعه انتفاءَه فهو ممتنعٌ قطعاً فكأنَّه قيل لو أراد الله أنْ يتَّخذَ ولداً لامتنع ولم يصحَّ لكن لا على أنَّ الامتناعَ منوطٌ بتحقُّقِ الإرادة بل على أنَّه مُتحقِّقٌ عند عدمِها بطريقِ الأَولوَّيةِ على منوال لو لم يخفِ الله لم يعصِه. وقوله تعالى: {سُبْحَـٰنَهُ} تقريرٌ لما ذُكر من استحالة اتِّخاذ الولد في حقِّه تعالى وتأكيدٌ له ببـيانِ تنزُّهه تعالى عنه أي تنزّه بالذَّاتِ عن ذلك تنزهه الخاصّ به على أنَّ السُّبحانَ مصدر من سبَح إذا بعُد أو أسبِّحه تسبـيحاً لائقاً به على أنَّه عَلَم للتَّسبـيح مقولٌ على ألسنة العباد أو سبِّحوه تسبـيحاً حقيقاً بشأنِه. وقولُه تعالى: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ} استئنافٌ مبـيِّنٌ لتنزُّههِ تعالى بحسبِ الصِّفاتِ إثرَ بـيانِ تنزُّههِ تعالى عنه بحسب الذَّاتِ فإنَّ صفةَ الأُلوهيَّةِ المستتبعة لسائر صفاتِ الكمال النَّافيةِ لسماتِ النُّقصانِ والوحدة الذَّاتية الموجبة لامتناعِ المُماثلة والمُشاركة ببنه تعالى وبـين غيرِه على الإطلاقِ ممَّا يقضِي بتنزُّهه تعالى عمَّا قالوا قضاءً مُتقناً، وكذا وصف القهَّاريَّةِ لما أنَّ اتِّخاذَ الولد شأنُ مَن يكون تحتَ ملكوتِ الغيرِ عُرضةً للفناءِ ليقومَ ولدُه مقامَه عند فنائِه ومَن هو مستحيلُ الفناءِ قهَّارٌ لكلِّ الكائناتِ كيفَ يُتصوُرُ أنْ يتَّخذَ من الأشياءِ الفانيةِ ما يقومُ مقامَه.

القشيري

تفسير : خاطَبَهم على قَدْرِ عقولهم وعقائدهم حيث قالوا: المسيحُ ابن اللَّهِ، وعُزَيْرُ وَلَدُ اللَّهِ؛ فقال: لو أراد أن يتَّخِذَ وَلَداً للتبنِّي والكرامة لاخْتَارَ من الملائكة الذين هم مُنْزَّهون عن الأكل والشرب وأوصاف الخَلْقِ. ثم أخبر عن تَقَدُّسِه عن ذلك فقال: {سُبْحَانَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} تنزيهاً له على اتخاذ الأولاد... لا في الحقيقة لاستحالة معناه في نَعْتِه، ولا بالتبنِّي لِتَقَدُّسِه عن الجنسية والمحالات، وإنما يذكر ذلك على جهة استبعاد،؛ إذا لو كان ذلك فكيف كان يكون حُكْمُه؟ كقوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا}تفسير : [الأنبياء: 22].

اسماعيل حقي

تفسير : {لو اراد الله ان يتخذ ولدا} كما زعم المشركون بان الله تعالى اتخذ ولدا {لاصطفى} لاتخذ واختار {مما يخلق} اى من جنس مخلوقاته {ما يشاء} ولم يخص مريم ولا عيسى ولا عزيرا بذلك ولخلق جنسا آخر اعز واكرم مما خلق واتخذه ولدا لكنه لا يفعله لامتناعه والممتنع لا تتعلق به القدرة والارادة وانما امره اصطفاء من شاء من عباه وتقريبهم منه وقد فعل ذلك بالملاكة وبعض الناس كما قال الله تعالى {أية : الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس} تفسير : ولذا وضع الاصطفاء مكان الاتخاذ. وقال بعضهم معناه لو اتخذ من خلقه ولدا لم يتخذه باختيارهم بل يصطفى من خلقه من يشاء. وقال الكاشفى {هرآينه اختيار كردىاز آنجه مى آفريند آنجه خواستى از اعز اشيا واحسن آن واكمل كه بنون اند نه از نقص كه بتانند اما مخلوق مماثل خالق نيست وميان والد ومولود مجانست شرط است بس اورا فرزند نبود] {سبحانه} مصدر من سبح اذا بعد اى تنزه تعالى بالذات عن ذلك الاتخاذ وعما نسبوا اليه من الاولاد والاولياء وعلم للتسبيح مقول على ألسنة العباد اى اسبحه تسبيحا لائقا به او سبحوه تسبيحا حقيقا بشانه {هو} مبتدأ خبره قوله {الله} المتصف بالالوهية {الواحد} الذى لا ثانى له والولد ثانى والده وجنسه وشبهه. وفى بحر العلوم واحد اى موجود جل عن التركيب والمماثلة ذاتا وصفة فلا يكون له ولد لانه يماثل الوالد فى الذات والصفات {القهار} الذى بقهاريته لا يقبل الجنس والشبه بنوع ما. وفى الارشاد قهار لكل الكائنات كيف يتصور ان يتخذ من الاشياء الفانية ما يقوم مقامه

الجنابذي

تفسير : {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} كما نسبوا اليه الملائكة والمسيح وعزيراً {لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ} من اصناف الملائكة وانواع البشر والجنّ {مَا يَشَآءُ} من البنين لا ما نسبوا اليه من البنات {سُبْحَانَهُ} عن الشّريك والولد والصّاحبة {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ} الّذى لا مثل له حتّى يكون له ولدٌ {ٱلْقَهَّارُ} الّذى لا يجوز فى قهّاريّته ان يكون له شريكٌ ومثلٌ، والولد يكون مثلاً له، والشّريك يكون مثلاً له ومقابلاً لا مقهوراً.

الهواري

تفسير : قوله: {لَّوْ أَرَادَ اللهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَى} أي لاختار {مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه أن يكون له ولد {هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ القَهَّارُ} الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك. والقهار الذي قهر العباد بالموت وبما شاء من أمره. {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي: للبعث والحساب والجنة والنار. {يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ} أي: يختلفون. وبعضهم يقول: هو مثل قوله: (أية : يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ) تفسير : [الحديد:6]، يعني أخذ كل واحد منهما من صاحبه. {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأِجَلٍ مُّسَمًّى} أي: إلى يوم القيامة. {أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} العزيز في أمره، الغفار لمن تاب وآمن. قال: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني حواء، خلقت من ضلع من أضلاعه، وهي القصيرى من جنبه الأيسر. ذكروا عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وإنك إن ترد أن تقيمها تكسرها، فدارها تعش بها. {وَأَنزَلَ لَكُم} أي: وخلق لكم {مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} أي: أصناف الواحد منها زوج. ذكروا عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه قال: الأزواج الثمانية التي ذكرت في سورة الأنعام: (أية : مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ) تفسير : يعني الذكر والأنثى. (أية : وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) (أية : وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ) تفسير : [الأنعام:143-144]. {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} [يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم يكسى العظم اللحم ثم الشعر ثم ينفخ فيه الروح] {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} أي: البطن والمشيمة والرحم. قال: {ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} خالق هذه الأشياء التي وصفهن؛ من قوله: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} إلى هذا الموضع: {لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} أي: فكيف تصرفون عقولكم. أي: أين يذهب بكم فتعبدون غيره وأنتم تعلمون أنه خلقكم وخلق هذه الأشياء. وتصرفون عقولكم وتصدقون وتوفكون واحد.

اطفيش

تفسير : {لَّوْ أَرَادَ اللهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} كما زعموا* {لاَّصْطَفَى} أي اختار {مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} فيختار الذكور لا الاناث لكنه لم يرد اتخاذ الولد لانه محال ولو أراد الله اتخاذ الولد لاصطفى بعض خلقه واختاره وقربه كما يختص الرجل ولده ويقربه اصطفاء بدل اتخاذ الولد لامتناعه وكونه محالاً لمخالفته تعالى للاجسام والاعراض كأنه قال لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على هذا الاصطفاء والتقريب ولم يرد عنه راد وقد اصطفى الملائكة وقربهم* {سُبْحَانَهُ} تنزيها له عما لا يليق كاتخاذ الولد والشريكة* {هُوَ اللهُ الْوَاحِدُُ} ذاتاً وفعلاً وصفة ولو كانت له زوجة لم يكن واحداً لانها ـ حاشاه ـ تكون من جنسه ومثله ولا جنس له ولا مثل فلا ولد له اذا لم تكن له صاحبة* {الْقَهَّار} الغلاب لكل شيء فكيف يكون له شركاء والقاهرية المطلقة تنافي قبول الزوال المحوج الى الولد واستدل على كمال قهره وقدرته بقوله* {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ}

الالوسي

تفسير : {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء } استئناف مسوق لتحقيق الحق وإبطال القول بأن الملائكة بنات الله وعيسى ابنه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ببيان استحالة اتخاذ الولد في حقه سبحانه على الإطلاق ليندرج فيه استحالة ما قيل اندراجاً أولياً، وحاصل المعنى لو أراد الله سبحانه اتخاذ الولد لامتنعت تلك الإرادة لتعلقها بالممتنع أعني الاتخاذ لكن لا يجوز للباري إرادة ممتنعة لأنها ترجح بعض الممكنات على بعض. وأصل الكلام لو اتخذ الولد لامتنع لاستلزامه ما ينافي الألوهية فعدل إلى لو أراد الاتخاذ لامتنع أن يريده ليكون أبلغ وأبلغ ثم حذف هذا الجواب وجيء بدله {لاَّصْطَفَىٰ} تنبيهاً على أن الممكن هذا لا الأول وأنه لو كان هذا من اتخاذ الولد في شيء لجاز اتخاذ الولد عليه سبحانه وتعالى شأنه عن ذلك فقد تحقق التلازم وحق نفي اللازم وإثبات الملزوم دون صعوبة. ويجوز أن يكون المراد لو أراد الله أن يتخذ لامتنع ولم يصح لكن على إرادة نفي الصحة على كل تقدير من تقديري الإرادة وعدمها من باب «لو لم يخف الله لم يعصه» فلا ينفي الثاني إذ ذاك ولا يحتاج إلى بيان الملازمة وإذا امتنع ذلك فالممكن الاصطفاء وقد اصطفى سبحانه من / مخلوقاته من شاء كالملائكة وعيسى وذهب عليكم أن الاصطفاء ليس باتخاذ. والجواب على هذا الوجه أيضاً محذوف أقيم مقامه ما يفيد زيادة مبالغة، وإنما لم يجعل {لاَّصْطَفَىٰ} هو الجواب عليه لصيرورة المعنى حينئذٍ لو أراد اتخاذ الولد لاصطفى ولو لم يرد لاصطفى من طريق الأولى وحينئذ يكون إثبات الاصطفاء هو المطلوب من الإيراد كما أن التمدح بنفي العصيان في مثال الباب هو المطلوب وليس الكلام فيه، وعلى الوجهين هو من أسلوب: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وجوز أن يكون المعنى في الآية لو أراد الله تعالى أن يتخذ ولداً لجعل المخلوق ولداً إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له تعالى والتالي محال للمباينة التامة بين المخلوق والخالق والولدية تأبى تلك المباينة فالمقدم مثله ويكون قوله تعالى {لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء } على معنى لاتخذه ابناً على سبيل الكناية وما تقدم أولى لما فيه من المبالغة التي نبهت عليها. وقوله تعالى: {سُبْحَـٰنَهُ } تقرير لما ذكر من استحالة اتخاذ الولد في حقه تعالى وتأكيد له ببيان تنزهه سبحانه عنه أي تنزهه الخاص به تعالى على أن سبحان مصدر من سبح إذا بعد أو أسبحه تسبيحاً لائقاً به لأنه علم للتسبيح مقول على ألسنة العباد أو سبحوه تسبيحاً لائقاً بشأنه جل شأنه. وقوله تعالى: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ } استئناف مقرر لتنزهه عن ذلك أيضاً فإن اتخاذ الولد يقتضي تبعضاً وانفصال شيء من شيء وكذا يقتضي المماثلة بين الولد والوالد والوحدة الذاتية الحقيقية التي هي في أعلى مراتب الوحدة الواجبة له تعالى بالبراهين القطعية العقلية تأبى التبعض والانفصال إباء ظاهراً لأنهما من خواص الكم وقد اعتبر في مفهوم الوحدة الذاتية سلبه فتأبى الاتخاذ المذكور وكذا تأبى المماثلة سواء فسرت بما ذهب إليه قدماء المعتزلة كالجبائي وابنه أبـي هاشم وهي المشاركة في أخص صفات الذات كمشاركة زيد لعمرو في الناطقية أم فسرت بما ذهب إليه المحققون من الماتريدية وهي المشاركة في جميع الصفات الذاتية كمشاركته له في الحيوانية والناطقية أم فسرت بما نسب إلى الأشعري وهو التساوي بين الشيئين من كل وجه، ولعل مراده نحو ما مر عن الماتريدي وإلا فمع التساوي من كل وجه ينتفي التعدد فينتفي التماثل بناء على ما قرروا من أن الوحدة الذاتية كما تقتضي نفي الأبعاض المقدارية تقتضي نفي الكثرة العقلية وأن التماثل يقتضي التعدد وهو يقتضي ثبوت الأجزاء المذكورة كذا قيل، وفيه بحث طويل وكلام غير قليل وسنذكر بعضاً منه إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الإخلاص فالأولى أن يقتصر على منافاة الوحدة الذاتية للتبعض والانفصال لاستلزامهما التركب الخارجي والحكماء والمتكلمون مجمعون على استحالته في حقه تعالى ودليلها أظهر من يذكر. وكذا وصف القهارية يأبى اتخاذ الولد وقرر ذلك على أوجه، فقيل وجه إبائها ذلك أن القهارية تقتضي الغنى الذاتي الذي هو أعلى مراتب الغنى وهو يقتضي التجرد عن المادة وتولد الولد عن الشيء يقتضيها، وقيل إن القهارية تقتضي كمال الغنى وهو يقتضي كمال التجرد الذي هو البساطة من كل الوجوه فلا يكون هناك جنس وفصل ومادة وصورة وإعراض وأبعاض إلى غير ذلك مما يخل بالبساطة الكاملة الحقيقية واتخاذ الولد لما فيه من الانفصال والمثلية مخل بتلك البساطة فيخل بالغنى فيخل بالقهارية، وقد أشار سبحانه إلى أن الغنى ينافي أن يكون له سبحانه ولد بقوله تعالى: {أية : قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ } تفسير : [يونس: 68] وقيل: إن اتخاذ الولد / يقتضي انفصال شيء عنه تعالى وذلك يقتضي أن يكون متأثراً مقهوراً لا مؤثراً قهاراً تعالى عن ذلك علواً كبيراً، فحيث كان جل وعلا قهاراً كما هو مقتضى الألوهية استحال أن يكون له عز وجل ولد، وقيل: إن القهارية منافية للزوال لأن القهار لو قبله كان مقهوراً إذ المزيل قاهر له ولذا قيل سبحانه من قهر العباد بالموت. والولد من أعظم فوائده عندهم قيامه مقام الأب بعد زواله فإذا لم يكن الزوال لم يكن حاجة إلى الولد وهذا مع كونه إلزامياً لا يخلو عن بحث كما لا يخفى. والزمخشري جعل قوله تعالى: {سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱللَّهُ } الخ متصلاً بقوله عز وجل: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء }تفسير : [الزمر: 3] الخ على أنه مقرر نفي أن يكون له تعالى ولي ونفى أن يكون له ولد، ولعل بيان ذلك لا يخفى فتدبر.

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الآية موقع الاحتجاج على أن المشركين كاذبون وكفّارون في اتخاذهم أولياء من دون الله، وفي قولهم: {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله}تفسير : [الزمر: 3] وأن الله حرمهم الهدى وذلك ما تضمنه قوله قبله: {أية : إن الله لا يهدي من هو كاذبٌ كفَّارٌ}تفسير : [الزمر: 3]، فقصد إبطال شركهم بإبطال أقواه وهو عدّهم في جملة شركائهم شركاءَ زعموا لهم بنوّة لله تعالى، حيث قالوا: {أية : اتخذ الله ولداً}تفسير : [البقرة: 116] فإن المشركين يزعمون اللاتَ والعزى ومناةَ بناتِ الله قال تعالى: {أية : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى}تفسير : [النجم: 19 ــــ 21]. قال في «الكشاف» هنالك: «كانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأصنام (يعني هذه الثلاثة) بناتُ الله» وذكر البغوي عن الكلبي كان المشركون بمكة يقولون: الأصنام والملائكة بنات الله فخص الاعتقاد بأهل مكة، والظاهر أن ذلك لم يقولوه في غير اللات والعزّى ومناةَ، لأن أسماءها مؤنثة، وإلاّ فإن في أسماء كثير من أسماء أصنامهم ما هو مذكّر نحو ذي الخَلَصة، وذكر في «الكشاف» عند ذكر البسملة أنهم كانوا يقولون عند الشروع في أعمالهم: باسم اللات، باسم العزّى. فالمقصود من هذه الآية إبطال إلٰهية أصنام المشركين على طريقة المذهب الكلامي. واعلم أن هذه الآية والآيات بعدها اشتملت على حجج انفراد الله. ومعنى الآية: لو كان الله متخذاً ولداً لاختار من مخلوقاته ما يشاء اختياره، أي لاختار ما هو أجدر بالاختيار ولا يختار لبنوته حجارة كما زعمتم لأن شأن الاختيار أن يتعلق بالأحسن من الأشياء المختار منها فبطل أن تكون اللاتُ والعُزّى ومناةُ بناتٍ لله تعالى، وإذا بطل ذلك عنها بطل عن سائر الأصنام بحكم المساواة أو الأحرى، فتكون {لو} هنا هي الملقبة {لو} الصهيبية، أي التي شرطها مفروض فرضاً على أقصى احتمال وهي التي يُمثلون لها بالمثل المشهور: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه"، فكان هذا إبطالاً لما تضمنه قوله: {أية : والذين اتَّخذوا من دونه إولياء ما نعبدهم}تفسير : [الزمر: 3] إلى قوله:{أية : كَفَّار}تفسير : [الزمر: 3]. وليس هو إبطالاً لمقالة بعض العرب: إن الملائكة بنات الله، لأن ذلك لم يكن من عقيدة المشركين بمكة الذين وجه الخطاب إليهم، ولا إبطالاً لبنوة المسيح عند النصارى لأن ذلك غير معتقَد عند المشركين المخاطبين ولا شعور لهم به، وليس المقصود محاجّة النصارى ولم يتعرض القرآن المكي إلى محاجّة النصارى. واعلم أنه بني الدليل على قاعدة استحالة الولد على الله تعالى إذ بُني القياس الشرطي على فرض اتخاذ الولد لا على فرض التولّد، فاقتضى أن المراد باتخاذ الولد التبنّي لأن إبطال التبنّي بهذا الاستدلال يستلزم إبطال تولد الابن بالأولى. وعزز المقصود من ذكر فعل الاتخاذ بتعقيبه بفعل الاصطفاء على طريقة مجاراة الخصم المخطىء ليغير في مهواة خطئه، أي لو كان لأحد من الله نسبة بنوة لكانت تلك النسبة التبنِّيَ لا غير إذ لا تتعقل بنوة لله غير التبنّي ولو كان الله متبنِّياً لاختار ما هو الأليق بالتبنّي من مخلوقاته دون الحجارة التي زعمتموها بنات لله. وإذا بطلت بنوة تلك الأصنام الثلاثة المزعومة بطلت إلٰهية سائر الأصنام الأخرى التي اعترفوا بأنها في مرتبة دون مرتبة اللات والعزّى ومناة بطريق الأوْلى واتفاققِ الخصمين فقد اقتضى الكلام دليلين: طوي أحدهما وهو دليل استحالة الولد بالمعنى الحقيقي عن الله تعالى، وذكر دليل إبطال التبنّي لما لا يليق أن يتبناه الحكيم. هذا وجه تفسير هذه الآية وبيان وقعها مما قبلها وبه تخرج عن نطاق الحيرة التي وقع فيها المفسرون فسلكوا مسالك تعسف في معناها ونظمها وموقعها، ولم يتم لأحد منهم وجه الملازمة بين شرط {لو} وجوابها، وسكت بعضهم عن تفسيرها. فوقع في (الكشاف) ما يفيد أن المقصود نفي زعم المشركين بنوة الملائكة وجعل جواب {لو} محذوفاً وجعل المذكور في موضع الجواب إرشاداً إلى الاعتقاد الصحيح في الملائكة فقال: "يعني لو أراد الله اتخاذ الولد لامتنع، ولم يصح لكونه (أي ذلك الاتخاذ) محالاً ولم يتأتَّ إلاّ أن يصطفي من خلقه بعضه ويختصهم ويقربهم كما يختص الرجل ولده وقد فعل ذلك بالملائكة فغرّكم اختصاصه إياهم فزعمتم أنهم أولاده جهلاً منكم بحقيقته المخالفة لِحقائق الأجسام والأعراض". فجعل ما هو في الظاهر جواب (لو) مفيداً معنى الاستدراك الذي يَعقُب المقدَّمَ والتاليَ غالباً، فلذلك فسره بمرادفه وهو الاستثناء الذي هو من تأكيد الشيء بما يشبه ضده. وللتفتزاني بحث يقتضي عدم استقامة تقرير (الكشاف) لدليل شرط {لو} وجوابه، واستظهر أن (لو) صهيبية تبعاً لتقرير ذكره صاحب (الكشاف). وبعد فإن كلام صاحب «الكشاف» يجعل هذه الآية منقطعة عن الآيات التي قبلها، فيجعلُها بمنزلة غرض مستأنف مع أن نظم الآية نظم الاحتجاج لا نظم الإِفادة، فكان محمل «الكشاف» فيها بعيداً. ومع قطع النظر عن هذا فإن في تقرير الملازمة في الاستدلال خفاء وتعسفاً كما أشار إليه الشَقَّار في كتابه «التقريب مختصرِ الكشاف». وقال ابن عطية: "معنى اتخاذ الولد اتخاذ التشريف والتبنّي وعلى هذا يستقيم قوله: {لاصْطَفَىٰ} وأما الاتخاذ المعهود في الشاهد (يعني اتخاذ النسل) فمستحيل أن يتوهم في جهة الله ولا يستقيم عليه قوله: {لاصْطَفَىٰ}. ومما يدل على أن معنى أن يتخذ الاصطفاء والتبني قوله: {ممَّا يَخْلُقُ} أي من محداثته" ا هــــ. وتبعه عليه الفخر. وبنى عليه صاحب «التقريب» فقال عقب تعقب كلام «الكشاف» «والأولى ما قيل: لو أراد أن يتخذ ولداً كما زعمتم لاختار الأفضل (أي الذكور) لا الأنقص وهنّ الإِناث». وقال التفتزاني في «شرح الكشاف»: هذا معنى الآية بحسب الظاهر، وذكر أن صاحب «الكشاف» لم يسلكه للوجه الذي ذكره التفتزاني هناك. والذي سلكه ابن عطية وإن كان أقرب وأوضح من مسلك «الكشاف» في تقرير الدليل لكنه يشاركه في أنه لا يصل الآية بالآيات التي قبلها وبنبغي أن لا تقطع بينها الأواصر، وكم ترك الأول للآخر. وجملة {سُبْحٰنَهُ} تنزيه له عما نسبوه إليه من الشركاء بعد أن أبطله بالدليل الامتناعي عوداً إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذي فارقه من قوله: {أية : فاعبد الله مخلصاً له الدين} تفسير : [الزمر: 2]. وجملة {هو الله الوٰحِدُ القهَّارُ} دليل للتنزيه المستفاد من {سُبْحٰنَهُ}. فجملة {هُوَ الله} تمهيد للوصفين، وذِكر اسمه العلم لإِحضاره في الأذهان بالاسم المختص به فلذلك لم يقل: هو الواحد القهّار كما قال بعدُ: {أية : ألا هوَ العزيزُ الغفَّارُ}تفسير : [الزمر: 5]. وإثبات الوحدانية له يبطل الشريك في الإِلٰهية على تفاوت مراتبه، وإثبات {القَهَّارُ} يبطل ما زعموه من أن أولياءهم تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم. والقهر: الغلبة، أي هو الشديد الغلبة لكل شيء لا يغلبه شيء ولا يصرفه عن إرادته.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة، بكثرة في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} تفسير : [النحل: 57].

د. أسعد حومد

تفسير : {سُبْحَانَهُ} {ٱلْوَاحِدُ} (4) - لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَكَانَ الأَمْرُ عَلَى خِلاَفِ مَا يَزْعُمُونَ، وَلَمَا رَضِيَ إِلاَ بِأَكْمَلِ الأَبْنَاءِ، فَكَيْفَ نَسَبَ هَؤُلاَءِ الجَهَلَةُ المُشْرِكُونَ إِلَيْهِ البَنَاتِ؟ وَلَكِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عُلُوّاً كَبِيراً عَمَّا يَقُولُونَ وَيَأْفِكُونَ، وَعَمَّا يَنْسُبُونَ إِلَيهِ فَهُوَ الوَاحِدُ الأَحَدُ، الذِي قَهَرَ كُلَّ شَيءٍ، فَدَانَتْ لَهُ الخَلاَئِقُ وَذَلَّتْ. سُبْحَانَهُ - تَنْزِيهاً لَهُ عَنِ اتِّخَاذِ وَلَدٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تحدثنا هذه الآية عن نوع آخر من الشرك، فهؤلاء لم يعبدوا الأصنام ولا الشمس ولا القمر، إنما اتخذوا أشياء أخرى يروْنَ بينها وبين الله تعالى صلة، كما نقول (من ريحته)، ورأوا أن ذلك أخفّ وأهون من عبادة الأصنام، هؤلاء كالذين قالوا عزير ابن الله، والذين قالوا المسيح ابن الله، أو الملائكة بنات الله .. الخ فردّ الله عليهم: {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} [الزمر: 4] يعني: هذه مسألة لا دَخْلَ لكم فيها ولا اختيار، لا تختاروا أنتم لله ولداً؛ لأن الله تعالى لو أراد ذلك - على فرض - لاختار من خَلْقه ما يشاء هو، لا ما تختارون أنتم. لذلك خاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ} تفسير : [الزخرف: 81] أي: من اختياره ويخبر هو به {أية : فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} تفسير : [الزخرف: 81] يعني: أول المصدِّقين المؤمنين به، فهو على العين والرأس، إنما هذا أمر لم يخبر الله به، وإنما نفاه عن نفسه سبحانه. وقد ورد في الحديث: "حديث : الخَلْق كلهم عيال الله، فأحبُّهم إليه أرأفهم بعياله" تفسير : إذن: فالبنوة ليست لله تعالى، وحتى في بنوة الرسل لم يجعلها الله بنوةَ دم، ولا بنوةَ أبدان، إنما بنوة أديان، وأوضح مثال على ذلك سيدنا نوح - عليه السلام - وولده. لما أبَى الولد وعصى أمر أبيه أيقَن الوالد أنه من الهالكين، فدعا الله: {أية : فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} تفسير : [هود: 45] لكن عدل الله له معنى البنوة، فقال سبحانه: {أية : قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} تفسير : [هود: 46] فسيدنا نوح ظن أن البنوة بنوة نسب، لكن بنوة الأنبياء بنوة اتباع. والحرف (لو) في {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} [الزمر: 4] حرف امتناع لامتناع، وهو من أدوات الشرط يفيد امتناعَ وقوع الجواب لامتناع وقوع الشرط، فالحق سبحانه لم يتخذ ولداً لأنه لم يُردْ ذلك، ولو أراده لكانَ ما يريد. وفي موضع آخر، يناقش الحق سبحانه أصحاب هذا الافتراء، يقول لهم بالمنطق {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ} تفسير : [الأنعام: 101]. ثم لماذا يُتخذ الولد؟ يتخذ الولد ليكون عزوةً لأبيه أو امتداداً له بعد موته، والحق - تبارك وتعالى - هو الغني العزيز عن خَلْقه، وهو الدائم الباقي فلماذا يُتخذ الولد؟ والذين نَسبوا لله تعالى الولدَ في العصور المتأخرة من الديانات، كالذين قالوا: المسيح ابن الله، فهل كان الله تعالى منذ خلق هذا الكون بلا ولد إلى أنْ جاء عيسى فاتخذه الله ولداً. وبعد أنْ أخذ عيسى من الوجود أظلَّ الله تعالى هكذا (غلبان مقطوع من شجرة) بلا ولد؟ كيف يستقيم لكم هذا الادعاء؟ إنها مسألة لا تصح أبداً في حق الله تعالى، فالله لا يحتاج إلى عزوة، ولا يحتاج لمعونة الولد، لأن الله تعالى خلق الخَلْق كله من ألفه إلى يائه، خلقه بكامل قدرته، وبصفات الكمال فيه، فلم يزده الخَلْق شيئاً ولا صفة لم تكُنْ له من قبل. لذلك يقول بعض أهل الشطح في هذه الآية: {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} [الزمر: 4] يقول: لو كان للرحمن ولد كنتُ أنا أَوْلَى أنْ أكونَ ولده؛ لأنني أول العابدين. ثم يُذيِّل الحق سبحانه هذه الآية بما يُنزِّه الله عن هذا الافتراء: {سُبْحَانَهُ هُوَ ٱللَّهُ} [الزمر: 4] يعني: سبِّحه ونزِّهه عن هذه المسألة، فإنها لا تليق به سبحانه، ونزهه أنْ يشابه شيئاً من خلقه، حتى لو وقفت أمام مسألة لا يدركها عقلك قُلْ سبحان الله كما قال الله: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} تفسير : [يس: 36]. وقال: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} تفسير : [الروم: 17]. وقال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} تفسير : [الإسراء: 1]. فالحق سبحانه في مثل هذه المواقف يُعلِّمنا أنْ نُنزِّه الله، لأن العقل سيقف أمام هذه الأحداث حائراً، لكن الحدث هنا منسوب إلى الله فلا عجبَ إذن، لأن زمنَ الحدث يتناسب مع القوة الفاعلة تناسباً عكسياً، فكلما زادتْ القوة قَلَّ الزمن، فإذا نسبتَ الفعل إلى قوة القوى تجد لا زمن. إذن: نزّهوا الله عن اتخاذ الولد لأنه {هُوَ ٱللَّهُ} [الزمر: 4] الذي له كُلُّ صفات الكمال {الوَاحدُ} الذي ليس معه غيره {القَهَّارُ} أي: الذي لا يحتاج إلى عزْوة، ولا يحتاج إلى مُعين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا } كما زعم ذلك من زعمه، من سفهاء الخلق. { لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } أي: لاصطفى بعض مخلوقاته التي يشاء اصطفاءه، واختصه لنفسه، وجعله بمنزلة الولد، ولم يكن حاجة إلى اتخاذ الصاحبة. { سُبْحَانَهُ } عما ظنه به الكافرون، أو نسبه إليه الملحدون. { هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } أي: الواحد في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله، فلا شبيه له في شيء من ذلك، ولا مماثل، فلو كان له ولد، لاقتضى أن يكون شبيها له في وحدته، لأنه بعضه، وجزء منه. القهار لجميع العالم العلوي والسفلي، فلو كان له ولد لم يكن مقهورا، ولكان له إدلال على أبيه ومناسبة منه. ووحدته تعالى وقهره متلازمان، فالواحد لا يكون إلا قهارا، والقهار لا يكون إلا واحدا، وذلك ينفي الشركة له من كل وجه.