٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} شرط وجوابه. {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} أي أن يكفروا أي لا يحب ذلك منهم. وقال ابن عباس والسّدي: معناه لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله فيهم: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : [الإسراء: 65]. وكقوله: {أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ}تفسير : [الإنسان: 6] أي المؤمنون. وهذا على قول من لا يفرق بين الرضا والإرادة. وقيل: لا يرضى الكفر وإن أراده؛ فالله تعالى يريد الكفر من الكافر وبإرادته كفر لا يرضاه ولا يحبه، فهو يريد كون ما لا يرضاه، وقد أراد الله عز وجل خلق إبليس وهو لا يرضاه، فالإرادة غير الرضا. وهذا مذهب أهل السنة. قوله تعالى: {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} أي يرضى الشكر لكم؛ لأنّ «تشْكُرُوا» يدل عليه. وقد مضى القول في الشكر في «البقرة» وغيرها. ويرضى بمعنى يثيب ويثني، فالرضا على هذا إما ثوابه فيكون صفة فعل {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 7] وإما ثناؤه فهو صفة ذات. و«يَرْضَهْ» بالإسكان في الهاء قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وشيبة وهبيرة عن عاصم. وأشبع الضمة ابن ذكوان وابن كثير وابن محيصن والكسائي وورش عن نافع. واختلس الباقون. {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تقدّم في غير موضع.
ابن كثير
تفسير : يقول تبارك وتعالى مخبراً عن نفسه تبارك وتعالى: أنه الغني عما سواه من المخلوقات كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: {أية : إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ}تفسير : [إبراهيم: 8] وفي صحيح مسلم: «حديث : يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً»تفسير : . وقوله تعالى: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} أي: لا يحبه ولا يأمر به، {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} أي: يحبه لكم، ويزدكم من فضله، {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أي: لا تحمل نفس عن نفس شيئاً، بل كل مطالب بأمر نفسه، {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي: فلا تخفى عليه خافية. وقوله عز وجل: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} أي عند الحاجة يتضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ كَفُورًا} تفسير : [الإسراء: 67] ولهذا قال تبارك وتعالى: {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} أي: في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع؛ كما قال جل جلاله: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ} تفسير : [يونس: 12]. وقوله تعالى: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي: في حال العافية يشرك بالله، ويجعل له أنداداً، {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ} أي: قل لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه: تمتع بكفرك قليلاً. وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد؛ كقوله تعالى: {أية : قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [إبراهيم: 30] وقوله تعالى: {أية : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [لقمان: 24].
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ } وإن أراده من بعضهم الله فتؤمنوا {يَرْضَهُ } بسكون الهاء وضمها مع إشباع ودونه: أي الشكر {لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ } نفس {وٰزِرَةٌ وِزْرَ } نفس {أُخْرَىٰ } أي لا تحمله {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } بما في القلوب.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه النعم التي أنعم بها على عباده، وبيّن لهم من بديع صنعه، وعجيب فعله ما يوجب على كل عاقل أن يؤمن به عقبه بقوله: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ } أي: غير محتاج إليكم، ولا إلى إيمانكم، ولا إلى عبادتكم له فإنه الغنيّ المطلق، ومع كون كفر الكافر لا يضرّه كما أنه لا ينفعه إيمان المؤمن، فهو أيضاً {لاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ } أي: لا يرضى لأحد من عباده الكفر، ولا يحبه، ولا يأمر به، ومثل هذه الآية قوله: {أية : إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ } تفسير : [إبراهيم: 8]، ومثلها ما ثبت في صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عبادي لو أن أوّلكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم كانوا على قلب أفجر رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً»تفسير : وقد اختلف المفسرون في هذه الآية هل هي على عمومها، وإن الكفر غير مرضيّ لله سبحانه على كل حال كما هو الظاهر، أو هي خاصة؟، والمعنى: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وقد ذهب إلى التخصيص حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه كما سيأتي بيانه آخر البحث، وتابعه على ذلك عكرمة، والسدّي، وغيرهما. ثم اختلفوا في الآية اختلافاً آخر. فقال قوم: إنه يريد كفر الكافر، ولا يرضاه، وقال آخرون: إنه لا يريده، ولا يرضاه، والكلام في تحقيق مثل هذا يطول جداً. وقد استدلّ القائلون بتخصيص هذه الآية، والمثبتون للإرادة مع عدم الرضا بما ثبت في آيات كثيرة من الكتاب العزيز أنه سبحانه: {أية : يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } تفسير : [النحل:93] {أية : وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الإنسان: 30 ]، ونحو هذا مما يؤدي معناه كثير في الكتاب العزيز. ثم لما ذكر سبحانه: أنه لا يرضى لعباده الكفر بيّن أنه يرضى لهم الشكر، فقال: {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ } أي: يرض لكم الشكر المدلول عليه بقوله، وإن تشكروا، ويثبكم عليه، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر؛ لأنه سبب سعادتهم في الدنيا، والآخرة كما قال سبحانه: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 7] قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وشيبة، وهبير عن عاصم بإسكان الهاء من يرضه، وأشبع الضمة على الهاء ابن ذكوان، وابن كثير، والكسائي، وابن محيصن، وورش عن نافع، واختلس الباقون. {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } أي: لا تحمل نفس حاملة للوزر حمل نفس أخرى، وقد تقدّم تفسير هذه الآية مستوفى {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ } يوم القيامة {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير، وشر، وفيه تهديد شديد {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي: بما تضمره القلوب، وتستره، فكيف بما تظهره، وتبديه. {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ } أيّ: ضر كان من مرض، أو فقر، أو خوف {دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ } أي: راجعاً إليه مستغيثاً به في دفع ما نزل به تاركاً لما كان يدعوه، ويستغيث به من ميت، أو حيّ، أو صنم، أو غير ذلك {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ } أي: أعطاه، وملكه، يقال: خوّله الشيء، أي: ملكه إياه، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد:شعر : هنالك إن يستخولوا المال يخولوا وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا تفسير : ومنه قول أبي النجم:شعر : أعطى ولم يبخل ولم يُبَخِّل كوم الذرى من خول المخوّل تفسير : {نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ } أي: نسي الضرّ الذي كان يدعو الله إلى كشفه عنه من قبل أن يخوله ما خوله. وقيل: نسي الدعاء الذي كان يتضرع به، وتركه، أو نسي ربه الذي كان يدعوه، ويتضرّع إليه، ثم جاوز ذلك إلى الشرك بالله، وهو معنى قوله: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً } أي: شركاء من الأصنام، أو غيرها يستغيث بها، ويعبدها {لّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ } أي: ليضل الناس عن طريق الله التي هي الإسلام، والتوحيد. وقال السدّي: يعني: أنداداً من الرجال يعتمد عليهم في جميع أموره. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم: أن يهدّد من كان متصفاً بتلك الصفة، فقال: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً } أي: تمتعاً قليلاً، أو زماناً قليلاً، فمتاع الدنيا قليل، ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ } أي: مصيرك إليها عن قريب، وفيه من التهديد أمر عظيم. قال الزجاج: لفظه لفظ الأمر، ومعناه: التهديد، والوعيد. قرأ الجمهور: {ليضل} بضم الياء، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتحها. ثم لما ذكر سبحانه صفات المشركين، وتمسكهم بغير الله عند اندفاع المكروهات عنهم ذكر صفات المؤمنين، فقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ٱلَّيْلِ }، وهذا إلى آخره من تمام الكلام المأمور به رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعنى: ذلك الكافر أحسن حالاً، ومآلاً، أمن هو قائم بطاعات الله في السرّاء، والضرّاء في ساعات الليل، مستمرّ على ذلك، غير مقتصر على دعاء الله سبحانه عند نزول الضرر به. قرأ الحسن، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، والكسائي: {أمن} بالتشديد، وقرأ نافع، وابن كثير، وحمزة، ويحيـى بن وثاب، والأعمش بالتخفيف، فعلى القراءة الأولى أم داخلة على من الموصولة، وأدغمت الميم في الميم، وأم هي المتصلة، ومعادلها محذوف تقديره: الكافر خير أم الذي هو قانت. وقيل: هي المنقطعة المقدّرة ببل، والهمزة، أي: بل أمن هو قانت كالكافر، وأما على القراءة الثانية، فقيل: الهمزة للاستفهام دخلت على من، والاستفهام للتقرير، ومقابله محذوف، أي: أمن هو قانت كمن كفر. وقال الفراء: إن الهمزة في هذه القراءة للنداء، ومن منادى، وهي عبارة عن النبي صلى الله عليه وسلم المأمور بقوله: {قل تمتع}، والتقدير: يا من هو قانت، قل: كيت، وكيت. وقيل: التقدير: يا من هو قانت إنك من أصحاب الجنة. ومن القائلين بأن الهمزة للنداء الفرّاء، وضعف ذلك أبو حيان، وقال: هو أجنبيّ عما قبله، وعما بعده، وقد سبقه إلى هذا التضعيف أبو عليّ الفارسي، واعترض على هذه القراءة من أصلها أبو حاتم، والأخفش، ولا وجه لذلك، فإنا إذا ثبتت الرواية بطلت الدّراية. وقد اختلف في تفسير القانت هنا، فقيل: المطيع. وقيل: الخاشع في صلاته. وقيل: القائم في صلاته. وقيل: الدّاعي لربه. قال النحاس: أصل القنوت الطاعة، فكل ما قيل فيه، فهو داخل في الطاعة، والمراد بآناء الليل: ساعاته. وقيل: جوفه. وقيل: ما بين المغرب، والعشاء، وانتصاب {سَـٰجِداً وَقَائِماً } على الحال، أي: جامعاً بين السجود، والقيام، وقدّم السجود على القيام لكونه أدخل في العبادة، ومحل {يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ } النصب على الحال أيضاً، أي: يحذر عذاب الآخرة قاله سعيد بن جبير، ومقاتل {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ }، فيجمع بين الرجاء، والخوف، وما اجتمعا في قلب رجل إلا فاز. قيل: وفي الكلام حذف، والتقدير: كمن لا يفعل شيئاً من ذلك كما يدل عليه السياق. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم قولاً آخر يتبين به الحقّ من الباطل، فقال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } أي: الذين يعلمون أن ما وعد الله به من البعث، والثواب، والعقاب حق، والذين لا يعلمون ذلك، أو الذين يعلمون ما أنزل الله على رسله، والذين لا يعلمون ذلك، أو المراد: العلماء والجهال، ومعلوم عند كل من له عقل أنه لا استواء بين العلم والجهل، ولا بين العالم والجاهل. قال الزجاج: أي كما لا يستوي الذين يعلمون، والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوي المطيع، والعاصي. وقيل: المراد بالذين يعلمون: هم: العاملون بعلمهم، فإنهم المنتفعون به، لأن من لم يعمل بمنزلة من لم يعلم {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } أي: إنما يتعظ، ويتدبر، ويتفكر أصحاب العقول، وهم المؤمنون لا الكفار، فإنهم، وإن زعموا أن لهم عقولاً، فهي كالعدم، وهذه الجملة ليست من جملة الكلام المأمور به بل من جهة الله سبحانه. {قُلْ ياعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ } لما نفى سبحانه المساواة بين من يعلم، ومن لا يعلم، وبين أنه {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأمر المؤمنين من عباده بالثبات على تقواه، والإيمان به. والمعنى: يا أيها الذين صدّقوا بتوحيد الله اتقوا ربكم بطاعته، واجتناب معاصيه، وإخلاص الإيمان له، ونفي الشركاء عنه، والمراد: قل لهم قولي هذا بعينه. ثم لما أمر الله سبحانه المؤمنين بالتقوى بين لهم ما في هذه التقوى من الفوائد، فقال: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ } أي: للذين عملوا الأعمال الحسنة في هذه الدنيا على وجه الإخلاص حسنة عظيمة، وهي: الجنة، وقوله: {فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا } متعلق بأحسنوا. وقيل: هو متعلق بحسنة على أنه بيان لمكانها، فيكون المعنى: للذين أحسنوا في العمل حسنة في الدنيا بالصحة، والعافية، والظفر، والغنيمة، والأوّل أولى. ثم لما كان بعض العباد قد يتعسر عليه فعل الطاعات، والإحسان في وطنه أرشد الله سبحانه من كان كذلك إلى الهجرة، فقال: {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ } أي: فليهاجر إلى حيث يمكنه طاعة الله. والعمل بما أمر به، والترك لما نهى عنه، ومثل ذلك قوله سبحانه: {أية : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا } تفسير : [النساء: 97]، وقد مضى الكلام في الهجرة مستوفى في سورة النساء. وقيل: المراد بالأرض هنا: أرض الجنة، رغبهم في سعتها، وسعة نعيمها كما في قوله: {أية : جَنَّةُ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [آل عمران: 133]، والأوّل أولى. ثم لما بيّن سبحانه ما للمحسنين إذا أحسنوا، وكان لا بدّ في ذلك من الصبر على فعل الطاعة، وعلى كفّ النفس عن الشهوات، أشار إلى فضيلة الصبر، وعظيم مقداره، فقال: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي: يوفيهم الله أجرهم في مقابلة صبرهم بغير حساب، أي: بما لا يقدر على حصره حاصر، ولا يستطيع حسبانه حاسب. قال عطاء: بما لا يهتدي إليه عقل، ولا وصف. وقال مقاتل: أجرهم الجنة، وأرزاقهم فيها بغير حساب. والحاصل: أن الآية تدلّ على أن ثواب الصابرين، وأجرهم لا نهاية له، لأن كل شيء يدخل تحت الحساب، فهو: متناهٍ، وما كان لا يدخل تحت الحساب، فهو: غير متناه، وهذه فضيلة عظيمة، ومثوبة جليلة تقتضي أن على كل راغب في ثواب الله، وطامع فيما عنده من الخير، أن يتوفر على الصبر، ويزّم نفسه بزمامه، ويقيدها بقيده، فإن الجزع لا يردّ قضاء قد نزل، ولا يجلب خيراً قد سلب، ولا يدفع مكروهاً قد وقع، وإذا تصوّر العاقل هذا حقّ تصوره، وتعقله حقّ تعقله علم أن الصابر على ما نزل به قد فاز بهذا الأجر العظيم، وظفر بهذا الجزاء الخطير، وغير الصابر قد نزل به القضاء شاء أم أبى، ومع ذلك فاته من الأجر ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، فضمّ إلى مصيبته مصيبة أخرى، ولم يظفر بغير الجزع، وما أحسن قول من قال:شعر : أرى الصبر محموداً وعنه مذاهب فكيف إذا ما لم يكن عنه مذهب هناك يحق الصبر والصبر واجب وما كان منه للضرورة أوجب تفسير : ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم بما أمر به من التوحيد، والإخلاص، فقال: {قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينَ } أي: أعبده عبادة خالصة من الشرك، والرّياء، وغير ذلك؛ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على الذي أتيتنا به، ألا تنظر إلى ملة أبيك، وجدّك، وسادات قومك يعبدون اللات، والعزّى، فتأخذ بها؟ فأنزل الله الآية، وقد تقدّم بيان معنى الآية في أوّل هذه السورة {وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ } أي: من هذه الأمة، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم، فإنه أوّل من خالف دين آبائه، ودعا إلى التوحيد، واللام للتعليل، أي: وأمرت بما أمرت به لأجل أن أكون. وقيل: إنها مزيدة للتأكيد، والأوّل أولى. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ } يعني: الكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فيقولون لا إلٰه إلا الله، ثم قال: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ }، وهم: عباده المخلصون الذين قال: {أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } تفسير : [الإسراء:65]، فألزمهم شهادة أن لا إلٰه إلا الله، وحببها إليهم. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ } قال: لا يرضى لعباده المسلمين الكفر. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة قال: والله ما رضي الله لعبد ضلالة، ولا أمره بها، ولا دعا إليها، ولكن رضي لكم طاعته، وأمركم بها، ونهاكم عن معصيته. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر عن ابن عمر: أنه تلا هذه الآية: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ } قال: ذاك عثمان بن عفان، وفي لفظ: نزلت في عثمان بن عفان. وأخرج ابن سعد في طبقاته، وابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ } الآية قال: نزلت في عمار بن ياسر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ } يقول: يحذر عذاب الآخرة. وأخرج الترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أنس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل، وهو في الموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله، وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله الذي يرجو، وأمنه الذي يخاف»تفسير : أخرجوه من طريق سيار بن حاتم، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس. قال الترمذي: غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وإذا مس الإنسان ضُرٌّ دعا ربَّهُ منيباً إليه} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مخلصاً إليه، قاله الضحاك. الثاني: مستغيثاً به، قاله السدي. الثالث: مقبلاً عليه، قاله الكلبي وقطرب. {ثم إذا خوّله منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل} فيه وجهان: أحدهما: إذا أصابته نعمة ترك الدعاء، قاله الكلبي. الثاني: إذا أصابته نعمة ترك الدعاء، قاله الكلبي. الثاني: إذا أصابته عافية نَسي الضر. والتخويل العطية العظيمة من هبة أو منحة، قال أبو النجم: شعر : أعطى فلم يبخل ولم يبخلِ كوم الذّرى من خول المخوِّلِ
ابن عطية
تفسير : قال ابن عباس: هذه الآية مخاطبة للكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم. و"عباده": هم المؤمنون. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تكون مخاطبة لجميع الناس، لأن الله تعالى غني عن جميع الناس وهم فقراء إليه، وبين بعد البشر عن رضى الله إن كفروا بقوله: {إن تكفروا}. واختلف المتأولون من أهل السنة في تأويل قوله: {ولا يرضى لعباده الكفر} فقالت فرقة: الرضى بمعنى الإرادة والكلام ظاهره العموم ومعناه الخصوص فيمن قضى الله له بالإيمان وحتمه له: و"عباده" على هذا ملائكته ومؤمنو البشر والجن، وهذا يتركب على قول ابن عباس. وقالت فرقة: الكلام عموم صحيح، والكفر يقع ممن يقع بإرادة الله، إلا أنه بعد وقوعه لا يرضاه ديناً لهم، فهذا يتركب على الاحتمال الذي تقدمك آنفاً. ومعنى: لا يرضاه لا يشكره لهم ولا يثيبهم به خيراً، فالرضى على هذا هو صفة فعل لمعنى القبول ونحوه. وتأمل الإرادة فإنها حقيقة، إنما هي فيما لم يقع بعد، والرضى، فإنما حقيقة فيما قد وقع، واعتبر هذا في آيات القرآن تجده، وإن كانت العرب قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوز هذا بدل هذا. وقوله تعالى: {وإن تشكروا يرضه لكم} عموم، والشكر الحقيقي في ضمنه الإيمان. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: "يرضهُ" بضمة على الهاء مشبعة. وقرأ ابن عامر وعاصم "يرضه" بضمة على الهاء غير مشبعة، واختلف عن نافع وأبي عمرو. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: "يرضهْ" بسكون الهاء، قال أبو حاتم: وهو غلط لا يجوز، قال تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي لا يحمل أحد ذنب أحد، وأنث "الوازرة" و "الأخرى" لأنه أراد الأنفس. والوزر الثقل، وهذا خبر مضمنه الحض على أن ينظر كل أحد في خاصة أمره وما ينوبه في ذاته. ثم أخبرهم تعالى بأن مرجعهم في الآخرة إلى ربهم، أي إلى ثوابه أو عقابه، فيوقف كل أحد على أعماله، لأنه المطلع على نيات الصدور وسائر الأفئدة. و"ذات الصدور": ما فيه من خبيئة، ومنه قولهم: الذيب مغبوط بذي بطنه.
البقاعي
تفسير : ولما ظهرت الأدلة وبهرت الحجج، بين ما على من غطاها بالإصرار، وما لمن تاب ورجع التذكار، فقال مستأنفاً لما هو نتيجة ما مضى، معرفاً لهم نعمته عليهم بأنه ما تعبد لشيء يخصه من نفع أو ضر، وإنما هو لمصالحهم خاصة بادئاً بما هو من درء المفاسد: {إن تكفروا} أي تستروا الأدلة فتصروا على الانصراف عنه بالإشراك {فإن الله} لأنه جامع لصفات الكمال {غني عنكم} أي فلا يضره كفركم ولا تنفعه طاعتكم، وأما أنتم فلا غنى لكم عنه بوجه، ولا بد أن يحكم بينكم فلم تضروا إلا أنفسكم {ولا يرضى} لكم - هكذا كان الأصل بدليل ما سبقه ولحقه، وإنما أظهر ليعم وليذكرهم بما يجدونه في أنفسهم من أن أحداً منهم لا يرضى لعبده أن يؤدي خرجه إلى غيره بغير إذنه فقال: {لعباده} أي الذين تفرد بإيجادهم وتربيتهم {الكفر} بالإقبال على سواه وأنتم لا ترضون ذلك لعبيدكم مع أن ملككم لهم في غاية الضعف، ومعنى عدم الرضى أنه لا يفعل فعل الراضي بأن يأذن فيه ويقر عليه أو يثيب فاعله ويمدحه، بل يفعل فعل الساخط بأن ينهى عنه ويذم عليه ويعاقب مرتكبه {وإن تشكروا} أي بالعبادة والإخلاص فيها {يرضه} أي الشكر الدال عليه فعله {لكم} أي الرضى اللائق بجنابه سبحانه بأن يقركم عليه أو يأمركم به ويثيبكم على فعله، والقسمان بإرادته، واختلاف القراء في هائه دال على مراتب الشكر - والله أعلم، فالوصل للواصلين إلى النهاية على اختلاف مراتبهم في الوصول والاختلاس للمتوسطين والإسكان لمن في الدرجة الأولى منه. ولما كان في سياق الحكم والقهر، وكانت عادة القهارين أن يكلفوا بعض الناس ببعض ويأخذوهم بجوائرهم لينتظم لهم العلو على الكل لعدم إحاطة علمهم بكل مخالف لأمرهم، بين أنه سبحانه على غير ذلك فقال: {ولا تزر وازرة} أي وازرة كانت {وزر أخرى} بل وزر كل نفس عليها لا يتعداها يحفظ عليها مدة كونها في دار العمل، والإثم الذي يكتب على الإنسان بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس وزر غيره، وإنما هو وزر نفسه، فوزر الفاعل على الفعل، ووزر الساكت على الترك لما لزمه من الأمر والنهي {ثم إلى ربكم} أي وحده لا إلى أحد ممن أشركتموه به {مرجعكم} أي بالبعث بعد الموت إلى دار الجزاء. ولما كان الجزاء تابعاً للعلم، قال معبراً عنه به: {فينبئكم} أي فيتسبب عن البعث أنه يخبركم إخباراً عظيماً {بما كنتم تعملون} أي بما كان في طبعكم العمل به سواء عملتموه بالفعل أم لا ثم يجازيكم عليه إن شاء. ولما كان المراد - كما أشار إليه بكان - الإخبار بجميع الأعمال الكائنة بالفعل أو القوة، حسن التعليل بقوله: {إنه عليم} أي بالغ العلم {بذات الصدور *} أي بصاحبتها من الخواطر والعزوم، وذلك بما دلت عليه الصحبة - كل ما لم يبرز إلى الخارج، فهو بما برز أعلم. ولما ذكر سبحانه أنه المختص بالملك وحده، وأتبعه بما يرضيه وما يسخطه، أقام الدليل على ذلك الاختصاص مع أنه أوضح من الشمس بدليل وجداني لكل أحد على وجه ذمهم فيه بالتناقض الذي هم أعظم البأس ذماً له ونفرة منه وذماً به فقال: {وإذا} وهي - والله أعلم - حالية من واو {تصرفون} وكان الأصل: مسكم، ولكنه عمم ودل بلفت القول عن الخطاب على الوصف الموجب للنسيان فقال: {مس الإنسان} أي هذا النوع الآنس بنفسه مؤمنه وكافره {ضر} أي ضر كان من جهة يتوقعها - بما أشار إليه الظرف بمطابقة المقصود السورة مع تهديد آخر التي قبلها {دعا ربه} أي الحسن إليه الذي تقدم تنبيهكم من غفلتكم عليه بقوله "ذلكم الله ربكم" ذاكراً صفة إحسانه {منيباً} أي راجعاً رجوعاً عظيماً {إليه} بباطنه مخلصاً في ذلك عالماً أنه لا يكفيه أمره غيره ضرورة يجدها في نفسه لأن الضر أزال عنه الأموية والحظوظ، معرضاً عما كان يزعم من الشركاء معرفاً لسان حاله أنه لا شريك له سبحانه كما هو الحق فتطابق في حال الضراء الحق والاعتقاد. ولما كان الإنسان لما جبل عليه من الجزع واليأس إذا كان في ضر استبعد كل البعد أن يكشف عنه، لتقيده بالجزئيات وقصوره على التعلق بالأسباب، أشار إلى ذلك مع الإشارة إلى الوعد بتحقيق الفرج فقال: {ثم} أي بعد استبعاده جداً. ولما كان الرخاء محققاً، وهو أكثر من الشدة، عبر بأداة التحقق، فقال منبهاً بالتعبير بـ "خول" على أن غطاءه ابتداء فضل منه لا يستحق أحد عليه شيئاً, لأن التخويل لا يكون جزاء بل ابتداء: {إذا خوله} أي أعطاه عطاء متمكناً ابتداء، وجعله حسن القيام عليه قادراً على إجادة تعهده {نعمة منه} ومكنه فيها {نسي} أي مع دعائه أن يشكر على الإحسان، فكانت مدة تخويله ظرف نسيانه، فعلم أن صلاحه بالضراء {ما} أي الأمر الذي {كان يدعوا} ربه على وجه الإخلاص {إليه} إلى كشفه من ذلك الضر الذي كان، وأعلم بتقارب وقتي النسيان والإنابة بإثبات الجار فقال: {من قبل} أي قبل حال التخويل {وجعل} زيادة على الكفران بنسيان الإحسان {لله} أي الذي لا مكافئ له بشهادة الفطرة والعقل والسمع {أنداداً} أي لكونه يتأهلهم، فينزلهم بذلك منزلة من يكون قادراً على المعارضة والمعاندة، فقد علم من التعبير بالنسيان أنه عالم بربه، ولذلك دعاه في كشف ضره وأنه جعل علمه عند الإحسان إليه جهلاً، فكان كمن لا يعلم من سائر الحيوانات العجم. ولما كان ذلك في غاية الضلال، لكونه - مع أنه خطأ - موجباً لقطع الإحسان وعدم الإجابة في كشف الضر مرة أخرى وكانوا يدعون أنهم أعقل الناس، وكان هذا الضلال في غاية الظهور، وكان العاقل لا يفعل شيئاً إلا لعلة، عظمهم تهكماً بهم عن أن يكونوا ضلوا هذا الضلال الظاهر من غير قصد إليه، فقال مشيراً إلى ذلك كله: {ليضل} أي بنفسه عند فتح الياء، ويضل غيره عند من ضمها {عن سبليه} أي الطريق الموصل إلى رضوانه، الموجب للفوز بإحسانه. ولما كان من المعلوم المحقق المقطوع به المركوز في الفطر الأولى المستمر فيما بعدها أن الملك لا يدع من يعصيه بغير عقاب، وكان قد ثبت بقضية الإجماع وقت الاضطرار أنه لا يلتفت إلى أحد سوى الله وكان من التفت - بعد أن أنجاه الله من ضرره وأسبغ عليه من نعمه - كافراً من غير شك عند ذي عقل، وكان من كان بهذه المثابة في هذه الدار هم أهل النعم الكبار، والتمتع الصافي عن الأكدار، كان من المعلوم أنه لا بد من عقوبته في دار القرار، فقال تعالى مبيناً لأن هذا التمتع إنما هو سبب هذا الكفران استدراجاً مع الإعراض المؤذن بالغضب {قل} أي يا أحب خلقنا إلينا المستحق للإقبال عليه بالخطاب، لهذا الذي قد حكم بكفره مهدداً له بما يقوته بلذيذ عيشه في الدنيا من الفيض من الجناب الأقدس ويؤول إليه أمره من العذاب الأكبر: {تمتع} أي في هذه الدنيا التي هي وكل ما فيها - مع كونه زائلاً - يفيض إلى الله، فهو من جملة المقت إلا لمن صرفه في طاعة الله. ولما ذكر تمتيعه بالخسيس، ذكر سببه الخسيس تعظيماً لأجور المؤمنين لانصرافهم عن الكفر مع علمهم بأنه من أسباب التمنيع وبياناً لذوي الهمم العوال من غيرهم فقال: {بكفرك} ثم أشار إلى قلة زمن الدنيا وما فيها في جنب الآخرة فقال: {قليلاً} ثم علل ذلك بما إذا غمس في عذابه أنعم أهل الدنيا غمسة واحدة قال: ما رأيت نعيماً قط، فقال مؤكداً لأجل تكذيبهم بالنار، ودفعاً لما استقر في نفوسهم أن تنعيمهم في الدنيا إنما هو لقربهم من الله ومحبته لهم، وأن ذلك يتصل بنعيم الآخرة على تقدير كونها: {إنك} وهذا الأمر هنا يراد به الزجر، تقديره: إن تمتعت هكذا كنت {من أصحاب النار *} أي الذين لم يخلفوا إلا لها {أية : ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها}تفسير : [الأعراف: 179]. ولما أرشدت "أم" قطعاً في قراءة من شدد إدغاماً لإحدى الميمين في الأخرى أن التقدير شرحاً لأحوال المؤمنين بعد أحوال المشركين: أهذا - الذي يدعو الله مرة، وغيره ممن يجعله له نداً أخرى - أسد طريقة وأقوم قيلاً: {أمّن هو} والتقدير في قراءة نافع وابن كثير وحمزة بالتخفيف: أمن هو بهذه الصفة خير أم ذلك الكافر الناسي لمن أحسن إليه، ويرجح التقدير بالاستفهام دون النداء إنكار التسوية بين العالم الذي حداه علمه على القنوت والذي لا يعلم حقيقة أو مجازاً لعدم الانتفاع بعلمه {قانت} أي مخلص في عبادته الله تعالى دائماً {آناء الّيل} أي جميع ساعاته. ولما كان المقام للإخلاص، وكان الإخلاص أقرب مقرب إلى الله لأنه التجرد عن جميع الأغيار، وكان السجود أليق الأشياء بهذا الحال، ولذلك كان أقرب مقرب للعبد من ربه، لأنه خاص بالله تعالى، قال: {ساجداً} أي وراكعاً, ودل على تمكنه من الوصفين بالعطف فقال: {وقائماً} أي وقاعداً، وعبر بالاسم تنبيهاً على دوام إخلاصه في حال سجوده وقيامه، والآية من الاحتباك: ذكر السجود دليلاً على الركوع والقيام دليلاً على القعود، والسر في ذكر ما ذكر وترك ما ترك أن السجود يدل على العبادة، وقرن القيام به دال على أنه قيام منه فهو عبادة، وذلك مع الإيذان بأنهما أعظم الأركان، فهو ندب إلى تطويلهما على الركنين الآخرين لأن القعود إنما هو للرفق بالاستراحة, والركوع إنما أريد به إخلاص الأركان للعبادة، لأنه لا يمكن عادة أن يكون لغيرها، وأما السجود فيطرقه احتمال السقوط والقيام والقعود مما جرت به العوائد، فلما ضم إليهما الركوع تمحضاً للخضوع بين يدي الملك العليم العزيز الرحيم. ولما كان الإنسان محل الفتور والغفلة والنسيان، وكان ذلك في محل الغفران، وكان لا يمكن صلاحه إلا بالخوف من الملك الديان، قال معللاً أو مستأنفاً جواباً لمن كأنه يقول: ما له يتعب نفسه هذا التعب ويكدها هذا الكد: {يحذر الآخرة} أي عذاب الله فيها، فهو دائم التجدد لذلك كلما غفل عنه. ولما ذكر الخوف، أتبعه قرينه الذي لا يصح بدونه فقال: {ويرجو رحمة ربه} أي الذي لم يزل ينقلب في إنعامه. ولما كان الحامل على الخوف والرجاء والعمل إنما هو العلم النافع، وكان العلم الذي لا ينفع كالجهل أو الجهل خير، كان جواب ما تقدم من الاستفهام: لا يستويان، لأن المخلص عالم والمشرك جاهل. فأمره بالجواب بقوله: {قل} أي لا يستويان، لأن الحامل على الإخلاص العلم وعلى الإشراك الجهل وقلة العقل، ثم أنكر على من يشك في ذلك فقل له: {هل يستوي} أي في الرتبة {الذين يعلمون} أي فيعملون على مقتضى العلم، فأداهم علمهم إلى التوحيد والإخلاص في الدين {والذين لا يعلمون} فليست أعمالهم على مقتضى العلم إما لجهل وإما لإعراض عن مقتضى العلم فصاروا لا علم لهم لأنه لا انتفاع لهم به لأنهم لو تأملوا أدنى تأمل مع تجريد الأنفس من الهوى لرجعوا إليه من أنه لا يرضى أحد أصلاً لعبده أن يخالف أمره، وإلى أنه لا يطلق العلم إلا على العامل أرشد قول ابن هشام في السيرة {أية : ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}تفسير : [آل عمران: 188] أن يقول الناس: علماء، وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى ولا حق. ولما كان مدار السداد التذكر. وكان مدار التذكر الذي به الصلاح والفساد هو القلب لأنه مركز العقل الذي هو آلة العلم، وكان القلب الذي لا يحمل على الصلاح عدماً، بل العدم خير منه، قال: {إنما يتذكر} أي تذكراً عظيماً بما أفهمه إظهار التاء فيعلم أن المحسن لا يرضى بالإحسان إلى من يأكل خيره ويعبد غيره {أولوا الألباب *} أي العقول الصافية والقلوب النيرة وهم الموصوفون آخر آل عمران بقوله تعالى: {أية : الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم}تفسير : [آل عمران: 191] إلى آخرها، وما أحسن التعبير هنا باللب الذي هو خلاصة الشيء لأن السياق للإخلاص، قال الرازي في اللوامع: قال الإمام محمد بن علي الترمذي: خلق الله تعالى الأشياء مسخرة للآدمي، وخلق الآدمي للخدمة، ووضع فيه أنواره ليخرج الخدمة لله تعالى من باطنه بالحاجة، فالآدمي مندوب إلى العلم بالله تعالى وبأوامره حسب ما خلق له، والخدمة والقنوت بقلبك بين يديه ماثلاً منتصباً محقاً مبادراً مسارعاً سائقاً مركبك في جميع أمورك بالحب له، وعلم الخدمة علم البساطين: بساط القدرة وبساط العبودة فإذا طالعت بساط القدرة بعقل وافر وهو أن تعرف نفسك وتركيبك من روحاني وجسماني، وطالعت بساط العبودة بكياسة تامة أدركت تدبيره في العبودة وباطن أمره ونهيه وعلل التحريم والتحليل، وبسط الله بساط الربوبية من باب القدرة، وبسط بساط العبودة من باب العظمة، ثم كان آخر خلقه سبحانه هذا الإنسان الذي بسط له هذين البساطين، وجمع فيه العالمين، وزاد على ما فيهما من قبول الأمر اختياراً وطوعاً، وكل شيء أعطاك إنما أعطاك لتبرزه إلى جوارحك، وتستعمله فيما خلق له، فلو لم يعطك منك لم يطلب منك، فلا تطلب الزكاة ممن لا مال له، ولا الصلاة قياماً ممن لا رجل له.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما {إن تكفروا فإن الله غني عنكم} يعني الكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فيقولون لا إله إلا الله. ثم قال {ولا يرضى لعباده الكفر} وهم عباده المخلصون الذين قال {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}تفسير : [الحجر: 42] فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله وحببها إليهم. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه {ولا يرضى لعباده الكفر} قال: لا يرضى لعباده المسلمين الكفر. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: والله ما رضي الله لعبده ضلالة، ولا أمره بها، ولا دعا إليها، ولكن رضي لكم طاعته، وأمركم بها، ونهاكم عن معصيته.
ابو السعود
تفسير : {إِن تَكْفُرُواْ} به تعالى بعد مشاهدةِ ما ذُكر من فنونِ نعمائِه ومعرفةِ شؤونِه العظيمةِ الموجبةِ للإيمانِ والشُّكرِ {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ} أي فاعلمُوا أنَّه تعالى غنيٌّ عن إيمانِكم وشكركم غيرُ متأثِّرٍ من انتفائهما {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} أي عدمُ رضاه بكفر عباده لأجل منفعتِهم ودفعِ مضرَّتِهم رحمةً عليهم لا لتضرُّرهِ تعالى به {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} أي يرض الشُّكرَ لأجلكم ومنفعتكم لأنَّه سببٌ لفوزكم بسعادة الدَّارينِ لا لانتفاعه تعالى به وإنَّما قيل لعباده لا لكُم لتعميم الحكمِ وتعليله بكونهم عبادَه تعالى. وقُرىء بإسكانِ الهاءِ {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} بـيانٌ لعدم سرايةِ كفر الكافر إلى غيرِه أصلاً أي لا تحملُ نفسٌ حاملة للوزر حملَ نفسٍ أخرى {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ} بالبعث بعد الموت {فَيُنَبّئُكُمْ} عند ذلك {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي كنتُم تعملونَه في الدُّنيا من أعمال الكفر والإيمانِ أي يُجازيكم بذلك ثواباً وعقاباً. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي بمضمرات القلوبِ فكيف بالأعمال الظَّاهرةِ وهو تعليل للتَّنبـيه. {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ} من مرضٍ وغيره {دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} راجعاً إليه ممَّا كان يدعُوه في حالة الرَّخاءِ لعمله بأنَّه بمعزلٍ من القُدرة على كشف ضُرِّه، وهذا وصف للجنس بحالِ بعضِ أفرادِه كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}تفسير : [سورة إبراهيم: الآية 34]. {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ} أي أعطاهُ نعمةً عظيمةً من لدنه تعالى من التَّخولِ وهو التَّعهدُ أي جعله خائلَ مالٍ من قولهم فلانٌ خائلُ مال إذا كان مُتعهِّداً له حسنَ القيامِ به أو من الخَولِ وهو الافتخارُ أي جعله يخُولُ أي يختالُ ويفتخرُ {نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ} أي نسيَ الضُّرَّ الذي كان يدعُو الله تعالى فيما سبق إلى كشفِه {مِن قَبْلُ} أي من قبل التَّخويلِ أو نسي ربَّه الذي كان يدعُوه ويتضرَّعُ إليه، إمَّا بناء على أنَّ ما بمعنى مَن كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [سورة الليل: الآية 3] وقوله تعالى: {أية : وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ} تفسير : [سورة الكافرون: الآية 3] وإمَّا إيذاناً بأنَّ نسيانَهُ بلغ إلى حيثُ لا يعرف مدَّعوه ما هو فضلاً عن أنْ يعرفه من هو كما مرَّ في قوله تعالى: {أية : عَمَّا أَرْضَعَتْ} تفسير : [سورة الحج: الآية 2] {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً} شركاءَ في العبادة {لِيُضِلَّ} النَّاس بذلك {عَن سَبِيلِهِ} الذي هو التَّوحيدُ وقُرىء ليَضلَّ بفتح الياء أي يزدادَ ضلالاً أو يثبتَ عليه وإلا فأصلُ الضَّلالِ غيرُ متأخِّرٍ عن الجعل المذكور. واللامُ لامُ العاقبة كما في قوله تعالى: { أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [سورة القصص: الآية 8] خلا أنَّ هذا أقربُ إلى الحقيقةِ لأنَّ الجاعلَ ههنا قاصدٌ بجعله المذكورِ حقيقةَ الإضلالِ والضَّلالِ وإنْ لم يعرف لجهله أنَّهما إضلالٌ وضلالٌ وأمَّا آلُ فرعونَ فهم غيرُ قاصدين بالتقاطِهم العداوةَ أصلاً. {قُلْ} تهديداً لذلك الضَّالَّ المُضلَّ وبـياناً لحالِه ومآلِه {تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً} أي تمتُّعاً قليلاً أو زمَاناً قليلاً {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ} أي ملازميها والمعذَّبـين فيها على الدَّوامِ وهو تعليلٌ لقلَّة التَّمتعِ، وفيه من الإقناط من النَّجاةِ ما لا يخفى كأنَّه قيل: إذ قد أبـيتَ قبولَ ما أُمرتَ به من الإيمان والطَّاعةِ فمن حقَّك أنْ تُؤمرَ بتركه لتذوقَ عقوبتَه.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ}[7] قال: أول الشكر الطاعة، وآخره رؤية الجنة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} [الآية: 7]. قال القاسم: لا يرضى لهم الكفر ولكن يقدر عليهم وليس الرضا من المشيئة والإرادة والقضاء فى شىء. قوله تعالى: {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} [الآية: 7]. قال سهل - رحمة الله عليه -: أول الشكر الطاعة وآخره رؤية المنة. وقال الروزبارى: رؤية العجز عن الشكر. أنشدنا على بن داره البلخى قال: أنشدنا القناد لأبى على الروزبارى: شعر : لو كل جـارحـة منى لهـا لُغـة تثنى عليـك بما أوليت من حسن لكان ما زان شكرى إن شكرت له بالحسـن أزين للإحسـان والمنن تفسير : قال: فعارضه القناد فقال: شعر : لو كـان كلى شكر لا يغـادره ألا تذكر مـا أولاه من منن لكان ما زاننى من أن شكرت لـه مستهلك الحسن فى إحسانه الحسن
القشيري
تفسير : إنْ أعرضتم وأَبَيْتُم، وفي جحودكم تماديتم... فَمَا نَفْتَقِرُ إليكم؛ إذ نحن أغنياء عنكم، ولكنّي لا أرضى لكم أن تبقوا عني! يا مسكين... أنت إنْ لم تكن لي فأنا عنكَ غنيٌّ، وأنا إن لم أكنْ لك فمن تكون أنت؟ ومَنْ يكون لك؟ مَنْ الذي يُحْسِنُ إليك؟ مَنْ الذي ينظر إليك؟ من الذي يرحمك؟ من الذي ينثر الترابَ على جراحِك؟ من الذي يهتم بشأنك؟ بمن تسلو إذا بَقِيتَ عنِّي؟ مَنْ الذي يبيعك رغيفاً بمثاقيل ذهب؟!. عَبْدي... أنا لا أرضى ألا تكونَ لي وأنت ترضى بألا تكون لي! يا قليلَ الوفاء، يا كثيرَ التجنِّي! إن أطَعْتَنِي شَكَرْتُك، وإن ذكَرْتَنِي ذكرتُك، وإن خَطَوْتَ لأَجْلي خطوةً ملأتُ السماواتِ والأرضين من شكرك: شعر : لو عَلِمْنا أنَّ الزيارةَ حقٌّ لَفَرَشْنَا الخدودَ أرضاً لترضى
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} نكته الأية فى الحقيقة بعد رسوم العلم ان العبد العارف اذا تحقق فى العبودية وصل الى رؤية انوار الربوبية يصل الى نور الانبساط وذوق الوجد والسكر فى رؤية الجمال فيطيب وقته ويصير مملوا من نور الحق فلا يرى الا الحق بالحق وينسى الحق دون الحق فيدعى هناك الانائية فهدده الحق عن ذلك وقال ان تخرجوا من عندى بدعوى الانائية تكونوا محجوبين بالحال عن المحول وهو منزه ان يحول عليه عال مقدس عن المواصلة والفارقة ولا يرضى ولا يستحسن لعبده الاحتجاب به عند لكن مكر به بمشيته القديمة وارادته السباقة لانها سبقتا على الامر والامر بتغير والرضا لا يتبدل وفى قوله {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} بيان ان الكفران نسيان وجوده فى غلبة الوجد وذكر الواجد نفسه ولا يرضى بذلك بل رضى ان يفنى نفس الواجد فيه تعالى وهو باق له لا هو فاذا فنى عنه شكر الله بفنائه فى بقائه وذلك قوله {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} وفى الأية من الشطح ان الله سبحانه اعدم الكفر وبين ان ليس الكفر لاحد من العرش الى الثرى وكيف يكون الكفر ولا يروى الله الكفر لاحد فخرج الكفر من البين بذلك لان الرضا نعته الازلية فاذا بقى الكفر فى القدم لا يكون الكفر الى الابد ومنع الرضا والسخط والارادة والمشية ذاته القديمة وهذه الصفات والذات واحدة من جميع الوجوه وبيان ذلك ان حقيقة الكفر فى كونه ان يكون العبد محيطا بجميع ذاته وصفاته ثم ينكره بحيث انكاره يقارن احاطته وكذلك الايمان وذلك مستحيل اذا لا يكون الكفر الحقيقى ولا الاسلام الحقيقى قال القاسم لا يرضى لهم الكفر ولكن يقدر عليهم وليس الرضا من المشية ولارادة والقضاء فى شئ وقال سهل اوّل الشكر الطاعة وأخره رؤية المنة قال عبد العزيز المكى الكفران للنعمة هو ان يظن العبد انه عرف وادّى شيئا من شكر النعمة قال ابن عطا لا يرضى العبادة الكفر لا حاجة به اليكم ولكن من كفر واعرض عنه ممن خلقه لنفسه ولجواره لا يرضى له ذلك حتى يجذبه اليه بتوفيقه ويربيه بفضله وبرضاه وقال بعضهم فى قوله وان تشكروا برضاكم ان وفقتم لشكر نعمتى اوجبت لكم به رضاى.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان تكفروا} به تعالى بعد مشاهدة ما ذكر من فنون نعمائه ومعرفة شؤونه العظيمة الموجبة للايمان والشكر. والخطاب لاهل مكة كما في الوسيط والظاهر التعميم لكل الناس كما فى قوله تعالى {أية : ان تكفروا انتم ومن فى الارض جميعا} تفسير : {فان الله غنى عنكم} وعن العالمين اى فاعلموا انه تعالى غنى عن ايمانكم وشكركم غير متأثر من انتفائهما والغنى هو الذى يستغنى عن كل شىء لا يحتاج اليه لا فى ذاته ولا فى صفاته لانه الواجب من جميع جهاته {ولا يرضى لعباده الكفر} وان تعلقت به ارادته تعالى من بعضهم اى عدم رضاه بكفر عباده لاجل منفعتهم ودفع مضرتهم رحمة عليهم لا لتضرره به تعالى. وانما قيل لعباده لا لكم لتعميم الحكم للمؤمنين والكافرين وتعليله بكونهم عباده. واعلم ان الرضى ترك السخط والله تعالى لا يترك السخط فى حق الكافر لانه لسخطه عليه اعد له جهنم ولا يلزم منه عدم الارادة اذ ليس فى الارادة ما فى الرضى من نوع استحسان فالله تعالى مريد الخير والشر ولكن لا يرضى بالكفر والفسوق فان الرضى انما يتعلق بالحسن من الافعال دون القبيح وعليه اهل السنة وكذا اهل الاعتزال. وقال ابن عباس رضى الله عنهما والذى لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر وهم الذين ذكرهم فى قوله {أية : ان عبادى ليس لك عليهم سلطان} تفسير : فيكون عاما مخصوصا كقوله {أية : عينا يشرب بها عباد الله} تفسير : يريد بعض العباد وعليه بعض الماتريدية حيث قالوا ان الله يرضى بكفر الكافر ومعصية العاصى كما انه يريدهما صرح بذلك الخصاف فى احكام القرآن. ونقل ان هشام بن عبد الملك انما قتل غيلان القدرى باشارة علماء الشأم بقوله ان الله لا يرضى لعباده الكفر قال هشام ان لم يكن الله قادرا على دفع الكفر عن الكفار يكون عاجزا فلا يكون الها وان قدر فلم يدفع يكون راضيا فافحم غيلان. وفى الاسئله المقحمة فان قيل هل يقولون بان كفر الكافر قد رضيه الله تعالى للكافر قلنا ان الله تعالى خلق كفر الكافر ورضيه له وخلق ايمان المؤمن ورضيه له وهو مالك الملك على الاطلاق. وتكلف بعض اهل الاصول فقال ان الله تعالى لا يرضى بكون الكفر حسنا ودينا لانه تعالى يرضى وجوده وهو حسن ولا يخلقه وهو حسن وعلى هذا معنى قوله تعالى {أية : والله لا يحب الفساد} تفسير : والاليق باهل الزمان والابعد عن التشنيع والاقرب ان لا يرضى من عباده الكفر مؤمنا كان او كافرا. يقول الفقير ان رضى الله بكفر الكافر ومعصية العاصى اختياره وارادته له فى الازل فلذا لم يتغير حكمه فى الابد لا مدحه وثناؤه وترك السخط عليه فارتفع النزاع ومن تعمق فى اشارة قوله تعالى {أية : ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ان ربى على صراط مستقيم} تفسير : انكشف له حقيقة الحال {وان تشكروا} تؤمنوا به تعالى وتوحدوه يدل عليه ذكره فى مقابلة الكفر {يرضه لكم} اصله يرضاه على ان الضمير عائد الى الشكر حذف الالف علامة للجزم وهو باختلاس ضمة الهاء عند اهل المدينة وعاصم وحمزة وباسكان الهاء عند ابى عمرو وباشباع ضمة الهاء عند الباقين لانها صارت بخلاف الالف موصولة بمتحرك. والمعنى يرضى الشكر والايمان لاجلكم ومنفعتكم لانه سبب لفوزكم بسعادة الدارين لا لانتفاعه تعالى به. وفى التأويلات النجمية يعنى لا يرضى لكفركم لانه موجب للعذاب الشديد ويرضى لشكركم لانه موجب لمزيد النعمة وذلك لان رحمته سبقت غضبه يقول يا مسكين انا لا ارضى لك ان لا تكون لى يا قليل الوفاء كثير التجنى فان اطعتنى شكرتك وان ذكرتنى ذكرتك {ولا تزر وازرة وزر اخرى} بيان لعدم سراية كفر الكافر الى غيره اصلا. والوزر الحمل الثقيل ووزره اى حمله. والمعنى ولا تحمل نفس حاملة للوزر حمل نفس اخرى من الذنب والمعصية [بلكه هريك بردارنده وزر خود بردارد جنانكه كناه كسى دردفتر ديكر نمىنويسند] شعر : كه كناه دكران برتونخواهند نوشت تفسير : {ثم الى ربكم مرجعكم} اى رجوعكم بالبعث بعد الموت لا الى غيره {فينبئكم} عند ذلك: وبالفارسية [بس خبر دهد شمارا] {بما كنتم تعملون} اى بما كنتم تعملونه فى الدنيا من اعمال الكفر والايمان اى يجازيكم بذلك ثوابا وعقابا كما قال الكاشفى [واخبار ازآن بمحاسبه ومجازات باشد]. وفى تفسير ابى السعود فى غير هذا المحل عبر عن اظهاره بالتنبئة لما بينهما من الملابسة فى انهما سببان للعلم تنبيها على انهم كانوا جاهلين بحال ما ارتكبوه غافلين عن سوء عاقبته اى يظهر لكم على رؤس الاشهاد ويعلمكم أى شىء شنيع كنتم تفعلونه فى الدنيا على الاستمرار ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء {انه} تعالى {عليم بذات الصدور} تعليل للتنبئة اى مبالغ فى العلم بمضمرات القلوب فكيف بالاعمال الظاهرة واصله عليم بمضمرات صاحبة الصدور. وفى الآية دليل على ان ضرر الكفر والطغيان يعود الى نفس الكافر كما ان نفع الشكر والايمان يعود الى نفس الشاكر والله غنى عن العالمين كما وقع فى الكلمات القدسية "حديث : يا عبادى لو ان اولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على اتقى قلب رجل واحد منكم" (اى على تقوى اتقى قلب رجل) "ما زاد ذلك فى ملكى شيئا يا عبادى لو ان اولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على افجر قلب واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئا" وفى آخر الحديث فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ الا نفسه . تفسير : واعلم أن الشكر سبب الرضوان ألا ترى الى قوله تعالى وان تشكروا يرضه لكم ولشرف الشكر امر انبياءه فقال لموسى فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين روى أنه اخذ التوارة وهى خمسة الواح او تسعة من الياقوت وفيها مكتوب يا موسى من لم يصبر على قضائى ولم يشكر نعمائى فليطلب ربا سواى وكان الانبياء لمعرفتهم لفضل الشكر يبادرون اليه روى أنه عليه السلام لما تورمت قداماه من قيام الليل اى انتفختا من الوجع الحاصل من طول القيام فى الصلاة قالت عائشة رضى الله عنها أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال عليه السلام افلا اكون عبدا شكورا اى مبالغا فى شكر ربى وفى ذلك تنبيهه على كمال فضل قيام الليل حيث جعله النبى عليه السلام شكرا لنعمته تعالى ولا يخفى أن نعمه عظيمة وشكره ايضا عظيم فاذا جعل النبى عليه السلام قيام الليل شكراً لمثل هذه نعم الجليلة ثبت أنه من اعظم الطاعات وافضل العبادات وفى الحديث صلاة فى مسجدى هذا افضل من عشرة آلاف فى غيره الا المسجد الحرام وصلاة فى المسجد الحرام افضل من مائة ألف صلاة فى غيره ثم قال ألا ادلكم على ما هو افضل من ذلك قالوا نعم قال رجل قام فى سودا الليل فاحسن الوضوء وصلى ركعتين يريد بهما وجه الله تعالى وعن عائشة رضى الله عنها أن النبى عليه السلام كان اذا فاته قيام الليل بعذر قضاه ضحواة اى من غير وجوب عليه بل على طريق الاحتياط فان الورد الملتزم اذا فات عن محله يلزم أن يتدارك فى وقت آخر حتى يتصل الاجر ولا ينقطع الفيض فانه بدوام التوجه يحصل دوام العطا وشرط عليه السلام ارادة وجه الله تعالى فانه تعالى لا يقبل ما كان لغيره ولذا وعدوا وعد بقوله انه عليم بذات الصدور فمن اشتمل صدره على الخلوص تخلص من يد القهره ومن اشتمل على الشرك والرياء وجد الله عند عمله فوفاه حسابه شعر : اكر جز بحق ميرود جاده ات در آتش فشانند سجاده ات اكر جانب حق ندارى نكاه بكويى بروز اجل آه آه جه وزن آورد جايى انبان باد كه ميزان عدلست وديوان داد مرايى كه جندان عمل مى نمود بديدند هيجش در انبان نبوت منه آب روى ريارا محل كه اين آب در زير دارد وحل تفسير : جعلنا الله واياكم من الصالحين الصادقين المخلصين فى الاقوال والافعال والاحوال دون الفاسقين الكاذبين المرائين آمين يا كريم العفو كثير النوال
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِن تكفروا} به تعالى، بعد مشاهدة هذه النعم الجسيمة، وشؤونه العظيمة، الموجبة للإيمان والشكر، {فإِن الله غَنِيٌّ عنكم} أي: فاعلموا أنه تعالى غَنِي عن إيمانكم وشكركم، {ولا يرضى لعبادِهِ الكُفْرَ}؛ لأن الكفر ليس برضا الله، وإن كان بإرادته، وعدمُ رضاه تعالى بالكفر لأجل منفعتهم، ودفع مضرتهم، رحمة بهم، لا لتضرره تعالى به. {وإِن تشكروا} وتؤمنوا {يرضَهُ لكم} أي: يرضى الشكر لأجلكم ومنفعتكم؛ لأنه سبب الفوز بسعادة الدارين. وإنما قال: {لعباده} ولم يقل "لكم"، لتعميم الحكم، وتعليله بكونهم عباده تعالى، والحاصل: أن وقوع الطاعة والإيمان هو بقدرته تعالى، وإرادته ورضاه، وأما الكفر والمعاصي فهو بقضائه وإرادته، ولم يرضها من عبده شرعاً، وإن رضيها تكويناً؛ لتقوم الحجة على العبد، ويظهر صورة العدل، ولا يظلم ربك أحداً، وإن كان الكل منه وإليه. {ولا تزر وازرةٌ وِزْرَ أُخرى}: بيان لعدم سريان كفر الكافر إلى غيره، أي: ولا تحمل نفس حاملة لوزرها حمل نفس أخرى، {ثم إِلى ربكم مرجِعُكُم} بالبعث بعد الموت، {فَيُنَبِّئُكُم}؛ يُخبركم {بما كنتم تعملون} في الدنيا من الإيمان والكفر، فيجازيكم بها ثواباً وعقاباً. {إِنه عليم بذاتِ الصدور}: أي بمضمرات القلوب، فكيف بالأعمال الظاهرة، وهو تعليل لـ "ينبئكم". الإشارة: قد تقدّم الكلام على الشكر في سورة سبأ قال القشيري: قوله تعالى: {وإِن تشكروا يرضه لكم} إن أطعتني شكرتُك، وإن ذكرتني ذكرتُك، وإن خطوت لأجلي خطوةً ملأتُ السموات والأرض من شكرك، وأنشدوا: شعر : لو عَلِمْنا أن الزيارةَ حقٌ لَفَرَشْنَا الخدودَ أرضاً لِتَرْضَى تفسير : ثم بيَّن حال مَن يشكر، فقال: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ}.
الهواري
تفسير : قال: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} أي: عن عبادتكم {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ} وتؤمنوا {يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي لا يحمل أحد ذنب غيره، والذنب الوزر، وهو الحمل. كقوله: (أية : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ) تفسير : [الأنعام:31] {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ} أي: يوم القيامة {فيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: بما في الصدور. قوله: {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ} أي: مرض {دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} أي: دعاه بالإخلاص أن يكشف عنه {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ} أي: عافاه من ذلك المرض. {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُواْ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ} وهو كقوله: {مَرَّ} أي: معرضاً (أية : كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ) تفسير : [يونس:12]، يعني الكافر المشرك. قال: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً} يعني الأوثان، عدلوها بالله فعبدوها من دونه، والنّدّ العدل. {لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي: يتبعه على ذلك غيره {قُلْ} أي: قل يا محمد للمشرك {تَمَتَّعْ} في الدنيا {بِكُفْرِكَ قَلِيلاً} أي: إن بقاءك في الدنيا قليل {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}.
اطفيش
تفسير : {إِن تَكْفُرُواْ} أي تشركوا {فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ} أي عن ايمانكم والمراد غني عنكم في ذواتكم وما يصدر منكم لم يخلقكم جراً لمنفعة أو دفعاً لمضرة فانه الغنى المالك القاهر على الاطلاق والاحتياج نقص تعالى عنه فثبت أنه غني عما سواه بل أنتم المحتاجون اليه لاستضراركم بالكفر واستنفاعكم بالايمان {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} رحمة لهم لانه يوقعهم في المهلكة ولذلك وسع رحمته وكثر دلائل توحيده وكفر من كفر لسابقة علمه تعالى وتفريط ذلك الكافر وتركه الاستنفاع بالدلائل مع أنه لا يرضى له الله الكفر أي لا يحبه له أي لا يختاره له بل أنكره ونهاه ولكن كان كفره بارادة الله الأزلية فانه لا يعصي مغلوباً وقيل الارادة حقيقية فيما لم يقع والرضى فيما وقع وقد يستعمل هذا بدل هذا وقد بان لك أن المراد بالعباد الكفار والمسلمين وان الكافر للكافر غير مرضٍ لله أي غير محب له وان كان بارادته وذلك قول السلف. وقال ابن عباس: المراد بالعباد من سبق في علمه أنه يؤمن كالملائكة والمسلمين فالمراد بالعباد الخصوص وعليه فمعنى لا يرضى لعباده الكفر لا يحبه لهم أو لا يريده. كما أن الخطاب في (تكفروا) (وعنكم) للكفار في قول ابن عباس وأجازه غيره أن يكون عاماً ومن الناس من جهل وغوى وزعم أن الله يرضى الكفر لعباده الذين شقوا وفسر {لا يرضى لعباده الكفر} بأنه لا يرضاه للسعداء أما هذا التفسير على من لا يريده للسعداء ولا يحبه لهم فمقبول لا بأس به وأما أن يقول: (رضي الله الكفر للذين شقوا) أي (أحبه لهم) فمنكر بل اراده فى علمه أي سبق علمه به. هذا مذهبنا به معشر الأباضية {وَإِن تَشْكُرُواْ} أي تؤمنوا وتعملوا صالحاً أي تستعملوا قلوبكم فيما خلقتها له وهو الايمان وجوارحكم فيما خلقتها له وهو الاقرار والعمل* {يَرْضَهُ لَكُمْ} لانه سبب فلاحكم يثيبكم عليه وذلك في الخطاب عام ويحتمل الخصوص تبعاً لما قبله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قال رضيت بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً وجبت له الجنة"تفسير : . بمعنى أن هذا من أسباب السعادة لا موجب للسعادة بمجرده والهاء راجعة للشكر المفهوم من (تشكروا) ويشبع ضمها مراعاة لتحرك ما قبلها فى رواية عن نافع وعن أبى عمرو وكذا قرأ ابن كثير والكسائى وخلف وورش وابن ذكوان وابن محيض وابن وردان وحمزة ويعقوب وحفص وهشام وغيرهم وروي عن السوسي وهشام وشعبة وغيرهم اسكانها* {وَلاَ تَزِرُ} نفس* {وَازِرَةٌ وِزْرَ} نفس* {أُخْرَى} أي لا تذنب نفس ذنب أخرى أي لا تؤاخذ به ولا تحمله {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ} أي رجوعكم كائن الى ربكم فالمرجع هنا مصدر ميمي أي ترجعون اليه في الآخرة* {فَيُنَبِّئُكُم} أي يخبركم* {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا فيجازيكم {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي بصاحبة القلوب أي بالأشياء التى فى القلوب أو بنفس الصدور كما تقول انه عالم بذلك البيت أي بأحواله وأحوال الصدور ما فيها ولا يخفى عليه خافية من أعمالكم
اطفيش
تفسير : {إنْ تَكْفُروا} مع وجود هذه الدلائل {فإن الله غَنيٌّ عنْكُم} لم تضروه بكفركم، لأن الله غنى عن إيمانكم، وعن كل أحد فنابت العلة عن هذا الجواب المقدور، وهذا أولى من تقدير، فأنا أخبركم وأقول: " ان الله غنى {ولا يَرضى لِعبادِه} المؤمنين والكافرين، وقيل: السعداء {الكُفْر} لأنه قبيح، وجور عن الحق، وضرر عليهم كفر الشرك وكفر النفاق، تقول: خلق الله المعاصى وأرادها ممن منه، ونهى عنها، ولا تقول: أحبها ولا رضيها، ولا من الشقى إلا على التوسع والتجوز، عن معنى أنه لم يعص مغلوبا، وعلى معنى الارادة والخلق {وإنْ تَشْكُروا يرضَه} أى يرضى الشكر المدلول عليه بتشكروا {لَكُم} لأنه صلاح لكم وحق، وحسن شرعا، ولا نقول بالتحسين والتقبيح العقليين. {ولا تَزرُ} لا تتصف بوزر غيرها، ولا تتأثر به عقابا {وازرة} نفس وازرة مذنبة {وزِرْ أخْرى} نفس أخرى لا تعاقب إلا بذنب نفسها، ومن ذنبها دعاءها الى الذنب بالقول، أو بحاله فيعاقب بما فعل غيره به لذلك، ولا يحمله عن فاعله {ثمَّ إلى ربَّكُم مَرجعكُم} رجوعكم بالبعث للجزاء {فيُنَبِّئُكم} حسابا للجزاء {بما كُنْتم تعْمَلون إنَّه عَليمٌ بذات الصُّدور} فكفركم أيها الكافرون لا يعدوكم عقابه الى المؤمنين.
الالوسي
تفسير : {إِن تَكْفُرُواْ } به تعالى مع مشاهدة ما ذكر من موجبات الإيمان والشكر {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ } أي فأخبركم أنه عز وجل غني عن إيمانكم وشكركم غير متأثر من انتفائهما {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ } لما فيه من الضرر عليهم {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ } أي الشكر {لَكُمْ } لما فيه من نفعكم، ومن قال بالحسن والقبح العقليين قال: عدم الرضا بالكفر لقبحه العقلي والرضا بالشكر لحسنه العقلي، والرضا إما بمعنى المحبة أو بمعنى الإرادة مع ترك الاعتراض ويقابلة السخط كما في «شرح المسايرة» فعباده على ظاهره من العموم، ومنهم من فسره بالإرادة من غير قيد ويقابله الكره وهؤلاء يقولون قد يرضى بالكفر أي يريده لبعض الناس كالكفرة ونقله السخاوي عن النووي في كتابه «الأصول والضوابط» وابن الهمام عن الأشعري وإمام الحرمين كذا قاله الخفاجي في «حواشيه على تفسير البيضاوي». والذي رأيته في «الضوابط» وهي نسخة صغيرة جداً ما نصه: مسألة مذهب أهل الحق الإيمان بالقدر وإثباته وأن جميع الكائنات خيرها وشرها بقضاء الله تعالى وقدره وهو مريد لها كلها ويكره المعاصي مع أنه سبحانه مريد لها لحكمة يعلمها جل وعلا، وهل يقال إنه تعالى يرضى المعاصي ويحبها؟ فيه مذهبان لأصحابنا المتكلمين حكاهما إمام الحرمين وغيره، قال إمام الحرمين في «الإرشاد»: مما اختلف فيه أهل الحق إطلاق المحبة والرضاء، فقال بعض أصحابنا لا يطلق القول بأن الله تعالى يحب المعاصي ويرضاها لقوله تعالى: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ } ومن حقق من أئمتنا لم يلتفت إلى تهويل المعتزلة / بل قال: الله تعالى يريد الكفر ويحبه ويرضاه والإرادة والمحبة والرضا بمعنى واحد قال: والمراد بعباده في الآية الموفقون للإيمان وأضيفوا إلى الله تعالى تشريفاً لهم كما في قوله تعالى: {أية : يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ } تفسير : [الإنسان: 6] أي خواصهم لا كلهم اهـ فلا تغفل عن الفرق بينه وبين ما ذكره الخفاجي. وحكى تخصيص العباد في «البحر» عن ابن عباس. وقيل يجوز مع ذلك حمل العباد على العموم ويكون المعنى ولا يرضى لجميع عباده الكفر بل يرضاه ويريده لبعضهم نظير قوله تعالى: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ }تفسير : [الأنعام: 103] على قول، ولعلامة الأعصار صاحب «الكشف» تحقيق نفيس في هذا المقام لم أره لغيره من العلماء الأعلام وهو أن الرضا يقابل السخط وقد يستعمل بعن والباء ويعدى بنفسه فإذا قلت: رضيت عن فلان فإنما يدخل على العين لا المعنى ولكن باعتبار صدور معنى منه يوجب الرضا في مقابلة سخطت عليه وبينهما فرقان أنك إذا قلت: رضيت عن فلان بإحسانه لم يتعين الباء للسببية بل جاز أن يكون صلة مثله في رضيت بقضاء الله تعالى وإذا قلت: سخطت عليه بإساءته تعين السببية فكان الأصل هٰهنا ذكر الصلة لكنه كثر الحذف في الاستعمال بخلافه ثمت إذ لا حذف، وإذا قيل: رضيت به فهذا يجب دخوله على المعنى إلا إذا دخل على الذات تمهيداً للمعنى ليكون أبلغ تقول: رضيت بقضاء الله تعالى ورضيت بالله عز وجل رباً وقاضياً، وقريب منه سمعت حديث فلان وسمعته يتحدث وإذا عدي بنفسه جاز دخوله على الذات كقولك: رضيت زيداً وإن كان باعتبار المعنى تنبيهاً على أن كله مرضي بتلك الخصلة وفيه مبالغة وجاز دخوله على المعنى كقولك: رضيت إمارة فلان، والأول أكثر استعمالاً وهو على نحو قولهم: حمدت زيداً وحمدت علمه، وأما إذا استعمل باللام تعدى بنفسه كقولك رضيت لك هذا فمعناه ما سيجيء إن شاء الله تعالى قريباً. وإذا تمهد هذا لاح لك أن الرضا في الأصل متعلقه المعنى وقد يكون الذات باعتبار تعلقه بالمعنى أو باعتبار التمهيد فهذه ثلاثة أقسام حققت بأمثلتها وأنه في الحقيقة حالة نفسانية تعقب حصول ملائم مع ابتهاج به واكتفاء فهو غير الإرادة بالضرورة لأنها تسبق الفعل وهذا يعقبه، وهذا المعنى في غير المستعمل باللام من الوضوح بمكان لا يخفى على ذي عينين، وأما فيه فإنما اشتبه الأمر لأنك إذا قلت: رضيت لك التجارة فالراضي بالتجارة هو مخاطبك وإنما أنت بينت له أن التجارة مما يحق أن يرضى به وليس المعنى رضيت بتجارتك بل المعنى استحمادك التجارة له فالملاءمة هٰهنا بين الواقع عليه الفعل والداخل عليه اللام ثم إنه قد يرضى بما ترضاه له إذا عرف وجه الملاءمة وقد لا يرضى، وفيه تجوز إما لجعل الرضا مجازاً عن الاستحماد لأن كل مرضي محمود أو لأنك جعلت كونه مرضياً له بمنزلة كونه مرضياً لك فاعلم أن الرضا في حق الله تعالى شأنه محال لأنه سبحانه لا يحدث له صفة عقيب أمر البتة فهو مجاز كما أن الغضب كذلك إما من أسماء الصفات إذا فسر بإرادة أن يثيبهم إثابة من رضي عمن تحت يده وإما من أسماء الأفعال إذا أريد الاستحماد وأن مثل قوله تعالى: {أية : رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ }تفسير : [المائدة: 119] إما من باب المشاكلة وإما من باب المجاز المذكور، وأن مثل قوله سبحانه: {أية : وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً }تفسير : [المائدة: 3] متعين أن يكون من ذلك الباب بالنسبة إلى من يصح اتصافه بالرضا حقيقة أيضاً فإذن قوله تعالى: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ } كلام وارد على نهجه من غير تأويل دال على أنه جل شأنه لا يستحمد الكفر لعباده كما يستحمد الإسلام لهم ويرتضيه، وأما أنه لا يرد الكفر أن يوجد فليس من هذا الباب في شيء ولا هو من مقتضيات هذا التركيب وأن الخروج إلى تخصيص العباد من ضيق العطن وأن قول المحققين / رضي الله تعالى عنهم: إن الطاعات برضى الله تعالى والمعاصي ليست كذلك ليس لهذه الآية بل لأن الرضا بالمعنى الأصلي يستحيل عليه تعالى وقد أخبر أنه رضي عن المؤمنين بسبب طاعتهم في مواضع عديدة من كتابه الكريم. والزخشري عامله الله تعالى بعدله فسر الرضا في نحوه بالاختيار وهو لا ينفك عن الإرادة، وأنت تعلم سقوطه مما حقق هذا ثم إنا نقول: لما أرشد سبحانه إلى الحق وهدد على الباطل إكمالاً للرحمة على عباده كلهم الفريقين بقوله تعالى: {إِن تَكْفُرُواْ} إلى قوله سبحانه {يَرْضَهُ لَكُمْ } تنبيهاً على الغنى الذاتي وأنه سبحانه تعالى أن يكون أمره بالخير لانتفاعه به ونهيه عن الشر لتضرره منه. ثم في العدول عن مقتضى الظاهر من الخطاب إلى قوله تعالى: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ } ما ينبه على أن عبوديتهم وربوبيته جل شأنه يقتضي أن لا يرضى لهم ذلك، وفيه أنهم إذا اتصفوا بالكفر فكأنهم قد خرجوا عن رتبة عبوديته تعالى وبقوا في الذل الدائم ثم قيل {يَرْضَهُ لَكُمْ } للتنبيه على مزيد الاختصاص فهذا هو النظم السري الذي يحار دون إدراك طائفة من لطائفة الفكر البشري والله تعالى أعلم اهـ. وهو كلام رصين وبالقبول قمين إلا أنه ربما يقال إنه لا يتمشى على مذهب السلف حيث إنهم لا يؤولون الرضا في حقه تعالى وكونه عبارة عن حالة نفسانية إلى آخر ما ذكر في تفسيره إنما هو فينا وحيث إن ذاته تعالى مباينة لسائر الذوات فصفاته سبحانه كذلك فحقيقة الرضا في حقه تعالى مباينة لحقيقته فينا وأين التراب من رب الأرباب، وقد تقدم الكلام في هذا المقام على وجه يروي الأوام ويبرىء السقام فنقول عدم التأويل لا يضر فيما نحن بصدده فالرضا إن أول أو لم يؤول غير الإرادة لحديث السبق والتأخر الساق، وممن صرح بذلك ابن عطية قال: تأمل الإرادة فإن حقيقتها إنما هي فيما لم يقع بعد والرضا حقيقته إنما هي فيما وقع واعتبر هذا في آيات القرآن تجده وإن كانت العرب قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوز هذا بدل هذا. وقد ذهب إلى المغايرة بينهما بما ذكر هنا ابن المنير أيضاً إلا أنه أول الرضا وذكر أنه لا يتأتى حمله في الآية على الإرادة وشنع على الزمخشري في ذلك جزاء ما تكلم على بعض أهل السنة المخالفين للمعتزلة في زعمهم اتحاد الرضا والإرادة وأنه تعالى قد يريد ما لا يفعله العبد وقد يفعل العبد ما لا يريده عز وجل فقال: هب أن المصر على هذا المعتقد على قلبه رين أو في ميزان عقله غين أليس يدعي أو يدعي له أنه الخريت في مغائر العبارات فكيف هام عن جادة الإجادة في بهماء وأعار منادي الحذاقة أذناً صماء اللهم إلا أن يكون الهوى إذا تمكن أرى الباطل حقاً وغطى على مكشوف العبارة فسحقاً سحقاً أليس مقتضى العربية فضلاً عن القوانين العقلية أن المشروط مرتب على الشرط فلا يتصور وجود المشروط قبل الشرط عقلاً ولا مضيه واستقبال الشرط لغة ونقلاً واستقر باتفاق الفريقين أهل السنة وأهل البدعة أن إرادة الله تعالى لشكر العباد مثلاً مقدمة على وجود الشكر منهم فحينئذ كيف ينساغ حمل الرضا على الإرادة وقد جعل في الآية مشروطاً وجزاء وجعل وقوع الشكر شرطاً ومجزياً واللازم من ذلك عقلاً تقدم المراد وهو الشكر على الإرادة وهي الرضا ولغة تقدم المشروط على الشرط فإذا ثبت بطلان حمل الرضا على الإرادة عقلاً ونقلاً تعين المحمل الصحيح له وهو المجازاة على الشكر بما عهد أن يجازي به المرضى عنه من الثواب والكرامة فيكون معنى الآية والله تعالى أعلم وإن تشكروا يجازكم على شكركم جزاء المرضي عنه، ولا شك أن المجازاة مستقبلة بالنسبة إلى الشكر فجرى الشرط والجزاء على مقتضاهما لغة وانتظم / ذلك بمقتضى الأدلة العقلية على بطلان تقدم المراد على الإرادة عقلاً، ومثل هذا يقال في قوله تعالى: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ } أي لا يجازي الكافر مجازاة المرضي عنه بل مجازاة المغضوب عليه من النكال والعقوبة انتهى. لا يقال: حيث كان قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ } جزاء باعتبار الأخبار كما أشير إليه فيما سلف فليكن قوله تعالى {يَرْضَهُ لَكُمْ } جزاء بذلك الاعتبار فحينئذ لا يلزم أن يكون نفس الرضا مؤخراً لأنا نقول: مثل هذا الاعتبار شائع في الجملة الاسمية المتحقق مضمونها قبل الشرط نحو {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدُيرٌ }تفسير : [الأنعام: 17] وفي الفعل الماضي إذا وقع جزاء نحو {أية : إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ }تفسير : [يوسف: 77] وأما في الفعل المضارع فليس كذلك والذوق السليم يأبـى هذا الاعتبار فيه ومع هذا أي حاجة تدعو إلى ذلك هنا ولا أراها إلا نصرة الباطل والعياذ بالله تعالى. ثم إنه يعلم من مجموع ما قدمنا حقية ما قالوا من أنه لا تلازم بين الإرادة والرضا كما أن الرضا ليس عبارة عن حقيقة الإرادة لكن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قسما الإرادة إلى قسمين تكوينية وشرعية، وذكراً أن المعاصي كالكفر وغيره واقعة بإرادة الله تعالى التكوينية دون إرادته سبحانه الشرعية وعلى هذا فالرضا لا ينفك عن الإرادة الشرعية فكل مراد لله تعالى بالإرادة الشرعية مرضي له سبحانه وهذا التقسيم لا أتعقله إلا أن تكون الإرادة الشرعية هي الإرادة التي يرتضي المراد بها فتدبر هذا. وقرأ ابن كثير ونافع في رواية، وأبو عمرو والكسائي {يرضه } بإشباع ضمة الهاء، والقاعدة في إشباع الهاء وعدمه أنها إن سكن ما قبلها لم تشبع نحو عليه وإليه وإن تحرك أشبعت نحو به وغلامه وهٰهنا قبلها ساكن تقديراً وهو الألف المحذوفة للجازم فإن جعلت موجودة حكماً لم تشبع كما في قراءة ابن عامر وحفص وإن قطع النظر عنها أشبعت كما في قراءة من سمعت وهذا هو الفصيح وقد تشبع وتختلس في غير ذلك وقد يحسن إشباعها مع فقد الشرط لنكتة، وقرأ أبو بكر {يَرْضَهُ } بسكون الهاء ولم يرضه أبو حاتم وقال: هو غلط لا يجوز، وفيه أنه لغة لبني كلاب وبني عقيل إجراء للوصل مجرى الوقف. {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } بيان لعدم سراية كفر الكافر إلى غيره، وقد تقدم الكلام في هذه الجملة وكذا في قوله تعالى:{ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } فتذكر.
ابن عاشور
تفسير : { إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ}. أتبع إنكار انصرافهم عن توحيد الله بعد ما ظهر على ثبوته من الأدلة، بأن أُعلموا بأن كفرهم إن أصرّوا عليه لا يضر الله وإنما يضر أنفسهم. وهذا شروع في الإِنذار والتهديد للكافرين ومقابلتِه بالترغيب والبشارة للمؤمنين فالجملة مستأنفة واقعة موقع النتيجة لما سبق من إثبات توحيد الله بالإِلٰهية. فجملة {إن تَكْفُرُوا} مبينة لإِنكار انصرافهم عن التوحيد، أي إن كفرتم بعد هذا الزمن فاعلموا أن الله غنيّ عنكم. ومعناه: غنيّ عن إقراركم له بالوحدانية، أي غير مفتقر له. وهذا كناية عن كون طلب التوحيد منهم لنفعهم ودفع الضر عنهم لا لنفع الله، وتذكيرهم بهذا ليُقبلوا على النظر من أدلة التوحيد. والخبر مستعمل كناية في تنبيه المخاطب على الخطأ من فعله. وقوله: {ولاَ يَرْضىٰ لِعِبَادِهِ الكُفْرَ} اعتراض بين الشرطين لقصد الاحتراس من أن يتوهم السامعون أن الله لا يكترث بكفرهم ولا يعبأ به فيتوهموا أنه والشكرَ سواء عنده، ليتأكد بذلك معنى استعمال الخبر في تنبيه المخاطب على الخطأ. وبهذا تعيّن أن يكون المراد من قوله: {لِعِبَادِهِ} العباد الذين وجّه الخطاب إليهم في قوله: {إن تكفروا فإنَّ الله غنيٌّ عنكم}، وذلك جريٌ على أصل استعمال اللغة لفظ العباد، كقوله: {أية : ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل}تفسير : [ الفرقان: 17]. الآية؛ وإن كان الغالب في القرآن في لفظ العباد المضاف إلى اسم الله تعالى أو ضميره أن يطلق على خصوص المؤمنين والمقرَّبين، وقرينة السياق ظاهرة هنا ظهوراً دون ظهورها في قوله: {أية : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء}تفسير : [الفرقان: 17]. والرضى حقيقته: حالة نفسانية تعقُب حصولَ ملائم مع ابتهاج به، وهو على التحقيق فيه معنى ليس في معنى الإِرادة لما فيه من الاستحسان والابتهاج ويعبر عنه بترك الاعتراض، ولهذا يقابل الرضى بالسخط، وتقابل الإِرادة بالإِكراه، والرضى آئل إلى معنى المحبة. والرضى يترتب عليه نفاسة المرضيّ عند الراضي وتفضيله واختياره، فإذا أُسند الرضى إلى الله تعالى تعيّن أن يكون المقصود لازم معناه الحقيقي لأن الله منزّه عن الانفعالات، كشأن إسناد الأفعال والصفات الدالة في اللغة على الانفعالات مثل: الرحمن والرؤوف، وإسناد الغضب والفرح والمحبة، فيؤوَّل الرضى بلازمه من الكرامة والعناية والإِثابة إن عدي إلى الناس، ومن النفاسة والفضل إن عدّي إلى أسماء المعاني. وقد فسره صاحب «الكشاف» بالاختيار في قوله تعالى: {أية : ورضيت لكم الإسلام ديناً}تفسير : في سورة [العقود: 3]. وفعل الرضى يُعدّى في الغالب بحرف (عن)، فتدخل على اسم عَين لكن باعتبار معنى فيها هو موجب الرضى. وقد يعدّى بالباء فيدخل غالباً على اسم معنى نحو: رضيت بحكم فلان، ويدخل على اسم ذات باعتبار معنى يدل عليه تمييز بعده نحو: رضيت بالله ربًّا، أو نحوه مثل: {أية : أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة}تفسير : [التوبة: 38]، أو قرينة مقام كقول قريش في وضع الحجر الأسود: هذا محمد قد رضينا به، أي رضينا به حَكَماً إذ هم قد اتفقوا على تحكيم أول داخل. ويعدّى بنفسه، ولعله يراعى فيه التضمين، أو الحذفُ والإِيصال، فيدخل غالباً على اسم معنى نحو: رضيت بحكم فلان بمعنى: أحببت حكمه. وفي هذه الحالة قد يُعدّى إلى مفعول ثان بواسطة لام الجر نحو: {أية : ورضيت لكم الإِسلام ديناً}تفسير : [المائدة: 3]، أي رضيته لأجلكم وأحببته لكم، أي لأجلكم، أي لمنفعتكم وفائدتكم. وفي هذا التركيب مبالغة في التنويه بالشيء المرضي لدى السامع حتى كأن المتكلم يرضاه لأجل السامع. فإذا كان قوله: {لِعبَادِه} عامّاً غير مخصوص وهو من صيغ العموم ثار في الآية إشكال بين المتكلمين في تعلُّق إرادة الله تعالى بأفعال العباد إذ من الضروريّ أن من عباد الله كثيراً كافرين، وقد أخبر الله تعالى أنه لا يرضى لعباده الكفر، وثبت بالدليل أن كل واقع هو مراد الله تعالى إذ لا يقع في مُلكه إلا ما يريد فأنتج ذلك بطريقة الشكل الثالث أن يقال: كفر الكافر مرادٌ لله تعالى لقوله تعالى: {أية : ولو شاء ربك ما فعلوه}تفسير : [الأنعام: 112] ولا شيء من الكفر بمرضي لله تعالى لقوله: {ولا يرضى لعباده الكُفر}، ينتج القياس بعض ما أراده اللَّه ليس بمرضي له. فتعين أن تكون الإِرادة والرضى حقيقتين مختلفتين وأن يكون لفظاهما غير مترادفين، ولهذا قال الشيخ أبو الحسن الأشعري إن الإِرادة غير الرضى، والرضى غير الإِرادة والمشيئة، فالإِرادة والمشيئة بمعنى واحد والرضى والمحبة والاختيار بمعنى واحد، وهذا حمل لهذه الألفاظ القرآنية على معان يمكن معها الجمع بين الآيات قال التفتزاني: وهذا مذهب أهل التحقيق. وينبني عليها القول في تعلق الصفات الإِلٰهية بأفعال العباد فيكون قولُه تعالى: {ولاَ يَرْضَى لعباده الكفر} راجعاً إلى خطاب التكاليف الشرعية، وقولُه: {أية : ولو شاء ربك ما فعلوه}تفسير : [الأنعام: 112] راجعاً إلى تعلق الإِرادة بالإِيجاد والخلق. ويتركب من مجموعهما ومجموع نظائر كل منهما الاعتقاد بأن للعباد كسباً في أفعالهم الاختيارية وأن الله تتعلق إرادته بخلق تلك الأفعال الاختيارية عند توجه كسب العبد نحوها، فالله خالق لأفعال العبد غير مكتسب لها. والعبدُ مكتسب غير خالق، فإن الكسب عند الأشعري هو الاستطاعة المفسرة عنده بسلامة أسباب الفعل وآلاته، وهي واسطة بين القدرة والجَبر، أي هي دون تعلق القدرة وفوق تسخير الجبر جمعاً بين الأدلة الدينية الناطقة بمعنى: أن الله على كل شيء قدير، وأنه خالق كل شيء، وبين دلالة الضرورة على الفرق بين حركة المرتعش وحركة الماشي، وجمعاً بين أدلة عموم القدرة وبين توجيه الشريعة خطابها للعباد بالأمر بالإِيمان والأعمال الصالحة، والنهي عن الكفر والسيئات وترتيب الثواب والعقاب. وأما الذين رأوا الاتحاد بين معاني الإِرادة والمشيئة والرضى وهو قول كثير من أصحاب الأشعري وجميع الماتريدية فسلكوا في تأويل الآية محمل لفظ {لِعِبَادِهِ} على العام المخصوص، أي لعباده المؤمنين واستأنسوا لهذا المحمل بأنه الجاري على غالب استعمال القرآن في لفظة (العباد) لاسم الله، أو ضميره كقوله: {أية : عيناً يشرب بها عباد اللَّه}تفسير : [الإنسان: 6]، قالوا: فمن كفر فقد أراد الله كفره ومن آمن فقد أراد الله إيمانه، والتزم كلا الفريقين الأشاعرةِ والماتريدية أصلَه في تعلق إرادة الله وقدرته بأفعال العباد الاختيارية المسمّى بالكسب، ولم يختلفا إلا في نسبة الأفعال للعباد: أهي حقيقية أم مجازية، وقد عدّ الخلاف في تشبيه الأفعال بين الفريقين لفظياً. ومن العجيب تهويل الزمخشري بهذا القول إذ يقول: «ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله ما نفاه عن ذاته من الرضى بالكفر فقال: هذا من العام الذي أريد به الخاص الخ»، فكان آخر كلامه ردّاً لأوله وهل يعدّ التأويل تضليلاً أم هل يعد العام المخصوص بالدليل من النادر القليل. وأما المعتزلة فهم بمعزل عن ذلك كله لأنهم يثبتون القدرة للعباد على أفعالهم وأن أفعال العباد غير مقدورة لله تعالى ويحملون ما ورد في الكتاب من نسبة أفعال من أفعال العباد إلى الله أو إلى قدرته أنه على معنى أنه خالق أُصولها وأسبابها، ويحملون ما ورد من نفي ذلك كما في قوله: {ولا يرضى لعباده الكفر} على حقيقته ولذلك أوردوا هذه الآية للاحتجاج بها. وقد أوردها إمام الحرمين في «الإِرشاد» في فصل حَشر فيه ما استَدلّ به المعتزلة من ظواهر الكتاب. وقوله: {وإن تَشْكُروا يَرْضَهُ لكم} عطف على جملة {إن تَكْفُرُوا} والمعنى: وإن تشكروا بعد هذه الموعظة فتُقْلِعوا عن الكفر وتشكروا الله بالاعتراف له بالوحدانية والتنزيه يرض لكم الشكر، أي يجازيكم بلوازم الرضى. والشكرُ يتقوّم من اعتقاد وقول وعمل جزاءً على نعمة حاصلة للشاكر من المشكور. والضمير المنصوب في قوله: {يَرْضَهُ} عائد إلى الشكر المتصيّد من فعل {إن تشكروا}. {لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى}. كأنّ موقع هذه الآية أنه لما ذكر قبلها أن في المخاطبين كافراً وشاكراً وهم في بلد واحد بينهم وشائج القرابة والولاء، فربما تحرج المؤمنون من أن يمسَّهم إثم من جراء كفر أقربائهم وأوليائهم، أو أنهم خَشُوا أن يصيب الله الكافرين بعذاب في الدنيا فيلحق منه القاطنين معهم بمكة فأنبأهم الله بأن كفر أولئك لا ينقص إيمان هؤلاء وأراد اطمئنانهم على أنفسهم. وأصل الوزر، بكسر الواو: الثقل، وأطلق على الإِثم لأنه يلحق صاحبه تعبٌ كتعب حامل الثقل. ويقال: وَزَر بمعنى حمل الوِزر، بمعنى كسب الإِثم. وتأنيث {وَازِرَةٌ} و {أُخْرَىٰ} باعتبار إرادة معنى النفس في قوله: {أية : واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً}تفسير : [البقرة: 48]. والمعنى: لا تحمل نفس وزر نفس أخرى، أي لا تغني نفس عن نفس شيئاً من إثمها، فلا تطمع نفس بإعانة ذويها وأقربائها، وكذلك لا تخشى نفس صالحة أن تؤاخذ بتبعة نفس أخرى من ذويها أو قرابتها. وفي هذا تعريض بالمتاركة وقطع اللجاج مع المشركين وأن قصارى المؤمنين أن يرشدوا الضُّلاّل لا أن يلجئوهم إلى الإِيمان، كما تقدم في آخر سورة الأنعام. {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور}. {ثمّ} للترتيبين الرتبي والتراخي، أي وأعظم من كون الله غنياً عنكم أنه أعدّ لكم الجزاء على كفركم وسترجعون إليه، وتقدم نظيرها في آخر سورة الأنعام. وإنما جاء في آية [الأنعام: 164] {أية : بما كنتم فيه تختلفون}تفسير : لأنها وقعت إِثر آيات كثيرة تضمّنت الاختلاف بين أحوال المؤمنين وأحوال المشركين ولم يجيء مثل ذلك هنا، فلذلك قيل هنا: {بما كنتم تعملونَ}، أي من كُفْر من كَفر وشُكر مَن شَكر. والإِنباء: مستعمل مجازاً في الإِظهار الحاصل به العلم، ويجوز أن يكون مستعملاً في حقيقة الإِخبار بأن يعلن لهم بواسطة الملائكة أعمالهم، والمعنى: أنه يظهر لكم الحق لا مرية فيه أو يخبركم به مباشرة، وتقدم بيانه في آخر الأنعام، وفيه تعريض بالوعد والوعيد. وجملة {إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} تعليل لجملة {ينبئكم بما كنتم تعملون} لأن العليم بذات الصدور لا يغادر شيئاً إلا علمه فإذا أنبأ بأعمالهم كان إنباؤه كاملاً. وذات: صاحبة، مؤنث (ذُو) بمعنى صاحب صفة لمحذوف تقديره الأعمال، أي بالأعمال صاحبة الصدور، أي المستقرة في النوايا فعبر بــــ {الصُّدُورِ} عما يحلّ بها، والصدور مراد بها القلوب المعبر بها عما به الإِدراك والعَزم، وتقدم في قوله: {أية : ولكن اللَّه سلم إنه عليم بذات الصدور}تفسير : في سورة [الأنفال: 43].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ}. قد بين جل وعلا، في هذه الآية الكريمة، أنه غني عن خلقه الغنى المطلق، وأنه لا يضره كفرهم به، والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: {أية : وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [إبراهيم: 8] وقوله تعالى: {أية : فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [التغابن: 6]، وقوله تعالى: {أية : قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ } تفسير : [يونس: 68] الآية. وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} تفسير : [فاطر: 15] وقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} تفسير : [محمد صلى الله عليه وسلم: 38]، وقد أوضحنا هذا بالآيات في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. قوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} الآية. قد قدمنا إيضاحه مع إزالة الإشكال، والجواب عن الأسئلة الواردة، على تلك الآيات في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15] وأوضحنا ذلك، مع إزالة الإشكال في بعض الآيات، في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [النحل: 25] الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 7- إن تكفروا بنعمه - أيها الناس - فإن الله غنى عن إيمانكم وشكركم، ولا يحب لعباده الكفر، لما فيه من ضرهم، وإن تشكروه على نعمه يرض هذا الشكر لكم، ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، ثم إلى ربكم مآلكم فيخبركم بما كنتم تعملون فى الدنيا، إنه عليم بما تكتمه قلوبكم التى فى الصدور. 8- وإذا أصاب الإنسان مكروه - من مكاره الدنيا - دعا ربه راجعاً إليه بعد أن كان معرضاً عنه، ثم إذا أعطاه ربه نعمة عظيمة نسى الضر الذى كان يدعو ربه إلى إزالته وكشفه من قبل أن يمن عليه بهذه النعمة، وجعل لله شركاء متساوين معه فى العبادة، فعل هذا الإنسان ذلك ليضل نفسه وغيره عن طريق الله. قل - يا محمد - لمن هذه صفته متوعداً: تمتع بكفرك بنعم الله عليك زمناً قليلاً، إنك من أهل النار. 9- أَمَّن هو خاشع لله أثناء الليل يقضيه ساجداً وقائماً، يخشى الآخرة ويرجو رحمة ربه. كمن يدعو ربه فى الضراء وينساه فى السراء؟! قل لهم - يا محمد -: هل يستوى الذين يعلمون حقوق الله فيوحدونه، والذين لا يعلمون، لإهمالهم النظر فى الأدلة؟ إنما يتعظ أصحاب العقول السليمة.
د. أسعد حومد
تفسير : (7) - وَإِنْ تَكْفُرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ بِاللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانٍ يُوجِبُ عَلَيْكُمُ الإِيْمَانَ والشُّكْرِ فَإِنَّ كُفْرَكُمْ لَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً، فَهُوَ الغَنِيَّ عَنْ سَائِر خَلْقِهِ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى لاَ يُحِبُّ الكُفْرَ لِعِبَادِهِ، وَلاَ يَأْمُرُهُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا يُحِبُّ لِعِبَادِهِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَيَشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ وَأَفْضَالِهِ عَلَيْهِمْ. وَكُلَّ نَفْسٍ تُحَاسَبُ عَمَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَلاَ تُسْأَلُ نَفْسٌ عَمَّا فَعَلَتْهُ نَفْسٌ أُخْرَى؛ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَرْجِعُ الخَلْقُ إِلَى اللهِ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا عَمِلُوا، وَبِمَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَمَا أَعْلَنُوهُ، وَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ - لاَ تَحْمِلُ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً أَوْ إِثْماً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أنْ حَنَّنَ الحق سبحانه الخَلْق بذكر الربوبية التي خلقت وربتْ، وأمرتْ، وبذكر الألوهية التي ضمنتْ صلاح البلاد والعباد، بيَّن سبحانه أنه الغني عن خَلْقه، فقال تعالى: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} [الزمر: 7] يعني: غني عن إيمانكم ولا تنفعه طاعاتكم. فهو سبحانه جعل التكاليف لصلاح حالكم لا لمنفعة تعود عليه سبحانه، فأنتم خَلْقه وصَنْعته، والصانع يريد أنْ يرى صنعته على أحسن حال، يرى العبد المؤمن في المجتمع المؤمن الذي تتساند حركته لا تتعاند، وتتفق توجهاته لا تتضارب، الخالق سبحانه لا يحب أنْ يرى خَلْقه يتصارعون، واحد يبني والآخر يهدم. إذن: هذا هو الهدف من الخَلْق ومن المنهج؛ لأن الله تعالى بصفات الكمال فيه خلق الخَلْق، ولم يُزدْه الخَلْق صفة واحدة لم تكُن له من قبل، إذن: لا حاجة له إليكم. إنما أنتم صنعته ويريد لكم الخير؛ لذلك لما عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبيْنَ أنْ يحملْنها وأشفقْنَ منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جَهُولاً. وإباء السماوات والأرض والجبال ليس امتناعاً على الله، ولا اعتراضاً إنما تسليم؛ لأن الله خيَّرهم فاختاروا أنْ يكونوا مُسيَّرين. لكن الإنسان قَبِلها فحكم الله عليه بأنه كان ظلوماً وجهولاً، لكن كيف يُوصَف مَنْ قَبِلَ كلام الله بأنه ظلوم وجهول؟ قالوا: لأنه ظلم نفسه وجهل ما يكون منه، لأنه مخلوق مختار له أنْ يؤمن، وله أنْ يكفر، وله أنْ يطيعَ وأنْ يعصي، ولما عُرِضَتْ عليه الأمانة قبلها؛ لأن الله هو الذي خيَّره. ووثق بنفسه وقدرته على الأداء، لكنه جهل ما يطرأ عليه وما يجدّ من أحداث وأهواء، فظلم نفسه عند التحمُّل وجهل بوقت الأداء، وأسرع في وقت الرضا والقبول، وكان ينبغي عليه أنْ يحسب حسابَ الإنجاز والأداء. وفَرْق بين التحمُّل والأداء في مسألة الأمانة، لأن الأمانة موكولة إلى ذمة المؤتمن، ولو كتب بها (إيصالاً) أو كان عليها شهود ما سُمِّيتْ أمانة، والإنسان عادة يُقبل على تحمُّل الأمانة وفي نيته أداؤها، كما لو أنك أعطيتَ صديقاً لك مبلغاً من المال يحفظه لك، لحين عودتك من السفر مثلاً، فتراه يرحب ويقبل لكن تعِنّ له ظروف، وتمتد يده إلى هذا المال، وربما جئت فلم تجده، وعندها إما ينكر أو يماطل. إذن: ظلم نفسه، وجهل وقت الأداء، وجهل أنه ابنُ أغيار، ونفسه متغيرة، أما السماوات والأرض والجبال لما خُيِّرتْ اختارت أنْ تكونَ مُسيَّرة، لا دخْلَ لها بهذه المسألة فاخذت الأمر من قصيره. ومعنى قوله تعالى: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} [الزمر: 7] واضح في الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتْقَى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد، وسألني كل واحد مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخِيْطَ إذا أُدخل البحر، ذلك أنِّي جَوَاد ماجد واجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أنْ أقول له كُنْ فيكون ". تفسير : وقوله سبحانه: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} [الزمر: 7] دليل على محبته سبحانه لخَلْقه، فكأنه تعالى يقول: أنا غني عنكم، لكن لا أحب أنْ تكونوا كافرين؛ لأنني أريد أن أباهي بكم ملائكتي الذين قالوا عنكم: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} تفسير : [البقرة: 30]. وورد أن الحق سبحانه يقول لملائكته: أعلمتم أن عبيدي أطاعوني؟ فيقولون: أطاعوك لنعمتك عليهم، فقال: ولو سلبتُ نعمتي لأطاعوني. لذلك يُمرضهم ويطيعونه، ويُفقرهم ويطيعونه، ويهزمهم ويطيعونه، وينصرهم ويطيعونه. إذن: عبادي يطيعونني لذاتي؛ لأني أستحق أنْ أُحبّ، وأنْ أُطاع بصرف النظر عن نعمي عليهم. لذلك يقول الحق سبحانه عتاباً للخَلْق الذين يعبدونه خوفاً من ناره، أو طمعاً في جنته: أو لو لم أخلق جنة وناراً أما كنتُ أهلاً لأنْ أُعبد؟ وضربنا مثلاً بالرجل الذي يعمل معه خادم يخدمه مقابل مائة جنيه في الشهر، لكن ضاقتْ حالُ هذا الرجل وأصبحتْ لا تتسع لهذا المبلغ، فقال لخادمه: والله أنا لم أَعُدْ قادراً على دفع هذا المبلغ، ولا أقدر إلا على خمسين جنيهاً، فانظر أنت في أمرك أو ابحث لك عن فرصة عمل أخرى، فقال الخادم: أنا موافق على الخمسين، لكن اشتدتْ الحالُ بالرجل مرة أخرى، حتى أنه لم يَعُدْ قادراً على دَفْع أكثر من عشرين جنيهاً، فرضى بها خادمه ثم عشرة فرضى بها، إلى أنْ قال له: والله حالك معي جعلك تستحق أنْ تُخدم، ولو بلا أجر، هكذا أَمْر الله معنا. فالحق سبحانه لا يرضى لعباده الكفر لأنهم خَلْقه وصَنْعته، وهو سبحانه حريص على ما يُصلحهم، حريص على أنْ يكونوا مؤمنين لتستقيم أمورهم، وتمتد نِعَمه عليهم من الدنيا إلى الآخرة، فكما أنعم عليهم في الدنيا بِنعم موقوتة يريد أنْ يُنعم عليهم في الآخرة ونِعَم الآخرة باقية خالدة. لذلك ورد في الحديث القدسي: "حديث : قالت الأرض: يا رب ائذن لي أنْ أخسف بابن آدم، فقد طِعَم خيرَكَ، ومنع شكرك، وقالت السماءُ: يا ربّ ائذن لي أنْ أسقط كِسَفاً على ابن آدم، فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك إلى أنْ قال الحق سبحانه لهذه المخلوقات التي أظهرت غيرتها على ربها عز وجل: دَعُوني وخَلْقي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". تفسير : {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] فإن تشكروا يرضى لكم الشكر، ويعجبه منكم، ويحبه لكم، ويجزيكم عليه خيراً، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 7]، فالشكر على النعمة يعطينا مزيداً من النعمة، فنشكر عليها فتعطينا المزيد، وهكذا يظل الشكر دائماً والنعمة دائمة. وقوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [الزمر: 7] أي: لا تحمل نفسٌ مذنبةٌ ذنوبَ نفسٍ أخرى، يعني: سأكون عادلاً بألاَّ أحمل أحداً ذنب غيره، فكلّ مُعلّق من عرقوبه. وهذه الآية وقف عندها بعض المستشرقين يقول: إنها تتعارض وقوله تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13] نعم ظاهر الآيتين التعارض، لكن أنت لم تفهم مَناط الوِزر. فالقاعدة العامة أنه لا يحمل أحدٌ ذنبَ أحد، أما هؤلاء فيحملون أوزارهم وأوزار الآخرين، لأن الآية هنا تتحدث عن رؤوس الضلال وقادة الكفر الذين ضَلوا في أنفسهم، وأضلّوا غيرهم، فالوزر الأول وزْر ضلالهم في أنفسهم وأوزار الآخرين الذين أضلوهم وأغووهم وزينوا لهم الضلال. إذن: فالمعنى مختلف. {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ} [الزمر: 7] يعني: إنْ كنتُ قد بدأتُ خَلْقكم بالإكرام لكم، وقابلتم هذا الإكرام بالجحود، ولم تؤدوا حَقّه بالإيمان بي والطاعة لمنهجي، فاعلموا أنكم سترجعون إليَّ ولن تفلتوا مني {فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزمر: 7] أي: يخبركم بما كان منكم. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الزمر: 7] إذن: تذكروا دائماً هذه المسألة، واحسبوا حسابها قبل فوات الأوان. وهذه الآية تحذير من الحق سبحانه، وبيان للعقوبة من شأنه أنْ يردع الناسَ عن الجرائم، فلا تقع ولا تحدث العقوبة أصلاً، وهذا من رحمة الخالق بالخَلْق، فهو سبحانه يريد لهم الخير، ويريد لهم أنْ ينعموا بنعمه في الآخرة، كما نَعِموا بنعمه في الدنيا.
الجيلاني
تفسير : مع أنكم أيها الأظلال المنهمكون في بحر الحيرة والضلال {إِن تَكْفُرُواْ} بالله، وتنكروا ظهوره واستيلاءه على ما ظهر وبطن بالاستقلال {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {غَنِيٌّ عَنكُمْ} وعن إيمانكم وإطاعتكم {وَ} غاية ما فيه أنه عزّ شأنه {لاَ يَرْضَىٰ} ولا يحب {لِعِبَادِهِ} الذين ظهروا منه سبحانه بمقتضى أوصافه وأسمائه {ٱلْكُفْرَ} والجحود بذاته سبحانه، عطفاً لهم وترحماً عليهم؛ لأنهم جبلوا على فطرة الإيمان والعرفان، وإلا فهو سبحانه أعز وأعلى من أن يفتقر إلى إيمان أحد وإطاعته، أو يتضرر بكفره وإنكاره {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} أي: وكذا غني عنكم وعن شرككم نعمه الفائضة عليكم؛ إذ لا يعلل فعله سبحانه بالأغراض والأعواض، لكن يرضى عنكم لو شكرتم نعمه، ويزيد عليكم بأضعافها لإتيانكم بالمأمور وامتثالكم أمره، مع أن نفع شرككم عائد إليكم. {وَ} بالجملة: لا بدَّ لكل واحد من المكلفين أن يمتثلوا بما أُمروا من عنده سبحانه، حتى يصلوا ما وعدوا من المثوبات والكراما، واجتنبوا عما نهوا أيضاً عنه؛ ليخلصوا من المهالك والدركات؛ إذ {لاَ تَزِرُ} تحمل نفس {وَازِرَةٌ} مرتكبة بحمل أثقال الأوزار والآثام {وِزْرَ} نفس {أُخْرَىٰ} كما لا تتصف بحسناتها {ثُمَّ} بعد انقضاء النشأة الأولى {إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ} كافة كما كان منشأكم {فَيُنَبِّئُكُـمْ} ويخبركم سبحانه بعد رجوعكم إليه {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: بجميع ما جرى عليكم من سيئاتكم وحسناتكم، بلا فوت شيء منها، ويجازيكم على مقتضاها، وكيف لا يخبركم ويحاسبكم بأعمالكم {إِنَّهُ} بذاته {عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الزمر: 7] أي: بجميع الأمور الكائنة المكنونة في صدور عباده؛ أي: بما خفي في ضمائرهم ونياتهم، فكيف بما صدر عن جوارحهم وآلاتهم. وبعدما نبه سبحانه إلى أحوال عباده، شرع يعد مساوئهم وأخلاقهم الذميمة الناشئة من بشريتهم وبهيمتهم، فقال: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ} أي: لحقه وأحاط به {ضُرٌّ} مؤلم مزعج {دَعَا رَبَّهُ} متضرعاً نحوه {مُنِيباً إِلَيْهِ} إذ لا مرجع له سواه، ملحاً لكشفه وإزالته {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ} سبحانه وأزال عنه كربه وضره، وأعطاه وأفاض عليه متعهداً له، متفقداً حاله {نِعْمَةً} موهوبة له {مِّنْهُ} أي: من لدنه سبحانه تفضلاً وتكريماً إياه {نَسِيَ} ونبذ وراء ظهره {مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} عن شدة ضره، وسورة كربه. {وَ} مع ذلك لم يقتصر على النبذ والنيسان، بل {جَعَلَ} وأثبت {لِلَّهِ} الصمد المنزه عن الضد والند {أَندَاداً} وادعاهم شركاء له سبحانه، وإنما جعل وفعل كذلك {لِّيُضِلَّ} الناس الناسين عهود ربهم {عَن سَبِيلِهِ} ويحرفهم عن طريق توحيده، ساعياً في إغوائهم وإضلالهم، مجتهداً فيه. {قُلْ} يا أكمل الرسل نيابة عنَّا مهدداً إياه: {تَمَتَّعْ} أيها الضال المضل {بِكُفْرِكَ} هذا في نشأتك هذه {قَلِيلاً} زماناً قليلاً، ومدة يسيرة {إِنَّكَ} ألبتة في النشأة ا لأخرى {مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} [الزمر: 8] أي: من ملازميها، ومن جملة ما فيها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):