Verse. 4064 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

خَلَقَكُمْ مِّنْ نَّفْسٍ وَّاحِدَۃٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْہَا زَوْجَہَا وَاَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ الْاَنْعَامِ ثَمٰنِيَۃَ اَزْوَاجٍ۝۰ۭ يَخْلُقُكُمْ فِيْ بُطُوْنِ اُمَّہٰتِكُمْ خَلْقًا مِّنْۢ بَعْدِ خَلْقٍ فِيْ ظُلُمٰتٍ ثَلٰثٍ۝۰ۭ ذٰلِكُمُ اللہُ رَبُّكُمْ لَہُ الْمُلْكُ۝۰ۭ لَاۗ اِلٰہَ اِلَّا ہُوَ۝۰ۚ فَاَنّٰى تُصْرَفُوْنَ۝۶
Khalaqakum min nafsin wahidatin thumma jaAAala minha zawjaha waanzala lakum mina alanAAami thamaniyata azwajin yakhluqukum fee butooni ommahatikum khalqan min baAAdi khalqin fee thulumatin thalathin thalikumu Allahu rabbukum lahu almulku la ilaha illa huwa faanna tusrafoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«خلقكم من نفس واحدة» أي آدم «ثم جعل منها زوجها» حواء «وأنزل لكم من الأنعام» الإبل والبقر والغنم الضأن والمعز «ثمانية أزواج» من كلٍ زوجان ذكر وأنثى كما بيّن في سورة الأنعام «يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق» أي نطفا ثم علقا ثم مضغا «في ظلمات ثلاث» هي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة «ذلكم الله ربكم له الملك لا إله هو فأنَّى تصرفون» عن عبادته إلى عبادة غيره.

6

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } أي آدم {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } حوَّاء {وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلأّنْعَٰمِ } الإِبل والبقر والغنم الضأن والمعز {ثَمَٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } من كلِ زوجين ذكراً وأنثى كما بيَّن في سورة (الأنعام) [143:6] {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ } أي نطفاً ثم علقاً ثم مضغاً {فِى ظُلُمَٰتٍ ثَلَٰثٍ } هي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لا إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } عن عبادته إلى عبادة غيره؟

ابن عطية

تفسير : "النفس الواحدة" المرادة في الآية هي نفس آدم عليه السلام، قاله قتادة وغيره. ويحتمل أن يكون اسم الجنس. وقوله تعالى: {ثم جعل} ظاهر اللفظ يقتضي أن جعل الزوجة من النفس هو بعد أن خلق الخلق منها، وليس الأمر كذلك. واختلف الناس في تأويل هذا الظاهر، فقالت فرقة قوله: {خلقكم من نفس واحدة} هو أخذ الذرية من ظهر آدم وذلك شيء كان قبل خلق حواء، وقالت فرقة: إنما هي لترتيب الأخبار لا لترتيب المعاني. كأنه قال: ثم كان من أمره قبل ذلك أن جعل منها زوجها، وفي نحو هذا المعنى ينشد هذا البيت [أبو النواس]: [الخفيف] شعر : قل لمن ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جدُّه تفسير : وقالت فرقة قوله: {خلقكم من نفس واحدة} عبارة عن سبق ذلك في علم الله تعالى، فلما كان ذلك أمراً حتماً واقعاً ولا بد، حسن أن يخبر عن تلك الحال التي كانت وثيقة، ثم عطف عليها حالة جعل الزوجة منها، فجاءت معان مترتبة وإن كان خروج خلق العالم من آدم إلى الوجود إنما يجيء بعد ذلك، وزوج آدم حواء عليهما السلام، وخلقت من ضلعه القصيري فيما روي، ويؤيد هذا الحديث الذي فيه أن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقيمه كسرته. وقالت فرقة: خلقت حواء من بقية طين آدم والأول أصح، وقد تقدم شرح ذلك، وقوله تعالى: {وأنزل لكم} قيل معناه: أن المخلوق الأول من هذه الأنعام خلق في السماء وأهبط إلى الأرض، وقالت فرقة: بل لما نزل الأمر بخلقه وإيجاده من عند الله، وكانت العادة في نعم الله ورحمته وأمطاره وغير ذلك أن يقال فيها إنها من السماء عبر عن هذه بـ {أنزل}، وقالت فرقة: لما كانت الأمطار تنزل وكانت الأعشاب والنبات عن المطر، وكانت هذه الأنعام عن النبات في سمنها ومعاشها، قال في هذه {أنزل} فهو على التدريج كما قال الراجز: شعر : أسنمة الآبال في ربابه. تفسير : وكما قال الشاعر [عمرو بن حبان]: [الطويل] شعر : تعالى الندى في متنه وتحدرا تفسير : وجعلها {ثمانية}، لأن كل واحد فيه زوج للذكر من فرعه، وهي الضأن والمعز والبقر والإبل. وقوله تعالى: {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث} قال ابن زيد، معناه: يخلقكم في البطون خلقاً من بعد خلق آخر في ظهر آدم وظهور الآباء. وقال مجاهد وعكرمة والسدي: يخلقكم في البطون رتباً خلقاً من بعد خلق على المضغة والعلقة وغير ذلك. وقرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف: {يخلقكم} بإدغام القاف في الكاف في جميع القرآن. وقرأ الجمهور: {أُمهاتكم} بضم الهمزة. وقرأ يحيى بن وثاب: بكسرها وهي لغتان. وقوله: {في ظلمات ثلاث} قالت فرقة: الأولى هي ظهر الأب، ثم رحم الأم، ثم المشيمة في البطن. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هي المشيمة والرحم والبطن، وهذه الآيات كلها هي معتبر وتنبيه لهم على الخالق الصانع الذي لا يستحق العبادة غيره، وهذا كله في رد أمر الأصنام والإفساد لها. ثم قال تعالى لهم: {ذلكم الله ربكم} وقد قامت على ذلك البراهين واتسقت الأدلة {فأنى تصرفون}، أي من أي جهة تضلون وبأي سبب؟

ابن عبد السلام

تفسير : {نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} آدم {زَوْجَهَا} حواء خلقها من ضلع آدم السفلي، أو خلقها من مثل ما خلقه منه {وَأَنزَلَ لَكُم} جعل "ح" أو أنزلها بعد أن خلقها في الجنة {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} المذكورة في سورة الأنعام {خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم لحماً، أو خلقاً في بطون أمهات بعد خلق في ظهر آبائكم قاله ابن زيد {ظُلُمَاتٍ ثلاثٍ} ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة "ع"، أو ظلمة صلب الرجل وظلمة بطن المرأة وظلمة الرحم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} قيل: «ثُمَّ» هنا: لترتيب الإخْبَارِ لا لترتِيبِ الوُجُودِ، وقيل: قوله: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ}: هو أخذ الذريةَ مِن ظهر آدم، وذلك شيءٌ كان قبل خلق حَوَّاءَ، * ت *: وهذا يحتاج إلى سندٍ قاطعٍ. وقوله سبحانه: {فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ} قالت فرقة: الأُولَىٰ هي ظَهْرُ الأَبِ، ثم رَحِمُ الأمِّ، ثم المَشِيمَةُ في البَطْن، وقال مجاهد وغيره: هي المَشِيمَةُ والرَّحِمُ والبَطْنُ، وهذه الآياتُ كلُّها فيها عِبَرٌ وتنبيهٌ على تَوْحِيدِ الخالِق الذَّي لاَ يَسْتَحِقُّ العبادةَ غَيْرُهُ وتوهينٌ لأمْرِ الأصنام. وقوله سبحانه: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ...}الآية، قال ابنُ عباس: هذه الآيةُ مخاطبَةٌ للكفارِ، قال * ع *: وتحتملُ أن تكونَ مخاطبةً لجميع الناس، لأن اللَّهَ سبحانه غنيٌّ عَن جميعِ الناسِ، وهم فقراءُ إليه، واخْتَلَفَ المتأولونَ مِن أهْلِ السنةِ في تأويل قوله تعالى: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} فقالت فرقة: «الرِّضا» بمعنى الإرادَةِ، والكلامُ ظاهرُه العمومُ، ومعناه الخصوصُ فيمن قَضَى اللَّهُ له بالإيمان، وحتَّمَهُ له، فعبادُه عَلَىٰ هذا ملائكتُهُ ومؤمِنو الإنْسِ والجِنِّ، وهذا يتركَّبُ عَلَىٰ قول ابن عباس، وقالت فرقة: الكلامُ عُمُومٌ صحيحٌ، والكُفْرُ يقعُ مِمَّنْ يَقَعُ بإرادَةِ اللَّهِ تعالَىٰ، إلا أنه بَعْدَ وُقُوعِهِ لاَ يَرْضَاهُ دِيناً لهم، ومعنى لا يرضاه: لا يشكرُه لهُمْ، ولا يُثيبُهم بهِ خَيْراً، فالرضى: على هذا هو صفةُ فِعْلٍ بمعنى، القَبُولِ، ونحوِه، وتأمَّلِ الإرَادَةَ فإنما هي حقيقةٌ فيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا؛ فإنما هُو حقيقةٌ فِيمَا قَدْ وَقَعَ، واعْتَبِرْ هذا في آيات القرآن تجِدْهُ، وإنْ كانت العربُ قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوُّز هذا بَدَلَ هذا. وقوله تعالى: {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} عمومٌ، والشكرُ الحقيقيُّ في ضِمْنِهِ الإيمانُ، قال النوويُّ: وَرُوِّينَا في سُنَنِ أبي دَاوُدَ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، أن رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قال: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبّاً وبِالإسْلاَمِ دِيناً وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم رَسُولاً، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة»تفسير : انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏خلقكم من نفس واحدة‏} ‏ يعني آدم ‏ {‏وخلق منها زوجها‏} ‏ خلقها من ضلع من أضلاعه و ‏{‏أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق‏} ‏ قال‏:‏ نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً، ثم لحماً، ثم أنبت الشعر أطواراً ‏{‏في ظلمات ثلاث‏} ‏ قال‏:‏ البطن، والرحم، والمشيمة {‏فأنى تصرفون‏} ‏ قال‏:‏ كقوله ‏{أية : ‏فأنى تؤفكون‏}‏تفسير : ‏[‏الزخرف: 87‏]‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج‏} ‏ من الإِبل، والبقر، والضان، والمعز‏.‏ وفي قوله ‏{‏من بعد خلق‏}‏ قال‏:‏ نطفة ثم ما يتبعها حتى يتم خلقه ‏ {‏في ظلمات ثلاث‏}‏ قال‏:‏ البطن، والرحم، والمشيمة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏خلقاً من بعد خلق‏} ‏ قال‏:‏ علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً ‏{‏في ظلمات ثلاث‏}‏ قال‏:‏ ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك رضي الله عنه في ظلمات ثلاث قال البطن والرحم والمشيمة‏.

ابو السعود

تفسير : {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} بـيانٌ لبعضٍ آخرَ من أفعالِه الدَّالَّةِ على ما ذُكر، وتركُ عطفِه على خلقِ السَّمواتِ للإيذانِ باستقلالِه في الدِّلالةِ ولتعلُّقِه بالعالم السُّفلي، والبَداءةُ يخلق الإنسانِ لعراقتِه في الدِّلالةِ لما فيه من تعاجيبِ آثارِ القُدرةِ وأسرارِ الحكمةِ وأصالتِه في المعرفةِ فإنَّ الإنسانَ بحالِ نفسِه أعرفُ والمرادُ بالنَّفسِ نفسُ آدمَ عليه السَّلامُ. وقولُه {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} عطفٌ على محذوفٍ هو صفةٌ لنفس أي منْ نفسٍ خلقَها ثمَّ جعل منها زَوْجَها أو على معنى واحدةٍ أي من نفسٍ واحدةٍ ثمَّ جعلَ منها زَوْجها فشَفَعها أو على خلقكم لتفاوتِ ما بـينهما في الدِّلالةِ فإنَّهما وإن كانتا آيتينِ دالتَّينِ على ما ذُكر لكن الأُولى لاستمرارِها صارتْ معتادةً وأما الثَّانيةُ فحيثُ لم تكن معتادةً خارجةً عن قياسِ الأولى كما يُشعر به التَّعبـيرُ عنها بالجعلِ دون الخلقِ كانت أدخلَ في كونِها آيةً وأجلبَ للتَّعجُّبِ من السَّامعِ فعطفت على الأولى بثمَّ دلالةً على مباينتِها لها فضلاً ومزية وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادةِ كونِها آيةً فهو من التَّراخي في الحالِ والمنزلةِ. وقيل أخرج ذريَّةَ آدمَ من ظهرهِ كالذَّرِّ ثم خلقَ منه حواء ففيهِ ثلاثُ آياتٍ مترتِّبة: خلقُ آدمَ عليه السَّلامُ بلا أبٍ وأمَ وخلقُ حوَّاءَ من قُصيراه، ثم تشعيبُ الخلقِ الفائتِ للحصرِ منهما. وقوله تعالى: {وَأَنزَلَ لَكُمْ} بـيانٌ لبعضٍ آخرَ من أفعاله الدَّالَّةِ على ما ذُكر أي قضى أو قسَم لكم فإنَّ قضاياهُ وقسمه تُوصف بالنُّزولِ من السَّماءِ حيثُ تُكتب في اللَّوحِ المحفوظِ أو أحدثَ لكم بأسبابٍ نازلةٍ من السَّماءِ كالأمطارِ وأشعَّةِ الكواكبِ {مّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ} ذكراً وأُنثى هي الإبلُ والبقرُ والضَّأنُ والمعزُ وقيل خلقَها في الجنَّةِ ثمَّ أنزلها. وتقديمُ الظَّرفينِ على المفعولِ والصَّريحِ لما مرَّ مراراً من الاعتناءِ بما قُدِّم والتَّشويقِ إلى ما أُخِّر فإنَّ كونِ الإنزالِ لمنافعِهم وكونَه من الجهةِ العاليةِ من الأمورِ المهمَّةِ المشوِّقةِ إلى ما أُنزل لا محالةَ. وقولُه تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ} استئنافٌ مسوقٌ لبـيان كيفيَّةِ خلقِهم وأطواره المختلفةِ الدَّالَّةِ على القُدرةِ الباهرةِ. وصيغة المضارعِ للدِّلالةِ على التَّدرجِ والتَّجدُّدِ. وقولُه تعالى: {خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ} مصدرٌ مؤكد أي يخلقكُم فيها خلقاً كائناً من بعدِ خلقٍ أي خلقاً مدرجاً حيواناً سَوياً من بعد عظام مكسوَّةٍ لحماً من بعد عظامٍ عارية من بعد مُضَغ مخلَّقةٍ من بعد مضغ غير مخلَّقةٍ من بعد علقةٍ من بعد نُطفةٍ {فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ} متعلِّق بـيخلقُكم وهي ظُلمة البطن وظُلمة الرَّحمِ وظُلمة المشيمةِ أو ظُلمة الصُّلبِ والبطنِ والرَّحِمِ. {ذٰلِكُمْ} إشارة إليه تعالى باعتبارِ أفعالِه المذكورةِ، وما فيه من معنى البُعدِ للإيذانِ بُبعد منزلتِه تعالى في العظمةِ والكبرياءِ. ومحلُّه الرَّفعُ على الابتداءِ أي ذلكم العظيمُ الشَّأنِ الذي عددت أفعاله {ٱللَّهُ} وقوله تعالى: {رَبُّكُـمْ} خبرٌ آخرُ أي مُربـيكم فيما ذُكر من الأطوارِ وفيما بعدَها ومالككم المستحقُّ لتخصيصِ العبادةِ به {لَهُ ٱلْمُلْكُ} على الإطلاقِ في الدُّنيا والآخرةِ ليس لغيره شركةٌ في ذلك بوجهٍ من الوجوهِ. والجملةُ خبرٌ آخرُ. وكذا قولُه تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} والفاء في قوله تعالى: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} لترتيبِ ما بعدَها على ما ذُكر من شؤونِه تعالى أي فكيفَ تُصرفون عن عبادتِه تعالى مع وفورِ موجباتِها ودواعيها وانتفاءِ الصَّارفِ عنها بالكُلِّيةِ إلى عبادةِ غيرِه من غير داعٍ إليها مع كثرة الصَّوارفِ عنها.

القشيري

{أية : مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}تفسير : [النساء: 1] يعني آدم وحواء. {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ} أي خلق لكم، {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} فمن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الضأن اثنين، ومن المواشي اثنين. {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ}: أي يصورِّكم، ويُرَكِّب أحوالكم. {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ}: ظلمة البطن، وظلمة الرَّحِم، وظلمة المشيمة. ذَكَّرَهم نسبتهم لئلا يُعْجَبُوا بأحوالهم. ويقال بَيَّنَ آثار أفعاله الحكيمة في كيفية خِلْقَتِك - من قطرتين - أمشاجاً متشاكلةَ الأجزاء، مختلفة الصُّوَرِ في الأعضاء، سَخَّرَ بعضَها مَحَالَّ للصفات الحميدة كالعلم والقدرة والحياة... وغير ذلك من أحوال القلوب، وسَخَّرَ بعضها مَحَالَّ للحواش كالسمع والبصر والشَّمِّ وغيرها. ويقال هذه كلها نِعَمٌ أنعم اللهُ بها علينا فَذَكَّرَنا بها - والنفوسُ مجبولةٌ، وكذلك القلوبُ على حُبِّ مَنْ أحسن إليها - استجلاباً لمحبتنا له. {ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ...} أي إن الذي أحسن إليكم بجميع هذه الوجوه هو ربُّكم. أي: أنا خلقتكم وأنا رزقتكم وأنا صَوَّرتُكم فأحسنت صُورَرَكم، وأنا الذين أسبَغْتُ عليكم إنعامي، وخصصتكم بجميل إكرامي، وأغرقتكم في بحار أفضالي، وعرفتكم استحقاق جمالي وجلالي، وهديتكم إلى توحيدي، وألزمتكم رعايةَ حدودي... فما لكم لا تَنْقَطِعون بالكلية إليَّ؟ ولا ترجون ما وَعَدْتُكم لديَّ؟ وما لكم في الوقت بقلوبكم لا تنظرون إليَّ؟

اسماعيل حقي

تفسير : {خلقكم} اى الله تعالى ايها الناس جميعا {من نفس واحدة} هى نفس آدم عليه السلام {ثم جعل منها} اى خلق من جنس تلك النفس واحدة او من قصيراها وهى الضلع التى تلى الخاصرة او هى آخر الاضلاع وبالفارسية ازاستخوان بهلوىجب او {زوجها} حوآء عليها السلام وثم عطف على محذوف هو صفة لنفس اى من نفس واحدة خلقها ثم جعل منها زوجها فشفعها وذلك فان ظاهر الآية يفيد ان خلق حوآء بعد خلق ذرية آدم وليس كذلك وفيه اشارة الى أن الله تعالى خلق الانسان من نفس واحدة هى الروح وخلق منها زوجها وهو القلب فانه خلق من الروح كما خلقت حوآء من ضلع آدم عليه السلام فالله تعالى متفرد بهذا الخلق مطلقا فينبغى ان يعرف ويعبد بلا اشراك {وانزل لكم} اى قضى وقسم لكم فان قضاياه تعالى وقسمه توصف بالنزول من السماء حيث تكتب فى اللوح المحفوظ او احدث لكم وانشأ باسباب نازلة من السماء كالامطار واشعة الكواكب وهذا كقوله قد انزلنا عليكم لباسا ولم ينزل اللباس نفسه ولكن انزل الماء الذى هو سبب القطن والصوف واللباس منهما {من الانعام} از جهار بايان {ثمانية ازواج} ذكرا وانثى هى الابل والبقر والضأن والمعز والانعام جمع نعم بفتحتين وهى جماعة الابل فى الاصل لا واحد لها من لفظها قال ابن الشيخ فى اول المائدة الانعام مخصوص بالانواع الاربعة وهى الابل والبقر والضأن والمعز ويقال لها الازواج الثمانية لان ذكر كل واحد من هذه الانواع زوج بانثاه وانثاه زوج بذكره فيكون مجموع الازواج ثمانية بهذا الاعتبار من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين والخيل والبغال والحمير خارجة من الانعام قال فى بحر العلوم الواحد اذا كان وحده فهو فرد واذا كان معه غيره من جنسه سمى كل واحد منهما زوجا فهى زوجان بدليل قوله تعالى خلق الزوجين الذكر والانثى وعند الحساب الزوج خلاف الفرد كالاربعة والثمانية فى خلاف الثلاثة والسبعة وخصصت هذه الانواع الاربعة بالذكر لكثرة الانتفاع بها من اللحم والجلد والشعر والوبر وفى التأويلات النجمية وانزل لكم من الانعام ثمانية ازوج اى خلق فيكم من صفات الانعام ثمانى صفات وهى الاكل والشرب والتغوط والتبول والشهوة والحرص والشره والغضب واصل جميع هذه الصفات الصفتان الاثنتان الشهوة والغضب فانه لا بد لكل حيوان من هاتين الصفتين لبقاء وجوده بهما فبالشهوة يجلب المنافع الى نفسه وبالغضب يدفع المضرات {يخلقكم فى بطون امهاتكم} اى فى ارحامهن جمع ام زيدت الهاء فيه كما زيدت فى اهراق من اراق {خلقا} كائنا {من بعد خلق} اى خلقا مدرجا حيوانا سويا من بعد عظام مكسوة لحما من بعد عظام عارية من بعد مضغ مخلقة من بعد مضغ غير مخلقة من بعد علقة من بعد نطفة ونظيره قوله تعالى وقد خلقكم اطوارا {فى ظلمات ثلاث} متعلق بيخلقكم وهى ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة وهى بالفتح محل الولد اى الجلد الرقيق المشتمل على الجنين او ظلمة الصلب والبطن والرحم وفيه اشارة الى ظلمة الخلقية وظلمة وجود الروح وظلمة البشرية وان شئت قلت ظلمة الجسد وظلمة الطبيعة وظلمة النفس فكما أن الجنين يخرج فى الولادة الاولى من الظلمات المذكورة الى نور عالم الملك والشهادة فكذا السالك يخرج فى الولادة الثانية من الظلمات المسطورة الى نور عالم الملكوت والغيب فى مقام القلب والروح (قال الحافظ) شعر : بال بكشا وصفير از شجر طوبى زن حيف باشد جوتومرغى كه اسير قفسى تفسير : {ذلكم} اشارة اليه تعالى باعتبار افعاله المذكورة ومحله الرفع على الابتدآء اى ذلكم العظيم الشأن الذى عدت افعاله {الله} خبره وقوله تعالى {ربكم} خبر آخر له اى مربيكم فيما ذكر من الاطوار وفيما بعدها ومالككم المستحق لتخصيص العبادة به وفى التأويلات النجمية اى انا خلقتكم وانا صورتكم وانا الذى اسبغت عليكم انعامى وخصصتكم بجميع اكرامى وغرقتكم فى بحار افضالى وعرفتكم استحقاق شهود جمالى وجلالى وهديتكم الى توحيدى وادعوكم الى وحدانيتى فما لكم لا تنطقون الى بالكلية وما لكم لا تطلبون منى ولا تطلبوننى وقد بشرتكم بقولى ألا من طلبنى وجدنى ومن كان لى كنت له ومن كنت له يكون له ما كان لى {له الملك} على الاطلاق فى الدنيا والآخرة ليس لغيره شركة فى ذلك بوجه من الوجوه وبالفارسية مرورا بادشاهى مطلق كه زوال وفنا بدوراه نيابد وقال بعض الكبار له ملك القدرة على تبليغ العباد الى المقامات العليه والكرامات السنية فينبغى للعبد ان لا يقنط فان الله تعالى قادر ليس بعاجز والجملة خبر آخر وكذا قوله تعالى {لا اله الا هو} نيست معبودى بسزا مكرا وفكما أن لا معبود الا هو فكذا لا مقصود بل لا موجود الا هو فهوا الوجود المطلق والهوية المطلقة والواحدة الذاتية {فانى تصرفون} اى فكيف ومن اى وجه تصرفون وتردون عن ملازمة بابه بالعبودية الى باب عاجز مثلكم من الخلق اى عن عبادته تعالى الى عبادة الاوثان مع وفور موجباتها ودواعيها وانتفاء الصارف عنها بالكلية الى عبادة غيره من غير داع اليها مع كثرة الصوارف عنها قال على كرم الله وجه قيل للنبى عليه السلام هل عبدت وثنا قط قال لا قيل هل شربت خمرا قال لا وما زلت اعرف ان الذى هم اى الكفار عليه من عبادة الاوثان ونحوها كفر وما كنت ادرى ما الكتاب ولا الايمان فادلة العقل وحدها كافية فى الحكم ببطلان عبادة غير الله فكيف وقد انضم اليها ادلة الشرع فلا بد من الرجوع الى باب الله تعالى فانه المنعم الحقيقى والعبودية له لأنه الخالق. قال ابو سعيد الخراز قدس سره العبودية ثلاثة الوفاء لله على الحقيقة ومتابعة الرسول فى الشريعة والنصيحة لجماعة الامة. واعلم ان العبادة هى المقصود من خلق الاشياء كما قال الله تعالى {أية : وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون} تفسير : سواء فسرت العبادة بالمعرفة ام لا اذ لا تكون المعرفة الحقيقية الا من طريق العبادة. حديث : وعن معاذ رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله اخبرنى بعمل يدخلنى الجنة ويباعدنى من النار قال "لقد سألت عن عظيم وانه يسير على من يسر الله تعالى تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال ألا ادلك على ابواب الخير الصوم جنة والصدقة تطفىء الخطيئة كما تطفأ النار بالماء وصلاة الرجل فى جوف الليل" ثم تلا {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} الآية ثم قال "ألا اخبرك برأس الامر وعموده وذروة سنامه الجهاد" ثم قال "ألا اخبرك بملاك ذلك كله" قلت بلى يا رسول الله فاخذ بلسانه وقال "كف عليك هذا" قلت يا نبى الله وانا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال "ثكلتك امك وهل يكب الناس فى النار على وجوههم او على مناخرهم الا حصائد ألسنتهم" شعر : تراديده درسر نهادند وكوش دهن جاى كفتار ودل جاى هوش مكر بازدانى نشيب ازفراز نكويىكه اين كوته است آن دراز

الطوسي

تفسير : قرأ السوسي، وابن فرج، وهبة عن الاخفش والترمذي إلا ابن فرج، ومدين من طريق عبد الله بن سلام، والبرجمي وخلف - بضم الهاء ووصلها بواو في اللفظ. الباقون - بضم الهاء من غير اشباع - وهذا خطاب من الله تعالى لجميع خلقه من البشر، يقول لهم على وجه تعداد نعمه عليهم وامتنانه لديهم {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني آدم لأن جميع البشر من نسل آدم. وقوله {ثم جعل منها زوجها} قيل: أنه خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم. وقال قوم: خلقها من فضل طينته. وفى قوله {ثم جعل منها زوجها} و (ثم) تقتضي التراخي والمهملة، وخلق الوالدين قبل الولد، وذلك يقتضي أن الله تعالى خلق الخلق من آدم ثم بعد ذلك خلق حواء، وذلك بخلاف المعلوم، لأن خلق حواء كان قبل خلق ولد آدم، فيه ثلاثة اقوال: احدها - ان الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر. ثم خلق بعد ذلك حواء من ضلع من اضلاع آدم - على ما روي في الاخبار - وهذا ضعيف لما بيناه في غير موضع في ما مضى. والثاني - ان ذلك وإن كان مؤخراً في اللفظ فهو مقدم في المعنى، ويجري مجرى قول القائل: قد رأيت ما كان منك اليوم ثم ما كان منك أمس، وإن كان ما كان امس قبل ما يكون اليوم. والثالث - انه معطوف على معنى واحدة كأنه قال من نفس واحدة بمعنى اوجدها. وقيل: إنه لا يمتنع أن يكون المراد بقوله {زوجها} غير حواء، بل يريد المزدوج من نسل آدم من الذكور والاناث، فكأنه قال تعالى {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} وهي آدم عليه السلام ثم جعل المزدوج من نسل هذه النفس، وهذا لا محالة متأخر عن خلق النفس الواحدة التى هي آدم. وقيل ايضاً: إن سبب دخول (ثم) أن الاعتداد بهذه النعمة، والذكر لها على الامتنان، انما كان بعد ذكر خلقنا من نفس واحدة، فكأنه قال: هو الذي ذكر لكم واعتد عليكم بأنه خلقكم من نفس واحدة، ثم عطف على هذا الاعتداد والامتنان ذكر نعمة اخرى، وهي ان زوج هذه النفس المخلوقة مخلوقة منها. فزمان الخلق المزوج وإن كان متقدماً، فزمان ذكره والاعتداد به متزاوج، وزمان الذكر للنعم والاعتداد بها غير الترتيب في زمان الايجاد والتكوين، كما يقول احدنا لغيره: لي عليك من النعم كذا اليوم، ثم كذا امس، وإن كان المعطوف متقدماً على المعطوف عليه إذا كان زمان الامتنان بذلك على خلاف ترتيب زمان ايصال النعم. وقيل: إن المراد بـ (ثم) الواو، فانه قد يستعمل الواو بمعنى (ثم) و (ثم) بمعنى الواو، لأن معنى الجمع الانضمام، وإن أراد بعضه على بعض. قال الله تعالى {أية : فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد} تفسير : ومعناه والله شهيد. وقوله {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} قال الحسن: معناه وجعل لكم منها. وقال: أنزلها بعد ان خلقها في الجنة ويعني بها، الابل، والبقر، والضان، والمعز من كل صنف اثنين. وهما زوجان. وهو قول قتادة ومجاهد والضحاك. وقوله {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق} قال قتادة ومجاهد والضحاك والسدي: معناه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم يكسي العظام لحماً ثم ينشىء خلقاً آخر. وقال ابن زيد: معناه الخلق في بطون الأمهات بعد الخلق في ظهر آدم. وقوله {في ظلمات ثلاث} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد: يعني ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة. وقيل: صلب الرجل وظلمة الرحم. ثم خاطب خلقه فقال {ذلكم الله ربكم} يعني الذي خلق ما ذكره هو الذي أنشاكم وهداكم ويملك التصرف فيكم {له الملك} على جميع المخلوقات {لا إله إلا هو} مستحق للعبادة {فأنى تصرفون} المعنى تؤفكون أي كيف تنقلبون عن ذلك إلى اتخاذ الآلهة سواه. ثم قال تعالى مخاطباً لهم {إن تكفروا فإن الله غني عنكم} ومعناه إن تجحدوا نعم الله فلا تشكروه، فان الله غني عن شكركم {ولا يرضى لعباده الكفر} وفى ذلك دلالة على ان الكفر ليس من فعل الله، ولا بارادته، لانه لو كان مريداً له لكان راضياً به، لأن الرضا هو الارادة اذا وقعت على وجهه. ثم قال {وإن تشكروا يرضه لكم} أي ان تشكروا نعمه وتعترفوا بها يرضه لكم ويريده منكم ويثيبكم عليه. واشباع الهاء أجود، لان الهاء أولها متحرك مثل {أية : خيراً يره و... شراً يره}، تفسير : والهاء اذا انفتح ما قبلها في نحو الفعل لم يجز الا الاشباع كقولهم كهلهو والهاء {في يرضه} كناية عن المصدر الذي دل عليه {وإن تشكروا} كقولهم: من كذب كان شراً له أي كان الكذب شراً له. وشكر الله لعبده هو اثابته على الشكر والطاعات، والشكر من العبد الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم. ومن أسكن الهاء قال ابو الحسن: هي لغة كقول الشاعر: شعر : ونضواي مشتاقان له أرقان تفسير : فعلى هذه اللغة يحمل دون أن يجري الوصل مجرى الوقف. وقوله {ولا تزر وازرة وزر أخرى} معناه لا يؤاخذ بالذنب الا من يفعله ويرتكبه، ولا يؤاخذ به غيره، وذلك نهاية العدل. وفى ذلك دلالة على بطلان قول المجبرة في ان الله تعالى يعذب اطفال الكفار بكفر آبائهم. وقوله {ثم إليه مرجعكم} ومعناه إن مصيركم يوم القيامة إلى حيث لا يملك الامر والنهي سواه {فينبئكم بما كنتم تعملون} أي يخبركم بما عملتموه ويواقفكم عليه ويجازيكم بحسب ذلك، انه عليم بذات الصدور لا يخفى عليه شيء لا سرّ ولا علانية.

الجنابذي

تفسير : {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} قد سبق فى سورة النّساء بيان الآية {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} اتى بثمّ للاشارة الى التّعقيب فى الاخبار فانّ خلق الجماعة الكثيرة من نفسٍ واحدةٍ لا غرابة فيه، وخلق الزّوج الّتى تكون شريكة لها فى خلق الجماعة الكثيرة منها امرٌ غريبٌ بالنّسبة اليه {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} قد سبق بيان الثّمانية الازواج فى سورة الانعام وانزل بمعنى خلق كما نسب الى امير المؤمنين (ع)، واستعمال انزل للاشعار بانّ شيئيّة الشّيء بفعليّته الاخيرة والفعليّة الاخيرة لكلّ ذى نفسٍ هى نفسه والتّحقيق انّ النّفوس وان كانت جسمانيّة الحدوث لكنّها منزلة من سماء الارواح وارباب الانواع الى افراد الانواع فاستعمال انزل فى معنى خلق لم يكن على سبيل المجاز {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} حيواناً سويّاً بعد خلق اللّحم والعظام بعد المضغة والعلقة والنّطفة {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} ظلمة البطن والرّحم والمشيمة كما فى الخبر {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ} الّذى هذه المذكورات اوصافه وافعاله {رَبُّكُمْ} فلا تطلبوا ربّاً سواه {لَهُ ٱلْمُلْكُ} جملة ما يملك ممّا سواه اوّله عالم الملك مقابل الملكوت {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} لمّا بالغ فى وعظهم وصرفهم عن المعبودات الباطلة توهّم انّ الله تعالى للاحتياج اليهم يستصرفهم عن المعبودات، فرفع ذلك التّوهّم بانّ اهتمامه لصرفكم اليه ليس الاّ محض الرّحمة والتّفضل عليكم لا لاحتياجه اليكم {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ}. تحقيق كون الكفر بارادة الله وعدم رضاه به ورضاه بالايمان قد سبق فى مطاوى ما سلف انّ الرّحمة الرّحمانيّة الّتى بها وجود الاشياء وبقاؤها بمنزلة المادّة للرّحمة الرّحيميّة والغضب، وللرّضا والسّخط، وللهداية والاضلال، وانّ المكوّنات كلّها كمالاتها الاوّليّة الذّاتيّة تحصل بالرّحمة الرّحمانيّة، والكمالات الثّانية الّتى تصل اليها تكويناً ان لم يعقها عائقٌ تحصل بالرّحمة الرّحيميّة ويقال لها: الولاية التّكوينيّة والرّضا التّكوينىّ، وانّ ذوى العقول وصولها الى كمالاتها الثّانية التّكليفيّة بالرّحمة الرّحيميّة، ويقال لها: الولاية التّكليفيّة والرّضا والهداية والتّوفيق وغير ذلك، وانّ انحراف المكوّنات تكويناً عن طريقها المستقيمة الّتى تكون بالفطرة سالكة عليها الى كمالاتها الثّانية وانحراف المكلّفين عن طريقهم المستقيمة التّكليفيّة لا تكون الاّ بارادة الله ومشيّته لكن ذلك الانحراف لا يكون الاّ من نقص مادّته وحدود وجوده فيكون نسبته الى نفسه اولى من نسبته الى خالقه ويكون غير مرضىٍّ لله وان كان مراداً له فانّ الارادة بحسب الرّحمة الرّحمانيّة، والرّضا بحسب الرّحمة الرّحيميّة ويكون مبغوضاً ومسخوطاً وصاحبه مخذولاً وضالاًّ وغير قابل للولاية التّكوينيّة او التّكليفيّة {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} لانّ الشّكر من الكمالات الثّانية التّكليفيّة وقد فسّر الكفر بالخلاف اى خلاف الولاية وخلاف الامام والشّكر بالولاية والمعرفة {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} ردّ لمن قال للّذين آمنوا بلسان القال كما حكى الله تعالى او بلسان الحال كما هو شأن المنافقين من الامّة وكما هو شأن المترأّسين فى الدّين من غير اذنٍ واجازةٍ: {أية : ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} تفسير : [العنكبوت:12] {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تعريض بمجازاتهم على عملهم فانّ الاخبار بالعمل فى الآخرة ليس الاّ للمجازاة عليه {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} قد تكرّر سابقاً انّ ما فى الصّدور امّا من قبيل الارادات والعزمات والنّيّات والخيالات والخطرات ويصدق عليها انّها ذات الصّدور، وامّا من قبيل القوى والاستعدادات المكمونة فى النّفوس الّتى لا شعور لصاحبى الصّدور بها وهى اولى بكونها ذات الصّدور لزوال المذكورات السّابقة عنها بسرعةٍ بخلافها فهى اولى بصدق المصاحبة والجملة تعليل لقوله تعالى: ينبّئكم وتهديد لمن يخفى اعماله.

اطفيش

تفسير : {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} هي آدم* {ثُمَّ جَعَلَ} أي خلق* {مِنْهَا زَوْجَهَا} حواء وثم هنا استعملت كالواو لمطلق التشريك أو كالفاء لمجرد الترتيب وعلى هذا المراد بالخلق اخراجنا كالذر بل هى المهملة أن تعد ما بين اخراجنا كالذر وخلقها أو أريد بالخلق ارادته وقضاء اي اراد وقضى خلقكم من نفس واحد فان ارادته أزلية بينها وبين خلقها ما لا عدد له وان كانت الارادة ارادة ايجاد متصلة بوقت الايجاد فبمعنى وهى أيضاً للمهملة مراعاة لمعنى واحد اما لانه من جملة المعطوف أو للعطف على واحدة اعتباراً لاشتقاقه كأنه قيل (من نفس توحدت ثم جعل)... الخ أو للترتيب الذكري فقط أو للمهملة والتراخي في المنزلة لا في التراخي في الوجود وذلك أن خلقنا واحداً بعد واحد من الآباء والأمهات عادة مستمرة وخلق حواء من قصيراه فهو أعلى دلالة على الله والقصيرى عظم أسفل الأضرع يلي الشاكة {وَأَنزَلَ} أي قضى وقسم فان قضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء لانها مكتوبة في اللوح المحفوظ وقيل خلق وقيل أنزل من السماء ماء وبه يخرج النبات وهي لا تعيش الا بالنبات فكأنه أنزلها والا فالدواب فيما قال مخلوقة من بقية طين آدم وكذا الطير وقيل الكلام على ظاهره وان أصولها خلقت في الجنة ثم أنزلها {لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ} الابل والبقر والغنم وهم ماعز وضأن* {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} الذكر زوج والانثى زوج فذلك ثمانية والزوج الواحد المقرون بآخر وكل واحد منهما زوج وغير المقرون فرد لا زوج لعدم ازدواجه مع الآخر واطلاق الزوج على الاثنين كلام العامية أو لغة* {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} الخطاب للناس وفيه بيان كيفية خلق الناس والأنعام اظهاراً لما فيها من عجائب القدرة لكن خصهم بالخطاب لشرفهم ولانهم المقصودون ودليل التخصيص قوله: (أمهاتكم) وقوله: (تصرفون) أي الى الشرك فان الامهات في بني آدم واما الدواب فيقال لها أمات وقيل: يقال في الجميع أمات وأمهات وانه لا فائدة فى خطاب غير العاقل وقد يقال خاطب الجميع ولو كانت الدواب لا يفيد خطابها تغليباً أو خلق الله العقل فيها حين الخطاب ولكن الخطاب في (تصرفون) للناس فقط* {خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} خلقكم نطفاً ثم علقاً ثم مضغاً ثم عظاماً عارية ثم مكسوة لحماً* {فِى ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ}. قال ابن عباس: ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة وعليه مجاهد. وقيل: ظلمة صلب الأب وظلمة الرحم وظلمة البطن. وقالت فرقة: ظلمة الصلب وظلمة الرحم وظلمة المشيمة. ذكر آيات قدرته في خلق السموات والأرض وتكوير الليل على النهار والنهار على الليل واتبع ذلك بذكر خلق الانسان وأعقبه بذكر خلق الحيوان وأعقبه بذكر ما اشترك فيه هؤلاء الحيوانات من الخلق في البطن والظلمات الثلاث وفي ذلك تنبيه على توحيد الخالق الذى لا يستحق العبادة غيره وتوهين لأمر الأصنام كما قال* {ذَالِكُمُ} الذي خلق الأشياء* {اللهُ} خبر* {رَبُّكُمْ} خبر ثان أو بدل وذلك كما يذكر زيد بأمر عظيم فتقول تعظيماً لزيد (ذلك زيد) و (الله) بدل أو بيان وربكم خبر والله مبتدأ ثان قائم مقام الضمير تعظيماً وتربية للمهابة أو الاشارة الى الفعل وبتقدير مضاف أي ذلك الفعل فعل الله ولا يكون الله نعتاً لاسم الاشارة لانه ليس اسم جنس* {لَهُ} لا لغيره* {الْمُلْكُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} لا خالق ولا معبوداً بحق الا هو {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} أي كيف يعدل بكم ويمال عن عبادته الى عبادة غيره وعن طريق الحق بعد هذا البيان

اطفيش

تفسير : {خلَقَكم} أيها الناس، أو أيها المشركون لم يعطف على خلق السماوات لاستقلاله بالدلالة على أنه تعالى واحد قهار، ولتعلقه بالعالم السفلى، وقدم ذكر خلق الانسان على خلق الأنعام لعقله، وقبول التكاليف {مِن نفسٍ واحِدةٍ} آدم عليه السلام بلا أب ولا أم {ثمَّ جَعَل منْها زوجَها} حواء، ثم لتراخى الزمان، إذ هو الأصل فيها، والمراد بخلقكم إخراجكم من آدم كالذر، وهو متقدم على خلق حواء، ويكفى فى التراخى مدة ولو قصيرة، ولا سيما أنها طالت بين الاخراج كالذر، وحين خلق حواء منه، ويجوز أن يكون التراخى رتبيا على أن خلقها من ضلع أعظم من خلقهم من نطفة، على أن المراد بخلقهم من نطفة وهو متأخر عن خلقها زمانا، وقد يكون خلقهم من نطفة أعظم من خلقها من ضلع، لأن النطفة ميتة، والضلع حى، ولكونها بتغيير بعضه عن حاله الأول، عبر الجعل فليس التعبير به لكون خلقها أعظم من خلقه. روى أنه أخرج ذريته من ظهره كالذر، ثم خلق زوجه من قصيرى ضلعه الأيسر أسفل الأضلاع، وبقى بعضه، أو جعل كله حواء، فالعطف على خلقكم بمعنى أخرجكم مجازا، ويجوز عطفه على نعت ثان محذوف، أو على مستأنف للبيان أى خلقها، ثم جعل منها، ويجوز عطفه على واحدة، ولو تغلبت عليه الاسمية لجواز ملاحظة الحدث فيه، أى وحدت ثم جعل منها مع عدم شهرة فعل الوحدة الثلاثى. {وأنْزل لَكُم مِن الأنْعام} أثبت لكم فى اللوح المحفوظ، وعبر بالانزال عن الاثبات، لأن المثبت فى اللوح المحفوظ تنزل الملائكة باظهاره على الاستعارة الأصلية واشتق منه أنزل على التبعية، والجامع الظهور بعد الخفاء، فإنه ظاهر فى الخارج بالاثبات فى اللوح، أو على المجاز الارسالى، فالتبعى لعلاقة السببية أو اللزوم، فثبوته فى اللوح سبب لنزوله وملزوم له، ويجوز ابقاء الانزال على حقيقته، وهو انزال المطر الذى هو سبب حياتها، لأنها لا تعيش إلا بالنبات، ولا نبات إلا بالماء، وهو ينزل من السماء فكأنها نزلت من السماء، وذلك متبادر، ولا دليل على ما قيل إنها خلقت فى الجنة مع آدم، ثم أنزلت منها، ومن للبيان متعلقة بمحذوف حال من قوله: {ثمانية أزْواجٍ} ذكور الضأن والمعز، والبقر والإبل، وإناثها، والعطف على خلقكم أو على جعل على أن ثم لغير ترتيب الزمان، لأن الصحيح، أن الأنعام وغيرها من الحيوان، خلقت قبل آدم، وضعف القول بأن الأنعام خلقه، وقدم لكم بطريق الترغيب والاعتناء بما صدر والتشويق الى ما أخر {يخْلُقكُم} خطاب لبنى آدم المخاطبين بقوله: " خلقكم" وإن جعلناه للأنعام ولبنى آدم ففيه تغليب العقلاء على غيرهم فى الضمير، والمخاطبين على ما استحق كلام الغيبة من أن يقال يخلقها {فى بُطُون أمَّهاتِكمْ خلقا من بعْدِ خَلْقٍ} علقة بعد نطفة، ومضغة بعد علقة، وعظما بعد مضغة، ولحما وجلدا وعروقا عظم، وهذه الأطوار فى بنى آدم والأنعام ونحوها، ومن متعلق، بخلقا أو بيخلق، بمحذوف نعت لخلقاً {في ظلمات} لا يتعلق بيخلق، لأنه قد علق فيه فى بطون وحرفا جر لمعنى واحد لا يتعلقان بعامل واحد إلا على التبعية، كما اذا جعلنا فى ظلمات بدلا من {في بطون} ويجوز تعليقه بخلقا {ثلاثٍ} ظلمة البطن، والرحم والمشيمة، وقيل: ظلمة الصلب، والبطن، والرحم، فى هذا المشيمة، ولعل إلغاءها لأنها لا يلزم أن تكون، وعلى كل حال ألغى صرد المرأة، مع أن ماءها منه، كما أن ماء الرجل من ظهره، ولعل إلغاءه لقلته. {ذَلكم} الفاعل لما ذكر {الله} المستحق لا ألوهية لفظا ومعنى، ولا يستحق الألوهية لفظا ولا معنى غيره، لأنه لا يفعل فعله، وهو خبر أو بدل أو بيان أو نعت على التأويل بالمعبود {ربُّكم} خبر ثان، أو خبر أو بدل أو نعت بمعنى المربى لكم فى تلك الأطوار، وبعدها {لَه المُلْك} خبر ثان أو ثالث أو خبر {لا إله إلا هُو} خبر آخر، أو خبر والأولى أنه مستأنف {فأنَّى} كيف {تُصْرفُون} عن عبادته واعتقاد ألوهيته، مع كمال الدواعى إليهما وانتفاء الصوارف.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } الخ دليل آخر على الوحدة والقهر. وترك عطفه على {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ }تفسير : [الزمر: 5] للإيذان باستقلاله في الدلالة ولتعلقه بالعالم السفلي، والبداءة بخلق الإنسان لأنه أقرب وأعجب بالنسبة إلى غيره باعتبار ما فيه من العقل وقبول الأمانة الإلٰهية وغير ذلك حتى قيل: شعر : وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر تفسير : والمراد بالنفس آدم عليه السلام. وقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } أي حواء فإنها خلقت من قصيري ضلعه عليه السلام اليسرى وهي أسفل الأضلاع على معنى أنها خلقت من بعضها أو خلقت منها كلها وخلق الله تعالى لآدم مكانها. عطف على محذوف هو صفة ثانية لنفس أي من نفس واحدة خلقها ثم جعل منها زوجها، أو على {وٰحِدَةٌ } لأنه في الأصل اسم مشتق فيجوز عطف الفعل عليه كقوله تعالى: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً }تفسير : [الأنعام: 96] ويعتبر ماضياً لأن اسم الفاعل قد يكون للمضي إذا لم يعمل أي من نفس وحدت ثم جعل منها زوجها ورجح بسلامته من التقدير الذي هو خلاف الأصل أو على {خَلَقَكُمْ } لتفاوت ما بينهما في الدلالة فإنهما وإن كانتا آيتين دالتين على ما مر من الصفات الجليلة لكن خلق حواء من الضلع أعظم وأجلب للتعجب ولذا عبر بالجعل دون الخلق فثم للتراخي الرتبـي، ويجوز فيه كون الثاني أعلى مرتبة من الأول وعكسه، وقيل إنه تعالى أخرج ذرية آدم عليه السلام من ظهره كالذر ثم خلق منه حواء فالمراد بخلقهم منه إخراجهم من ظهره كالذر فالعطف على {خَلَقَكُمْ } وثم على ظاهرها، وهذا لا يقبل إلا إذا صح مرفوعاً أو في حكمه. وقد تضمنت الآية ثلاث آيات خلق آدم عليه السلام بلا أب وأم وخلق حواء من قصيراه وخلق ذريته التي لا يحصى عددها إلا الله عز وجل. وقوله تعالى: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } استدلال بنوع آخر من العالم السفلي. والإنزال مجاز عن القضاء والقسمة فإنه تعالى إذا قضى وقسم أثبت ذلك في اللوح المحفوظ ونزلت به الملائكة الموكلة بإظهاره، ووصفه بالنزول مع أنه معنى شائع متعارف كالحقيقة والعلاقة بين الإنزال والقضاء الظهور بعد الخفاء ففي الكلام استعارة تبعية، وجوز أن يكون فيه مجاز مرسل، ويجوز أن يكون التجوز في نسبة الإنزال إلى الأنعام والمنزل حقيقة أسباب حياتها كالأمطار ووجه ذلك الملابسة بينهما، وقيل يراد بالأزواج أسباب تعيشها أو يجعل الإنزال مجازاً عن إحداث ذلك بأسباب سماوية وهو كما ترى، وقيل الكلام على ظاهره والله تعالى خلق الأنعام في الجنة ثم أنزلها منها ولا أرى لهذا الخبر صحة. والأنعام الإبل والبقر والضأن والمعز وكانت ثمانية أزواج لأن كلاً منها ذكر وأنثى. وتقديم الظرفين على المفعول الصريح لما مر مراراً من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أخر. وقوله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ } بيان لكيفية خلق من ذكر من الأناسي والأنعام إظهاراً لما فيه من عجائب القدرة، وفيه تغليبان تغليب أولي العقل على غيرهم وتغليب الخطاب / على الغيبة كذا قيل، والأظهر أن الخطاب خاص وصيغة المضارع للدلالة على التدرج والتجدد. وقوله تعالى: {خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ } مصدر مؤكد أن تعلق {مّن بَعْدِ} بالفعل وإلا فغير مؤكد أي يخلقكم فيها خلقاً مدرجاً حيواناً سوياً من بعد عظام مكسوة لحماً من بعد عظام عارية من بعد مضغ [مخلقة من بعد مضغ] غير مخلقة من بعد علقة من بعد نطفة فقوله سبحانه: {خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} لمجرد التكرير كما يقال مرة بعد مرة لا أنه مخصوص بخلقين. وقرأ عيسى وطلحة {يَخْلُقُكُمْ } بإدغام القاف في الكاف {فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ } ظلمة البطن والرحم والمشيمة، وقيل ظلمة الصلب والبطن والرحم. والجار والمجرور متعلق بيخلقكم، وجوز الشهاب تعلقه بخلقاً بناء على أنه غير مؤكد وكونه بدلاً من قوله تعالى: {فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ }. {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ } إشارة إليه تعالى باعتبار أفعاله المذكورة على وجه يدل على بعد منزلته تعالى في العظمة والكبرياء. واسم الإشارة مبتدأ والاسم الجليل خبره و {رَبُّكُـمْ } خبر بعد خبر والاسم الجليل نعت أو بدل وهو الخبر أي ذلكم العظيم الشأن الذي عددت أفعاله الله مربيكم فيما ذكر من الأطوار وفيما بعدها ومالككم المستحق لتخصيص العبادة به سبحانه {لَهُ ٱلْمُلْكُ } على الإطلاق في الدنيا والآخرة ليس لغيره تعالى شركة ما في ذلك بوجه من الوجوه والجملة خبر آخر، وقوله تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } جملة متفرعة على ما قبلها ولم يصرح معها بالفاء التفريعية اعتماداً على فهم السامع. وفي «إرشاد العقل السليم» أنه خبر آخر. والفاء في قوله تعالى: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} لترتيب ما بعدها على ما ذكر من شؤونه عز وجل أي فكيف تصرفون عن عبادته تعالى مع وفور موجباتها ودواعيها وانتفاء الصارف عنها بالكلية إلى عبادة غيره سبحانه من غير داع إليها مع كثرة الصوارف عنها.

ابن عاشور

تفسير : {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}. انتقال إلى الاستدلال بخلق الناس وهو الخلق العجيب. وأُدمج فيه الاستدلال بخلق أصلهم وهو نفس واحدة تشعب منها عدد عظيم وبخلق زوج آدم ليتقوّم ناموس التناسل. والجملة يجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير الجلالة، ويجوز أن تكون استئنافاً ابتدائياً تكريراً للاستدال. والخطاب للمشركين بدليل قوله بعده: {فأنَّى تُصرفونَ}، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب، ونكتته أنه لما أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم عنهم بطريق الغيبة أقبَلَ على خطابهم ليُجمع في توجيه الاستدلال إليهم بين طريقي التعريض والتصريح. وتقدم نظير هذه الجملة في سورة الأعراف، إلاّ أن في هذه الجملة عطف قوله: {جعل منها زوجها} بحرف {ثم} الدال على التراخي الرتبي لأن مساقها الاستدلال على الوحدانية وإبطال الشريك بمراتبه، فكان خلق آدم دليلاً على عظيم قدرته تعالى وخلق زوجه من نفسه دليلاً آخر مستقل الدلالة على عظيم قدرته. فعطف بحرف {ثم} الدال في عطف الجمل على التراخي الرتبي إشارة إلى استقلال الجملة المعطوفة بها بالدلالة مثل الجملة المعطوفة هي عليها، فكان خلق زوج آدم منه أدلّ على عظيم القدرة من خلق الناس من تلك النفس الواحدة ومن زوجها لأنه خلق لم تجرِ به عادة فكان ذلك الخلق أجلب لعجب السامع من خلق الناس فجيء له بحرف التراخي المستعمل في تراخي المنزلة لا في تراخي الزمن لأن زمن خلق زوج آدم سابق على خلق الناس. فأما آية الأعراف فمساقها مساق الامتنان على الناس بنعمة الإِيجاد، فذُكر الأصلان للناس معطوفاً أحدهما على الآخر بحرف التشريك في الحكم الذي هو الكون أصلاً لخلق الناس. وقد تضمنت الآية ثلاث دلائل على عظم القدرة خلق الناس من ذكر وأنثى بالأصالة وخلق الذكر الأول بالإِدماج وخلق الأنثى بالأصالة أيضاً. {زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أزواج}. استدلال بما خلقه الله تعالى من الأنعام عطف على الاستدلال بخلق الإِنسان لأن المخاطبين بالقرآن يومئذٍ قوام حياتهم بالأنعام ولا تخلو الأمم يومئذ من الحاجة إلى الأنعام ولم تزل الحاجة إلى الأنعام حافّة بالبشر في قِوام حياتهم. وهذا اعتراض بين جملة {خلقَكم من نَفسسٍ واحدةٍ} وبين {يخلُقكم في بُطونِ أُمهاتِكُم} لمناسبة أزواج الأنعام لزوج النفس الواحدة. وأدمج في هذا الاستدلال امتنان بما فيها من المنافع للناس لما دل عليه قوله: {لَكُم} لأن في الأنعام مواد عظيمة لبقاء الإِنسان وهي التي في قوله تعالى: {أية : والأنعام خلقها لكم فيها دفء}تفسير : [النحل: 5] إلى قوله: {أية : إلا بشق الأنفس}تفسير : [النحل: 7] وقوله: {أية : ومن أصوافها وأوبارها}تفسير : الخ في سورة [النحل:80]. والإِنزال: نقل الجسم من علوّ إلى سُفل، ويطلق على تذليل الأمر الصعب كما يقال: نزلوا على حكم فلان، لأن الأمر الصعب يتخيل صعب المنال كالمعتصم بقمم الجبال، قال خصَّاب بن المعلَّى من شعراء الحماسة:شعر : أنزلني الدهر على حكمه من شَاهق عالٍ إلى خفض تفسير : فإطلاق الإِنزال هنا بمعنى التذليل والتمكين على نحو قوله تعالى: {أية : وأنزلنا الحديد}تفسير : [الحديد: 25] أي سخرناه للناس فألهمناهم إلى معرفة قَيْنِه يتخذونه سيوفاً ودروعاً ورماحاً وعتاداً مع شدته وصلابته. ويجوز أن يكون إنزال الأنعام إنزالها الحقيقي، أي إنزال أصولها من سفينة نوح كقوله تعالى: {أية : ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم}تفسير : [الأعراف: 11]، أي خلقنا أصلكم وهو آدم، قال تعالى: {أية : قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين}تفسير : [هود: 40] فيكون الإِنزال هو الإِهباط قال تعالى: {أية : قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك}تفسير : [هود: 48]، فهذان وجهان حسنان لإِطلاق الإِنزال، وهما أحسن من تأويل المفسرين إنزال الأنعام بمعنى الخلق، أي لأن خلقها بأمر التكوين الذي ينزل من حضرة القدس إلى الملائكة. والأزواج: الأنواع، كما في قوله تعالى: {أية : ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين}تفسير : [الرعد: 3] والمراد أنواع الإِبل والغنم والبقر والمعز. وأطلق على النوع اسم الزوج الذي هو المثنّى لغيره لأن كل نوع يتقوّم كيانه من الذكر والأنثى وهما زوجان أو أطلق عليها أزواج لأنه أشار إلى ما أنزل من سفينة نوح منها وهو ذكر وأنثى من كل نوع كما تقدم آنفاً. {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَـٰتٍ ثلاثٍ}. بدل من جملة {خلقكم من نفسٍ واحدة} وضمير المخاطبين هنا راجع إلى الناس لا غير وهو استدلال بتطور خلق الإِنسان على عظيم قدرة الله وحكمته ودقائق صنعه. والتعبير بصيغة المضارع لإِفادة تجدد الخلق وتكرره مع استحضار صورة هذا التطور العجيب استحضاراً بالوجه والإِجمال الحاصل للأذهان على حسب اختلاف مراتب إدراكها، ويعلم تفصيله علماء الطب والعلوم الطبيعية وقد بينه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن أحدكم يُجمَع خلقُه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يُرسل إليه الملَك فينفخُ فيه الروح»تفسير : . وقوله: {خلقاً من بعدِ خلقٍ} أي طوراً من الخلق بعد طور آخر يخالفه وهذه الأطوار عشرة: الأول: طور النطفة، وهي جسم مُخاطِيّ مستدير أبيض خال من الأعضاء يشبه دودة، طولُه نحو خمسة مليميتر. الثاني: طور العلَقة، وهي تتكون بعد ثلاثة وثلاثين يوماً من وقت استقرار النطفة في الرحم، وهي في حجم النملة الكبيرة طولها نحو ثلاثة عشر مليمتراً يلوح فيها الرأس وتخطيطات من صُور الأعضاء. الثالث: طور المضغة وهي قطعَة حمراء في حجم النحْلة. الرابع: عند استكمال شهرين يصير طوله ثلاثة صانتميتر وحجم رأسه بمقدار نصف بقيته ولا يتميز عنقه ولا وجهه ويستمر احمراره. الخامس: في الشهر الثالث يكون طوله خمسة عشر صانتيميتراً ووزنه مائة غرام ويبدو رسم جبهته وأنفه وحواجبه وأظافره ويستمر احمرار جلده. السادس: في الشهر الرابع يصير طوله عشرين صانتيميتراً ووزنه (240) غرامات، ويظهر في الرأس زغب وتزيد أعضاؤه البطْنية على أعضائه الصدْرية وتتضح أظافره في أواخر ذلك الشهر. السابع: في الشهر السادس يصير طوله نحو ثلاثين صنتيمتراً ووزنه خمسمائة غرام ويظهر فيه مطبقاً وتتصلب أظافره. الثامن: في الشهر السابع يصير طوله ثمانية وثلاثين صنتيمتراً ويقلّ احمراراً جلده ويتكاثف جلده وتظهر على الجلد مادة دُهنية دسمة ملتصقة، ويطول شعر رأسه ويميل إلى الشقرة وتتقبب جمجمته من الوسط. التاسع: في الشهر الثامن يزيد غلظه أكثر من ازدياد طوله ويكون طوله نحو أربعين صنتيمتراً، ووزنه نحو أربعة أرطال أو تزيد، وتقوى حركته. العاشر: في الشهر التاسع يصير طوله من خمسين إلى ستين صنتيمتراً ووزنه من ستة إلى ثمانية أرطال. ويتم عظْمه، ويتضخّم رأسه، ويكثف شعره، وتبتدىء فيه وظائف الحياة في الجهاز الهضمي والرئة والقلب، ويصير نماؤه بالغذاء، وتظهر دورة الدم فيه المعروفة بالدورة الجَنِينِية. و (الظلمات الثلاث): ظلمة بطن الأم، وظلمة الرحم، وظلمة المَشِيمة، وهي غشاء من جلد يخلق مع الجنين محيطاً به ليقيه وليكون به استقلاله مما ينجر إليه من الأغذية في دورته الدموية الخاصة به دون أمه. وفي ذكر هذه الظلمات تنبيه على إحاطة علم الله تعالى بالأشياء ونفوذ قدرته إليها في أشدَّ ما تكون فيه من الخفاء. وانتصب {خَلْقاً} على المفعولية المطلقة المبينة للنوعية باعتبار وصفه بأنه {من بعدِ خلقٍ}، ويتعلق قوله: {في ظُلماتٍ ثلاثٍ} بــــ {يَخلُقُكُمْ}. وقرأ الجمهور {أُمهاتُكُمْ} بضم الهمزة وفتح الميم في حالي الوصل والوقف وقرأه حمزة في حال الوصل بكسر الهمزة إتباعاً لكسرة نون {بُطُونِ} وبكسر الميم إتباعاً لكسر الهمزة. وقرأه الكسائي بكسر الميم في حال الوصل مع فتح الهمزة.. {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تصرفون}. بعد أن أُجري على اسم الله تعالى من الأخبار والصفات القاضية بأنه المتصرف في الأكوان كلها: جواهرها وأعراضها، ظاهرها وخفيها، ابتداءً من قوله: {أية : خَلَقَ السَّمٰوَاتِ والأرضَ بِالحَقِّ}تفسير : [الأنعام: 73]، ما يرشد العاقل إلى أنه المنفرد بالتصرف المستحق العبادة المنفرد بالإِلٰهية أعقب ذلك باسم الإِشارة للتنبيه على أنه حقيق بما يرد بعده من أجل تلك التصرفات والصفات. والجملة فذلكة ونتيجة أنتجتها الأدلة السابقة ولذلك فصلت. واسم الإِشارة لتمييز صاحب تلك الصفات عن غيره تمييزاً يفضي إلى ما يرد بعد اسم الإِشارة على نحو ما قرر في قوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : في سورة [البقرة: 5]. والمعنى: ذلكم الذي خلق وسخر وأنشأ الناس والأنعام وخلق الإِنسان أطواراً هو الله، فلا تشركوا معه غيره إذ لم تَبْق شبهة تَعذر أهلَ الشرك بشركهم، أي ليس شأنُه بمشابه حال غيره من آلهتكم قال تعالى: {أية : أم جعلوا للَّه شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم}تفسير : [الرعد: 16]. والإِتيان باسمه العلَم لإِحضار المسمّى في الأذهان باسم مُختصّ زيادة في البيان لأن حال المخاطبين نزل منزلة حال من لم يعلم أن فاعل تلك الأفعال العظيمة هو الله تعالى. واسم الجلالة خبر عن اسم الإِشارة. وقوله: {رَبُّكُم} صفة لاسم الجلالة. ووصفه بالربوبية تذكير لهم بنعمة الإِيجاد والإِمداد وهو معنى الربوبية، وتوطئة للتسجيل عليهم بكفران نعمته الآتي في قوله: {أية : إن تكفروا فإن اللَّه غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر}تفسير : [الزمر: 7]. وجملة {لَهُ المُلْكُ} خبر ثان عن اسم الإِشارة. والملك: أصله مصدر مَلَك، وهو مثلث الميم إلا أن مضمون الميم خصه الاستعمال بمُلك البلاد ورعاية الناس، وفيه جاء قوله تعالى: {أية : تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء}تفسير : [آل عمران: 26]، وصاحبه: مَلِك، بفتح الميم وكسر اللام، وجمعه: ملوك. وتقديم المجرور لإِفادة الحصر الادعائي، أي الملك لله لا لغيره، وأما مُلك الملوك فهو لنقصه وتعرُّضه للزوال بمنزلة العدم، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : الحمد للَّه}تفسير : [الفاتحة: 2]، وفي حديث القيامة: «حديث : ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض»تفسير : ، فالإِلٰهية هي المُلك الحقّ، ولذلك كان ادعاؤهم شركاء للإِلٰه الحق خطأً، فكان الحصر الادعائي لإِبطال ادعاء المشركين. وجملة {لا إلٰهَ إلاَّ هُوَ} بيان لجملة الحصر في قوله: {لَهُ المُلْكُ}. وفرع عليه استفهام إنكاري عن انصرافهم عن توحيد الله تعالى، ولما كان الانصراف حالةً استُفهم عنها بكلمة {أنّى} التي هي هنا بمعنى (كيف) كقوله تعالى: {أية : أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة}تفسير : [الأنعام: 101]. والصرف: الإِبعاد عن شيء، والمصروف عنه هنا محذوف، تقديره: عن توحيده، بقرينة قوله: {لا إله إلاَّ هُوَ}. وجعَلهم مصروفين عن التوحيد ولم يذكر لهم صارفاً، فجاء في ذلك بالفعل المبني للمجهول ولم يقل لهم: فأنى تنصرفون، نعياً عليهم بأنهم كالمَقُودين إلى الكفر غير المستقلين بأمورهم يصرفهم الصارفون، يعني أيمة الكفر أو الشياطين الموسوسين لهم. وذلك إلْهاب لأنفسهم ليكفّوا عن امتثال أيمتهم الذين يقولون لهم: {أية : لا تسمعوا لهذا القرآن}تفسير : [فصلت: 26]، عسى أن ينظروا بأنفسهم في دلائل الوحدانية المذكورة لهم. والمعنى: فكيف يصرفكم صارف عن توحيده بعدما علمتم من الدلائل الآنفة. والمضارع هنا مراد منه زمن الاستقبال بقرينة تفريعه على ما قبله من الدلائل.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه خلق بني آدم من نفس واحدة هي أبوهم آدم، ثم جعل من تلك النفس، زوجها يعني حواء. أي وبث جميع بني آدم منهما، وأوضح هذا في مواضع أخر من كتابه، كقوله تعالى في أول سورة النساء {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} تفسير : [النساء: 1] وقوله في الأعراف: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْها} تفسير : [الأعراف: 189] الآية، وتأنيث الوصف، بقوله واحدة، مع أن الموصوف به مذكر، وهو آدم نظراً إلى تأنيث لفظ النفس، وإن كان المراد بها مذكراً، ونظير ذلك من كلام العرب قوله: شعر : أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال تفسير : قوله تعالى: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} قد قدمنا إيضاح هذه الأزواج الثمانية بنص القرآن العظيم، في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى {أية : وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ} تفسير : [آل عمران: 14]. قوله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُراب} تفسير : [الحج: 5] الآية وبينا هناك المراد بالظلمات الثلاث المذكورة هنا.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاحِدَةٍ} {ٱلأَنْعَامِ} {ثَمَانِيَةَ} {أَزْوَاجٍ} {أُمَّهَاتِكُـمْ} {ظُلُمَاتٍ} {ثَلاَثٍ} (6) - وَقَدْ خَلَقَكُمْ اللهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَى اخِتْلاَفِ أَلْوَانِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ هِيَ آدَمُ، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ آدَمَ حَوّاءَ، ثُمَّ بَثَّ مِنْهُمَا فِي الأَرْضِ رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً، وَخَلَقَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةِ أَزْوَاجٍ هِيَ التِي ذَكَرَهَا فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ {أية : مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ... وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ}، تفسير : أَيْ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ مِنْ كُلِّ صُنْفٍ ذَكَراً وَأُنْثَى، وَقَدَّرَكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ، فَيَكُونُ المَخْلُوقُ أَوَّلاً نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلقَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً، ثُمَّ يَخْلُقُ لَهُ لَحْماً وَعِظَاماً وَأَعْصَاباً وَأَوْعِيَةً، وَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَيَصِيرُ خَلْقاً آخَرَ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ. وَتَكُونُ الأَجِنَّةُ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا مُحَاطَةً بِأَغْشِيَةٍ ثَلاثَةٍ سَمَّاهَا اللهُ تَعَالَى، ظُلُمَاتٍ، وَهِذَهِ الأَغْشِيَةُ يَعْرِفُهَا الطِّبُّ، وَلاَ تَظْهَرُ إِلاَّ بِالتَّشْرِيحِ الدَّقِيقِ، وَإِنْ بَدَتْ لِلْعَينِ وَكَأَنَّهَا غِشَاءٌ وَاحِدٌ (كَمَا يَقُولُ الدُّكْتُورُ عَبْدُ العَزِيزِ إِسْمَاعِيلُ)، (وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ هَذِهِ الظُّلُمَاتِ الثَّلاَثَ هِي ظُلْمَةُ الرَّحِمِ، وَظُلْمَةُ المُشَيْمَةِ، وَظُلْمَةُ البَطْنِ)، وَذَلِكَ الخَالِقُ القَادِرُ عَلَى خَلْقِ الكَوْنِ وَتَدْبِيرِهِ، كَمَا بَيَّنَهُ لَكُمْ هُوَ اللهُ رَبُّكُمْ، لَهُ المُلْكُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، وَلاَ تَنْبَغِي العِبَادَةُ إِلاَّ لَهُ، وَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ تَعَالَى، مَعَ تَوَفِّرِ مُوجِبَاتِهَا وَدَوَاعِيها، إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِهِ مِمَّا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ؟ أَنْزَلَ لَكُمْ - أَنْشَأَ وَأَحْدَثَ لأَِجْلِكُمْ. ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ - ظُلُمَاتِ المُشَيْمَةِ ذَاتِ الأَغْلِفَةِ الثَّلاَثَةِ، أَوْ هِيَ ظُلُمَاتُ الرَّحِمِ، والبَطْنِ، وَالمُشَيْمَةِ. فَأَنَّى تُصْرَفُونَ - فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ إِلَى مَا سِوَاهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تبين الآيةُ طبيعة خَلْق الإنسان الذي أراده خليفة في الأرض، فقال: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الزمر: 6] هو آدم عليه السلام {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: 6] أي: حواء، ومنهما كانت الذرية وجاء التناسل. وما دام الله تعالى خلق هذا المخلوق ليكون خليفةً يعمر الأرض فلا بُدَّ أنْ يكونوا من جنس واحد ليتم لهم الإلْف والانسجام وتجمعهم حركة الحياة. وإلا لو كان هذا الخليفة من أجناس متعددة، فمجموعة مثلاً من الإنس، وأخرى من الجن، وأخرى من الحيوان ما استقامتْ بهم الحياة، ولا تساندتْ حركتهم. إذن: الجنس الواحد تتوفر فيه المودة والإلْف والمحبة والانسجام بين عناصره لأن لكل جنس قانونَهُ ونظامه والتقاءاته ومعاشرته، ولو أن الإنسان خُلِق من أجناس مختلفة لتعذَّر عليه الائتلاف واتحاد الحركة والأنس في المعيشة. وأيضاً، فإن الخالق سبحانه خلق الإنسان من جنس واحد ليثبت التساوي في الأصل، فلا يكون لأحد مَزيّة على أحد، لأنه خلق من جنس أعلى، وإنما ليكون التفاضل والمزية بمقدار توافق هذا المخلوق مع منهج الله، وهذه القضية أوضحها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: "حديث : لا فضلَ لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى ". تفسير : والحق سبحانه يقول: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} تفسير : [الحجرات: 13] يعني: لا فضلَ لأحدكم على الآخر إلا بحسنه فيما يستقبل عن ربه. وإنما تأتي الألوان والأشكال مختلفة لتناسب بيئة المعيشة، فالبيئات الحارة مثلاً يميل أهلها إلى السواد، والبيئات الباردة إلى البياض، كذلك الحال في اختلاف الألسنة بحسب البيئات أيضاً. أما الأصل فنحن جميعاً نُرَدُّ إلى آدم، وآدم خُلِق من تراب، وذريته خُلِقَتْ من بعده بالتكاثر. حتى في الرسالة قال الله تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [التوبة: 128] يعني: ليس غريباً عنكم، وليس من جنس غير جنسكم، فلم يكُنْ من الملائكة مثلاً مع أنها أعلى درجة إلا أن الرسول الملَك لا تتحقق فيه القدوة والأسوة المرادة من الرسول، كذلك لم يأْتِ فارسياً ولا رومياً يختلف لسانه عن لسانكم، إنما جاء عربياً من أوسطكم، ومن أعظم قبائلكم. إذن: البشر جميعاً في هذا الكون يعودون إلى نفس واحدة هي آدم عليه السلام، وقد أوضح لنا الحق سبحانه كيف خلق آدم بالشكل المعروف. وقال سبحانه: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 29]. لكن لم يذكر شيئاً عن خلق حواء، إلا أن العلماء قالوا: خلقها الله كما خلق آدم، وقال آخرون: بل خُلِقَتْ من ضلع من أضلاع آدم، فهي مطمورة في خَلْق آدم، مما يدلُّ على أن المرأة تابعة للرجل، محجوبة فيه، حتى في مسألة الخَلْق. وأصحاب هذا الرأي يعتمدون على معنى: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: 6] منها أي: من جزء من أجزائه، أو من جنسه؛ لأن جعل لا تدل على اختلاف العنصر كما في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} تفسير : [السجدة: 9]. يعني: قطعة منا صارتْ السمع، وقطعة صارتْ البصر، وأخرى الأفئدة. كذلك حين يتحدث القرآن عن العمل تأتي المرأة مستورة في الرجل، فيقول تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 1-3] وفي مواضع كثيرة يقول تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ..} تفسير : [المائدة: 35] ولم يُوجِّه الخطاب إلى النسوة مباشرةً إلا في الأمور الخاصة بهن. ثم يقول تعالى، وهو يُعدِّد بعض نِعَمه على خَلْقه: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6] وسبق أن قلنا في صدر هذه السورة: إن الإنزال لا تنظر فيه إلى جهة العلو فحسب كما في إنزال المنهج والقيم، إنما ينظر أيضاً إلى المنزل سبحانه، فالإنزال يكون بمعنى الإيجاد، والأنعام من النعم الموجودة في الأرض لكنها من عند مَنْ؟ من عند الله فكأنه أنزلها، والإنزال هنا ناسبه حرف الجر {لَكُمْ} ولم يقُلْ: عليكم لأن الأنعام شيء منفصل عن الإنسان. وقد ورد تفصيل هذه الثمانية في سورة الأنعام، ومع أن نِعَم الله علينا كثيرة إلا أنه خَصَّ هنا الأنعام بالذات، لأنها الجنسُ القريب من الإنسان من حيث الخَلْق، بعدها النبات ثم الجماد. وكلمة الزوج. البعض يظن أنها تعني اثنين معاً، وهذا خطأ لأن الزوج تعني: واحد ومعه مثله، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} تفسير : [الذاريات: 49] ومثلها كلمة توأم. وقوله: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} [الزمر: 6] معنى {خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} [الزمر: 6] بيان لأطوار الخلق التي يمر بها الجنين في بطن أمه، فهو يتقلب في بطنها بين ماء مَهِين، يستقر في الرحم نطفة، ثم علقة ثم مضغة، ثم يتكوَّن منها العظام، ثم يكسو العظام لحماً، هذه أطوار الخَلْق المرادة في قوله تعالى: {خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} [الزمر: 6]. قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 12-14]. هذه هي الأطوار التي يمرُّ بها الإنسان منذ أنْ يصلَ إلى رَحِم الأم، وهذا يعني أن هناك طَوْراً يسبق هذه الأطوار، هو طوْر التقاء عنصر الذكورة بعنصر الأنوثة، أو التقاء الحيوان المنوي بالبويضة وتلقيحها؛ لأنه لا يصل إلى الرحم إلا بويضة مُلقَّحة دخلها ميكروب الذكورة. وفي سورة الحج بيَّن سبحانه أن المضغة منها مُخلَّقة وغير مُخلَّقة: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} تفسير : [الحج: 5]. فالمضغة المخلّقة هي الجزء الذي خُلِّقتْ منه الأعضاء والجوارح، وغير المخلَّقة هي الجزء الذي استقر في الجسم بدون تخليق ليظل احتياطياً للجسم، وكأنه (رِيِزْرف) أو صيدلية صيانة، فإذا ما حدث في الجسم عطب قامتْ المضغة غير المخلَّقة بإصلاحه، كما نرى مثلاً في الجروح، فالجرح بعد فترة يندمل وتبني فيه أنسجته حتى تعودَ كما كانت، من أين؟ من المضغة غير المخلَّقة. والعجيب أن الجسم حين تتركه على طبيعته ولا تتدخّل في الجرح بمواد كيماوية يلتئم ويعود دون أنْ يتركَ أثراً، إنما حين نتدخل بأدوية ومواد كيماوية لا بُدَّ أنْ تؤثر على الخلايا والأنسجة، وتترك فيها أثراً. لذلك أثبت العلم أن في الإنسان مخزنين للقوت، مخزناً لقوته اليومي، ومخزناً آخر احتياطياً، نأخذ منه القوت حين ينفد ما في المخزن الأول، لأن الإنسان يأكل على قَدْر الطاقة ثم يزيد عليها، فتتحول هذه الزيادةُ إلى دهون في الجسم، وحين يجوع الإنسانُ أو يعطش يستمد قوته من الدهن الموجود في جسمه، ومن العجيب أن هذه المادة الدهنية تتحول إلى أيِّ مادة يحتاجها الجسم. ولوجود هذا المخزن رأينا الإنسانَ يصبر على الجوع شهراً، في حين لا يصبر على العطش أكثر من عشرة أيام، لماذا؟ لأنه حين يجوع ولا يجد طعاماً يستمد طعامه من المخزون الاحتياطي في جسمه. فقوله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ} [الزمر: 6] أي: الخلق الثاني، فالخَلْق الأول خلق آدم عليه السلام من تراب، وقد أخبرنا الله به، لأن أحداً لم يره، كما قال سبحانه: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. فإذا طلع علينا مَنْ يقول إن الإنسان أصله قرد تطوَّر إلى إنسان نعلم أنه من المضلِّين الذين أخبرنا الله عنهم، ولا بُدَّ أن نعلم كذبه، والرد على هذا الهراء ميسور، لأن الإنسان إنْ كان متطوراً عن قرد، فلماذا لم تتطور باقي القرود؟ ولماذا على مَرِّ التاريخ كله لم نَرَ قرداً تطور وارتقى حتى إلى ما يقرب من الإنسان. إذن: هذا كذب وباطل، لأن الخالق سبحانه خلق الأجناس كلها، وجعل من كُلٍّ زوجين اثنين، يتم التكاثر وليتم الانفصال، قال تعالى: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الذاريات: 49]. وقوله سبحانه: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} [الزمر: 6] بيان للقرار المكين الذي يستقر فيه الإنسان في بطن أمه، قال تعالى: {أية : فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [المرسلات: 21-22] والمكين هو المستقرّ في المكان، فبطن الأم مكان، والجنين في البطن مكين. ولما تكلم العلماء في معنى الظلمات الثلاث قالوا: هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة. وكلمة الظلمة نفهم منها عدة أمور. أولاً: الظلمة تعني عدم وجود النور، وهي مرتبطة بالليل. ثانياً: الليل دائماً رطب عن النهار؛ لأن النهار فيه حرارةُ الشمس وحرارةُ الأنفاس الناشئة عن الحركة، أما الأنفاس في الليل فهادئة، لأنها لمجرد استبقاء الحياة، وليست ناشئة عن حركة العمل والجهد المبذول. ثالثاً: كذلك في الظلمة سكون، وهدوء لا يتوفر في النهار. إذن: في الظلمة عدم نور، وفيها برودة، وفيها سكون، وهذه الأمور الثلاثة ضرورية لنمو الجنين، وتكوُّن أعضائه في بطن أمه، لأنه في بطن أمه خلْقٌ ضعيف غير مكتمل الأعضاء والجوارح، لا يَقْوى على تحمُّل الحرارة، ولا تحمُّل الضوء، ولا تحمُّل الأصوات المزعجة، لذلك جعل له الخالق سبحانه عوازلَ تقيه هذه الأشياء، لذلك قال سبحانه: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} [الزمر: 6]. والأقرب للصواب أن هذه الظلمات الثلاثة في الرحم وليس منها ظلمة البطن؛ لأن الحق سبحانه يُحدِّثنا عن القرار المكين الخاص بالجنين، فيقول: {فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ} [الزمر: 6] بيان للظرف العام الذي يقع فيه الظرف الخاص بالجنين وهو الرحم، فالبطن ظرف كبير يحوي الرحم والأمعاء والمعدة والكبد والطحال والبنكرياس .. إلخ لذلك حدد الظرف الخاص بالجنين فقال بعدها: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} [الزمر: 6]. إذن: الظلمات الثلاث عبارة عن عوازل وأغشية تحمي الطفل، وكلها داخل الرحم، وإذا كان الإنسان المكتمل الناضج تزعجه الأصوات، وربما أتلفت طبلة أذنه مثلاً، وتؤذيه الأضواء العالية، حتى لا يَقْوى نظره على مواجهتها، فهل يطيق الجنين مثل هذه الأشياء، وهو لم تكتمل أعضاؤه بعد؟ ومعلوم أن الطفل يُولد بجلد رقيق لا يتحمل الحرارة، ويُولد ولم تكتمل فيه بعض الأعضاء والجوارح، فالجهاز العصبي مثلاً لا يكتمل إلا بعد عدة سنوات، والجهاز العقلي لا ينضج إلا بعد سِنِّ البلوغ، والعين لا تؤدي مهمتها في الرؤية إلا بعد ثلاثة أيام. فالجنين يحتاج إلى حماية؛ لذلك جعله الله في ظرف داخل ظرف داخل ظرف، كما أنك تجعل أوراقك المهمة مثلاً في ملف، والملف في الخزينة، والخزينة في غرفة، فقوله {فِي} دليل على العناية بهذا المخلوق، وتوفير ما يناسبه من الظروف المحيطة به. وقوله سبحانه: {ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ} [الزمر: 6] كلمة {ذَٰلِكُمُ} [الزمر: 6] عبارة عن اسم الإشارة (ذا) وضمير المخاطبين، والإشارة هنا للحق - تبارك وتعالى - فلو أشرتَ لخطاب المفرد تقول: ذلك، وللمثنى ذلكما كما في: {أية : ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ} تفسير : [يوسف: 37] ولجمع المذكر (ذلِكُم) ولجمع المؤنث (ذلِكُنَّ) كما في: {أية : فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} تفسير : [يوسف: 32]. وجاءت هذه الإشارة إلى الحق سبحانه بعد أنْ تكلم عن بعض أسراره في خَلْق الإنسان، وعن الظلمات الثلاث في رحم الأم، وكلها في مجال الخَلْق والتربية والتكوين الأول للإنسان، وهذه المسألة يناسبها صفة الربوبية التي تتولى الخَلْق والتربية، فالربُّ هو الخالق وهو المربّي، أما كلمة الله فهي للألوهية، والألوهية تكليف، لأن الله يعني المعبود بطاعة أوامره واجتناب نواهيه، والجنين في بطن الأم بعيد عن مسألة التكليف، فلماذا اختار هنا وفي هذا المقام لفظ الألوهية (الله) فقال: {ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} [الزمر: 6]. ولم يقل: ذلكم ربكم الله - كما يقول بعض المستشرقين؟ قالوا: لنفهم أنه سبحانه لا يخلقنا ولا يربينا لنكون مثل الدواب في الكون، إنما يخلقنا ويُربينا لهدف ولمنهج تكليفي نسير عليه؛ ذلك ليجعلنا نأنس بكلمة الله قبل كلمة رب، وفي هذا إشارة إلى أن الهدفَ من التكليف صلاح المجتمع وصلاحكم فيما بينكم، فالخالق سبحانه لم يخلقنا عبثاً ولم يتركنا هَمَلاً وخلْقاً ضائعاً لا هدفَ له. لذلك في صدر سورة الرحمن يُبيِّن الحق سبحانه أن تعليمَ المنهج قبل تكوين الخَلْق، وأن الخَلْق لا يُعَدُّ نعمة إلا إذا تَمَّ في ظل منهج الخالق، فصاحب الصنعة لا بُدَّ أنْ يحدد مهمتها قبل أنْ يصنعها، قال تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} تفسير : [الرحمن: 1-4]. وقوله تعالى: {لَهُ ٱلْمُلْكُ} [الزمر: 6] مادة (ملك) منها المُلك والملك والملكوت: المِلْك بالكسر هو ما تملكه ولو كان يسيراً، والمُلْك بالضم أنْ تملك مَنْ يملك، والمِلك والمُلك في عالم المشاهدة، أما الملكوت فهو ما لا نشاهده من مُلْك الله، ولا يُطلع الله عليه إلا مَنْ اصطفاه من أنبيائه ورسله وأهل طاعته ممَّنْ صفَتْ فطرتهم الإيمانية وسَلِمَ لهم جهاز الاستقبال عن الله، هؤلاء يُطلِعهم الله على بعض ملكوته، لذلك لما وفَّى سيدنا إبراهيم وأذعن لأمر ربه أراه هذا الملكوت: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الأنعام: 75]. ومثل مُلك وملكوت نقول: رحمة ورحموت، ورهبة ورهبوت. ومعنى {لَهُ ٱلْمُلْكُ ..} [الزمر: 6] يعني: إنْ كنتم قد شهدتم مُلْكاً واسعاً فاعلموا أنه لمن خلقكم، ومن العجيب أنه مخلوق من أجلكم أنتم وقد خلقه الله لكم قبل أنْ يخلقكم؛ لأن الإنسان الأول طرأ على كَوْن مُعَدٍّ لاستقباله بكل ما يلزمه من مُقوِّمات الحياة بدايةً من الأرض والسماء والشمس والقمر والنجوم إلى أصغر شيء في الكون. وقوله بعدها: {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} [الزمر: 6] يعني: أن هذا الخَلْق العجيب لله وحده ولم يَدَّعه أحد لنفسه، وما دام أن أحداً لم يدَّع الخَلْقَ لنفسه فليس لأحد أنْ يدَّعي أنه واضح المنهج الذي يعيش به الإنسانُ في الكون؛ لأن الذي خلق هو الذي يضع المنهج، والذي صنع هو الذي يضع قانون الصيانة لصنعته. {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6] أي: كيف تنصرفون عن عبادة الله الخالق إلى عبادة غيره ممن ليس لهم من الخَلْق شيء؟ كيف تنصرفون عن ربٍّ خلق وربَّى ولا يزال فلم يتركنا ولم يسلم خَلْقه لأحد غيره، وليس عنده استعداد لأنْ يسلمه أبداً.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الآية: 6]. يعني: من الإِبل والبقر والغنم والضأْن والمعز. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} [الآية: 6]. قال: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً حتى يتم خلفه. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} [الآية: 6] قال: ظلمة البطن، والرحم والمشيمة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا المبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: {آنَآءَ ٱلَّيلِ} [الآية: 9]. يعني: ساعات الليل، أَوله وأَوسطه وآخره. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} [الآية: 10]. يقول: فهاجروا، واعتزلوا عبادة الأَوثان.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} معناه نُطفةٌ، ثم عَلقةٌ، ثم مُضغةٌ، ثم لَحمٌ. وقوله تعالى: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} معناه ظُلمةُ البَطنِ، وظُلمةُ الرحمِ، وظُلمةُ المَشيمةِ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن خلق الخلق بقوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الزمر: 6]، يشير إلى أن خلقة الإنسان من نفس واحدة وهي الروح، {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: 6]؛ وهو القلب، وإنه خلق من الروح كما خلقت خواص ضلع آدم، {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6]؛ أي: خلق فيكم من صفات الأنعام ثماني صفات؛ وهي الأكل والشرب، والتغوط والبول، والشهوة والحرص، والشره والغضب، وأصل جميع هذه الصفات الصفتان الاثنتان: الشهوة والغضب، فإنه لا بد لكل حيوان من هاتين الصفتين لبقاء وجوده بهما، فبالشهوة تجذب المنافع إلى نفسه، وبالغضب تدفع المضرات، {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً} [الزمر: 6] من النطفة إلى تمام الجسد، {مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} [الزمر: 6]، أو بعد خلق الروح في عالم الأرواح {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} [الزمر: 6]؛ ظلمة الخلقة، وظلمة وجود الروح، وظلمة البشرية بين آثار أفعاله الحكيمة في كيفية خلقتنا ظاهراً وباطناً من قطرتين أمشاج متشاكلة الأجزاء مختلفة الصور في الأعضاء، مسخراً بعضها لبعض محال للصفات الحميدة: كالعلم والقدرة والحياة، وغير ذلك في أحوال القلوب: كالسمع والبصر والحواس والقوى، وهذه كلها نعم أنعم الله بها علينا، ثم {ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} [الزمر: 6]؛ يعني: الذي أحسن إليكم بجميع هذه الوجوه وهو ربكم؛ أي: أنا خلقتكم، وأنا رزقتكم، وأنا صورتكم، وأنا الذي أسبغت عليكم أنعامي، وخصصتكم بجميل إكرامي، وغرقتكم في بحار أفضالي، وعرفتكم استحقاق شهود جمالي وجلالي، وهديتكم إلى توحيدي وأدعوكم إلى وحدانيتي، فمالكم لا تنقطعون بالكلية إليَّ؟ ولا ترجون ما وعدتكم لديَّ؟ ومالكم تطلبون مني ولا تطلبوني؟ وقد بشرتكم بقولي: "حديث : ألا من طلبني وجدني، ومن كان لي كنت له، ومن كنت له يكون له ما كان لي"تفسير : ، {لَهُ ٱلْمُلْكُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [الزمر: 6]؛ أي: له ملك القدرة على تبليغ العباد إلى هذه المقامات، وإعطائهم هذه الكرامات، {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6] عن ملازمة باب العبودية إلى باب عاجز مثلكم من الخلق. {إِن تَكْفُرُواْ} [الزمر: 7] نعمتي، {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} [الزمر: 7] وعن العالمين، {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} [الزمر: 7] من غاية كرمه ولطفه، فإن أعرضوا عنه يخذلهم من عزته وقهره، وكبريائه وجبروته، {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7]؛ يعني: لا يرضى لكفركم؛ لأنه موجب للعذاب الشديد، ويرضى لشكركم، لأنه موجب لمزيد النعمة؛ وذلك لأن رحمته سبقت غضبه، يقول: "حديث : يا مسكين، أنا لا أرضى لك أن لا تكون لي، وأنت ترضى بأن تكون لي قليل الوفاء كثير التجني، فإن أطعتني شكرتك، وإن ذكرتني ذكرتك"تفسير : ، بقوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [الزمر: 7]، يشير إلى أن الروح والقلب لا يؤاخذان بوزر النفس إن لم يكونا مباشرين [معها] وزرها، ولا يرضيان به، فإن الرضا بالكفر كفر، كما أن النفس لا تثاب على طاعة الروح والقلب ما لم يكن مباشرة لها معهما، ولا ترضى بهما، فإن باشرتها معهما ورضيت بها تثاب بحسبها، {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ} [الزمر: 7]؛ للروح والقلب والنفس، {فَيُنَبِّئُكُـمْ} [الزمر: 7] بجزاء أعمالكم، {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزمر: 7] واحد منك من الخير والشر، {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الزمر: 7] من أعمال الروح والقلب والنفس.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 848 : 1 - سفين عن سماك بن حرب عن عكرمة في قول الله {خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} قال، نطفة ثم علقة ثم مضغة {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ}، قال، المشيمة والرحم والبطن. [الآية 6].

همام الصنعاني

تفسير : 2620- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}: [الآية: 6]، قال: من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين. 2621- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ}: [الآية: 6]، ظلمة المشيمة، وظلمة الرحم، وظلمة البَطْنِ.