Verse. 4063 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ بِالْحَـقِّ۝۰ۚ يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَي النَّہَارِ وَيُكَوِّرُ النَّہَارَ عَلَي الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ۝۰ۭ كُلٌّ يَّجْرِيْ لِاَجَلٍ مُّسَمًّى۝۰ۭ اَلَا ہُوَالْعَزِيْزُ الْغَفَّارُ۝۵
Khalaqa alssamawati waalarda bialhaqqi yukawwiru allayla AAala alnnahari wayukawwiru alnnahara AAala allayli wasakhkhara alshshamsa waalqamara kullun yajree liajalin musamman ala huwa alAAazeezu alghaffaru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«خلق السماوات والأرض بالحق» متعلق بخلق «يكوّر» يدخل «الليل على النهار» فيزيد «ويكور النهار» يدخله «على الليل» فيزيد «وسخَّر الشمس والقمر كل يجري» في فلكه «لأجل مسمى» ليوم القيامة «ألا هو العزيز» الغالب على أمره المنتقم من أعدائه «الغفار» لأوليائه.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الآية المتقدمة دلت على أنه تعالى بين كونه منزهاً عن الولد بكونه إلهاً واحداً وقهاراً غالباً أي: كامل القدرة، فلما بنى تلك المسألة على هذه الأصول ذكر عقيبها ما يدل على كمال القدرة وعلى كمال الاستغناء، وأيضاً فإنه تعالى طعن في إلهية الأصنام فذكر عقيبها الصفات التي باعتبارها تحصل الإلهية، واعلم أنا بينا في مواضع من هذا الكتاب أن الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات إلهيته، إما أن تكون فلكية أو عنصرية، أما الفلكية فأقسام أحدها: خلق السموات والأرض، وهذا المعنى يدل على وجود الإله القادر من وجوه كثيرة شرحناها في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام: 1] والثاني: اختلاف أحوال الليل والنهار وهو المراد ههنا من قوله: {يُكَوّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ } وذلك لأن النور والظلمة عسكران مهيبان عظيمان، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك تارة، وذلك هذا أخرى. وذلك يدل على أن كل واحد منهما مغلوب مقهور، ولا بد من غالب قاهر لهما يكونان تحت تدبيره وقهره وهو الله سبحانه وتعالى، والمراد من هذا التكوير أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص عن الآخر، والمراد من تكوير الليل والنهار ما ورد في الحديث: «حديث : نعوذ الله من الحور بعد الكور» تفسير : أي: من الإدبار بعد الإقبال، واعلم أنه سبحانه وتعالى عبر عن هذا المعنى بقوله: {يُكَوّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ } وبقوله: {أية : يغشى الليل النهار } تفسير : [الأعراف: 54] وبقوله: {أية : يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ } تفسير : [فاطر: 13] وبقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } تفسير : [الفرقان: 62] والثالث: اعتبار أحوال الكواكب لا سيما الشمس والقمر، فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل، وأكثر مصالح هذا العالم مربوطة بهما وقوله: {كل يجري لأجل مسمى} الأجل المسمى يوم القيامة، لا يزالان يجريان إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ } تفسير : [القيامة: 9] والمراد من هذا التسخير أن هذه الأفلاك تدور كدوران المنجنون على حد واحد إلى يوم القيامة وعنده تطوي السماء كطي السجل للكتب. ولما ذكر الله هذه الأنواع الثلاثة من الدلائل الفلكية قال: {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } والمعنى: أن خلق هذه الأجرام العظيمة وإن دل على كونه عزيزاً أي كامل القدرة إلا أنه غفار عظيم الرحمة والفضل والإحسان، فإنه لما كان الإخبار عن كونه عظيم القدرة يوجب الخوف والرهبة فكونه غفاراً يوجب كثرة الرحمة، وكثرة الرحمة توجب الرجاء والرغبة، ثم إنه تعالى أتبع ذكر الدلائل الفلكية بذكر الدلائل المأخوذة من هذا العالم الأسفل، فبدأ بذكر الإنسان فقال: {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } ودلالة تكون الإنسان على الإله المختار قد سبق بيانها مراراً كثيرة، فإن قيل كيف جاز أن يقول: {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } والزوج مخلوق قبل خلقهم؟ أجابوا عنه من وجوه الأول: أن كلمة ثم كما تجيء لبيان كون إحدى الواقعتين متأخرة عن الثانية، فكذلك تجيء لبيان تأخر أحد الكلامين عن الآخر، كقول القائل بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس كان أعجب، ويقول أيضاً قد أعطيتك اليوم شيئاً، ثم الذي أعطيتك أمس أكثر الثاني: أن يكون التقدير خلقكم من نفس خلقت وحدها ثم جعل منها زوجها الثالث: أخرج الله تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر ثم خلق بعد ذلك حواء. واعلم أنه تعالى لما ذكر الاستدلال بخلقة الإنسان على وجود الصانع ذكر عقيبه الاستدلال بوجود الحيوان عليه فقال: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } وهي الإبل والبقر والضأن والمعز وقد بينا كيفية دلالة هذه الحيوانات على وجود الصانع في قوله: {أية : وَٱلأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء } تفسير : [النحل: 5] وفي تفسير قوله تعالى: {وَأَنزَلَ لَكُمْ } وجوه: الأول: أن قضاء الله وتقديره وحكمه موصوف بالنزول من السماء لأجل أنه كتب في اللوح المحفوظ كل كائن يكون الثاني: أن شيئاً من الحيوان لا يعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء والتراب، والماء ينزل من السماء فصار التقدير كأنه أنزلها الثالث: أنه تعالى خلقها في الجنة ثم أنزلها إلى الأرض وقوله: {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } أي ذكر وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز، والزوج اسم لكل واحد معه آخر، فإذا انفرد فهو فرد منه قال تعالى: {أية : فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } تفسير : [القيامة: 39]. ثم قال تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ } وفيه أبحاث: الأول: قرأ حمزة بكسر الألف والميم، والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم، والباقون أمهاتكم بضم الألف وفتح الميم. الثاني: أنه تعالى لما ذكر تخليق الناس من شخص واحد وهو آدم عليه السلام أردفه بتخليق الأنعام، وإنما خصها بالذكر لأنها أشرف الحيوانات بعد الإنسان، ثم ذكر عقيب ذكرهما حالة مشتركة بين الإنسان وبين الأنعام وهي كونها مخلوقة في بطون أمهاتهم وقوله: {خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ } المراد منه ما ذكره الله تعالى في قوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقاً ءاخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أحسن الخالقين } تفسير : [المؤمنون: 12 - 14] وقوله: {فِى ظُلُمَـٰتِ ثَلاث } قيل: الظلمات الثلاث البطن والرحم والمشيمة وقيل: الصلب والرحم والبطن ووجه الاستدلال بهذه الحالات قد ذكرناه في قوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء }. واعلم أنه تعالى لما شرح هذه الدلائل ووصفها قال: {ذٰلِكم ٱللَّهُ رَبُّكُمُ } أي: ذلكم الشيء الذي عرفتم عجائب أفعاله هو الله ربكم، وفي هذه الآية: دلالة على كونه سبحانه وتعالى منزهاً عن الأجزاء والأعضاء وعلى كونه منزهاً عن الجسمية والمكانية، وذلك أنه تعالى عندما أراد أن يعرف عباده ذاته المخصوصة لم يذكر إلا كونه فاعلاً لهذه الأشياء، ولو كان جسماً مركباً من الأعضاء لكان تعريفه بتلك الأجزاء والأعضاء تعريفاً للشيء بأجزاء حقيقته، ولو كان ذلك القسم ممكناً لكان الاكتفاء بهذا القسم الثاني تقصيراً ونقصاً وذلك غير جائز، فعلمنا أن الاكتفاء بهذا القسم إنما حسن لأن القسم الأول محال ممتنع الوجود، وذلك يدل على كونه سبحانه وتعالى متعالياً عن الجسمية والأعضاء والأجزاء. ثم قال تعالى: {لَهُ ٱلْمُلْكُ } وهذا يفيد الحصر أي له الملك لا لغيره، ولما ثبت أنه لا ملك إلا له وجب القول بأنه لا إله إلا هو لأنه لو ثبت إله آخر، فذلك الإله إما أن يكون له الملك أو لا يكون له الملك، فإن كان له الملك فحينئذ يكون كل واحد منهما مالكاً قادراً ويجري بينهما التمانع كما ثبت في قوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] وذلك محال، وإن لم يكن للثاني شيء من القدرة والملك فيكون ناقصاً ولا يصلح للإلهية، فثبت أنه لما دل الدليل على أنه لا ملك إلا الله، وجب أن يقال لا إله للعالمين ولا معبود للخلق أجمعين إلا الله الأحد الحق الصمد، ثم اعلم أنه سبحانه لما بين بهذه الدلائل كمال قدرة الله سبحانه وحكمته ورحمته، رتب عليه تزييف طريقة المشركين والضالين من وجوه الأول: قوله: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } يحتج به أصحابنا ويحتج به المعتزلة. أما أصحابنا فوجه الاستدلال لهم بهذه الآية: أنها صريحة في أنهم لم ينصرفوا بأنفسهم عن هذه البيانات بل صرفها عنهم غيرهم، وما ذاك الغير إلا الله، وأيضاً فدليل العقل يقوي ذلك لأن كل واحد يريد لنفسه تحصيل الحق والصواب، فلما لم يحصل ذلك وإنما حصل الجهل والضلال علمنا أنه من غيره لا منه، وأما المعتزلة فوجه الاستدلال لهم: أن قوله: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } تعجب من هذا الانصراف، ولو كان الفاعل لذلك الصرف هو الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى. ثم قال تعالى: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ } والمعنى أن الله تعالى ما كلف المكلفين ليجر إلى نفسه منفعة أو ليدفع عن نفسه مضرة، وذلك لأنه تعالى غني على الإطلاق، ويمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة، وإنما قلنا إنه غني لوجوه: الأول: واجب الوجود لذاته وواجب الوجود في جميع صفاته، ومن كان كذلك كان غنياً على الإطلاق الثاني: أنه لو كان محتاجاً لكانت تلك الحاجة إما قديمة وإما حادثة. والأول باطل وإلا لزم أن يخلق في الأزل ما كان محتاجاً إليه وذلك محال، لأن الخلق والأزل متناقض. والثاني باطل لأن الحاجة نقصان والحكيم لا يدعوه الداعي إلى تحصيل النقصان لنفسه الثالث: هب أنه يبقى الشك في أنه هل تصح الشهوة والنفرة والحاجة عليه أم لا؟ أما من المعلوم بالضرورة أن الإله القادر على خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي والعناصر الأربعة، والمواليد الثلاثة يمتنع أن ينتفع بصلاة زيد وصيام عمرو، وأن يضر بعدم صلاة هذا وعدم صيام ذاك، فثبت بما ذكرنا أن جميع العالمين لو كفروا وأصروا على الجهل فإن الله غني عنهم. ثم قال تعالى بعده: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ } يعني أنه وإن كان لا ينفعه إيمان ولا يضره كفران إلا أنه لا يرضى بالكفر، واحتج الجبائي بهذه الآية من وجهين: الأول: أن المجبرة يقولون إن الله تعالى خلق كفر العباد وإنه من جهة ما خلقه حق وصواب، قال ولو كان الأمر كذلك لكان قد رضي الكفر من الوجه الذي خلقه، وذلك ضد الآية الثاني: لو كان الكفر بقضاء الله تعالى لوجب علينا أن نرضى به لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب، وحيث اجتمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر ثبت أنه ليس بقضاء الله وليس أيضاً برضاء الله تعالى، وأجاب الأصحاب عن هذا الاستدلال من وجوه الأول: أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين، قال الله تعالى: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } تفسير : [الفرقان: 63] وقال: {أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ }تفسير : [الإنسان: 6] وقال: {أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } تفسير : [الحجر: 42] فعلى هذا التقدير قوله: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ } ولا يرضى للمؤمنين الكفر، وذلك لا يضرنا الثاني: أنا نقول الكفر بإرادة الله تعالى ولا نقول إنه برضا الله لأن الرضا عبارة عن المدح عليه والثناء بفعله، قال الله تعالى: {أية : لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الفتح: 18] أي يمدحهم ويثني عليهم الثالث: كان الشيخ الوالد ضياء الدين عمر رحمه الله يقول: الرضا عبارة عن ترك اللوم والاعتراض، وليس عبارة عن الإرادة، والدليل عليه قول ابن دريد: شعر : رضيت قسراً وعلى القسر رضا من كان ذا سخط على صرف القضا تفسير : أثبت الرضا مع القسر وذلك يدل على ما قلناه والرابع: هب أن الرضا هو الإرادة إلا أن قوله: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ } عام، فتخصيصه بالآيات الدالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر كقوله تعالى: {أية : وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الإنسان: 30]، والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ } والمراد أنه لما بين أنه لا يرضى الكفر بين أنه يرضى الشكر، وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف القراء في هاء {يَرْضَهُ } على ثلاثة أوجه أحدها: قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة بضم الهاء مختلسة غير متبعة وثانيها: قرأ أبو عمرو وحمزة في بعض الروايات يرضه ساكنة الهاء للتخفيف وثالثها: قرأ نافع في بعض الروايات وابن كثير وابن عامر والكسائي مضمومة الهاء مشبعة، قال الواحدي رحمه الله من القراء من أشبع الهاء حتى ألحق بها واواً، لأن ما قبل الهاء متحرك فصار بمنزلة ضربه وله، فكما أن هذا مشبع عند الجميع كذلك يرضه، ومنهم من حرك الهاء ولم يلحق الواو، لأن الأصل يرضاه والألف المحذوفة للجزم ليس يلزم حذفها فكانت كالباقية، ومع بقاء الألف لا يجوز إثبات الواو فكذا ههنا. المسألة الثانية: الشكر حالة مركبة من قول واعتقاد وعمل أما القول فهو الإقرار بحصول النعمة وأما الاعتقاد فهو اعتقاد صدور النعمة من ذلك المنعم. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } قال الجبائي هذا يدل على أنه تعالى لا يعذب أحداً على فعل غيره، فلو فعل الله كفرهم لما جاز أن يعذبهم عليه، وأيضاً لا يجوز أن يعذب الأولاد بذنوب الآباء، بخلاف ما يقول القوم. واحتج أيضاً من أنكر وجوب ضرب الدية على العاقلة بهذه الآية. ثم قال تعالى: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ } واعلم أنا ذكرنا كثيراً أن أهم المطالب للإنسان أن يعرف خالقه بقدر الإمكان، وأن يعرف ما يضره وما ينفعه في هذه الحياة الدنيوية، وأن يعرف أحواله بعد الموت، ففي هذه الآية ذكر الدلائل الكثيرة من العالم الأعلى والعالم الأسفل على كمال قدرة الصانع وعلمه وحكمته، ثم أتبعه بأن أمره بالشكر ونهاه عن الكفر ثم بين أحواله بعد الموت بقوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: المشبهة تمسكوا بلفظ إلى على أن إله العالم في جهة وقد أجبنا عنه مراراً. المسألة الثانية: زعم القوم أن هذه الأرواح كانت قبل الأجساد وتمسكوا بلفظ الرجوع الموجود في هذه الآية وفي سائر الآيات. المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على إثبات البعث والقيامة. ثم قال: {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } وهذا تهديد للعاصي وبشارة للمطيع، وقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } كالعلة لما سبق، يعني أنه يمكنه أن ينبئكم بأعمالكم، لأنه عالم بجميع المعلومات، فيعلم ما في قلوبكم من الدواعي والصوارف، وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أقوالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي هو القادر على الكمال المستغني عن الصاحبة والولد، ومن كان هكذا فحقه أن يفرد بالعبادة لا أنه يشرك به. ونبه بهذا على أن له أن يتعبد العباد بما شاء وقد فعل. قوله تعالى: {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ} قال الضحاك: أي يلقي هذا على هذا وهذا على هذا. وهذا على معنى التكوير في اللغة وهو طرح الشيء بعضه على بعض؛ يقال كوّر المتاع أي ألقى بعضه على بعض؛ ومنه كور العمامة. وقد روي عن ابن عباس هذا في معنى الآية. قال: ما نقص من الليل دخل في النهار وما نقص من النهار دخل في الليل. وهو معنى قوله تعالى: {أية : يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} تفسير : [فاطر: 13]. وقيل: تكوير الليل على النهار تغشيته إياه حتى يذهب ضوءه، ويغشى النهار على الليل فيذهب ظلمته، وهذا قول قتادة. وهو معنى قوله تعالى: {أية : يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً}تفسير : [الأعراف: 54]. {وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أي بالطلوع والغروب لمنافع العباد. {كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} أي في فَلَكه إلى أن تنصرم الدنيا وهو يوم القيامة (حين) تنفطر السماء وتنتثر الكواكب. وقيل: الأجل المسمى هو الوقت الذي ينتهي فيه سير الشمس والقمر إلى المنازل المرتبة لغروبها وطلوعها. قال الكلبي: يسيران إلى أقصى منازلهما، ثم يرجعان إلى أدنى منازلهما لا يجاوزانه. وقد تقدم بيان هذا في سورة «يس». {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ} «ألا» تنبيه أي تنبهوا فإني أنا «الْعَزِيزُ» الغالب «الْغَفَّارُ» الساتر لذنوب خلقه برحمته. قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم عليه السلام {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني ليحصل التناسل وقد مضى هذا في «الأعراف» وغيرها. {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} أخبر عن الأزواج بالنزول، لأنها تكونت بالنبات والنبات بالماء المنزل. وهذا يسمى التدريج؛ ومثله قوله تعالى: {أية : قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً} تفسير : [الأعراف: 26] الآية. وقيل: أنزل أنشأ وجعل. وقال سعيد بن جبير: خلق. وقيل: إن الله تعالى خلق هذه الأنعام في الجنة ثم أنزلها إلى الأرض؛ كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}تفسير : [الحديد: 25] فإن آدم لما هبط إلى الأرض أنزل معه الحديد. وقيل: «وأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ» أي أعطاكم. وقيل: جعل الخلق إنزالاً؛ لأن الخلق إنما يكون بأمر ينزل من السماء. فالمعنى: خلق لكم كذا بأمره النازل. قال قتادة: من الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن الضأن اثنين ومن المعز اثنين كل واحد زوج. وقد تقدّم هذا. {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} قال قتادة والسّدّي: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم لحماً. ابن زيد: «خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ» خلقا في بطون أمهاتكم من بعد خلقكم في ظهر آدم. وقيل: في ظهر الأب ثم خلقا في بطن الأم ثم خلقا بعد الوضع. ذكره الماوردي. {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المَشِيمَة. قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك. وقال ابن جبير: ظلمة المَشِيمَة وظلمة الرَّحِم وظلمة الليل. والقول الأول أصح. وقيل: ظلمة صُلْب الرجل وظلمة بطن المرأة وظلمة الرَّحِم. وهذا مذهب أبي عبيدة. أي لا تمنعه الظلمة كما تمنع المخلوقين. {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ} أي الذي خلق هذه الأشياء {رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}. {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره. وقرأ حمزة: «إِمِّهَاتِكُمْ» بكسر الهمزة والميم. والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم. الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض وما بين ذلك من الأشياء، وبأنه مالك الملك، المتصرف فيه، يقلب ليله ونهاره {يُكَوِّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ} أي: سخرهما يجريان متعاقبين لا يفتران، كل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً؛ كقوله تبارك وتعالى: {أية : يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} تفسير : [الأعراف: 54] هذا معنى ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم. وقوله عز وجل: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} أي: إلى مدة معلومة عند الله تعالى، ثم ينقضي يوم القيامة {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ} أي: مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه، ثم تاب أو أناب إليه. وقوله جلت عظمته: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ} أي: خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، وهو آدم عليه الصلاة والسلام {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وهي حواء عليها السلام؛ كقوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} تفسير : [النساء: 1] وقوله تعالى: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ} أي: خلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج، وهي المذكورة في سورة الأنعام، ثمانية أزواج: من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين. وقوله عز وجل: {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ} أي: قدركم في بطون أمهاتكم {خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} يكون أحدكم أولاً نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يخلق فيكون لحماً وعظماً وعصباً وعروقاً، وينفخ فيه الروح فيصير خلقاً آخر، {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14]. وقوله جل وعلا: {فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ} يعني: في ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد، وظلمة البطن. كذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وأبو مالك والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد. وقوله جل جلاله: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} أي: هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلقكم وخلق آباءكم، هو الرب، له الملك والتصرف في جميع ذلك {لآ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي: الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} أي: فكيف تعبدون معه غيره؟ أين يذهب بعقولكم؟

المحلي و السيوطي

تفسير : {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } متعلق بخلق {يُكَوّرُ } يدخل {ٰلَّيْلِ عَلَىٱلنَّهَارِ} فيزيد {وَيُكَوّرُ ٱلنَّهَارَ } يدخله {عَلَى ٱلَّيْلِ } فيزيد {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى } في فلكه {لأَجَلٍ مُّسَمًّى } ليوم القيامة {أَلاَ هُوَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب على أمره المنتقم من أعدائه {ٱلْغَفَّارُ } لأوليائه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يكوِّر الليل على النهار ويكور النهار على الليل} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يحمل الليل على النهار، ويحمل النهار على الليل، قاله ابن عباس. الثاني: يغشى الليل على النهار فيذهب ضوءَه، ويغشى النهارعلى الليل فيذهب ظلمته، قاله قتادة. الثالث: هو نقصان أحدهما عن الآخر، فيعود نقصان الليل في زيادة النهار ونقصان النهار في زيادة الليل، قاله الضحاك. ويحتمل رابعاً: يجمع الليل حتى ينتشر النهار، ويجمع النهار حتى ينتشر الليل. قوله عز وجل: {خلقكم من نفسٍ واحدة} يعني من آدم. {ثم جعل منها زوجها} يعني حواء. فيه وجهان: أحدهما: أنه خلقها من ضلع الخَلْف من آدم وهو أسفل الأضلاع، قاله الضحاك. الثاني: أنه خلقها من مثل ما خلق منه آدم، فيكون معنى قوله {جعل منها} أي من مثلها، قاله ابن بحر. {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} قال قتادة: من الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، كل واحد زوج. وفي قوله {أنزل} وجهان: أحدهما: يعني جعل، قاله الحسن. الثاني: أنزلها بعد أن خلقها في الجنة، حكاه ابن عيسى. {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق} فيه وجهان: أحدهما: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم لحماً، قاله قتادة والسدي. الثاني: خلقاً في بطون أمهاتكم من بعد خلقكم في ظهرآدم، قاله السدي. ويحتمل ثالثاً: خلقاً في ظهر الأب ثم خلقاً في بطن الأم ثم خلقاً بعد الوضع. {في ظلمات ثلاث} فيه وجهان: أحدهما: ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة. الثاني: ظلمة صلب الرجل وظلمة بطن المرأة وظلمة الرحم، حكاه ابن عيسى. ويحتمل ثالثاً: أنها ظلمة عتمة الليل التي تحيط بظلمة المشيمة مظلمة الأحشاء وظلمة البطن.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُكَوِّرُ الَّيْلَ} يحمل كل واحد منهما على الآخر "ع"، أو يغشي الليل على النهار فيذهب ضوءه ويغشي النهار على الليل فتذهب ظلمته، أو يرد نقصان كل واحد منهما في زيادة الآخرة.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل} يعني يغشى هذا هذا، وقيل يدخل أحدهما على الآخر وقيل ينقص من أحدهما ويزيد في الآخر فما نقص من الليل زاد في النهار وما نقص من النهار زاد في الليل ومنتهى النقصان تسع ساعات ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة وقيل الليل والنهار عسكران عظيمان يكرّ أحدهما على الآخر وذلك بقدرة قادر عليهما قاهر لهما {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} يعني إلى يوم القيامة {ألا هو العزيز الغفار} معناه أن خلق هذه الأشياء العظيمة يدل على كونه سبحانه وتعالى عزيزاً كامل القدرة مع أنه غفار عظيم الرحمة والفضل والإحسان {خلقكم من نفس واحدة} يعني آدم {ثم جعل منها زوجها} يعني حواء، ولما ذكر الله تعالى قدرته في خلق السموات والأرض وتكوير الليل على النهار ثم أتبعه بذكر خلق الإنسان عقبه بذكر خلق الحيوان فقال تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} يعني الإبل والبقر والغنم والمعز والمراد بالأزواج الذكر والأنثى من هذه الأصناف، وفي تفسير الإنزال وجوه. قيل إنه هنا بمعنى الإحداث والإنشاء وقيل إن الحيوان لا يعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء وهو ينزل من السماء فكان التقدير أنزل الماء الذي تعيش به الأنعام وقيل إن أصول هذه الأصناف خلقت في الجنة ثم أنزلت إلى الأرض {يخلقكم في بطون أمهاتكم} لما ذكر الله تعالى أصل خلق الإنسان ثم أتبعه بذكر الأنعام عقبه بذكر حالة مشتركة بين الإنسان والحيوان وهي كونها مخلوقة في بطون الأمهات وإنما قال في بطون أمهاتكم لتغليب من يعقل ولشرف الإنسان على سائر الخلق {خلقاً من بعد خلق} يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة {في ظلمات ثلاث} قال ابن عباس ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة وقيل ظلمة الصلب وظلمة الرحم وظلمة البطن {ذلكم الله ربكم} أي الذي خلق هذه الأشياء ربكم {له الملك} أي لا لغيره {لا إله إلا هو} أي لا خالق لهذا الخلق ولا معبود لهم إلا الله تعالى: {فأنى تصرفون} أي عن طريق الحق بعد هذا البيان. قوله عز وجل: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم} يعني أنه تعالى ما كلف المكلفين ليجر إلى نفسه نفعاً أو ليدفع عن نفسه ضرراً وذلك لأنه تعالى غني عن الخلق على الإطلاق فيمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة ولأنه لو كان محتاجاً لكان ذلك نقصاناً والله تعالى منزه عن النقصان فثبت بما ذكرنا أنه غني عن جميع العالمين فلو كفروا وأصروا عليه فإن الله تعالى غني عنهم ثم قال الله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} يعني أنه تعالى وإن كان لا ينفعه إيمان ولا يضره كفر إلا أنه لا يرضى لعباده الكفر قال ابن عباس لا يرضى لعباده المؤمنين بالكفر وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} تفسير : [الحج: 42] فعلى هذا يكون عاماً في اللفظ خاصاً في المعنى بقوله {أية : عينا يشرب بها عباد الله} تفسير : [الإِنسان: 6] يريد بعض عباد الله وأجراه قوم على العموم، وقال لا يرضى لأحد من عباده الكفر ومعنى الآية لا يرضى لعباده أن يكفروا به وهو قول السلف، قالوا: كفر الكافر غير مرضي لله تعالى وإن كان بإرادته لأن الرضا عبارة عن مدح الشيء والثناء عليه بفعله والله تعالى لا يمدح الكفر ولا يثني عليه ولا يكون في ملكه إلا ما أراد وقد لا يرضى به ولا يمدح عليه وقد بان الفرق بين الإرادة والرضا {وإن تشكروا} أي تؤمنوا بربكم وتطيعوه {يرضه لكم} فيثيبكم عليه {ولا تزر وازرة وزر أخرى} تقدم بيانه {ثم إلى ربكم مرجعكم} أي في الآخرة {فينبئكم بما كنتم تعملون} أي في الدنيا {إنه عليم بذات الصدور} يعني بما في القلوب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏يكوّر الليل على النهار‏} ‏ قال‏:‏ يحمل الليل‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏يكوّر الليل على النهار ويكوّر النهار على الليل‏} ‏ قال‏:‏ هو غشيان أحدهما على الآخر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏يكوّر الليل على النهار ويكوّر النهار على الليل‏} ‏ قال‏:‏ يغشي هذا هذا، وهذا هذا‏.‏

ابو السعود

تفسير : وقولُه تعالى: {خلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ} تفصيلٌ لبعض أفعالِه تعالى الدَّالَّةِ على تفرُّدِه بما ذُكر من الصِّفاتِ الجليلة أي خلقهما وما بـينهما من الموجوداتِ ملتبِسة بالحقِّ والصَّوابِ مشتملة على الحِكَم والمصالح. وقولُه تعالى: {يُكَوّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ} بـيانٌ لكيفيَّةِ تصرُّفةِ تعالى فيهما بعد بـيان خلقِهما فإنَّ حدوثَ اللَّيلِ والنَّهارِ في الأرض منوطٌ بتحريك السَّمواتِ أي يغشى كلُّ واحدٍ منُهما الآخرَ كأنَّه يلفه عليه لفَّ اللباسِ على اللاَّبسِ أو يُغيبه به كما يُغيَّبُ الملفوفُ باللُّفافةِ أو يجعله كارَّاً عليه كُروراً متتابعاً تتابع أكوارِ العمامةِ. وصيغةُ المضارع للدِّلالةِ على التَّجدُّدِ {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} جعلهما منقادينِ لأمرِه تعالى. وقولُه تعالى: {كُـلٌّ يَجْرِى لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} بـيانٌ لكيفيَّةِ تسخيرِهما أي كلٌّ منهما يجري لمُنتهى دورتِه أو منقطعِ حركتِه وقد مرَّ تفصيلُه غيرَ مرَّةٍ {إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالبُ القادرُ على كلِّ شيءٍ من الأشياءِ التي من جُملتها عقابُ العُصاةِ {ٱلْغَفَّارُ} المبالغُ في المغفرةِ ولذلك لا يُعاجل بالعقوبةِ وسلب ما في هذه الصَّنائعِ البديعة من آثارِ الرَّحمةِ. وتصديرُ الجملة بحرفِ التَّنبـيهِ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بمضمونِها.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ}. أي خَلَقَهما وهو مُحِقٌّ في خلقهما. {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى}. يُدْخِلُ الليلَ على النهارِ، ويدخل النهارَ على الليل في الزيادة والنقصان، وسَخَّرَ الشمسَ والقمرَ. وقد مضى فيما تقدم اختلافُ أحوالِ العبد في القبض والبسط، والجَمْع والفَرْق، والأخذ والرد، والصحو والسُّكْرِ، ونجوم العقل وأقمار العلم، وشموس المعرفة ونهار التوحيد، وليالي الشَّكِّ والجَحْدِ ونهار الوصل، وليالي الهجر والفراق وكيفية اختلافها، وزيادتها ونقصانها. {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ}. "العزيز" المتعزِّز على المحبين، "الغفار" للمذنبين.

اسماعيل حقي

تفسير : {خلق السموات والارض} وما بينهما من الموجودات حال كونها ملتبسة {بالحق} والصواب مشتملة على الحكم والمصالح لا باطلا وعبثا. قال الكاشفى [بيافريد آسمان وزمين را براستى نه بباطل وبازى بلكه در آفرينش هريك ازان صدهزار آثار قدرت واطوار حكمت است نعميه تاديده وران از روى اعتبار ارقام معرفت آفريد كار بر صفحات آن دلائل مطالعه نمايند] شعر : نوشته است براوراق آسمان وزمين خطى كه فاعتبروا منه يا اولى الابصار تفسير : {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل}. قال فى تاج المصادر تكوير الليل على النهار تغشيته اياه ويقال زيادته من هذا فى ذاك كما قال الراغب فى المفردات تكوير الشىء ادارته وضم بعضه الى بعض ككور العمامة وقوله تعالى {يكور الليل} الخ اشارة الى جريان الشمس فى مطالعها وانتقاص الليل والنهار وازديادهما انتهى. والمعنى يغشى كل واحد منهما الآخر كأنه يلفه عليه لف اللباس على اللابس: وبالفارسية [بر مىبيجد ودر مى آرد شب را بروز وبه برده ظلمت آن نور اين مىبوشد ودر مىآرد روز را برشب وشعله روشنىء آن تاريكى اين را مختفى مىسازد] وذلك ان النور والظلمة عسكران مهيبان عظيمان وفى كل يوم يغلب هذا ذاك كما فى الكبير او يغيب كل واحد منهما بالآخر كما يغيب الملفوف باللفافة عن مطامح الابصار او يجعله كارّا عليه كرورا متتابعا تتابع اكوار العمامة بعضها على بعض {وسخر الشمس والقمر} جعلهما منقادين لامره تعالى {كل} منهما {يجرى} يسير فى بروجه {لاجل مسمى} لمدة معينة هى منتهى دورته فى كل يوم او شهر او منقطع حركته اى وقت انقطاع سيره وهو يوم القيامة وانما ذلك لمنافع بنى آدم وفى الحديث "حديث : وكل بالشمس سبعة املاك يرمونها بالثلج ولولا ذلك ما اصابت شيئا الا احرقته" تفسير : [وكفته اند ستاركان آسمان دو قسم اندقسمى بر آفتاب كذر كنند وازوى روشنايى كيرند وقسمى آفتاب بر ايشان كذر كند وايشانرا روشنايى دهد از روى اشارت ميكويد مؤمنان دو كروهند كروهى بدركاه شوند بجد واجتهاد تا نور هدايت يابند] كما قال تعالى {أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} تفسير : [وكروهى آنند كه عنايت ازلى بر ايشان كذر كند وايشانرا نور معرفت دهد] كما قال تعالى {أية : أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه} تفسير : {ألا} اعلموا {هو} وحده {العزيز} الغالب القادر على كل شىء فيقدر على عقاب العصاة {الغفار} المبالغ فى المغفرة ولذلك لا يعاجل بالعقوبة وسلب ما فى هذه الصنائع البديعة من آثار الرحمة وعموم المنفعة: وبالفارسية [سلب اين نعمتها نمى كند از آدميان با وجود وقوع شرك ومعصيت از ايشان]. قال الامام الغزالى رحمه الله الغفار هو الذى اظهر الجميل وستر القبيح والذنوب من جملة القبائح التى سترها باسبال الستر عليها فى الدنيا والتجاوز عن عقوبتها فى الآخرة. والغفر هو الستر. واول ستره على عبده ان جعل مقابح بدنه التى تستقبحها الاعين مستورة فى باطنه مغطاة بجمال ظاهره فكم بين باطن العبد وظاهره فى النظافة والقذارة وفى القبح والجمال فانظر ما الذى اظهره وما الذى ستره. وستره الثانى ان جعل مستقر خواطره المذمومة وارادته القبيحة سر قلبه حتى لا يطلع احد على سر قلبه ولو انكشف للخلق ما يخطر بباله فى مجارى وسواسه وما ينطوى عليه ضميره من الغش والخيانة وسوء الظن بالناس لمقتوه بل سعوا فى تلف روحه واهلاكه فانظر كيف ستر عن غيره اسراره وعوارفه. والثالث مغفرة ذنوبه التى كان يستحق الافتضاح بها على ملأ من الخلق وقد وعد ان يبدل من سيآته حسنات ليستر مقابح ذنوبه بثواب حسناته اذا مات على الايمان. وحظ العبد من هذا الاسم ان يستر من غيره ما يحب ان يستر منه وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته يوم القيامة والمغتاب والمتجسس والمكافىء على الاساءة بمعزل وعن هذا الوصف وانما المتصف به من لا يفشى من خلق الله الا احسن ما فيهم ولا ينفك مخلوق عن كمال ونقص وعن قبح وحسن فمن تغافل عن المقابح وذكر المحاسن فهو ذو نصيب من هذا الاسم والوصف كما روى عن عيسى عليه السلام أنه مر مع الحواريين بكلب ميت قد غلب نتنه فقالوا ما انتن هذه الجيفة فقال عيسى عليه السلام ما احسن بياض اسنانها تنبيها على ان الذى ينبغى ان يذكر من كل شىء ما هو احسنه (قال الشيخ سعدى) شعر : مكن عيب حلق اى خردمند فاش بعيب خود از خلق مشغول باش جو باطل سرايند نكمار كوش جوبى ستر بينى نظر را بيوش

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {خلق السماواتِ والأرضَ} أي: وما بينهما من الموجودات، ملتبسة {بالحق}؛ مشتملة على الحكم والمصالح الدينية والدنيوية {يُكوِّر الليلَ على النهار ويُكوِّر النهارَ على الليل}، التكوير: اللّف والليّ، يقال: كار العمامة على رأسه وكوّرها. والمعنى: أن كل واحد منهما يغيّب الآخر إذا طرأ عليه، ويلفه لف اللباس باللابس، أو: يغيّبه كما يغيب الملفوف باللفافة، أو: يجعله كاراً عليه كرُوراً متتابعاً، تتابع أكوار العمامة، وهذا بيان لكيفية تصرفه تعالى في السموات والأرض بعد بيان خلقهما، وعبّر بالمضارع للدلالة على التجرُّد. {وسخَّر الشمسَ والقمرَ}: جعلهما منقادين لأمره. {كُلٌّ يجري لأَجَلٍ مُسمًّى}، وهو يوم القيامة، أو: كل منهما يجري لمنتهى دورته، {أَلاَ هو العزيزُ}؛ الغالب القادر على كل شيء، ومن جملتها: عقاب العصاة، {الغفارُ}: المبالغ في المغفرة، ولذلك لا يُعاجل بالعقوبة، ولا يمنع ما في هذه الصنائع البديعة من آثار رحمته. وتصدير الجملة بحرف التنبيه، لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها. {خَلَقَكُم من نفسٍ واحدةٍ}، لَمَّا ذكر ما يتعلق بالعالم العلوي، ذكر ما يتعلق بالعالم السفلي، وترك العاطف للإيذان باستقلاله في الدلالة على الوحدانية، وبدأ بالإنسان؛ لأنه المقصود الأهم من هذا العالم، ولعَرَاقته في الدلالة على توحيد الحق وباهر قدرته؛ لما فيه من تعاجيب آثار القدرة، وأسرار الحكمة، وأصالته في المعرفة؛ فإن الإنسان بحال نفسه أعرف، والمراد بالنفس: نفس آدم ـ عليه السلام. {ثم جعل منها زوجَهَا}: عطف على محذوف، صفة لنفس، أي: من نفسٍ خلقها ثم جعل منها زوجها، أو: على معنى: واحدة، أي: نفس وُجدت ثم جعل منها زوجها حواء، وعطفت بثم دلالة على مباينتها له فضلاً ومزية، فهو من التراخي في الحال والمنزلة، مع التراخي في الزمان. وقيل: أخرج ذرية آدم من ظهره كالذّر، ثم أخرج منه حوّاء، ففيه ثلاث آيات؛ خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من قصيراه، ثم تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما. {وأنزل لكم من الأنعامِ} أي: قضى وجعل، أو: خلقها في الجنة مع آدم عليه السلام، ثم أنزلها، أو: أحدث لكم بأسباب نازلة من السماء، كالأمطار، وأشعة الكواكب، كما تقول الفلاسفة. {ثمانيةَ أزواج} ذكراً وأنثى، وهي: الإبل، والبقر، والضأن، والمعز. فالزوج اسم لواحد معه آخر، فإذا انفرد فهو فرد، ووتر. {يخلقُكم في بطونِ أمهاتِكم}: استئناف؛ لبيان كيفية خلقهم، وأطوارهم المختلفة، الدالة على القدرة القاهرة. وصيغة المضارع للدلالة على التجرُّد. {خلقاً من بعد خلق}: مصدر مؤكد، أي: يخلقكم فيها خلقاً كائناً من بعد خلق، أي: خلقاً مُدرَّجاً، حيواناً سويّاً، من بعد عظام مكسوة لحماً، من بعد عظام عارية، من بعد مضغة مخلَّقة، من بعد مضغة غير مخلَّقة، من بعد علقة، من بعد نطفة، {في ظلمات ثلاث}: ظلم البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، أو: ظلمة الصلب، والبطن، والرحم. {ذلكم}: إشارة إلى الحق تعالى، باعتبار أفعاله المذكورة، وهو مبتدأ، وما فيه من معنى البُعد؛ للإيذان ببُعد منزلته في العظمة والكبرياء، أي: ذلكم العظيم الشأن، الذي عددت أفعاله هو {اللهُ ربكُم} أي: مربيكم بنعمة الإيجاد على الأطوار المتقدمة، وبنعمة الإمداد بعد نفخ الروح فيه. {له الملكُ}: التصرف التام على الإطلاق في الدارين. {لا إله إِلا هو}: لا متصرف غيره. {فأنى تُصْرَفُون}: فكيف تصرفون عن عادته تعالى، مع وفور دواعيها، وانتفاء الصارف عنها بالكلية، إلى عبادة غيره، من غير داع إليها، مع كثرة الصوارف عنها؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: خلق سماوات الأرواح، وأرض النفوس، بالحق، أي: لسبب معرفته، وعبادته، فالمعرفة للأرواح، والعبادة للنفوس، يُكوّر نهار البسط على ليل القبض، وبالعكس، وسخَّر شمس العيان، وقمر البرهان، كُلٌّ يجري إلى أَجل مسمى، إلا أن قمر البرهان ينتهي بطلوع شمس العيان، وشمس العيان لا انتهاء لها. {لا إله إلا هو العزيز} فيمنع بعزته من الوصول إليه مَن أراد احتجابه، {الغفار} فيغطي بفضله مساوىء مَن أراد وصلتَه. {خلقكم من نفس واحدة}؛ من روح واحدة، هي الروح الأعظم، ثم تفرّعت منها الأشياء كلها. وأنزل لكم من الأنعام ما تتصرفون فيه، وتتقربون به إلى ربكم، ثم ذكَّرهم بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، بقوله: {يخلقكم في بطون أمهاتكم...} إلخ، فنعمة الإيجاد ظاهرة، ونعمة الإمداد: ما يتغذّى به الجنين في بطن أمه من دم الحيض. ثم أمرهم بالشكر عليها، فقال: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ}.

الجنابذي

تفسير : {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ} بمعنى يولج اللّيل فى النّهار، او هو من تكرير العمامة ولفّ طاقاته كلّ على الاخرى، او بمعنى يغشى اللّيل النّهار، او بمعنى يكرّر تتابع اللّيل للنّهار والنّهار للّيل {وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} وللاشارة الى تتابع اللّيل والنّهار وتكرار تكويرهما اتى بالمضارع فى جانبهما وبالماضى ههنا {كُـلٌّ يَجْرِي} على الاستمرار {لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الّذى لا يمنع من مراده حيث لا يمنعه مانعٌ من هذا التّكوير وذلك التّسخير {ٱلْغَفَّارُ} الّذى لا يؤاخذ عباده على ما هم فيه من الاشراك ونسبة الولد اليه وسائر المعاصى لعلّهم يتوبون فيغفر لهم.

الأعقم

تفسير : {خلق السماوات والأرض بالحق} يعني إقامة الحق وعبادة الله والدلالة على وحدانيته {يكور الليل} التكوير اللف، وقد يقال: كان العمامة على رأسه وكورها، وقيل: يدخل أحدهما في الآخر بالزيادة والنقصان، أو يأتي أحدهما خلف الآخر {وسخّر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} قيل: هو قيام الساعة، وقيل: هو المطلع والمغرب لكل واحد منهما وقت معلوم في الشتاء والصيف {ألا هو العزيز الغفار} مع قدرته على أخذكم لا يؤاخذكم ويغفر لكم إن تبتم {خلقكم} يا بني آدم {من نفس واحدة} وهو آدم لأنه أب البشر {ثم جعل منها زوجها} خلقها من ضلع من أضلاعه، وقيل: من بقية طينته {وأنزل لكم من الأنعام}، قيل: خلقها في الجنة ثم أنزلها {ثمانية أزواج} ذكراً وأنثى من الابل والبقر والضأن والمعز، والزوج اسم لواحد معه آخر قال تعالى: {أية : فجعل منه الزوجين}تفسير : [القيامة: 39]، وقيل: أعطاكم الأنعام بأن خلقها لكم، والإِعطاء بلفظ الإِنزال {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق} حيواناً سويَّاً من بعد عظاماً مكسوة لحماً من بعد عظام عارية، من بعد مضغ من بعد علق من بعد نطف {في ظلمات ثلاث} البطن والرحم والمشيَّة، وقيل: الصلب والرحم والبطن {ذلكم الله} الذي هذه أفعاله هو الله {ربكم} {لا إله إلاَّ هو فأنَّى تصرفون} فكيف يعدل بكم عن عبادته إلى عبادة غيره {إن تكفروا فإن الله غني عنكم} وعن إيمانكم وإنكم المحتاجون إليه {ولا يرضى لعباده الكفر} رحمة لهم لأنه لا يوقعهم في الهلكة {وإن تشكروا يرضه لكم} أي يرضى لكم الشكر لأنه فلاحكم {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي لا يؤاخذ أحد بذنب آخر {ثم إلى ربكم مرجعكم} مصيركم {فينبئكم} يخبركم {بما كنتم تعملون} {انه عليم بذات الصدور} ثم بيَّن تعالى حال العصاة فقال سبحانه: {وإذا مسَّ الإِنسان ضرّ} أي ما يضره من المحن والشدائد في نفسه مخلصاً راجعاً اليه مستغيثاً به {ثمّ إذا خوّله} أعطاه نعمة منه {نسي ما كان يدعو إليه} أي نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، وقيل: نسي ربه الذي كان يتضرع إليه ويبتهل إليه {من قبل} يعني نسي في حال الرخاء ما كان يدعو في حال الضر والشدة {وجعل لله أنداداً} أي أشباهاً قيل: هي الأوثان {ليضل عن سبيله} عن طريق الجنة، وقيل: يريد به إضلال الناس، وقيل: يضل عن طريق الجنة واللام للعاقبة، أي عاقبته أن يضل {قل} يا محمد لهؤلاء الكفار {تمتع بكفرك قليلاً} مدتكم في الدنيا ثم تموتون وتزول نعمتكم {إنك} إذ متّ كنت {من أصحاب النار} تعذب فيها دائماً.

اطفيش

تفسير : {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} متعلق بخلق أو بحذف نعت لمصدر محذوف أي خلق كائناً بالحق* {يُكَوِّرُ الَّليْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} يدخل الليل على النهار فيزيد النهار ويدخل النهار على الليل فيزيد الليل فما نقص من أحدهما زاد في الآخر ومنتهى النقص تسع ساعات ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة كأن الذي يزيد يكون منه على الآخر جزء فيستره وكأن الآخر الذي ينقصه يلج في الذي يزيد فيستتر ككور العمامة يستر لياً أو بعضه وقيل يغشى أحدهما الآخر وقيل يدخل هذا على هذا فيزيله فاذا أغشاه فكأنه ألبسه ولف عليه كما يلف اللباس على لابسه واذا غيب أحدهما الآخر، فكأنه شيء لف على آخر فغيبه أو هذا يكر على هذا كراً متتابعاً كتتابع أكوار العمامة بعضها على بعض يقال كار العمامة وكورها وقال بعضهم الليل والنهار عسكران عظيمان يكر أحدهما على الآخر بقدرة الله قاهرهما* {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي} في فلكه* {لأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي الى أجل مسمى محدود وهو منتهى دوره ومنقطع حركته وذلك يوم القيامة* {أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ} الغالب على أمره المنتقم من أعدائه القادر على كل ممكن الغالب على كل شيء {الْغَفَّارُ} لذنوب التائبين العظيم الرحمة والاحسان أو الغالب الغفار الذي يقدر على أن يعاجلهم بالعقوبة وهو يحلم عنهم ويؤخرهم الى أجل مسمى فسمى الحلم مغفرة ولولا حلمه لقطع عنهم الشمس والقمر أو منفعتهما

اطفيش

تفسير : {خَلَق السَّماواتِ والأرضَ بالحقِّ} لا خالق سواه، ولا يعجزه شىء، كما هو الواحد القهار، فهو واحد فعلا، كما هو واحد ذاتا {يُكور الليل على النَّهار ويُكوِّر النَّهار على الليل} يغرب الشمس كل يوم قبل اغرابها بالأمس، ففى كل يغطى الليل على بعض النهار، فيطول الليل، ثم يطلع الفجر كل يوم قبل اطلاعه بالأمس، فيطول النهار، وذلك كتغطية بعض العمامة ببعض، كذا ظهر لى، ثم رأيته لابن عباس إذ قال: يجعل أجزاء النهار ليلا فيطول الليل، وبالعكس فيطول النهار، وفى معنى ذلك تأخير اطلاع الفجر فيطول الليل، وبالعكس فيطول النهار، وذلك كقوله تعالى: " أية : يولج الليل في النهار" تفسير : [الحج: 61] الخ وما نقص من الليل زاد فى النهار، وما نقص من النهار زاد فى الليل، ومنتهى النقصان تسع ساعات، ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة. والليل والنهار عسكران عظيمان، يكر أحدهما على الآخر كروراً متتابعا شبيها بتتابع أكوار العمامة، وكل يغيب الآخر اذا طرأ عليه، وقيل: المعنى يجعل الليل مكان النهار بزوال بياضه، وبالعكس بزوال الظلمة كقوله تعالى: " أية : والليل إذا يغْشَى * والنَّهار إذا تجلى" تفسير : [الليل: 1 - 2] وقيل: يأتى بكل واحد عقب الآخر كقوله تعالى: " أية : جعل الليل والنَهار خلفة لمن أراد أن يذكر"تفسير : [الفرقان: 62] وقوله تعالى: " أية : يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً" تفسير : [الأعراف: 54] وفى التفسير الأول مراعاة لىّ العمامة بعض على بعض كما مر، وهو أولى، يقال كار العمامة يكورها، كقال يقول، والتشديد فى الآية للمبالغة، وفى الآية استعارة تمثيلية بتشبيه أشياء بأشياء أولى من جعلها مفردة فى يكور على حدة تبعية، وفى النهار على حدة أصلية، وفى الليل كذلك. {وسخَّر الشمْس والقَمَر} يجريان كما أراد فى نفس الطلوع والغروب، وفى حركتهما حتى لا يميلان عن مجراهما، وان أريد أن كلا يجرى لمنتهى دورته، كان قوله تعالى: {كلُّ يجْري لأجلٍ مُسمى} تفسيرا للتسخير، أى لا يقصر عن دورته، ولا يزيد عليها، وقبح الله من يقل: الشمس ساكنة لا تجرى، مع أن الله عز وجل يقول: " كل يجرى" ولا أحد يكوِّر الليل والنهار، أو يسخر الشمس والقمر ويقهرهنَّ إلا الله عز وجل، فلا إله إلا الله الواحد فعلا، كما هو الواحد ذاتا، المتنزه عن الولادة {ألاّ هُو العزِيزُ} الغالب على العصاة المصرِّين {الغفَّار} للتائبين لقوله تعالى: " أية : إلا من تاب" تفسير : [مريم: 60، الفرقان: 70] وقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : هلك المصرون" تفسير : أو العفو عن المصرِّين بأن لم يعاجلهم بالعقاب، فعليه سمى عدم التعجيل بالعقاب مغفرة على الاستعارة الأصلية، واشتق لفظ غفار على التبعية، والجامع ترك العقاب، ولو كان العقاب فى المشبه متوقعا، أو سمى عدو تعجيل العقاب مغفرة على المجاز المرسل الأصلى والتبعى، لعلاقة الاطلاق والتقييد، لأن الترك فى المغفرة مطلق، وفى التأخير مقيد بأن العقاب سيكون.

الالوسي

تفسير : وقوله سبحانه: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ } إثبات لما ذكر أولاً من الوحدة والقهر، وفيه أيضاً ما ستعمله إن شاء الله تعالى أي خلق هذا العالم المشاهدة ملتبساً بالحق والصواب مشتملاً على الحكم والمصالح. وقوله تعالى: {يُكَوّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ } بيان لكيفية تصرفه فيما ذكر بعد بيان الخلق فإن حدوث الليل والنهار منوط بتحريك أجرام سماوية. والتكوير في الأصل هو اللف واللي من كار العمامة على رأسه وكورها. والمراد على ما روي عن قتادة يغشي أحدهما الآخر، وهو على ماقيل على معنى يذهب أحدهما ويغشي مكانه الآخر أي يلبسه مكانه فيصير أسود مظلماً بعد ما كان أبيض منيراً وبالعكس فالمغشي حقيقة المكان، ويجوز أن يكون المغشي الليل والنهار على الاستعارة ويكون المكان ظرفاً، والمقصود أنه لما كان أحدهما غاشياً للآخر أشبه اللباس الملفوف على لابسه في ستره إياه واشتماله عليه وتغطيه به. وتحقيقه أن أحدهما لما كان محيطاً على جميع ما أحاط به الآخر من غير أن يكون ثم شيء زائد غير الظهور والخفاء جعل إحاطته على محاط الآخر إحاطة عليه مجاز ملابسته وعبر عنها بالغشيان والتكوير للشبه المذكور. وجوز أن يكون المراد أن كل واحد من الليل والنهار يغيب الآخر إذا طرأ عليه فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار ورجح الأول بأن فيه مع اعتبار الستر اعتبار اللي وإحاطة الأطراف ثم إن هذا لظهوره تشبيه مبذول وأن يكون المراد أن هذا يكر على هذا كروراً متتابعاً فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض قيل وهو الأرجح لأنه اعتبر فيه ما اعتبر مع الأول مع النظر إلى المطرد فيه لفظ الكور فإنه لف بعد لف وهو أيضاً كذلك إلا أن أكوار العمامة متظاهرة وفيما نحن فيه متعاورة وهذا مما لا بأس به فإن كل لية تسمى كوراً حقيقة. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن عباس أن المعنى يحمل أحدهما على الآخر، وفسر هذا الحمل بالضم والزيادة أي يزيد الليل على النهار ويضمه إليه بأن يجعل بعض أجزاء الليل نهاراً فيطول النهار ويقصر الليل ويزيد النهار على الليل ويضمه إليه بأن يجعل سبحانه بعض أجزاء النهار ليلاً فيطول الليل ويقصر النهار. وإلى هذا ذهب الراغب وهو معنى واضح والآية عليه كقوله تعالى: {أية : يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ }تفسير : [الحج: 61] في قول، وذكر بعض الفضلاء أنها على المعنى الأول فيها شيء من قوله تعالى: {أية : جَعَلَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } تفسير : [الفرقان: 62] وعلى المعنى الثاني فيها شيء من قوله تعالى: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ }تفسير : [الليل: 1ـ2] وعلى الثالث شيء من قوله سبحانه: {أية : يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً}تفسير : [الأعراف: 54] وإنها يحتمل أن يكون فيها الاستعارة التبعية والمكنية / والتخييلية والتمثيلية والتمثيل أولى بالاعتبار. وأياً ما كان فصيغة المضارع للدلالة على التجدد. {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } جعلهما منقادين لأمره عز وجل {كُـلٌّ يَجْرِى لأَِجَـلٍ مُّسَـمًّى } بيان لكيفية تسخيرهما أي كل منهما يجري لمنتهى دورته أو منقطع حركته، وقد مر تمام الكلام عليه. وفيه دليل على أن الشمس متحركة، وزعم بعض الكفرة أنها ساكنة وأنها مركز العالم وسمعت في هذه الآيام أنه ظهر في الإفرنج منذ سنتين تقريباً من يزعم أنها تتحرك على مركز آخر كما تتحرك الأرض عليها نفسها بزعمهم وزعم بعض المتقدمين، ولهم في الهيئة كلام غير هذا وفيه الغث والسمين إلا أن نفيهم السماوات الناطقة بها الشرائع بالكلية من العجب العجاب وأنظارهم السخيفة تفضي بهم إلى ما هو أعجب من ذلك عند ذوي العقول السليمة نسأل الله تعالى السلامة والتوفيق. ولي عزم على تأليف كتاب أبين فيه إن شاء الله تعالى ما هو الأقرب إلى الحق من الهيئتين القديمة والجديدة متحركاً على محور الإنصاف ساكتاً عن سلوك مسالك الاعتساف والله تعالى الموفق لذلك. {إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ } القادر على عقاب المصرين {ٱلْغَفَّارُ } لذنوب التائبين أو الغالب الذي يقدر أن يعاجلهم بالعقوبة وهو سبحانه يحلم عليهم ويؤخرهم إلى أجل مسمى فيكون قد سمى الحلم عنهم وقد ترك تعجيل العقوبة بالمغفرة التي هي ترك العقاب على طريق الاستعارة للمناسبة بينهما في الترك. وجوز كون ذلك من باب المجاز المرسل، والأول أبلغ وأحسن، وهذان الوجهان في {ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } قد ذكرهما الزمخشري، وظن بعضهم أن الداعي للأول رعاية مذهب الاعتزال حيث خص فيه المغفرة بذنوب التائبين فتركه وقال: العزيز القادر على كل ممكن الغالب على كل شيء الغفار حيث لم يعاجل بالعقوبة وسلب ما في هذه الصنائع من الرحمة وعموم المنفعة وما علينا أن نفسر كما فسر ونقول بأن مغفرته تعالى لا تخص التائبين بل قد يغفر جل شأنه لغيرهم إلا أن التقييد ليلائم ما تقدم أتم ملاءمة، ففي «الكشف» أن الوجه الأول من ذينك الوجهين المذكورين يناسب قوله تعالى: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ } من وجهين. أحدهما: ما فيه من الدلالة على كمال القدرة وكمال الرحمة المقتضي لعقاب المصر وغفران ذنوب التائب، وثانيهما: أن قوله تعالى: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } الخ مسوق لأمرين إثبات الوحدة والقهر المذكورين فيما قبل نفياً للولد بل حسماً للشرك من أصله والتسلق إلى ما مهد أولاً من العبادة والإخلاص لئلا يزول عن الخاطر فقيل {بِٱلْحَقّ } كما قيل هنالك {أية : إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ } تفسير : [الزمر: 2] وأدمج فيه أن إنزال الكتاب كما يدل على استحقاقه تعالى للعبادة فكذلك خلق السمٰوات والأرض بالحق والحكمة التي منها الجزاء على ما سلف فالتذييل بألا هو العزيز الغفار للترغيب في طلب المغفرة بالعبادة والإخلاص والتحذير عن خلاف ذلك سواء خالف أصل الدين كالكفر أو خالف الإخلاص فيه كسائر المعاصي في غاية الملاءمة، وإنما أفرد مخالفة الدين بالذكر صريحاً في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ }تفسير : [الزمر: 3] الخ تحذيراً من حالهم لأنها هاتكة لعصمة النجاة فكانت أحق بالتحذير، ورمز إلى هذا الثاني بالتذييل المذكور تكميلاً للمعنى المراد ومدار هذه السورة الكريمة على الأمر بالعبادة والإخلاص والتحذير من الكفر والمعاصي، والوجه الثاني من ذينك الوجهين يناسب حديث الشرك والتذييل به لتوكيد تفظيع ما نسبوا إليه، ولما ذكر تنزيل الكتاب وعقب بالأوصاف المقتضية للعبادة والإخلاص ذيله بقوله سبحانه: / {أية : أَلاَ لِلَّهِ ٱلدّينُ ٱلْخَالِصُ }تفسير : [الزمر: 3] على ما تحقق وجهه وقد نقلناه نحن عنه فيما مر، ثم لما ذكر بعده عظيم ما نسبوا إليه سبحانه: من الشرك والأولاد وما دل على تنزهه تعالى بالألوهية ناسب أن يذيله بقوله تعالى: {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ } للتوكيد المذكور، وقد آثر هذا العلامة الطيبـي ويعلم مما ذكرنا وجه رجحان الأول اهـ، والوجه الثاني من وجهي المناسبة على الوجه الأول أولى الوجهين، والآية على ما ذكره البعض يجوز ارتباطها بما عندها من الخلق والتكوير والتسخير.

ابن عاشور

تفسير : {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى}. هذه الجملة بيان لجملة {أية : هو الله الواحد القهار}تفسير : [الزمر: 4] فإن خلق هذه العوالم والتصرف فيها على شدتها وعظمتها يبين معنى الوحدانية ومعنى القهّارية، فتكون جملة {هو الله الواحد القهار} ذات اتصالين: اتصالٍ بجملة {أية : لو أراد الله أن يتَّخِذَ ولداً}تفسير : [الزمر: 4] كاتصال التذييل، واتصالٍ بجملة {خلق السماوات والأرض بالحق} اتصالَ التمهيد. وقد انتقل من الاستدلال باقتضاء حقيقة الإِلٰهية نفي الشريك إلى الاستدلال بخلق السماوات والأرض على أنه المنفرد بالخلق إذ لا يستطيع شركاؤهم خلق العوالم. والباء في {بالحقِّ} للملابسة، أي خلقها خلقاً ملابساً للحق وهو هنا ضد العبث، أي خلقهما خلقاً ملابساً للحكمة والصواب والنفع لا يشوب خلقهما عبث ولا اختلال قال تعالى: {أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق}تفسير : [الدخان: 38 ــــ 39]. وجملة {يُكَوّرُ الَّيْلَ} بيان ثان وهو كتعداد الجمل في مقام الاستدلال أو الامتنان. وأوثر المضارع في هذه الجملة للدلالة على تجدد ذلك وتكرره، أو لاستحضار حالة التكوير تبعاً لاستحضار آثارها فإن حالة تكوير الله الليل على النهار غير مشاهدة وإنما المشاهد أثرها وتجدد الأثر يدل على تجدد التأثير. والتكوير حقيقته: اللف والليُّ، يقال: كَوَّر العمامةَ على رأسه إذا لواها ولفَّها، ومثّلت به هنا هيئة غشيان الليل على النهار في جزء من سطح الأرض وعكسُ ذلك على التعاقب بهيئة كَوْر العمامة، إذ تغشى الليَّةُ الليَّةَ التي قبلها. وهو تمثيل بديع قابل للتجزئة بأن تشبه الأرض بالرأس، ويشبه تعاور الليل والنهار عليها بلف طيات العمامة، ومما يزيده إبداعاً إيثار مادة التكوير الذي هو معجزة علمية من معجزات القرآن المشار إليها في المقدمة الرابعة والموضحة في المقدمة العاشرة، فإن مادة التكوير جَائية من اسم الكُرة، وهي الجسم المستدير من جميع جهاته على التساوي، والأرض كروية الشكل في الواقع وذلك كان يجهله العرب وجمهور البشر يومئذٍ فأومأ القرآن إليه بوصف العَرضين اللذين يعتريان الأرض على التعاقب وهما النور والظلمة، أو الليل والنهار، إذ جعل تعاورهما تكويراً لأن عَرَض الكرة يكون كروياً تبعاً لذاتها، فلما كان سياق هذه الآية للاستدلال على الإِلٰهية الحقِّ بإنشاء السماوات والأرض اختير للاستدلال على ما يَتبع ذلك الإِنشاء من خلق العَرضين العظيمين للأرض مادةُ التكوير دون غيرها من نحو الغشيان الذي عبر به في قوله تعالى: {أية : يغشي الليل النهار}تفسير : في سورة [الأعراف: 54]، لأن تلك الآية مسوقة للدلالة على سعة التصرف في المخلوقات لأن أولها {أية : إن ربكم اللَّه الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش}تفسير : [الأعراف: 54] فكان تصوير ذلك بإغشاء الليل والنهار خاصة لأنه دل على قوة التمكن من تغييره أعراض مخلوقاته، ولذلك اقتصر على تغيير أعظم عَرَض وهو النور بتسليط الظلمة عليه، لتكون هاته الآية لمن يأتي من المسلمين الذين يطلعون على علم الهيئة فتكون معجزة عندهم. وعطفُ جملة {ويُكورُ النهار على الليل} هو من عطف الجزء المقصود من الخبر كقوله: {أية : ثيبات وأبكاراً}تفسير : [التحريم: 5]. وتسخير الشمس والقمر هو تذليلهما للعمل على ما جعل الله لهما من نظام السير سير المتبوع والتابع، وقد تقدم في سورة الأعراف وغيرها. وعطفت جملة {وسخَّر الشمس والقمرَ} على جملة {يُكورُ الليل على النهارِ} لأن ذلك التسخير مناسب لتكوير الليل على النهار وعكسه فإن ذلك التكوير من آثار ذلك التسخير فتلك المناسبة اقتضت عطف الجملة التي تضمنته على الجملة التي قبلها. وجملة {كلٌّ يجري لأجَلٍ مُسمىٰ} في موقع بدل اشتمال من جملة {سَخر الشمس والقمرَ} وذلك أوضح أحوال التسخير. وتنوين {كلّ} للعِوض، أي كل واحد. والجري: السير السريع. واللام للعلة. والأجل هو أجل فنائهما فإن جريهما لما كان فيه تقريب فنائهما جعل جريهما كأنه لأجل الأجل أي لأجل ما يطلبه ويقتضيه أجل البقاء، وذلك كقوله تعالى: {أية : والشمس تجري لمستقرٍ لها}تفسير : [يس: 38]، فالتنكير في (أجل) للإِفراد. ويجوز أن يكون المراد بالأجل أجل حياة الناس الذي ينتهي بانتهاء الأعمار المختلفة. وليس العمر إلا أوقاتاً محدودة وأنفاساً معدودة. وجري الشمس والقمر تُحسب به تلك الأوقات والأنفاس، فصار جريهما كأنه لأجل. قال أسقف نجران: شعر : مَنَع البقاءَ تقلُّبُ الشمس وطلوعها من حيث لا تُمسي .تفسير : وأقوالهم في هذا المعنى كثيرة فالتنكير في {أجلٍ} للنوعية الذي هو في معنى لآجالٍ مُسماة. ولعل تعقيبه بوصف {الغَفَّارُ} يرجح هذا المحمل كما سيأتي. والمسمّى: المجعول له وَسم، أي ما به يُعين وهو ما عيّنه الله لأن يبلغ إليه. وقد جاء في آيات أخرى {أية : كل يجري إلى أجل}تفسير : [لقمان: 29] بحرف انتهاء الغاية، ولامُ العلة وحرفُ الغاية متقاربان في المعنى الأصلي وأحسب أن اختلاف التعبير بهما مجرد تفنن في الكلام. {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ الغفار}. استئناف ابتدائي هو في معنى الوعيد والوعد، فإن وصف {العزيزُ} كناية عن أنه يفعل ما يشاء لا غالب له فلا تُجدي المشركين عبادةُ أوليائهم، ووصفَ {الغَفَّارُ} مؤذن باستدعائهم إلى التوبة باتباع الإِسلام. وفي وصف {الغَفَّارُ} مناسبة لذكر الأجل لأن المغفرة يظهر أثرها بعد البعث الذي يكون بعد الموت وانتهاء الأجل تحريضاً على البدار بالتوبة قبل الموت حين يفوت التدارك. وفي افتتاح الجملة بحرف التنبيه إيذان بأهمية مدلولها الصريح والكنائي.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 5- خلق السموات والأرض متصفا دائماً بالحق والصواب على ناموس ثابت، يلف الليل على النهار ويلف النهار على الليل على صورة الكرة، وذلل الشمس والقمر لإرادته ومصلحة عباده، كل منهما يسير فى فلكه إلى وقت محدد عنده، وهو يوم القيامة، ألا هو - دون غيره - الغالب على كل شئ، فلا يخرج شئ عن إرادته، الذى بلغ الغاية فى الصفح عن المذنبين من عباده. 6- خلقكم - أيها الناس - من نفس واحدة - هو آدم أبو البشر - وخلق من هذه النفس زوجها حواء، وأنزل لصالحكم ثمانية أنواع من الأنعام ذكراً وأنثى: وهى الإبل والبقر والضأن والماعز، يخلقكم فى بطون أمهاتكم طوراً من بعد طور فى ظلمات ثلاث: هى ظلمة البطن والرحم والمشيمة، ذلكم المنعم بهذه النعم هو الله مربيكم ومالك أمركم، له - لا لغيره - الملك الخالص، لا معبود بحق إلا هو، فكيف يعدلون عن عبادته إلى عبادة غيره؟.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: خلق السماوات والأرض بالحق: أي من أجل أن يذكر ويشكر لا من أجل اللهو العبث. يكور الليل على النهار: أي يدخل أحدهما في الآخر فإِذا جاء الليل ذهب النهار والعكس كذلك. وسخر الشمس والقمر: أي ذللهما فلا يزالان يدوران في فلكيهما إلى نهاية الحياة وبدورتهما تتم مصالح سكان الأرض. خلقكم من نفس واحدة: هي آدم عليه السلام. ثم جعل منها زوجها: هي حواء خلقها الله تعالى من ضلع آدم الأيسر. وأنزل لكم من الأنعام: أي أنزل المطر فأنبت العشب فخلق الأنعام فهذا وجه لإِنزالها. ثمانية أزواج: أي من الإِبل اثنين ومن البقر اثنين ومن الضأن اثنين ومن المعز اثنين. يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق: أي أطواراً طوراً بعد طور نطفة فعلقة فمضغة. في ظلمات ثلاث: أي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة. ولا تزر وازرة وزر أُخرى: أي لا تحمل نفس ذات وزر وزر نفس أخرى. إنه عليم بذات الصدور: أي ما يخفيه المرء في صدره وما يسره في ضميره. معنى الآيات: هذه الآيات الكريمة في تقرير التوحيد بذكر الأدلة والبراهين التي لا تدع للشك مجالاً في نفوس العقلاء فقال تعالى في الآية [5] {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي أوجدهما خلقا على غير مثال سابق وخلقهما بالحق لغايات سامية شريفة وليس للباطل والعبث ومن تلك الغايات أن يعبد فيها فيذكر ويشكر. وقوله {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ} أي يغشى هذا هذا فيغطيه به ويستره كأنما لفَّه عليه وغشاه به وهذا برهان ثان فالأول برهان الخلق للسماوات والأرض وبرهان ثالث في قوله {وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} يدوران في فلكيهما إلى قيام الساعة وفي ذلك من الفوائد والمصالح للعباد مالا يقادر قدره من ذلك معرفة عدد السنين والحساب. وقوله {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ} إعلان وتنبيه بأنه تعالى عزيز في بطشه وانتقامه من أعدائه غفّار لعباده التائبين إليه. وقوله تعالى في الآية [6] {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} هي آدم عليه السلام فقد صح أنه لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ذرّيته وأشهدهم على أنفسهم، ولهذا جاء العطف بثم إذ قال {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي بعد أن مسح على ظهر آدم وأخرج ذرّيته من ظهره وأشهدهم على أنفسهم خلق حواء من ضلعه الأيسر، وهذا برهان وآخر في قوله {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ} وهي الإِبل والبقر والغنم ضأن وماعز وهي ذكر وأنثى فالذكر زوج والأنثى زوج فهي ثمانية أزواج وجائز أن يكون أصل هذه الأنعام قد أنزله من السماء كما أنزل آدم وحواء من السماء، وجائز أن يكون أنزل الماء فنبت العشب وتكونت هذه الأنعام من ذلك فالأصل الإِنزال من السماء وتدرج الخلق كان في الأرض. وبرهان رابع في قوله {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} أي نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم نكسو العظام لحماً فإِذا هو إنسان كامل وقوله {أَزْوَاجٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} هي ظلمة بطن الأم، ثم ظلمة الرحم، ثم ظلمة المشيمة، وهي غشاء يكون للولد وفي الحيوان يقال له السَّلي وقوله بعد ذكر هذه البراهين قال {ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} أي خالقكم ومعبودكم الحق {لَهُ ٱلْمُلْكُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا معبود إلا هو إذ لا تصلح العبادة إلاّ له {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} أي كيف تصرفون عن الحق إلى الباطل، وعن الهدى إلى الضلال إن أمركم عجبٌ. وقوله في الآية [7] {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} أي بعد أن بيّن بالأدلة القاطعة وجوب الإِيمان به ووجوب عبادته، وأنه الرب الحق وإِله الحق أعلم عباده أن كفرهم به لا يضره أبدا لأنه غنيٌ عنهم وعن سائر خلقه إلا أنه لرحمته بعباده لا يرضى لهم الكفر لما يسببه لهم من شقاء وخسران، كما أنهم إن آمنوا وشكروا يرضه لهم فيثيبهم أحسن ثواب ويجزيهم أحسن جزاء. وقوله {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} هذا مظهر من مظاهر عدله بين عباده وهو أن نفسا ذات وزر أي ذنب لا تحمل وزر أي ذنب نفس أخرى بل كل نفس تحمل وزرها وتتحمل تبعته ونتائجه وحدها. وقوله تعالى {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ} أي بعد الموت {فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي فيخبركم بأعمالكم خفيها وجليها صغيرها وكبيرها {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فضلا عما كان عملا ظاهراً غير باطن ويجزيكم بذلك الخير بمثله والشر بمثله. فهذا ربكم الحق وإلهكم الصدق فآمنوا به ووحدوه ولا تشركوا به وأطيعوه ولا تعصوه تنجوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة. ولا يهلك على الله إلا هالك. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان آيات الله في الكون وإيرادها أدلة على التوحيد. 2- بيان إفضال الله تعالى على العباد في خلقهم ورزقهم. 3- بيان أن الكفر أعجب من الإِيمان إِذ أدلة الإِيمان لا تعد كثرة وأما الكفر فلا دليل عليه البتة ومع هذا أكثر الناس كافرون. 4- بيان غنى الله تعالى عن خلقه وافتقار الخلق إليه. 5- بيان عدالة الله تعالى يوم القيامة وتقريرها. 6- بيان إحاطة علم الله بالخلق وعلمه بأفعالهم وأحوالهم ظاهراً وباطناً.

القطان

تفسير : يكوّر الليل على النهار: يلفّ الليلَ على النهار، والنهارَ على الليل، ويدخلهما في بعض وذلك بفعل دوران الأرض حول نفسها فيُحدِث الليل والنهار. لأجل مسمى: يوم القيامة. أنزل لكم من الأنعام: خلقَ لكم من الانعام. في ظلماتٍ ثلاث: ظُلمة البطن، وظلمة الرحم داخله، وظلمة المشيمة. فأنى تصرفون: فإلى أين يعدِل بكم عن عبادة الله الى الشِرك. الوزر: الذنب. ولا تزر وازرة وزر اخرى: لا تحمل نفسٌ آثمة حمل أخرى. بذات الصدور: بما يدور في نفس الانسان. منيباً إليه: راجعاً اليه بالطاعة، تائبا. خوّله: ملكه. اندادا: جمع نِدّ وهو المثل. خلق الله هذا الكون بما فيه بأبدع نظام وأروع هيئة فهو: {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ} وهذا تعبير عجيب ينطق بالحقّ والواقع، فإن تعاقُبَ الليل والنهار لا يحصلان الا لكروية الأرض ودورانها حول نفسها، فالتكوير معناه لفُّ الشيء على الشيء على سبيل التتابع، وهذا لم يُعلم الا منذ سنين معدودة. وهذا اكبر دليل على ان القرآن ليس من صنع البشر بل {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ}. {وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} وجعل الشمس والقمر كل منهما يجري لوقت معلوم، وكذلك دوران الشمس وجريانها لم يكتُشَف الا بعد الرسول، وفي بدء دراستنا نحن وأبناء جيلنا مثلاً كان معلمو الجغرافيا يقولون لنا إن الشمس لا تجري، وكل هذه الكواكب تدور حولها.... ثم بعد أن بيّن تعالى أن هذا النظام من خلقه وإبداعه، وانه مسخّرٌ للإنسان - ذيّل هذه الآية بقوله {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ} حتى يبين للناس بأنه غفور رحيم، فلا يقنطون من رحمته بل يسارعون الى طلب المغفرة والرجوع اليه. لقد خلقكم الله ايها الناس من نفسٍ واحدة، وخلق من هذه النفس زوجاً لها، وخلق لكم من الانعام ثمانية أزواج هي: الإبل والبقر والضأن والماعز، فهذه اربعة انواع ثمانية أزواج، يخلقكم في بطون أمهاتكم طورا بعد طور في ظلمات ثلاث، هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة. ان خالق هذه الأمور العجيبة هو الله المنعم المتفضّل، ربكم ومالكُ امركم، له الملك على الاطلاق في الدنيا والآخرة، لا معبود بحقٍّ سواه، فكيف تعدِلون عن عبادته الى عبادة غيره؟ اين ذهبت عقولكم!؟. وبعد ان اقام الدليل على وحدانيته، وبيّن أن المشركين ذهبت عقولُهم حين عبدوا الأصنام - بين هنا ان الله هو الغني عما سواه من المخلوقات، فهو لا يريد بعبادته جَرَّ منفعة، ولا دفع مضرة، ولكنه لا يرضى لعباده الكفر، {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} فكل نفس مطالَبةٌ بما عملت، وبعدئذ تُردّ الى عالم الغيب والشهادة فيجازيها بما كسبت. وهذا مبدأ جاء به الاسلام، وأصّله القرآن الكريم، ولم يستقرّ في فقه القانون الا في العصور الحديثة. ثم بين تناقُضَ المشركين فيما يفعلون، فاذا أصابهم الضرُّ رجعوا في طلب دفْعه الى الله. {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} وعاد الى عبادة الأوثان. ثم أمر الله رسوله ان يقول لهم متهكّما بهم: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} مخلَّد فيها. قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو والكسائي: وان تشكروا يرضهُ لكم باشباع ضمة الهاء. وقرأ يعقوب يرضهْ باسكان الهاء. والباقون: يرضهُ بضم الهاء بدون مد ولا اشباع. وقرأ ابن كثير وابو عمرو ورويس: لِيَضِل عن سبيله بفتح الياء من يضل. والباقون: لِيُضل بضم الياء.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱللَّيْـلَ} {ٱلْغَفَّارُ} (5) - خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَمَا فِيهِمَا عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، وَأَبْدَعِ نِظَامٍ، وَجَعَلَهَا قَائِمَةً عَلَى الحَقِّ والصَّوَابِ، وَالحِكَمِ وَالمَصَالِحِ، يُتْبعُ اللَّيْلَ النَّهَارَ، وَيُتْبعُ النَّهَارَ اللَّيْلَ، فَهُمَا مُتَعَاقِبَانِ مُتَلاَزِمَانِ لاَ يَفْتَرِقَانِ، وَجَعَل الشَّمْسَ والقَمَرَ يَجْرِيَانِ فِي مَدَارَيْهِمَا بِنِظَامٍ لاَ يَخْرُجَانِ عَنْهُ، وَجَعَلَهُمَا مُسَخَّرَين مُذَلَّلَيْنِ لإِرَادَةِ اللهَ تَعَالَى، وَيَسْتَمِرَّانِ فِي دَوَرَانِهِمَا إِلَى أَجَلٍ عَيَّنَهُ اللهُ لَهُمَا، هُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَنْتَهِي أَمْرُهُمَا. وَاللهُ هُوَ العَزِيزُ القَادِرُ عَلَى الانْتِقَامِ مِمَّنَ عَادَاهُ، وَهُوَ الغَفَّارُ الكَثِيرُ الغُفْرَانِ الذِي يَصْفَحُ عَنْ ذُنُوبِ مَنْ تَابَ إِلَيهِ، وَرَجَعَ إِلَيهِ مُنيباً مُسْتَغْفِراً. يُكَوِّرُ اللَّيَْلَ عَلَى النَّهَارِ - يَلفُّهُ عَلَى النَّهَارِ لَفَّ اللبَاسِ عَلَى اللابِسِ فَيَسْتُرُهُ فَتَظْهَرُ الظُّلْمَةُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله سبحانه: {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} [الزمر: 5] أي: لم يخلقهما عبثاً إنما خلقهما بالحق، والحق كما قلنا: هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، كما قال سبحانه في آية أخرى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ} تفسير : [الدخان: 38]. بل خلقهما الله بالحق وبالحكمة وبحساب دقيق وهندسة بديعة لتؤدي مهمتها التي أرادها الخالق سبحانه، بدليل أنها لا تزال منذ خلقها الله تؤدي مهمتها دون عَطَب فيها، أو خلاف بين أجزائها. وقوله تعالى: {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ} [الزمر: 5] تقول: كوَّرْتُ العمامة يعني لَففتها على رأسي، فصارت مثل الكرة مكورة، وفي لَفِّ العمامة تغطي اللفَّةُ اللفَّةَ التي تحتها. كذلك الليل والنهار، جزء من الليل يغطي جزءاً من النهار فيزيد الليل، أو جزء من النهار يغطي جزءاً من الليل فيزيد النهار. هذا هو واقع الليل والنهار، فهل الليل والنهار يقتسمان الأربعة والعشرين ساعةً بالتساوي، كل منهما اثنتا عشرة ساعة؟ لا، بل يزيد الليل فينقص من النهار في فصل الشتاء، ويزيد النهار فينقص من الليل في فصل الصيف. هذا يدل على أن الكون ليس محكوماً بقوانين ميكانيكية جامدة كما يدَّعُون، بل محكوم بقدرة الخالق سبحانه وحكمته. ولو تأملتَ طول الليل في الشتاء وقِصَره في الصيف لَوجدتَ أن أمور الكون لا تسير هكذا حسبما اتفق، إنما لكل حركة فيها حكمة، فحين يقصر النهار في الشتاء يحتاج العامل لأنْ يُجهد نفسه لينهي مهمته في هذا الوقت القصير، فيتعب نفسه ويُجهدها. ومن الحكمة أن نعطيه فترة أطول يستريح فيها من تعب النهار، ولا بدّ أنْ تتناسب فترة الراحة مع فترة الجهد المبذول. أما في فصل الصيف فيطول النهار ويوزع العمل على هذا الوقت الطويل، فيؤدي الإنسان مهمته بأقلّ مجهود، بالإضافة إلى راحته في وقت القيلولة، فلا يحتاج إلى ليل طويل للراحة، لذلك يأتي ليلُ الصيف قصيراً. إذن: فالخالق سبحانه يُكوِّر الليل على النهار، ويُكوِّر النهارَ على الليل لحكمة في حركة الحياة. وفي موضع آخر عبَّر القرآن عن هذا المعنى بقوله تعالى: {أية : يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} تفسير : [فاطر: 13] يعني: يُدخِل كلاً منهما في الآخر؛ لذلك لا يتساوى الليلُ والنهار إلا في فترة قصيرة من العام تقتضيها الحركةُ بينهما. ونفهم أيضاً من قوله تعالى (يُكوِّر) أن الأرض كروية، لأن الليل والنهارَ ظاهرةٌ تحدث على سطح الأرض، وقد أثبتَ العلم هذه الحقيقةَ بالصور التي التقطوها للأرض من الفضاء، وصدق الله: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]. وقوله: {وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} [الزمر: 5]. الأجل: هو يوم القيامة، فالحق سبحانه يُطمئن الناسَ أن الشمسَ والقمر آيتان لله تعالى باقيتان خالدتان بقاءَ الدنيا وخلودها، إلى أنْ ينتهيا معها، ومع ذلك فكل منهما قائم بذاته بقدرة خالقه، لا يحتاج إلى وقود، ولا يحتاج إلى صيانة، ولا قطعة عيار .. إلخ. {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ} [الزمر: 5] قلنا: (ألا) استفتاحية تفيد تنبيه السامع لما بعدها، فكأن الله تعالى يقول لقد خلقتُ لكم هذا الكونَ المحكمَ البديع، ووفرتُ لكم مقومات حياتكم، وأنا الغني عنكم، العزيز الذي يغلب ولا يُغلب، ولا يحتاج لأحد. لكن ما مناسبة (الغفار) هنا؟ قالوا: لأن الله تفضّل على خَلْقه بهذه الآيات الشمس والقمر والليل والنهار، وأعطاهم مُقوِّمات حياتهم، ومع ذلك لا ينظر إلى ذنوبهم وتقصيرهم في حقه تعالى لأنه الغفار، ويعفو عن كثير. وهذا المعنى أوضحه الحق سبحانه في موضع آخر، حين نتأمله نجد فيه عجباً، إنه قول الله تعالى {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34] ورد هذا اللفظ في موضعين بصدر واحد وعَجُز مختلف، فواحدة {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34]. والأخرى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 18]. أولاً: يُلفت أنظارنا هنا في مسألة عَدِّ نعمة الله استخدام (إن) الدالة على الشك، لأن عَدَّ نعمة الله مسألة لن تكون ولن تحدث؛ لأن الإقبال على عَدِّ الشيء ناتج عن إمكانية ذلك والقدرة عليه، أما نعمة الله فمع تقدم علم الإحصاء ودخوله في شتى المجالات، إلا أن نعمة الله فوق مظنة العَدِّ لكثرتها، كما أننا لا نفكر أبداً في عَدِّ رمال الصحراء مثلاً. فمعنى {أية : وَإِن تَعُدُّواْ} تفسير : [إبراهيم: 34] يعني: على فرض أنكم ستُقبِلون على عَدِّها {أية : لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34]. ثانياً: كلمة (نعمة) جاءت هكذا بصيغة المفرد، والعَدُّ لا يكون إلا للجمع الذي له أجزاء تعدّ: واحد، اثنان، ثلاث، أربع .. إلخ فكيف تُعَد النعمة وهي واحدة؟ قالوا: نعم هي في ظاهرها نعمة واحدة لكن مطمور فيها حين تتأملها نِعَم كثيرة، فالتفاحة مثلاً ترى في الظاهر أنها نعمة واحدة، لكن حين تُحللها تجد فيها لوناً وشكلاً وطَعْماً ومذاقاً وعناصر مكونة ومواد غذائية متعددة، كلها نِعْم من الله. ثالثاً: حين تتأمل عَجُزَ الآيتين - وهو مرادنا من الكلام - تجد في الآية الأولى {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] أي: جاحد لنعمة الله، منكر لها، غافل عنها، مُقصِّر في شُكرها. فهي إذن تتحدث عن حال المنعم من المنعَم عليه، وكيف أنه قابل النعمة بالكفران، ولو جازاه المنعم بما يستحق لحرمه النعمة، لكن يأتي عَجُزُ الآية الأخرى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 18] يعني: يغفر لكم جحودكم للنعمة ونكرانكم للجميل؛ ثم بعد المغفرة الرحمة.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي عليهما السَّلامُ في قولهِ تعالى: {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ} معناه يَدخُلُهُ.

الجيلاني

تفسير : وبمقتضى توحيده سبحانه وقهره، وإظهار كمالات المندمجة في وحدة ذاته باعتبار شئونه وتطوراته اللازمة للحي الأزلي الأبدي {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي: قدر وأعد الأسماء الذاتية الفعالى، المنعكسة من شئونه الذاتية والأوصاف القابلة المنفعلة من تلك الأسماء المظهرة لآثارها ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع، ولا ينبغي أن يرتاب فيه أحد بعدما انكشف بسرائر الوجود والتوحيد حسب الود الإلهي، وبمقتضى هذا الازدواج المعنوي الجاري بين الأوصاف والأسماء الإلهية {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ} أي: يغشي ويغيب سبحانه على وجه التلفيف والتخليط أضواء الأسماء والصفات بظلام الهيولي والتعينات في النشأة الأولى، فكذلك يغطي ويغيب في النشأة الأخرى حجب الطبائع وأظلال الهويات بأشعة أنوار الذات المنتشئة منها، بمقتضى الشئون والتطورات المثبتة للأسماء والصفات الإلهية. {وَ} بعدما كمل أمر الظهور والإظهار، وانبسط على عروش ما ظهر وبطن بالاستيلاء والاستقلال {سَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ} أي: جذب وقبض نحوه سبحانه بمقتضى الجاذبة المعنوية الحبية الكاملة الوجود المطلق، الفائض على هياكل الموجودات المنعكسة من الأسماء والصفات الإلهية {وَٱلْقَمَرَ} أي: الهويات القابلة لانعكاس شمس الذات المستخلفة عنها، إظهاراً لكمال قدرته ومتانة حكمته؛ لذلك {كُـلٌّ} من كل أهل العناية {يَجْرِي} يكون ويدوم في مكانه ومكانته من التعينات موقوف {لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى} أي: إلى حلول أجل معين مقدر من عند ربه بمقتضى جذبه وعنايته، فإذا حل الأجل، انقطع الجري والسير وارتفع السلوك. {أَلا} أي تنبهوا أيها الأظلال الهالكة في شمس الذات {هُوَ} أي: الموصوف بهذه الصفات الكاملة {ٱلْعَزِيزُ} المنيع ساحة عز ذاته عن أن يحوم حول سرادقات عزه وجلاله بإدراك العقول المتحيرة والأوهام المدهوشة، لكنه {ٱلْغَفَّارُ} [الزمر: 5] الستَّار لغيوم تعيناتكم بإشراق شمس الذات، وانقهار جميع ما لمع عليه نور الوجود على مقتضى جلاله وتفرده في نعوت كماله. {خَلَقَكُمْ} أي: أظهركم وأوجدكم بالتجليات الجمالية {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} وهي طبيعة العدم القابلة لانعكاس أشعبة نور الوجود {ثُمَّ جَعَلَ} وإظهر {مِنْهَا زَوْجَهَا} إبقاءً للتناسل، وتتميماً للأزدواجات الغير المتناهية حسب الأسماء والصفات المتقابلة، الغير المتناهية الإلهية، إظهاراً لكمال القدرة. {وَ} بعدما أتم سبحانه أمر إيجادكم وإثباتكم {أَنزَلَ لَكُمْ} أي: قسَّم وقضى لأجلكم تتميماً لأمور معاشكم عناية منه وتكريماً {مِّنَ ٱلأَنْعَامِ} المناسبة لتغذيتكم وتقوية أمزجتكم {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} ذكراً وأنثى على مقتضى جبلتكم لتدوم بدوامكم، وهي الأصناف الثمانية المذكورة في سورة الأنعام، هذا في ظهوركم وبروزكم في عالم الشهادة، وفي عالم الغيب والبطون {يَخْلُقُكُمْ} ويقدر موادكم {فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} أي: تقديراً بعد تقدير أعجب وأغرب من سابقه؛ بأن قدركم أولاً نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم سواك إنساناً، ونفخ فيكم روحاً من روحه، وبالجملة: أظهركم بعدما أخفاكم مدة {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} هي أصلاب آبائكم وحجب تعيناتكم وبطون أمهاتكم. {ذَٰلِكُمُ} الذي فعل بكم هذه الأفعال الجميلة المتقنة {ٱللَّهُ} المستقل بالألوهية والتصرف في ملكه وملكوته {رَبُّكُمْ} الذي رباكم وأحسن تربيتكم لا مربي لكم سواه؛ إذ {لَهُ ٱلْمُلْكُ} الملكوت خاصة لا يشارك في ملكه، ولا ينازع في سلطانه وشأنه، فظهر أنه {لاۤ إِلَـٰهَ} يعبد له ويرجع إليه في الخطوب {إِلاَّ هُوَ} الواحد الأحد الصمد الحقيق بالحقية، المستحق بالألوهية والربوبية {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6] وتعدلون أيها المشركون المنحرفون عن جادة توحيده.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ } أي: بالحكمة والمصلحة، وليأمر العباد وينهاهم، ويثيبهم ويعاقبهم. { يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ } أي: يدخل كلا منهما على الآخر، ويحله محله، فلا يجتمع هذا وهذا، بل إذا أتى أحدهما انعزل الآخر عن سلطانه. { وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } بتسخير منظم، وسير مقنن. { كُلٌّ } من الشمس والقمر { يَجْرِي } متأثرا عن تسخيره تعالى { لأجَلٍ مُسَمًّى } وهو انقضاء هذه الدار وخرابها، فيخرب اللّه آلاتها وشمسها وقمرها، وينشئ الخلق نشأة جديدة ليستقروا في دار القرار، الجنة أو النار. { أَلا هُوَ الْعَزِيزُ } الذي لا يغالب، القاهر لكل شيء، الذي لا يستعصي عليه شيء، الذي من عزته أوجد هذه المخلوقات العظيمة، وسخرها تجري بأمره. { الْغَفَّارُ } لذنوب عباده التوابين المؤمنين، كما قال تعالى: {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } تفسير : الغفار لمن أشرك به بعد ما رأى من آياته العظيمة، ثم تاب وأناب. ومن عزته أن { خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } على كثرتكم وانتشاركم، في أنحاء الأرض، { ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } وذلك ليسكن إليها وتسكن إليه، وتتم بذلك النعمة. { وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ } أي: خلقها بقدر نازل منه، رحمة بكم. { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } وهي التي ذكرها في سورة الأنعام {أية : ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } {أية : ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين }. تفسير : وخصها بالذكر، مع أنه أنزل لمصالح عباده من البهائم غيرها، لكثرة نفعها، وعموم مصالحها، ولشرفها، ولاختصاصها بأشياء لا يصلح غيرها، كالأضحية والهدي، والعقيقة، ووجوب الزكاة فيها، واختصاصها بالدية. ولما ذكر خلق أبينا وأمنا، ذكر ابتداء خلقنا، فقال: { يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ } أي: طورا بعد طور، وأنتم في حال لا يد مخلوق تمسكم، ولا عين تنظر إليكم، وهو قد رباكم في ذلك المكان الضيق { فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ } ظلمة البطن، ثم ظلمة الرحم، ثم ظلمة المشيمة، { ذَلِكُمْ } الذي خلق السماوات والأرض، وسخر الشمس والقمر، وخلقكم وخلق لكم الأنعام والنعم { اللَّهُ رَبُّكُمْ } أي: المألوه المعبود، الذي رباكم ودبركم، فكما أنه الواحد في خلقه وتربيته لا شريك له في ذلك، فهو الواحد في ألوهيته، لا شريك له، ولهذا قال: { لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } بعد هذا البيان ببيان استحقاقه تعالى للإخلاص وحده إلى عبادة الأوثان، التي لا تدبر شيئا، وليس لها من الأمر شيء. { إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ } لا يضره كفركم، كما لا ينتفع بطاعتكم، ولكن أمره ونهيه لكم محض فضله وإحسانه عليكم. { وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ } لكمال إحسانه بهم، وعلمه أن الكفر يشقيهم شقاوة لا يسعدون بعدها، ولأنه خلقهم لعبادته، فهي الغاية التي خلق لها الخلق، فلا يرضى أن يدعوا ما خلقهم لأجله. { وَإِنْ تَشْكُرُوا } للّه تعالى بتوحيده، وإخلاص الدين له { يَرْضَهُ لَكُمْ } لرحمته بكم، ومحبته للإحسان عليكم، ولفعلكم ما خلقكم لأجله. وكما أنه لا يتضرر بشرككم ولا ينتفع بأعمالكم وتوحيدكم، كذلك كل أحد منكم له عمله، من خير وشر { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } { ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ } في يوم القيامة { فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } إخبارا أحاط به علمه، وجرى عليه قلمه، وكتبته عليكم الحفظة الكرام، وشهدت به عليكم الجوارح، فيجازي كلا منكم ما يستحقه. { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بنفس الصدور، وما فيها من وصف برٍّ أو فجور، والمقصود من هذا، الإخبار بالجزاء بالعدل التام.

همام الصنعاني

تفسير : 2619- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ}: [الآية: 5]، قال: هو غشيان أحدهما علَى الآخر، وقال: هو نقصان أحدهما من الآخر.