٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ } قائم بوظائف الطاعات. {أَنَاءَ اللَّيْلِ} ساعاته وأم متصلة بمحذوف تقديره الكافر خير «أم من هو قانت»، أو منقطعة والمعنى بل {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ } كمن هو بضده، وقرأ الحجازيان وحمزة بتخفيف الميم بمعنى أمن هو قانت لله كمن جعل له أنداداً. {سَـٰجِداً وَقَائِماً } حالان من ضمير {قَانِتٌ }، وقرئا بالرفع على الخبر بعد الخبر والواو للجمع بين الصفتين {يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ } في موضع الحال أو الاستئناف للتعليل. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } نفى لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيه باعتبار القوة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم. وقيل تقرير للأول على سبيل التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون. {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } بأمثال هذه البيانات، وقرىء «يذكر» بالإِدغام. {قُلْ يٰ عِبَادِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} بلزوم طاعته. {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ } أي للذين أحسنوا بالطاعات في الدنيا مثوبة حسنة في الآخرة. وقيل معناه للذين أحسنوا حسنة في الدنيا هي الصحة والعافية، وفي هذه بيان لمكان {حَسَنَةٌ }. {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ } فمن تعسر عليه التوفر على الإِحسان في وطنه فليهاجر إلى حيث يتمكن منه. {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ } على مشاق الطاعات من احتمال البلاء ومهاجرة الأوطان لها. {أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } أجراً لا يهتدي إليه حساب الحساب، وفي الحديث إنه «حديث : ينصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج فيوفون بها أجورهم، ولا ينصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجر صباً حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل»تفسير : {قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينَ } موحداً له. {وَأُمِرْتُ لأِنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة، لأن قصب السبق في الدين بالإِخلاص أو لأنه أول من أسلم وجهه لله من قريش ومن دان بدينهم، والعطف لمغايرة الثاني الأول بتقييده بالعلة، والإشعار بأن العبادة المقرونة بالإِخلاص وإن اقتضت لذاتها أن يؤمر بها فهي أيضاً تقتضيه لما يلزمها من السبق في الدين، ويجوز أن تجعل اللام مزيدة كما في أردت لأن أفعل فيكون أمر بالتقدم في الإِخلاص والبدء بنفسه في الدعاء إليه بعد الأمر به. {قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى} بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك والرياء. {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} لعظمة ما فيه. {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى} أمر بالإِخبار عن إخلاصه وأن يكون مخلصاً له دينه بعد الأمر بالإِخبار عن كونه مأموراً بالعبادة والإِخلاص خائفاً عن المخالفة من العقاب قطعاً لأطماعهم، ولذلك رتب عليه قوله: {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ} تهديداً وخذلاناً لهم. {قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ} الكاملين في الخسران. {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } بالضلال. {وَأَهْلِيهِمْ } بالإِضلال. {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} حين يدخلون النار بدل الجنة لأنهم جمعوا وجوه الخسران. وقيل وخسروا أهليهم لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهاباً لا رجوع بعده. {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ } مبالغة في خسرانهم لما فيه من الاستئناف والتصدير بـ {أَلاَ}، وتوسيط الفصل وتعريف الخسران ووصفه بـ {ٱلْمُبِينُ }. {لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ٱلنَّارِ } شرح لخسرانهم. {وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } أطباق من النار هي ظلل للآخرين. {ذٰلِكَ يُخَوّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ } ذلك العذاب هو الذي يخوفهم به ليتجنبوا ما يوقعهم فيه. {يَا عِبَادِ فَٱتَّقُونِ} ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي. {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ } البالغ غاية الطغيان فعلوت منه بتقديم اللام على العين بني للمبالغة في المصدر كالرحموت، ثم وصف به للمبالغة في النعت ولذلك اختص بالشيطان. {أَن يَعْبُدُوهَا } بدل اشتمال منه. {وَأَنَابُواْ إِلَى ٱللَّهِ } وأقبلوا إليه بشراشرهم عما سواه. {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } بالثواب على ألسنة الرسل، أو الملائكة عند حضور الموت. {فَبَشّرْ عِبَادِ }. {ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } وضع فيه الظاهر موضع ضمير {ٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ } للدلالة على مبدأ اجتنابهم وأنهم نقاد في الدين يميزون بين الحق والباطل ويؤثرون الأفضل فالأفضل. {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ} لدينه. {وَأُوْلَـئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} العقول السليمة عن منازعة الوهم والعادة، وفي ذلك دلالة على أن الهداية تحصل بفعل الله وقبول النفس لها.
ابن كثير
تفسير : يقول عز وجل أمَّنْ هذه صفته، كمن أشرك بالله وجعل له أنداداً؟ لا يستوون عند الله؛ كما قال تعالى: {أية : لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} تفسير : [آل عمران: 113] وقال تبارك وتعالى ههنا: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَآئِماً} أي: في حال سجوده، وفي حال قيامه. ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة، وليس هو القيام وحده؛ كما ذهب إليه آخرون. وقال الثوري عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: القانت: المطيع لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن والسدي وابن زيد: آناء الليل: جوف الليل. وقال الثوري عن منصور: بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء، وقال الحسن وقتادة: آناء الليل: أوله وأوسطه وآخره. وقوله تعالى: {يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} أي: في حال عبادته خائف راج، ولا بد في العبادة من هذا وهذا، وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب ولهذا قال تعالى: {يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} فإذا كان عند الاحتضار، فليكن الرجاء هو الغالب عليه؛ كما قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت فقال له: «حديث : كيف تجدك؟» تفسير : فقال: أرجو وأخاف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله عز وجل الذي يرجو، وأمنه الذي يخافه»تفسير : . رواه الترمذي والنسائي في "اليوم والليلة"، وابن ماجه، من حديث سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان به، وقال الترمذي: غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت عن أنس عن النبي مرسلاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبَّة عن عبيدة النميري، حدثنا أيو خلف بن عبد الله بن عيسى الخراز، حدثنا يحيى البكاء أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقرأ: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} قال ابن عمر: ذاك عثمان بن عفان رضي الله عنه. وإنما قال ابن عمر رضي الله عنهما ذلك؛ لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه بالليل وقراءته، حتى إنه ربما قرأ القرآن في ركعة؛ كما روى ذلك أبو عبيدة عنه رضي الله تعالى عنه، وقال الشاعر:شعر : ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوانُ السُّجودِ بهِ يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحاً وقُرْآنا تفسير : وقال الإمام أحمد: كتب إليّ الربيع بن نافع: حدثنا الهيثم بن حميد عن زيد بن واقد عن سليمان بن موسى عن كثير بن مرة عن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ بمئة آية في ليلة، كتب له قنوت ليلة» تفسير : وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب عن عبد الله بن يوسف والربيع بن نافع، كلاهما عن الهيثم بن حميد به. وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا من له لب، وهو العقل، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمَّنْ } بتخفيف الميم {هُوَ قَٰنِتٌ } قائم بوظائف الطاعات {ءَاناءَ ٱلَّيْلِ} ساعاته {سَٰجِداً وَقَائِماً } للصلاة {يَحْذَرُ ٱلاْخِرَةَ } أي يخاف عذابها {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ } جنة {رَبَّهِ } كمن هو عاصٍ بالكفر أو غيره؟ وفي قراءة «أَمْ مَنْ» فأم بمعنى بل والهمزة {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } أي لا يستويان كما لا يستوي العالم والجاهل {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ } يتعظ {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَٰبِ } أصحاب العقول.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أمَّن هو قانتٌ} في الألف التي في {أمّن} وجهان: أحدهما: أنها ألف استفهام. الثاني: ألف نداء. وفي قانت أربعة أوجه: أحدها: أنه المطيع، قاله ابن مسعود. الثاني: أنه الخاشع في صلاته، قاله ابن شهاب. الثالث: القائم في صلاته، قاله يحيى بن سلام. الرابع: أنه الداعي لربه. {آناء الليل} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: طرف الليل، قاله ابن عباس. الثاني: ساعات الليل، قاله الحسن. الثالث: ما بين المغرب والعشاء، قاله منصور. {ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه} قال السدي: يحذر عذاب الآخرة ويرجوا نعيم الجنة. وفيمن أريد به هذا الكلام خمسة أقاويل: أحدها: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه يحيى بن سلام. الثاني: أبو بكر، قاله ابن عباس في رواية الضحاك عنه. الثالث: عثمان بن عفان، قاله ابن عمر. الرابع: عمار بن ياسر وصهيب وأبو ذر وابن مسعود، قاله الكلبي. الخامس: أنه مرسل فيمن كان على هذه الحال قانتاً آناء الليل. فمن زعم أن الألف الأولى استفهام أضمر في الكلام جواباً محذوفاً تقديره: أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً كمن جعل لله أنداداً؟ قاله يحيى. وقال ابن عيسى: المحذوف من الجواب: كمن ليس كذلك. ومن زعم أن الألف للنداء لم يضمر جواباً محذوفاً، وجعل تقدير الكلام: أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هل يستوي الذين يعلمون هذا فيعملون به والذين لا يعلمون هذا فلا يعملون به، قاله قتادة. الثاني: أن الذين يعلمون هم المؤمنون يعلمون أنهم لاقو ربهم، والذين لا يعلمون هم المشركون الذين جعلوا لله أنداداً قاله يحيى. الثالث: ما قاله أبو جعفر محمد بن علي قال: الذين يعلمون نحن، والذين لا يعلمون عدونا. ويحتمل رابعاً: أن الذين يعلمون هم الموقنون، والذين لا يعلمون هم المرتابون.
ابن عطية
تفسير : وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة: "أمَن" بتخفيف الميم، وهي قراءة أهل مكة والأعمش وعيسى وشيبة بن نصاح، ورويت عن الحسن، وضعفها الأخفش وأبو حاتم. وقرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر والكسائي والحسن والأعرج وقتادة وأبو جعفر: "أمّن" بتشديد الميم، فأما القراءة الأولى فلها وجهان، أحدهما: وهو الأظهر أن الألف تقرير واستفهام، وكأنه يقول: أهذا القانت خير أم هذا المذكور الذي يتمتع بكفره قليلاً وهو من أصحاب النار؟ وفي الكلام حذف يدل عليه سياق الآيات مع قوله آخراً: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}، ونظيره قول الشاعر [امرىء القيس]: [الطويل] شعر : فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا تفسير : ويوقف على هذا التأويل على قوله: {رحمة ربه}. والوجه الثاني: أن يكون الألف نداء، والخطاب لأهل هذه الأوصاف، كأنه يقول: أصاحب هذه الصفات {قل هل يستوي} فهذا السؤال بـ {هل} هو للقانت، ولا يوقف على التأويل على قوله: {رحمة ربه}، وهذا معنى صحيح، إلا أنه أجنبي من معنى الآيات قبله وبعده، وضعفه أبو علي الفارسي. وقال مكي: إنه لا يجوز عند سيبويه، لأن حرف النداء لا يسقط مع المبهم وليس كما قال مكي، أما مذهب سيبويه في أن حرف النداء لا يسقط مع الميم، فنعم، لأنه يقع الإلباس الكثير بذلك، وأما أن هذا الموضع سقط فيه حرف النداء فلا، والألف ثابتة فيه ظاهرة، وأما القراءة بتشديد الميم فإنها: "أم" دخلت على: "من" والكلام على هذه القراءة لا يحتمل إلا المعادلة بين صنفين، فيحتمل أن يكون ما يعادل "أم" متقدماً في التقدير، كأنه يقول: أهذا الكافر خير أم من، ويحتمل أن تكون "أم" قد ابتدأ بها بعد إضراب مقدر ويكون المعادل في آخر الكلام، والأول أبين. والقانت: المطيع، وبهذا فسر ابن عباس رضي الله عنه، والقنوت في كلام العرب: يقع على القراءة وعلى طول القيام في الصلاة، وبهذا فسرها ابن عمر رضي الله عنه، وروي عن ابن عباس أنه قال: من أحب أن يهون الله عليه الوقوف يوم القيامة، فليره الله في سواد الليل ساجداً أو قائماً، ويقع القنوت على الدعاء وعلى الصمت عبادة. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أن القنوت: الطاعة. وقال جابر بن عبد الله: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل؟ فقال: "حديث : طول القنوت" تفسير : . والآناء: الساعات، واحدها: أني كمعى ومنه قولهم: لن يعدو شيء أناه، ومنه قوله تعالى: {أية : غير ناظرين إناه} تفسير : [الأحزاب: 53] على بعض التأويلات في ذلك ويقال في واحدها أيضاً: أنى على وزن قفى، ويقال فيه أيضاً: إني بكسر الهمزة وسكون النون، ومنه قول الهذلي: [البسيط] شعر : حلو ومر كعطف القدح مرته في كل إني حداه الليل ينتعل تفسير : وقرأ الضحاك: "ساجدٌ وقائمٌ" بالرفع فيهما. وقوله تعالى: {يحذر الآخرة} معناه يحذر حالها وهولها. وقرأ سعيد بن جبير: "يحذر عذاب الآخرة" و {أولو} معناه أصحاب الألباب، واحدهم: ذو. وقرأ جمهور القراء: "قل يا عبادي" بفتح الياء. وقرأ أبو عمرو وعاصم والأعمش: "يا عبادي" بياء ساكنة. وقرأ أبو عمرو أيضاً وعاصم والأعمش وابن كثير: "يا عباد" بغير ياء في الوصل. ويروى أن هذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة. ووعد تعالى بقوله: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} ويحتمل أن يكون قوله: {في هذه الدنيا}، متعلقاً بـ {أحسنوا}، فكأنه يريد أن الذين يحسنون في الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة والنعيم، قاله مقاتل، ويحتمل أن يريد: أن الذين يحسنون لهم حسنة في الدنيا وهي العاقبة والظهور وولاية الله تعالى، قاله السدي. وكان قياس قوله أن يكون في هذه الدنيا متأخراً ويجوز تقديمه، والأول أرجح أن الحسنة هي في الآخرة. {وأرض الله} يريد بها البلاد المجاورة التي تقتضيها القصة التي في الكلام فيها، وهذا حض على الهجرة، ولذلك وصف الله الأرض بالسعة. وقال قوم: أراد بـ"الأرض" هنا الجنة، وفي هذا القول تحكم لا دليل عليه. ثم وعد تعالى على الصبر على المكاره والخروج عن الوطن ونصرة الدين وجميع الطاعات: بأن الأجر يوفى {بغير حساب}، وهذا يحتمل معنيين، أحدهما: أن الصابر يوفى أجره ثم لا يحاسب عن نعيم ولا يتابع بذنوب، فيقع {الصابرون} في هذه الآية على الجماعة التي ذكرها النبي عليه السلام أنها تدخل الجنة دون حساب في قوله: "حديث : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون وجوههم على صورة القمر ليلة البدر" تفسير : الحديث على اختلاف ترتيباته. والمعنى الثاني: أن أجور الصابرين توفى بغير حصر ولا وعد، بل جزافاً، وهذه استعارة للكثرة التي لا تحصى، ومنه قول الشاعر [طويس المغني]: [الكامل] شعر : ما تمنعي يقضى فقد تعطينه في النوم غير مسرد محسوب تفسير : وإلى هذا التأويل ذهب جمهور المفسرين حتى قال قتادة: ليس ثم والله مكيال ولا ميزان، وفي بعض الحديث أنه لما نزلت: {أية : والله يضاعف لمن يشاء} تفسير : [البقرة: 261] قال النبي عليه السلام: اللهم زد أمتي فنزلت بعد ذلك: {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} تفسير : [البقرة: 245]، فقال: اللهم زد أمتي حتى أنزلت: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} فقال: رضيت يا رب.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَانِتٌ} مطيع، أو خاشع في الصلاة، أو قائم فيها، أو داعٍ لربه {ءَانَآءَ الَّيْلِ} جوف الليل "ع"، أو ساعاته "ح"، أو ما بين المغرب والعشاء. {رَحْمَةَ رَبِّهِ} نعيم الجنة. نزلت في الرسول صلى الله عليه وسلم، أو في أبي بكر وعمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ "ع"، أو عثمان بن عفان، أو عمار وصهيب وأبي ذر وابن مسعود، أو مرسلة فيمن هذا حاله {أَمَّنْ} فجوابه كمن ليس كذلك، أو كمن جعل لله أنداداً. ومن جعل له نداء فمعناه: يا من هو قانت {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ} الذي يعلمون هذا فيعملون له والذين لا يعلمونه ولا يعملون به، أو الذين يعلمون أنهم ملاقو ربهم والذين لا يعلمون المشركون الذين جعلوا لله أنداداً، أو الذي يعلمون نحن والذين لا يعلمون هم المرتابون في هذه الدنيا.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه تلا هذه الآية {أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه..} قال: ذاك عثمان بن عفان. وفي لفظ نزلت في عثمان بن عفان. وأخرج ابن سعد في طبقاته وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً} قال: نزلت في عمار بن ياسر. وأخرج جويبر عن عكرمة، مثله. وأخرج جويبر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في ابن مسعود، وعمار، وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {يحذر الآخرة} يقول: يحذر عذاب الآخرة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه، أنه كان يقرأ {أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر عذاب الآخرة} والله تعالى أعلم. أما قوله تعالى: {يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه} . أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس رضي الله عنه قال: حديث : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت فقال كيف تجدك؟ قال: أرجو وأخاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الذي يرجو، وأمنه الذي خاف" ".
ابو السعود
تفسير : {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ٱلَّيْلِ} الخ من تمام الكلامِ المأمورِ به وأم إما متصلة قد حُذف معادلُها ثقةً بدلالة مساقِ الكلام عليه كأنَّه قيل له تأكيداً للتَّهديد وتهكُّماً به: أأنت أحسنُ حالاً ومآلاٍ أمَّن هو قائمٌ بمواجب الطَّاعاتِ ودائم على أداءَ وظائف العبادات في ساعاتِ اللَّيل حالتَيْ السَّراءِ والضَّراءِ لا عند مساس الضُّرِّ فقط كدأبك حالَ كونِه {سَـٰجِداً وَقَائِماً} أي جامعاً بـين الوصفينِ المحمودينِ، وتقديمُ السُّجودِ على القيام لكونه أدخلَ في معنى العبادةِ. وقُرىء كلاهُما بالرَّفعِ على أنه خبرٌ بعد خبرٍ {يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ} حالٌ أُخرى على التَّرادفِ أو التَّداخلِ. أو استئنافً وقع جواباً عمَّا نشأ من حكاية حالِه من القنوتِ والسُّجود والقيامِ كأنَّه قيل ما بالُه يفعل ذلك فقيلَ يحذرُ عذابَ الآخرةِ {مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ} فينجُو بذلك مما يحذرُه ويفوزُ بما يرجُوه كما ينبىءُ عنه التَّعرضُ لعُنوانِ الرُّبوبَّـيةِ المنبئةِ عن التَّبليغِ إلى الكمالِ مع الإضافة إلى ضميرِ الرَّاجي لا أنَّه يحذرُ ضرَّ الدُّنيا ويرجُو خيرَها فقط، وإما منقطعةٌ وما فيها من الإضرابِ للانتقالِ من التَّهديدِ إلى التَّبكيتِ بتكليف الجواب الملجىءِ إلى الاعترافِ بما بـينهما من التَّباينِ البـيِّن كأنَّه قيل: بل أمن هو قانتٌ الخ أفضل أمَّن هو كافرٌ مثلك كما هو المعنى على قراءة التَّخفيفِ {قُلْ} بـياناً للحقِّ وتنبـيهاً على شرفِ العلمِ والعمل {هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ} حقائقَ الأحوالِ فيعملون بموجبِ علمهم كالقانتِ المذكورِ {وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ما ذُكر أو شيئاً فيعملون بمقتضى جهلِهم وضلالِهم كدأبك والاستفهامُ للتَّنبـيه على أنَّ كون الأَوَّلينَ في أعلى معارج الخيرِ وكون الآخرينَ في أقصى مدارج الشَّرِّ من الظُّهورِ بحيث لا يكادُ يخفى على أحدٍ من منصفِ ومكابرٍ وقيل: هو واردٌ على سبيل التَّشيبهِ أي كما لا يستوي العالمونَ والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصُون. وقوله تعالى {إِنَّمَا يَتَذَكَّرَ أُوْلُو ٱلأَلْبَـٰبِ} كلامٌ مستقلٌّ غير داخلٍ في الكلام المأمور به واردٌ من جهته تعالى بعد الأمر بما ذُكر من القوارعِ الزَّاجرةِ عن الكُفر والمعاصِي لبـيانِ عدمِ تأثيرِها في قلوبِ الكفرةِ لاختلال عقولهم كما في قَول مَنْ قال: [البسيط] شعر : عُوجُوا فحيُّوا لنُعْمَى دِمْنَةَ الدَّار مَاذا تُحيُّونَ من نُؤْيٍ وَأَحْجَارِ تفسير : أي إنما يتَّعظُ بهذه البـيانات الواضحة أصحابُ العقولِ الخالصةِ عن شوائبِ الخللِ وهؤلاءِ بمعزلٍ من ذلك. وقُرىء إنَّما يذكَّر بالإدغام.
التستري
تفسير : قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}[9] قال: العلم الكتاب والاقتداء، لا الخواطر المذمومة، وكل علم لا يطلبه العبد من موضع الاقتداء صار وبالاً عليه لأنه يدّعي به.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱللَّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً} [الآية: 9]. قال ابن عطاء - رحمة لله عليه -: القانت الذى يجتهد فى العبادة ولا يرى ذلك من نفسه ويرى فضل الله عليه فى ذلك فإذا رجع إلى نفسه فى شىء من أحواله وأفعاله فليس بقانت. قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الآية: 9]. قال سهل - رحمة الله عليه -: العلم الاقتداء واتباع الكتاب والسنة لا الخواطر المذمومة. وقال سهل: كل علم لا يطلبه العبد من موضع الاقتداء يصير وبالاً عليه لأنه يدعى به. قال الجنيد - رحمة الله عليه -: العلم أن تعرف العبودية وعلم الخدمة. وقال ذو النون - رحمة الله عليه -: العلم علمان مطلوب وموجود. فقال أبو زيد - رحمة الله عليه -: العلم علمان علم بيان وعلم برهان. قال رويم: العلم مطبوع ومصنوع. وقال المقامات كلها علم والعلم حجاب. وقال الشبلى: العلم خبر، والخبر موجود.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ... }. "قانتاً": القنوتُ هو القيامُ، وقيل طول القيام. والمراد هو الذي يقوم بحقوق الطاعةِ أوقاتَ الليل والنهار؛ أي في جميع الأوقات. والهمزة للاستفهام أي أمن هو قانت كمن ليس بقانت؟ أمن هو قانت كالكافر الذي جرى ذِكْرُه؟ أي ليس كذلك. ويقال القنوتُ القيامُ بآداب الخدمة ظاهراً وباطناً من غير فتور ولا تقصير. "يَحْذَرُ" العذابَ الموعودَ في الآخرة، "ويرجو" الثوابَ الموعودَ. وأراد بالحَذَرِ الخوف. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}. أي هل يستويان؟ هذا في أعلى الفضائل وهذا في سوء الرذائل! {ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ}: العِلْمُ في وصف المخلوق على ضربين: مجلوبٌ مُكْتَسَبٌ للعبد، وموهوبٌ مِنْ قِبَل الربِّ. ويقال مصنوع وموضوع. ويقال علمُ برهانٍ وعلمُ بيان؛ فالعلومُ الدينية كلُّهَا برهانية إلاَّ ما يحصل بشرط الإلهام.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱللَّيْلِ} وصف الله سبحانه انه احوال الوجود والكشوف والمستانسين به الذين فنوا فى اجواف الليالى قائمين على ابواب الربوبية بنعت الفناء والخضوع حين عاينوا مشاهدة جلاله وجماله من وراء سنور الغيب وحجب الملكوت فساعة دهشوا وساعة ولهوا وساعة بكوا عليه وبه وساعة ضحكوا بما اولاهما لحق من قيل انوار مشاهدته وفيض حلاة وصلته ولذائذ خطابه ومناجاته وكشفه اسراره عندهم فصرعوا وبكوا وزفروا وصاحوا اذا قاموا بشرط روية جمال بقاء الحق واذا سجدوا سجدوا على شرط روية جلال قدمه وعلموا من لطائف خطابه مكنون اسرار غيبه من العلوم الغريبة والانباء العجيبة لذلك وصفهم بالعلم الالهى الذى استفاد من قربه وصاله وكشف جماله بقوله {هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} كيف يستوى الشاهد والغايب والشاهد يرى ما لا يرى الغايب قال ابن عطا الغايب الذى يجتهد فى العبادة ولا يرى ذلك من نفسه ويرى فضل الله عليه فى ذلك فاذا رجع الى نفسه فى شئ من افعاله فليس لغائب وقال سهل العلم الاقتداء واتباع الكتب والسنة وقال الجنيد العلم ان تعرف قدر ربك ولا تعدو قدرك وقال ابن عطا العلم اربعة علم المعرفة وعلم العبادة وعلم العبودية وعلم الخدمة وقال ذو النون العلم علمان مطلوب وموجود وقال ابو يزيد العلم علمان علم بيان وعلم برهان وقال رويم العلم مطبوع ومصنوع وقال المقامات كلها علم والعلم حجاب وقال الشبلى العلم خبر والخبر جحود وحقيقة العلم عندى بعد قول الشائخ رحمه الله عليهم الاتصاف بصفة الرحمان من حيث علمه حتى يعرف بالحق ما فى الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {امن} بالتشديد على ان اصله ام من والاستفهام بمعنى التقرير والمعنى الكافر القاسى الناسى خير حالا واحسن مالا ام من وهو عثمان بن عفان رضى الله عنه على الاشهر ويدخل فيه كل من كان على صفة التزكية ومن خفف الميم تبع المصحف لان فيه ميما واحدة فالالف للاستفهام دخلت على من ومعناه ام من {هو قانت} كمن ليس بقانت. القنوت يجيىء على معانى. منها الدعاء فقنوت الوتر دعاؤه واما دعاء القنوت فالاضافة فيه بيانية كما فى حواشى اخى جلبى. ومنها الطاعة كما فى قوله تعالى {أية : والقانتات}تفسير : . ومنها القيام فالمصلى قانت اى قائم وفى الفروع وطول القيام اولى من كثرة السجود لقوله عليه السلام"حديث : افضل الصلاة طول القنوت" تفسير : اى القيام كما فى الدرر وفى الحديث "حديث : مثل المجاهد فى سبيل الله كمثل القانت الصائم" تفسير : يعنى المصلى الصائم كما فى كشف الاسرار. والتعقيب بآناء الليل وبساجدا وقائما يخصصه اى القنوت بالقيام فالمعنى ام من هو قائم {آناء الليل} اى فى ساعاته واحده انى بكسر الهمزة وفتحها مع فتح النون وهو الساعة وكذا الانى والانو بالكسر وسكون النون يقال مضى انوان وانيان من الليل اى ساعتان {ساجدا} حال من ضمير قانت اى حال كونه ساجدا {وقائما} تقديم السجود على القيام لكونه ادخل فى معنى العبادة والواو للجمع بين الصفتين. والمراد بالسجود والقيام الصلاة عبر عنها بهما لكونهما من اعظم اركانها. فالمعنى قانت اى قائم طويل القيام فى الصلاة كما يشعر به آناء الليل لانه اذا قام فى ساعات الليل فقد اطال القيام بخلاف من قام فى جزء من الليل {يحذر الآخرة} حال اخرى على الترادف او التداخل او استئناف كأنه قيل ما باله يفعل القنوت فى الصلاة فقيل يحذر عذاب الآخرة لايمانه بالبعث {ويرجو رحمة ربه} اى المغفرة او الجنة لا انه يحذر ضرّ الدنيا ويرجو خيرها فقط كالكافر. وفى التأويلات النجمية يشير الى القيام باداء العبودية ظاهرا وباطنا من غير فتور ولا تقصير {يحذر الآخرة} ونعيمها كما يحذر الدنيا وزينتها {ويرجو رحمة ربه} لا نعمة ربه انتهى. ودلت الآية على ان المؤمن يجب ان يكون بين الخوف والرجاء يرجو رحمة ربه لعمله ويحذر عذابه لتقصيره فى عمله. ثم الرجاء اذا جاوز حدّه يكون امنا والخوف اذاجاوز حدّه يكون اياسا وكل منهما كفر فوجب ان يعتدل كما قال عليه السلام "حديث : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا" شعر : كرجه دارى طاعتى ازهيبتش ايمن مباش وركنه دارى زفيض رحمتش دل برمدار نيك ترسان شوكه قهراوست بيرون ازقياس باش بس خوش دل كه لطف اوست افزون ازشمار تفسير : ثم فى الآية تحريض على صلاة الليل وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال من احب ان يهوّن الله عليه الموقف يوم القيامة فليره الله فى سواد الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه كما فى تفسير الحدادى. حديث : قال ربيعة بن كعب الاسلمى رضى الله عنه كنت ابيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتيت بوضوئه وحاجته فقال لى"سل" فقلت اسألك مرافقتك فى الجنة فقال "أو غير ذلك" فقلت هو ذلك قال "فاعن نفسك على كثرة السجود" تفسير : اى بكثرة الصلاة. قال بعض العارفين ان الله يطلع على قلوب المستيقظين فى الاسحار فيملأها نورا فترد الفوائد على قلوبهم فتستنير ثم تنتشر العوافى من قلوبهم الى قلوب الغافلين شعر : خروسان درسحر كويدكه قم يا ايها الغافل سعادت آنكسى داردكه وقت صبح بيدارست تفسير : {قل} بيانا للحق وتنبيها على شرف العلم والعمل {هل يستوى الذين يعلمون} حقائق الاعمال فيعملون بموجب علمهم كالقانت المذكور {والذين لا يعلمون} ما ذكر فيعملون بمقتضى جهلهم وضلالهم كالكافر. والاستفهام للتنبيه على كون الاولين فى اعلى معارج الخير وكون الآخرين فى اقصى مدارج الشر. وفى بحر العلوم الفعل منزل منزلة اللازم ولم يقدّر له مفعول لان المقدر كالمذكور. والمعنى لا يستوى من يوجد فيه حقيقة العلم ومن لا يوجد {انما يتذكر اولوا الالباب} كلام مستقل غير داخل فى الكلام المأمور به وارد من جهته تعالى اى انما يتعظ بهذه البيانات الواضحة اصحاب العقول الخالصة من شوائب الخلل والوهم وهؤلاء بمعزل عن ذلك. قيل قضية اللب الاتعاظ بالآيات ومن لم يتعظ فكأنه لا لب له ومثله مثل البهائم. وفى المفردات اللب العقل الخالص من الشوائب وسمى بذلك لكونه خالص ما فى الانسان من قواه كاللباب من الشىء. وقيل هو ما زكا من العقل فكل لب عقل وليس كل عقل لبا ولذا علق الله تعالى الاحكام التى لا تدركها الا العقول الزكية باولى الالباب نحو قوله {أية : ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا وما يذكر الا اولوا الالباب} تفسير : ونحو ذلك من الآيات انتهى. وفى التأويلات النجمية {هل يستوى الذين يعلمون} قدر جوار الله وقربته ويختارونه على الجنة ونعيمها {والذين لا يعلمون} قدره {انما يتذكر} حقيقة هذا المعنى {اولوا الالباب} وهم الذين انسلخوا من جلد وجودهم بالكلية وقد ماتوا عن انانيتهم وعاشوا بهويته انتهى. وفى الآية بيان لفضل العلم وتحقير للعلماء الغير العاملين فهم عند الله جهلة حيث جعل القانتين هم العلماء. قال الشيخ السهروردى فى عوارف المعارف ارباب الهمة اهل العلم الذين حكم الله تعالى لهم بالعلم فى قوله تعالى {امن من هو قانت آناء الليل} الى قوله {قل هل يستوى} الخ حكم لهؤلاء الذين قاموا بالليل بالعلم فهم لموضع علمهم ازعجوا النفوس عن مقار طبيعتها ورقوها بالنظر الى اللذات الروحانية الى ذرى حقيقتها فتجافت جنوبهم عن المضاجع وخرجوا من صفة الغافل الهاجع انتهى. وفى الحديث "حديث : يشفع يوم القيامة ثلاث الانبياء ثم العلماء ثم الشهداء " تفسير : وقال ابن عباس رضى الله عنهما خير سليمان بن داود عليهما السلام بين العلم والمال والملك فاختار العلم فاعطى المال والملك ـ وفى الخبر ـ ان الله تعالى ارسل جبرائيل الى آدم عليهما السلام بالعقل والحياء والايمان فخيره بينهن فاختار العقل فتبعاه وفى بعض الروايات ارسل بالعلم والحياء والعقل فاستقر العلم فى القلب والحياء فى العين والعقل فى الدماغ وفى الحديث "حديث : من احب ان ينظر الى عتقاء الله من النار فلينظر الى المتعلمين فوالذى نفسى بيده ما من متعلم يختلف الى باب العلم الا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة وبنى له بكل قدم مدينة فى الجنة ويمشى على الارض تستغفر له ويستغفر له كل من يمشى على الارض ويمسى ويصبح مغفور الذنب وشهدت الملائكة هؤلاء عتقاء الله من النار " تفسير : وذكر ان شرف العلم فوق شرف النسب ولذا قيل ان عائشة رضى الله عنها افضل من فاطمة رضى الله عنها ولعله المراد بقول الامالى شعر : وللصدّيقة الرجحان فاعلم على الزهراء فى بعض الخصال تفسير : لان النبى عليه السلام قال "حديث : خذوا ثلثى دينكم من عائشة" تفسير : واما اكثر الخصال فالرجحان للزهراء على الصدّيقة كما دل عليه قوله عليه السلام "حديث : كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد" تفسير : وفى الحديث "حديث : طلب العلم فريضة على كل مسلم " تفسير : قال فى الاحياء اختلف الناس فى العلم الذى هو فرض على كل مسلم. فقال المتكلمون هو علم الكلام اذ به يدرك التوحيد ويعلم ذات الله وصفاته. وقال الفقهاء هو علم الفقه اذ به يعرف العبادات والحلال والحرام. وقال المفسرون والمحدثون هو علم الكتاب والسنة اذ بهما يتوصل العلوم كلها. وقال المتصوفة هو علم التصوّف اذ به يعرف العبد مقامه من الله تعالى. وحاصله ان كل فريق نزل الوجوب على العلم الذى هو بصدده قوله "حديث : على كل مسلم" تفسير : اى مكلف ذكرا كان او انثى. قال فى شرح الترغيب مراده علم ما لا يسع الانسان جهله كالشهادة باللسان والاقرار بالقلب واعتقاد ان البعث بعد الموت ونحوه حق وعلم ما يجب عليه من العبادات وامر معايشه كالبيع والشراء فكل من اشتغل بامر شرعىّ يجب طلب علمه عليه مثلا اذا دخل وقت الصلاة تعين عليه ان يعرف الطهارة وما يتيسر من القرآن ثم تعلم الصلاة وان ادركه رمضان وجب عليه ان ينظر فى علم الصيام وان اخذه الحج وجب عليه حينئذ علمه وان كان له مال وحال عليه الحول تعين عليه علم زكاة ذلك الصنف من المال لا غير وان باع او اشترى وجب عليه علم البيوع والمصارفة وهكذا سائر الاحكام لا يجب عليه الا عند ما يتعلق به الخطاب. فان قيل يضيق الوقت على نيل علم ما خوطب به فى ذلك الوقت قلنا لسنا نريد عند حلول الوقت المعين وانما نريد بقربه بحيث ان يكون له من الزمان بقدر ما يحصل ذلك العلم المخاطب به ويدخل عقيبه وقت العمل وهذا المذكور هو المراد بعلم الحال فعلم الحال بمنزلة الطعام لا بد لكل احد منه وعلم ما يقع فى بعض الاحايين بمنزلة الدواء يحتاج اليه فى بعض الاوقات. وقال فى عين العلم المراد المكاشفة فيما ورد "حديث : فضل العالم على العابد كفضلى على امتى" تفسير : اذ غيره وهو علم المعاملة تبع للعمل لثبوته شرطا له وكذا المراد المعاملة القلبية الواجبة فيما ورد "حديث : طلب العلم فريضة على كل مسلم" تفسير : اى يفترض عليه علم احوال القلب من التوكل والانابة والخشية والرضى فانه واقع فى جميع الاحوال وكذلك فى سائر الاخلاق نحو الجود والبخل والجبن والجراءة والتكبر والتواضع والعفة والشره والاسراف والتقتير وغيرها ويمتنع ان يراد غير هذه المعاملات اما التوحيد فللحصول واما الصلاة فلجواز ان يتأهلها شخص وقت الضحى بالاسلام او البلوغ ومات قبل الظهر فلا يفترض عليه طلب علم تلك الصلاة فلا يستقيم العموم المستفاد من لفظة كل وكذا المراد علم الآخرة مطلقا اى مع قطع النظر عن المعاملة والمكاشفة فيما ورد {قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون} لئلا يفضل علماء الزمان على الصحابة فمجادلة الكلام والتعمق فى فتاوى ندر وقوعها محدث وبالجملة علم التوحيد اشرف العلوم لشرف معلومه وكل علم نافع وان كان له مدخل فى التقرب الى الله تعالى الا ان القربة التامة انما هى بالعلم الذى اختاره الصوفية المحققون على ما اعترف به الامام الغزالى رحمه الله فى منقذ الضلال. وكان المتورعون من علماء الظاهر يعترفون بفضل ارباب القلوب ويحلفون الى مجالسهم. وسأل بعض الفقهاء ابا بكر الشبلى قدس سره اختبارا لعلمه وقال كم فى خمس من الابل فقال اما الواجب فشاة واما عندنا فكلها لله فقال وما دليلك فيه قال ابو بكر رضى الله حين خرج عن جميع ماله لله ولرسوله فمن خرج عن ماله كله فامامه ابو بكر رضى الله عنه ومن ترك بعضه فامامه عمر رضى الله عنه ومن اعطى لله ومنع لله فامامه عثمان رضى الله عنه ومن ترك الدنيا لاهلها فامامه على رضى الله عنه فكل علم لا يدل على ترك الدنيا فليس بعلم وقد قال عليه السلام "حديث : اعوذ بك من علم لا ينفع" تفسير : وهو العلم الذى لا يمنع صاحبه عن المنهى ولا يجره الى المأمور به. وفى كشف الاسرار [علم سه است علم خبرى وعلم الهامى وعلم غيبى. علم خبرى كوشها شنود. وعلم الهامى دلها شنود. وعلم غيبى جانها شنود. علم خبرى بروايت است. علم الهامى بهدايت است. علم غيبى بعنايت است. علم خبرى راكفت {أية : فاعلم انه لا اله الا الله} تفسير : "فقدم العلم لانه امام العمل" علم الهامى راكفت {أية : ان الذين اوتوا العلم من قبله} تفسير : علم غيبى راكفت {أية : وعلمناه من لدنا علما} تفسير : ووراى اين همه علمىاست كه وهم آدمى بدان نرسد وفهم ازان درماند] وذلك علم الله عز وجل بنفسه على حقيقته قال الله تعالى {أية : ولا يحيطون به علما } تفسير : قال الشبلى قدس سره العلم خبر والخبر جحود وحقيقة العلم عندى بعد اقوال المشايخ الاتصاف بصفة الحق من حيث علمه حتى يعرف ما فى الحق. وقال بعض الكبار المقامات كلها علم والعلم حجاب اى ما لم يتصل بالمعلوم ويفنى فيه وكذا الاشتغال بالقوانين والعلوم الرسمية حجاب مانع عن الوصول وذلك لان العلم الالهى الذى يتعلق بالحقائق الالهية لا يحصل الا بالتوجه والافتقار التام وتفريغ القلب وتعريته بالكلية عن جميع المتعلقات الكونية والعلوم والقوانين الرسمية واما علم الحال فمن مقدمات السلوك فحجبه مانع لا هو نفسه وعينه ولا يدعى احد ان العلم مطلقا حجاب وكيف يكون حجابا وهو سبب الكشف والعيان لكن لا بد من فنائه فى وجود العالم وفناء ما يقتضيه من الافتخار والتكبر والازدراء بالغير ونحوها ولكون بقائه حجابا قلما سلك العلماء بالرسوم نسأل الله سبحانه ان يزين ظواهرنا بالشرائع والاحكام وينور بواطننا بانواع العلوم والالهام ويجعلنا من الذين يعلمون وهم الممدوحون لا من الذين لا يعلمون وهم المذمومون آمين وهو المعين
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أمنْ هو قانتٌ} أي: مطيع، قائم بواجب الطاعات، دائم على أداء وظائف العبادات، {آناء الليل} أي: في ساعات الليل، حالتي السراء والضراء، كمَن ليس كذلك، بل إنما يفزع إلى الله في الضراء فقط، فإذا كشف عنه نسي ما كان يدعو إليه من قبلُ، وحذفه لدلالة ما قبله عليه. ومَن قرأ بالتشديد، فـ"أم" إما متصلة، حُذف مقابلها، أي: أنت خير حالاً ومآلاً أم مَن هو قائم بوظائف العبادات، أو: منقطعة، والإضراب للانتقال من التهديد إلى التبكيت بالجواب الملجىء إلى الاعتراف بما بينهما، كأنه قيل: أم مَن هو قانت أفضل، أم مَن هو كافر مثلك؟ حال كون القانت {ساجداً وقائماً} أي: جامعاً بين الوصفين المحمودين. وتقديم السجود على القيام؛ لكونه أدخل في معنى العبادة. {يحْذَرُ الآخرةَ} أي: عذاب الآخرة، حال أخرى، أو: استئناف، جواب عما نشأ من حكاية حاله من القنوت والسجود، كأنه قيل: فما باله يفعل ذلك؟ فقيل: يحذر الآخرة، {ويرجو رحمةَ ربه} أي: الجنة، فينجو بذلك مما يحذره، ويفوز بما يرجوه، كما ينبىء عنه التعرُّض لعنوان الربوبية، المنبئة عن التبليغ إلى الكمال، مع الإضافة إلى ضمير الراجي. ودلّت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الخوف والرجاء، يرجو رحمته، لا عمله، ويحذر عقابه؛ لتقصيره في عمله، ثم الرجاء إذا جاوز حدّه يكون أمناً. والخوف إذا جاوز حدّه يكون إياساً، وقد قال تعالى: {أية : فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}تفسير : [الأعراف:99]، و {أية : لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} تفسير : [يوسف: 87] فيجب ألا يجاوز أحدهما حدَّه؛ بل يكون كالطائر بين جناحيه، إلا في حالة المرض، فيغلب الرجاء، ليحسن ظنه بالله. ومذهب محققي الصوفية: تغليب الرجاء مطلقاً، لهم ولعباد الله؛ لغلبة حسن ظنهم بربهم. والآية، قيل: نزلت في عثمان رضي الله عنه كان يحيي الليل، وقيل: في عمار وأبي حذيفة، وهي عامة لمَن سواهم. {قُلْ هل يستوي الذين يعلمون} حقائق الأحوال، فيعملون بموجب علمهم، كالقانت المذكور، {والذين لا يعلمون} شيئاً؛ فيعملون بمقتضى جهلهم، كدأب الكافر المتقدم. والاستفهام للتنبيه على أن كون الأولين في أعلى معارج الخير، وكون الآخرين في أقصى مدارج الشر من الظهور، بحيث لا يكاد يخفى على أحد. قال النسفي: أي: يعلمون ويعملون به، كأنه جعل مَن لا يعمل غير عالم، وفيه ازدراءٌ عظيمٌ بالذين يقْتَنون ـ أي: يدخرون ـ العلوم، ثم لا يَقْنُتون، ويَتفننون فيها، ثم يُفتنون بالدنيا، فهم عند الله جهلة، حيث جعل القانتين هم العلماء. أو: يريد به التشبيه، أي: كما لا يستوي العالم والجاهل، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. هـ. الإشارة: القنوت هو القيام بآداب الخدمة، ظاهراً وباطناً، من غير فتور ولا تقصير، قاله القشيري. وهو على قسمين، قنوت العارفين، وهي عبادة القلوب، كالفكرة والنظرة، ساعة منها أفضل من عبادة سبعين سنة، وثمرتها: التمكُّن من شهود الذات الأقدس، عاجلاً وآجلاً، وقنوت الصالحين، وهي عبادة الجوارح، كالركوع والسجود والتلاوة، وغيرها من أعمال الجوارح، وثمرتها نعيم الجنان بالحور والولدان، مع الرضا والرضوان، ورؤية وجه الرحمن. رُوي عن قبيصة بن سفيان، قال: رأيت سفيان الثوري في المنام بعد موته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فأنشأ يقول: شعر : نظرتُ إِلَى ربِّي عِياناً فقال لي هنيئاً رضائي عنك يا ابنَ سعيدِ لقد كنتَ قوَّاماً إذا الليلُ قد دَجا بِعَبْرة محزونٍ وقلب عميدِ فدونك فاختر أيّ قصر تريدُه وزرني فإني منك غيرُ بعيدِ تفسير : وكان شعبةُ ومِسْعَر رجلين صالحين، وكانا من ثقة المحدِّثين، فماتا، قال أبو أحمد اليزيدي: فرأيتهما في المنام، وكنتُ إلى شعبة أميل مني إلى مسعر، فقلت لشعبة: يا أبا بسطام؛ ما فعل الله بك؟ فقال: يا بني احفظ ما أقول لك: شعر : حَباني إلهي في الجِنان بقُبة لها ألفُ باب من لجَيْن وجوهرا وقال لي الجبارُ: يا شعبة الذي تبحَّر في جمع العلوم وأكثرا تمتعْ بقربي، إنني عنك ذو رضا وعن عبديَ القوَّام في الليل مِسعرا كفى مسعراً عزّاً بأنْ سيزورُني وأكشفُ عن وجهي ويدنو لينظرا وهذا فَعالي بالذين تنسَّكوا ولم يألفوا في سالف الدهر منكرا تفسير : وقوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} أي: لا يستوي العالم بالله مع الجاهل به، العالم يعبده على العيان، والجاهل به في مقام الاستدلال والبرهان. العالم بالله يستدل بالله على غيره، والجاهل به يستدل بالأشياء على الله، وشتّان بين مَن يستدل به أو يستدل عليه، المستدل به عرف الحق لأهله، وأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، كما في الحِكَم. العالم بالله من السابقين المقربين، والجاهل به من عامة أهل اليمين، ولو تبحّر في العلوم الرسمية غاية التبحُّر. قال الورتجبي: وصف تعالى أحوال أهل الوجود والكشوفات، المستأنسين به، وبلذائذ خطابه ومناجاته، وتحمّلوا من لطائف خطابه مكنونَ أسرار غيبه، من العلوم الغريبة، والأنباء العجيبة، لذلك وصفهم بالعلم الإلهي، الذي استفادوا من قُربه ووصاله، وكشف جماله بقوله: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} كيف يستوي الشاهد والغائب، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟. هـ. قال القشيري: العلم المخلوق على ضربين: علم مجلوبٌ بكسب العبد، وموهوبٌ من قِبَلِ الربِّ.. انظر تمامه. ثم أمر بالتقوى التي هي أصل القنوت، فقال: {قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ}.
الجنابذي
تفسير : {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱللَّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} كمن ليس كذلك؟! حذف الخبر لدلالة الحال ودلالة قوله {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ} (الآية) عليه، او المعنى امّن كفر خيرٌ امّن هو قانت، فحذف المعادل الاوّل لدلالة القرينتين عليه، وقرئ {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} بتخفيف الميم، وعليه يكون الخبر محذوفاً اى {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} كمن ليس كذلك؟! او الخبر والمعادل جميعاً والتّقدير {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} خيرٌ ام من كفر، وقد فسّر القانت بعلىٍّ (ع) ومن ليس كذلك ليس الاّ اعداءه، والتّخصيص فى الذّكر بعلىٍّ (ع) لكونه اصلاً فى الخصال الحميدة والاعمال الرّضيّة لا ينافى تعميمها كما تكرّر سابقاً {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ} الّذين يقومون آناء اللّيل ساجداً وقائماً فانّ العلم يلزمه ذلك لتلازم العلم والعمل كما سبق فى فصول اوّل الكتاب {وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} فيكفرون بالله، او بنعمه، او بالرّسول (ص)، او بعلىٍّ (ع) {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} عدم التّسوية بينهما {أُوْلُو ٱلأَلْبَابِ} لا غيرهم كأنّه قال: لكن لا فائدة فى تذكرتك ذلك لخلوّهم من اللّبّ ومن كان خالياً عن اللّبّ لا يتذكّر ولو ذكر له كلّ آيةٍ واتى له بكلّ آيةٍ، وقد تكرّر انّ الانسان بدون تأبير الولاية وبدون الاتّصال بولىّ الامر كالجوز الخالى من اللّبّ الّلائق للنّار، وبعد الاتّصال والدّخول فى امر - الائمّة (ع) ودخول الايمان فى القلب الّذى هو بمنزلة لبّ القلب يصير ذا لبٍّ ولذلك فسّروا عليهم السّلام اولى الالباب فى الآيات بشيعتهم بطريق الحصر، عن الباقر (ع): انّما نحن الّذين يعلمون، وعدوّنا الّذين لا يعلمون، وشيعتنا اولوا الالباب، وعن الصّادق (ع): لقد ذكرنا الله وشيعتنا وعدوّنا فى آيةٍ واحدةٍ من كتابه فقال: هل يستوى (الآية)، وبتلك المضامين اخبارٌ كثيرةٌ.
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدثني الفضل بن يوسف القصباني معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: {أمن هو قانتٌ آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون [والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب} قال: الذين يعلمون] نحن {والذين لا يعلمون} عدونا [{إنما يتذكر أولوا الألباب} شيعتنا. أ، ر]. فرات قال: حدثنا علي بن حمدون معنعناً: عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام [والتحية. ر] في قول الله [ب: قوله] {هل يستوي الذين يعلمون [والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب} قال: الذين يعلمون. ب] نحن {والذين لا يعلمون} عدونا {إنما يتذكر أولوا الألباب} شيعتنا. قال: حدثني علي بن حمدون قال: حدثنا عيسى بن مهران قال: حدثنا فرج بن فروة السلمي قال: حدثنا مسعدة بن صدقة العيسى: عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام في قوله الله: {إنما يتذكر أولوا الألباب} شيعتنا يتذكرون. قال: حدثنا محمد بن عبيد بن عتبة قال: حدثنا إسماعيل بن صبيح قال: حدثنا سفيان عن عبد المؤمن قال: حدثنا سعد بن طريف أبو مجاهد عن جابر بن يزيد الجعفي: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب} قال أبو جعفر عليه السلام: نحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون وشيعتنا أولوا الألباب. فرات قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد قال: حدثنا أبو العباس محمد بن دران [ب: ذاردان.أ: ذروان] القطان قال: حدثنا عبد الله بن محمد القيسي قال: حدثنا أبو جعفر القمي محمد بن عبد الله قال: حدثنا سليمان الديلمي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه أبو بصير وقد أخذه النفس فلما أن أخذ مجلسه قال [أ، ر: فقال] له أبو عبد الله [عليه السلام. أ] ما هذا النفس العالي؟ قال: جعلت فداك يا ابن رسول الله كبرت سني ودق [أ، ر: رق] عظمي واقترب أجلي ولست أدري ما أرد عليه من أمر آخرتي. فقال أبو عبد الله [عليه السلام. ب]: يا أبا محمد إنك لتقول هذا؟! فقال: جعلت فداك وكيف لا أقول هذا - فذكر كلاماً -. ثم قال: يا أبا محمد إن الملائكة تسقط الذنوب عن ظهور شيعتنا كما يسقط [ب: تسقط] الريح الورق في أوان سقوطه وذلك قوله [ر: قول الله] تعالى: {أية : الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا} تفسير : [7/ المؤمن] فما استغفارهم والله إلا لكم دون الخلق فهل سررتك يا أبا محمد؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني. قال: يا أبا محمد [لقد. أ، ب] ذكرنا الله وذكر شيعتنا وعدونا في آية من كتابه [أ، ب: كتاب الله. وقال. ر. ب: فقال]: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب} فنحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون وشيعتنا أولوا الألباب [ر: والذين لا يعلمون عدونا إنما يتذكر أولوا الألباب شيعتنا]. قال: جعلت فداك زدني. قال: لقد ذكركم الله في كتابه إذ يقول: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم} ما أراد بهذا غيركم فهل سررتك يا أبا محمد؟.
الأعقم
تفسير : {أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً} الآية نزلت في عمار بن ياسر، وفيه نزل: {أية : هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} تفسير : [الزمر: 9] أبو حذيفة بن المغيرة، قانت أي دائم على طاعة الله، وقيل: القنوت قراءة القرآن وقيام الليل، وقوله (عليه السلام): "أفضل الصلاة صلاة القنوت" وهو القيام فيها، ومنه القنوت في الوتر لأنه دعاء المصلي {آناء الليل} ساعته {ساجداً وقائماً يحذر الآخرة} أي عذاب الآخرة {ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} أي هل يستوي العالم والجاهل، أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون {إنما يتذكر أولو الألباب} أي يستعمل عقله {قل يا عبادِ الذين آمنوا اتقوا ربكم} أي احذروا نقمته في مخالفة أمره {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} معناه الذين أحسنوا في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي دخول الجنة، وقيل: الاحسان على ضربين: إحسان إلى الغير بالانعام عليه والدعاء إلى الدين، وإحسان بأن يطيع الله بما كلّفه، والحسنة على ضربين: في الدنيا بالمدح، وحسنة في الآخرة بالثواب الجزيل {وأرض الله واسعةٌ} أي الدنيا واسعة هاجروا عن دار الشرك حتى إذا اعتلوا بأوطانهم وبلادهم، وإنهم لا يتوفرون على الاحسان قيل لهم: فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة فلا يحتموا على العجز وتحوّلوا إلى بلاد أخرى واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم، وقيل: هي أرض الجنة فاطلبوها بالأعمال الصالحة {إنما يوفى الصابرون} الذين صبروا على مفارقة أوطانهم وعشائرهم وعلى غيرهما من تجرع الغصص واحتمال البلايا في طاعة وازدياد الخير {أجرهم بغير حساب} لا يحاسبون عليه، وقيل: بغير مكيال وغير ميزان وهذا تمثيل للكثير، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : تنصب الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الزكاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتي بأهل الحج فيعطون كذلك، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزاناً ولا ينشر لهم ديوان حتى يتمنى أهل العافية أن أجسادهم كانت تقصّ بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل" تفسير : {قل إني أمرت} بإخلاص الدين {وأمرت} بذلك لأجل {أن أكون أول المسلمين} أي مقدمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة فمن أخلص دينه كان سابقاً لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أول من خالف دين آبائه {قل إني أخاف إن عَصَيت ربي} فاحذروا أنتم معصيتةِ {عذاب يوم عظيم} {قل الله اعبد مخلصاً له ديني} فلا أعبد معه شيئاً {فاعبدوا ما شئتم من دونه} فستجدون جزاءه {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم} لوقوعها في الهلكة لا هلكة بعدها {و} خسروا {أهليهم} لأنهم كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا ذهاباً لا رجوع بعده، وقيل: خسروهم لأنهم لم يدخلوا مدخل المؤمنين الذين لهم أهل في الجنة، يعني وخسروا أهليهم الذين كانوا يكنوا لهم أهلٌ لو آمنوا، ولقد وصف الله خسرانهم بغاية الفظاعة في قوله: {ألا ذلك هو الخسران المبين} {لهم من فوقهم ظلل من النار} سرادقات وأطباق من النار {ومن تحتهم} أطباق من النار {ذلك} يعني العذاب المذكور {يخوف الله به عباده} أي يخوفهم فعل المعاصي {يا عبادِ فاتقون} أي اتقوا معاصي الله.
الهواري
تفسير : قوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} أي: قائم في الصلاة {ءَانَآءَ الَّيْلِ} أي: ساعات الليل {سَاجِداً وَّقَآئِماً} قال بعضهم: هو الذي {يَحْذَرُ الأَخِرَةَ} أي: يخاف عذابها {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} أي: الجنة. يقول: أمَن هو قانت كالذي جعل لله أنداداً يعبد الأوثان دونه، أي: ليس مثلَه. قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: هل يستوي هذا المؤمن، الذي علم أنه مُلاق ربه، الذي يقوم آناء الليل، وهذا المشرك الذي جعل لله أنداداً، أي: إنهما لا يستويان. [{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} أي: إنما يقبل التذكرة {أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} أي: أصحاب العقول، وهم المؤمنون]. قوله: {قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ} ثم قال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} أي آمنوا {فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} أي: ما أعطاهم الله من الخير في الدنيا، يعني ما أعطاهم فيها من طاعة حسنة، وفي الآخرة من الجنة. {وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ} هو كقوله: (أية : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) تفسير : [العنكبوت:56] في الأرض التي أمرتكم أن تهاجروا إليها. قال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ} أي الذين صبروا على طاعة الله وعن معصيته. {أَجْرَهُم} يعني الجنة {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: لا حساب عليهم في الجنة. كقوله: (أية : يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) تفسير : [غافر:40]. قوله: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَن أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ اَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} أي: من هذه الأمة. قوله: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصِيْتُ رَبِّي} [بمتابعتكم على ما تدعونني إليه من عبادة الأوثان] {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي جهنم.
اطفيش
تفسير : {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} أي قائم بوظائف الطاعات مطلقاً وقيل الطاعات الواجبات وقيل القنوت الاقامة على الطاعة. وقال ابن عمر: قراءة القرآن وطول القيام وحكي عنه أنه طول القيام في الصلاة. وعن ابن عباس: القانت المطيع وقيل: قارئ القرآن وهو قول ابن عمر والاستفهام للتقرير أو للانكار ومن بالخفة مبتدأ خبرها محذوف أي أمن هو قانت كذلك الكافر المتمتع أو كغيره وذلك قراءة حمزة والحجازيين نافع وابن كثير ويقال لهما الحرميان أيضاً وقرأ غيرهم بتشديد الميم أي (أم من هو قانت خير) ويجوز على قراءة حمزة والحجازيين تقدير (أم من هو قانت خير أم هذا القارئ وأجاز القراء كون الهمزة للنداء في هذه القراءة أيا من هو قانت أنت من أصحاب الجنة) وأبعده ابن هشام بأنه ليس فى القرآن نداء بغير يا واعترض بأن له نظائر كاعهن والزبانية وضيري فانها ذكرت مرة فيه وأجيب بأن الكلام فيها احتمل وجهين أحدهما أقرب وأجازه ابن عطية وأبعده بأنه أجنبى عما بعد وعما قبل. وأجيب بأن الأمر بالقول قبله والأمر بعده للنبي وهو مناسب له وقرب ابن هشام قول الفراء بسلامته من المجاز فان الاستفهام الانكارى والتقريري مجاز ومن دعوى كثرة الحذف أي (أمن هو قانت خير أم هذا الكافر) الا أن يقدر (أم من هو قانت كهذا أو كغيره) وذلك الحذف كله لدليل* {آنَآءَ اللَّيْلِ} أي ساعاته أوله وآخره ووسطه. وقيل: الواحد إِنْو بكسر الهمزة وسكون النون وقيل: (أنيّ) كرضيّ أو (إِنْي بكسر الهمزة وسكون النون (وأنَي) بفتح الهمزة والنون والمراد بالقانت العموم. وقال ابن عباس: أبو بكر وعمر، وقيل ابن مسعود وعمار وسلمان. قلت: وأيضاً باق لان العبرة عندنا معشر الاباضية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولان تعليق الحكم بمشتق يشعر بالعليه فيدخل بالعلة كل من وجدت فيه وهي القنوت وزعموا عن ابن عمر أن المراد عثمان ولا صحة له وقال الفخر بعد حكايته الصحيح العموم* {سَاجِداً وَقَآئِماً} فى الصلاة والواو لعطف وصف على آخر لموصوف واحد وهما حالان من ضمير (قانت) وقرئ برفعهما على تعدد الخبر وفى الآية تنبيه على فضل قيام الليل وترجيحه على النهار لان الليل أستر فيكون أبعد عن الرياء ولأن ظلمة الليل تجمع الهمم وتمنع البصر عن النظر ويقل كلام الناس فيتفرغ القلب للطاعة ولأنه وقت النوم والراحة فيشق قيامه فيكون الثواب أكثر. قال ابن عباس: من أحب أن يهون الله عليه الوقوف يوم القيامة فليره الله فى ظلمة الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه* {يَحْذَرُ الأَخِرَةَ} حال أو تعليل جملي استئنافي والمنهي يجتنب عذاب الآخرة ويخافه أي يترك أسبابه وهي المعاصي وقرئ يحذر عذاب الآخرة. شعر : يا أخي قف على باب المناجاة وقوف لهفان واركب سفون الصلاح فهذا الموت طوفان تفسير : اخواني انما الليل والنهار مراحل ومراكب العمر قد قاربت الساحل، فانتبه لنفسك وازدجر يا غافل يا هذا أنت مقيم في مناخ الراحلين، ويحك اغتنم أيام القدرة قبل صيحة الانتزاع فما أقرب ما ينتظر وما أقل المكث فيما يزول ويتغير* {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} جنته وقيل مغفرته أضاف الرحمة الى نفسه في مقام الرجاء دون الآخرة وعذابها في مقام الحذر اشعاراً بأن جانب الرجاء أكمل وأولى أن ينسب اليه ولذلك رخص غير واحد أن يغلب الرجاء الخوف عند الموت بل قال انه أولى ويحرم خلو القلب من أحدهما. دخل النبي صلى الله عليه وسلم على شاب وهو في الموت فقال له: "حديث : كيف نجدك؟ فقال: أرجو الله يا رسول الله وانى أخاف ذنوبي فقال صلى الله عليه وسلم لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الوقت الا أعطاه الله ما يرجو وأمنه ما يخاف ". تفسير : وقال الله تعالى: [حديث : لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين من خافني في الدنيا أمنته في الآخرة ومن أمنني في الدنيا خوفته فى الآخرة ] تفسير : {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ} ما عند الله من الثواب والعقاب* {وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك وذلك انكار لاستواء الفريقين واحتجاج على نفي الاستواء بالعلم وعدمه لمزية العلم فهو أبلغ من قولك هل يستوى الفريقان والمراد بالعالمين العاملون ولكن أطلق العلم سبب العمل وفي ذلك ازدراء عظيم بهؤلاء العلماء المخالفين الذين يفتون العلوم ولا يعملون وبمن كان من أهل مذهبنا في هذا العصر يدعي العلم وهو خارج عنه ويفتن بالدنيا ويجوز أن يكون المعنى على التشبيه أي كما لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون كذلك لا يستوى القانتون والعاصون؛ وقيل: (الذين يعلمون) عمار وأصحابه و (الذين لا يعلمون) أبو حذيفة بن المغيرة المخزومي ومن معه فكل على كل حال فالآية متفتحة بالعمل مختتمة بالعلم والعمل مجاهدة والعلم مكاشفة فاذا اجتمعا دلا على الكمال والفضل. واعلم أن المراد هنا اثبات العلم ونفيه لا بيان العلوم ولا بيان عموم المعلوم أو خصوصه (فيعلمون) الأول والثاني منزلان منزلة اللازم لا مفعول لهما مقدر ولا مذكور أي هل يستوى هؤلاء المؤمنون العالمون والكافرون الجاهلون وان شئت فقل هو كذلك لكن كني عن فعل له مفعول مخصوص دلت عليه قرينة فالمراد مطلق العالمين بغض النظر عن كونهم مسلمين وكافرين لكن ذلك كناية عن قولك هل يستوى المؤمنون العالمون كذا وكذا المشركون الجاهلون له وعلى الأول اقتصر السعد. والظاهر عندي جوازهما معاً كما أثبتهما. {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} أي لا يتعظ الا أصحاب العقول أي لا يؤثر التذكير والوعظ الا فيهم وقرئ (يذكر) بتشديد الذال أبدلت التاء (ذالا) وأدغمت في الذال وفى الآية تعريض بالكفار أنهم لا عقل لهم كالبهائم وان طبع التذكر منهم طبيعي من البهمة و (انما) للتعريض
اطفيش
تفسير : {أمَّن} الاستفهام تقرير، ومن موصول مبتدأ، والخبر محذوف مع معادلة أى الذى {هُو} على عمومه، ولو قيل عن ابن عباس: نزلت فى أبى بكر وعمر، وعن ابن عمر: نزلت فى عثمان، وقيل: نزلت فى ابن مسعود وعمار وسلمان، وسبب النزول لا يخصص {قَانِتٌ آناء الليْل ساجدا وقائما يحْذر الآخرة ويَرجو رَحْمة ربِّه} خير أم أنت أيها الكافر، والقانت القائم بما وجب من الطاعات، وتطوع العبادات فى السراء والضراء وآناء الليل ساعات الليل ليتمكن من تحقيق العبادة لخلوه، ومن عدم الرياء، فتكون أقرب للقبول لا فى حال الضراء فقط، كعادتك أيها الكافر، وساجداً حال من المستتر فى قانت، ويحذر حال ثانٍ أو حال من المستتر فى ساجدا، أو مستأنف جوابا، كأنه قيل: ما باله قال: {يحذر الآخرة} أى عذابها، {ويرجو رحمة ربه} فى الآخرة. عن أنس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على محتضر فقال: " حديث : كيف تجدك؟ " تفسير : قال: أرجو وأخاف، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الذي يرجو وآمنه الذي يخاف"تفسير : والآية تدل على وجوب الكون بين الخوف والرجاء، فما جاوز حد الخوف كان أمنا، وقد قال الله تعالى: "أية : فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون" تفسير : [الأعراف: 99] وما جاوز حد الرجاء كان إياسا وقد قال الله تعالى: "أية : لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" تفسير : [يوسف: 87] وتدل على فضل صلاة الليل لاجتماع القلب فيه، وعلى جواز الايمان والعمل الصالح،خوفا من النار، وعلى جوازهما لدخول الجنة، وعلى جوازهما للنجاة من النار، ودخول الجنة، وجاز من الحديث القصد بهما لإجلال الله تعالى لا خوفا من النار، ولا طمعا فى الجنة، كصهيب ورابعة العدوية، ومن قال: لولا الجنة أو لولا النار، أو نحوهما ما عبدت الله ذما لنفسه إذ كانت لا تعبد إجلالا له تعالى، بل لذلك، فلا بأس وإن قاله استخافا بحق أو لولا أنه يعاقبنى ما عبدته أشرك. {قُل} لذلك الكافر تقريرا وتصريحا بالحق، وتنبيها عن الأعراض والغفلة {هَل يَسْتوي الَّذين يعْلَمُون} يدركون الحق فعلموا به، فلزموا الطاعات، وخافوا العقاب على التقصير، ورجو الرحمة {والَّذين لا يعْلمُون} لا يدركونه فعلموا بجهلهم وهواهم، مثلك أيها الكافر الجاعل للأنداد، لا يستوون، العالمون العلم الحقيق الذى أثمر العمل الصالح، ترك المعاصى فى أعلى وفى خير، والذين لا يعلمون فى أسفل، وفى شر، والعالم بلا عمل كالجاهل، وقد يعتبر أنه أشد عنادا من الجاهل، والآية على العموم، ولو قال يحيى بن سلام: المراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس: أبو بكر وعمر، وقال مقاتل: عمار وصهيب وابن مسعود وأبو ذر، وقال عكرمة: عمار، وعن ابن مسعود فى رواية: المراد عمار، وفى أخرى عما روى ابن مسعود وسالم مولى أبى حذيفة. {إنَّما يتذكَّر} بالدلائل المذكورة فيزدجر عن الاشراف والمعاصى {أولُوا الألبَاب} العقول الخالصة عن الشبه لا هؤلاء الكفرة، فانهم بمعزل عن التذكر.
الالوسي
تفسير : {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ٱلَّيْلِ} الخ من تمام الكلام المأمور به في قول، وأم إما متصلة قد حذف معادلها ثقة بدلالة مساق الكلام عليه كأنه قيل له تأكيداً للتهديد وتهكماً به أأنت أحسن حالاً ومآلاً أم من هو قائم بمواجب الطاعات ودائم على وظائف العبادات في ساعات الليل التي فيها العبادة أقرب إلى القبول / وأبعد عن الرياء حالتي السراء والضراء لا عند مساس الضر فقط كدأبك حال كونه {سَـٰجِداً وَقَائِماً } وإلى كون المحذوف المعادل الأول ذهب الأخفش ووافقه غير واحد ولا بأس به عند ظهور المعنى لكن قال أبو حيان: إن مثل ذلك يحتاج إلى سماع من العرب. ونصب {سَـٰجِداً وَقَائِماً } على الحالية كما أشير إليه أي جامعاً بين الوصفين المحمودين وصاحب الحال الضمير المستتر في {قَانِتٌ }. وجوز كون الحال من ضمير {يَحْذَرُ } الآتي قدم عليه ولا داعي لذلك. وقرأ الضحاك {ساجد وقائم} برفع كل على أنه خبر بعد خبر، وجوز أبو حيان كونه نعتاً لقانت وليس بذاك، والواو كما أشير إليه للجمع بين الصفتين، وترك العطف على {قَانِتٌ } قيل لأن القنوت مطلق العبادة فلم يكن مغايراً للسجود والقيام فلم يعطفا عليه بخلاف السجود والقيام فإنهما وصفان متغايران فلذا عطف أحدهما على الآخر. وتقديم السجود على القيام لكونه أدخل في معنى العبادة، وذهب المعظم إلى أنه أفضل من القيام لحديث «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» وقوله تعالى: {يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ } حال أخرى على التداخل أو الترادف أو استئناف وقع جواباً عما نشأ من حكاية حاله كأنه قيل ما باله يفعل ذلك؟ فقيل: يحذر الآخرة أي عذاب الآخرة كما قرأ به ابن جبير. {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ } فينجو بذلك مما يحذره ويفوز بما يرجوه كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضمير الراجي لا أنه يحذر ضر الدنيا ويرجو خيرها فقط. وإما منقطعة وما فيها من الإضراب للانتقال من التبكيت بتكليف الجواب الملجيء إلى الاعتراف بما بينهما من التباين البين كأنه قيل: بل أمن هو قانت الخ، وقدر الزمخشري كغيره مثلك أيها الكافر. وقال النحاس: أم بمعنى بل ومن بمعنى الذي والتقدير بل الذي هو قانت الخ أفضل مما قبله. وتعقبه في «البحر» بأنه لا فضل لمن قبله حتى يجعل هذا أفضل بل يقدر الخبر من أصحاب الجنة لدلالة مقابله أعني { أية : إنك مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ }تفسير : [الزمر: 8] عليه ولا يبعد أن يقدر أفضل منك ويكون ذلك من باب التهكم. وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة والأعمش وعيسى وشيبة والحسن في رواية {أمن } بتخفيف الميم وضعفها الأخفش وأبو حاتم ولا التفات إلى ذلك، وخرجت على إدخال همزة الاستفهام التقريري على من والمقابل محذوف أي أألذي هو قانت الخ خير أم أنت أيها الكافر؟ ومثله في حذف المعادل قوله:شعر : دعاني إليها القلب إني لأمره سميع فما أدري أرشد طلابها تفسير : فإنه أراد أم غي، وقال الفراء: الهمزة للنداء كأنه قيل يا من هو قانت وجعل قوله تعالى: {قُلْ } خطاباً له، وضعف هذا القول أبو علي الفارسي وهو كذلك. وقوله تعالى: {قُلْ } على معنى قل له أيضاً بياناً للحق وتصريحاً به وتنبيهاً على شرف العلم والعمل {هَلْ يَسْتوي الَّذينَ يَعْلَمُونَ} فيعملون بمقتضى علمهم ويقنتون الليل سجداً وركعاً يحذرون الآخرة ويرجون رحمة ربهم {وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} فيعلمون بمقتضى جهلهم وضلالهم كدأبك أيها الكافر الجاعل لله تعالى أنداداً والاستفهام للتنبيه على أن كون الأولين في أعلى معارج الخير وكون الآخرين في أقصى مدارج الشر من الظهور بحيث لا يكاد يخفى على أحد من منصف ومكابر. ويعلم مما ذكرنا / أن المراد بالذين يعلمون العاملون من علماء الديانة وصرح بإرادة ذلك بعض الأجلة على تقديري الاتصال والانقطاع وأن الكلام تصريح بنفي المساواة بين القانت وغيره المضمنة من حرفي الاستفهام أعني الهمزة وأم على الاتصال أو من التشبيه على الانقطاع وعلى قراءة التخفيف أيضاً قال: وإنما عدل إلى هذه العبارة دلالة على أن ذلك مقتضى العلم وأن العلم الذي لا يترتب عليه العمل ليس بعلم عند الله تعالى سواء جعل من باب إقامة الظاهر مقام المضمر للإشعار المذكور أو استئناف سؤال تبكيتي توضيحاً للأول من حيث التصريح ومن حيث إنهم وصفوا بوصف آخر يقتضي اتصافهم بتلك الأوصاف ومباينتهم لطبقة من لا يتصف. وهذا أبلغ وأظهر لفظاً لقوله تعالى: {قُلْ } وجوز أن يكون الكلام وارداً على سبيل التشبيه فيكون مقرراً لنفي المساواة لا تصريحاً بمقتضى الأول أي كما لا استواء بين العالم وغيره عندكم من غير ريبة فكذلك ينبغي أن لا يكون لكم ارتياب في نفي المساواة بين القانت المذكور وغيره، وكونه للتصريح بنفي المساواة وحمل {الَّذينَ يَعْلَمُونَ} على العاملين من علماء الديانة على ما سمعت مما لا ينبغي أن يختار غيره لتكثير الفائدة، وأما من ارتاب في ذلك الواضح فلا يبعد منه الارتياب في هذا الواضح أيضاً فجوابه أن الاستنكاف عن الجهل مركوز في الطباع بخلاف الأول، ويشعر كلام كثير أن قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ } الخ غير داخل في حيز القول والمعنى عليه كما في الأول بتغيير يسير لا يخفى. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه تلا {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} الآية فقال: نزلت في عثمان بن عفان، وأخرج ابن سعد في «طبقاته»، وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس أنها نزلت في عمار بن ياسر، وأخرج جويبر عنه أنها نزلت في عمار وابن مسعود وسالم مولى أبـي حذيفة، وعن عكرمة الاقتصار على عمار، وعن مقاتل المراد بمن هو قانت عمار وصهيب وابن مسعود وأبو ذر، وفي رواية الضحاك عن ابن عباس أبو بكر وعمر، وقال يحيـى بن سلام: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن المراد المتصف بذلك من غير تعيين ولا يمنع من ذلك نزولها فيمن علمت. وفيها دلالة على فضل الخوف والرجاء، وقد أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو وأخاف فقال عليه الصلاة والسلام: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الذي يرجو وآمنه الذي يخاف. وفيها رد على من ذم العبادة خوفاً من النار ورجاء الجنة وهو الإمام الرازي كما قال الجلال السيوطي، نعم العبادة لذلك ليس إلا مذمومة بل قال بعضهم بكفر من قال: لولا الجنة والنار ما عبدت الله تعالى على معنى نفي الاستحقاق الذاتي. وفيها دلالة أيضاً على فضل صلاة الليل وأنها أفضل من صلاة النهار. ودل قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي } الخ على فضل العلم ورفعة قدره وكون الجهل بالعكس. واستدل به بعضهم على أن الجاهل لا يكافىء العالمة كما أنه لا يكافىء بنت العالم. وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } كلام مستقل غير داخل عند الكافة في الكلام المأمور به وارد من جهته تعالى بعد الأمر بما تضمن القوارع الزاجرة عن الكفر والمعاصي لبيان عدم تأثيرها في قلوب الكفرة لاختلال عقولهم كما في قوله: شعر : عوجوا فحيوا لنعمى دمنة الدار ماذا تحيون من نؤى وأحجار تفسير : وهو أيضاً كالتوطئة لافراد المؤمنين بعد بالخطاب والإعراض عن غيرهم أي إنما يتعظ بهذه البيانات الواضحة أصحاب العقول الخالصة عن شوائب الخلل وأما هؤلاء فبمعزل عن ذلك. وقرىء {يذكر } بالإدغام.
ابن عاشور
تفسير : {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} قرأ نافع وابن كثير وحمزة وَحْدَهم {أَمَنْ} بتخفيف الميم على أن الهمزة دخلت على (مَن) الموصولة فيجوز أن تكون الهمزة همزة استفهام و (مَن) مبتدأ والخبر محذوف دل عليه الكلام قبله من ذكر الكافر في قوله: {وجعَلَ لله أندَاداً} إلى قوله: {أية : من أصحَابِ النَّارِ}تفسير : [الزمر: 8]. والاستفهام إنكاري والقرينة على إرادة الإِنكار تعقيبه بقوله: {قُلْ هل يسْتَوي الذين يعلمُونَ والذين لا يعلَمُونَ} لظهور أن {هل} فيه للاستفهام الإِنكاري وبقرينة صلة الموصول. تقديره: أَمَن هو قانت أفضل أم من هو كافر؟ والاستفهام حينئذٍ تقريري ويقدر له معادل محذوف دل عليه قوله عقبه: {قُلْ هل يسْتَوي الذين يعلمُونَ والذين لا يعلَمُونَ}. وجعل الفراء الهمزة للنداء و {من هو قانت}: النبي صلى الله عليه وسلم، ناداه الله بالأوصاف العظيمة الأربعة لأنها أوصاف له ونداء لمن هم من أصحاب هذه الأوصاف، يعني المؤمنين أن يقولوا: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}، وعليه فإفراد (قل) مراعاة للفظ (مَن) المنادَى. وقرأ الجمهور {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} بتشديد ميم (مَن) على أنه لفظ مركب من كلمتين (أم) و (مَن) فأدغمت ميم (أم) في ميم (مَن). وفي معناه وجهان: أحدهما: أن تكون (أم) معادلة لهمزة استفهام محذوفة مع جملتها دلت عليها (أم) لاقتضائها معادلاً. ودل عليها تعقيبه بــــ {هل يسْتَوي الذين يعلمُونَ والذين لا يعلَمُونَ} لأن التسوية لا تكون إلا بين شيئين. فالتقدير: أهذا الجاعل لله أنداداً الكافر خير أمَّنْ هو قانت، والاستفهام حقيقي والمقصود لاَزمه، وهو التنبيه على الخطأ عند التأمل. والوجه الثاني: أن تكون (أم) منقطعة لمجرد الإِضراب الانتقالي. و (أم) تقتضي استفهاماً مقدراً بعدها. ومعنى الكلام: دع تهديدهم بعذاب النار وانتقِل بهم إلى هذا السؤال: الذي هو قانت، وقائم، ويحذر الله ويرجو رحمته. والمعنى: أذلك الإِنسان الذي جعل لله أنداداً هو قانت الخ، والاستفهام مستعمل في التهكم لظهور أنه لا تتلاقَى تلك الصفاتُ الأربعُ مع صفة جعله لله أنداداً. والقانت: العابد. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وقوموا للَّه قانتين}تفسير : في سورة [البقرة: 238]. والآناء: جمع أَنىً مثل أمعاء ومَعىً، وأقفاء وقفىً، والأنى: الساعة، ويقال أيضاً: إنَي بكسر الهمزة، كما تقدم في قوله: {أية : غير ناظرين إِناه}تفسير : في سورة [الأحزاب: 53]. وانتصب {ءَانَاءَ} على الظرف لــــ {قَانِتٌ}، وتخصيص الليل بقنوتهم لأن العبادة بالليل أعون على تمحض القلب لذكر الله، وأبعد عن مداخلة الرياء وأدل على إيثار عبادة الله على حظ النفس من الراحة والنوم، فإن الليل أدعى إلى طلب الراحة فإذا آثر المرء العبادة فيه استنار قلبه بحب التقرب إلى الله قال تعالى: {أية : إنّ ناشئة الليل هي أشدُ وطئاً وأقوم قِيلا}تفسير : [المزمل: 6]، فلا جرم كان تخصيص الليل بالذكر دالاً على أن هذا القانت لا يخلو من السجود والقيام آناءَ النهار بدلالة فحوى الخطاب قال تعالى: {أية : إن لك في النهار سبحاً}تفسير : [المزمل: 7]، وبذلك يتم انطباق هذه الصلة على حال النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: {ساجِداً وقائماً} حالان مُبينان لــــ {قَانِتٌ} ومؤكدان لمعناه. وجملة {يحذَرُ الآخِرَةَ ويرجوا رحمة ربه} حالان، فالحال الأول والثاني لوصف عمَله الظاهر والجملتان اللتان هما ثالث ورابع لوصف عمل قلبه وهو أنه بين الخوف من سيئاته وفلتاته وبين الرجاء لرحمة ربه أن يثيبه على حسناته. وفي هذا تمام المقابلة بين حال المؤمنين الجارية على وفق حال نبيئهم صلى الله عليه وسلم وحال أهل الشرك الذين لا يدعون الله إلا في نادر الأوقات، وهي أوقات الاضطرار، ثم يشركون به بعد ذلك، فلا اهتمام لهم إلا بعاجل الدنيا لا يحذرون الآخرة ولا يرجون ثوابها. والرجاء والخوف من مقامات السالكين، أي أوصافهم الثابتة التي لا تتحول. والرجاء: انتظار ما فيه نعيم وملاءمة للنفس. والخوف: انتظار ما هو مكروه للنفس. والمراد هنا: الملاءمة الأخروية لقوله: {يَحْذَرُ الآخِرَةَ}، أي يحذر عقاب الآخرة فتعين أن الرجاء أيضاً المأمولُ في الآخرة. وللخوف مزيته من زجر النفس عما لا يرضي الله، وللرجاء مزيته من حثها على ما يرضي الله وكلاهما أنيس السالكين. وإنما ينشأ الرجاء على وجود أسبابه لأن المرء لا يرجو إلا ما يظنه حاصلاً ولا يظن المرء أمراً إلا إذا لاحت له دلائله ولوازمه، لأن الظن ليس بمغالطة والمرء لا يغالط نفسه، فالرجاء يتبع السعي لتحصيل المرجو قال الله تعالى: {أية : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً}تفسير : [الإسراء: 19] فإن ترقُّب المرء المنفعة من غير أسبابها فذلك الترقب يسمى غروراً. وإنما يكون الرجاء أو الخوف ظنّاً مع تردد في المظنون، أما المقطوع به فهو اليقين واليأس وكلاهما مذموم قال تعالى: {أية : فلا يأمن مكر اللَّه إلا القوم الخاسرون}تفسير : [الأعراف: 99]، وقال: {أية : إنه لا ييأس من روح اللَّه إلا القوم الكافرون}تفسير : [يوسف: 87]. وقد بسط ذلك حجة الإِسلام أبو حامد في كتاب الرجاء والخوف من كتاب «الإِحياء». ولله درّ أبي الحسن التهامي إذ يقول:شعر : وإذا رجوتَ المستحيل فإنما تبني الرجاء على شَفير هارِ تفسير : وسئل الحسن البصري عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو فقال: هذا تمنَ وإنما الرجاء، قوله: {يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه}. وقال بعض المفسرين أريد بــــ {مَن هو قانِتٌ} أبو بكر، وقيل عمّار بن ياسر، وقيل صُهيب، وقيل: أبو ذرّ، وقيل ابن مسعود، وهي روايات ضعيفة ولا جرم أن هؤلاء المعدودين هم من أحقّ مَن تصدق عليه هذه الصلة فهي شاملة لهم ولكن محمل الموصول في الآية على تعميم كل من يصدق عليه معنى الصلة. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الألباب}. استئناف بياني موقعه كموقع قوله: {أية : قُلْ تمتَّع بكفرك قليلاً}تفسير : [الزمر: 8] أثاره وصف المؤمن الطائع، والمعنى: أَعْلِمهم يا محمد بأن هذا المؤمن العالِم بحق ربه ليس سواء للكافر الجاهل بربه. وإعادة فعل {قل} هنا للاهتمام بهذا المقول ولاسْترعاء الأسماع إليه. والاستفهام هنا مستعمل في الإِنكار. والمقصود: إثبات عدم المساواة بين الفريقين، وعدم المساواة يكنّى به عن التفضيل. والمراد: تفضيل الذين يعلمون على الذين لا يعلمون، كقوله تعالى: {أية : لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أولي الضرر والمجاهدون في سبيل اللَّه بأموالهم وأنفسهم فضل اللَّه المجاهدين}تفسير : [النساء: 95] الآية، فيعرف المفضّل بالتصريح كما في آية {أية : لا يستوي القاعدون}تفسير : [النساء: 95] أو بالقرينة كما في قوله هنا: {هل يستوي الذين يعلمون} الخ لظهور أن العلم كمال ولتعقيبه بقوله: {إنما يتذكَّر أُولوا الألبابِ}. ولهذا كان نفي الاستواء في هذه الآية أبلغ من نفي المماثلة في قول النابغة:شعر : يخبرك ذو عرضهم عني وعالمهم وليس جاهل شيء مثلَ من عَلِما تفسير : وفعل {يَعْلَمُونَ} في الموضعين منزّل منزلة اللازم فلم يذكر له مفعول. والمعنى: الذين اتصفوا بصفة العلم، وليس المقصود الذين علموا شيئاً معيّناً حتى يكون من حذف المفعولين اختصاراً إذ ليس المعنى عليه، وقد دل على أن المراد الذين اتصفوا بصفة العلم قوله عقبه: {إنما يتذكر أولوا الألباب} أي أهل العقول، والعقل والعلم مترادفان، أي لا يستوي الذين لهم علم فهم يدركون حقائق الأشياء على ما هي عليه وتجري أعمالهم على حسب علمهم، مع الذين لا يعلمون فلا يدركون الأشياء على ما هي عليه بل تختلط عليهم الحقائق وتجري أعمالهم على غير انتظام، كحال الذين توهموا الحجارة آلهة ووضعوا الكفر موضع الشكر. فتعين أن المعنى: لا يستوي مَن هو قانت آناء الليل يحذر ربّه ويرجوه، ومَن جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله. وإذ قد تقرر أن الذين جعلوا لله أنداداً هم الكفار بحكم قوله: {قُل تَمتَّع بِكُفرِكَ قَليلاً} ثبت أن الذين لا يستوون معهم هم المؤمنون، أي هم أفضل منهم، وإذ قد تقرر أن الكافرين من أصحاب النار فقد اقتضى أن المفضلين عليهم هم من أصحاب الجنة. وعدل عن أن يقول: هل يستوي هذا وذاك، إلى التعبير بالموصول إدماجاً للثناء على فريق ولذم فريق بأن أهل الإِيمان أهل علم وأهل الشرك أهل جهالة فأغنت الجملة بما فيها من إدماج عن ذكر جملتين، فالذين يعلمون هم أهل الإِيمان، قال تعالى: {أية : إنما يخشى اللَّه من عباده العلماء}تفسير : [فاطر: 28] والذين لا يعلمون هم أهل الشرك الجاهلون، قال تعالى: {أية : قل أفغير اللَّه تأمروني أعبد أيها الجاهلون}تفسير : [الزمر: 64]. وفي ذلك إشارة إلى أن الإِيمان أخو العلم لأن كليهما نور ومعرفةٌ حقّ، وأن الكفر أخو الضلال لأنه والضلال ظلمة وأوهام باطلة. هذا ووقوع فعل {يَسْتَوِي} في حيّز النفي يكسبه عموم النفي لجميع جهات الاستواء. وإذ قد كان نفي الاستواء كناية عن الفضل آل إلى إثبات الفضل للذين يعلمون على وجه العموم، فإنك ما تأملت مقاماً اقتحم فيه عالم وجاهل إلا وجدتَ للعالم فيه من السعادة ما لا تجده للجاهل ولنضرب لذلك مثلاً بمقامات ستةٍ هي جلّ وظائف الحياة الاجتماعية: المقام الأول: الاهتداء إلى الشيء المقصود نواله بالعمل به وهو مقام العمل، فالعالم بالشيء يهتدي إلى طرقه فيبلغ المقصود بيُسْر وفي قرب ويعلم ما هو من العمل أولى بالإِقبال عنه، وغير العالم به يضل مسالكه ويضيع زمانه في طلبه؛ فإما أن يخيب في سعيه وإمّا أن يناله بعد أن تتقاذفه الأرزاء وتنتابه النوائب وتختلط عليه الحقائق فربما يتوهم أنه بلغ المقصود حتى إذا انتبه وجد نفسه في غير مراده، ومثله قوله تعالى: {أية : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً}تفسير : [النور: 39]. ومن أجل هذا شاع تشبيه العلم بالنور والجهل بالظلمة. المقام الثاني: ناشىء عن الأول وهو مقام السلام من نوائب الخطأ ومزلات المذلات، فالعالم يعصمه علمه من ذلك، والجاهل يريد السلامة فيقع في الهلكة، فإن الخطأ قد يوقع في الهلاك من حيث طلب الفوز ومثَله قوله تعالى: {أية : فما ربحت تجارتهم}تفسير : [البقرة: 16] إذ مثَّلهم بالتاجر خرج يطلب فوائد الربح من تجارته فآب بالخسران ولذلك يشبه سَعي الجاهل بخبط العشواء، ولذلك لم يزل أهل النصح يسهلون لطلبة العلم الوسائل التي تَقيهم الوقوع فيما لا طائل تحته من أعمالهم. المقام الثالث: مقام أُنس الانكشاف فالعالم تتميز عنده المنافع والمضار وتنكشف له الحقائق فيكون مأنوساً بها واثقاً بصحة إدراكه وكلما انكشفت له حقيقة كان كمن لقي أنيساً بخلاف غير العالم بالأشياء فإنه في حيرة من أمره حين تختلط عليه المتشابهات فلا يدري ماذا يأخذ وماذا يدع، فإن اجتهد لنفسه خشِي الزلل وإن قلد خشِي زلل مقلَّده، وهذا المعنى يدخل تحت قوله تعالى: {أية : كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا}تفسير : [البقرة: 20]. المقام الرابع: مقام الغِنَى عن الناس بمقدار العلم والمعلومات فكلما ازداد عِلم العالم قوِيَ غناه عن الناس في دينه ودنياه. المقام الخامس: الإلتذاذ بالمعرفة، وقد حصر فخر الدين الرازي اللذة في المعارف وهي لذة لا تقطعها الكثرة. وقد ضرب الله مثلاً بالظلّ إذ قال: {أية : وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظِل ولا الحرُور}تفسير : [فاطر: 19 ــــ 21] فإن الجلوس في الظل يلتذ به أهل البلاد الحارة. المقام السادس: صدور الآثار النافعة في مدى العمر مما يكسب ثناء الناس في العاجل وثواب الله في الآجل، فإن العالم مصدر الارشاد والعلم دليل على الخير وقائد إليه قال الله تعالى: {أية : إنما يخشى اللَّه من عباده العلماء}تفسير : [فاطر: 28]. والعلم على مزاولته ثوابٌ جزيل، قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده»تفسير : . وعلى بثه مثل ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم بثه في صدور الرجال، وولد صالح يدعو له بخير» تفسير : . فهذا التفاوت بين العالم والجاهل في صوره التي ذكرناها مشمول لنفي الاستواء الذي في قوله تعالى: {قُل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمونَ} وتتشعب من هذه المقامات فروع جمّة وهي على كثرتها تنضوي تحت معنى هذه الآية. وقوله: {إنَّما يتذكَّر أُولوا الألبابِ} واقع موقع التعليل لنفي الاستواء بين العالم وغيره المقصودِ منه تفضيل العالم والعلم، فإن كلمة (إنما) مركبة من حرفين (إنَّ) و (مَا) الكافّة أو النافية فكانت (إِن) فيه مفيدة لتعليل ما قبلها مغنية غَناء فاء التعليل إذ لا فرق بين (إنَّ) المفردة و (إنَّ) المركبة مع (ما)، بل أفادها التركيب زيادة تأكيد وهو نفي الحكم الذي أثبتته (إنَّ) عن غير من أثبتته له. وقد أخذ في تعليل ذلك جانبُ إثبات التذكر للعالِمين، ونفيه من غير العالمين، بطريق الحصر لأن جانب التذكر هو جانب العمل الديني وهو المقصد الأهم في الإِسلام لأن به تزكية النفس والسعادة الأبدية قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : مَن يُرِد الله به خيراً يفقهْهُ في الدين»تفسير : . والألباب: العقول، وأولو الألباب: هم أهل العقول الصحيحة، وهم أهل العلم. فلما كان أهل العلم هم أهل التذكر دون غيرهم أفاد عدم استواء الذين يعلمون والذين لا يعلمون. فليس قوله: {إنَّما يتذكر أولوا الألباب} كلاماً مستقلاً.
القطان
تفسير : قانت: قائم بما يجب عليه من الطاعة. آناء الليل: ساعاته، واحدها آن. يحذر الآخرة: يخشى عذابها. ظُلل: جمع ظُلة، ما يستظل به من حر او برد. بعد ان ذكر الله من يؤمن عندما يمسّه ضر، ويكفر عند السرّاء - بين انه ليس سواءً عند الله مع من هو قانت يعبد الله في جميع حالاته، ولا تزيده النعمة الا إيماناً وشكرا، رجاءَ رحمة ربه. قل لهم ايها الرسول: هل يستوي الذين يعلمون حقوق الله، والذين لا يعلمون! انما يعتبر ويتعظ اولو الألباب، اصحاب العقول الواعية المدركة. وقدر كرر الله تعالى هذا التعبير {أُوْلُو ٱلأَلْبَابِ} ثلاثَ مرات في هذه السورة الكريمة دلالة على قيمة من يستعمل عقله ويفكر تفكيراً سليما. وبعد ان نفى المساواة بين من يعبد الله في جميع حالاته ومن يلجأ اليه عند الاضطرار وينساه عند النعمة، ثم من يعلم ومن لا يعلم - امر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ان ينصح المؤمنين بجملة نصائح. 1 - قل ايها النبي: يا عبادي الذين آمنوا بي، اتقوا ربكم بالأعمال الصالحة، فان الله قرر ان يُجزل الحسناتِ للذين آمنوا. واذا تعذرتْ طاعته في بلدٍ فتحولوا عنه الى بلد غيره {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ}. ثم بيّن فضيلة الصبر، وأن جزاءها للصابرين بغير حساب. وهل هناك وعدٌ أعظم من هذا الجزاء! 2 - وقل لهم: إني أُمرت بعبادة الله مخلصاً له الدين، ولا تنظر لي ما يقوله كفار قريش بأن تعود الى ملّة أبيك وجدّك وتعبد الاصنام. فاعتبِروا ايها المسلمون واتبعوا رسولكم الكريم وأخلصوا العبادة والطاعة لله. 3 - وقل لهم: إني أخاف عذابَ يوم القيامة ان عصيتُ ربي، ولذلك فإني أعبد الله مخلصاً له ديني، فأخلِصوا بعبادتكم لله. 4 - اما انتم ايها الجاحدون فاعبدوا ما شئتم من الأصنام والأرباب من دون الله. وذكِّرهم ايها الرسول ان الخاسرين هم الذين أضاعوا أنفسَهم بضلالهم، وخسروا أهلهم بإضلالهم، وان ذلك هو الخسران الكبير. ثم فصّل ذلك الخسران وبينه بقوله تعالى: {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} طبقات متراكمة من النار حتى تحيط بهم النار من كل جانب. هذا ما خوّف الله به عباده وحذّرهم منه، فاتقون يا عبادي واحذروا ذلك الشر العظيم. وتلك منّةٌ من الله تعالى تنطوي على غاية اللطف والرحمة منه وهو الغفور الرحيم دائما. قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وحمزة: أمَن هو قانت: بفتح الميم بدون تشديد. والباقون: أمّن بفتح الميم المشددة.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمَّنْ} {قَانِتٌ} {آنَآءَ} {ٱللَّيْلِ} {قَآئِماً} {يَرْجُواْ} {أُوْلُواْ} {ٱلأَلْبَابِ} (9) - وَهَلْ يَسْتَوِي حَالُ هَذَا المُشْرِكِ الذِي يَكْفُرُ بِنعَمِ اللهِ، وَيُشْرِكُ بِهِ الأَصْنَامَ وَالأَنْدَادَ، وَلاَ يَذْكُرُ اللهَ إِلاَّ عِنْدَ الشِّدَّةِ والبَلاَءِ، مَعَ حَالِ مَنْ هُوَ مُؤْمِنٌ قَائِمٌ بِأَدَاءِ الطَّاعَاتِ، وَدَائِبٌ عَلَى العِبَادَاتِ آنَاءَ اللَّيْلِ حِينَمَا يَكُونُ النَّاسُ نِياماً، لاَ يَرْجُو مِنْ أَدَائِهَا غَيْرَ رِضْوَانِ اللهِ وَثَوَابِهِ وَرَحْمَتِهِ، إِنَّهُمَا بِلاَ شَكٍّ لاَ يَسْتَوِيَانِ. ثُمَّ أَكَّدَ اللهُ تَعَالَى عَدَمَ التَّسَاوِي بَيْنَ المُؤْمِنِ المُطِيعِ والكَافِرِ الجَاحِدِ، فَقَالَ لرَسُولِهِ الكَرِيمِ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ: هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ مَا لَهُمْ فِي طَاعَةِ رَبِّهِمْ مِنْ ثَوَابٍ، وَمَا لَهُمْ فِي مَعْصِيَتِهِ مِنْ عِقَابٍ، وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ وَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ بِحُجَجِ اللهِ، وَيَتَّعِظُ بِهَا، وَيَتَدَبَّرُهَا أَهَلُ العُقُولِ والأَفْهَامِ، لاَ أَهْلَ الجَهْلِ والغَفْلَةِ. هُوَ قَانِتٌ - مُطِيعٌ خَاضِعٌ لِلرَّب. آناءَ اللَّيْلِ - سَاعَاتِهِ.
الثعلبي
تفسير : {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} قرأ نافع وابن كثير ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: (أمن) بتخفيف الميم. وقرأ الآخرون بتشديده، فمن شدّده فله وجهان، أحدهما: تكون الميم في أم صلة ويكون معنى الكلام الإستفهام، وجوابه محذوف مجازه: أمن هو قانت كمن هو غير قانت، كقوله: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} كمن لم يشرح الله صدره، أو تقول: أمن هو قانت كمن جعل لله أنداداً. والوجه الثاني: أن يكون بمعنى العطف على الاستفهام مجازه: فهذا خير أم من هو قانت، فحذف لدلالة الكلام عليه ونحوها كثير. ومن خفف فله وجهان. أحدهما: أن يكون الألف في (أمن) بمعنى حرف النداء، تقديره: يامن هو قانت، والعرب تنادي بالألف كما تنادي بياء فتقول: يازيد أقبل، وأزيد أقبل. قال أوس بن حجر: شعر : أبني لبيني لستم بيد ألا يد ليست لها عضد تفسير : يعني يابني ليتني. وقال آخر: شعر : أضمر بن ضمرة ماذا ذكرت من صرمة أخذت بالمغار تفسير : فيكون معنى الآية: قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار، ويا من هو قانت آناء الليل إنك من أهل الجنّة، كما تقول: فلان لايصلي ولايصوم، فيا من تصلي وتصوم أبشر، فحذف لدلالة الكلام عليه. والوجه الثاني: أن يكون الألف في (أمن) ألف إستفهام، ومعنى الكلام: أهذا كالذي جعل لله أنداداً، فاكتفى بما سبق إذ كان معنى الكلام مفهوماً. كقول الشاعر: شعر : فاقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعاً تفسير : أراد لدفعناه. وقال ابن عمر: القنوت قراءة القرآن وطول القيام. وقال ابن عبّاس: الطاعة. {آنَآءَ ٱللَّيْلِ} ساعاته {سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ}. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان، أخبرنا محمّد بن خالد، أخبرنا داود بن سليمان، أخبرنا عبد بن حميد، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا يعقوب بن عبد الله عن جعفر عن سعيد بن جبير: أنه كان يقرأ: (أمن هو قانت اناء الليل ساجداً وقائماً يحذر عذاب الآخرة). {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ}. قال مقاتل: نزلت في عمار بن ياسر وأبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله المخزومي. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ} يعني عمار {وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني أبا حذيفة {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}. أخبرنا الحسين بن محمّد بن العدل حدثنا هارون بن محمّد بن هارون العطار حدثنا حازم ابن يحيى الحلواني حدثنا محمّد بن يحيى بن الطفيل حدثنا هشام بن يوسف حدثني محمّد بن إبراهيم اليماني قال: سمعت وهب بن منبه يقول: سمعت ابن عبّاس يقول: من أحب أن يهوّن الله تعالى الموقف عليه يوم القيامة، فليره الله في سواد الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه. {قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ} يعني الجنّة، عن مقاتل. وقال السدي: يعني العافية والصحة. {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} فهاجروا فيها واعتزلوا الأوثان، قاله مجاهد. وقال مقاتل: يعني أرض الجنّة. {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. قال قتادة: لا والله ما هنالك مكيال ولا ميزان. أخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه الدينوري بقراءتي عليه، حدثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق السني حدثنا إبراهيم بن محمّد بن الضحاك حدثنا نصر بن مرزوق حدثنا اسيد بن موسى حدثنا بكر بن حبيش عن ضرار بن عمرو عن زيد الرقاشي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : تنصب الموازين يوم القيامة، فيؤتى بأهل الصلاة فيؤتون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصيام فيؤتون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيؤتون أجورهم بالموازين، ويُؤتى بأهل الحج فيؤتون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صباً بغير حساب، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} حتّى يتمنى أهل العافية في الدُّنيا أن أجسادهم تُقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل ". تفسير : قال حدثنا أبو علي بن جش المقرىء قال: حدثنا أبو سهل (عن إسماعيل بن سيف) عن جعفر بن سليمان الضبعي عن سعد بن الطريف عن الأصبغ بن نباتة قال: دخلت مع علي بن أبي طالب إلي الحسن بن علي رضي الله عنه نعوده فقال له علي: كيف أصبحت يابن رسول الله؟ قال: أصبحت بنعمة الله بارئاً. قال: كذلك إن شاء الله. ثم قال الحسن: أسندوني. فأسنده عليّ إلى صدره ثم قال: سمعت جَدي رسول الله يقول: "حديث : يابني أدِّ الفرائض تكن من أعبد الناس، وعليك بالقنوع تكن أغنى الناس، يا بني إن في الجنّة شجرة يُقال لها: شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء فلا يُنصب لهم ميزان ولا يُنشر لهم ديوان، يُصبّ عليهم الأجر صبًّا ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ". تفسير : حدثنا الحرث بن أبي اسامة حدثنا داود بن المخبر حدثنا عباد بن كثير عن أبي الزناد عن [.........] [عن أبي ذر عن النبي أنه] قال: "حديث : من سرّه أن يلحق بذوي الألباب والعقول فليصبر على الأذى والمكاره فذلك انه [.........] الجزع ومن جزع صيّره جزعه إلى النار، وما نال الفوز في القيامة إلاّ الصابرون إن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وقال الله تعالى: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} ". تفسير : {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} من هذه الأمة {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} فعبدت غيره {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وهذا حين دعى إلى دين آبائه، قاله أكثر المفسرين. وقال أبو حمزة الثمالي والسبب هذه الآية منسوخة، إنما هذا قبل أن غُفِرَ ذنب رسول الله (عليه السلام). {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي * فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ}. أمر توبيخ وتهديد كقوله {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ}تفسير : [فصلت: 40]. وقيل: نسختها آية القتال {قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ} وأزواجهم وخدمهم في الجنّة {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ}. قال ابن عبّاس: إن الله تعالى جعل لكل إنسان منزلاً في الجنّة وأهلاً، فمن عمل بطاعة الله تعالى كان له ذلك المنزل والأهل، ومن عمل بمعصية الله [أخذه] الله تعالى إلى النار، وكان المنزل ميراثاً لمن عمل بطاعة الله إلى ما كان له قبل ذلك وهو قوله تعالى:{أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ}تفسير : [المؤمنون: 10]. {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ} أطباق وسرادق {مِّنَ ٱلنَّارِ} ودخانها {وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} مهاد وفراش من نار، وإنما سمّي الأسفل ظلاً، لأنها ظلل لمن تحتهم، نظيره قوله تعالى: {أية : لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}تفسير : [الأعراف: 41] وقوله: {أية : يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 55] وقوله: {أية : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}تفسير : [الكهف: 29] وقوله: {أية : وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ}تفسير : [الواقعة: 43] وقوله سبحانه وتعالى: {أية : ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ}تفسير : [المرسلات: 30]. {ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ * وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوت} الأوثان {أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ} رجعوا له {إِلَى ٱللَّهِ} إلى عبادة الله {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ} في الدُّنيا بالجنّة وفي العقبى {فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} أرشده وأهداه إلى الحق. أخبرنا الحسين بن محمّد الدينوري حدثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق أخبرنا إبراهيم بن محمّد حدثنا يونس حدثنا ابن وهب أخبرنا يحيى بن أيوب عن خالد بن يزيد عن عبد الله بن زحر عن سعيد بن مسعود قال: قال أبو الدرداء: لولا ثلاث ما أحببت أن أعيش يوماً واحداً: الظما بالهواجر، والسجود في جوف الليل، ومجالسه أقوام ينتقون من خير الكلام كما ينتقي طيب التمر. قال قتادة: أحسنهُ طاعة الله. وقال السدي: أحسنه مايرجون به فيعملون به. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}. عن ابن زيد في قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ} الآيتين: حدثني أبي: أن هاتين الآيتين نزلتا في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلاّ الله، وهم زيد بن عمرو وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي. {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ} [يريد أبا لهب وولده] {أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ} أي: هو يكون من أهل النار، كرر الإستفهام كما كرر: أنكم {أية : أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ}تفسير : [المؤمنون: 35]. ومثله كثير.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة (أم) تفيد التخيير بين أمرين، تقول هذا أم هذا، فلا بُدّ أن يكون لها مقابل، فما مقابل {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ ..} [الزمر: 9] المقابل لذلك في قوله تعالى قبلها: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ..} تفسير : [الزمر: 8]. فالمعنى أيهما أحسن من صفته إذا مسَّه الضر يضرع إلى الله، فإذا كشف عنه الضر جعل لله أنداداً، أمَّن هو قانتٌ آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه. ومعنى: {قَانِتٌ ..} [الزمر: 9] دائم الخضوع والعبادة (آنَاءَ) جمع (إنْو) مثل حِمْل وأحمال، فكلمة (إنْو) أي: جزء من الليل، وهي من حيث التصريف أأْناو وقُلِبتْ الهمزة إلى مَدٍّ والواو إلى همزة لأنها وقعتْ بعد الألف الزائدة، فصارت (آناء). وقوله: {يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ} [الزمر: 9] يعني: يخاف منها ومن القهر فيها {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9] لأن رحمته سبقت غضبه، لم يقل يأمن مقابل يحذر إنما ذكر أولاً ما يُخوِّف من الآخرة إنْ عصى، والمراد يحذر النار في الآخرة، لكن لما تكلَّم عن رحمة الله جعلها مباشرة، فقال {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9] ولم يقل: ويرجو الجنة. والمؤمن حين يرجو لا يرجو عمله وسَعْيه في الدنيا، إنما يرجو وينتظر رحمة الله، لأنه لا ينجو بعمله، لأن أيَّ إنسان مهما كان صالحاً حين تحاسبه حساباً دقيقاً لا بُدَّ أنْ يخرج بذنوب وإدانة. إذن: فالكفيل فينا جميعاً والذي يسعنا رحمة الله، كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : لا يدخل أحدٌ الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا إلا أنْ يتغمدني الله برحمته ". تفسير : فإياك إذن أنْ تغترَّ بعملك، لأن التكاليف كلها لصالحك أنت، ولا يعود على الله منها شيء، فحين يجازيك عليها في الآخرة فهو تفضُّل من الله ونعمة. ثم يقول سبحانه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] بعد أن عقد الحق سبحانه مقارنة بين الإنسان إذا مسَّه ضُر دعا ربه منيباً إليه، ثم إذا خوَّله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل، ومَنْ هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذَرُ الآخرة ويرجو رحمة ربه. أراد سبحانه أن يؤكد هذا المعنى، وأنْ يبين لنا أن أصحاب العلم الحقيقي لا يستوون، وأصحاب العلم غير الحقيقي {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] فالذي رجع إلى الكفر بعد أنْ كشف الله عنه ضُره لم يعلم العلم الحقيقي، لأنه لو علمه ما رجع إلى الكفر ولاستقلَّ المطلوب منه في الدنيا إذا قارنه بما أعدّ له من جزاء في الآخرة. أما الذي هو قانِتٌ آناءَ الليل ساجداً وقائماً، يحذَرُ الآخرة، ويرجو رحمة ربه، فقد علم العلم الحقيقي، فالقنوت بالليل فيه مسائل كثيرة: أولاً: أنه أبعد عن الرياء والسمعة، ثانياً: أن كل جوارحه تفرغتْ للقاء ربه، فالعين مثلاً في ظلمة الليل تستريح من المرائي التي تشغل الإنسان وتأخذ انتباهه؛ لأن كل مرءَى يأخذ جزءاً من خواطرك، فهذا راح وهذا جاء وهذا قال وهذا .. أما الليل فسكونٌ لا انشغال فيه، فالجوارح كلها خالصة لوجه الله، لا تشغلها المرائي والأصوات. وهذا الجو يوفر لك وقفة حقيقية وخاشعة بين يدي الله. وفي القنوت تترك النوم وتحرم نفسك راحتها، لتقوم بين يدَيْ ربك ساجداً أو قائماً؛ لذلك يقول الشاعر: شعر : خَلوْتُ إلى رَبِّي فَهِمْتُ بِقُرْبه وَصِرْتُ خَفِيفَ النفْسِ كَأنِّي بِلاَ جسْمِ تَلوْتُ كِتابَ الله فيا نعمَ ما عُوِّضْتُ مِنْ نعمةِ النَّوْمِ تَمنَّيتُ ليْلي أنْ يطُولَ لأنتهي إلى السِّين مِنْ والنّاسِ موصُولة باسْمِ تفسير : هذه صفة أهل القنوت الذين يقضون الليل في مناجاة ربهم، وهذا هو حال المرتحل في كتاب الله الذي لا ينتهي إلى السين من والناس حتى يبدأ في بسم الله الرحمن الرحيم في أوله؛ لذلك سبق أنْ قُلْنا: إن القرآن كله مبني على الوصْل، لا على الوقف. فهل يستوي مَنْ هذا حاله مع مَنْ كفر بالله؟ هذا علم وعمل، ولذلك لم يعلم أو علم ولم يُوظِّف علمه فيما ينفعه. ثم إن العبد حينما يعلم ويعمل بعلمه يُفيض الله عليه بالمزيد، فيعطيه علمَ المكاشفة، وعلمَ الفيض، رحمةً منه سبحانه وفضلاً، كما رأينا في قصة العبد الصالح الذي صاحبه سيدنا موسى - عليه السلام - قال تعالى في شأنه: {أية : آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} تفسير : [الكهف: 65] كذلك الرحمة هنا في {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9] أي: الفيوضات الخاصة التي يفيض الله بها على مَنْ ظل في معيته، ونحن نشاهد هذا في عالم البشر، فحين يكون لك صديق يلازمك ويسير في معيتك لا بُدَّ أن تخصَّه بفضلك وخصوصياتك، فما بالك بمَنْ ظل في معية ربه؟ أيعطيك بلا خصوصية؟ أيُسوِّيك بمَنْ يؤدي الفرض وحده؟ لذلك قال سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : ما تقرب إليَّ عبدي بمثل ما افترضتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجْلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأُعطينه ". تفسير : وهكذا يدخل العبد في الربانية التي تقول للشيء كُنْ فيكون، وهذه من الفيوضات لمن كان لله ساجداً أو قائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، يعبده بلا رياء ولا سمعة، ويمنع نفسه النومَ والراحة؛ لأنه أنِسَ بربه، واستراح في قربه. فقوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] دلّ على أن هناك علماً اسمه علم المكاشفة، يُفيض الله به على مَنْ يشاء من عباده الصالحين، الذين استحقوا هذه المنزلة، فالعبد الصالح صاحب موسى وعبد الله على منهج موسى، وليس برسول، ومع ذلك فاق الرسول؛ لأن موسى - عليه السلام - أوصله بربه فتقرَّب إليه، حتى صار من أهل المكاشفة واتصل هو بالله مباشرة، وأطلعه الله على ما لم يُطلِع عليه نبيه موسى عليه السلام. لذلك في آخر قصته مع سيدنا موسى قال: {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} تفسير : [الكهف: 82] إذن: فمهمة الرسل أنْ يُوصلُوا الخَلْق بالخالق، فإذا ما اتصلوا به كان الخط بينهما مباشراً، وكُلٌّ بحسب قُرْبه من ربه. وقوله سبحانه {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [الزمر: 9]. أي: أصحاب العقول المفكرة التي تبحث في المحسَّات، وتتأمل في الآيات؛ لأن للإنسان حواسَّ تدرك، وعقلاً يرجح ويختار، فيأخذ هذه بالسمع، وهذه بالبصر، وهذه بالأنف ثم يعرضها على العقل لينظرَ ما فيها من الخير وما فيها من الشر، فإنْ كان العقل صحيحاً رجح الخير، واختار من البدائل أجداها فائدة، وأهمها نفعاً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} فقانتٌ معناه مُطيعٌ والقَانتُ: القَائمُ أيضاً. وأناءُ الليلِ: سَاعاتُهُ، واحدُها آنى. ويَحذرُ الآخرةَ: معناه عذابُ الآخرةِ.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} أي: يتعجب المشرك المثبت لنا شركاء وأنداداً من تهديدنا إياه بالنار وعذابها، فيظن أن من هو قائم على أداء العبادات، مواظب عليها {آنَآءَ ٱلَّيلِ} أي: في خلاله وأطراف النهار {سَاجِداً} متذللاً واضعاً جبهته على تراب المذلة من خشيتنا {وَقَآئِماً} على قدميه مدة متطاولة تعظيماً لأمرنا، مع أنه {يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ} أي: العذاب الأحق فيها بمقتضى جلالنا وسخطنا {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} على مقتضى لطفه وجلاله وجماله كهؤلاء الكفرة بالله، الجهلة بشأنه، المتخذين له سبحانه أنداداً ظلماً وزوراً، مع تعاليه عنه سبحانه. وبعدما تفرست يا أكمل الرسل منهم هذا الظن والتسوية {قُلْ} لهم على سبيل التبكيت والإلزام، مستفهماً أياهم على سبيل التوبيخ والتقريع: {هَلْ يَسْتَوِي} المكلفون {ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ} الحق بذاته وأسمائه وأوصافه، ويعبدون له سبحانه بمقتضى علمهم به، وبأوامره ونواهيه {وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} ذاته ولا شيئاً من أوصافه وأسمائه، ولا يعبدون له أيضاً؟ كلا وحاشا، من أين تتأتى المساواة، فشتان ما بين العالم والجاهل، والعابد والعاصي، إلا أنه {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} [الزمر: 9] أي: ما يتذكر ويتعظ بأمثال هذه المواعظ والتذكيرات المنبهة على سرائر التوحيد، إلا أولو الألباب الناظرون إلى لُبِّ الأمور، المعرضون عن قشوره. {قُلْ} يا أكمل الرسل نيابة عنَّا منادياً لخلص عبادنا: {يٰعِبَادِ} أضافهم إلى نفسه اختصاصً وتكريماً {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} منكم بوحدة ذاتي وظهوري حسب شئوني وتطوراتي بمقتضى أسمائي وصفاتي، مقتضى إيمانكم التقوى عن مقتضيات الهوى {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} واجتنبوا عن محارمه ومنهياته، واتصفوا بمأموراته، واعلموا أنه {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} الأدب مع الله {فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا} التي هي نشأة الاعتبار والاختيار {حَسَنَةٌ} وبأضعافها وآلافها أيضاً في الآخرة التي هي دار القرار، فاعتبروا يا أولي البصائر والأبصار. فعليكم الإتيان بالإحسان في كل حين وأوان وزمان ومكان {وَ} لا تفتروا عنه، وعن المواظبة عليه بتفاقم الأحزان وتلاطم أمواج الفتن في الأوطان؛ إذ {أَرْضُ ٱللَّهِ} المعدة لأداء العبادات والاشتغال بالطاعات {وَاسِعَةٌ} فسيحة، فعليكم الجلاء لأجل الفراغ والخلاء، فتهاجروا إليها متحملين ما لحقكم من الشدائد والمتاعب في الانتقال، صابرين على مفارقة الأوطان والخلان، ومصادفة الكروب والأحزان، واعلموا {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ} المتحملون لأنواع الشدائد والمشاق في طريق الإيمان {أَجْرَهُمْ} ويوفر عليهم الحسنات وأنواع المثوبات والكرامات {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] إلى توفية وتوفير لا يمكن ضبطه بالعد والإحصاء تفضلاً عليهم وتكريماً. وفي الحديث صلوات الله على قائله: "حديث : تنصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج، فيوفون بها أجورهم، ولا ينصب لأهل البلاء، بل يصب عليهم الأجر، وحتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض، مما يذهب به أهل البلاء من الفضل ".
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه مقابلة بين العامل بطاعة اللّه وغيره، وبين العالم والجاهل، وأن هذا من الأمور التي تقرر في العقول تباينها، وعلم علما يقينا تفاوتها، فليس المعرض عن طاعة ربه، المتبع لهواه، كمن هو قانت أي: مطيع للّه بأفضل العبادات وهي الصلاة، وأفضل الأوقات وهو أوقات الليل، فوصفه بكثرة العمل وأفضله، ثم وصفه بالخوف والرجاء، وذكر أن متعلق الخوف عذاب الآخرة، على ما سلف من الذنوب، وأن متعلق الرجاء، رحمة اللّه، فوصفه بالعمل الظاهر والباطن. { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ } ربهم ويعلمون دينه الشرعي ودينه الجزائي، وما له في ذلك من الأسرار والحكم { وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } شيئا من ذلك؟ لا يستوي هؤلاء ولا هؤلاء، كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلام، والماء والنار. { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ } إذا ذكروا { أُولُو الألْبَابِ } أي: أهل العقول الزكية الذكية، فهم الذين يؤثرون الأعلى على الأدنى، فيؤثرون العلم على الجهل، وطاعة اللّه على مخالفته، لأن لهم عقولا ترشدهم للنظر في العواقب، بخلاف من لا لب له ولا عقل، فإنه يتخذ إلهه هواه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):