٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ } تقدّم أول السورة {وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ } من هذه الأمة، وكذلك كان؛ فإنه كان أول من خالف دين آبائه، وخلع الأصنام وحطمها، وأسلم لله وآمن به، ودعا إليه صلى الله عليه وسلم. واللام في قوله: {لأَنْ أَكُونَ} صلة زائدة؛ قاله الجرجاني وغيره. وقيل: لام أجل. وفي الكلام حذف أي أمرت بالعبادة {لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ}. قوله تعالى: {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } يريد عذاب يوم القيامة. وقاله حين دعاه قومه إلى دين آبائه؛ قاله أكثر أهل التفسير. وقال أبو حمزة الثمالي وابن المسيّب: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح: 2] فكانت هذه الآية من قبل أن يغفر ذنب النبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ} «اللَّهَ» نصب بـ«ـأَعْبُدُ» {مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي} طاعتي وعبادتي. {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} أمر تهديد ووعيد وتوبيخ؛ كقوله تعالى: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ}تفسير : [فصلت: 40]. وقيل: منسوخة بآية السيف. قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} قال ميمون بن مهران عن ابن عباس: ليس من أحد إلا و(قد) خلق الله له زوجة في الجنة، فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله. في رواية عن ابن عباس: فمن عمل بطاعة الله كان له ذلك المنزل والأهل إلا ما كان له قبل ذلك، وهو قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ } تفسير : [المؤمنون: 10]. قوله تعالى: {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} سمى ما تحتهم ظللاً؛ لأنها تظل من تحتهم، وهذه الآية نظير قوله تعالى: {أية : لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} تفسير : [الأعراف: 41] وقوله: {أية : يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 55]. {ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} قال ابن عباس: أولياءه. {يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ } أي يا أوليائي فخافون. وقيل: هو عام في المؤمن والكافر. وقيل: خاص بالكفار.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينَ } من الشرك.
ابن عطية
تفسير : أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية بأن يصدع للكفار فيما أمر به من عبادة ربه. وقوله: {وأمرت} لأن معناه: وأمرت بهذا الذي ذكرت لكي أكون أول من أسلم من أهل عصري وزمني، فهذه نعمة من الله عليه وتنبيه منه. وقوله: {أخاف إن عصيت} فعل معلق بشرط وهو العصيان، وقد علم أنه عليه السلام معصوم منه، ولكنه خطاب للأمة يعمهم حكمه ويحفهم وعيده. وقوله تعالى {قل الله أعبد} تأكيد للمعنى الأول وإعلام بامتثاله كله للأمر، وهذا كله نزل قبل القتال لأنها موادعات. وقوله: {فاعبدوا ما شئتم من دونه} صيغة أمر على جهة التهديد كنحو قوله: {أية : اعملوا ما شئتم} تفسير : [فصلت: 40] وقوله: {أية : تمتع بكفرك} تفسير : [الزمر: 8]، وهذا كثير، و {الذين} في قوله: {الذين خسروا أنفسهم} في موضع رفع خبر، لأن قوله: {وأهليهم} قيل معناه أنهم خسروا الأهل الذي كان يكون لهم لو كانوا من أهل الجنة، فهذا كما لو قال: خسروا أنفسهم ونعيمهم، أي الذي كان يكون بهم، وقيل أراد الأنفس والأهلين الذين كانوا في الدنيا، لأنهم صاروا في عذاب النار، ليس لهم نفوس مستقرة ولا بدل من أهل الدنيا، ومن له في الجنة قد صار له إما أهله وإما غيرهم على الاختلاف فيما يؤثر في ذلك فهو على كل حال لا خسران معه بتة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {قل} يا محمد {إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين} أي مخلصاً له التوحيد أي لا أشرك به شيئاً {وأمرت لأن أكون أول المسلمين} أي من هذه الأمة قيل أمره أولاً بالإخلاص وهو من عمل القلب ثم أمره ثانياً بعمل الجوارح لأن شرائع الله تعالى لا تستفاد إلا من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المبلغ فكان هو أول الناس شروعاً فيها فخص الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر لينبه على أن غيره أحق بذلك فهو كالترغيب لغيره {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما حملك على هذا الذي أتيتنا به ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وقومك فتأخذ بها فأنزل الله تعالى هذه الآيات ومعنى الآية زجر الغير عن المعاصي لأنه مع جلالة قدره وشرف طهارته ونزاهته ومنصب نبوته إذا كان خائفاً حذراً من المعاصي فغيره أولى بذلك {قل الله أعبد مخلصاً له ديني} فإن قلت ما معنى التكرار في قوله {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين} وفي قوله {قل الله أعبد مخلصاً له ديني}. قلت هذا ليس بتكرار لأن الأول الإخبار بأنه مأمور من جهة الله تعالى بالإتيان بالعبادة والإخلاص، والثاني أنه إخبار بأنه أمر أن يخص الله تعالى وحده بالعبادة ولا يعبد أحداً غيره مخلصاً له دينه، لأن قوله {أمرت أن أعبد الله} لا يفيد الحصر وقوله: {الله أعبد} يفيد الحضر والمعنى الله أعبد ولا أعبد أحداً غيره ثم أتبعه بقوله {فاعبدوا ما شئتم من دونه} ليس أمراً بل المراد منه الزجر والتهديد والتوبيخ ثم بين كمال الزجر بقوله {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم} يعني أزواجهم وخدمهم {يوم القيامة} قال ابن عباس: وذلك أن الله تعالى جعل لكل إنسان منزلاً وأهلاً في الجنة فمن عمل بطاعة الله تعالى كان ذلك المنزل والأهل ومن عمل بمعصية الله تعالى دخل النار وكان ذلك المنزل والأهل لغيره ممن عمل بطاعة الله تعالى فخسر نفسه وأهله ومنزله وقيل خسران النفس بدخول النار وخسران الأهل بأن يفرق بينه وبين أهله {ألا ذلك هو الخسران المبين لهم من فوقهم ظلل من النار} أي أطباق وسرادقات {ومن تحتهم ظلل} أي فراش ومهاد وقيل أحاطت النار بهم من جميع الجهات والجوانب. فإن قلت الظلة ما فوق الإنسان فكيف سمي ما تحته بالظلة، قلت فيه وجوه الأول أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر. الثاني أن الذي تحته من النار يكون ظلة لآخر تحته في النار لأنها دركات. الثالث أن الظلة التحتانية لما كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الإيذاء والحرارة سميت باسمها لأجل المماثلة والمشابهة {ذلك يخوف الله به عباده} أي المؤمنين لأنهم إذا سمعوا حال الكفار في الآخرة خافوا فأخلصوا التوحيد والطاعة لله عز وجل وهو قوله تعالى: {يا عباد فاتقون} أي فخافون.
ابن عادل
تفسير : قوله:{إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً (لَّهُ ٱلدِّينَ} أي مخلصاً له) التوحيد لا أشْرِك به شيئاً، وهذا هو النوع الثامن من البيانات التي أمر الله رسوله أن يذكرها. قوله: {وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ} في هذه اللام وجهان: أحدهما: أنها للتعليل تقديره وأمرت بما أُمِرْتُ به لأن أكون قال الزمخشري: فإن قلتَ: كيف عطف "أُمِرْتُ" على "أمرت" وهما واحد؟ قلتُ: ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما؛ وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء والأمر به ليحُوزَ به قَصَبَ السبق في الدِّين شيءٌ آخر، وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين. الثاني: أن تكونَ اللام مزيدةً في "أَنْ" قال الزمخشري: وذلك أن تجعل اللامَ مزيدةً مثلها في قولك: أَرَدْتُ لأَنْ أَفْعَلَ. ولا تزاد إلاَّ مع "أنْ" خاصة دون الاسم الصريح كأنها زيدت عوضاً من ترك الأصل إلَى ما يقوم مقامه، كما عوض السين في "أسْطَاع" عوضاً من ترك الأصل الذي هو "أَطْوَعَ" والدليل على هذا الوجه مجيئه بغير لام في قوله: {أية : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [يونس:72 والنمل:91] (و) {أية : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يونس:104] (و) {أية : أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} تفسير : [الأنعام:14] انتهى. قوله: "ولا تزاد إلا مع أن" فيه أن نظر من حيث إنها تزاد باطّراد إذا كان المعمول متقدماً أو كان العامل فرعاً وبغير اطراد من غير الموضعين. ولم يذكر أحد من النحويين هذا التفصيل. وقوله. كما عوض السين في "أسطاع" هذا على أحد القولين، والقول الآخر أنه اسْتَطَاعَ، فحذف تاء الاستفعال، وقوله: والدليل عليه مجيئه بغير لام قد يقال: إن أصله باللام، وإنما حذفت لأن حرف الجر يطرد حذفه مع "أَنْ" و "أَنَّ" ويكون المأمور به محذوفاً تقديره: أن أعبد لأَنْ أَكُونَ. فصل المراد من الكلام: أن يكون أول من تمسك بالعبادات التي أرسلت بها. واعلم أن العبادة لها ركنان عمل القلب وعمل الجوارح وعمل القلب أشرف من عمل الجوارح وهو الإسلام فقال:{وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي من هذه الأمة. قوله: {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} وعبدت غيره {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وهذا حين دعا إلى دين آبائه، والمقصود منه المبالغة في زجر الغير من المعاصي. ودلت هذه الآية على أن الأمر للوجوب لقوله في أول الآية: {إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ} ثم قال بعده: {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} فيكون معنى هذا العِصْيَان ترك الأمر الذي تقوم ذكره، ودلت الآية أيضاً على أن المرتب على المعصية ليس حصول العقاب بل الخوف من العقاب. قوله: {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ} قدمت الجلالة عند قوم لإفادة الاختصاص. قال الزمخشري: ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة هنا وأخره في الأول فالكلام أولاً وقع في الفعل نفسه وإيجاده، وثانياً فيمن يفعل الفعل من أجله فلذلك رتب عليه قوله: {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ}. قال ابن الخطيب: فإن قيل: ما معنى التكرير في قوله: {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} وقوله: {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي}؟ قلنا: هذا ليس بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالإيمان بالعبادة والثاني إخبار بأنّه أُمرَ أن لا يعبد أحداً غير الله، وذلك لأن قوله: {أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ} لا يفيد الحصر ووقوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ} يفيد الحصر أي اللَّهَ أعبدُ ولا أعبدُ أحداً سواهُ، ويدل عليه أنه لما قال: {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ} قال بعده: {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} وهذا أمر توبيخ وتهديد. والمراد منه الزجر كقوله: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} تفسير : [فصلت:40]. ثم بين كمال الزجر بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} أوقعوها في هلاك لا يعقل هلاك أعظم منه وخسروا أهاليهم أيضاً لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهاباً لا رجوع بعده البتة. وقيل خُسْرَان النفس بدخول النار وخُسْرَان الأهل أن يفرق بينه وبين أهله. ولما شرح الله تعالى خسرانهم وصف ذلك الخُسْرَانَ (المبينَ بالفظاعة فقال: {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ) المُبِينُ}، وهذا يدل على غاية المبالغة من وجه: أحدها: أنه وصفهم بالخُسْرَانِ، ثم أعاد ذلك بقوله: {ألا ذلك هو الخسران المبين} وهذا التكرير لأجل التأكيد. وثانيها: ذكره حرف "أَلاَ" وهو للتَّنْبِيهِ، وذكر التنبيه يدل على التعظيم كأنه قيل: بلغ في العِظَم إلى حيث لا تصل عقولكم إليه فتنبهوا لَهُ. وثالثها: قوله: "هُوَ الخُسْرَانُ" ولفظ "هو" يفيد الحصر كأنه قيل: كل خسران يصير في مقابلته كلا خسران. ورابعها: وصفه بكونه خسراناً مبيناً وذلك يدل على التهْويل. قوله: {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ} يجوز أن يكون الخبر أحد الجَارين المتقدمين وإنْ كان الظاهر جَعْلَ الأول هو الخبر، ويكون "مِنْ فَوْقِهِمْ" إما حالاً من "ظُلَلٍ" فيتعلق بمحذوف، وإما متعلقاً بما تعلق به الخبر و "مِنَ النَّار" صفة لظُلَلٍ، وقوله: {وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} كما تقدم. وسماها ظللاً بالنسبة لمن تحتهم، ونظيره قوله: {أية : لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} تفسير : [الأعراف:41]. وقوله: {أية : يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 55]. والمعنى أن النارَ محيطة بهم من جميع الجوانِبِ. فإن قيل: الظلة ما علا الإنسان فكيف سمى ما تحته بالظلة؟ فالجواب من وجوه: الأول: أنه من باب إطلاق اسم أحد الضِّدِّيْن على الآخر، كقوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى:40]. الثاني: أن الذي تحته يكون ظلة لغيره لأن النار درجات كما أن الجنة دَرَجَاتٌ. الثالث: أن الظلة التحتانية وإن كانت مشابهة للظلة الفوْقَانيّة في الحرارة والإحراق والإيذاء أطلق اسم أحدهما على الآخر لأجل المماثلة والمشابهة. قوله: "ذَلِكَ" مبتدأ. وقوله: {يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ} خبر، والتقدير ذلك العذاب المعدّ للكفار هو الذي يخوف الله به عباده أي المؤمنين، لأن لفظ العباد في القرآن يختص بأهل الإيمان، وقيل: تخويف للكفار والضلال والأول أقرب لقوله بعده: {يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ}. والظاهر أن المراد منه المؤمنون. قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ} الذين مبتدأ، والجملة من "لَهُمُ الْبُشْرَى" الخبر، وقيل: "لَهُمْ" هو الخبر نفسه، و"الْبُشْرَى" فاعل به. وهذا أولى لأنه من باب الإخبار بالمفردات. والطّاغوت قال الزمخشري: فَعَلُوتٌ من الطُّغْيَان كالمَلَكُوتِ والرَّهَبُوت إلا أن فيها قلباً بتقديم اللام على العين. لما ذكر وعيد عبدةِ الأصنام ذكر وَعْدَ من اجْتَنَبَ عبادتها واحْتَرَزَ عن أهل الشرك ليكون الوعد مقروناً بالوعيد أبداً فيحصل كمالُ الترغيبِ والترهيبِ. قيل: المراد بالطاغوت هنا: الشيطان. فإن قيل: إنما عبدوا الصنم. فالجواب: أن الداعي إلى عبادة الصنم هو الشيطان فلما كان الشيطان هو الداعي كانت عبادة للشيطان، وقيل المراد بالطاغوت: الصنم وسميت طَوَاغِيتَ على سبيل المجاز لأنه لا فعل لها، (والطغاة هم الذين يعبدونها إلا أنه لما حصل الطغيان بسبب عبادتها والقرب منها وُصِفت بذلك) إطلاقاً لاسم السبب على المسَّبب بحَسَبِ الظاهر. وقيل: الطاغوت كل من يُعْبَدُ ويطاع دون الله. نقل (ذلك) في التواريخ أن الأصل في عبادة الأصنام أن القوم (كانوا) مشبهة واعتقدوا في الإله أنه نورٌ عظيم وأن الملائكة أنواع مختلفة في الصغر والكبر فوضعوا تماثيل صورها على وفق تلك الخيالات فكانوا يعبدون تلك التماثيل على اعتقادهم أنهم يعبدون الله والملائكة. قوله: "أَن يَعْبُدُوهَا" الضمير يعود على الطَّاغوت لأنها تؤنث، وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في البقرة و "أَنْ يَعْبُدُوهَا" في محل نصب على البدل من "الطّاغوت" بدل اشتمال كأنه قيل: اجْتَنَبُوا عبادَة الطاغوت. قوله: "فَبَشِّرْ عِبَادِ" من إيقاع الظاهر موقع المضمر أي فبشِّرْهُم أي أولئك المجتبين، وإنما فعل ذلك تصريحاً بالوصف المذكور. فصل الذين اجتنبوا الطاغوت أي أعرضوا عن عبادة ما سوى الله وأنابوا أي رَجَعُوا بالكلية إلى الله وأقبلوا بالكلية على عبادة الله. ثم إنه تعالى وعد هؤلاء بأشياء: أحدها: قوله: "لَهُمُ الْبُشْرَى" وهذه البشرى تحصل عند القرب من الموت وعند الوضع في القبر، وعند الخروج من القبر، وعند الوقوف في عَرْصَة القيامة وعند ما يصير فريق في الجنة وفريق في السعير، ففي كل موضع من هذه المواضع تحصل البشارة بنوع من الخير، وهذا المُبَشِّر يحتمل أن يكون هم الملائكة عند الموت لقوله: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ} تفسير : [النحل:32] أو بعد دخول الجنة لقوله: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ} تفسير : [الرعد:23-24]. ويحتمل أن يكون هو الله تعالى كما قال: {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ} تفسير : [الأحزاب:44]، ثم قال {فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} وهم الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم. وهذه الآية تدل على وجوب النظر والاستدلال لأنه مدح الإنسان الذي إذا سمع أشياء كثيرة يختار منها ما هو الأحسن الأصوب وتمييز الأحسن الأصوب عما سواه لا يتأتى بالمساع وإنما بحجة العقل. واختلفوا في المراد باتِّباع الأحْسَنِ، فقيل: هو مثل أن يسمع القصاص والعفو فيعفو، لأن العفو مندوب إليه لقوله: {أية : وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [البقرة:237]، وقيل: يسمع العزائم والرخص فيتبع الأحسن وهو العزائم، وقيل: يستمعون القرآن وغير القرآن فيتعبون القرآن. وروى عطاء عن ابن عباس: آمن أبو بكر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فجاءه عثمان وعبدُ الرحمن بن عوف وطلحةُ والزبيرُ وسَعْدُ بنُ أبي وقاص وسِعِيدُ بن زيدٍ فسألوه فأخبرهم بإيمانه فأمنوا فنزل فيهم: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}. وقال ابن الخطيب: إنا قبل البحث عن الدلائل وتقريرها والشهبات وتزييفها نَعْرض تلك المذاهب وأضدادها على عقولنا فكل ما حكم به أو العقل بأنه أفضل وأكمل كان أولى بالقبول، مثاله أن صريح العقل شاهد بأن الإقرار بأن (إله العالم حي عالم قادر حكيم رحيم أولى من إنكار ذلك فكان ذلك المذهب أولى والإقرار) بأن الله لا يجري في ملكه وسلطانه إلا ما كان على وَفْقِ مشيئته أولى من القول بأن أكثر ما يجري في سلطان الله على خلاف إرادته، والإقرار بأن الله تعالى فَرْدٌ أَحَدٌ صَمَدٌ، منزه عن التركيب والأعضاء أولى من القول بكونه متبعِّضاً، مؤلفاً، وأيضاً القول باستغنائه عن المكان والزمان أولى من القول بأنه لايستغني عنه ألبتة، فكل هذه الأبواب داخلة تحت قوله: {ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}، فهذا في أبواب الاعتقادات وأما أبواب التكاليف فهي قسمان: عبادات ومعاملات، أما العبادات فكقولنا: الصلاةُ التي يذكر في تحريمها: الله أكبرُ وهي بِنِيّة ويقرأ فيها بالفاتحة ويؤتى فيها بالطمأنينة في المواقف الخمسة ويُتَشَهَّد فيها ويخرج منها بالسلام فلا شَكّ أنها أحسن من تلك التي لا يُراعى فيها شيء من هذه الأحوال، فوجب على العاقل أن يختار هذه الصلاة دون غيرها، وكذا القول في جميع أبواب العبادات. وأما المعاملات فكما تقدم في القَصَاص والعفو عنه، وروي عن ابن عباس: أن المراد منه أن الرجل يجلس مع القوم فيسمع الحديث فيه محاسنُ ومساوىءُ فيحدِّث بأحسنِ ما سمع وَيتركُ ما سواه. قوله: "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ" الظاهر أنه نعت "لعبادي"، أو بدل منه، أو بيان له، وقيل: يجوز أن يكون مبتدأَ، وقوله: "أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ" إلى آخره خبره، وعلى هذا فالوقف على قوله: "عِبَادِي" والابتداء بما بعده. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} قال ابن زيد: نزلت: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها...} الآيتان في ثلاثة نفر كانوا في الجاهية يقولون: لا إله إلا الله زيدُ بنُ عمرو وأبو ذر الغِفَاري وسلْمان الفارسيّ، والأحسن قول لا إله إلا الله. وفي هذه الآية لطيفة وهي أن حصولَ الهداية في العقل والروح حادث فلا بدّ له من فاعل وقاتل أما الفاعل فهو الله تعالى وهو المراد من قوله {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ}، وأما القائل فإليه الإشارة بقوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} فإن الإنسان ما لم يكن عاقلاً كامل الفهم امتنع حصول هذه المعارف والحقيقة في قلبه.
التستري
تفسير : قوله: {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ}[11] قال: الإخلاص الإجابة، فمن لم يكن له الإجابة فلا إخلاص له. وقال: نظر الأكياس في الإخلاص فلم يجدوا شيئاً غير هذا، وهو أن تكون حركاته وسكناته في سره وعلانيته لله عزَّ وجلَّ وحده، لا يمازجه هوى ولا نفس.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} [الآية: 11]. قال الجنيد - رحمة الله عليه -: الإخلاص أصل كل عمل وهو مربوط بأول الأعمال ومنوط بآخر الأعمال مضمن فى كل الأقوال وهو إفراد الله بالعمل. وقال: الإخلاص إخراج الخلق من معاملة الله والنفس أول. قال سهل: الإخلاص الإجابة فمن لم تكن له الإجابة فلا إخلاص له. وقال: نظر الأكياس فى الإخلاص فلم يحمدوا شيئًا غيره وهو أن يكون حركاته وسكونه فى سره وعلانيته لله وحده لا يمازجها شىء من هوىً أو نفس. قال الجنيد - رحمة الله عليه -: الإخلاص ارتفاع رؤيتك وفناؤك عن فعلك. سئل بعضهم عن الإخلاص فقال: إفراد القصد إلى الله بإخراج الخلق من معاملة الله وبترك الحول والقوة. قال ذو النون: من علامات الإخلاص استواء المدح والذم فى العامة ونسيان رؤيتها فى الأعمال نظرًا إلى الله واقتضاء ثواب العمل فى الآخرة. قال أبو يعقوب السوسى: الإخلاص: ما فى طلبه أهل الإخلاص والعلم يشهد لهم بالإخلاص فهم خارجون عن رؤية الإخلاص فى طلب الإخلاص ومتى شهدوا فى إخلاصهم إخلاص احتاج إخلاصهم إلى إخلاص.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ}. مضى القولُ في معنى الإخلاص. وفي الخبر: إن الله يقول: "حديث : الإخلاص سِرٌّ بين الله وعَبْدِه ". تفسير : ويقال الإخلاصُ لا يُفْسِدُه الشيطان ولا يطَّلِعُ عليه المَلَكَان. {أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ} {وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} في وقتي وفي شرعي. والإسلامُ الانقيادُ لله بكل وجه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} بين الله سبحانه مراتب حبيبه صلى الله عليه وسلم فى منازل التوحيد والعبودية ههنا فاذا لم يكن غيره فى محل موازاة الازل توجه اليه خطاب الحقيقة فى امر العبودية وعرفان الربوبية فاخلاصه فى العبودية خروجه من رسم الحدثان فى مشاهدة الرحمن وبين سبحانه فى امره اياه بقوله {وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} اى حين تظهر طوارقات انوار ازليته وسنا جلال احديته هو اوّل من يقبل اليها بنعت قبول حقائقها ومعرفة اجلالها وجلالها بنعت الانقياد فى معارك عساكر سلطانها والفناء عن اوصاف الحدوثية فى ملكوتها وجبروتها هذا شوق الاخلاص والاسلام من يشترى حلاوة وجه المحبوب ببذل وجوده من العرش الى الثرى فالكل مخاطبون بخطابه فمن يرغبان يفنى فى هذه المقامات السنية حتى يبقى ببقاء الحق قال الجنيد الاخلاص اصل كل عمل وهو مربوط باوائل الاعمال ومنوط باواخر الاعمال ومضمر فى كل الاقوال وهو افراد الله بالعمل وقال ايضا امر جميع الخلق بالعبادة والتعبد امر النبى صلى الله عليه وسلم بالاخلاص فى العبادة علم الحق تعالى ان احد لا يطيق تمام مقام الاخلاص سواه فخاطبة به.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} روى ان كفار قريش قالوا للنبى عليه السلام ما يحملك على الذى اتيتنا به ألا تنظر الى ملة آبائك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى فتأخذ بتلك الملة فقال تعالى قل يا محمد للمشركين {انى امرت} من جانبه تعالى {ان} اى بان {اعبد الله} حال كونى {مخلصا له الدين} اى العبادة من الشرك والرياء بان يكون المقصد من العبادة هو المعبود بالحق لا غير كما فى قوله تعالى {أية : قل انما امرت ان اعبد الله ولا اشرك به }
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قُل} لهم: {إِني أُمرتُ أن أعبدَ اللهَ} حال كوني {مخلصاً له الدينَ} من كل ما ينافيه من الشرك والرياء، وما أمر به صلى الله عليه وسلم يُؤمر به أمته؛ بل هم المقصودون. ثم قال: {وأمرتُ لأن أكون أول المسلمين} أي: وأُمرت بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة؛ لأن إحراز قصَبِ السبق في الدين بالإخلاص فيه، فالإسلام الحقيقي هو المنعوت بالإخلاص، والتقدير: أُمرت بالعبادة والإخلاص فيها، وأُمرت بذلك لأن أكون أول المخلصين. أو: تكون اللام زائدة، وهو أظهر، كقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنَ أَسْلَمَ} تفسير : [الأنعام: 14] أي: من قومي، أو: من أهل زماني، أو: أكون أول مَن دعا غيره إلى ما دعا إليه نفسه، وهو الإسلام، وحاصله: أُمرت بإخلاص الدين، وأُمرت أن أكون من السابقين في ذلك زماناً ورتبة؛ لأنه داع إلى الإسلام، والداعي إلى الشيء ينبغي أن يكون متحلياً به، كما هي سُنَّة الأنبياء والأولياء، لا الملوك والمتجبرين. {قل إِني أخافُ إِن عَصَيْتُ ربي} بترك الإخلاص، والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك {عذابَ يومٍ عظيم} هو يوم القيامة. وُصف بالعظمة؛ لعظمة ما فيه من الدواهي والأهوال. {قُلِ اللهَ أعبدُ} لا غيره، لا استقلالاً ولا اشتراكاً. وليس بتكرار؛ لأن الأول إخبار عن كونه مأموراً بالإخلاص في الدين، وبالسبق إليه، وهذا إخبار بأنه امتثل الأمر، وفعل ما أُمر به. وقدِّم المفعول لأنه جواب لقول الكفرة: أعْبُدْ ما نعبد، لنعبُد ما تعبد، فهو كقوله: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ}تفسير : [الكافرون: 6] أي: لا أعبد إلا الله {مخلصاً له ديني} من كل ما يشوبه من العلل، فأمر صلى الله عليه وسلم أولاً ببيان كونه مأموراً بعبادة الله وإخلاص الدين له، ثم بالإخبار بخوفه من العذاب على تقدير العصيان، ثم بالإخبار بامتثالهِ لِمَا أمر به على أبلغ وجه؛ إظهاراً لتصلُّبه في الدين، وحسماً لمادة أطماعهم الفارغة، وتمهيداً لتهديدهم بقوله: {فاعبدوا ما شئتم} أن تعبدوه {من دونه} تعالى. وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى، كأنهم لَمَّا لَمْ ينتهوا عما نُهوا عنه أُمِرُوا به، كي يحيق بهم العذاب. {قلْ إِن الخاسرين}؛ الكاملين في الخسران، الذي هو عبارة عن: إضاعة ما يهمه، وإتلاف ما لا بد منه، هم {الذين خسروا أنفُسَهم} بتعريضها للعطب، {وأهلِيِهِم} بتعريضهم للتفرُّق عنهم، فرقاً لا جمع بعده؛ إما في عذاب الأبد، إن ماتوا على الكفر معهم، أو: في الجنة، إن آمنوا، فلا يرونهم أبداً. وقيل: خسروا أهلهم؛ لأنهم لم يدخلوا مدخل الذين لهم أهل في الجنة، أو: خسروا أهلهم الذين كانوا يتمتعون بهم، لو آمنوا. {ألا ذلك هو الخسرانُ المبينُ} الذي لا خسران أظهر منه. وتصدير الجملة بحرف التنبيه، والإشارة بذلك إلى بُعد منزلة المشار إليه في الشر. وتوسيط ضمير الفصل، وتعريف الخسران، ووصفه بالمبين؛ من الدلالة على كمال هوله وفظاعته، وأنه لا خسران وراءه، ما لا يخفى. {لهم من فوقهم ظُلَلٌ من النار} أي: لهم ظلل كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض، كائنة من النار، {ومن تحتهم} أيضاً {ظُلَلٌ} أي: أطباق كثيرة، بعضها تحت بعض، هي ظلل لآخرين. {ذلك} العذاب الفظيع هو الذي {يُخوِّف اللهُ به عبادَه} ويُحذِّرهم إياه؛ ليجتنبوا ما يوقعهم فيه. {يا عبادِ فاتقون} ولا تتعرضوا لِما يُوجب سخطي. وهذه موعظة من الله بالغة، منطوية على غاية اللطف والرحمة، جعلنا الله من أهلها بمنِّه وكرمه. الإشارة: الإخلاص سر بين الله وبين عبده، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيُفسده، وهو الغيبة عما سوى الله، فلا يرى في الدارين إلا الله، ولا يعتمد إلا عليه، ولا يخاف إلا منه، ولا يرجو إلا إياه. والإسلام هو: الانقياد بالجوارح في الظاهر للأحكام التكليفية، والاستسلام في الباطن للأحكام القهرية التعريفية، فالإسلام صورة، والاستسلام روحها، فالإسلام بلا استسلام جسد بلا روح. وقوله تعالى: {فاعبدوا ما شئتم} هو تهديد لمَن عبدَ نفسه وهواه، وهو الخسران المبين. ويقال: الخاسر: مَن خسر أيام عمره بالبطالة والتقصير، وخسر آخرته بعدم التأهُّب والتشمير، وخسر مولاه بعدم الوصول إلى مشاهدة حضرة العلي الكبير، وهي حضرة الذات، فمَن خسر هذا الخسران، فقد أحاطت به نار القطيعة والحجاب من كل مكان. {ذلك يُخوِّف اللهُ بهِ عباده} قال القشيري: إن خفتَ اليوم كُفيت خوف ذلك اليوم، وإلا فبين يديك عقبة كُؤُود. ثم ذكر ضد أهل الخسران، فقال: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ}.
الطوسي
تفسير : ست آيات في الكوفى وخمس بصري واربع في ما عداه عد الكوفيون والبصريون {له الدين} وعد الكوفيون {له ديني} ولم يعد الباقون شيئاً من ذلك. هذا امر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار الذين تقدم ذكرهم {إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين} أي اخلص طاعتي له وأوجه عبادتي نحوه، دون الأصنام والأوثان. والآية وإن توجهت إلى النبي صلى الله عليه وآله فالمراد بها جميع المكلفين {وأمرت} أيضا {لأن أكون أول المسلمين} أي المستسلمين لما أمر الله به ونهى عنه، وإنما أمر بأن يكون اول المسلمين وإن كان قبله مسلمون كثيرون لأن المراد به أول المسلمين من هذه الأمة، ففي ذلك أنه دعاهم إلى ما رضيه الله له ورضيه لنفسه، وأن يقول لهم ايضاً {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} يعني عذاب يوم القيامة. ثم قال {قل} لهم {الله أعبد} أي اعبد الله {مخلصاً} بعبادتي {له} تعالى {ديني} وطاعتي {فاعبدوا} أنتم معاشر الكفار {ما شئتم من دونه} من الاصنام والاوثان على وجه التهديد بذلك ثم قال {قل} لهم {إن الخاسرين} في الحقيقة هم {الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} بأن فعلوا المعاصي، فخسروا بذلك أهاليهم الذين كانوا معدين لهم من الحور العين لو اطاعوه - في قول الحسن - وخسروا أنفسهم أي أهلكوها بالعذاب المهين الظاهر، لمن أدركه، ولا يخفى على احد الحال فيه. ثم قال تعالى {ألا ذلك هو الخسران المبين} يعنى الظاهر الذي لا يخفى، ثم بين ذلك الخسران بأن قال {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} فالظلة السترة القائمة، وجمعها ظلل، ولذلك قيل من فوقهم ظلل ومن تحتهم ظلل إذ النار أدراك فهم بين أطباقها - نعوذ بالله منها - فما هو تحت هؤلاء ظلل لمن دونهم ويجوز أن يكون المراد من تحتهم مثل تلك الظلل لأن الظلة لا تسمى كذلك إلا إذا كانت عالية فوق من هي ظلة له ثم قال {ذلك يخوف الله به عباده} أي ما اخبركم به من الوعيد وما أعده للكفار يحذر الله به عباده من إرتكاب معاصيه، ثم ناداهم فقال {يا عباد فاتقون} أي اتقوا معاصي وافعلوا طاعاتي والتخويف الاعلام بموضع المخافة لتتقى ومثله التحذير والترهيب. وقرأ رويس {يا عبادي} باثبات الياء - في الحالين - الباقون بحذفها، لان الكسرة تدل على الياء.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} اى طريق السّلوك او اعمال الملّة عن اشراك الشّيطان واشراك النّفس ومداخلة الهوى فاعبدوا ما شئتم واشركوا فى الدّين والاعمال ما شئتم فهو تعريض بهم وبانّ اشراكهم غير مرضىٍّ لله وغير مأمورٍ به منه تعالى.
اطفيش
تفسير : {قُلْ إنِّي أمرتُ أن أعْبُد الله مُخلصاً له الدين} العبادة عما يبطلها، كرياء وإشراك ومعصية، أو ينقصها، وأمره بذلك أمر لهم، فان لم يمتثلوا لم ينتفعوا بشىء، وهذا حث، وبنى الفعل للمفعول للعلم بأن الآمر الله عز وجل، وللإشارة الى أن اخلاص العبادة لله عز وجل أمر يجب امتثاله من كل من صدر منه،وكذا فى قوله: {وأمِرتُ} بذلك {لأن أكُون أوَّل المُسلمِينَ} لأجل أن أكون أول المسلمين فى الدنيا والآخرة، بكونى أولهم فى الاخلاص، وهم مسلمو أمته، أو أول من أسلم فى زمانى، ومن قوم على وفق الأمر الموحى المذكور، وكل نبى أول من يؤمن من أمته بما يوحى، لأنه يوحى اليه فيؤمن بما أوحى، ثم يبلغه، أو أول من دعوتهم الى الاسلام، ورجحه بعض، أو أول من دعا نفسه الى ما دعا اليه غيره، فأكون قدوة فى قولى وفعلى، أو الأولية فى الشرف بالدين، وقد علمت أن اللام للتعليل، وقيل: بمعنى الباء فلا حذف، كما حذف لفظ بذلك على وجه التعليل، وقيل اللام صلة، والباء مقدرة.
سيد قطب
تفسير : هذا المقطع كله يظلله جو الآخرة، وظل الخوف من عذابها، والرجاء في ثوابها. ويبدأ بتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى إعلان كلمة التوحيد الخالصة؛ وإعلان خوفه ـ وهو النبي المرسل ـ من عاقبة الانحراف عنها، وإعلان تصميمه على منهجه وطريقه، وتركهم هم إلى منهجهم وطريقهم. وبيان عاقبة هذا الطريق وذاك، يوم يكون الحساب. {قل: إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين؛ وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم}.. وهذا الإعلان من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه مأمور أن يعبد الله وحده، ويخلص له الدين وحده؛ وأن يكون بهذا أول المسلمين؛ وأنه يخاف عذاب يوم عظيم إنه هو عصى ربه.. هذا الإعلان ذو قيمة كبرى في تجريد عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام. فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا المقام هو عبدالله. هذا مقامه لا يتعداه. وفي مقام العبادة يقف العبيد كلهم صفاً، وترتفع ذات الله سبحانه متفردة فوق جميع العباد.. وهذا هو المراد. وعند ذلك يقر معنى الألوهية، ومعنى العبودية، ويتميزان، فلا يختلطان ولا يشتبهان، وتتجرد صفة الوحداينة لله سبحانه بلا شريك ولا شبيه. وحين يقف محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مقام العبودية لله وحده يعلن هذا الإعلان، ويخاف هذا الخوف من العصيان، فليس هنالك مجال لدعوى شفاعة الأصنام أو الملائكة بعبادتهم من دون الله أو مع الله بحال من الأحوال. ومرة أخرى يكرر الإعلان مع الإصرار على الطريق، وترك المشركين لطريقهم ونهايته الأليمة: {قل: الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه. قل: إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. ألا ذلك هو الخسران المبين}.. مرة أخرى يعلن: إنني ماض في طريقي. أخص الله بالعبادة، وأخلص له الدينونة. فأما أنتم فامضوا في الطريق التي تريدون؛ واعبدوا ما شئتم من دونه. ولكن هنالك الخسران الذي ما بعده خسران. خسران النفس التي تنتهي إلى جهنم. وخسران الأهل سواء كانوا مؤمنين أم كافرين. فإن كانوا مؤمنين فقد خسرهم المشركون لأن هؤلاء إلى طريق وهؤلاء إلى طريق. وإن كانوا مشركين مثلهم فكلهم خسر نفسه بالجحيم.. {ألا ذلك هو الخسران المبين}.. ثم يعرض مشهد الخسران المبين: {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. ذلك يخوف الله به عباده. يا عباد فاتقون}.. وهو مشهد رعيب حقاً. مشهد النار في هيئة ظلل من فوقهم وظلل من تحتهم، وهم في طيات هذه الظلل المعتمة تلفهم وتحتوي عليهم. وهي من النار! إنه مشهد رعيب. يعرضه الله لعباده وهم بعد في الأرض يملكون أن ينأوا بأنفسهم عن طريقه. ويخوفهم مغبته لعلهم يجتنبونه: {ذلك يخوف الله به عباده}.. ويناديهم ليحذروا ويتقوا ويسلموا: {يا عباد فاتقون}. وعلى الضفة الأخرى يقف الناجون، الذين خافوا هذا المصير المشؤوم: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى. فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله. وأولئك هم أولو الألباب}.. والطاغوت صياغة من الطغيان؛ نحو ملكوت وعظموت ورحموت. تفيد المبالغة والضخامة. والطاغوت كل ما طغا وتجاوز الحد. والذين اجتنبوا عبادتها هم الذين اجتنبوا عبادة غير المعبود في أية صورة من صور العبادة. وهم الذين أنابوا إلى ربهم. وعادوا إليه، ووقفوا في مقام العبودية له وحده. هؤلاء {لهم البشرى} صادرة إليهم من الملأ الأعلى. والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبلغها لهم بأمر الله: {فبشر عباد}.. إنها البشرى العلوية يحملها إليهم رسول كريم. وهذا وحده نعيم! هؤلاء من صفاتهم أنهم يستمعون ما يستمعون من القول، فتلتقط قلوبهم أحسنه وتطرد ما عداه، فلا يلحق بها ولا يلصق إلا الكلم الطيب، الذي تزكو به النفوس والقلوب.. والنفس الطيبة تتفتح للقول الطيب فتتلقاه وتستجيب له. والنفس الخبيثة لا تتفتح إلا للخبيث من القول ولا تستجيب إلا له. {أولئك الذين هداهم الله}.. فقد علم الله في نفوسهم خيراً فهداهم إلى استماع أحسن القول والاستجابة له. والهدى هدى الله. {وأولئك هم أولو الألباب}.. فالعقل السليم هو الذي يقود صاحبه إلى الزكاة، وإلى النجاة. ومن لا يتبع طريق الزكاة والنجاة فكأنه مسلوب العقل محروم من هذه النعمة التي أعطاها له الله. وقبل أن يعرض مشهد هؤلاء في نعيمهم في الآخرة يقرر أن عبدة الطاغوت قد وصلوا فعلاً إلى النار. وأن أحداً لا يملك أن ينقذهم من هذه النار: {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار؟}.. والخطاب لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإذا كان هو لا يملك إنقاذهم من النار التي هم فيها فمن يملكها إذن سواه؟ وأمام مشهد هؤلاء في النار ـ وكأنهم فيها فعلا الآن. ما دام قد حق عليهم العذاب ـ يعرض مشهد الذين اتقوا ربهم، وخافوا ما خوفهم الله: {لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية، تجري من تحتها الأنهار. وعد الله. لا يخلف الله الميعاد}.. ومشهد الغرف المبنية، من فوقها غرف، تجري الأنهار من تحتها.. هذا المشهد يتقابل مع مشهد ظلل النار هناك من فوقهم ومن تحتهم. هذا التقابل الذي ينسقه التعبير القرآني وهو يرسم المشاهد للأنظار. ذلك وعد الله. ووعد الله واقع. لا يخلف الله الميعاد. ولقد عاش المسلمون الذين تلقوا هذا القرآن أول مرة. عاشوا هذه المشاهد فعلاً وواقعاً. فلم تكن في نفوسهم وعداً أو وعيداً يتلقونهما من مستقبل بعيد. إنما كان هذا وذلك واقعاً تشهده قلوبهم وتحسه وتراه. وتتأثر وترتعش وتستجيب لمرآه. ومن ثم تحولت نفوسهم ذلك التحول؛ وتكيفت حياتهم على هذه الأرض بذلك الواقع الأخروي؛ الذي كانوا يعيشونه ويحيون به وهم بعد في الحياة! وهكذا ينبغي أن يتلقى المسلم وعد الله.
ابن عاشور
تفسير : بعد أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بخطاب المسلمين بقوله: {أية : قُل يا عِبادِ الذين آمنوا اتَّقُوا}تفسير : [ الزمر: 10] أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن يقول قولاً يتعين أنه مَقول لغير المسلمين. نقل الفخر عن مقاتل: أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به، ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللاّت والعُزّى، فأنزل الله: {قل إني أُمرتُ أن أعْبُدَ الله مُخلصاً له الدِّينَ}. وحقاً فإن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك إذا حمل على صريحه إنما يناسب توجيهه إلى المشركين الذي يبْتغون صرفه عن ذلك. ويجوز أن يكون موجهاً إلى المسلمين الذين أذن الله لهم بالهجرة إلى الحبشة على أنه توجيه لبقائه بمكة لا يهاجر معهم لأن الإِذن لهم بالهجرة للأمن على دينهم من الفتن، فلعلهم ترقبوا أن يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم معهم إلى الحبشة فآذنهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله أمره أن يعبد الله مخلصاً له الدين، أي أن يوحده في مكة فتكون الآية ناظرة إلى قوله تعالى: {أية : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين}تفسير : [الحجر: 94 ــــ 95]، أي أن الله أمره بأن يقيم على التبليغ بمكة فإنه لو هاجر إلى الحبشة لانقطعت الدعوة وإنما كانت هجرتهم إلى الحبشة رخصة لهم إذ ضعفوا عن دفاع المشركين عن دينهم ولم يرخَّص ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد جاء قريب من هذه الآية بعد ذكر أن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومماته لله، أي فلا يَفرق من الموت في سبيل الدين وذلك قوله تعالى في سورة [الأنعام: 162 - 163]: {أية : قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}تفسير : . فكان قوله: {لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسلمين} علة لــــ {أعبد الله مخلصاً له الدين}، فالتقدير: وأمِرت بذلك لأن أكون أول المسلمين، فمتعلِّق {أُمِرْتُ} محذوف لدلالة قوله: {أن أعبد الله مخلصاً له الدين} عليه. فــــ {أول} هنا مستعمل في مجازه فقط إذ ليس المقصود من الأولية مجرد السبق في الزمان فإن ذلك حصل فلا جدوى في الإِخبار به، وإنما المقصود أنه مأمور بأن يكون أقوى المسلمين إسلاماً بحيث أن ما يقوم به الرسول صلى الله عليه وسلم من أمور الإِسلام أعظم مما يقوم به كل مسلم كما قال: "إني لأتقاكم لله وأعلمكم به". وعطف {وأمرت} الثاني على {أُمِرْتُ} الأول للتنويه بهذا الأمر الثاني ولأنه غَاير الأمر الأول بضميمة قيد التعليل فصار ذكر الأمر الأول لبيان المأمور، وذكرُ الأمر الثاني لبيان المأمور لأجله، ليشير إلى أنه أمر بأمرين عظيمين: أحدهما يشاركه فيه غيره وهو أن يعبد الله مخلصاً له الدين، والثاني يختص به وهو أن يعبده كذلك ليكون بعبادته أولَ المسلمين، أي أمره الله بأن يبلُغ الغاية القصوى في عبادة الله مخلصاً له الدين، فجعل وجوده متمحضاً للإِخلاص على أي حال كان كما قال في الآية الأخرى: {أية : قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}تفسير : [الأنعام: 162، 163]. واعلم أنه لما كان الإِسلام هو دين الأنبياء في خاصتهم كما تقدم عند قوله تعالى {أية : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}تفسير : في سورة [البقرة: 132] ونظائرها كثيرة، كانت في هذه الآية دلالةٌ على أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل لشمول لفظ المسلمين للرسل السابقين.
د. أسعد حومد
تفسير : (11) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ: إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِأَنْ أَعْبُدَهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ أُخْلِصَ لَهُ العِبَادَةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نلحظ في هذه الآية تكرارَ الفعل أمرت، وهذا يدل على أننا أمام أمرين، كل منهما مستقل عن الآخر، فالأمر الأول {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [الزمر: 11-12] وهذا أمر ليقين الإيمان وليقين العبادة، بحيث نتوجه بها خالصة لله. والخلوص لله على مراحل، فواحد يعبد الله لانتظار جزائه وطمعاً في جنته، وآخر يعبده خوفاً من ناره، وآخر يعبده لذاته سبحانه، ولأنه يستحق أنْ يُعبد، وأنْ يُحبَّ لذاته. لذلك قال سبحانه في آخر سورة الكهف: {أية : فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ} تفسير : [الكهف: 110] لا جنة ربه ولا جزاء ربه، إنما يريد اللقاء، ويريد الأُنْس بالله، فلا تشغله النعمة، إنما تشغله معية المنعم سبحانه {أية : فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً} تفسير : [الكهف: 110] والجنة أحد. إذن: الأمر الأول خاصٌّ بالعقائد، أما الأمر الآخر: {وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [الزمر: 12] فهو للتكاليف الإسلامية بافعل ولا تفعل، لكن كيف يقول رسول الله {وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [الزمر: 12] أليس هو أولهم بالفعل؟ لأن أول تكليف كان له هو ساعةَ نزل عليه الوحي، وقبل أنْ يُبلِّغه إلى أصحابه، إذن: مرت عليه فترة كان هو صلى الله عليه وسلم أول مَنْ أسلم لله، أول مَنْ أسلم منهجه لله، قبل أنْ يبلغ هذا المنهج، هذا إنْ أردناها حقيقة أولية. وأيضاً له أولية في تنفيذ الأحكام أمام الناس بعد أنْ يبلغهم المنهج، حتى يعلموا أن الرسالة لم تكُنْ لتدليل الرسل، إنما كانت لإقامة الأُسْوة فيهم، فإذا عمل الرسلُ أنفسهم على منهج الله علّموا الناس جميعاً أن هذا المنهج خير، بدليل أنهم ألزموا أنفسهم به تطبيقاً قبل أنْ يلزموا الناس، كالذي قال: لم آمركم أمراً أنا عنه بنَجْوة. شيء آخر: أن الله تعالى سلب الرسول، وسلب أهل بيته ما أعطاه لعامة المسلمين، فالميت يرثه أهله، ورسول الله لا يرثه أحد من أهله، ولعامة فقراء المسلمين أن يأخذوا من أموال الزكاة والصدقة، أما آل البيت فقد حرم عليهم الأخذ منها. إذن: تحمُّل رسولُ الله المشاق في سبيل الرسالة، ولم تكُنْ بالنسبة له رفاهية ولا تدليلاً، كذلك تحمَّل معه أهل بيته، ونالهم جزء من هذه المشاق، ولولا أن إشراق الجزاء في نفوسهم يعطيهم الأمل والثقة في الجنة، هذه الثقة التي جعلتهم وكأنهم ينظرون إلى أهل الجنة في الجنة ينعَّمون وإلى أهل النار في النار يعذبون، لولا هذا ما صبروا على هذه المتاعب والمشاق. لذلك يقول سبحانه حينما يخاطب نساء النبي: {أية : يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [الأحزاب: 32] فلأنكُنَّ نساء النبي فلا بُدَّ أنْ تكُنَّ أول مَنْ ينفذ منهج الرسول لتتحقق بكُنَّ القدوة، وليعلم الناس أن الرسول ما جاء جباراً يأمرهم بما لا يأتمر به، أو ينهاهم عما لا ينتهي عنه، بل هو في التنفيذ سابقهم وإمامهم وقدوتهم هو وأهل بيته، إذن: كان صلى الله عليه وسلم أول المسلمين بالفعل. وللعلماء كلام طويل في مسألة أوَّل المسلمين؛ لأنها وردتْ أيضاً على لسان سيدنا موسى عليه السلام، قال {أية : وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الأنعام: 163] أي: مسلمي زمانه، أما رسول الله فأول المسلمين في زمنه وفي زمن غيره، نقول لتقريب هذه المسألة: إن الأولية هنا أولية تفوق، والتفوق قد يكون تفوقاً إضافياً كما نقول: فلان الأول على كلية الحقوق هذا العام، فالتفوق هنا خاص بالعام الذي نتحدث عنه، وربما جاء في أعوام أخرى مَنْ تفوق عليه، وحصل على درجات أعلى منه، وقد يكون التفوق عاماً كما لو قلنا: فلان الأول على كلية الحقوق منذ أنشئت. إذن: قد تكون الأولية في الزمن، وقد تكون الأولية في مقارنة الأزمان بعضها ببعض، فإذا قال رسول من الرسل: أنا أول المسلمين، فالمراد أول المسلمين في زمانه، وإذا قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: أنا أول المسلمين فالمراد أول المسلمين من لدن آدم إلى قيام الساعة، يعني: أنا وإنْ تأخر زمني إلا أنني الأول إذا أخذنا الرتبة ساعة التكليف، ثم إن غيري من الرسل بُعِثَ إلى زمن بعينه في مكان بعينه، وأنا بُعثْتُ للناسِ كافة في كل زمان ومكان، ثم إنني خاتم الرسل، فلا رسالة بعدي ولا معقبَ من الرسل على رسالتي، هذه كلها حيثيات الأولية عند رسول الله، وهي حيثيات ظاهرة لا تُنكَر. لذلك نجد الأولية دائماً على لسان رسول الله كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} تفسير : [الزخرف: 81] يعني: أول مَنْ يُصدِّق هذه المسألة.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه آمراً لحبيبه بالتوصية والتبليغ لعموم عباده كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة، خالياً عن رعونات الرياء، متمحضاً للنصح والتكميل: {قُلْ} يا أكمل الرسل {إِنِّيۤ أُمِرْتُ} من قبل ربي {أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ} حق عبادته، وأطيعه حق إطاعته {مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} [الزمر: 11] والانقياد الصادر مني، لأتسبب بإطاعتي وانقيادي على وجه الإخلاص كي أعرفه حق معرفته، ويفيض على قلبي زلال توحيده وكرامته. {وَأُمِرْتُ} أيضاً من عنده {لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [الزمر: 12] أي: أسبق المسلمين المفوضين أمورهم كلها إليه، منخلعين عن لوازم بشريتهم ومقتضيات أهوية هويتهم. ثم {قُلْ} يا أكمل الرسل {إِنِّيۤ} مع كمالم وثوقي بكرم الله وسعة رمته ووفور فضله وجوده علي {أَخَافُ} خوفاً شديداً {إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} وخرجت عن عروة إطاعته وانقياده {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الزمر: 13] فظيع؛ لعظم ما فيه من الجزاء المترتب على الجرائم العظام. وبعدما بلغت ما بلغت {قُلِ} يا أكمل الرسل على وجه الحصر والتخصيص: {ٱللَّهَ أَعْبُدُ} لا غير؛ إذ لا غير معه {مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي} [الزمر: 14] حسب وعي وطاقتي. {فَٱعْبُدُواْ} أيها المنهمكون في بحر الغي والضلال {مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} سبحانه بمقتضى أهويتكم الفاسدة وآرائكم الكاسدة، واعلموا أنه ما يترتب على عبادة غير الله إلا الخيبة والخسران {قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بعبادة غير الله والانحراف عن جادة توحيده، {وَ} خسروا {أَهْلِيهِمْ} أيضاً بالإغواء الإضلال {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} المعدة لجزاء الأعمال {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} [الزمر: 15] والحرمان العظيم، نعوذ بك منه يا ذا القوة المتين. وكيف لا يكون خسران المشركين مبنياً وحرمانهم عظيماً؛ إذ {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ} وأطباق {مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} كذلك بالنسبة إلى من في الطبقة السفلى؛ لأن دركات النيران مثل دركات الإمكان متطابقة بعضها فوق بعض، فيكون سكانها أيضاً كذلك {ذَلِكَ} العذاب الذي سمعت وصفه {يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} في دار الاختبار، ويحذرهم عنه، ثم ناداهم؛ ليقبلوا إليه ويعتبروا من تخويفه، فقال: {يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ} [الزمر: 16] واحذروا من بطشي وتعذيبي.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقول: {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} [الزمر: 11]، يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور أن يعبد الله خالصاً ولا يعبد معه الدنيا والعقبى، {لَّهُ ٱلدِّينَ} [الزمر: 11]؛ أي: يكون مقصده في العباد معبوده. {وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [الزمر: 12] في طلب الحق تعالى؛ ليعلموا أن ديني ومذهبي طلب الحق من الحق لا غيره، فالمسلم من أسلم وجهه لله في متابعتي بصدق الطلب، {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} [الزمر: 13] فيما أمرني بطلبه وترك سواه، {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الزمر: 13]؛ وهو يوم ألم الهجران عذاب القطيعة والحرمان، والإشارة فيه: إنكم يا مدعي الإسلام خافوا أيضاً إن عصيتم ربكم فيما أمركم أن تطلبوه ولا تطلبوا معه غيره عذاب القطيعة والحرمان. {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ} [الزمر: 14] لا الدنيا ولا العقبى، وأطلب بعباده المولى {مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي} [الزمر: 14] وكل له سؤال ودين ومذهب فلي أتمُّ سؤلٍ وديني هواكم، فلما أخبر عن الدين الخالص أنه طلب الحق تعالى وهم على مخالفة دينه، فقال: {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} [الزمر: 15]؛ يعني: العبادة الحقيقة، {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} [الزمر: 15]؛ أي: ما طلبوا بعبادتكم ما شئتم بالهوى من دون المولى، ثم بين أن ذلك غاية الخسران ونهاية الخزي والهوان بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} [الزمر: 15] بإفساد استعدادهم للوصول والوصال، {وَأَهْلِيهِمْ} [الزمر: 15] من القلوب والأسرار والأرواح حصلوا آخرتهم بالإعراض عن طلب المولى، والإقبال في متابعة الهوى ليكون {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [الزمر: 15] لهم في النار المأوى، { أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} [الزمر: 15]؛ والخاسر على الحقيقة من خسر دنياه بمتابعة الهوى، وخسر عقباه بارتكاب ما نهي عنه، وخسر مولاه إذا هو بغير مولى. {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ} [الزمر: 16] نار القطيعة، {وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر: 16] من نار الحيرة {أية : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} تفسير : [الكهف: 29] لا يخرجون منها ولا يفترون عنها، كما أنهم اليوم في جهنم عقائدهم يستديمون مجابهم ولا ينقطع عنهم عقابهم، {ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} [الزمر: 16]، فمن خاف بتخويف الله إياه عن هذه الخسران فهو عبده عبداً حقيقياً، فيستوجب خطابه {يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ} [الزمر: 16]؛ يعني: من خصوصية عبادي أن يتقوا إلي عما سواي.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي { قُلْ } يا أيها الرسول للناس: { إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } في قوله في أول السورة: {أية : فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ }. تفسير : { وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ } لأني الداعي الهادي للخلق إلى ربهم، فيقتضي أني أول من ائتمر بما آمر به، وأول من أسلم، وهذا الأمر لا بد من إيقاعه من محمد صلى الله عليه وسلم، وممن زعم أنه من أتباعه، فلا بد من الإسلام في الأعمال الظاهرة، والإخلاص للّه في الأعمال الظاهرة والباطنة. { قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي } في ما أمرني به من الإخلاص والإسلام. { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } يخلد فيه من أشرك، ويعاقب فيه من عصى. { قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ } كما قال تعالى: {أية : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ }. تفسير : { قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ } حقيقة هم { الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } حيث حرموها الثواب واستحقت بسببهم وخيم العقاب { وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي فرق بينهم وبينهم واشتد عليهم الحزن وعظم الخسران { أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } الذي ليس مثله خسران وهو خسران مستمر لا ربح بعده بل ولا سلامة. ثم ذكر شدة ما يحصل لهم من الشقاء فقال { لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ } أي قطع عذاب كالسحاب العظيم { وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ }. { ذَلِكَ } الوصف الذي وصفنا به عذاب أهل النار سوط يسوق الله به عباده إلى رحمته { يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ } أي جعل ما أعده لأهل الشقاء من العذاب داع يدعو عباده إلى التقوى وزاجر عما يوجب العذاب فسبحان من رحم عباده في كل شيء وسهل لهم الطرق الموصلة إليه وحثهم على سلوكها ورغبهم بكل مرغب تشتاق له النفوس وتطمئن له القلوب وحذرهم من العمل لغيره غاية التحذير وذكر لهم الأسباب الزاجرة عن تركه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):