٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين نفي المساواة بين من يعلم وبين من لا يعلم، أتبعه بأن أمر رسوله بأن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام: النوع الأول: قوله: {قُلْ يا عِبَادِى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ } والمراد أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يضموا إلى الإيمان التقوى، وهذا من أول الدلائل على أن الإيمان يبقى مع المعصية، قال القاضي: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم، لأن عند الاتقاء من الكبائر يسلم لهم الثواب وبالإقدام عليها يحبط، فيقال له هذا بأن يدل على ضد قولك أولى، لأنه لما أمر المؤمنين بالتقوى دل ذلك على أنه يبقى مؤمناً مع عدم التقوى، وذلك يدل على أن الفسق لا يزيل الإيمان. واعلم أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالاتقاء بين لهم ما في هذا الاتقاء من الفوائد، فقال تعالى: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ } فقوله: {فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا } يحتمل أن يكون صلة لقوله: {أَحْسَنُواْ } أو لحسنة، فعلى التقدير الأول معناه للذين أحسنوا في هذه الدنيا كلهم حسنة في الآخرة، وهي دخول الجنة، والتنكير في قوله: {حَسَنَةٌ } للتعظيم يعني حسنة لا يصل العقل إلى كنه كمالها. وأما على التقدير الثاني: فمعناه الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة، والقائلون بهذا القول قالوا هذه الحسنة هي الصحة والعافية، وأقول الأولى أن تحمل على الثلاثة المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية» تفسير : ومن الناس من قال القول الأول أولى ويدل عليه وجوه الأول: أن التنكير في قوله: {حَسَنَةٌ } يدل على النهاية والجلالة والرفعة، وذلك لا يليق بأحوال الدنيا، فإنها خسيسة ومنقطعة، وإنما يليق بأحوال الآخرة، فإنها شريفة وآمنة من الانقضاء والانقراض والثاني: أن ثواب المحسن بالتوحيد والأعمال الصالحة إنما يحصل في الآخرة قال تعالى: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ } وأيضاً فنعمة الدنيا من الصحة والأمن والكفاية حاصلة للكفار، وأيضاً فحصولها للكافر أكثر وأتم من حصولها للمؤمن، كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» تفسير : وقال تعالى: {أية : لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } تفسير : [الزخرف: 33]، الثالث: أن قوله: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ } يفيد الحصر، بمعنى أنه يفيد أن حسنة هذه الدنيا لا تحصل إلا للذين أحسنوا، وهذا باطل. أما لو حملنا هذه الحسنة على حسنة الآخرة صح هذا الحصر، فكأن حمله على حسنة الآخرة أولى، ثم قال الله تعالى: {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ } وفيه قولان الأول: المراد أنه لا عذر ألبتة للمقصرين في الإحسان، حتى إنهم إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفرة على الإحسان وصرف الهمم إليه، قل لهم فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة، فتحولوا من هذه البلاد إلى بلاد تقدرون فيها على الاشتغال بالطاعات والعبادات، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم، ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم، وطاعة إلى طاعتهم، والمقصود منه الترغيب في الهجرة من مكة إلى المدينة والصبر على مفارقة الوطن، ونظيره قوله تعالى: {أية : قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا } تفسير : [النساء: 97] والقول الثاني: قال أبو مسلم: لا يمتنع أن يكون المراد من الأرض أرض الجنة، وذلك لأنه تعالى أمر المؤمنين بالتقوى وهي خشية الله، ثم بين أن من اتقى فله في الآخرة الحسنة، وهي الخلود في الجنة، ثم بين أن أرض الله، أي جنته واسعة، لقوله تعالى: {أية : نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء } تفسير : [الزمر: 74] وقوله تعالى: {أية : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : [آل عمران: 133] والقول الأول عندي أولى، لأن قوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } لا يليق إلا بالأول، وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: أما تحقيق الكلام في ماهية الصبر، فقد ذكرناه في سورة البقرة، والمراد ههنا بالصابرين الذين صبروا على مفارقة أوطانهم وعشائرهم، وعلى تجرع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله تعالى. المسألة الثانية: تسمية المنافع التي وعد الله بها على الصبر بالأجر توهم أن العمل على الثواب، لأن الأجر هو المستحق، إلا أنه قامت الدلائل القاهرة على أن العمل ليس عليه الثواب، فوجب حمل لفظ الأجر على كونه أجراً بحسب الوعد، لا بحسب الاستحقاق. المسألة الثالثة: أنه تعالى وصف ذلك الأجر بأنه بغير حساب، وفيه وجوه الأول: قال الجبائي: المعنى أنهم يعطون ما يستحقون ويزدادون تفضلاً فهو بغير حساب، ولو لم يعطوا إلا المستحق لكان ذلك حساباً، قال القاضي هذا ليس بصحيح، لأن الله تعالى وصف الأجر بأنه بغير حساب، ولو لم يعطوا إلا الأجر المستحق، والأجر غير التفضل الثاني: أن الثواب له صفات ثلاثة أحدها: أنها تكون دائمة الأجر لهم، وقوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } معناه بغير نهاية، لأن كل شيء دخل تحت الحساب فهو متناه، فما لا نهاية له كان خارجاً عن الحساب وثانيها: أنها تكون منافع كاملة في أنفسها، وعقل المطيع ما كان يصل إلى كنه ذلك الثواب، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» تفسير : وكل ما يشاهدونه من أنواع الثواب وجدوه أزيد مما تصوروه وتوقعوه، وما لا يتوقعه الإنسان، فقد يقال إنه ليس في حسابه، فقوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ } محمول على هذا المعنى والوجه الثالث: في التأويل أن ثواب أهل البلاء لا يقدر بالميزان والمكيال، روى صاحب «الكشاف» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ينصب الله الموازين يوم القيامة، فيؤتى أهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صباً» تفسير : قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض لما به أهل البلاء من الفضل. النوع الثاني: من البيانات أمر الله رسوله أن يذكرها قوله تعالى: {قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينَ } قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟ ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى! فأنزل الله، قل يا محمد إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين، وأقول إن التكليف نوعان أحدهما: الأمر بالاحتراز عما لا ينبغي والثاني: الأمر بتحصيل ما ينبغي، والمرتبة الأولى مقدمة على المرتبة الثانية بحسب الرتبة الواجبة اللازمة، إذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى قدم الأمر بإزالة ما ينبغي فقال: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ } لأن التقوى هي الاحتراز عما لا ينبغي ثم ذكر عقيبه الأمر بتحصيل ما ينبغي فقال: {إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينَ } وهذا يشتمل على قيدين أحدهما: الأمر بعبادة الله الثاني: كون تلك العبادة خالصة عن شوائب الشرك الجلي وشوائب الشرك الخفي، وإنما خص الله تعالى الرسول بهذا الأمر لينبه على أن غيره بذلك أحق فهو كالترغيب للغير، وقوله تعالى: {وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ } لا شبهة في أن المراد إني أول من تمسك بالعبادات التي أرسلت بها، وفي هذه الآية فائدتان: الفائدة الأولى: كأنه يقول إني لست من الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلون ذلك، بل كل ما أمرتكم به فأنا أول الناس شروعاً فيه وأكثرهم مداومة عليه. الفائدة الثانية: أنه قال: {إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ } والعبادة لها ركنان عمل القلب وعمل الجوارح، وعمل القلب أشرف من عمل الجوارح، فقدم ذكر الجزء الأشرف وهو قوله: {مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينِ } ثم ذكر عقيبه الأدون وهو عمل الجوارح وهو الإسلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإسلام في خبر جبريل عليه السلام بالأعمال الظاهرة، وهو المراد بقوله في هذه الآية: {وَأُمِرْتُ لأَن أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ } وليس لقائل أن يقول ما الفائدة في تكرير لفظ {أُمِرْتُ } لأنا نقول ذكر لفظ {أُمِرْتُ } أولاً في عمل القلب وثانياً في عمل الجوارح ولا يكون هذا تكريراً. الفائدة الثالثة: في قوله: {وَأُمِرْتُ لأَن أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ } التنبيه على كونه رسولاً من عند الله واجب الطاعة، لأن أول المسلمين في شرائع الله لا يمكن أن يكون إلا رسول الله، لأن أول من يعرف تلك الشرائع والتكاليف هو الرسول المبلغ، ولما بين الله تعالى أمره بالإخلاص بالقلب وبالأعمال المخصوصة، وكان الأمر يحتمل الوجوب ويحتمل الندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال: {قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } وفيه فوائد: الفائدة الأولى: أن الله أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجري هذا الكلام على نفسه، والمقصود منه المبالغة في زجر الغير عن المعاصي، لأنه مع جلالة قدرة وشرف نبوته إذا وجب أن يكون خائفاً حذراً عن المعاصي فغيره بذلك أولى. الفائدة الثانية: دلت الآية على أن المرتب على المعصية ليس حصول العقاب بل الخوف من العقاب، وهذا يطابق قولنا: إن الله تعالى قد يعفو عن المذنب والكبيرة، فيكون اللازم عند حصول المعصية هو الخوف من العقاب لا نفس حصول العقاب. الفائدة الثالثة: دلت هذه الآية على أن ظاهر الأمر للوجوب، وذلك لأنه قال في أول الآية: {إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ } ثم قال بعده: {قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } فيكون معنى هذا العصيان ترك الأمر الذي تقدم ذكره، وذلك يقتضي أن يكون تارك الأمر عاصياً، والعاصي يترتب عليه الخوف من العقاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك. النوع الثالث: من الأشياء التي أمر الله رسوله أن يذكرها قوله: {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى } فإن قيل ما معنى التكرير في قوله: {قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينَ } وقوله: {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى }؟، قلنا هذا ليس بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالإتيان بالعبادة، والثاني إخبار بأنه أمر بأن لا يعبد أحداً غيره، وذلك لأن قوله: {أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ } لا يفيد الحصر وقوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ } يفيد الحصر يعني الله أعبد ولا أعبد أحداً سواه، والدليل عليه أنه لما قال بعد: {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ } قال بعده: {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ } ولا شبهة في أن قوله: {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ } ليس أمراً بل المراد منه الزجر، كأنه يقول لما بلغ البيان في وجوب رعاية التوحيد إلى الغاية القصوى فبعد ذلك أنتم أعرف بأنفسكم، ثم بين تعالى كمال الزجر بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } لوقوعها في هلاك لا يعقل هلاك أعظم منه، وخسروا أهليهم أيضاً لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة، فقد ذهبوا عنهم ذهاباً لا رجوع بعده ألبتة، وقال ابن عباس: إن لكل رجل منزلاً وأهلاً وخدماً في الجنة، فإن أطاع أعطى ذلك، وإن كان من أهل النار حرم ذلك فخسر نفسه وأهله ومنزله وورثه غيره من المسلمين، والخاسر المغبون، ولما شرح الله خسرانهم وصف ذلك الخسران بغاية الفظاعة فقال: {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ } كان التكرير لأجل التأكيد الثاني: أنه تعالى ذكر في أول هذه الكلمة حرف ألا وهو للتنبيه، وذكر التنبيه في هذا الموضع يدل على التعظيم كأنه قيل إنه بلغ في العظمة إلى حيث لا تصل عقولكم ليها فتنبهوا لها الثالث: أن كلمة (هو): في قوله: {هُوَ ٱلْخُسْرٰنُ ٱلْمُبِينُ } تفيد الحصر كأنه قيل كل خسران فإنه يصير في مقابلته كل خسران الرابع: وصفه بكونه (مبيناً): يدل على التهويل، وأقول قد بينا أن لفظ الآية يدل على كونه خسراناً مبيناً فلنبين بحسب المباحث العقلية كونه خسراناً مبيناً، وأقول نفتقر إلى بيان أمرين إلى أن يكون خسراناً ثم كونه مبيناً أما الأول: فتقريره أنه تعالى أعطى هذه الحياة وأعطى العقل، وأعطى المكنة وكل ذلك رأس المال، أما هذه الحياة فالمقصود منها أن يكتسب فيها الحياة الطيبة في الآخرة. وأما العقل فإنه عبارة عن العلوم البديهية وهذه العلوم هي رأس المال والنظر، والفكر لا معنى له إلا ترتيب علوم ليتوصل بذلك الترتيب إلى تحصيل علوم كسبية، فتلك العلوم البديهية المسماة بالعقل رأس المال وتركيبها على الوجوه المخصوصة يشبه تصرف التاجر في رأس المال وتركيبها على الوجوه بالبيع والشراء، وحصول العلم بالنتيجة يشبه حصول الربح، وأيضاً حصول القدرة على الأعمال يشبه رأس المال، واستعمال تلك القوة في تحصيل أعمال البر والخير يشبه تصرف التاجر في رأس المال، وحصول أعمال الخير والبر يشبه الربح، إذا ثبت هذا فنقول: إن من أعطاه الله الحياة والعقل والتمكن، ثم إنه لم يستفد منها لا معرفة الحق ولا عمل الخير ألبتة كان محروماً عن الربح بالكلية، وإذا مات فقد ضاع رأس المال بالكلية فكان ذلك خسراناً، فهذا بيان كونه خسراناً وأما الثاني: وهو بيان كون ذلك الخسران مبيناً فهو أن من لم يربح الزيادة ولكنه مع ذلك سلم من الآفات والمضار، فهذا كما لم يحصل له مزيد نفع لم يحصل له أيضاً مزيد ضرر، أما هؤلاء الكفار فقد استعملوا عقولهم التي هي رأس مالهم في استخراج وجوه الشبهات وتقوية الجهالات والضلالات، واستعملوا قواهم وقدرهم في أفعال الشر والباطل والفساد، فهم قد جمعوا بين أمور في غاية الرداءة أولها: أنهم أتعبوا أبدانهم وعقولهم طلباً في تلك العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة وثانيها: أنهم عند الموت يضيع عنهم رأس المال من غير فائدة وثالثها: أن تلك المتاعب الشديدة التي كانت موجودة في الدنيا في نصرة تلك الضلالات تصير أسباباً للعقوبة الشديدة والبلاء العظيم بعد الموت، وعند الوقوف على هذه المعاني يظهر أنه لا يعقل خسران أقوى من خسرانهم، ولا حرمان أعظم من حرمانهم، ونعوذ بالله منه. ولما شرح الله تعالى أحوال حرمانهم عن الربح وبين كيفية خسرانهم، بين أنهم لم يقتصروا على الحرمان والخسران، بل ضموا إليه استحقاق العذاب العظيم والعقاب الشديد، فقال: {لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} والمراد إحاطة النار بهم من جميع الجوانب، ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة الجهل والحرمان والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان، فإن قيل الظلل ما على الإنسان فكيف سمى ما تحته بالظلل؟ والجواب من وجوه الأول: أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر كقوله: {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها } تفسير : [الشورى: 40]، الثاني: أن الذي يكون تحته يكون ظلة لإنسان آخر تحته لأن النار دركات كما أن الجنة درجات والثالث: أن الظلة التحتانية إذا كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الحرارة والإحراق والإيذاء، أطلق اسم أحدهما على الآخر لأجل المماثلة والمشابهة. قال الحسن هم بين طبقتين من النار لا يدرون ما فوقهم أكثر مما تحتهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 55] وقوله تعالى: {أية : لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } تفسير : [الأعراف: 41]. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ يُخَوّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ } أي ذلك الذي تقدم ذكره من وصف العذاب فقوله: {ذٰلِكَ } مبتدأ وقوله: {يُخَوّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ } خبر، وفي قوله: {يُخَوّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ } قولان الأول: التقدير ذلك العذاب المعد للكفار هو الذي يخوف الله به عباده أي المؤمنين، لأنا بينا أن لفظ العباد في القرآن مختص بأهل الإيمان وإنما كان تخويفاً للمؤمنين لأجل أنهم إذا سمعوا أن حال الكفار ما تقدم خافوا فأخلصوا في التوحيد والطاعة الوجه الثاني: أن هذا الكلام في تقدير جواب عن سؤال، لأنه يقال إنه تعالى غني عن العالمين منزه عن الشهوة والانتقام وداعية الإيذاء، فكيف يليق به أن يعذب هؤلاء المساكين إلى هذا الحد العظيم، وأجيب عنه بأن المقصود منه تخويف الكفار والضلال عن الكفر والضلال، فإذا كان التكليف لا يتم إلا بالتخويف والتخويف لا يكمل الانتفاع به إلا بإدخال ذلك الشيء في الوجود وجب إدخال ذلك النوع من العذاب في الوجود تحصيلاً لذلك المطلوب الذي هو التكليف، والوجه الأول عندي أقرب، والدليل عليه أنه قال بعده: {يا عِبَادِ فَٱتَّقُونِ } وقوله: {يا عبادِ} الأظهر منه أن المراد منه المؤمنون فكأنه قيل المقصود من شرح عذاب الكفار للمؤمنين تخويف المؤمنين فيا أيها المؤمنون بالغوا في الخوف والحذر والتقوى.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي قل يا محمد لعبادي المؤمنين {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} أي اتقوا معاصيه والتاء مبدلة من واو وقد تقدم. وقال ابن عباس: يريد جعفر بن أبي طالب والذين خرجوا معه إلى الحبشة. ثم قال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ} يعني بالحسنة الأولى الطاعة وبالثانية الثواب في الجنة. وقيل: المعنى للذين أحسنوا في الدنيا حسنة في الدنيا، يكون ذلك زيادة على ثواب الآخرة، والحسنة الزائدة في الدنيا الصحة والعافية والظفر والغنيمة. قال القُشَيري: والأول أصح؛ لأن الكافر قد نال نعم الدنيا. قلت: وينالها معه المؤمن ويزاد الجنة إذا شكر تلك النعم. وقد تكون الحسنة في الدنيا الثناء الحسن، وفي الآخرة الجزاء. {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} فهاجروا فيها ولا تقيموا مع من يعمل بالمعاصي. وقد مضى القول في هذا مستوفى في «النساء». وقيل: المراد أرض الجنة؛ رغّبهم في سعتها وسعة نعيمها؛ كما قال: {أية : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} تفسير : [آل عمران: 133] والجنة قد تسمى أرضاً؛ قال الله تعالى: {أية : وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ} تفسير : [الزمر: 74] والأول أظهر فهو أمر بالهجرة. أي ارحلوا من مكة إلى حيث تأمنوا. الماوردي: يحتمل أن يريد بسعة الأرض سعة الرزق؛ لأنه يرزقهم من الأرض فيكون معناه ورزق الله واسع وهو أشبه؛ لأنه أخرج سعتها مخرج الامتنان. قلت: فتكون الآية دليلاً على الانتقال من الأرض الغالية، إلى الأرض الراخية؛ كما قال سفيان الثوري: كن في موضع تملأ فيه جرابك خبزاً بدرهم. {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي بغير تقدير. وقيل: يزاد على الثواب؛ لأنه لو أعطي بقدر ما عمل لكان بحساب. وقيل: «بِغَيْرِ حِسَابٍ» أي بغير متابعة ولا مطالبة كما تقع المطالبة بنعيم الدنيا. و«الصَّابِرُونَ» هنا الصائمون؛ دليله قوله عليه الصلاة والسلام مخبراً عن الله عز وجل: «حديث : الصوم لي وأنا أجزي به»تفسير : قال أهل العلم: كل أجر يكال كيلاً ويوزن وزناً إلا الصوم فإنه يُحْثَى حَثْواً ويُغْرَف غَرْفاً؛ وحكي عن علي رضي الله عنه. وقال مالك بن أنس في قوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } قال: هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها. ولا شك أن كل من سلّم فيما أصابه، وترك ما نهي عنه، فلا مقدار لأجره. وقال قتادة: لا والله ما هناك مكيال ولا ميزان، حدثني أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تنصب الموازين فيؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين وكذلك الصلاة والحج ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصبّ عليهم الأجر بغير حساب قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل»تفسير : . وعن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أدّ الفرائض تكن من أعبد الناس وعليك بالقنوع تكن من أغنى الناس، يا بُني إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى يؤتَى بأهل البلاء فلا يُنصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان يُصبّ عليهم الأجر صبًّا»تفسير : ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }. ولفظ صابر يمدح به وإنما هو لمن صبر عن المعاصي، وإذا أردت أنه صبر على المصيبة قلت صابر على كذا؛ قاله النحاس. وقد مضى في «البقرة» مستوفى.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بالاستمرار على طاعته وتقواه {قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ} أي: لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم، وقوله: {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} قال مجاهد: فهاجروا فيها، وجاهدوا، واعتزلوا الأوثان، وقال شريك عن منصور عن عطاء في قوله تبارك وتعالى: {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} قال: إذا دعيتم إلى معصية، فاهربوا، ثم قرأ: {أية : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا}تفسير : [النساء:97] وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} قال الأوزاعي: ليس يوزن لهم، ولا يكال لهم، إنما يغرف لهم غرفاً، وقال ابن جريج: بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يزادون على ذلك، وقال السدي: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} يعني: في الجنة. وقوله: { قُلْ إِنِّىۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} أي: إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، { وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} قال السدي: يعني: من أمته صلى الله عليه وسلم
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ يٰعِبَادِٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ } أي عذابه بأن تطيعوه {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا } بالطاعة {حَسَنَةٌ } هي الجنة {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ } فهاجروا إليها من بين الكفار ومشاهدة المنكرات {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ } على الطاعة وما يبتلون به {أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } بغير مكيال ولا ميزان.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ} فيه وجهان: أحدهما: معناه، للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة في الآخرة، وهي الجنة. الثاني: للذين أحسنوا في الدنيا حسنة في الدنيا فيكون ذلك زائداً على ثواب الآخرة. وفيما أريد بالحسنة التي لهم في الدنيا أربعة أوجه: أحدها: العافية والصحة، قاله السدي. الثاني: ما رزقهم الله من خير الدنيا، قاله يحيى بن سلام. الثالث: ما أعطاهم من طاعته في الدنيا وجنته في الآخرة، قاله الحسن. الرابع: الظفر والغنائم، حكاه النقاش. ويحتمل خامساً: إن الحسنة في الدنيا الثناء وفي الآخرة الجزاء. {وأرض الله واسعة} فيها قولان: أحدهما: أرض الجنة رغبهم في سعتها، حكاه ابن عيسى. الثاني: هي أرض الهجرة، قاله عطاء. ويحتمل ثالثاً: أن يريد بسعة الأرض سعة الرزق لأنه يرزقهم من الأرض فيكون معناه. ورزق الله واسع، وهو أشبه لأنه أخرج سعتها مخرج الامتنان بها. {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني بغير مَنٍّ عليهم ولا متابعة، قاله السدي. الثاني: لا يحسب لهم ثواب عملهم فقط ولكن يزدادون على ذلك، قاله ابن جريج. الثالث: لا يعطونه مقدراً لكن جزافاً. الرابع: واسعاً بغير تضييق قال الراجز: شعر : يا هند سقاك بلا حسابه سقيا مليك حسن الربابة تفسير : وحكي عن علي كرم الله وجهه قال: كل أجر يكال كيلاً ويوزن وزناً إلا أجر الصابرين فإنه يحثى حثواً.
ابن عبد السلام
تفسير : {حَسَنَةٌ} في الآخرة وهي الجنة، أو في الدنيا زيادة على ثواب الآخرة وهو ما رزقهم من خير الدنيا، أو العافية والصحة أو طاعة الله في الدنيا وجنته في الآخرة "ح"، أو الظفر والغنيمة. {وَأَرْضُ اللَّهِ} أرض الجنة، أو أرض الهجرة {بِغَيْرِ حِسَابٍ} بغير منّ ولا تباعة أو لا يحسب عليهم ثواب عملهم فقط ولكن يزادون على ذلك، أو يعطونه جزافاً غير مقدر أو واسعاً بغير ضيق قال علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ كل أجر يكال كيلاً ويوزن وزناً إلا أجر الصابرين فإنه يحثى لهم حثواً.
النسفي
تفسير : {قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } بلا ياء عند الأكثر {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ } بامتثال أوامره واجتناب نواهيه {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ } أي أطاعوا الله في الدنيا. و «في» يتعلق بـ {أَحْسَنُواْ } لا بـ {حَسَنَةٌ }، معناه الذين أحسنوا في هذه الدنيا فلهم حسنة في الآخرة وهي دخول الجنة أي حسنة لا توصف. وقد علقه السدي بـ {حَسَنَةٌ } ففسر الحسنة بالصحة والعافية. ومعنى {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ } أي لا عذر للمفرطين في الإحسان البتة حتى إن اعتلوا بأنهم لا يتمكنون في أوطانهم من التوفر على الإحسان. قيل لهم: فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة، فتحولوا إلى بلاد أخرى. واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ } على مفارقة أوطانهم وعشائرهم وعلى غيرها من تجرع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وازدياد الخير {أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يهتدي إليه حساب الحسّاب ولا يعرف. وهو حال من الأجر أي موفراً {قُلْ إِنِّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ } بأن أعبد الله {مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينِ } أي أمرت بإخلاص الدين {وَأُمِرْتُ لأَِنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ } وأمرت بذلك لأجل أن أكون أول المسلمين أي مقدمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة، والمعنى أن الإخلاص له السُّبقة في الدين فمن أخلص كان سابقاً، فالأول أمر بالعبادة مع الإخلاص، والثاني بالسبق فلاختلاف جهتيهما نزلاً منزلة المختلفين، فصح عطف أحدهما على الآخر. {قُلْ إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } لمن دعاك بالرجوع إلى دين آبائك، وذلك أن كفار قريش قالوا له عليه السلام: ألا تنظر إلى أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى فنزلت رداً عليهم {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى } وهذه الآية إخبار بأنه يخص الله وحده بعبادته مخلصاً له دينه دون غيره، والأولى إخبار بأنه مأمور بالعبادة والإخلاص فالكلام أولاً واقع في نفس الفعل وإثباته، وثانياً فيما يفعل الفعل لأجله ولذلك رتب عليه قوله: {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ } وهذا أمر تهديد. وقيل له عليه السلام: إن خالفت دين آبائك فقد خسرت فنزلت {قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ } أي الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه وأسبابه {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } بإهلاكها في النار {وَأَهْلِيهِمْ } أي وخسروا أهليهم {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ } لأنهم أضلوهم فصاروا إلى النار، ولقد وصف خسرانهم بغاية الفظاعة في قوله: {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ } حيث صدر الجملة بحرف التنبيه ووسط الفصل بين المبتدأ والخبر وعرف الخسران ونعته بالمبين، وذلك لأنهم استبدلوا بالجنة ناراً وبالدرجات دركات {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ } أطباق {مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } أطباق من النار وهي ظلل لآخرين أي النار محيطة بهم {ذٰلِكَ } الذي وصف من العذاب أو ذلك الظلل {يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ } ليؤمنوا به ويجتنبوا مناهيه {يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ } ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي خوّفهم بالنار. ثم حذرهم نفسه {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ } الشياطين «فعلوت» من الطغيان كالملكوت والرحموت إلا أن فيها قلباً بتقديم اللام على العين، أطلقت على الشيطان أو الشياطين لكون الطاغوت مصدراً، وفيها مبالغات وهي التسمية بالمصدر كأن عين الشيطان طغيان وأن البناء بناء مبالغة، فإن الرحموت الرحمة الواسعة، والملكوت الملك المبسوط والقلب وهو للاختصاص، إذ لا تطلق على غير الشيطان والمراد بها ههنا الجمع وقريء {الطواغيت} {أَن يَعْبُدُوهَا} بدل الاشتمال من الطاغوت أي عبادتها {وَأَنَابُواْ } رجعوا {إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } هي البشارة بالثواب تتلقاهم الملائكة عند حضور الموت مبشرين وحين يحشرون {فَبَشِّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } هم الذين اجتنبوا أنابوا، وإنما أراد بهم أن يكونوا مع الاجتناب والإنابة على هذه الصفة فوضع الظاهر موضع الضمير أراد أن يكونوا نقاداً في الدين يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل، فإذا اعترضهم أمران ـ واجب وندب ـ اختاروا الواجب، وكذا المباح والندب حراصاً على ما هو أقرب عند الله وأكثر ثواباً، أو يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن، أو يستمعون أوامر الله فيتبعون أحسنها نحو القصاص والعفو ونحو ذلك، أو يستمعون الحديث مع القوم فيه محاسن ومساوىء فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ وَأُوْلَـئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } أي المنتفعون بعقولهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} يُرْوَى أنَّ هذهِ الآيةَ نزلتْ في جَعْفَرِ بن أبي طالب وأصحابِهِ، حِينَ عزموا على الهجرة إلَىٰ أرض الحبشة، ووعد سبحانه بقوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ} فقولهُ: {فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا} متعلق بـ{أَحْسَنُواْ}، والمعنَىٰ: إنَّ الذين يُحْسِنُونَ في الدنيا لَهُمْ حَسَنَةٌ في الآخِرَة، وهي الجنةُ والنعيمُ؛ قاله مقاتلٌ ويحتملُ أنْ يريدَ: أن الذينَ يُحْسِنُونَ لهُم حسَنَةٌ في الدنيا، وهي العافيةُ والظهورُ وولايةُ اللَّهِ تعالى؛ قاله السُّدّيُّ، والأَوَّلُ أرجح أن الحسَنَةَ هِي في الآخِرة. وقوله سبحانه: {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} حَضٌّ عَلى الهجرةِ، ثم وَعَدَ تعالى على الصَّبْرِ على المكارِهِ، والخروج مِنَ الوَطَنِ ونُصْرَةِ الدينِ وجميعِ الطاعات ـــ بِتَوْفِيَةِ الأجورِ بغير حِسَابٍ، وهذا يحْتَمِلُ معنيين: أحدهما: أن الصابرَ يُؤتَىٰ أَجْرَهُ وَلاَ يحاسَبُ على نعيمٍ ولا يُتَابَعُ بذنوبٍ، ويكونُ في جملة الذين يدخلون الجنةَ بغير حساب. والثاني من المعنيين: أن أجورَ الصابرينَ تُوَفَّىٰ بغَيْرِ حَصْر وَلا عَدٍّ، بلْ جُزَافاً، وهذه استعارةٌ للكثرةِ التي لا تحصى؛ وإلى هذا التأويلِ ذَهَبَ جمهورُ المفسرينَ، حتى قال قتادةُ: لَيْسَ ثَمَّ واللَّهِ مِكْيَالٌ ولا ميزان، وفي الحديث أَنَّهُ لما نزلت {أية : وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَاءُ } تفسير : [البقرة:261] قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللَّهُمَّ، زِدْ أُمَّتِي»تفسير : ، فَنَزَلَتْ بَعْدَ ذلِكَ {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً } تفسير : [البقرة:245] فقال: «حديث : اللَّهُمَّ زِدْ أُمَّتِي»تفسير : حتى نزلَتْ: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، قال: «رَضِيتُ يَا رَبِّ». وقوله تعالى: {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} من المعلوم أنه ـــ عليه السلام ـــ معصومٌ من العِصْيَانِ، وإنما الخطابُ بالآيةِ لأِمَّتِهِ يَعُمُّهُمْ حكمُهُ، ويحفُّهم وعيدُهُ. وقوله: {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} هذه صيغةُ أَمْرٍ عَلَىٰ جِهَةِ التهْدِيدِ، وهذا في القرآنِ كثيرٌ، و«الظُّلَّة» ما غَشِيَ وعَمَّ كالسَّحَابَةِ وَسَقْفِ البيت، ونحوِه. [وقوله سبحانه: {ذٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} يريد: جميعَ العَالَمِ].
ابن عادل
تفسير : قوله: {قُلْ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} أي بطاعته، واجتناب معاصيه. قال القاضي أمرهم بالتقوى لكي لا يحبطوا إيمانهم بأعمالهم لأن عند الاتقاء من الكبائر يسلم لهم الثواب وبالإقدام عليها يحبط. فيقال (له): هذا بأن يدل على ضد قولك أولى لأنه أمر المؤمنين بالتقوى فدل ذلك على أنه يبقى مؤمناً مع عدم التقوى وذلك يدل على أن الفسق لا يزيل الإيمان. واعلم أنه تعالى لما أمرَ المؤمنين بالاتِّقاء بين لهم ما في هذا الاتقاء من الفوائد فقال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ}. قوله: {فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا} يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، وحذفت صفة "حَسَنَة" إذ المعنى حَسَنَةٌ عظيمة لأنه لا يوعد من عمل حسنة في الدنيا حسنة مطلقاً بل مقيدة بالعِظَم، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من "حَسَنَة" كانت صفة لها فلما تقدمت بَقِيَتْ حَالاً. فصل قوله: {فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا} يحتمل أن يكون صلة لقوله: "لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ" أي آمنوا وأَحْسَنُوا العمل في الدنيا حسنة في الآخرة وهي دخول الجنة، والتنكير في "حسنة" للتعظيم أي حسنة لا يصل العقل إلى كنه كمالها، قاله مقاتل. ويحتمل أن يكون صلة لقوله: "حَسَنَة". وعلى هذا قال السدي: معناه في هذه الدنيا حسنة يريد الصحة. قال ابن الخطيب: الأولى أن يحمل على الثلاثة المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: حديث : ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَهَا نِهَايةٌ الأَمْنُ والصِّحَّةُ والكِفَايَةُتفسير : ، وقال بعضهم: الأول أولى لوجوه: أحدها: أن التنكير يفيد النهاية في التعظيم والرفعة، وذلك لا يليق بأحوال الدنيا لأنها خَسيسةٌ منقطعة وإنما يليق بأحوال الآخرة. وثانيها: أن الثوابَ للتوحيد والأعمال الصالحة إنما يَحصل في الآخرة، وأما الأمن والصحة والكفاية فحاصل للكفار أكثر من حصولها للمؤمنين كما قال - عليه (الصلاة و) السلام -: "حديث : الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ ". تفسير : وقال تعالى: {أية : لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ} تفسير : [الزخرف:33]. وثالثها: قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ} يفيد الحصر، ومعناه أن حسنة هذه الدنيا لا تحصل إلا للذين أحسنوا وهذا باطل. أما لو حملنا هذه الحسنة على حسنة الآخرة صح هذا الحَصْرُ فكان حمله على حسنة الآخرة أولى. قوله: {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} قال ابن عباس: يعني ارتحلوا من مكة، وفيه حَثٌّ على الهجرة من البلد الَّذِي يظهر فيه المعاصي، ونظيره قوله تعالى: {أية : قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} تفسير : [النساء:97]. وقيل: نزلت في مهاجِرِي الحبشة، وقال سعيد بن جبير: من أمر بالمعاصي فليهربْ، وقال أبو مسلم: لا يمتنع أن يكون المراد من الأرض أرض الجنة؛ لأنه تعالى أمر المؤمنين بالتقوى وهي خشية الله، ثم بين أن من اتقى فله في الآخرة الحسنة وهي الخلود في الجنة، ثم بين أن أرض الله أي جنته واسعة كقوله تعالى: {أية : نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ} تفسير : [الزمر:74] وقوله تعالى: {أية : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [آل عمران:133]. قال ابن الخطيب: والأول عندي أولى لأن قوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} لا يليق إلا بالأول. قوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي الذين صبروا على دينهم فلم يتركوه للأذى، وقيل: نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حيث لم يتركوا دينهم لما اشتد بهم البلاء وصبروا وهاجروا. قوله: "بِغَيْرِ حِسَابٍ" أي بغير نهاية؛ لأن كل شيء دخل تحت الحساب فهو متناهٍ فما لا نهاية له كان خارجاً عن الحساب قال عليٌّ - رضي الله عنه -: كل مطيع يكال له كيلاً أو يوزن له وزناً الصابرين فإنه يُحْثَى لهم حثياً، يروى: أنه يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزانٌ ولا ينشر لهم دوانٌ ويُصَبّ عليهم الأجر صَبًّا قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض ما ذهب به أَهل البلاء من الفضل.
البقاعي
تفسير : ولما ثبت أن القانت خير، وكان المخالف له كثيراً، وكان أعظم حامل له على القنوت التقوى، وكانت كثرة المخالف أعظم مزلزل، وكان الإنسان - لما له من النقصان - أحوج شيء إلى التثبيت، وكان التثبيت من المجانس، والتأنيس من المشاكل أسكن للقلب وأشرح للصدر، أمر أكمل الخلق وأحسنهم ملاطفة بتثبيتهم فقال: {قل} ولما كان الثبات لا يرسخ مع كثرة المخالف، وتوالي الزلزال والمتالف، إلا إذ كان عن الملك، جعل ذلك عنه سبحانه ليجتمع عليه الخالق والأقرب إليه من الخلائق، فقال: {يا عباد} دون أن يقول: يا عباد الله، مثلاً تذكيراً لهم تسكيناً لقلوبهم بما علم من أن التقدير. قال الله، وتشريفاً لهم بالإضافة إليه بالضمير الدال على اللطف وشدة الخصوصية، وإعلاماً لهم بأنه حاضر لا يغيب عنهم بوجه: {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة ولو على أدنى حالاتها. ولما كان الإحسان ربما جراً على المحسن، أشار سبحانه إلى سداد قول العارفين "اجلس على البساط وإياك والانبساط" ونبه بلفت القول عن مظهر التكلم إلى الوصف بما يدل على أن العاقل من أوجب له الإحسان إجلالاً وإكباراً، وأثمر له العطف والتقريب ذلاًّ في نفسه وصغاراً، وخوفاً وانكساراً، مما أقله قطع الإحسان فقال: {اتقوا ربكم} أي اجعلوا بينكم وبين غضب المحسن إليكم وقاية بأن تترقوا في درجات طاعته مخلصين له كما خلقكم لكم لا لغرض له ليرسخ إيمانكم ويقوي إحسانكم، وهذا أدل دليل على أن الإيمان يكون مع عدم التقوى. ولما أرشدهم بالاسم الناظر إلى الإحسان إلى أن يقولوا: فما لنا إن فعلنا؟ قال مجيباً معللاً: {للذين أحسنوا} أي لكم، ولكنه أظهر الوصف الدال على سبب جزائهم تشويقاً إلى الازدياد منه، ولما كان العمل لا ينفع إلا في دار التكليف قال: {في هذه} باسم الإشارة زيادة في التعيين {الدنيا} أي الدنية الوضرة التي لا تطهر الحياة فيها إلا بالتقديس بعبادة الخالق والتخلق بأوصافه {حسنة} أي عظيمة في الدنيا بالنصر والمعونة مع كثرة المخالف وفي الآخرة بالثواب، ويجوز أن يكون معنى {أحسنوا} أوقعوا الإحسان، ومعلوم أنه في هذه الدنيا، فيكون ما بعده مبتدأ وخبراً، لكنه يصير خاصاً بثواب الدنيا، فالأول حسن. ولما كان ربما عرض للإنسان في أرض من يمنعه الإحسان، ويحمله على العصيان، حث سبحانه على الهجرة إلى حيث يزول عنه ذلك المانع، تنبيهاً على أن مثل هذا ليس عذراً في التقصير كما قيل: شعر : وإذا نبا بك منزل فتحول تفسير : فقال: {وأرض الله} أي الذي له الملك كله والعظمة الشاملة {واسعة} ووجوده بعلمه وقدرته في كل أرض على حد سواء، فالمتقيد بمكان منها ضعيف العزم واهن اليقين، فلا عذر للمفرط في الإحسان بعدم الهجرة. ولما كان الصبر على هجرة الوطن ولا سيما إن كان ثّم أهل وعشيرة شديداً جداً، ذكر ما للصابر على ذلك لمن تشوف إلى السؤال عنه فقال: {إنما يوفى} أي التوفية العظمية {الصابرون} أي على ما تكرهه النفوس في مخالفة الهوى واتباع أوامر الملك الأعلى من الهجرة وغيرها {أجرهم بغير حساب *} أي على وجه من الكثرة لا يمكن في العادة حسبانه، وذلك لأن الجزاء من جنس العمل، وكل عمل يمكن عده وحصره إلا الصبر فإنه دائم مع الأنفاس، وهو معنى من المعاني الباطنة لا يطلع خلق على مقداره في قوته وضعفه وشدته ولينه لأنه مع خفائه يتفاوت مقداره، وتتعاظم آثاره، بحسب الهمم في علوها وسفولها، وسموها ونزولها، ويجوز أن يكون المعنى أن من كمل صبره بما أشارت إليه لام الكمال - لم يكن عليه حساب، لما رواه البزار وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي، قال: حديث : إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت صبرت ولا حساب عليكتفسير : ، قالت: بل أصبر ولا حساب علي. ولما كانت الأعين ناظرة إلى الأمر هل يفعل ما يأمر به ومقيده بالرئيس لتأتسي به، وكان أعظم الصابرين من جاهد نفسه حتى خلص أعمالها من الشوائب وحماها من الحظوظ والعوائق، وصانها من الفتور والشواغل، أمره بما يرغبهم في المجاهدة، ويكشف لهم عن حلاوة الصبر، بقوله: {قل} ولما كان الرئيس لقربه من الملك بحيث يظن أنه يسامحه في كثير مما يكلف به غيره أكد قوله: {إني أمرت} وبني الفعل لما لم يسم فاعله تعظيماً للأمر بأنه قطع ومضى بحيث لم يبق فيه مشوبة، وأقام مقام الفاعل دليلاً على أنه العمدة للحث على لزومه قوله: {أن أعبد الله} أي الذي الخلق كلهم سواء بالنسبة إلى قبضته وعلوه وعظمته لأنه غني عن كل شيء {مخلصاً له الدين *} أي العبادة التي يرجى منه الجزاء عليها. ولما كان الرئيس إذا سابق إلى شيء شوق النفوس إليه، وأوجب عليها العكوف عليه قال: {وأمرت} أي، وقع الأمر لي وانبرم بأوامر عظيمة وراء ما أمرتم به لا تطيقونها {لأن} أي لأجل أن {أكون} في وقتي وفي شرعي {أول} أي أعظم {المسلمين *} أي المنقادين في الرتبة الحائزين قصب السبق بكل اعتبار لأوامر الإله الذي لا فوز إلا بامتثال أوامره أو أسبق الكائنين منهم في زماني، فجهة هذا الفعل غير جهة الأول، فلذلك عطف عليه لأنه لإحراز قصب السبق، والأول لمطلق الإخلاص في العبادة. ولما كان ما أمر به مفهماً لأن يكون مع ترغيب ومع ترهيب، وكان ربما ظن أن الرئيس لا يرهب الملك لأمور ترجى منه أو تخشى، وكان تكرير الأمر بإبلاغ المأمورين أوقع في قلوبهم وأشد إقبالاً بنفوسهم قال تعالى: {قل} أي لأمتك، وأكد - لما في الأوهام أن الرئيس لا يخاف - قوله {إني أخاف} أي مع تأمينه لي بغفران ما تقدم وما تأخر إخلاصاً في إجلاله وإعظامه وفعلاً لما على العبد لمولاه الذي له جميع الكبرياء والعظمة، ولما كان وصف الإحسان ربما جراً على العصيان، يبن أنه لا يكون ذلك إلا لعدم العرفان فقال: {إن عصيت ربي} أي المحسن إليّ المربي لي بكل جميل فتركت الإخلاص له {عذاب يوم عظيم *} وإذا كان اليوم عظيماً، فكيف يكون عذابه.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وأرض الله واسعة} قال: أرضي واسعة فهاجروا واعتزلوا الأوثان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} قال: لا والله ما هناك مكيال ولا ميزان. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} قال: بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم ولكن يزادون على ذلك. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله إذا أحب عبداً أو أراد أن يصافيه صب عليه البلاء صباً، ويحثه عليه حثاً، فإذا دعا قالت الملائكة عليهم السلام: صوت معروف قال جبريل عليه السلام: يا رب عبدك فلان اقض حاجته. فيقول الله تعالى: دعه إني أحب أن أسمع صوته. فإذا قال يا رب.. قال الله تعالى، لبيك عبدي وسعديك. وعزتي لا تدعوني بشيء إلا استجبت لك، ولا تسألني شيئاً إلا اعطيتك. أما أن أعجل لك ما سألت، وأما أن أدخر لك عندي أفضل منه، وأما أن أدفع عنك من البلاء أعظم منه. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وتنصب الموازين يوم القيامة، فيأتون بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصيام فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان، ويصب عليهم الأجر صباً بغير حساب حتى يتمنى أهل العافية أنهم كانوا في الدنيا تقرض أجسادهم بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل. وذلك قوله {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن عساكر وابن مردويه عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة، فلا يرفع لهم ديوان، ولا ينصب لهم ميزان يصب عليهم الأجر صباً. وقرأ {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يود أهل البلاء يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض.
ابو السعود
تفسير : {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} أُمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بتذكير المُؤمنين وحملِهم على التَّقوى والطَّاعة إثرَ تخصيص التَّذكُّر بأولي الألباب إيذاناً بأنَّهم هم كما سيصرِّح به أي قُل لهم قولي هذا بعينه وفيه تشريفٌ لهم بإضافتهم إلي ضمير الجلالةِ ومزيدُ اعتناءٍ بشأن المأمور به فإنَّ نقلَ عينِ أمرِ الله أدخلُ في إيجابِ الإمتثالِ به. وقولُه تعالى: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} تعليلٌ للأمر أو لوجوبِ الامتثال به وإيراد الإحسان في حيِّز الصِّلةِ التَّقوى للإيذانِ بأنَّه من باب الإحسان وأنَّهما مُتلازمانِ وكذا الصَّبرُ كما مرَّ في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}تفسير : [سورة النحل: الآية 128] وفي قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [سورة يوسف: الآية 90] وقوله تعالى {فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا} متعلِّقٌ بأحسنُوا أي عملوا الأعمالَ الحسنةَ في هذه الدُّنيا على وجه الإخلاصِ وهو الذي عبّر عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حينَ سُئل عن الإحسانِ بقوله عليه السَّلامُ: « حديث : أنْ تعبدَ الله كأنَّك تراهُ فإنْ لم تكن تراهُ فإنَّه يراكَ » تفسير : {حَسَنَةٌ} أي حسنة عظيمةٌ لا يُكْتَنَه كُنْهُها وهي الجنَّةُ. وقيل: هو متعلِّقٌ بحسنة على أنَّه بـيان لمكانها أو حالٌ من ضميرها في الظَّرفِ فالمرادُ بها حينئذٍ الصِّحَّةُ والعافيةُ {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} فمن تعسَّر عليه التَّوفرُ على التَّقوى والإحسانِ في وطنِه فليهاجر إلى حيثُ يتمكَّن فيه من ذلك كما هو سُنَّة الأنبـياءِ والصَّالحينَ فإنه لا عُذرَ له في التَّفريطِ أصلاً وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ} الخ ترغيب في التَّقوى المأمور بها، وإيثارُ الصَّابرين على المتَّقين للإيذانِ بأنَّهم حائزونَ لفضيلة الصَّبر كحيازتهم لفضيلةِ الإحسانِ لما أشير إليه من استلزام التَّقوى لهما مع ما فيه من زيادةِ حثَ على المصابرةِ والمجاهدةِ في تحمُّل مشاقَّ المهاجرة ومتاعبها أي إنَّما يوفَّى الذين صبرُوا على دينِهم وحافظُوا على حدودِه ولم يُفرِّطُوا في مُراعاةِ حقوقه لما اعتراهم في ذلك من فُنونِ الآلامِ والبَلاَيا التي من جُملتها مهاجرةُ الأهلِ ومفارقةُ الأوطانِ {أَجْرَهُمْ} بمقابلة ما كابدُوا من الصَّبرِ {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي بحيث لا يُحصى ولا يُحصر. عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: لا يَهتدِي إليه حسابُ الحُسَّاب، ولا يُعرف. وفي الحديثِ « حديث : أنَّه تنصبُ الموازينُ يوم القيامة لأهلِ الصَّلاة والصَّدقة والحَجِّ فيُؤتَون بها أجورَهم ولا تنُصب لأهل البلاءِ بل يُنصبُّ عليهم الأجرُ صَّباً حتَّى يتمنَّى أهلُ العافيةِ في الدُّنيا أنَّ أجسادَهم تُقرضُ بالمقاريضِ مَّما يذهبُ به أهلُ البلاءِ من الفضلِ « تفسير : {قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينَ} أي من كلِّ ما ينافيهِ من الشِّركِ والرِّياءِ وغير ذلك أُمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ببـيانِ ما أُمر به نفسه من الإخلاصِ في عبادة الله الذي هو عبارةٌ عمَّا أُمر به المؤمنون من التَّقوى مبالغةً في حثِّهم على الإتيان بما كُلِّفوه وتمهيداً لما يعقُبه مَّما خُوطب به المشركونَ. {وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي وأُمرت بذلك لأجلِ أنْ أكونَ مقدَّمهم في الدُّنيا والآخرةِ لأنَّ إحرازَ قَصَب السَّبقِ في الدِّين بالإخلاصِ فيه. والعطفُ لمغايرةِ الثَّاني الأوَّلَ بتقيـيده بالعلَّةِ والإشعارِ بأنَّ العبادةَ المذكورةَ كما تقتضِي الأمرَ بها لذاتِها تقتضيهِ لما يلزمُها من السَّبقِ في الدِّينِ ويجوزُ أنْ تُجعلَ اللاَّمُ مزيدةً كما في أردتُ لأنْ أقومَ بدليلِ قوله تعالى: {أية : أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ}تفسير : [سورة الأنعام: الآية 14] فالمعنى وأُمرت أنْ أكونَ أوَّلَ مَن أسلمَ من أهلِ زمانيِ أو مِن قومي أو أكون أولَ من دَعا غيرَهُ إلى ما دعا إليه نفسَه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الآية: 10]. قال حارث المحاسبى: الصبر التهدف بسهام البلاء. وقال الجنيد - رحمة الله عليه -:الصبر ذم الجوارح والحركات عن جميع المخالفات أجمع لالتماس ما وعد الله عليه بقوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. قال طاهر المقدسى: الصبر على وجوه: صبر منه وصبر له وصبر عليه وصبر فيه وأهونه الصبر على أوامره ونواهيه وهو الذى بيَّن الله ثوابه فقال: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. سئل الجنيد - رحمة الله عليه - عن الصبر؟ فقال: حمل المؤن حتى تنقضى أيام المكروه. وقال الخواص: كذب أكثر الخلق فى حمل أثقال الصبر بما لحوا إلى الطلب والأسباب، واعتمدوا عليها كأنهما أرباب. وأنشد لذى النون: شعر : عبرات خططن فى الخد سطرًا قد قراه من ليس يحسن يقرأ عاين الصبر فاستغاث به الصبر فصاح المحب بالصبر صبرًا
القشيري
تفسير : أطيعوه واحذروا مخالفةَ أمره. {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ} بأداء الطاعات، (والإحسان هو الإتيان بجميع وجوه الإمكان). {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ}: أي لا تَتَعَلَّلوا بأذى الأعداء؛ إِنْ نَبَأ بِكُم منزلٌ فَتَعَلُّلُكم بمعاداة قوم ومَنْعِهِم إياكم - لا يُسْمَع، فأرضُ اللَّهِ واسعةٌ، فاخْرُجُوا منها إلى موضع آخر تتم لكم فيه عبادتُكم. {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. والصبر حَبْسُ النَّفْس على ما تكرهه. ويقال هو تجرُّعُ كاسات التقدير من غير استكراهٍ ولا تعبيس. ويقال هو التهدُّفُ لسهام البلاء.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ} وصف الله القوم باربع خلال بالايمان والتقوى والاحسان والصبر فاما ايمانهم فهو المعرفة بذاته وصفاته من غير استدلال بالحدثان بل عرفوا الله بالله وتقولهم تجريدهم عنا لكون وانفسهم خوفا من الاحتجاب بها عنه واحسانهم ادراكهم رؤيته بقلوبهم وارواحهم بنعت كشف جماله وهذا الاحسان بمعنى العلم ويكون بعد ان خلعوا شوايب الحدوثية عن طريق الربوبيّة وصبرهم استقامتهم بمواظبة الاحال وكتمان كشف الكلى وحقيقة الصبر ان لا يدعى الربوبية بعد الاتصاف بها ومعنى قوله تعالى {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} ارض القلوب ووسعها بوسع الحق فاذا كان العارف بهذه الاوصاف فله اجران اجر فى الدنيا واجر فى الأخرة واجر الدنيا المواجيد البديهية والواردات الغريبة والفهوم بغرايب الخطاب والوقوف على مشاهدة الحق بعد كشفها واجر الأخرة عوضه فى بحار الازل والاباد والفناء فى الذات والبقاء فى الصفات قال حارث المحاسبى الصبر التهدف بسهاء البلاء وقال طاهر المقدسى الصبر على وجوه صبر منه وصبر له وصبر عليه وفيه واهونه الصبر على اوامره وهو الذى بين الله ثوابه انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب وقال يوسف ابن الحسين ليس بصابر من يتجرع المصيبة ويبدى فيه الكراهية بل الصابر من يتلذذ بصبره حتى يبلغ به الى مقام الرضا.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل يا عبادى الذين آمنوا} اى قل لهم قولى هذا بعينه وفيه تشريف لهم باضافتهم الى ضمير الجلالة فان اصله يا عبادى بالياء حذفت اكتفاء بالكسرة. وفى كشف الاسرار [اين خطاب باقومى است كه مراد نفسه خويش بموافقت حق بدادند ورضاى الله برهواى نفس بركزيدند تاصفت عبوديت ايشان درست كشت ورب العالمين رقم اضافت بر ايشان كشيدكه {يا عبادى} ومصطفى عليه السلام كفت (من مقت نفسه فى ذات الله آمنه الله من عذاب يوم القيامة) وابو يزيد بسطامى قدس سره ميكويد اكر فرادى قيامت مراكويندكه آرزويى كن آرزوى من آنست بدوزخ اندر آيم واين نفس برآتش عرض كنم كه دردنيا ازوبسيار بيجيدم ورنج وى كشيدم] انتهى. وايضا ان اخص الخواص هم العباد الذين خلصوا من عبودية الغير من الدنيا والآخرة لكونهما مخلوقتين وآمنوا بالله الخالق ايمان الطلب شوقا ومحبة {اتقوا ربكم} اى اثبتوا على تقوى ربكم لان بالايمان حصول التقوى عن الكفر والشرك او اتقوا عذابه وغضبه باكتساب طاعته واجتناب معصيته او اتقوا به عما سواه حتى تتخلصوا من نار القطيعة وتفوزوا بوصاله ونعيم جماله {للذين احسنوا فى هذه الدنيا} اى عملوا الاعمال الحسنة فى هذه الدنيا على وجه الاخلاص ورأسها كلمة الشهادة فانها احسن الحسنات {حسنة} مبتدأ وخبره للذين وفى هذه الدنيا متعلق باحسنوا. وفيه اشارة الى قوله "حديث : الدنيا مزرعة الآخرة" تفسير : اى حسنة ومثوبة عظيمة فى الآخرة لا يعرف كنهها وهى الجنة والشهود لان جزاء الاحسان الاحسان والاحسان ان تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك فالمحسن هو المشاهد وبمشاهدة الله يغيب ما سوى الله فلا يبقى الا هو وذلك حقيقة الاخلاص واما غير المحسن فعلى خطر لبقائه مع ما سوى الله تعالى فلا يأمن من الشرك والرياء القبيح ومن كان عمله قبيحا لم يكن جزاؤه حسنا. وفى التأويلات النجمية {للذين احسنوا} فى طلبى {في هذه الدنيا} ولا يطلبون منى غيرى حسنة اى لهم حسنة وجدانى يعنى حسن الوجدان مودع فى حسن الطلب: قال الخجندى شعر : بكوش تابكفت آرى كليد كنج وجود كه بى طلب نتوان يافت كوهر مقصود توجاكر در سلطان عشق شو جواياز كه هست عاقبت كار عاشقان محمود تفسير : {وارض الله واسعة} فمن تعسر عليه التوفر على التقوى والاحسان فى وطنه فليهاجر الى حيث يتمكن فيه من ذلك كما هو سنة الانبياء والصالحين فانه لا عذر له فى التفريط اصلا. وفيه حث على الهجرة من البلد الذى يظهر فيه المعاصى وقد ورد "حديث : ان من فر بدينه من ارض الى ارض وجبت له الجنة" تفسير : وانما قال بدينه احترازا عن الفرار بسبب الدنيا ولاجلها خصوصا اذا كان المهاجر اليه اعصى من المهاجر منه. وفى التأويلات النجمية يشير الى حضرة جلاله انه لا نهاية لها فلا يغتر طالب بما يفتح عليه من ابواب المشاهدات والمكاشفات فيظن انه قد بلغ المقصد الاعلى والمحل الاقصى فانه لا نهاية لمقامات القرب ولا غاية لمراتب الوصول: وفى المثنوى شعر : اى برادر بى نهايت دركهيست هر كجاكه ميرسى بالله مأيست تفسير : {انما يوفى الصابرون} الذين صبروا على دينهم فلم يتركوه للاذى وحافظوا على حدوده ولم يفرطوا فى مراعاة حقوقه لما اعتراهم فى ذلك من فنون الآلام والبلايا التى من جملتها مهاجرة الاهل ومفارقة الاوطان [والتوفية: تمام بدادن]. قال فى المفردات توفية الشىء بذله وافيا كاملا واستيفاؤه تناوله وافيا. والمعنى يعطون {اجرهم} بمقابلة ما كابدوا من الصبر {بغير حساب} اى بحيث لا يحصى ويحصر وفى الحديث "حديث : انه تنصب الموازين يوم القيامة لاهل الصلاة والصدقة والحج فيوفون بها اجورهم ولا تنصب لاهل البلاء بل يصب عليهم الاجر صبا حتى يتمنى اهل المعافاة فى الدنيا ان اجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به اهل البلاء من الفضل" شعر : تو مبين رنجورى غمديدكان كاندران رنجيده ازبكزيد كان هركرا از زخمها غم بيشتر لطف يارش داده مرهم بيشتر تفسير : قال سفيان لما نزل {أية : من جاء بالحسنة فله عشر امثالها} تفسير : قال عليه السلام "حديث : رب زد لامتى" فنزل {مثل الذين ينفقون اموالهم فى سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل فى كل سنبة مائة حبة} فقال عليه السلام "رب زد لامتى" فنزل {من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له اضعافا كثيرة} فقال "رب زد لأمتي" فنزل {انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب} فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم. حديث : وسئل النبى عليه السلام أى الناس اشد بلاء قال "الانبياء ثم الامثل فالامثل يبتلى الرجل على حسب دينه" فان كان فى دينه صلبا اشتد بلاؤه وان كان فى دينه ذا رقة هون عليه فما زال كذلك حتى يمشى على الارض كمن ليس له ذنب تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : ان العبد اذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله فى جسده او فى ماله او فى ولده ثم صبر على ذلك حتى يبلغه المنزلة التى سبقت له من الله" تفسير : وان عظم الجزاء مع عظم البلاء وان الله عز وجل اذا احب قوما ابتلاهم فمن رضى فله الرضى ومن سخط فله السخط. وفى عرائس البقلى وصف الله القوم باربع خصال بالايمان والتقوى والاحسان والصبر فاما ايمانهم فهو المعرفة بذاته وصفاته من غير استدلال بالحدثان بل عرفوا الله بالله واما تقواهم فتجريدهم انفسهم عن الكون حتى قاموا بلا احتجاب عنه واما احسانهم فادراكهم رؤيته تعالى بقلوبهم وارواحهم بنعت كشف جماله واما صبرهم فاستقامتهم فى مواظبة الاحوال وكتمان الكشف الكلى. وحقيقة الصبر ان لا يدعى الديمومية بعد الاتصاف بها ومعنى {ارض الله واسعة} ارض القلوب ووسعها بوسع الحق فاذا كان العارف بهذه الاوصاف فله اجران اجر الدنيا وهو المواجيد والواردات الغريبة واجر الآخرة وهو غوصه فى بحار الآزال والآباد والفناء فى الذات والبقاء فى الصفات. قال الحارث المحاسبى الصبر التهدّف لسهام البلاء. وقال طاهر المقدسى الصبر على وجوه صبر منه وصبر له وصبر عليه وصبر فيه اهونه الصبر على اوامر الله وهو الذى بين الله ثوابه فقال {انما يوفى الصابرون} الخ. وقال يوسف بن الحسين ليس بصابر من يتجرع المصيبة ويبدى فيها الكراهة بل الصابر من يتلذذ بصبره حتى يبلغ به الى مقام الرضى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {في هذه}: متعلق بأحسنوا، أو: بحسنة، على أنه بيان لمكانها، أو: حال من ضميرها في الظرف. يقول الحق جلّ جلاله: {قل يا عبادِ الذين آمنوا اتقوا ربَّكم} بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحثّهم على التقوى ويُذكِّرهم بها، بعد تخصيص التذكير بأولي الألباب، إيذاناً بأن أُولي الألباب هم أهل التقوى، وفي إضافتهم إلى ضمير الجلالة بقوله: {يا عبادي} تشريف لهم، ومزيد اعتناء بشأن المأمور به، وهو التقوى. ثم حرَّض على الامتثال بقوله: {للذين أحسنوا} أي: اتقوا الله وأطاعوه {في هذه الدنيا} الفانية، التي هي مزرعة الآخرة. {حسنةٌ} أي: حسنةٌ عظيمة، لا يُكتنه كُنهها، وهي الجنة ونعيمها، أو: للذين أحسنوا بالطاعة والإخلاص حسنة معجّلة في الدنيا، وهي الصحة والعافية، والحياة الطيبة، أو: للذين أحسنوا، أي: حصلوا مقام الإحسان ـ الذي عبّر عنه عليه الصلاة والسلام بقوله: "حديث : أن تعبد الله كأنك تراه"تفسير : ـ حسنة كبيرة، وهي لذة الشهود، والأنس بالملك الودود في الدارين. ولما كان هذا المقام لا يتأتى تحصيله إلا في بعض البلاد الخالية من الشواغل والموانع، أمر بالهجرة من الأرض التي لا يتأتى فيها التفرُّغ، فقال: {وأرضُ الله واسعةً}، فمَن تعسَّر عليه التفرُّغ للتقوى، والإحسان وعمل القلوب، في وطنه، فليهاجر إلى بلد يتمكن فيه ذلك، كما هي سُنَّة الأنبياء والأولياء، فإنه لا عذر له في التفريط والبطالة أصلاً. ولمّا كان الخروج من الوطن صعباً على النفوس، يحتاج إلى صبر كبير؛ رغَّب في الصبر بقوله: {إِنما يُوفى الصابرون} على مفارقة الأوطان، وتحمُّل مشاق الطاعات، وتحقيق الإحسان، {أجْرَهم} في مقابلة ما كابدوه من الصبر، {بغير حسابٍ} بحيث لا يحصى ولا يحصر؛ بل يصب عليهم الأجر صبّاً، فلهم ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وعن ابن عباس رضي الله عنه: (لا يهدي إليه حساب الحسّاب، ولا يُعرف)، وفي الحديث: "حديث : أنه يُنصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصيام والحج، فيوفّون بها أجورهم، ولا تنصب لأهل البلاء؛ بل يُصب عليهم الأجر صبّاً، حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض، مما يذهب به أهل البلاء من الفضل"تفسير : . وكل ما يشق على النفس ويتعبها فهو بلاء، والله تعالى أعلم. الإشارة: بالتقوى الكاملة يصير العبد من أُولي الألباب، فبقدر ما تعظم التقوى يعظم إشراق النور في القلب، ويتصفّى من الرذائل، وقد تقدّم الكلام عليها مستوفياً عند قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللهَ}تفسير : [النساء: 100] فمَن أحسن في تقواه أحسن الله عاقبته ومثواه، وحفظه في دنياه وأخراه. فمَن تعذّرت عليه التقوى في وطنه، فليهاجر منه إلى غيره، والهجرة سُنَّة نبوية، وليتجرّع الصبر على مفارقة الأوطان، ومهاجرة العشائر والإخوان، لينخرط في سلك أهل الإحسان، قال تعالى: {أية : وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}تفسير : [التوبة: 100] الآية. قال القشيري: الصبر: حَبْسُ النفس على ما تكره، ويقال: تجرُّعُ كاسات التقدير، من غير استكراهٍ ولا تعبيس، ويقال: التهدُّف لسهام البلاء. هـ. ثم أمر بالإخلاص، الذي هو شرط في الجميع، فقال: {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ}.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} امره (ص) ان يخاطب عبيده بنسبة عبديّتهم الى نفسه اشعاراً بانّه (ص) خليفة له فى ارضه بل فى ارضه وسمائه ومظهرٌ لجميع اوصافه ونسبه فكلّ من كان عبداً له تعالى يكون عبداً لخليفته (ص) عبد طاعةٍ لا عبد عبادةٍ {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} اى سخطه {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا} متعلّق باحسنوا او حال عن قوله تعالى حسنة فانّ المحسن كما يكون له الحسنى فى الآخرة يكون له الحسنة الّتى هى سهولة الطّريق والسّلوك عليه والالتذاذ به فى الدّنيا، ونعم ما قال المولوىّ فى تفسير الحسنة فى الدّنيا والآخرة بقوله: شعر : آتنا فى دار دنيانا حسن آتنا فى دار عقبانا حسن راه رابر ماجو بستان كن لطيف مقصد ما باش هم تواى شريف تفسير : والجملة فى موضع تعليل بملفوظها ومحذوفها لمنطوق قوله تعالى {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} ومفهومه كأنّه قال: اتّقوا سخطه فانّ العاصى معذّب والمطيع مثاب، لانّه للّذين احسنوا {حَسَنَةٌ} وللّذين أساؤا عقوبة {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} فان لم تتمكّنوا من الاحسان فى ارضٍ فهاجروا الى ارضٍ يمكنكم الاحسان فيها {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ} جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ان لم يمكن الهجرة فما لمن صبر على مشاقّ الاحسان فى محلّ يشقّ عليه الاحسان؟ او كأنّه قيل: فما لمن هاجر وصبر على مشاقّ الهجرة؟! او كأنّه قيل: ما لمن صبر على الاحسان فى الاوطان؟ او على الهجرة؟ فقال: انّما يوفّى الصّابرون على ذلك {أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} كناية عن عظمة الاجر وكثرته، وفى الاخبار اشارة الى انّ المراد اعطاء الاجر بدون محاسبة الاعمال.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} يا محمد للمؤمنين حكاية عن الله. {يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُواْ رَبَّكُمْ} احذروا عذابه بترك المعاصي ولزوم الطاعات* {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} أي آمنوا وعملوا الصالحات. {فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً} أي جنة فى الآخرة. قاله مقاتل وهو أولى وقال السدي: الحسنة الصحة والعافية والظهور في الدنيا وولاية الله ويصح المجموع والآية نزلت في جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه حين عزموا على الهجرة الى أرض الحبشة وقيل حين نزل بهم البلاء فأمر الله بالثبات على الدين وحضهم على الهجرة لامساك الدين والتمكن منه بقوله. {وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ} فارتحلوا من مكة لما فيها من الشرك وعدم التمكن من الدين وفيه حث على الهجرة من البلد الذي تظهر فيه المعاصي ولا يقدر على ابطالها وانكارها ولكن لا تجب بعد فتح مكة؛ وقيل: المراد من أمر بالمعاصي في بلد فليهرب منه على ما مر؛ وقيل: المراد من هاجر الى أرض الحبشة مطلقاً وقيل من آمن وهو فى بلد من بلاد المشركين أي لا عذر في ترك الاحسان الا من اعتل بوطنه وأهله وعدم التمكن وعدم جمع الهمم بل يجب عليه أن يهاجر الى أرض يجد فيها الاحسان والتمكن وجمع الهمة وأن أرض الله واسعة وأن يصبر على البلاء من خروج الوطن والأهل لانه {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} وأن يقتدوا بالأنبياء والصالحين في المهاجرة والصبر ليزدادوا احساناً الى احسانهم ومعنى (بغير حساب) قيل انهم لا يحاسبون على أجرهم وهو ضعيف وقيل لا يحاسب على نعيم الدنيا ولا يؤخذ بذنب فهو يدخل الجنة بغير حساب وقيل بغير عدد مكيال وميزان وهذا تمثيل للتكثير. قال قتادة: ليس ثم والله مكيال ولا ميزان. قال الحسن: لا يهتدي اليه حساب ولا يعرف. قال: كل مطيع يكال له كيلاً ويوزن له وزناً الا الصابرين لانه يحثى لهم حثياً. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى لأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ديوان وينصب عليهم الأجر صباً" تفسير : وقرأ الآية. فقال حتى تمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسامهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل ومعنى الميزان الترجيح والتنقيص. وروي أنه لما نزل {أية : والله يضاعف لمن يشاء} تفسير : قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم زد أمتي ". تفسير : ولما نزل {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ}.. الخ قال: رضيت يا رب. وقيل: المراد بالأرض الواسعة أرض الجنة ترغيباً في التقوى و (في هذه الدنيا) متعلق (بأحسنوا) أي من أحسن فى الدنيا فله الحسنة فى الآخرة وقيل بمحذوف وجوباً أناب عنه (للذين) على الخيرية فانه متعلق بما يتعلق به (للذين) وهو والخبر أي (من أحسن) من ثبتت له الحسنة فى الدنيا من الصحة والعافية والظهور وولاية الله كما مر {قُلْ إِنِّى} سكن ياءه غير نافع* {أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ} من الشرك والاخلاص جعل الحركات والسكنات سراً وجهراً لله وحده بلا ممازجة هواء أو نفس أو غيرهما
اطفيش
تفسير : {قُل يا عبادِ الَّذين آمنُوا اتَّقوا ربَّكم} أى قل لهم عنى بدليل إضافة عباد لضمير الله سبحانه، وهى اضافة تشريف، كأنه قيل: قل للمؤمنين يقول لكم ربكم: يا عبادى الخ ولا شك أن هذا لكونه حكاية كلام الله تعالى أقوى من أن يقول: يا عباد الله الذين آمنوا اتقوا ربَّكم {للَّذين أحْسنُوا} إلخ تعليل، أى لأن للذين أحْسنوا {في هذه} متعلق بأحسنوا، أو بمتعلق للذين {الدنيا} بأداء الفرائض والنفل، والهجرة الى الحبشة أو الى المدينة، أو بالصبر على أذى المشركين، والتمسك بالدين {حَسنةً} مرتبة حسنة هى موضعه فى الجنة، أو هى الجنة، ومعلوم أن الجنة على التوزيع، أو خير الدنيا والآخرة، وقيل: الحسنة المدينة، وقيل: الثناء الحسن فى الألسنة المقبول عند الله، والصحة والسلامة، وقيل: ولاية الله. {وأرض الله واسعةٌ} لا عذر لمن أشرك أو عصى لتضييق المشركين عليه، والآية حث على الهجرة، وقد قيل: نزلت فيمن هاجر الى الحبشة، وعبارة بعض: نزلت فى جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه وأصحابه، إذا هاجروا، وفسرها بعض بالحث على الهجرة من البلد الذى ظهرت فيه المعاصى اقتداء بالأولياء، ولما فتحت مكة لم تجب الهجرة، فمن أسلم فى دار شرك وهى وطنه، جاز له المقام فيها ان كان يصل الى اظهار دينه، وقيل: ولو كان لا يصل الى اظهاره، وقد أقامه سرا وان لم يجد من يعلمه دين الاسلام، أو يفتنوه، ولو سره وجبت عليه الهجرة " ألم تكن أرض الله واسعة" إن أرضى واسعة" الخ وقيل: أرض الله المدينة، على أن الإحسان الهجرة، فالحسنة الراحة من الأعداء، وقيل أرض الله الجنة، وفيه أن المقام يناسب وسع الدنيا، ولو ناسب التفسير بالجنه قوله تعالى: " أية : وأورثنا الأرض نتبوَّأ من الجنة حيث نشاء"تفسير : [الزمر: 74] و " أية : جنة عرضها السماوات" تفسير : [آل عمران: 133] لكن مناسبة لا تقرب أن تكون حجة فى تفسير الآية. {إنَّما يُوفى الصَّابرُون} على دينهم وعلى المصائب، وعلى أذى المشركين ما داموا فيهم، وعلى الهجرة ومفارقة الوطن، ومن يعز فراقه، وعن اللذات قال: على كل مطيع يكال له ويوزن إلا الصابرين، فانه يحثى لهم حثيا، ويروى أن أهل البلاد لا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبا بلا حساب حتى يتمنى أهل العافية فى الدنيا أن أجسامهم قرضت بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء ومن العجيب تفسيره بالصبر على الصوم، وأعجب منه دعوى أن تفسيره بالصوم أكثر الأقوال، مع أنه لا مدخل للصوم إلا أنه من الدين، ولم يشهر أن المشركين يضيقون عليهم لأجل الصوم فيقال: صبروا عليه، وانما الكلام فى الصبر على شدة المشركين، وقطع عذر من لم يصبر عليه، فارتد مع أن أرض الله واسعة، يغريهم على الصبر أو على الاقتداء بمن صبر قبلهم. {أجْرهُم} فى الآخرة {بغَيْر حِساب} حال من أجر أو من " الصابرون" أى كائنين بغير حساب على ذلك الأجر، وعلى كل حال المراد الكثرة كما قال ابن عباس لا يهتدى اليه حساب، أو حال من "الصابرون" على معنى أنهم يدخلون بغير حساب، ومقتضى الظاهر إن قلنا، المراد بالصابرين من خوطبوا بقوله "يا عبادى" وقوله "اتقوا ربكم إنما توفون أجوركم بغير حساب" بالاضمار فأظهر، ليذكر أن العمدة الصبر، وأن لا ثواب مع عدمه، وقل هؤلاء المؤمنين المخاطبين، أو للمشركين كما قال تعالى: " أية : فاعبدوا ما شئتم من دونه" تفسير : [الزمر: 15] أو للكل. قال أبو هريرة: من رزق خمسا لم يحرم خمسا وزيد سادس: من رزق الشكر لم يحرم الزيادة لقوله تعالى: "أية : لئن شكرتم" تفسير : [إبراهيم: 7] الخ ومن رزق الصبر لم يحرم الثواب لقوله تعالى: "إنما يوفى" الخ ومن رزق التوبة لم يحرم القبول لقوله تعالى: " أية : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده" تفسير : [الشورى: 25] ومن رزق الاستغفار لم يحرم المغفرة لقوله تعالى: " أية : استغفروا ربكم" تفسير : [هود: 3، 52] الخ ومن رزق الدعاء لم يجزم الاجابة لقوله تعالى: "ادعون" الخ والسادس من رزق الانفاق لم يحرم الخلف لقوله تعالى: " أية : وما أنفقتم" تفسير : [البقرة: 270، سبأ: 39] الخ وفى الصبر على أذى السن أجر كبير، كما روى أن الله تعالى أوحى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله: "أن قل لأبى علام أضمر؟ فسأله فقال: على وجع السن سبع سنين" فليس كما فيل انه لا ثواب لمن صبر على وجعها، اذ كان له نزعها، لأنا تقول الأصل عدم قطع الأعضاء فنزعها جائز، والصبر عليها له ثواب لمن قصده.
الالوسي
تفسير : {قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ } أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذكر المؤمنين ويحملهم على التقوى والطاعة إثر تخصيص التذكر بأولي الألباب وفيه إيذان بأنهم هم أي قل لهم قولي هذا بعينه وفيه تشريف لهم بإضافتهم إلى ضمير الجلالة ومزيد اعتناء بشأن المأمور به فإن نقل عين أمر الله تعالى أدخل في إيجاب الامتثال به. وقوله تعالى: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } إلى آخره تعليل للأمر أو لوجوب الامتثال به، والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو خبر مقدم وقوله سبحانه: {فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا } متعلق بأحسنوا واسم الإشارة للإحضار، وقوله تبارك وتعالى {حَسَنَةٌ } مبتدأ وتنوينه للتفخيم أي للمحسنين في الدنيا حسنة في الآخرة أي حسنة والمراد بها الجنة، وقوله عزو جل: {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ } جملة معترضة إزاحة لما عسى أن يتوهم من التعلل في التفريط بعدم التمكن في الوطن من رعاية الأوامر والنواهي على ما هي عليه. وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } من تتمة الاعتراض فكأنه قيل: اتقوا ربكم فإن للمحسنين في هذه الدنيا الجنة في الأخرى ولا عذر للمفرطين في الإحسان بعدم التمكن في الأوطان فإن أرض الله تعالى واسعة وبلاده كثيرة فليتحولوا إن لم يتمكنوا عنها وليهاجروا إلى ربهم لنيل الرضوان فإن لهم في جنب ذلك ما يتقاصر عنه الجنة ويستلذ له كل محنة وكأنه لما أزاح سبحانه علتهم بأن في أرض الله تعالى سعة وقع في خلدهم هل نكون نحن ومن يتمكن من الإحسان في بلدته فارغ البال رافغ الحال سواء بسواء فأجيبوا إنما يوفى الصابرون الذين صبروا على الهجرة ومفارقة المحاب والاقتداء بالأنبياء والصالحين أجرهم بغير حساب، وأصله إنما توفون أجوركم بغير حساب على الخطاب وعدل عنه إلى المنزل تنبيهاً على أن المقتضي لذلك صبرهم فيفيد أنكم توفون أجوركم بصبركم كما وفى أجر من قبلكم بصبرهم وهو محمول على العموم شامل للصبر على كل بلاء غير مخصوص بالصبر على المهاجرة لكنه إنما جيء به في الآية لذلك وليشمل الصابرين على ألم المهاجرة شمولاً أوليا. والجار والمجرور في موضع الحال إما من الأجر أي إنما يوفون أجرهم كائناً بغير حساب وذلك بأن يغرف لهم غرفاً ويصب عليهم صباً، واما من الصابرين أي إنما يوفون ذلك كائنين بغير حساب عليه، والمراد على الوجهين المبالغة في الكثرة وهو المراد بقول ابن عباس لا يهتدي إليه حساب الحساب ولا يعرف، وجوز جعل الحال من الصابرين على معنى لا يحاسبون أصلاً، والمتبادر ما يفيد المبالغة في كثرة الأجر، ومعنى القصر ما يوفى الصابرون أجرهم إلا بغير حساب جعل الجار والمجرور حالاً من المنصوب أو المرفوع لأن القصر في الجزء الأخير، وفيه من الاعتناء بأمر الأجر ما فيه، وأما اختصاصه بالصابرين دون غيرهم فمن ترتب الحكم على المشتق. هذا ونقل عن السدي أن قوله تعالى: {فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا } متعلق بحسنة من حيث المعنى فقيل: هو حينئذ حال من {حَسَنَةٌ } ورد بأنها مبتدأ ولا يجوز الحال منه على الصحيح، فإن قيل: يلتزم جعلها فاعل الظرف قيل: لا يتسنى إلا على مذهب الأخفش وهو ضعيف. وقيل حال من الضمير المستتر في الخبر الراجع إلى {حَسَنَةٌ } وقال الزمخشري: هو بيان لحسنة والتقدير هي في الدنيا، والمراد بها الصحة والعافية أي للمحسنين صحة وعافية في الدنيا، قال في «الكشف»: وإنما آثر كونه بياناً مع جواز كونه حالاً عن الضمير الراجع إلى {حَسَنَةٌ } في الخبر لأن المعنى على البيان لا على التقييد بالحال وذلك لأن المعنى على هذا الوجه أن للمحسنين جزاء يسيراً في الدنيا هو الصحة والعافية وإنما توفية أجورهم / في الآخرة ولو قيد بالحال لم يلائم على ما لا يخفى، وحق قوله تعالى: {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ } على هذا أن يكون اعتراضاً إزاحة لما قد يختلج في بعض النفوس من خلاف ذلك الجزاء بواسطة اختلاف الهواء والتربة وغير ذلك مما يؤدي إلى آفات في البدن فقيل وأرض الله تعالى واسعة فلا يعدم أحد محلاً يناسب حاله فليتحول عنه إليه إن لم يلائمه ثم يكون فيه تنبيه على أن من جعل الأرض ذات الطول والعرض قطعاً متجاورات تكميلاً لانتعاشهم وارتياشهم يجب أن تقابل نعمه بالشكر ليعدوا من المحسنين ثم قيل: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ } أي توفية الأجر لهؤلاء المحسنين إنما يكون في الآخرة والذي نالوه في الدنيا عاجل حظهم وأما الأجر الموفى بغير حساب فذلك للصابرين، ومن سلبناه تلك العاجلة تمحيصاً له وتقريباً وفي ذلك تسلية لأهل البلاء وتنشيط للعباد على مكابدة العبادات وتحريض على ملازمة الطاعات ثم قال: وهذا أيضاً وجه حسن دقيق والرجحان للأول من وجوه: أحدها: أن الاعتراض لإزاحة العلة في التفريط أظهر لأنه المقصود من السياق على ما يظهر من قوله تعالى: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ }. الثاني: أنه المطابق لما ورد في التنزيل من نحو {أية : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا} تفسير : [النساء: 97] {أية : إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ }تفسير : [العنكبوت: 56]. الثالث: أن تعلق الظرف بالمذكور المتقدم هو الوجه ما لم يصرف صارف. الرابع: أنه على ذلك التقدير ليس بمطرد ولا أكثري فإن الحسنة بذلك المعنى في شأن المخالفين أتم والقول بأنها استدراج في شأنهم لا حسنة ليس بالظاهر فقد قال سبحانه: {أية : فَإِذَا جَاءتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ }تفسير : [الأعراف: 131] انتهى، ولعمري إن ما رجحه بالترجيح حقيق وما استحسنه واستدقه ليس بالحسن ولا الدقيق. والذي نقله الطبرسي عن السدي تفسير الحسنة في الدنيا بالثناء الحسن والذكر الجميل والصحة والسلامة، وفسرها بعضهم بولاية الله تعالى وعليه فليس للمخالفين منها نصيب، وفي الآية أقوال أخر فعن عطاء أرض الله تعالى المدينة قال أبو حيان: فعلى هذا يكون {أَحْسَنُواْ } هاجروا و {حَسَنَةٌ } راحة من الأعداء، وقال قوم: أرض الله تعالى الجنة، وتعقبه ابن عطية بأنه تحكم لا دليل عليه. وقال أبو مسلم: لا يمتنع ذلك لأنه تعالى أمر المؤمنين بالتقوى ثم بين سبحانه أنه من اتقى له في الآخرة الحسنة وهي الخلود في الجنة ثم بين جل شأنه أن أرض الله واسعة لقوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء }تفسير : [الزمر: 74] وقوله تعالى: {أية : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }تفسير : [آل عمران: 133] والرجحان لما سمعت أولاً. واختير فيه شمول الحسنة لحسنات الدنيا والآخرة. والمراد بالإحسان الإتيان بالأعمال الحسنة القلبية والقالبية، «حديث : قال النبـي صلى الله عليه وسلم في تفسيره في حديث جبريل عليه السلام: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : والآية على ما في بعض الآثار نزلت في جعفر بن أبـي طالب وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة وفيها من الدلالة على فضل الصابرين ما فيها. {قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينَ } أي من كل ما يخل به من الشرك والرياء وغير ذلك؛ أمر عليه الصلاة والسلام ببيان ما أمر به نفسه من الإخلاص في عبادة الله عز وجل الذي هو عبارة عما أمر به المؤمنون من التقوى مبالغة في حثهم على الإتيان بما كلفوه وتمهيداً لما يعقبه مما خوطب به المشركون. وعدم التصريح بالآمر لتعين أنه الله عز وجل، وقيل: للإشارة إلى أن هذا الأمر مما ينبغي امتثاله سواء صدر منه تعالى أم صدر من غيره سبحانه.
ابن عاشور
تفسير : لما أجري الثناء على المؤمنين بإقبالهم على عبادة الله في أشدّ الآناء وبشدة مراقبتهم إياه بالخوف والرجاء وبتمييزهم بصفة العلم والعقل والتذكر، بخلاف حال المشركين في ذلك كله، أُتبع ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإِقبال على خطابهم للاستزادة من ثباتهم ورباطة جأشهم، والتقديرُ: قل للمؤمنين، بقرينة قوله: {ياعِبَادِ الذين ءَامنُوا} الخ. وابتداء الكلام بالأمر بالقول للوجه الذي تقدم في نظيره آنفاً، وابتداء المقول بالنداء وبوصف العبودية المضاف إلى ضمير الله تعالى، كل ذلك يؤذن بالاهتمام بما سيقال وبأنه سيقال لهم عن ربهم، وهذا وضعٌ لهم في مقام المخاطبة من الله وهي درجة عظيمة. وحذفت ياء المتكلم المضاف إليها {عباد} وهو استعمال كثير في المنادَى المضاف إلى ياء المتكلم. وقرأه العشرة {يَاعِبادِ} بدون ياء في الوصل والوقف كما في (إبراز المعاني) لأبي شامة وكما في «الدرة المضيئة» في القراءات الثلاث المتممة للعشر لعلي الضباع المصري، بخلاف قوله تعالى: {أية : قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم}تفسير : [ الزمر: 53] الآتي في هذه السورة، فالمخالفة بينهما مجرد تفنن. وقد يوجه هذا التخالف بأن المخاطبين في هذه الآية هم عباد الله المتقون، فانتسابهم إلى الله مقرر فاستُغني عن إظهار ضمير الجلالة في إضافتهم إليه، بخلاف الآية الآتية، فليس في كلمة {يَاعِبَادِ} من هذه الآية إلاَّ وَجه واحد باتفاق العشرة ولذلك كتبها كتّاب المصحف بدون ياء بعد الدال. وما وقع في «تفسير ابن عطية» من قوله: "وقرأ جمهور القراء {قل يا عباديَ} بفتح الياء. وقرأ أبو عمرو أيضاً وعاصم والأعشى وابن كثير {يا عِبَادِ} بغير ياء في الوصل" ا هــــ. سهو، وإنما اختلف القراء في الآية الآتية {أية : قُل ياعِبَادي الذين أسرفوا على أنفسهم}تفسير : في هذه السورة [53] فإنها ثبتت فيه ياء المتكلم فاختلفوا كما سنذكره. والأمر بالتقوى مراد به الدوام على المأمور به لأنهم متّقون من قبلُ، وهو يشعر بأنهم قد نزل بهم من الأذى في الدين ما يخشى عليهم معه أن يُقصّروا في تقواهم. وهذا الأمر تمهيد لما سيوجه إليهم من أمرهم بالهجرة للسلامة من الأذى في دينهم، وهو ما عُرض به في قوله تعالى: {وأرْضُ الله واسِعَة}. وفي استحضارهم بالموصول وصلته إيماء إلى أن تقَرر إيمانهم مما يقتضي التقوى والامتثال للمهاجرة. وجملة {للذين أحسنوا في هذه الدُّنيا حسنةٌ} وما عطف عليها استئناف بياني لأن إيراد الأمر بالتقوى للمتصفين بها يثير سؤال سائل عن المقصود من ذلك الأمر فأريد بيانه بقوله: {أرض الله واسعة}، ولكن جُعل قوله {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ} تمهيداً له لقصد تعجيل التكفل لهم بموافقة الحسنى في هجرتهم. ويجوز أن تكون جملة {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ} مسوقة مساق التعليل للأمر بالتقوى الواقع بعدها. والمراد بالذين أحسنوا: الذين اتقوا الله وهم المؤمنون الموصوفون بما تقدم من قوله: {أية : أمن هو قانت}تفسير : [الزمر: 9] الآية، لأن تلك الخصال تدل على الإِحسان المفسر بقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك»تفسير : ، فعدل عن التعبير بضمير الخطاب بأن يقال: لكم في الدنيا حسنة، إلى الإِتيان باسم الموصول الظاهر وهو {الذين أحسنوا} ليشمل المخاطبين وغيرهم ممن ثبتت له هذه الصلة. وذلك في معنى: اتقوا ربكم لتكونوا محسنين فإن للذين أحسنوا حسنة عظيمة فكونوا منهم. وتقديم المسند في {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ} للاهتمام بالمحسَن إليهم وأنهم أحرياء بالإِحسان. والمراد بالحسنة الحالة الحسنة، واستغني بالوصف عن الموصوف على حد قوله: {أية : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة}تفسير : [البقرة: 201]. وقولِه في عكسه {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها}تفسير : [الشورى: 40]. وتوسيط قوله: {في هذه الدنيا} بين {للذين أحسنوا} وبين {حَسَنَةٌ} نظم مما اختص به القرآن في مواقع الكلم لإِكثار المعاني التي يسمح بها النظم، وهذا من طرق إعجاز القرآن. فيجوز أن يكون قوله: {في هذه الدُّنيا} حالاً من {حَسَنَةٌ} قدم على صاحب الحال للتنبيه من أول الكلام على أنها جزاؤهم في الدنيا، لقلة خطور ذلك في بالهم ضمن الله لهم تعجيل الجزاء الحسن في الدنيا قبل ثواب الآخرة على نحو ما أثنى على مَن يقول: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة}. وقد جاء في نظير هذه الجملة في سورة [النحل:30] قوله: {أية : ولدار الآخرة خير}تفسير : ، أي خير من أمور الدنيا، ويكون الاقتصار على حسنة الدنيا في هذه الآية لأنها مسوقة لتثبيت المسلمين على ما يلاقونه من الأذى، ولأمرهم بالهجرة عن دار الشرك والفتنة في الدين، فأما ثواب الآخرة فأمر مقرر عندهم من قبل ومومىً إليه بقوله بعده: {إنما يوفَّى الصابِرُون أجرهم بغير حسابٍ} أي يوفون أجرهم في الآخرة. قال السدّي: الحسنة في الدنيا الصحة والعافية. ويجوز أن يكون قوله: «في الدنيا» متعلقاً بفعل {أحسنوا} على أنه ظرف لغوي، أي فعلوا الحسنات في الدنيا فيكون المقصود التنبيه على المبادرة بالحسنات في الحياة الدنيا قبل الفوات والتنبيه على عدم التقصير في ذلك. وتنوين {حَسَنَةٌ} للتعظيم وهو بالنسبة لحسنة الآخرة للتعظيم الذاتي، وبالنسبة لحسنة الدنيا تعظيم وصفي، أي حسنة أعظم من المتعارف، وأيّاً ما كان فاسم الإِشارة في قوله: {في هذه الدنيا}لتمييز المشار إليه وإحضاره في الأذهان. وعليه فالمراد بــــ {حَسَنَةٌ} يحتمل حسنة الآخرة ويحتمل حسنة الدنيا، كما في قوله تعالى: {أية : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة}تفسير : في سورة [البقرة: 201]. وقد تقدم نظير هذه الآية في سورة [النحل: 30] قولُه تعالى: {أية : وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير}تفسير : ، فألْحِقْ بها ما قُرر هنا. وعطف عليه {وأرضُ الله واسعةٌ} عطفَ المقصود على التوطئة. وهو خبر مستعمل في التعريض بالحث على الهجرة في الأرض فراراً بدينهم من الفتن بقرينة أن كون الأرض واسعةً أمر معلوم لا يتعلق الغرض بإفادته وإنما كني به عن لازم معناه، كما قال إياس بن قبيصة الطائي:شعر : ألم تر أن الأرض رحْب فسيحة فَهَلْ تعجزنِّي بقعة من بقاعها تفسير : والوجه أن تكون جملة {وأرضُ الله واسِعةٌ} معترضة والواو اعتراضية لأن تلك الجملة جرت مجرى المثل. والمعنى: إن الله وعدهم أن يلاقوا حسنة إذا هم هاجروا من ديار الشرك. وليس حسن العيش ولا ضده مقصوراً على مكان معين وقد وقع التصريح بما كني عنه هنا في قوله تعالى: {أية : قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}تفسير : [النساء: 97]. والمراد: الإِيماء إلى الهجرة إلى الحَبَشَة. قال ابن عباس في قوله تعالى: {قُلْ يا عِبادِ الذين ءَامنُوا اتَّقوا ربَّكُم} يريد جعفرَ بن أبي طالب والذين خرجوا معه إلى الحبشة. ونكتة الكناية هنا إلقاء الإِشارة إليهم بلطف وتأنيس دون صريح الأمر لما في مفارقة الأوطان من الغمّ على النفس، وأما الآية التي في سورة النساء فإنها حكاية توبيخ الملائكة لمن لم يهاجروا. وموقع جملة {إنما يُوفَّى الصَّابِرون أجرهم بغيرِ حسابٍ} موقع التذييل لجملة {للذين أحْسَنُوا} وما عطف عليها لأن مفارقة الوطن والتغرب والسفر مشاق لا يستطيعها إلا صابر، فذُيّل الأمر به بتعظيم أجر الصابرين ليكون إعلاماً للمخاطبين بأن أجرهم على ذلك عظيم لأنهم حينئذٍ من الصابرين الذين أجرهم بغير حساب. والصبر: سكون النفس عند حلول الآلام والمصائب بأن لا تضجر ولا تضطرب لذلك، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وبشر الصابرين}تفسير : في سورة [البقرة: 155]. وصيغة العموم في قوله: {الصابرين} تشمل كل من صبر على مشقة في القيام بواجبات الدين وامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، ومراتب هذا الصبر متفاوتة وبقدرها يتفاوت الأجر. والتوفية: إعطاء الشيء وافياً، أي تاماً. والأجر: الثواب في الآخرة كما هو مصطلح القرآن. وقوله: {بِغَيرِ حسابٍ} كناية عن الوفرة والتعظيم لأن الشيء الكثير لا يُتصدى لعدِّه، والشيء العظيم لا يحاط بمقداره فإن الإِحاطة بالمقدار ضرب من الحساب وذلك شأن ثواب الآخرة الذي لا يخطر على قلب بشر. وفي ذكر التوفية وإضافة الأجر إلى ضميرهم تأنيس لهم بأنهم استحقوا ذلك لا منة عليهم فيه وإن كانت المنة لله على كل حال على نحو قوله تعالى: {أية : لهم أجر غير ممنون}تفسير : [الانشقاق: 25]. والحصر المستفاد من {إنما} منصبّ على القيد وهو {بِغيرِ حسابٍ} والمعنى: ما يوفي الصابرون أجرهم إلا بِغير حساب، وهو قصر قلب مبنيّ على قلب ظن الصَابرين أن أجر صبرهم بمقدار صبرهم، أي أن أجرهم لا يزيد على مقدار مشقة صبرهم. والهجرة إلى الحبشة كانت سنة خمس قبل الهجرة إلى المدينة. وكان سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء وأن عمه أبا طالب كان يمنع ابن أخيه من أضرار المشركين ولا يقدر أن يمنع أصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملِكاً لا يُظلَم عنده أحد حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه»تفسير : ، فخرج معظم المسلمين مخافة الفتنة فخرج ثلاثة وثمانون رجلاً وتسع عشرة امرأة سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغاراً. وقد كان أبو بكر الصديق استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فأذن له فخرج قاصداً بلاد الحبشة فلقيه ابن الدّغِنَة فَصدّه وجعَلَه في جواره. ولما تعلقت إرادة الله تعالى بنشر الإِسلام في مكة بين العرب لحكمة اقتضت ذلك وعَذر بعض المؤمنين فيما لقُوه من الأذى في دينهم أذن لهم بالهجرة وكانت حكمته مقتضية بقاء رسوله صلى الله عليه وسلم بين ظهراني المشركين لبثّ دعوة الإِسلام لم يأذن له بالهجرة إلى موطن آخر حتى إذا تم مراد الله من توشج نواة الدين في تلك الأرض التي نشأ فيها رسوله صلى الله عليه وسلم وأصبح انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بلد آخر أسعد بانتشار الإِسلام في الأرض أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة بعد أن هيّأ له بلطفه دخول أهلها في الإِسلام وكل ذلك جرى بقدَر وحكمة ولطف برسوله صلى الله عليه وسلم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ}. الظاهر أن معنى الآية، أن الإنسان إذا كان في محل لا يتمكن فيه من إقامة دينه على الوجه المطلوب، فعليه أن يهاجر منه، في مناكب أرض الله الواسعة، حتى يجد محلاً تمكنه فيه إقامة دينه. وقد أوضح تعالى في هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} تفسير : [النساء: 97]. وقوله تعالى: {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [العنكبوت: 56]، ولا يخفى أن الترتيب بالفاء في قوله: {فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ} على قوله: {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة} دليل واضح على ذلك.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 10- قل - أيها النبى - مُبلغاً عن ربك: يا عبادى الذين آمنوا بى، اتخذوا وقاية من غضب ربكم، فإن لِمن أحسن العمل عاقبة حسنة فى الدنيا بالتأييد، وفى الآخرة بالجنة. ولا تقيموا فى ذل، فأرض الله واسعة، واصبروا على مفارقة الأوطان والأحباب، إنما يوفى الله الصابرين أجرهم مضاعفاً، لا يدخل تحت حساب الحاسبين. 11- قل: إنى أمرت أن أعبد الله مخلصاً له عبادتى من كل شرك ورياء. 12- وأمرت منه تعالى - أمراً مؤكداً - أن أكون أول المنقادين لأوامره. 13- قل: إنى أخشى إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم الهول. 14، 15- قل لهم يا محمد: الله - وحده - أعبد، مبرئاً عبادتى من الشرك والرياء، فإذا عرفتم طريقتى ولم تطيعونى فاعبدوا ما شئتم من دونه. قل لهم: إن الخاسرين - كل الخسران - هم الذين أضاعوا أنفسهم بضلالهم، وأهليهم بإضلالهم يوم القيامة. ألا ذلك الضياع هو الخسران الكامل الواضح. 16- لهؤلاء الخاسرين من فوقهم طبقات متراكمة من النار، ومن تحتهم مثلها، ذلك التصوير للعذاب يخوِّف الله به عباده، يا عباد: فاخشوا بأسى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: اتقوا ربكم: أي اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية بالإِيمان والتقوى. للذين أحسنوا: أي أحسنوا العبادة. حسنة: أي الجنة. أرض الله واسعة: أي فهاجروا فيها لتتمكنوا من عبادة الله إن منعتم منها في دياركم. أُمرت: أي أمرني ربّي عز وجل. مخلصا له الدين: أي مفرداً إياه بالعبادة. أول المسلمين: أي أول من يسلم في هذه الأمة فينقاد لله بعبادته والإِخلاص له فيها. عذاب يوم عظيم: أي عذاب يوم القيامة. قل: أي يا رسولنا للمشركين. الله أعبد: أي لا أعبد معه سواه. مخلصا له ديني: أي مفرداً إياه بطاعتي وانقيادي. فاعبدوا ما شئتم: أي إن أبيتم أيها المشركون عبادة الله وحده فاعبدوا ما شئتم من الأوثان فإِنكم خاسرون. خسروا أنفسهم: أي فحرموها الجنة وخلدوها في النار. وأهليهم: أي الحور العين اللائي كن لهم في الجنة لو آمنوا واتقوا بفعل الطاعات وترك المنهيات. ظلل من النار: أي دخان ولهب وحر من فوقهم ومن تحتهم. ذلك: أي المذكور من عذاب النار. يا عباد فاتقون: أي يا من أنا خالقهم ورازقهم ومالكهم وما يملكون فلذلك اتقون بالإِيمان والتقوى. معنى الآيات: لقد تضمنت هذه الآيات الخمس توجيهات وإرشادات ربَّانيَّة للمؤمنين والرسول صلى الله عليه وسلم ففي الآية الأولى [10] يأمر تعالى رسوله أن يقول للمؤمنين اتقوا ربكم أي اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية وذلك بطاعته وطاعة رسوله، ويُعلمهم معللا أمره إياهم بالتقوى بأن للذين أحسنوا الطاعة المطلوبة منهم الجنة، كما يعلمهم أنهم إذا لم يقدروا على الطاعة بين المشركين فليهاجروا إلى أرض يتمكنون فيها من طاعة الله ورسوله فيقول {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} أي فهاجروا فيها ويشجعهم على الهجرة لأجل الطاعة فيقول {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ} أي على الاغتراب والهجرة لأجل طاعة الله والرسول {أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي بلا كيل ولا وزن ولا عد وذلك لأنه فوق ذلك. وفي الآية الثانية [11] والثالثة [12] يأمر تعالى رسوله موجها له بأن يقول للناس {إِنِّيۤ أُمِرْتُ} أي أمرني ربي أن أعبد الله باعتقاد وقول وفعل ما يأمرني به وترك ما ينهاني عنه من ذلك مخلصا له الدين، فلا أشرك في دين الله أحداً أي في عبادته أحداً، كما أمرني أن أكون أول المسلمين في هذه الأمة أي أوّل من يسلم قلبه وجوارحه الظاهرة والباطنة لله تعالى وفي الآيات الرابعة [13] والخامسة [14] يأمر الله تعالى رسوله أن يقول للمشركين إني أخاف إن عصيت ربي، فرضيت بعبادة غيره وأقررتها عذاب يوم عظيم كما يأمره أن يقول اللهَ أعبدُ أي الله وحده لا شريك له أعبد حال كوني مخلصا له ديني. وأما أنتم أيها المشركون إن أبيتم التوحيد فاعبدوا ما شئتم من آلهة دونه تعالى ويأمره أن يقول لهم إن الخاسرين بحق ليسوا أولئك الذي يخسرون دنياهم فيفقدون الدار والبعير أو المال والأهل والولد بل هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وذلك بتخليدهم في النار، وبعدم وصولهم إلى الحور العين المعدة لهم في الجنة لو أنهم آمنوا واتقوا. ألا ذلك أي هذا هو الخسران المبين ثم يوضح ذلك الخسران بالحال التالية وهي أن لهم وهم في النار من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل أي طبقات من فوقهم طبقة ومن تحتهم أخرى وكلها دخان ولهب وحر وأخيراً قوله تعالى {ذَلِكَ} أي المذكور من الخسران وعذاب الظلل يخوف الله تعالى به عباده المؤمنين ليواصلوا طاعتهم وصبرهم عليها فينجوا من النار ويظفروا بالجنان وقوله يا عباد فاتقون أي يا عبادي المؤمنين فاتقون ولا تعصون يحذرهم تعالى نفسه، والله رءوف بالعباد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان عناية الله تعالى برسوله والمؤمنين إذ أرشدهم إلى ما يكملهم ويسعدهم. 2- وجوب التقوى والصبر على الأذى في ذلك. 3- تقرير التوحيد بأن يعبد الله وحده. 4- فضل الإِسلام وشرف المسلمين. 5- تقرير البعث والجزاء بيان شيء من أهوال الآخرة وعذاب النار فيها. 6- كل خسران في الدنيا إذا قيس بخسران الآخرة لا يعد خسراناً أبداً.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰعِبَادِ} {آمَنُواْ} {وَاسِعَةٌ} {ٱلصَّابِرُونَ} (10) - يَأَمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ يَعِظَ المُؤْمِنِينَ، وَبِأَنْ يَأْمُرَهُمْ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى، وَالثَبَاتِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَبِأَنْ يَذْكُرَ لَهُمْ أَنَّهُ مَنْ أَحْسَنَ مِنْهُمُ العَمَلَ فَلَهُ الجَزَاءُ الحَسَنُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وَأَنْ يَقُولَ لِلْمُؤْمِنِينَ مُرَغِّباً إِيَّاهُمْ فِي الهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ: إِنَّ أَرْضَ اللهِ وَاسِعَةٌ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِيعُوا القِيَامَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ فِي البَلَدِ الذِي هُمْ فِيهِ، فَعَلَيهِم الهِجْرَةُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ تَتَوَفَّرُ فِيهِ حُرِّيَةُ العِبَادَةِ، وَإِن اللهَ يُوفِّي الصَّابِرِينَ عَلَى الابْتِلاَءِ، ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ مَا شَاءَ بِغَيِرِ حِسَابٍ. التَّقْوَى - اتِّخَاذُ شَيءٍ يُتَّقَى بِهِ المَكْرُوهُ. بِغَيْرِ حِسَابٍ - بِلاَ نِهَايَةٍ لِمَا يُعْطِي أَوْ بِتَوْسِعَةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : التقوى أنْ تحترز من المعاصي، وأنْ تجعل بينك وبين صفات الجلال من الله وقاية، فالله جبار قهار ذو انتقام، فاجعل بينك وبين هذه الصفات وقاية تحميك. وقوله {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [الزمر: 10] للعقائد {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} [الزمر: 10] أي: في التكاليف {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ} [الزمر: 10] أي: حسنة في الآخرة، فلم يقل: للذين أحسنوا حسنةً في هذه الدنيا؛ لأن الكفار يتمتعون في الدنيا بحسنات كثيرة من المال والجاه والعلم .. الخ. فإنْ فسَّرنا الحسنة على أنها النعيم، فالنعيم الذي يكون سبباً في صَرْف الإنسان عن ربه لا يُعَدُّ حسنة إنما سيئة، إذن: فالحسنة المرادة هنا في الآخرة {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} [الزمر: 10] لكن ما علاقة {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ ..} [الزمر: 10] بقوله {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} [الزمر: 10]. قالوا: يعني: إنْ صادفتَ متاعبَ في أرضك التي تعيش فيها، فإنَّ أرضَ الله واسعةٌ، فالتمس حمايةَ نفسك ودينك في أرض أخرى، كما قال سبحانه: {أية : وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} تفسير : [النساء: 100]. وقال في نفس المعنى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ..} تفسير : [النساء: 97]. إذن: حين تضيق بك أرضك، وحين يضيق عليك الخناق بها، فالتمس أرضاً أخرى تأمن فيها على نفسك وعلى دينك، وعلى تطبيق منهج الله دون معاند، ودون معارض. ولو تنبهنا إلى آية في سورة الرحمن لوجدنا فيها حلاً لكل مشاكل الدنيا المعاصرة، هي قوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} تفسير : [الرحمن: 10]. يعني: جعل الأرض كل الأرض دون تحديد تحت تصرف كل الأنام دون تحديد أيضاً، فكلُّ إنسان له في أرض الله نصيب، فإذا ضاق به مكان فله حَقٌّ في مكان آخر. لكن قوانين البشر ومصالحهم غَيَّرَتْ هذه الصورة، ووضعت العقبات والعراقيل والإجراءات المعقدة في طريق هذه الحرية التي كفلها الخالق سبحانه للحركة على أرضه. لذلك وجدنا أن مشكلة العالم الاقتصادية تكمن في وجود أرض بلا رجال، أو رجال بلا أرض، ولو تركنا الأرض لله كما خلقها الله لعباده، لو جعلنا الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام لقضَيْنا على كل مشاكل الدنيا. وانظر مثلاً إلى السودان جارتنا من الجنوب، بها ملايين الأفدنة لا يُستفاد منها، وعندنا في مصر ملايين من الأيدي العاملة العاطلة، ولولا الحدود التي قيدنا أنفسنا بها لَحلَّتْ السودانُ مشكلة الغذاء في العالم العربي كله. بل والأدهى من ذلك والأمرّ أن نختلف على الحدود، ونتزاحم على شبر واحد، وتنشب الحروب والأزمات بين الدول بسبب هذه المسألة، إنها النتيجة الطبيعية لمخالفة أمر الله وسنته في الخَلْقَ. ثم يقول سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] الحث على الصبر بعد قوله {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} [الزمر: 10] دلَّ على أنه لا بُدَّ أَنْ تُوجَد في الحياة صِعَاب ومشاكل ومتاعب تحتاج إلى صبر، والشاعر يقول: شعر : لعمْرُكَ مَا ضَاقَتْ بلادٌ بأهلها ولَكِنَّ أَخْلاقَ الرِّجَالِ تَضِيقُ تفسير : فالحق سبحانه يريد منا أنْ نتحمل منهج الله، وأن نقوم به لنسعد أنفسنا، ثم نتسامى في الإيمان، ونحاول أن نسعد غيرنا ليحدث استِطراقٌ للخير في المجتمع؛ لِذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نَضّر اللهُ امرءاً سمع مَقالتي فَوَعاهَا، ثُمَّ أدَّاها إلى مَنْ لم يَسْمَعْها، فَرُبَّ مُبلِّغْ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ". تفسير : إذن: فنقْلُ الخير إلى الغير فيه خير لك أنت، وسوف يعود عليك نفعه، لأنه حين تحجب عِلْم الخير عن الغير سيكون هذا الغير في شَرٍّ، وسوف يتعبك هذا الشر وينالك شيء منه، فمن مصلحتك أنت أنْ يعمَّ الخيرُ الآخرين، ومن مصلحتك أنْ يكون غيرك خَيِّراً، لا يسرق ولا يَسُبّ ولا يخون، ولا يتعدى على الآخرين، فنقْل علم الخير إلى الغير مُفيد لناقله، ليكفّ شرَّ ذي الشر عنه على الأقل. والصابر هو الذي يصبر على الشدائد والمحن التي تُخرِجه عن: سلامة الجوارح، وسلامة المال، وسلامة الأهل، والصابر واثق بأن إيلاَمه وإيذاءه يعطيه خيراً من النعيم الذي فقده قبل الإيلام والإيذاء، لأن الله قال: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]. وإذا كانت التكاليفُ لها حساب عند الله، فالصلاة لها حساب، والزكاة لها حساب .. إلخ أما الصبر فإن أجره بغير حساب يعني: غير معلوم، حتى قالوا أنه في الجنة حين يرون منازل لم يكُنْ أهلها معروفين بالعمل الصالح، ومع ذلك منازلهم في الجنة عالية، فلما سألوا عن ذلك قالوا: إنهم كانوا من أهل الصبر على البلاء وعلى الشدائد والمحن، فنالوا هذه المنزلة بصبرهم. والصبر عدم تشكيك في رحمة الله، وعدم اعتراض على حكمه وقضائه، فمثلاً نرى بعض أهل البلاء يعرضون آفاتهم وبلواهم على المجتمع في موسم الحج، فبعض هؤلاء يذهب للحج وهناك يكشف بلواه أمام الناس، ويظهر عاهته في رِجْله أو في يده يستجدي بها الخلق، وكأنه يشكو الخالق لخَلْقه، ولو أنه ستر بلاءه ورضي به لطرق الرزقُ بابه، ولَساقَه الله إليه دون جهد. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا بُليتُمْ فاستتروا" تفسير : لأن مَنْ يظهر بَلْواه للخَلْق كأنه يفضح الخالق، كأنه يقول للناس: انظروا ماذا فعل الله بي. وفي سير الصحابة وسلف الأمة رأينا امرأة لا تقبل من زوجها أن يشكو الفقر لرسول الله، وكانا لا يملكان إلا ثوباً واحدا يلبسه الرجل، ويذهب به في أول الصلاة خلف رسول الله ثم يسرع بعد الصلاة وينصرف إلى بيته لتلبسه زوجته وتصلي هي أيضاً فيه. وقد لاحظ سيدنا رسول الله أنه يرى هذا الرجل في أول الصلاة، ولا يراه بعدها، فتحيَّن رسولُ الله الفراغَ من الصلاة، ثم التفت إليه سريعاً فوجده خارجاً من المسجد، فناداه وقال له: أراك أول الصلاة ثم لا أراك بعدها أَزُهْداً فينا؟ قال: لا يا رسول الله ولكن لي امرأة بالبيت تنتظر ردائي هذا لتصلي فيه، فدعا له بالخير. فلما ذهب قالت امرأته: لقد تأخرتَ قَدْر كذا تسبيحة - هكذا كان حساب الوقت عند هؤلاء - فقال لها: إن رسول الله استوقفني وسألني عن أمري، فلم أجد بُدّاً أن أقول له: إن لي امرأة بالبيت تنتظر ردائي هذا للصلاة، فقالت له: يا هذا أتشكو ربك لمحمد؟ هكذا كان صبر الصحابة، صبر لا يعرف الجزع ولا الشكوى ولا الاعتراض على قضاء الله. لذلك يقول بعض العارفين حين يرى حظ الصابرين في الآخرة: لو علم الناسُ جزاءَ الصابرين لَتمنَّوْا أنْ يعودوا إلى الدنيا، وتُقرض أجسادهم لينالوا هذه المنزلة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قل مناديا لأشرف الخلق، وهم المؤمنون، آمرا لهم بأفضل الأوامر، وهي التقوى، ذاكرا لهم السبب الموجب للتقوى، وهو ربوبية اللّه لهم وإنعامه عليهم، المقتضي ذلك منهم أن يتقوه، ومن ذلك ما مَنَّ اللّه عليهم به من الإيمان فإنه موجب للتقوى، كما تقول: أيها الكريم تصدق، وأيها الشجاع قاتل. وذكر لهم الثواب المنشط في الدنيا فقال: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا } بعبادة ربهم { حَسَنَة } ورزق واسع، ونفس مطمئنة، وقلب منشرح، كما قال تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً }. تفسير : { وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ } إذا منعتم من عبادته في أرض، فهاجروا إلى غيرها، تعبدون فيها ربكم، وتتمكنون من إقامة دينكم. ولما قال: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ } كان لبعض النفوس مجال في هذا الموضع، وهو أن النص عام، أنه كل من أحسن فله في الدنيا حسنة، فما بال من آمن في أرض يضطهد فيها ويمتهن، لا يحصل له ذلك، دفع هذا الظن بقوله: { وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ } وهنا بشارة نص عليها النبي صلى اللّه عليه وسلم، بقوله " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك " تشير إليه هذه الآية، وترمي إليه من قريب، وهو أنه تعالى أخبر أن أرضه واسعة، فمهما منعتم من عبادته في موضع فهاجروا إلى غيرها، وهذا عام في كل زمان ومكان، فلا بد أن يكون لكل مهاجر، ملجأ من المسلمين يلجأ إليه، وموضع يتمكن من إقامة دينه فيه. { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } وهذا عام في جميع أنواع الصبر، الصبر على أقدار اللّه المؤلمة فلا يتسخطها، والصبر عن معاصيه فلا يرتكبها، والصبر على طاعته حتى يؤديها، فوعد اللّه الصابرين أجرهم بغير حساب، أي: بغير حد ولا عد ولا مقدار، وما ذاك إلا لفضيلة الصبر ومحله عند اللّه، وأنه معين على كل الأمور.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [10] 466 - أخبرنا هنادُ بن السريِّ، عن أبي الأحوصِ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: من أذهبتُ كريمتيهِ، فاحتسب، وصبر، لم أرض له ثواباً دون الجنةِ ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):