٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الله تعالى لما بين فساد القول بالشرك وبين أن الله تعالى هو الذي يجب أن يعبد، بين في هذه الآية أن طريقة هؤلاء الكفار الذين يعبدون الأصنام متناقضة وذلك لأنهم إذا مسهم نوع من أنواع الضر لم يرجعوا في طلب دفعه إلا إلى الله، وإذا زال ذلك الضر عنهم رجعوا إلى عبادة الأصنام ومعلوم أنهم إنما رجعوا إلى الله تعالى عند حصول الضر، لأنه هو القادر على إيصال الخير ودفع الضر، وإذا عرفوا أن الأمر كذلك في بعض الأحوال كان الواجب عليهم أن يعترفوا به في كل الأحوال فثبت أن طريقتهم في هذا الباب متناقضة. أما قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ } فقيل المراد بالإنسان أقوام معينون مثل عتبة بن ربيعة وغيره، وقيل المراد به الكافر الذي تقدم ذكره، لأن الكلام يخرج على معهود، تقدم. وأما قوله {ضُرٌّ } فيدخل فيه جميع المكاره سواه كان في جسمه أو في ماله أو أهله وولده، لأن اللفظ مطلق فلا معنى للتقييد {ودعاَ رَبَّهُ } أي استجار بربه وناداه ولم يؤمل في كشف الضر سواء، فلذلك قال: {مُنِيباً إِلَيْهِ } أي راجعاً إليه وحده في إزالة ذلك الضر لأن الإنابة هي الرجوع {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ } أي أعطاه، قال صاحب «الكشاف»: وفي حقيقته وجهان أحدهما: جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال، إذا كان متعهداً له حسن القيام به ومنه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة» تفسير : والثاني: جعله يخول من خال يخول إذا اختال وافتخر، وفي المعنى قالت العرب: شعر : إن الغنى طويل الذيل مياس تفسير : ثم قال تعالى: {نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ } أي نسي ربه الذي كان يتضرع إليه ويبتهل إليه، وما بمعنى من كقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } تفسير : [الليل: 3] وقوله تعالى: {أية : وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } تفسير : [الكافرون: 3] وقوله تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 3] وقيل نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه والمراد من قوله نسي أن ترك دعاءه كأنه لم يفزع إلى ربه، ولو أراد به النسيان الحقيقي لما ذمه عليه، ويحتمل أن يكون المراد أنه نسي أن لا يفزع، وأن لا إله سواه فعاد إلى اتخاذ الشركاء مع الله. ثم قال تعالى: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليضل بفتح الياء والباقون ليضل بضم الياء على معنى ليضل غيره. المسألة الثانية: المراد أنه تعالى يعجب العقلاء من مناقضتهم عند هاتين الحالتين، فعند الضر يعتقدون أنه لا مفزع إلى ما سواه وعند النعمة يعودون إلى اتخاذ آلهة معه. ومعلوم أنه تعالى إذا كان إنما يفزع إليه في حال الضر لأجل أنه هو القادر على الخير والشر، وهذا المعنى باق في حال الراحة والفراغ كان في تقرير حالهم في هذين الوقتين بما يوجب المناقضة وقلة العقل. المسألة الثالثة: معنى قوله: {لّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ } أنه لا يقتصر في ذلك على أن يضل نفسه بل يدعو غيره إما بفعله أو قوله إلى أن يشاركه في ذلك، فيزداد إثماً على إثمه، واللام في قوله {لِيُضِلَّ } لام العاقبة كقوله: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } تفسير : [القصص: 8] ولما ذكر الله تعالى عنهم هذا الفعل المتناقض هددهم فقال: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً } وليس المراد منه الأمر بل الزجر، وأن يعرفه قلة تمتعه في الدنيا، ثم يكون مصيره إلى النار. ولما شرح الله تعالى صفات المشركين والضالين، ثم تمسكهم بغير الله تعالى أردفه بشرح أحوال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا الله ولا اعتماد لهم إلا على فضل الله، فقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَائِماً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وحمزة {آمن } مخففة الميم والباقون بالتشديد، أما التخفيف ففيه وجهان الأول: أن الألف ألف الاستفهام داخلة على من، والجواب محذوف على تقدير كمن ليس كذلك، وقيل كالذي جعل لله أنداداً فاكتفى بما سبق ذكره والثاني: أن يكون ألف نداء كأنه قيل يا من هو قانت من أهل الجنة، وأما التشديد فقال الفراء الأصل أم من فأدغمت الميم في الميم وعلى هذا القول هي أم التي في قولك أزيد أفضل أم عمرو. المسألة الثانية: القانت القائم بما يجب عليه من الطاعة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفضل الصلاة صلاة القنوت» تفسير : وهو القيام فيها. ومنه القنوت في الصبح لأنه يدعو قائماً. عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام وتلا {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ } وعن ابن عباس القنوت طاعة الله، لقوله: {أية : كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ } تفسير : [البقرة: 116] أي مطيعون، وعن قتادة {آناء الليل } ساعات الليل أوله ووسطه وآخره، وفي هذه اللفظة تنبيه على فضل قيام الليل وأنه أرجح من قيام النهار، ويؤكده وجوه الأول: أن عبادة الليل أستر عن العيون فتكون أبعد عن الرياء الثاني: أن الظلمة تمنع من الإبصار ونوم الخلق يمنع من السماع، فإذا صار القلب فارغاً عن الاشتغال بالأحوال الخارجية عاد إلى المطلوب الأصلي، وهو معرفة الله وخدمته الثالث: أن الليل وقت النوم فتركه يكون أشق فيكون الثواب أكثر الرابع: قوله تعالى: {أية : إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً } تفسير : [المزمل: 6] وقوله: {سَـٰجِداً } حال، وقرىء ساجد وقائم على أنه خبر بعد خبر الواو للجميع بين الصفتين. واعلم أن هذه الآية دالة على أسرار عجيبة، فأولها أنه بدأ فيها بذكر العلم وختم فيها بذكر العلم، أما العمل فكونه قانتاً ساجداً قائماً، وأما العلم فقوله: {هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } وهذا يدل على أن كمال الإنسان محصور في هذين المقصودين، فالعمل هو البداية والعلم والمكاشفة هو النهاية. الفائدة الثانية: أنه تعالى نبه على أن الانتفاع بالعمل إنما يحصل إذا كان الإنسان مواظباً عليه، فإن القنوت عبارة عن كون الرجل قائماً بما يجب عليه من الطاعات، وذلك يدل على أن العلم إنما يفيد إذا واظب عليه الإنسان، وقوله: {سَـٰجِداً وَقَائِماً } إشارة إلى أصناف الأعمال وقوله: {يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُو رَّحْمَةِ رَبّهِ } إشارة إلى أن الإنسان عند المواظبة ينكشف له في الأول مقام القهر وهو قوله: {يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ } ثم بعده مقام الرحمة وهو قوله: {وَيَرْجُو رَّحْمَةِ رَبّهِ } ثم يحصل أنواع المكاشفات وهو المراد بقوله: {هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }. الفائدة الثالثة: أنه قال في مقام الخوف {يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ } فما أضاف الحذر إلى نفسه، وفي مقام الرجاء أضافه إلى نفسه، وهذا يدل على أن جانب الرجاء أكمل وأليق بحضرة الله تعالى. المسألة الثالثة: قيل المراد من قوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ٱلَّيْلِ } عثمان لأنه كان يحيي الليل في ركعة واحدة ويقرأ القرآن في ركعة واحدة، والصحيح أن المراد منه كل من كان موصوفاً بهذه الصفة فيدخل فيه عثمان وغيره لأن الآية غير مقتصرة عليه. المسألة الرابعة: لا شبهة في أن في الكلام حذفاً، والتقدير أمن هو قانت كغيره، وإما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية الكافر وذكر بعدها: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } وتقدير الآية قل هل يستوي الذين يعلمون وهم الذين صفتهم أنهم يقنتون آناء الليل سجداً وقياماً، والذين لا يعلمون وهم الذين وصفهم عند البلاء والخوف يوحدون وعند الراحة والفراغة يشركون، فإذا قدرنا هذا التقدير ظهر المراد وإنما وصف الله الكفار بأنهم لا يعلمون، لأنهم وإن آتاهم الله العلم إلا أنهم أعرضوا عن تحصيل العلم، فلهذا السبب جعلهم كأنهم ليسوا أولي الألباب من حيث إنهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم. وأما قوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } فهو تنبيه عظيم على فضيلة العلم، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: {أية : وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأَسْمَاء كُلَّهَا } تفسير : [البقرة: 31] قال صاحب «الكشاف» أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون، وبالذين لا يعلمون الذين لا يأتون بهذا العمل كأنه جعل القانتين هم العلماء، وهو تنبيه على أن من يعمل فهو غير عالم، ثم قال وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون، ويفتنون فيها ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله جهلة. ثم قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } يعني هذا التفاوت العظيم الحاصل بين العلماء والجهال لا يعرفه أيضاً إلا أولوا الألباب، قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون العلم أفضل من المال ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك، ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء، فأجاب العالم بأن هذا أيضاً يدل على فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فلا جرم تركوه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ} يعني الكافر {ضُرٌّ} أي شدّة من الفقر والبلاء {دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} أي راجعاً إليه مُخْبِتاً مطيعاً له مستغيثاً به في إزالة تلك الشدّة عنه. {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ} أي أعطاه وملّكه. يقال: خوّلك الله الشيء أي ملّكك إياه؛ وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد:شعر : هُنَالِكَ إِن يُسْتَخْوَلُوا الْمالَ يُخْوِلوا وإِن يُسْألُوا يُعْطُوا وإِن يَيْسِروا يُغْلُوا تفسير : وخَوَلُ الرجل: حَشَمُه الواحد خائل. قال أبو النّجم:شعر : أَعْطَى فلم يَبْخَلْ ولم يُبَخَّلِ كُوم الذُّرى مِن خَوَلِ الْمُخَوَّلِ تفسير : {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} أي نسى ربه الذي كان يدعوه من قبل في كشف الضر عنه. فـ«ـما» على هذا الوجه لله عز وجل وهي بمعنى الذي. وقيل: بمعنى من كقوله: {أية : وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ } تفسير : [الكافرون: 3] والمعنى واحد. وقيل: نسي الدعاء الذي كان يتضرع به إلى الله عز وجل. أي ترك كون الدعاء منه إلى الله، فما والفعل على هذا القول مصدر. {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً} أي أوثاناً وأصناماً. وقال السّدي: يعني أنداداً من الرجال يعتمدون عليهم في جميع أمورهم. {لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي ليقتدي به الجهال. {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً} أي قل لهذا الإِنسان «تَمَتَّع» وهو أمر تهديد فمتاع الدنيا قليل. {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} أي مصيرك إلى النار. قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱللَّيْلِ} بيّن تعالى أن المؤمن ليس كالكافر الذي مضى ذكره. وقرأ الحسن وأبو عمرو وعاصم والكسائي «أَمَّنْ» بالتشديد. وقرأ نافع وابن كثير ويحيـى بن وثّاب والأعمش وحمزة: «أَمَنْ هُوَ» بالتخفيف على معنى النداء؛ كأنه قال يا من هو قانت. قال الفراء: الألف بمنزلة يا، تقول يا زيد أقبل وأزيد أقبل. وحكي ذلك عن سيبويه وجميع النحويين؛ كما قال أوس بن حَجَر:شعر : أَبَنِي لُبَيْنَى لَسْتُمُ بِيدٍ إِلاَّ يَداً لَيْسَت لها عَضُدُ تفسير : وقال آخر هو ذو الرُّمّة:شعر : أَدَاراً بِحُزْوَى هِجْتِ لِلْعَيْنِ عَبْرةً فَمَاءُ الْهَوى يَرْفَضُّ أَو يَتَرَقْرَقُ تفسير : فالتقدير على هذا {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} يا من هو قانت إنك من أصحاب الجنة؛ كما يقال في الكلام: فلان لا يصلي ولا يصوم، فيا من يُصلي ويَصوم أبشر؛ فحذف لدلالة الكلام عليه. وقيل: إن الألف في «أمن» ألف استفهام أي «أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ» أفضل؟ أم من جعل لله أنداداً؟ والتقدير الذي هو قانت خير. ومن شدد «أَمَّنْ» فالمعنى العاصون المتقدم ذكرهم خير «أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ» فالجملة التي عادلت أم محذوفة، والأصل أم من فأدغمت في الميم. النحاس: وأم بمعنى بل، ومَن بمعنى الذي؛ والتقدير: أم الذي هو قانت أفضل ممن ذكر. وفي قانت أربعة أوجه: أحدها أنه المطيع؛ قاله ابن مسعود. الثاني أنه الخاشع في صلاته؛ قاله ابن شهاب. الثالث أنه القائم في صلاته؛ قاله يحيـى بن سلاّم. الرابع أنه الداعي لربه. وقول ابن مسعود يجمع ذلك. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : كل قنوت في القرآن فهو طاعة لله عز وجل» تفسير : وروي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث : أنه سئل أي الصلاة أفضل؟ فقال:«طول القنوت»تفسير : وتأوله جماعة من أهل العلم على أنه طول القيام. وروى عبد الله عن نافع عن ابن عمر سئل عن القنوت فقال: ما أعرف القنوت إلا طول القيام، وقراءة القرآن. وقال مجاهد: من القنوت طول الركوع وغضّ البصر. وكان العلماء إذا وقفوا في الصلاة غضُّوا أبصارهم، وخضعوا ولم يلتفتوا في صلاتهم، ولم يعبثوا ولم يذكروا شيئاً من أمر الدنيا إلا ناسين. قال النحاس: أصل هذا أن القنوت الطاعة، فكل ما قيل فيه فهو طاعة لله عز وجل، فهذه الأشياء كلها داخلة في الطاعة وما هو أكثر منها كما قال نافع: قال لي ابن عمر قم فصلّ فقمت أصلّي وكان عليّ ثوب خَلِق، فدعاني فقال لي: أرأيت لو وجهتك في حاجة أكنت تمضي هكذا؟ فقلت: كنت أتزيَّن قال: فالله أحق أن تتزيَّن له. واختلف في تعيين القانت هاهنا، فذكر يحيـى بن سلام أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس في رواية الضحاك عنه: هو أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وقال ابن عمر: هو عثمان رضي الله عنه. وقال مقاتل: إنه عمّار بن ياسِر. الكلبي: صُهَيب وأبو ذرّ وابن مسعود. وعن الكلبي أيضاً مرسل فيمن كان على هذه الحال. {آنَآءَ ٱللَّيْلِ} قال الحسن: ساعاته؛ أوله وأوسطه وآخره. وعن ابن عباس: «آنَاءَ اللَّيْلِ» جوف الليل. قال ابن عباس: من أحبّ أن يهوّن الله عليه الوقوف يوم القيامة، فليره الله في ظلمة الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه. وقيل: ما بين المغرب والعشاء. وقول الحسن عام. {يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ} قال سعيد بن جبير: أي عذاب الآخرة. {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} أي نعيم الجنة. وروي عن الحسن أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو فقال: هذا مُتَمَنٍّ. ولا يقف على قوله: {رَحْمَةَ رَبِّهِ} من خفف «أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ» على معنى النداء؛ لأن قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} متصل إلا أن يقدر في الكلام حذف وهو أيسر، على ما تقدم بيانه. قال الزجاج: أي كما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. وقال غيره: الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم ويعملون به، فأما من لم ينتفع بعلمه ولم يعمل به فهو بمنزلة من لم يعلم. {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو ٱلأَلْبَابِ} أي أصحاب العقول من المؤمنين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَٰنَ } أي الكافر {ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ } تضرّع {مُنِيباً } راجعاً {إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً } أعطاه إنعاماً {مِّنْهُ نَسِىَ } ترك {مَا كَانَ يَدْعُو } يتضرّع {إِلَيْهِ مِن قَبْلُ } وهو الله، فما في موضع من {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً } شركاء {لِيُضِلَّ } بفتح الياء وضمها {عَن سَبِيلِهِ } دين الإِسلام {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً } بقية أجلك {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ }.
ابن عطية
تفسير : {الإنسان} في هذه الآية يراد به الكافر بدلالة ما وصفه به آخراً من اتخاذ الأنداد لله تعالى، وقوله: {تمتع بكفرك قليلاً} وهذه آية بين تعالى بها على الكفار أنهم على كل حال يلجؤون في حال الضرورات إليه وإن كان ذلك عن غير يقين منهم ولا إيمان فلذلك ليس بمعتد به. و {منيباً} معناه مقارباً مراجعاً بصيرته. وقوله تعالى: {ثم إذا خوله نعمة} يحتمل أن يريد النعمة في كشف المذكور، ويحتمل أن يريد نعمة أي نعمة كانت، واللفظ يعم الوجهين: و {خوله} معناه ملكه وحكمه فيها ابتداء لا مجازاة، ولا يقال في الجزاء خول، ومنه الخول، ومنه قول زهير: شعر : هنالك أن يستخولوا المال يخولوا تفسير : هذه الرواية الواحدة، ويروى يستخبلوا. وقوله تعالى: {نسي ما كان يدعو إليه من قبل} قالت فرقة: {ما} مصدرية، والمعنى نسي دعاءه إليه في حال الضرر ورجع إلى كفره. وقالت فرقة: بمعنى الذي، والمراد بها الله تعالى، وهذا كنحو قوله: {أية : ولا أنتم عابدون ما أعبد} تفسير : [الكافرون: 3 - 5] وقد تقع "ما" مكان "من" فيما لا يحصى كثرة من كلامهم، ويحتمل أن تكون {ما} نافية، ويكون قوله: {نسي} كلاماً تاماً، ثم نفى أن يكون دعاء هذا الكافر خالصاً لله ومقصوداً به من قبل النعمة، أي في حال الضرر، ويحتمل أن تكون {ما} نافية ويكون قوله: {من قبل} يريد به: من قبل الضرر، فكأنه يقول: ولم يكن هذا الكافر يدعو في سائر زمنه قبل الضرر، بل ألجأه ضرره إلى الدعاء. والأنداد: الأضداد التي تضاد وتزاحم وتعارض بعضها بعضاً. قال مجاهد: المراد من الرجال يطيعونهم في معصية الله تعالى. وقال غيره: المراد الأوثان. وقرأ الجمهور: "ليُضل" بضم الياء، وقرأها الباقون: أبو عمرو وعيسى وابن كثير وشبل (بفتحها) ثم أمر تعالى نبيه أن يقول لهم على جهة التهديد قولاً يخاطب به واحداً منهم: {تمتع بكفرك} أي تلذذ به واصنع ما شئت، والقليل: هو عمر هذا المخاطب، ثم أخبره أنه {من أصحاب النار}، أي من سكانها والمخلدين فيها.
ابن عبد السلام
تفسير : {مُنِيباً} مخلصاً له، أو مستغيثاً به، أو مقبلاً عليه {نِعْمَةً مِّنْهُ} تَرَكَ الدعاء، أو عافيةً نسي الضر، والتخويل العطية من هبة، أو منحة.
الخازن
تفسير : {وإذا مس الإنسان ضر} أي بلاء وشدة {دعا ربه منيباً} أي راجعاً {إليه} مستغيثاً به {ثم إذا خوله} أي أعطاه {نعمة منه نسي} أي ترك {ما كان يدعو إليه من قبل} والمعنى نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه {وجعل لله أنداداً} يعني الأصنام {ليضل عن سبيله} أي ليرد عن دين الله تعالى {قل} أي لهذا الكافر {تمتع بكفرك قليلاً} أي في الدنيا إلى انقضاء أجلك {إنك من أصحاب النار} قيل نزلت في عتبة بن ربيعة وقيل في أبي حذيفة المخزومي وقيل هو عام في كل كافر {أمن هو قانت} قيل فيه حذف مجازه كمن هو غير قانت، وقيل مجازه الذي جعل لله أنداداً أخير أم من هو قانت. وقيل معنى الآية تمتع بكفرك إنك من أصحاب النار ويا من هو قانت أنت من أصحاب الجنة. قال ابن عباس: نزلت في أبي بكر وعمر. وعن ابن عمر: أنها نزلت في عثمان. وقيل: إنها نزلت في ابن مسعود وعمار وسلمان وقيل: الآية عامة في كل قانت وهو المقيم على الطاعة، وقال ابن عمر: القنوت قراءة القرآن وطول القيام، وقيل: القانت القائم بما يجب عليه {آناء الليل} أي ساعات الليل أوله ووسطه وآخره {ساجداً وقائماً} أي في الصلاة وفيه دليل على ترجيح قيام الليل على النهار وأنه أفضل منه وذلك لأن الليل أستر فيكون أبعد عن الرياء ولأن ظلمة الليل تجمع الهم وتمنع البصر عن النظر إلى الأشياء، وإذا صار القلب فارغاً عن الاشتغال بالأحوال الخارجية رجع إلى المطلوب الأصلي وهو الخشوع في الصلاة ومعرفة من يصلى له، وقيل لأن الليل وقت النوم ومظنَّة الراحة فيكون قيامه أشقّ على النفس فيكون الثواب فيه أكثر {يحذر} أي يخاف {الآخرة ويرجوا رحمة ربه} قيل المغفرة وقيل الجنة وفيه فائدة وهي أنه قال في مقام الخوف يحذر الآخرة فلم يضف الحذر إليه تعالى، وقال في مقام الرجاء ويرجو رحمة ربه وهذا يدل على أن جانب الرجاء أكمل وأولى أن ينسب إلى الله تعالى ويعضد. هذا ما روي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال له كيف نجدك قال أرجو الله يا رسول الله وأخاف ذنوبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله تعالى ما يرجو منه وآمنه مما يخاف" تفسير : أخرجه الترمذي {قل هل يستوي الذين يعلمون} أي ما عند الله من الثواب والعقاب {والذين لا يعلمون} ذلك، وقيل: الذين يعلمون عمار وأصحابه. والذين لا يعلمون أبو حذيفة المخزومي، وقيل افتتح الله الآية بالعمل وختمها بالعلم لأن العمل من باب المجاهدات والعلم من باب المكاشفات وهو النهاية فإذا حصل للإنسان دلَّ ذلك على كماله وفضله {إنما يتذكر أولوا الألباب} قوله تعالى: {قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم} أي بطاعته واجتناب معاصيه {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} يعني للذين آمنوا وحسنوا العمل حسنة يعني الجنة وقيل الصحة والعافية في هذه الدنيا {وأرض الله واسعة} قال ابن عباس يعني ارتحلوا من مكة وفيه حثّ على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي وقيل من أمر بالمعاصي في بلد فليهرب منه وقيل نزلت في مهاجري الحبشة وقيل نزلت في جعفر بن أبي طالب: وأصحابه حيث لم يتركوا دينهم لما نزل بهم البلاء وصبروا وهاجروا {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} قال علي بن أبي طالب كل مطيع يكال له كيلاً ويوزن له وزناً إلا الصابرين فإنه يحثي لهم حثياً. وروي أنه يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صباً بغير حساب حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا لو أن أجسادهم تقرض بالمقاريض لما يذهب به أهل البلاء من الفضل.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ...} الآية: {ٱلإِنسَـٰنَ} هنا: الكافرُ، وهذه الآيةُ بَيَّنَ تعالَىٰ بها عَلَى الكُفَّارِ، أنَّهُمْ عَلَىٰ كُلِّ حَالٍ يَلْجَئونَ إليه في حالِ الضروراتِ، و{خَوَّلَهُ} معناه مَلكه وحكَّمَه فيها ابتداءً من اللَّهِ لاَ مُجَازَاةً، ولا يقالُ في الجزاء «خَوَّلَ». وقوله تعالى: {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ} قالت فرقة: «ما» مصدريةٌ، والمعنى: نسِيَ دعاءَه إليه في حالِ الضَّرُورَةِ، وَرَجَعَ إلَىٰ كُفْرِهِ، وقالت فرقة «ما» بمعْنَى: الذي، والمرادُ بها اللَّه تعالى، أي: نسي اللَّه، وعبارة الثعلبي: قوله: {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} أي: تَرَكَ عبادَة اللَّه تعالى والتضرُّعَ إليهِ من قَبْلُ في حال الضُّرِّ انتهى» وباقي الآية بيِّنٌ. وقوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} بتخفيف الميمِ، هي قراءة نافعٍ وابنِ كَثِيرٍ وحمزة، والهَمْزةُ للتقرير والاستفهام، وكأنه يقولُ: أهذا القانتُ خَيْرٌ أم هذا المذكورُ الذي يتمتَّعُ بكُفْرِهِ قليلاً، وهو من أَصْحَاب النار، وقرأ الباقونَ: «أَمَّنْ» بتشديدِ الميمِ، والمعنى: أهذا الكافرُ خَيْرٌ أمَّنْ هُو قَانِتٌ؟ والقانتُ: المطِيعُ؛ وبهذا فسَّره ابنُ عبَّاس ـــ رضي اللَّه عنهما ـــ، والقُنُوتُ في الكلام يَقَع عَلى القِراءةِ وَعَلى طُولِ القيامِ في الصلاةِ؛ وبهذا فسَّره ابنُ عُمَرَ ـــ رَضِي اللَّه عنهما ـــ قال الفَخْرُ: قيل: إن المرادَ بقوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاءَ ٱلَّيْلِ}: عُثْمَانُ بْنُ عفَّانَ؛ لأنَّه كَان يُحْيِي الليل، والصحيحُ أنها عامَّةٌ في كلِ من اتَّصَفَ بهذه الصِّفَةِ، وفي هذه الآية تنبيهٌ على فضلِ قيامِ الليلِ، انتهى، ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ؛ أَنَّه قالَ: «مَنْ أحَبَّ أَنْ يُهَوِّنَ اللَّهُ عليه الوقوفَ يوم القيامةِ، فَلْيَرَهُ اللَّهُ في سَوَادِ اللَّيْلِ سَاجِداً وقائِماً»، * ت * قال الشيخ عبدُ الحَقِّ في «العَاقِبَةِ»: وعن قَبِيصَةَ بْنِ سُفْيَانَ قال: رأيتُ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ في المنام بعد موته؛ فقلتُ له: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: [الطويل] شعر : نَظَرْتُ إلَىٰ رَبِّي عِيَاناً فَقَالَ لِي هَنِيئاً رِضَائي عَنْكَ يَا بْنَ سَعِيدِ لَقَدْ كُنْتَ قَوَّاماً إذَا اللَّيْلُ قَدْ دَجَا بِعَبْرَةِ مَحْزُونٍ وَقَلْبِ عَمِيدِ فَدُونَكَ فَٱخْتَرْ أَيَّ قَصْرٍ تُرِيدُه وَزُرْنِي فَإنِّي مِنْكَ غَيْرُ بَعِيدِ تفسير : وكَانَ شُعْبَة بن الحَجَّاج، ومِسْعَرُ بْن كِدَامٍ، رجلَيْنِ فَاضِلَيْنِ، وكانَا مِنْ ثِقَاتِ المُحَدِّثينَ وحُفَّاظِهِم، وكان شُعْبَةُ أَكْبَرَ فَمَاتَا، قال أبو أحمد اليَزِيدِيُّ، فرَأَيتُهما في النَّوْمِ، وكنتُ إلَىٰ شُعْبَةَ أَمْيَلَ مِنِّي إلَىٰ مِسْعَرٍ، فقلتُ: يا أبا بِسْطَامَ؛ ما فَعَلَ اللَّهُ بك؟ فقال: وَفَّقَكَ اللَّه يا بُنَيَّ، ٱحْفَظْ ما أقُولُ: شعر : حَبَانِي إلٰهِي فِي الْجِنِانِ بِقُبَّة لَهَا أَلْفُ بَابٍ مِنْ لُجَيْنٍ وَجَوْهَرَا وَقَالَ لِيَ الْجَبَّارُ: يَا شُعْبَةُ الَّذِي تَبَحَّرَ في جَمْعِ الْعُلُومِ وَأَكْثَرَا تَمَتَّعْ بِقُرْبِي إنَّنِي عَنْكَ ذُو رِضاً وَعَنْ عَبْدِيَ القَوَّامِ في اللَّيْلِ مِسْعَرَا كَفَىٰ مِسْعَراً عِزًّا بِأنْ سَيَزُورُنِي وَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِي وَيَدْنُو لِيَنْظُرَا وَهٰذَا فِعَالِي بِالَّذِينَ تَنَسَّكُوا وَلَمْ يَأْلَفُوا في سَالِفِ الدَّهْرِ مُنْكَرَا تفسير : انتهى. «والآناء»: الساعاتُ واحدها «إنًى»؛ كَـــ«مِعًى» ويقال: «إِنْيٌ» ـــ بكسر الهمزة وسكون النون ـــ، و«أَنًى» على وزن «قَفاً». وقوله سبحانه: {يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} قال ابْنُ الجوزيِّ في «المُنْتَخَبِ»: يقولُ اللَّه تعالى: «لاَ أجْمَعُ عَلَىٰ عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلاَ أَمْنَيْنِ؛ مَنْ خَافَنِي في الدُّنْيَا، أمَّنتُهُ في الآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي في الدُّنْيَا خَوَّفْتُهُ في الآخِرَةِ»، يَا أَخِي: امتطَى القَوْمُ مَطَايَا الدُّجَىٰ عَلَىٰ مَرْكَبِ السَّهَرِ، فَمَا حَلُّوا وَلاَ حَلُّوا رِحَالَهُمْ حَتَّى السَّحَرْ،دَرَسُوا القُرآن فَغَرَسُوا بِأَيْدِي الْفِكْرِ أَزْكَى الشَّجَرْ، وَمَالُوا إلى النُّفُوسِ بِاللَّوْمِ؛ فَلاَ تَسْأَلْ عَمَّا شَجَرْ، رَجَعُوا بِنَيْلِ القَبُولِ مِنْ ذَلِكَ السَّفَرْ، وَوَقَفُوا عَلَىٰ كَنْزِ النَّجَاةِ وَمَا عِنْدَكَ خَبَرْ، فإذا جَاء النَّهَارُ قَدَّمُوا طَعَامَ الجُوعِ، وَقَالُوا لِلنَّفْسِ: هَذَا الَّذِي حَضَرْ،حَذَوْا عزَمَاتٍ طَاحَتِ الأَرْضُ بَيْنَهَا، فَصَارَ سُرَاهُمْ في ظُهُورِ العَزَائِمْ،تَرَاهُمْ نُجُومَ اللَّيْلِ مَا يَبْتَغُونَهُ علَىٰ عَاتِقِ الشِّعْرَىٰ وَهَامِ النَّعَائِمْ، مَالَتْ بِالقَوْمِ رِيحُ السَّحَرِ مَيْلَ الشَّجَرِ بِالأَغْصَانْ، وَهَزَّ الخَوْفُ أَفْنَانْ القُلُوبِ فَٱنْتَشَرَتِ الأَفْنَان، فَالقَلْبُ يَخْشَعُ واللِّسَانُ يَضْرَعُ وَالعَيْنُ تَدْمَعُ وَالوَقْتُ بُسْتَانْ،خَلْوَتُهُمْ بِالحَبِيبِ تَشْغَلُهُمْ عَنْ نُعْمٍ وَنَعْمَانْ، سُرُورُهُمْ أَسَاوِرُهُمْ وَالخُشُوعُ تِيجِانْ، خُضُوعُهُمْ حُلاَهُمْ وَمَاءُ دَمْعِهِمْ دُرٌّ وَمَرْجَانْ، بَاعُوا الْحِرْصَ بِالقَنَاعَةِ فَمَا مُلكُ أَنُوشِرْوَان، فَإذَا وَرَدُوا القِيَامَةَ تَلَقَّاهُمْ بَشَرٌ: لَوْلاَكُمْ مَا طَابَ الجِنَانْ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانْ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْهُمْ يَا نَائِمُ كَيَقْظَانْ، كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَيْنَ الشُّجَاعُ مِنَ الجَبَانْ، مَا لِلْمَوَاعِظِ فِيكَ نُجْحٌ، مَوْضِعُ القَلْبِ بِاللَّهْوِ مِنْكَ مَلآنْ، يَا أَخِي، قِفْ عَلَىٰ بَابِ النَّجَاحِ وَلٰكِنْ وُقُوفَ لُهْفَانْ، وَٱرْكَبْ سُفُنَ الصَّلاَحِ، فَهٰذَا المَوْتُ طُوفَانْ، إخْوَانِي، إنَّمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مَرَاحِلْ؛ وَمَرْكَبُ العُمْرِ قَدْ قَارَبَ السَّاحِلْ، فَٱنْتَبِهْ لِنَفْسِكَ وَٱزْدَجِرْ يَا غَافِلْ، يَا هَذَا، أَنْتَ مُقِيمٌ فيَّ مُنَاخِ الرَّاحِلِينَ، وَيْحَكَ ٱغْتَنِمْ أَيَّامَ الْقُدْرَةِ قَبْلَ صَيْحَةِ الانْتِزَاعِ، فَما أقْرَب مَا يُنْتَظَرْ، وَمَا أَقَلَّ المُكْثَ فِيمَا يَزُولُ وَيَتَغَيَّرْ. انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {دعا ربه منيباً إليه} قال: أي مخلصاً إليه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً} [الآية: 8]. قال الواسطى - رحمة الله عليه -: الخلق محيرون تحت قسمته مقهورين تحت خلقته وتقديره ألا ترى إذا ضاقت القلوب واشتدت الأمور كيف نفزع بالإخلاص إلى الملك الغفور.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً}. إذا مَسَّه ضُرٌّ خَشَعَ وخَضَع، وإلى قُرْبه فزع، وتملَّق بين يديه وتضرع. فإذا أزال عنه ضُرَه، وكفاه أمرَه، وأصلح شغْلَه نَسِيَ ما كان يدعو إليه من قبل، وجعل لله أنداداً، فيعود إلى رأس كفرانه، وينهمك في كبائر عصيانه، ويُشْرِكَ بمعبوده. هذه صِفَتُه... فَسُحْقاً له وبُعْداً، ولِسَوف يَلْقى عذاباً وخِزْياً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} وصف الله اهل الضعيف من اليقين اذا مسه الم امتحانه دعاه بغير معروفه واذا وصل اليه نعمته احتجب بالنعمة من المنعم فبقى جاهلا من كلا الطرفين لا يكون اصبرا فى البلاء ولا شاكرا فى النعماء وذلك من جهله بربه ولو ادركه بنعت المعرفة وحلاوة المحبة ليذل نفسه له على يفعل به ما يشاء قال الواسطى الخلق مجبور تحت قسمته مقهور فى تحت خلقته وتقديره الا ترى اذا اضافت القلوب واشتدت الامور كيف يفرغ بالاخلاص الى الملك الغفور قال الحسين من نسى الحق عند العوافى لم يجب الله دعاءه عند المحن والاضطرار لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم العبد الله بن عباس تعرف الله فى الرّخاء يعرفك فى الشدة قال النهر جورى لا يكون نعمة من تحمل صاحبها على نسان النعم نعمة بل هو الى النقم اقرب.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا مس الانسان ضر} اصابه ووصل اليه سوء حال من فقر او مرض او غيرهما وبالفارسية وجون آنكاه كه بر سيد ايشانرا سختى. قال الراغب المس يقال فى كل ما ينال الانسان من اذى والضر يقابل بالسرآء والنعماء والضرر بالنفع {دعا ربه} فى كشف ذلك الضر حال كونه {منيبا اليه} راجعا اليه مما كان يدعوه فى حالة الانابة الى الله والرجوع اليه بالتوبة واخلاص العمل والنوب رجوع الشىء مرة بعد اخرى وهذا وصف للجنس بحال بعض افراده كقوله تعالى ان الانسان لظلوم كفار وفيه اشارة الى أن من طبيعة الانسان انه اذا مسه ضر خشع وخضع والى ربه فزع وتملق بين يديه وتضرع (وفى المثنوى) شعر : بندمى نالد بحق ازدر دونيش صد شكايت ميكند از رنج خويش حق همى كويدكه آخر رنج ودرد مر ترا لابه كان او راست كرد در حقيقت هر عددرا روى تست كيميا ونافع دلجوى تست كه از واندر كريزى درخلا استعانت جويى از لطف خدا در حقيقت دوستان دشمن اند كه زحضرت دور و مشغولت كنند تفسير : {ثم اذا خوله نعمة منه} اى اعطاه نعمة عظيمة من جنابه تعالى وازال عنه ضره وكفاه امره واصلح باله واحسن حاله من التخول وهو التعهد اى المحافظة والمراعاة اى جعله خائل مال من قولهم فلان خائل ماله اذا كان متعهدا له حسن القيام به ومن شأن الغنى الجواد أن يراعى احوال الفقرآء او من الخول وهو الافتخار لان الغنى يكون متكبرا طويل الذيل اى جعله يخول اى يختال ويفتخر بالنعمة {نسى ما كان يدعو اليه} اى نسى الضر الذى كان يدعو الله الى كشفه {من قبل} اى من قبل التخويل كقوله تعالى مر كألم يدعنا الى ضر مسه او نسى ربه الذى كان يدعوه ويتضره اليه اما بناء على أن ما بمعنى من كما فى قوله تعالى وما خلق الذكر والانثى واما ايذانا بأن نسيانه بلغ الى حيث لا يعرف مدعوه ما هو فضلا عن أن يعرفه من هو فيعود الى رأس كفرانه وينهمك فى كبائر عصيانه ويشرك بمعبوده ويصر على جحوده وذلك لكون دعائه المحسوس معلولا بالضر الممسوس لا ناشئا عن الشوق الى الله المأنوس (وفى المثنوى) شعر : آن ندامت از نتيجه رنج بود نى زعقل روشن جون كنج بود جونكه شد ربح آن ندامت شدعدم مى نيرز دخاك آن توبه ندم ميكند او توبه و بير خرد بابك لوردوا لعادوامى زند تفسير : وفى عرآئس البقلى وصف الله اهل الضعف من اليقين اذا مسه ألم امتحانه دعاه بغير معرفته واذا وصل اليه نعمته احتجب بالنعمة عن المنعم فبقى جاهلا من كلا الطريقين لا يكون صابرا فى البلاء ولا شاكرا فى النعماء وذلك من جهله بربه ولو ادركه بنعت المعرفة وحلاوة المحبة لبذل له نفسه حتى يفعل به ما يشاء وقال بعضهم اقل العبيد علما ومعرفة أن يكون دعاؤه لربه عند نزول ضر به فان من دعاه بسبب او لسبب فذلك دعاء معلول مدخول حتى يدعوه رغبة فى ذكره وشوقا اليه وقال الحسين من نسى الحق عند العوافى لم يجب الله دعاءه عند المحن والاضطرار ولذلك قال النبى عليه السلام لعبد الله بن عباس رضى الله عنهما تعرف الى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة وقال النهر جورى لا تكون النعمة التى تحمل صاحبها الى نسيان المنعم نعمة بل هى الى النقم اقرب شعر : اين كله زان نعمتى كن كت زند ازدرما دور مطرودت كند تفسير : {وجعل لله اندادا} شركاء فى العبادة اى رجع الى عبادة الاوثان جمع ند وهو يقال لما يشارك فى الجوهر فقط كما فى المفردات وقال فى بحر العلوم هو المثل المخالف اى امثالا يعتقد انها قادرة على مخالفة الله ومضادته {ليضل} الناس بذلك يعنى تاكمراه كندمر دمانرا {عن سبيله} الذى هو التوحيد. والسبيل من الطرق ما هو معتاد السلوك استعين للتوحيد لانه موصل الى الله تعالى ورضاه قرى ليضل بفتح الياء اى ليزداد ضلالا او يثبت عليه والا فاصل الضلال غير متأخر عن الجعل المذكور واللام لام العاقبة فان النتيجة قد تكون غرضا فى الفعل وقد تكون غير غرض والضلال والاضلال ليسا بغرضين بل نتيجة الجعل وعاقبته {قل} الامر الآتى للتهديد كقوله {أية : اعملوا ما شئتم} تفسير : فالمعنى قل يا محمد تهديدا لذلك الضال المضل وبيانا لحاله ومآله. وفى التأويلات النجمية قل للانسان الذى هذه طبيعته فى السراء والضراء {تمتع بكفرك قليلا} اى تمتعا قليلا فهو صفة مصدر محذوف او زمانا قليلا فهو صفة زمان محذوف يعنى: [ازمتمتعات بهرجه خواهى اشتغال كن دردنيا تاوقت مرك والتمتع برخوردارى كرفتن] يعنى الانتفاع {انك من اصحاب النار} فى الآخرة اى من ملازميها والمعذبين فيها على الدوام [ولذتهاى دنيا درجنب شدت عذاب دوزخ بغايت محقراست] وهو تعليل لقلة التمتع. وفيه من الاقناط من النجاة ما لا يخفى كأنه قيل واذ قد ابيت قبول ما امرت به من الايمان والطاعة فمن حقك ان تؤمر بتركه لتذوق عقوبته. وفيه اشارة الى ان من صاحب فى الدنيا اهل النار وسلك على اقدام مخالفات المولى وموافقات الهوى طريق الدركات السفلى وهو صاحب النار واهلها والى ان عمر الدنيا قليل فكيف بعمر الانسان وان التمتع بمشتهيات الدنيا لا يغنى عن الانسان شيئا فلا بد من الانتباه قبل نداء الاجل. وصلى ابو الدرداء رضى الله عنه فى مسجد دمشق ثم قال يا اهل دمشق الا تستحيون الى متى تؤملّون ما لا تبلغون وتجمعون ما لا تأكلون وتبنون ما لا تسكنون ان من كان قبلكم امّلوا بعيدا وبنوا مشيدا وجمعوا كثيرا فاصبح املهم غرورا وجمعهم بورا ومساكنهم قبورا. وذكر فى الاخبار ان رجلا قال لموسى عليه السلام ادعو الله ان يرزقنى مالا فدعا ربه فاوحى الله اليه يا موسى أقليلا سألت ام كثيرا قال يا رب كثيرا قال فاصبح الرجل اعمى فغدا على موسى فتلقاه سبع فقتله فقال موسى يا رب سألتك ان ترزقه كثيرا واكله السبع فاوحى الله اليه يا موسى انك سألت له كثيرا وكل ما كان فى الدنيا فهو قليل فاعطيته الكثير فى الآخرة فطوبى لمن ابغض الدنيا وما فيها وعمل للآخرة والمولى قبل دنو الاجل وظهور الكسل جعلنا الله واياكم من المتيقظين آمين
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وإِذا مَسَّ الإِنسانَ} أي: جنس الإنسان {ضُرٌّ} من مرض وغيره {دَعَا رَبَّه مُنِيباً} إليه؛ راجعاً إليه مما كان يدعوه في حالة الرخاء؛ لعِلمه بأنه بمعزل عن القدرة على كشف ضره، وهذا وصف للجنس ببعض أفراده، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}تفسير : [إِبراهيم: 34] وقيل: المراد أبو جهل، أو: كل كافر. {ثم إِذا خَوَّلهُ نعمةً منه} أي: أعطاه نعمة عظيمة من جنابه، من التخوُّل، وهو التعهُّد، يقال: فلان خائل مال، إذا كان متعهّداً إليه حسن القيام به. وفي الصحاح: خَوَّله اللهُ الشيء: ملَّكه إياه. وفي القاموس: وخوَّله اللهُ المالَ: أعطاه إياه. قال ابن عطية: خوَّله، أي: ملَّكه، وحكمه فيها ابتداء من الله، لا مجازاة، ولا يقال في الجزاء: خوّل. هـ. أو: من الخوَل، وهو الافتخار، أي: جعله يخول، أي: يختال ويفتخر بنعمه. {نَسِيَ ما كان يدعو إِليه من قَبْلُ} أي: نسيَ الضر الذي كان يدعو الله تعالى كشفه من قبل التخويل، أو: نسي ربه الذي كان يدعو ويتضرّع إليه، على أن {ما} بمعنى {من} ، كقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} تفسير : [الليل: 3]، أو: إيذاناً بأن نِسْيانَه بلغ به إلى حيث لا يعرف ما يدعوه، وهو كقوله تعالى: {أية : عَمَّآ أَرْضَعَتْ} تفسير : [الحج: 2]. {وجعل لله أنداداً}: شركاء في العبادة؛ {ليُضل} بذلك {عن سبيله} الذي هو التوحيد، أي: ليُضل غيره، أو: ليزاد ضلالاً، أو: يثبت عليه، على القراءتين، وإلا؛ فأصل الضلال غير متأخر عن الجعل المذكور. واللام للعاقبة، كما في قوله: {أية : فَالْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8] غير أن هذا أقرب للحقيقة؛ لأن الجاعل هنا قاصد بجعله المذكور حقيقة الإضلال والضلال، وإن لم يعرف؛ لجهله أنهما إضلال وضلال، وأما آل فرعون فهم غير قاصدين بالتقاطهم العداوة أصلاً. قاله أبو السعود. {قُلْ تَمتعْ بكفرك قليلاً} أي: تمتعاً قليلاً، أو: زماناً قليلاً في الدنيا، وهو تهديد لذلك الضال المضل، وبيان لحاله ومآله. {إِنك من أصحاب النار} أي: من ملازميها، والمعذَّبين فيها على الدوام، وهو تعليل لقلة التمتُّع. وفيه من الإقناط من النجاة ما لا يخفى، كأنه قيل: إذا أبيتَ قبول ما أمرت به من الإيمان والطاعة، فمن حقك أن تؤمَر بتركه لتذوق عقوبته. الإشارة: الصفة الممدوحة في الإنسان: أن يكون إذا مسَّه الضر التجأ إلى سيده، مع الرضا والتسليم، فإذا كشف عنه شكر الله وحمده، ودام على شكره، ونسب التأثير إلى الأسباب والعلل، وهو صريح الآية. وبالله التوفيق. ثم ذكر حال مَن شكر، فقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير ونافع وحمزة {أمن هو قانت} بتخفيف الميم. الباقون بتشديدها، من خفف أراد النداء وتقديره يا من هو قانت. قال ابن خالويه: سمعت ابن الانباري يقول: ينادي العرب بسبعة الفاظ: زيد اقبل، وازيد اقبل ويا زيد اقبل، وها زيد أقبل، وأيا زيد اقبل، وأي زيد اقبل، وهيا زيد اقبل. وانشد: شعر : هيا ظبية الوعشاء بين جلايد وبين النقاء أنت أم أم سالم تفسير : ويجري ذلك مجرى قول القائل: فلان لا يصوم ولا يصلي، فيا من يصوم ويصلي ابشر. وقال ابو علي: النداء - هنا - لا وجه له. والمعنى أمن هو قانت كمن هو بخلاف ذلك؟! لأنه موضع معادلة، وإنما يقع في مثل هذا الموضع الجمل التي تكون اخبار وليس كذلك النداء. ويدل على الحذف قوله {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} لان التسوية لا تكون إلا بين شيئين وفى جملتين من الخبر. والمعنى أمن هو قانت كمن جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله، وقال أبو الحسن: القراءة بالتخفيف ضعيفة، لأن الاستفهام إنما يبني على ما بعده، ولا يحمل على ما قبله، وهذا الكلام ليس قبله ما يبنى عليه إلا في المعنى ومن شدّد احتمل أمرين: احدهما - ان يريد أهذا خير أم من هو قانت. والثاني - ان يكون جعل (أم) بمنزلة (بل) والف الاستفهام، وعلى هذا يكون الخبر محذوفاً لدلالة الكلام عليه، كما قال الشاعر: شعر : فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعاً تفسير : والمعنى لو أتانا غيرك ما صدقناه، ولا أهتدينا فحذف. وقال تعالى {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} و {أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب} كل ذلك محذوف الجواب. والقانت الداعي، والقانت الساكت، والقانت المصلي قائماً وانشد: شعر : قانتاً لله يتلو كتبه وعلى عمد من الناس اعتزل تفسير : وقيل القانت الدائم على الطاعة لله ـ في قول ابن عباس والسدي -. يقول الله عز وجل مخبراً عن حال الانسان وضعف يقينه وشدة تحوله من حال إلى حال إنه إذا مسه ضر من شدة فقر ومرض وقحط {دعا} عند ذلك {ربه منيباً إليه} أي راجعاً اليه راغباً فيه {ثم إذا خوله نعمة منه} فانه إذا أعطاه نعمة عظيمة، فالتخويل العطية العظمية على جهة الهبة، وهي المنحة قال ابو النجم: شعر : اعطى فلم ينجل ولم يبخل كوم الذرى من خول المخول تفسير : {نسي ما كان يدعوا إليه من قبل} يعني ترك دعاء الله، كما كان يدعو في حال ضره، قال الفراء: ويجوز أن تكون (ما) بمعنى (من) كما قال {أية : فانكحوا ما طاب لكم من النساء}. تفسير : {وجعل لله أنداداً} أي وسمى له تعالى أمثالا في توجيه عبادته اليها من الأصنام والاوثان {ليضل عن سبيله} فمن ضم الياء أراد ليضل بذلك غيره عن سبيل الحق. ومن فتح الياء اراد ليضل هو عن ذلك، واللام لام العاقبة، لأنهم لم يفعلوا ما فعلوه وغرضهم أن يضلوا عن سبيل الله، لكن عاقبتهم كان اليه. فقال الله تعالى لنبيه {قل} له يا محمد على سبيل التهديد {تمتع بكفرك قليلا} يعني مدة حياتك {إنك من أصحاب النار} في العاقبة، وهم الذين يلزمون عذاب جهنم. ثم قال {أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً} فآناء الليل ساعات الليل واحدها آن، وإنيّ بالياء {ساجداً وقائماً} أي في هاتين الحالتين {يحذر الآخرة} أي يخاف عذاب الآخرة {ويرجوا رحمة ربه} كمن خالف ذلك، فانهما لا يتساويان ابداً، ثم قال {قل} لهم على وجه الانكار عليهم {هل يستوي الذين يعلمون} الحق ويعملون به {والذين لا يعلمون} ولا يعملون به، فانهما لا يتساويان أبداً {إنما يتذكر} في ذلك {أولوا الألباب} أي ذوو العقول وروى جابر عن أبي جعفر عليه السلام في تفسير هذه الآية انه قال: نحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {قل} لهم يا محمد {يا عبادي الذين آمنوا} بالله وصدقوا بوحدانيته وأقروا برسله {اتقوا ربكم} أي عقاب ربكم باجتناب معاصيه. ثم قال {للذين أحسنوا} يعني فعلوا الأفعال الحسنة وأحسنوا إلى غيرهم جزاء لهم على ذلك {في هذه الدنيا حسنة} يعني ثناء حسن وذكر جميل ومدح وشكر، وقيل: صحة وسلامة وعافية، ذكره السدي {وأرض الله واسعة} فتهاجروا فيها عن دار الشرك - في قول مجاهد - وقيل: أرض الله يعني أرض الجنة واسعة {إنما يوفى الصابرون أجرهم} وثوابهم على طاعتهم وصبرهم على شدائد الدنيا {بغير حساب} أي لكثرته لا يمكن عده وحسابه. وقيل: إن معناه إنهم يعطون من المنافع زيادة على ما يستحقونه على وجه التفضل، فكان ذلك بغير حساب أي بغير مجازاة بل تفضل من الله تعالى.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ} عطف على قوله ان تكفروا يعنى كيف تكفرون واذا مسّكم ضرّ تلتجؤن اليه لا الى غيره يعنى انّكم مفطورون على الاقرار به والالتجاء اليه فليس كفركم ولا كفرانكم لنعمه الاّ لستر ما انتم مفطورون عليه {دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} لما سبق انّ الخيال بتصرّف المتخيّلة يمنع العاقلة عن التّدبير والتّصرّف ويستر نصحه وردعه وحين مسيس الضّرّ يسكن الخيال عن التّصرّف فيظهر الفطرة وحكم العقل {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ} اعطاه تفضّلاً فانّه لا يستعمل الاّ فى هذا المعنى {نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} يعنى نسى الضّرّ الّذى يدعو الله الى دفعه، او نسى اللّطيفة الغيبيّة الّتى كان يدعو قواه واهل مملكته حين الضّرّ اليها فانّ التجاءه اليه دعوة لجميع اهل مملكته اليه، وان كان نزوله فى ابى الفضيل كما ورد، فانّه روى عن الصّادق (ص) انّها نزلت فى ابى الفضيل انّه كان رسول الله (ص) عنده ساحراً فكان اذا مسّه الضّرّ يعنى السّقم دعا ربّه منيباً اليه يعنى تائباً اليه من قوله فى رسول الله (ص) ما يقول ثمّ اذا خوّله نعمة منه يعنى العافية نسى ما كان يدعو اليه من قبل يعنى نسى التّوبة الى الله تعالى ممّا كان يقول فى رسول الله (ص): انّه ساحر، ولذلك قال الله عزّ وجل: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} يعنى امرتك على النّاس بغير حقٍّ من الله عزّ وجلّ ومن رسوله (ص) قال ثمّ عطف من الله عزّ وجلّ فى علىٍّ (ع) يخبر بحاله وفضله عند الله تبارك وتعالى فقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} (الآية) {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً} امثالاً وشركاء مثل الاصنام والكواكب او جعل لله انداداً فى وجوده من اهوية نفسه ومشتهياتها {لِيُضِلَّ} النّاس او اهل مملكته {عَنْ سَبِيلِهِ} وقرئ ليضلّ بفتح الياء {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً} يا ابا الفضيل او يا ابا فلانٍ او يا ايّها المنصرف من باب القلب الى باب النّفس ومشتهياتها {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} فانّ الانصراف من الله ومن الولاية ومن علىّ (ع)، او من باب القلب ليس الاّ للمبتلى بدواعى النّفس، ودواعى النّفس ليست الاّ الشّواظ من النّار.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ} الكافر* {ضُرٌّ} أي بلغه ما يكره من الشدائد والبلاء* {دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً} أي طلبه راجعاً* {إِلَيْهِ} متضرعاً في ازالة ذلك الضرر وزوال ما تنازع العقل في الدلالة على أن مبدأ الكل منه* {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ} أعطاه* {نِعْمَةً مِّنْهُ} أي من الله أصله جعله خائل نعمة بعد ما أعطاه اياها كقولك (زيد خائل مال) أي حسن القيام عليه حافظ له. يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان يتخول أصحابه بالموعظة". أو أصله جعله خائلاً أو مفتخراً وعن بعضهم؛ معناه ملكه وحكمه فيه ابتداء من الله لا مجازاة ولا يقال في الجزاء خول* {نَسِىَ} أي ترك* {مَا كَانَ يَدْعُواْ إِلَيْهِ} أي الضر الذي كان يدعو الله عز وجل الى ازالته (فما) واقعة على غير العالم بكسر اللام أو المعنى (نسي ربه) الذي كان يدعو الى ازالة الضر (فما) واقعة على العالم أو ما مصدرية أي نسي دعاءه اليه وعن بعض (نسي عبادة الله والتضرع اليه)* {مِن قَبْلُ} أي بيان لحال الكفرة من الالتجاء الى الله فى حال الضرورة مع ما هم فيه من الكفر* {وَجَعَلَ للهِ أَندَاداً} أي شركاء وأصناماً* {لِّيُضِلَّ} بضم الياء من الاضلال أي ليرد غيره* {عَن سَبِيلِهِ}. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وورش بفتح الياء من الضلال أي ليكون ضالاً وانما علل جعل الأنداد لله بلا ضلال أو الضلال لانه نتيجة جعل الأنداد له تعالى فهو تعليل غائي لا تعليل باعث غرضي فانه ليس باعثاً الى جعل الأنداد فما هي الا لام المال وسبيله هو دين الاسلام* {قُلْ} لهذا الكافر {تَمَتَّعْ} أي تلذذ* {بِكُفْرِكَ قَلِيلاً} زماناً قليلاً أو تمتعاً قليلاً فى الدنيا بقية أجلك وفي التعبير بالتمتع اشارة الى أن الكفر نوع تلذذ ومجرد شهوة لا دليل له من العقل ولا من غيره ويجوز أن يراد تمتع فى عمرك لا فى بقيته فقط وذلك أن المقصود بالأمر بالتمتع بالتهديد لا حقيقته من دعائه الى التمتع بالكفر فلا يقال كيف يأمره بالتمتع فيما مضى من عمره مع انقطاعه خلاه الله مع كفره يتمتع به اذا لم يقبل الايمان فيموت كافراً قانتاً من التمتع في الآخرة وذلك خذلان وتخلية له وهواه* {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} وذلك عام في كل كافر وقيل نزلت في عتبة وقيل فى أبى حذيفة المخزومي
اطفيش
تفسير : {وإذا مسَّ الإنْسَانَ} الجنس وإن أريد به عتبة بن ربيعة، أو أبو جهل قولان، فاللفظ عام وبه يعمل {ضُرٌ} مرض أو احتياج أو غير ذلك مما يكره {دَعا ربَّه مُنيباً إليْه} من عبادة غير الله، لعلمه بأنه لا يكشف الضر عليه غيره تعالى {ثُمَّ إذا خوَّله} أعطاه {نعْمةً} عظيمة {منْهُ} وهى مطلق نعمة، أو نعمة تضاد الضر كازالته، وأصل التخويل من الخول بفتحتين وهو تعهد الشىء بالخير مرة بعد أخرى، وأطلق على العطاء مرة بعد أخرى كما هو شأن الله تعالى مع خلقه، وقد يطلق على العطاء ولو بلا تكرار، وقيل: اصل خوَّله خولا بفتح الخاء والواو، أى عبيدا أو خدما، أو ما يحتاج الى تعهد وقيام عليه، ثم عمم لمطلق العطاء، ويجوز أن يكون من خال يخول افتخر، كما يقال: خال يخيل بالياء افتخر، فحوَّله أعطاه ما يفتخر به وحافظ الواو فى هذا مع الياء حجة، لأن الحافظ المثبت مقدم، واعترض بأنه لو كان من خال بمعنى افتخر لكان لازما يتعدى بالشد لواحد، وقد تعدى فى الآية لاثنين، وأجيب بكون خوَّل بالشد وضع فى فى اللغة أعطى متعديا لاثنين. {نَسِيَ ما كانَ يدعُو إليْه} نسى الضر الذى كان يدعو الله الى إزالته {مِنْ قبلُ} قبل التخويل، ويجوز كون ما بمعنى شىء مفخم هو الله عز وجل، كقوله تعالى: " أية : وما خلق الذكر والأنثى " تفسير : [الليل: 3] وقوله عز وجل: " أية : ولا أنتم عابدون ما أعبد" تفسير : [الكافرون: 3 - 5] والهاء لما، وعليه فعدى يدعو بإلى لتضمن معنى التضرع، أى نسى الله الذى كان يتضرع اليه فازالة الضر، وهو معنى صحيح إلا أنه لما كان فيه ما مستعملا للعالم، وتضمين فعل معنى آخر لم يتبادر {وجَعَل لله أنْدادا} بقى على جعله الأنداد لله تعالى، أو زاد أندادا بطرا للنعمة، وهم أصنام تضاد الله، أو رجال فى المعاصى يعاندون الله بها. {ليُضِلَّ عَنْ سَبيل الله} من اهتدى، ويزيد الضال ضلالا، وزيادة الضلال إضلال حقيقة لا مجازا، واللام للعاقبة، لأنه لم يقصد أن يكون الناس منصرفين عما هو حق حتى يسمون ضالين، وهى هنا قريب الى التعليل لأنه قصد أن ينصرفوا عن كذا، وهو فى نفس الأمر حق، ولا يعرفه حقا {قُل} تهديدا للإنسان {تَمتَّع بكُفْرك قَليلا} تمتعا قليلا، أو زمانا قليلا {إنَّك مِن أصحاب النار} من أهلها هكذا، والخلود من خارج أو من ملازميها، فكأنك لم تتمتع، وتمتعك أورثك صحبة النار دائماً.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ } من مرض وغيره من المكاره {دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ } راجعاً ممن كان يدعوه في حالة الرخاء من دون الله عز وجل لعلمه بأنه بمعزل من القدرة على كشف ضره وهذا وصف للجنس بحال بعض أفراده كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }تفسير : [إبراهيم: 34]، واستظهر أبو حيان أن المراد بالإنسان جنس الكافر، وقيل: هو معين كعتبة بن ربيعة {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ } أي أعطاه نعمة عظيمة من جنابه من الخول بفتحتين وهو تعهد الشيء أي الرجوع إليه مرة بعد أخرى وأطلق على العطاء لما أن المعطي الكريم يتعهد من هو ربيب إحسانه ونشو امتنانه بتكرير العطاء عليه مرة بعد أخرى، وقال بعضهم: معنى {خَوَّلَهُ} في الأصل أعطاه خولاً بفتحتين أي عبيداً وخدماً أو أعطاه ما يحتاج إلى تعهده والقيام عليه ثم عمم لمطلق العطاء، وجوز الزمخشري كونه من خال يخول خولاً بسكون الواو إذا افتخر. واعترض بأنه صرح في «الصحاح» أن خال بمعنى افتخر يائي والخيلاء بمعنى التكبر يدل عليه دلالة بينة، وأيضاً خول متعد إلى مفعولين وأخذه منه لا يقتضي أن يتعدى للمفعول الثاني. وأجيب عن الأول بأن الزمخشري من أئمة النقل وقد ثبت عنده، وأصله من الخال الذي هو العلامة، وقد نقل / فيه الواو والياء ثم قيل لسيما الجمال والخير خال من ذلك وأخذ منه الخيال وأما الاختيال بمعنى التكبر فهو مأخوذ من الخيال لأنه خال نفسه فوق قدره أو جعل لنفسه خال الخير كما يقال: أعجب الرجل فقد وضح أن الاشتقاق يناسبهما ولا ينكر ثبوت الياء بدليل الخيلاء لكن لا مانع من ثبوت الياء أيضاً وليس الاختيال مأخوذاً من الخيلاء بل الخيلاء هو الاسم منه فلا يصلح مانعاً لكن يصلح مثبتاً للياء، وعن الثاني بأنه ليس المراد أن خول مضعف خال بمعنى افتخر حتى يشكل تعديته للمفعول الثاني بل إنه موضوع في اللغة لمعنى أعطى وما ذكر بيان لمأخذ اشتقاقه وأصل معناه الملاحظ في وضعه له ومثله كثير فأصل خوله جعله مفتخراً بما أنعم عليه ثم قطع النظر عنه وصار بمعنى أعطاه مطلقاً. {نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ } أي نسي الضر الذي كان يدعو الله تعالى إلى إزالته وكشفه {مِن قَبْلُ } التخويل فما واقعة على الضر ودعا من الدعوة وهو يتعدى بإلى يقال دعا المؤذن الناس إلى الصلاة ودعا فلان الناس إلى مأدبته والدعوة مجاز عن الدعاء، والمعنى على اعتبار المضاف كما أشير إليه، ويجوز أن يراد بما معنى من للدلالة على الوصفية والتفخيم واقعاً عليه تعالى كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ }تفسير : [الليل: 3] وقوله سبحانه: {أية : وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ }تفسير : [الكافرون: 3] والدعاء على ظاهره وتعديته بإلى لتضمينه معنى الإنابة أو التضرع والابتهال. والمعنى نسي ربه الذي كان يدعو منيباً أو متضرعاً إليه وهو وجه لا بأس به، وما قيل من أنه تكلف إذ لا يقال دعا إليه بمعنى دعاه ولا حاجة إلى جعل ما بمعنى من مردود لحسن موقف التضمين واستعمال ما في مقام التفخيم. وفي «الإرشاد» أن في ذلك الجعل إيذاناً بأن نسيانه بلغ إلى حيث لا يعرف مدعوه ما هو فضلاً من أن يعرفه من هو. وقيل: ما مصدرية أي نسي كونه يدعو، وقيل: هي نافية وتم الكلام عند قوله تعالى {نَسِيَ } أي نسي ما كان فيه من الضر ثم نفى أن يكون دعاء هذا الكافر خالصاً لله تعالى من قبل أي من قبل الضر ولا يخفى ما فيه. {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً } شركاء في العبادة، والظاهر من استعمالاتهم إطلاق الأنداد على الشركاء مطلقاً، وفي «البحر» أنداداً أى أمثالاً يضاد بعضها بعضاً ويعارض، قال قتادة: أي الرجال يطيعهم في المعصية، وقال غيره أوثاناً {لِيُضِلَّ } الناس بذلك {عَن سَبِيلِهِ } عز وجل الذي هو التوحيد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعيسى {ليضل } بفتح الياء أي ليزداد ضلالاً أو ليثبت عليه وإلا فأصل الضلال غير متأخر عن الجعل المذكور، واللام لام العاقبة كما في قوله تعالى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}تفسير : [القصص: 8] بيد أن هذا أقرب إلى الحقيقة لأن الجاعل هٰهنا قاصد بجعله المذكور حقيقة الإضلال والضلال وإن لم يعرف بجهله أنهما إضلال وضلال وأما آل فرعون فهم غير قاصدين بالتقاطهم العداوة أصلاً. {قُلْ } تهديداً لذلك الجاعل وبياناً لحاله ومآله {تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً } أي تمتعاً قليلاً أو زماناً قليلاً {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّار} أي ملازميها والمعذبين فيها على الدوام، وهو تعليل لقلة التمتع وفيه من الإقناط من النجاة وذم الكفر ما لا يخفى كأنه قيل: إذ قد أبيت ما أمرت به من الإيمان والطاعة فمن حقك أن تؤمر بتركه لتذوق عقوبته.
سيد قطب
تفسير : في الجولة الأولى لمس قلوبهم بعرض قصة وجودهم؛ وخلقهم من نفس واحدة؛ وتزويجها من جنسها؛ وخلق الأنعام أزواجاً كذلك؛ وخلقهم في بطون أمهاتهم في ظلمات ثلاث. وأشعرهم يد الله تمنحهم خصائص جنسهم البشري أول مرة؛ ثم تمنحهم خصائص البقاء والارتقاء. وهنا يلمس قلوبهم لمسة أخرى وهو يعرض عليهم صورتهم في الضراء وصورتهم في السراء؛ ويريهم تقلبهم وضعفهم وادعاءهم وقلة ثباتهم على نهج؛ لا حين يتصلون بربهم، ويتطلعون إليه، ويقنتون له، فيعرفون الطريق، ويعلمون الحقيقة؛ وينتفعون بما وهبهم الله من خصائص الإنسان. {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه. ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل، وجعل لله أنداداً، ليضل عن سبيله. قل: تمتع بكفرك قليلاً، إنك من أصحاب النار}.. إن فطرة الإنسان تبرز عارية حين يمسه الضر؛ ويسقط عنها الركام؛ وتزول عنها الحجب، وتتكشف عنها الأوهام؛ فتتجه إلى ربها، وتنيب إليه وحده؛ وهي تدرك أنه لا يكشف الضر غيره. وتعلم كذب ما تدعي من شركاء أو شفعاء. فأما حين يذهب الضر ويأتي الرخاء، ويخوله الله نعمة منه، ويرفع عنه البلاء. فإن هذا الإنسان الذي تعرت فطرته عند مس الضر يعود فيضع عليها الركام، وينسى تضرعه وإنابته وتوحيده لربه. وتطلعه إليه في المحنة وحده، حين لم يكن غيره يملك أن يدفع عنه محنته.. ينسى هذا كله ويذهب يجعل لله أنداداً. إما آلهة يعبدها كما كان في جاهليته الأولى؛ وإما قيماً وأشخاصاً وأوضاعاً يجعل لها في نفسه شركة مع الله، كما يفعل في جاهلياته الكثيرة! فإذا هو يعبد شهواته وميوله ومطامعه ومخاوفه وماله وأولاده وحكامه وكبراءه كما يعبد الله أو أخلص عبادة؛ ويحبها كما يحب الله أو أشد حباً! والشرك ألوان. فيها الخفي الذي لا يحسبه الناس شركاً، لأنه لا يأخذ شكل الشرك المعروف وإنما هو من الشرك في الصميم. وتكون العاقبة هي الضلال عن سبيل الله. فسبيل الله واحد لا يتعدد. وإفراده بالعبادة والتوجه والحب هو وحده الطريق إليه. والعقيدة في الله لا تحتمل شركة في القلب. لا تحتمل شركة من مال ولا ولد ولا وطن ولا أرض ولا صديق ولا قريب، فأيما شركة قامت في القلب من هذا وأمثاله فهي اتخاذ أنداد لله، وضلال عن سبيل الله، منته إلى النار بعد قليل من المتاع في هذه الأرض: {قل: تمتع بكفرك قليلاً: إنك من أصحاب النار}.. وكل متاع في هذه الأرض قليل مهما طال. وأيام الفرد على هذه الأرض معدودة مهما عمر. بل إن حياة الجنس البشري كله على الأرض لمتاع قليل، حين يقاس إلى أيام الله! وإلى جانب هذه الصورة النكدة من الإنسان، يعرض صورة أخرى.. صورة القلب الخائف الوجل، الذي يذكر الله ولا ينساه في سراء ولا ضراء؛ والذي يعيش حياته على الأرض في حذر من الآخرة؛ وفي تطلع إلى رحمة ربه وفضله؛ وفي اتصال بالله ينشأ عنه العلم الصحيح المدرك لحقائق الوجود: {أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه؟ قل: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ إنما يتذكر أولو الألباب}. وهي صورة مشرقة مرهفة. فالقنوت والطاعة والتوجه ـ وهو ساجد وقائم ـ وهذه الحساسية المرهفة ـ وهو يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ـ وهذا الصفاء وهذه الشفافية التي تفتح البصيرة. وتمنح القلب نعمة الرؤية والالتقاط والتلقي.. هذه كلها ترسم صورة مشرقة وضيئة من البشر تقابل تلك الصورة النكدة المطموسة التي رسمتها الآية السابقة. فلا جرم يعقد هذه الموازنة: {قل: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟}.. فالعلم الحق هو المعرفة. هو إدراك الحق. هو تفتح البصيرة. هو الاتصال بالحقائق الثابتة في هذا الوجود. وليس العلم هو المعلومات المفردة المنقطعة التي تزحم الذهن، ولا تؤدي إلى حقائق الكون الكبرى، ولا تمتد وراء الظاهر المحسوس. وهذا هو الطريق إلى العلم الحقيقي والمعرفة المستنيرة.. هذا هو.. القنوت لله. وحساسية القلب، واستشعار الحذر من الآخرة، والتطلع إلى رحمة الله وفضله؛ ومراقبة الله هذه المراقبة الواجفة الخاشعة.. هذا هو الطريق، ومن ثم يدرك اللب ويعرف، وينتفع بما يرى وما يسمع وما يجرب؛ وينتهي إلى الحقائق الكبرى الثابتة من وراء المشاهدات والتجارب الصغيرة. فأما الذين يقفون عند حدود التجارب المفردة، والمشاهدات الظاهرة، فهم جامعو معلومات وليسوا بالعلماء.. {إنما يتذكر أولو الألباب}.. وإنما يعرف أصحاب القلوب الواعية المتفتحة المدركة لما وراء الظواهر من حقائق. المنتفعة بما ترى وتعلم، التي تذكر الله في كل شيء تراه وتلمسه ولا تنساه، ولا تنسى يوم لقاه.. وبعد عرض هاتين الصورتين يتجه إلى الذين آمنوا يناديهم ليتقوا ويحسنوا؛ ويتخذوا من حياتهم القصيرة على هذه الأرض وسيلة للكسب الطويل في الحياة الآخرة: {قل: يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم. اللذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة. وأرض الله واسعة. إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}.. وفي التعبير: {قل: يا عباد الذين آمنوا} التفاتة خاصة. فهو في الأصل: قل لعبادي الذين آمنوا.. قل لهم: اتقوا ربكم. ولكنه جعله يناديهم، لأن في النداء إعلاناً وتنبيهاً. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يقول لهم: {يا عبادي} فهم عباد الله. فهناك هذه الالتفاتة في أثناء تكليفه بتبليغهم أن يناديهم باسم الله. فالنداء في حقيقته من الله. وما محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا مبلغ عنه للنداء. {قل: يا عباد الذين آمنوا. اتقوا ربكم}.. والتقوى هي تلك الحساسية في القلب، والتطلع إلى الله في حذر وخشية، وفي رجاء وطمع، ومراقبة غضبه ورضاه في توفز وإرهاف.. إنها تلك الصورة الوضيئة المشرقة، التي رسمتها الآية السابقة لذلك الصنف الخاشع القانت من عباد الله. {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة}.. وما أجزل الجزاء! حسنة في الدنيا القصيرة الأيام الهزيلة المقام. تقابلها حسنة في الآخرة دار البقاء والدوام. ولكنه فضل الله على هذا الإنسان. الذي يعرف منه ضعفه وعجزه وضآلة جهده. فيكرمه ويرعاه! {وأرض الله واسعة}. فلا يقعد بكم حب الأرض، وإلف المكان، وأواصر النسب والقربى والصحبة في دار عن الهجرة منها، إذا ضاقت بكم في دينكم، وأعجزكم فيها الإحسان. فإن الالتصاق بالأرض في هذه الحالة مدخل من مداخل الشيطان؛ ولون من اتخاذ الأنداد لله في قلب الإنسان. وهي لفتة قرآنية لطيفة إلى مداخل الشرك الخفية في القلب البشري، في معرض الحديث عن توحيد الله وتقواه، تنبئ عن مصدر هذا القرآن. فما يعالج القلب البشري هذا العلاج إلا خالقه البصير به، العليم بخفاياه. والله خالق الناس يعلم أن الهجرة من الأرض عسيرة على النفس، وأن التجرد من تلك الوشائج أمر شاق، وأن ترك مألوف الحياة ووسائل الرزق واستقبال الحياة في أرض جديدة تكليف صعب على بني الإنسان: ومن ثم يشير في هذا الموضع إلى الصبر وجزائه المطلق عند الله بلا حساب: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}.. فيأخذ قلوبهم بهذه اللمسة في موضعها المناسب، ويعالج ما يشق على تلك القلوب الضعيفة العلاج الشافي، وينسم عليها في موقف الشدة نسمة القرب والرحمة. ويفتح لها أبواب العوض عن الوطن والأرض والأهل والإلف عطاء من عنده بغير حساب.. فسبحان العليم بهذه القلوب، الخبير بمداخلها ومساربها، المطلع فيها على خفي الدبيب.
ابن عاشور
تفسير : {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ} هذا مثال لتقلب المشركين بين إشراكهم مع الله غيره في العبادة، وبين إظهار احتياجهم إليه، فذلك عنوان على مبلغ كفرهم وأقصاه. والجملة معطوفة على جملة {أية : ذٰلِكُم الله رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ}تفسير : [ الزمر: 6] الآية لاشتراك الجملتين في الدلالة على أن الله منفرد بالتصرف مستوجب للشكر، وعلى أن الكفر به قبيح، وتَتَضمن الاستدلال على وحدانية إلٰهية بدليل من أحوال المشركين به فإنهم إذا مسهم الضر لجأوا إليه وحده، وإذا أصابتهم نعمة أعرضوا عن شكره وجعلوا له شركاء. فالتعريف في {الإنْسَانَ} تعريف الجنس ولكن عمومه هنا عموم عرفي لفريق من الإِنسان وهم أهل الشرك خاصة لأن قوله: {وجَعَلَ لله أندَاداً} لا يتفق مع حال المؤمنين. والقول بأن المراد: انسان معيّن وأنه عتبة بن ربيعة، أو أبو جهل، خروج عن مهيع الكلام، وإنما هذان وأمثالهما من جملة هذا الجنس. وذكر الإِنسان إظهار في مقام الإِضمار لأن المقصود به المخاطبون بقوله: {أية : خلقكم من نفس واحدة}تفسير : [الزمر: 6] إلى قوله: {أية : فَيُنَبِئكم بما كُنتمُ تَعْمَلُون}تفسير : [الزمر: 7]، فكان مقتضى الظاهر أن يقال: وإذا مسكم الضر دعوتم ربكم الخ، فعدل إلى الإِظهار لما في معنى الإِنسان من مراعاة ما في الإِنسانية من التقلب والاضطراب إلا من عصمه الله بالتوفيق كقوله تعالى: {أية : ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً}تفسير : [مريم: 66]، وقوله: {أية : أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه}تفسير : [القيامة: 3] وغير ذلك ولأن في اسم الإِنسان مناسبة مع النسيان الآتي في قوله: {نسي ما كان يدعو إليه من قبل}. وتقدم نظير لهذه الآية في قوله: {أية : وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه}تفسير : في سورة [الروم: 33]. والتخويل: الإِعطاء والتمليك دون قصد عوض. وعينُه واو لا محالة. وهو مشتق من الخَوَل بفتحتين وهو اسم للعبيد والخدم، ولا التفات إلى فعل خال بمعنى: افتخر، فتلك مادة أخرى غير ما اشتق منه فعل خَوَّل. والنسيان: ذهول الحافظة عن الأمر المعلوم سابقاً. ومَا صْدَق {ما} في قوله: {مَا كَانَ يَدْعُوا إلَيْهِ مِن قَبْلُ} هو الضر، أي نسي الضر الذي كان يدعو الله إليه، أي إلى كشفه عنه، ومفعول {يَدْعُوا} محذوف دل عليه قوله: {دَعَا رَبَّهُ}، وضمير {إلَيْهِ} عائد إلى {ما}، أي نسي الضر الذي كان يدعو الله إليه، أي إلى كشفه. ويجوز أن يكون {ما} صادقاً على الدعاء كما تدل عليه الصلة ويكون الضمير المجرور بــــ (إلى) عائداً إلى {رَبَّهُ}، أي نسي الدعاء، وضُمّن الدعاء معنى الابتهال والتضرع فعُدي بحرف (إلى). وعائد الصلة محذوف دل عليه فعل الصلة تفادياً من تكرر الضمائر. والمعنى: نسي عبادة الله والابتهال إليه. والأنداد: جمع نِدّ بكسر النون، وهو الكفء، أي وزاد على نسيان ربه فجعل له شركاء. واللام في قوله: {لّيُضِلَّ عن سبيلِهِ} لام العاقبة، أي لام التعليل المجازي لأن الإِضلال لما كان نتيجة الجعل جاز تعليل الجعل به كأنه هو العلة للجاعل. والمعنى: وجعل لله أنداداً فَضل عن سبيل الله. وقرأ الجمهور {لّيُضِلَّ} بضم الياء، أي ليضل الناس بعد أن أضل نفسه إذ لا يضل الناس إلا ضَالّ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بفتح الياء، أي ليَضل هو، أي الجاعل وهو إذا ضلّ أضل الناس. {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ النار}. استئناف بياني لأن ذكر حالة الإِنسان الكافر المعرض عن شكر ربه يثير وصفها سؤال السامع عن عاقبة هذا الكافر، أي قل يا محمد للإِنسان الذي جعل لله أنداداً، أي قل لكل واحد من ذلك الجنس، أو روعي في الإِفراد لفظُ الإِنسان. والتقدير: قل تمتعوا بكفركم قليلاً إنكم من أصحاب النار. وعلى مثل هذين الاعتبارين جاء إفراد كاف الخطاب بعد الخبر عن الإِنسان في قوله تعالى: {أية : يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر}تفسير : في سورة [القيامة:10 - 12]. والتمتع: الانتفاع الموقّت، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين}تفسير : في سورة[الأعراف: 24]. والباء في {بِكُفْرِكَ} ظرفية أو للملابسة وليست لتعدية فعل التمتع. ومتعلِّق التمتع محذوف دل عليه سياق التهديد. والتقدير: تمتع بالسلامة من العذاب في زمن كفرك أو متكسباً بكفرك تمتعاً قليلاً فأنت آئل إلى العذاب لأنك من أصحاب النار. ووصف التمتع بالقليل لأن مدة الحياة الدنيا قليل بالنسبة إلى العذاب في الآخرة، وهذا كقوله تعالى: {أية : فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل}تفسير : [التوبة: 38]. وصيغة الأمر في قوله: {تَمَتَّعْ} مستعملة في الإِمهال المراد منه الإِنذار والوعيد. وجملة {إنَّكَ من أصْحٰببِ النَّارِ} بيان للمقصود من جملة {تَمَتَّع بِكُفْرِكَ قَلِيلاً} وهو الإِنذار بالمصير إلى النار بعد مدة الحياة. و {من} للتبعيض لأن المشركين بعض الأمم والطوائف المحكوم عليها بالخلود في النار. وأصحاب النار: هم الذين لا يفارقونها فإن الصحبة تشعر بالملازمة، فأصحاب النار: المخلّدون فيها.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} تفسير : [يونس: 12] الآية. قوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له مع الإشارة إلى بحث أصوله في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: {أية : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الحجر: 3].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإذا مس الإِنسان: الإِنسان أي المشرك. ضرٌ: أي مرض أو خوف غرق ونحوه من كل مكروه لا يقدر على دفعه. دعا ربه منيباً إليه: أي سأل ربّه كشف ما أصابه من ضر راجعاً إليه معرضا عمن سواه. إذا خوله نعمة منه: أي أعطاه نعمة منه بأن كشف ما به من ضر. نسي ما كان يدعو إليه من قبل: أي ترك ما كان يتضرع إليه من قبل وهو الله سبحانه وتعالى. وجعل لله أنداداً: أي شركاء. ليضل عن سبيله: أي ليضل نفسه وغيره عن الإِسلام. قل تمتع بكفرك قليلا: أي قل يا نبيّنا لهذا الكافر الضال المضل تهديداً تمتع بكفرك بقية أجلك. إنك من أصحاب النار: أي أهلها المتأهلين لها بخبث نفوسهم وظلمة أرواحهم. قانت آناء الليل: أي مطيع لله آناء الليل أي ساعات الليل ساجداً وقائما في الصلاة. إنما يتذكر أولوا الألباب: أي يتعظ بما يسمع من الآيات أصحاب العقول النيِّرة. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير التوحيد وإبطال التنديد، فقال تعالى مخبراً عن حال المشرك بربه المتخذ له أنداداً يعبدها معه {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} أي سأل ربّه راجعا إليه رافعا إليه يديه يا رباه يا رباه سائلا تفريج ما به وكشف ما نزل به {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} حتى إذا فرَّج الله كربه ونجاه، ترك دعاء الله، وأقبل على عبادة غير الله، {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً} أي شركاء {لِّيُضِلَّ} نفسه وغيره. وهنا أمر تعالى رسوله أن يقول له نيابة عن الله تعالى قل يا رسولنا لهذا المشرك الكافر تمتع بكفرك قليلا أي مدة بقية عمرك إنك من أصحاب النار، هكذا هدده ربّه وخوفه بعاقبة أمر الشرك والتنديد لعله ينتهي فيتوب توبة صادقة ويرجع إلى الله رجوعاً حسناً جميلا. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [8] أما الآية الثانية [9] فيقول تعالى {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} أي مطيع لله ورسوله في أمرهما ونهيهما {آنَآءَ ٱلَّيلِ} أي ساعات الليل تراه ساجداً في صلاته أو قائماً يتلو آيات الله في صلاته، وفي نفس الوقت هو يحذر عذاب الآخرة ويسأل الله تعالى أن يقيه منه، ويرجو رحمة ربّه وهي الجنة أن يجعله الله من أهلها أهذا خير أم ذلك الكافر الذي قيل له تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار، والجواب معلوم للعقلاء وقوله تعالى {هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ} محاب الله ومكارهه وهم يعملون على الإِتيان بمحابّ الله تقرباً إليه، وعلى ترك مكارهه تحبُباً إليه، هل يستوي هؤلاء العاملون مع الذين لا يعلمون ما يحب وما يكره فهم يتخبطون في الضلال تخبط الجاهلين؟ والجواب لا يستوون وإنما يتذكر بمثل هذا التزجيه الإِلهي والإِرشاد الرباني أصحاب الألباب أي العقول السليمة الراجحة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد وإبطال الشرك والتنديد. 2- الكشف عن داخلية الإِنسان قبل أن يؤمن ويُسلم وهو أنه إنسان متناقض لا خير فيه ولا رشد له، فلا يرشد ولا يكمل إلا بالإِيمان والتوحيد. 3- بشرى الضالين عن سبيل الله المضلين عنه بالنار. 4- مقارنة بين القانت المطيع، والعاصي المضل المبين، وبين العالم والجاهل، وتقرير أفضلية المؤمن المطيع على الكافر العاصي. وأفضلية العالم بالله وبمحابة ومكارهه والجاهل بذلك. 5- فضل العالم على الجاهل لعمله بعلمه ولولا العمل بالعلم لاستويا في الخسّة والانحطاط.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلإِنسَانَ} {يَدْعُوۤ} {أَصْحَابِ} (8) - وَالإِنْسَانُ الكَافِرُ لاَ يَتَذَكَّرُ رَبَّهُ إِلاَّ عِنْدَ الحَاجَةِ، فَإِذَا أَصَابَهُ البَلاَءُ فِي جَسَدِهِ، أَوْ أَصَابَتْهُ شِدَّةٌ فِي مَعِيشَتِهِ، أَوْ نَزَلَ بِهِ خَوْفٌ عَلَى حَيَاتِهِ اسْتَغَاثَ بِرَبِّهِ، وَلَجَأَ إِلَيْهِ، وَدَعَاهُ مُخْلِصاً مُنيباً لِيَكْشِفَ عَنْهُ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ بَلاَءٍ وَشِدَّةٍ، فَإِذَا صَرَفَ اللهُ عَنْهُ مَا نَزَلَ بِهِ، وَأَغْدَقَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، نَسِيَ اللهَ، وَتَرَكَ التَّضَرُّعَ إِلَيهِ، وَجَعَلَ للهِ شُرَكَاءَ، وَأَضَلَّ النَّاسَ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الإِيْمَانِ بِاللهِ. وَيَتَوَعَّدُ اللهُ هَذَا الكَافِرَ وَأَمْثَالَهُ، فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ قُلْ لَهُ: تَمَتَّعْ بِمِا أَنْتَ فِيهِ مِنْ زُخْرُفٍ وَنَعِيمٍ زَائِلٍ، وَلَذَّةٍ عَابِرَةٍ، فَمَا هِيَ إِلاَّ مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ فَيَنْتَهِي أَجَلُكَ، ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى النَّارِ، فَتَكُونُ مِنْ أَصْحَابِهَا، وَتَخْلُدُ فِيهَا أَبداً. مُنيباً إِلَيهِ - رَاجِعاً إِلَيهِ وَمُسْتَغيثاً بِهِ. خَوَّلَهُ نِعْمَةً - أَعْطَاهُ نِعْمَةً عَظِيمَةً تَفَضُّلاً وَإِحْسَاناً. أَنْدَاداً - أَمْثَالاً يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (الضُّر) هو ما يُخرِج الإنسان عن سلامته في نفسه، أو فيمَنْ يعول أو فيما يملك، والإنسان حينما يصيبه الضُّر يُفقِده ركيزة التعالي، و (العنطزة)؛ لأنه لا يسلِّم نفسه بلا ثمن، ويعرف أنه لا أحدَ يرفع عنه ضُرَّه إلا الله، فيتوجه إليه وحده ولا يغشَّ نفسه. وقد أوضحنا هذه المسألة بحلاق الصحة زمان، وكان يقوم بدور الطبيب في البلدة، فلما انتشر التعليم وتخرَّج بعض الأطباء من كلية الطب خاف صاحبنا على (أكل عيشه)، وخاف أنْ يسحب هؤلاء البساطَ من تحت قدميه؛ فراح الحلاق يُهوِّن من شأن الطبيب الجديد الذي عُيِّن في البلدة يقول: إنه لا يعرف شيئاً وو، يريد أنْ يصرف الناسَ عنه، لكن لما مرض ولده ماذا فعل؟ هل غَشّ نفسه؟ لا بل (لفَّ) الولد بالليل، وأخذه إلى الطبيب الذي طالما تكلم في حقه وقلَّل من قدراته أمام الناس، أما الآن والمريض ولده فإنه يعود إلى الحق ولا يخدع نفسه. كذلك الإنسان إذا مسَّه الضر وعزَّتْ عليه أسبابه لا يلجأ إلا إلى ربه بعد أنْ انهدَّتْ فيه حيثية {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7] وبعد أنْ سقط عنه قناع التعالي والغطرسة. وقلنا: إن هذه القضية يستطيع كلٌّ منّا أن يلمسها في نفسه فأنت مثلاً تعطي ولدك مصروفه كل يوم عندما يذهب إلى المدرسة، وفي يوم ما نسيت تعطيه المصروف، ماذا يفعل؟ يتعرَّض هو لك ويحاول أنْ يمر من أمامك وكأنه يُذكِّرك بما نسيته، فيسلم عليك أو يقول: أنا رايح المدرسة يا بابا، ولو أنك تعطيه مصروفه كل شهر ما فعل ذلك طوال التسعة وعشرين يوماً، نعم {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. فالإنسان ساعةَ يصيبه الضر، وهو يعلم أن الضر لا يرفعه إلا الله، ولا يصرفه إلا خالق السماوات والأرض، فإنه لا يتوجه إلا إليه، لمن تعتقد مواجيده أنه قادر على رَفْع هذا الضر، حتى لو كان كافراً بالله، غيرَ مؤمن به فإنه إذا مسَّه الضر يقول: يا رب، والعجيب أن الله يقبله ويغيثه ولا يرده {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ} تفسير : [النمل: 62]. ويكفيك أنك لم تجد إلا أنا ولا تقول إلا يا رب. لذلك قال سبحانه: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 67] يعني: إنْ دعوتَ غير الله لا يستطيع الوصول، ويضل الطريق إليك، ولا يجيبك إلا الله. ومعنى {مُنِيباً إِلَيْهِ} [الزمر: 8] راجعاً إليه {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ} [الزمر: 8] يعني: أعطاه {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} [الزمر: 8] أثار العلماءُ ضجة ومعركة حول الاسم الموصول (ما) هنا وقالوا: لماذا لم يقل نسي مَنْ لأن مَنْ تدل على العاقل، أما (مَا) فلغير العاقل، على معنى أن (مَا) هنا تعود إلى الله تعالى. ونقول: القرآن يسير على غير هذا، واقرأ: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} تفسير : [الكافرون: 1-3] فـ (ما) أطلقت على الله تعالى. إذن: (ما) هنا في معناها الصحيح، وإنْ غابت عنكم حكمة ذلك، نعم مَنْ للعاقل، وما لغير العاقل، لكن الحق سبحانه لم يصف نفسه بالعقل؛ لأن العقل صفتك أنت، فجاء بالصفة التي لا تمنع عدم وجود العقل، ولو قال مَنْ لأدخل الحق سبحانه فيمن يعقل، وهو سبحانه لم يصِف نفسه بأنه عاقل، إنما عالم وعلاَّم. ويمكن تفادي هذا الإشكال لو وجَّهنا (ما) توجيهاً آخر، فيكون المعنى: نسي الضر الذي كان سبباً في رجوعه إلى الله، لا نسي مَنْ أنقذه، وكشف عنه ضُرَّه، وتكون مَا بمعناها اللغوي لغير العاقل. وقوله: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ} [الزمر: 8] أنداد: جمع ند، وهو الشبيه أو المثيل والنظير، وهؤلاء الكفار رجعوا لله تعالى أنداداً مع علمهم أنه الإله الحق سبحانه، ومع علمهم أنه ضَلَّ مَنْ تدعون إلا إياه، ليرضوا في أنفسهم مواجيد الفطرة الإيمانية، فالواحد منهم يريد أنْ يكون له إله يعبده، لكن إله على هواه، إله ليس له تكاليف، وليس في عبادته مشقة على النفس، إله بلا منهج: لا افعل، ولا لا تفعل. وقوله {لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ} [الزمر: 8] البعض قرأها بالفتح (ليَضل) ونقول: هو لم يفعل ذلك إلا لأنه ضَالٌّ في نفسه، فالأقرب بالضم (ليُضل) أي: يُضل غيره. ثم يقول سبحانه (قُل) أي: رُدَّ يا محمد. وقُلْ: {تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} [الزمر: 8] لكن ما وجه التمتُّع بالكفر؟ قلنا: أن يعبدَ إلهاً بلا منهج وبلا تكاليف، إلهاً لا يمنعه من شُرْب الخمر ولا يقيد شهوات نفسه إلهاً لا يأمره بالصدق ولا بالأمانة .. إلخ بل يتركه يربع في الكون يتمتع به كما يشاء. وقال: {قَلِيلاً} [الزمر: 8] لأن التمتُّع هنا موقوت بالدنيا ومدة بقائه فيها، وقلنا: إن الدنيا بالنسبة للإنسان هي مدة بقائه فيها لا مدتها منذ خَلْق آدم إلى قيام الساعة. وكلمة {مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} [الزمر: 8] الصحبة هنا تدل على التعارف والمودة الحميمة بين النار وأهلها؛ لذلك يقول تعالى في خطاب النار: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق: 30] يعني: هاتوا أحبابي وأصحابي، وإليَّ بالمزيد منهم. ثم يقول الحق سبحانه: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ} معناه أَعطاهُ. وقوله تعالى: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً} معناه أشباه وأَمثالٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} [الزمر: 8]، يشير إلى أن من طبيعة الإنسان أنه إذا مسته ضر خشع وخضع، وإلى ربه فزع، وتملق بين يديه وتضرع، {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ} [الزمر: 8] وأزال عنه ضره، وكفى أمره، وأصلح باله وأحسن حاله، {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} [الزمر: 8]، فيعود إلى رأس كفرانه، وينهمك في كبائر عصيانه، وأشرك بمعبوده، وأمر على جحوده، {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ} [الزمر: 8] وينقطع في طريقه، فإن للإنسان الذي هو طيبعة {تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً} [الزمر: 8]؛ أي: بقليل عمرك من قليل دنياك، {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} [الزمر: 8]؛ لأنك صاحبت أهل النار، وسلكت على أقدام مخالفات المولى، ومرافقات الهوى، وطريق الدركات السفلى. ثم أخبر عن أهل النجاة وأرباب الدرجات بقوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً} [الزمر: 9]، يشير إلى القيام بآداب العبودية ظاهراً وباطناً من غير فتور ولا تقصير، {يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ} [الزمر: 9] ونعيمها كما يحذر الدنيا وزينتها، {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9] لا نعمة ربه، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] قدر جوار الله وقربته وتجارة على الجنة ونعيمها، {وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] قدره، {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} [الزمر: 9] حقيقة هذا المعنى {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [الزمر: 9]؛ وهم الذين انسلخوا من جلد وجودهم بالكلية، وقد ماتوا عن أنانيتهم وعاشوا بهويته. وبقوله: {قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} [الزمر: 10]، يشير إلى أن من شرط أخص خواص عبادي الذين خلصوا من عبودية غيري من الدنيا والآخرة، وآمنوا بإيمان الطلب شوقاً ومحبة أن يتقوا بي عما سواي، ثم قال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} [الزمر: 10] في طلبي، {فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا} [الزمر: 10] لا يطلبون مني غيري {حَسَنَةٌ} [الزمر: 10]، أي: لهم حسنة وجداني؛ يعني: حسن الوجدان مودع في حسن الطلب، وبقوله: {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} [الزمر: 10]، يشير إلى حضرة جلاله إنه لا نهاية فلا يغتر طالب بما فتح عليه من أبواب المشاهدات والمكاشفات، فيظن أنه قد بلغ المقصد الأعلى والمحل الأقصى، فإنه لا نهاية لمقامات القرب، ولا غاية لمراتب الوصول، {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ} [الزمر: 10] على صدق الطلب، {أَجْرَهُمْ} [الزمر: 10] من نيل المطلوب {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] إلى أبد الآباد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن كرمه بعبده وإحسانه وبره، وقلة شكر عبده، وأنه حين يمسه الضر، من مرض أو فقر، أو وقوع في كربة بَحْرٍ أو غيره، أنه يعلم أنه لا ينجيه في هذه الحال إلا اللّه، فيدعوه متضرعا منيبا، ويستغيث به في كشف ما نزل به ويلح في ذلك. { ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ } اللّه { نِعْمَةً مِنْهُ } بأن كشف ما به من الضر والكربة، { نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ } أي: نسي ذلك الضر الذي دعا اللّه لأجله، ومر كأنه ما أصابه ضر، واستمر على شركه. { وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ } أي: ليضل بنفسه، ويضل غيره، لأن الإضلال فرع عن الضلال، فأتى بالملزوم ليدل على اللازم. { قُلْ } لهذا العاتي، الذي بدل نعمة اللّه كفرا: { تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } فلا يغنيك ما تتمتع به إذا كان المآل النار. {أية : أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ }.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً} [8] 465 - [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، قال: حدثنا عبد الله بن الزُّبير بن عيسى الحُميديُّ]، قال: حدثنا سُفيانُ قال: حدثنا عمر بن سعيدٍ الثَّوريُّ، عن الأعمش، قال: سمعتُ سعيد بن جبيرٍ، يقول: ليس أحدٌ أصبر على أذى يسمعُهُ من اللهِ؛ يدعون له نداً، ثم هو يرزقهم ويُعافيهم./ قال الأعمشُ: فقلت له: ممَّن سمعتهُ يا أبا عبد الله؟/ قال: حدثناهُ أبو عبد الرحمن السُّلميُّ، عن أبي موسى الأشعريِّ، عن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):