Verse. 4071 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

قُلْ اِنِّىْۗ اَخَافُ اِنْ عَصَيْتُ رَبِّيْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيْمٍ۝۱۳
Qul innee akhafu in AAasaytu rabbee AAathaba yawmin AAatheemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم».

13

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: قل يا محمد وأنت رسول الله: {إِنِّىۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وهو يوم القيامة، وهذا شرط معناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى { قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} وهذا أيضاً تهديد وتَبرأ منهم {قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ} أي: إنما الخاسرون كل الخسران {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي: تفارقوا، فلا التقاء لهم أبداً، وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة، وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار، ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} أي: هذا هو الخسران المبين الظاهر الواضح. ثم وصف حالهم في النار فقال: {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} كما قال عز وجل: {أية : لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 41]. وقال تعالى: {أية : يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [العنكبوت: 55] وقوله جل جلاله: {ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} أي: إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة؛ ليخوف به عباده؛ لينزجروا عن المحارم والمآثم. وقوله تعالى: {يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ} أي: اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى } أي: بترك إخلاص العبادة له، وتوحيده، والدعاء إلى ترك الشرك، وتضليل أهله {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }، وهو: يوم القيامة. قال أكثر المفسرين: المعنى: إني أخاف إن عصيت ربي بإجابة المشركين إلى ما دعوني إليه من عبادة غير الله. قال أبو حمزة اليماني، وابن المسيب: هذه الآية منسوخة بقوله: {أية : لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } تفسير : [الفتح: 2] وفي هذه الآية دليل على أن الأمر للوجوب، لأن قبله: {أية : إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ } تفسير : [الزمر: 11]، فالمراد: عصيان هذا الأمر {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ } التقديم مشعر بالاختصاص، أي: لا أعبد غيره لا استقلالاً، ولا على جهة الشركة، ومعنى {مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى }: أنه خالص لله غير مشوب بشرك، ولا رياء، ولا غيرهما، وقد تقدّم تحقيقه في أول السورة. قال الرازي: فإن قيل: ما معنى التكرير في قوله: {أية : قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينَ } تفسير : [الزمر: 11]، وقوله: {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى } قلنا: ليس هذا بتكرير، لأن الأوّل: إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالإيمان، والعبادة، والثاني إخبار بأنه أمر أن لا يعبد أحداً غير الله {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ } أن تعبدوه {مِن دُونِهِ } هذا الأمر للتهديد، والتقريع، والتوبيخ كقوله: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } تفسير : [فصلت: 40]، وقيل: إن الأمر على حقيقته، وهو منسوخ بآية السيف، والأوّل أولى {قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي: إن الكاملين في الخسران هم هؤلاء، لأن من دخل النار، فقد خسر نفسه، وأهله. قال الزجاج: وهذا يعني به الكفار، فإنهم خسروا أنفسهم بالتخليد في النار، وخسروا أهليهم، لأنهم لم يدخلوا مدخل المؤمنين الذين لهم أهل في الجنة، وجملة: {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ } مستأنفة لتأكيد ما قبلها، وتصديرها بحرف التنبيه للإشعار بأن هذا الخسران الذي حلّ بهم قد بلغ من العظم إلى غاية ليس فوقها غاية، وكذلك تعريف الخسران، ووصفه بكونه مبيناً، فإنه يدلّ على أنه الفرد الكامل من أفراد الخسران؛ وأنه لا خسران يساويه، ولا عقوبة تدانيه. ثم بيّن سبحانه هذا الخسران الذي حلّ بهم، والبلاء النازل عليهم بقوله: {لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ٱلنَّارِ } الظلل عبارة عن أطباق النار، أي: لهم من فوقهم أطباق من النار تلتهب عليهم {وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } أي: أطباق من النار، وسمي ما تحتهم ظللاً؛ لأنها تظلّ من تحتها من أهل النار، لأن طبقات النار صار في كلّ طبقة منها طائفة من طوائف الكفار، ومثل هذه الآية قوله: {أية : لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } تفسير : [الأعراف: 41]، وقوله: {أية : يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 55]، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم ذكره من وصف عذابهم في النار، وهو: مبتدأ، وخبره قوله: {يُخَوّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ } أي: يحذرهم بما توعد به الكفار من العذاب؛ ليخافوه، فيتقوه، وهو: معنى {يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ } أي: اتقوا هذه المعاصي الموجبة لمثل هذا العذاب على الكفار، ووجه تخصيص العباد بالمؤمنين أن الغالب في القرآن إطلاق لفظ العباد عليهم. وقيل: هو للكفار، وأهل المعاصي. وقيل: هو عامّ للمسلمين، والكفار. {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا } الموصول مبتدأ، وخبره قوله: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } والطاغوت بناء مبالغة في المصدر كالرحموت، والعظموت، وهو: الأوثان، والشيطان. وقال مجاهد، وابن زيد: هو: الشيطان. وقال الضحاك، والسدّي: هو: الأوثان. وقيل: إنه الكاهن. وقيل: هو اسم أعجمي مثل طالوت، وجالوت. وقيل: إنه اسم عربيّ مشتق من الطغيان. قال الأخفش: الطاغوت جمع، ويجوز أن يكون واحده مؤنثاً، ومعنى اجتنبوا الطاغوت: أعرضوا عن عبادته، وخصوا عبادتهم بالله عزّ وجلّ، وقوله: {أَن يَعْبُدُوهَا } في محل نصب على البدل من الطاغوت، بدل اشتمال، كأنه قال: اجتنبوا عبادة الطاغوت، وقد تقدّم الكلام على تفسير الطاغوت مستوفى في سورة البقرة، وقوله: {وَأَنَابُواْ إِلَى ٱللَّهِ } معطوف على اجتنبوا، والمعنى: رجعوا إليه، وأقبلوا على عبادته معرضين عما سواه {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } بالثواب الجزيل، وهو: الجنة. وهذه البشرى إما على ألسنة الرسل، أو عند حضور الموت، أو عند البعث {فَبَشّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } المراد بالعباد هنا: العموم، فيدخل الموصوفون بالاجتناب، والإنابة إليه دخولاً أوّلياً، والمعنى: يستمعون القول الحقّ من كتاب الله، وسنّة رسوله، فيتبعون أحسنه، أي: محكمه، ويعملون به. قال السدّي: يتبعون أحسن ما يؤمرون به، فيعملون بما فيه. وقيل: هو الرجل يسمع الحسن، والقبيح، فيتحدّث بالحسن، وينكف عن القبيح، فلا يتحدّث به. وقيل: يستمعون القرآن وغيره، فيتبعون القرآن، وقيل: يستمعون الرخص والعزائم، فيتبعون العزائم، ويتركون الرخص، وقيل: يأخذون بالعفو، ويتركون العقوبة. ثم أثنى سبحانه على هؤلاء المذكورين، فقال: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ وَأُوْلَـئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } أي: هم الذين أوصلهم الله إلى الحق، وهم أصحاب العقول الصحيحة، لأنهم الذين انتفعوا بعقولهم، ولم ينتفع من عداهم بعقولهم. ثم ذكر سبحانه من سبقت له الشقاوة، وحرم السعادة فقال: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ } من هذه يحتمل أن تكون موصولة في محل رفع بالابتداء، وخبرها محذوف، أي: كمن يخاف، أو فأنت تخلصه، أو تتأسف عليه، ويحتمل أن تكون شرطية، وجوابه {أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ } فالفاء فاء الجواب دخلت على جملة الجزاء، وأعيدت الهمزة الإنكارية لتأكيد معنى الإنكار. وقال سيبويه: إنه كرّر الاستفهام لطول الكلام. وقال الفراء: المعنى: أفأنت تنقذ من حقّت عليه كلمة العذاب، والمراد بكلمة العذاب هنا هي: قوله تعالى لإبليس: {أية : لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [صۤ: 85]، وقوله: {أية : لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [الأعراف: 18] ومعنى الآية: التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه كان حريصاً على إيمان قومه، فأعلمه الله أن من سبق عليه القضاء، حقت عليه كلمة الله لا يقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينقذه من النار بأن يجعله مؤمناً. قال عطاء: يريد أبا لهب، وولده، ومن تخلف من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، وفي الآية تنزيل لمن يستحقّ العذاب بمن قد صار فيه، وتنزيل دعائه إلى الإيمان منزلة الإخراج له من عذاب النار. ولما ذكر سبحانه فيما سبق أن لأهل الشقاوة ظللاً من فوقهم النار، ومن تحتهم ظلل استدرك عنهم من كان من أهل السعادة، فقال: {لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ }، وذلك لأن الجنة درجات بعضها فوق بعض، ومعنى {مَّبْنِيَّةٌ }: أنها مبنية بناء المنازل في إحكام أساسها، وقوّة بنائها، وإن كانت منازل الدنيا ليست بشيء بالنسبة إليها {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } أي: من تحت تلك الغرف، وفي ذلك كمال لبهجتها، وزيادة لرونقها، وانتصاب {وَعَدَ ٱللَّهُ } على المصدرية المؤكدة لمضمون الجملة، لأن قوله: {لَهُمْ غُرَفٌ } في معنى: وعدهم الله بذلك، وجملة: {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ } مقرّرة للوعد، أي: لا يخلف الله ما وعد به الفريقين من الخير، والشرّ. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } الآية. قال: هم: الكفار الذين خلقهم الله للنار زالت عنهم الدنيا، وحرمت عليهم الجنة. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ } قال: أهليهم من أهل الجنة كانوا أعدّوا لهم لو عملوا بطاعة الله، فغيبوهم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: كان سعيد بن زيد، وأبو ذرّ، وسلمان يتبعون في الجاهلية أحسن القول، والكلام لا إلٰه إلا الله قالوا بها، فأنزل الله على نبيه: {يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } الآية. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال: لما نزل: {فَبَشّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فنادى: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، فاستقبل عمر الرسول، فردّه، فقال: يا رسول الله خشيت أن يتكل الناس، فلا يعملون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو يعلم الناس قدر رحمة ربي لاتكلوا، ولو يعلمون قدر سخط ربي، وعقابه لاستصغروا أعمالهم»تفسير : وهذا الحديث أصله في الصحيح من حديث أبي هريرة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قل إن الخاسرين الَّذِينَ خَسِروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: خسروا أنفسهم بإهلاكها في النار، وخسروا أهليهم بأن لا يجدوا في النار أهلاً، وقد كان لهم في الدنيا أهل، قاله مجاهد وابن زيد. الثاني: خسروا أنفسهم بما حرموها من الجنة وأهليهم من الحور العين الذين أعدوا [لهم] في الجنة، قاله الحسن وقتادة. الثالث:خسروا أنفسهم وأهليهم بأن صاروا هم بالكفر إلى النار، وصار أهلوهم بالإيمان إلى الجنة وهو محتمل.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى} بترك الإخلاصِ والميل إلى ما أنتمُ عليه من الشِّركِ {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} هو يومُ القيامةِ وصفَ بالعظمةِ لعظمةِ ما فيه من الدَّواهي والأهوالِ {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ} لا غيرَه لا استقلالاً ولا اشتراكاً {مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى} من كلِّ شَوْبٍ. أُمر عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلاً ببـيان كونِه مأموراً بعبادةِ الله تعالى وخلاصِ الدِّينِ له ثمَّ بالإخبارِ بخوفِه من العذابِ على تقديرِ العصيانِ ثمَّ بالإخبارِ بامتثاله بالأمرِ على أبلغِ وجِه وآكدِه إظهاراً لتصلُّبه في الدِّينِ وحسماً لأطماعِهم الفارغةِ وتمهيداً لتهديدِهم بقوله تعالى {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ} أنْ تعبدُوه {مِن دُونِهِ} تعالى وفيه من الدِّلالةِ على شدَّةِ الغضبِ عليهم ما لا يخفي كأنَّهم لمَّا لم ينتهُوا عما نُهوا عنه أُمروا به كي يحل بهم العقابُ. {قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ} أي الكاملينَ في الخُسران الذي هو عبارةٌ عن إضاعةِ ما يُهمه وإتلافِ ما لا بدَّ منه {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ} باختيارِهم الكفرَ لهما أي أضاعُوهما وأتلفوهُما {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ} حين يدخُلون النَّارِ حيث عرَّضوهما للعذابِ السَّرمديِّ وأوقعُوهما في هَلَكةٍ لا هلكةَ وراءها. وقيل: خسِروا أهليهم لأنَّهم إنْ كانُوا من أهلِ النَّار فقد خسروهم كما خسِروا أنفسَهم إنَ كانُوا من أهلِ الجنَّةَ فقد ذهبُوا عنهم ذهاباً لا إيابَ بعدَهُ. وفيه أنَّ المحذورَ ذهابُ ما لو آبَ لانتفع به الخاسرُ وذلك غيرُ متصوَّرٍ في الشِّقِّ الأخيرِ. وقيل: خسِروهم لأنَّهم لم يدخلُوا الذين لهم أهلٌ في الجنَّةِ وخَسِروا أهليهم الذين كانِوا يتمتَّعون بهم لو آمنُوا، وأيَّا ما كان فليسَ المرادُ مجرد تعريفِ الكاملينَ في الخُسران بما ذُكر بل بـيانَ أنَّهم هم، إمَّا بجعلِ الموصولِ عبارةً عنهم أو عمَّا هم مُندرجون فيه اندراجاً أوليَّاً. وما في قوله تعالى {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} من استئنافِ الجملةِ وتصديرِها بحرفِ التَّنبـيه والإشارةِ بذلك إلى بُعد منزلةِ المُشارِ إليه في الشَّرِّ. وتوسيطُ ضمير الفصل وتعريفُ الخسرانِ ووصفُه بالمبـينِ من الدِّلالةِ على كمالِ هوله وفظاعتِه وأنَّه لا خُسران وراءه ما لا يَخفْى. وقوله تعالى {لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ٱلنَّارِ} الخ نوع بـيانٍ لخسرانِهم بعد تهويلِه بطريقِ الإيهامِ على أنَّ لهم خبرٌ لظُللٌ. ومن فوقِهم متعلِّقٌ بمحذوفٍ قيل: هو حالٌ من ظُللٌ. والأظهرُ أنَّه حالٌ من الضَّميرِ في الظَّرفِ المُقدَّمِ ومن النَّارِ صفةٌ لظللٌ أي لهم كائنةٌ من فوقهم ظللٌ كثيرةٌ متراكبةٌ بعضُها فوق بعضِ كائنةٌ من النَّارِ {وَمِن تَحْتِهِمْ} أيضاً {ظُلَلٌ} أي أطباقٌ كثيرةٌ بعضُها تحتَ بعضٍ ظللٌ لآخرينَ بل لهم أيضاً عد تردِّيهم في دَرَكاتِها {ذٰلِكَ} العذابُ الفظيعُ هو الذي {يُخَوّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} ويُحذِّرهم إيَّاه بآياتِ الوعيدِ ليجتنبُوا ما يُوقعهم فيه {يَا عِبَادِ فَٱتَّقُونِ} ولا تتعرَّضُوا لَما يُوجبُ سَخَطي. وهذه عظة من الله تعالى بالغةٌ منطويةٌ على غايةِ اللُّطفِ والمرحمةِ وقُرىء يا عبادِي.

القشيري

تفسير : أخاف أصنافَ العذابِ التي تحصل في ذلك اليوم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل انى اخاف ان عصيت ربى} بترك الاخلاص والميل الى ما انتم عليه من الشرك {عذاب يوم عظيم} اى اخاف من عذاب يوم القيامة وهو يوم عظيم لعظمة ما فيه من الدواهى والاهوال بحسب عظم المعصية وسوء الحال. وفيه زجر عن المعصية بطريق المبالغة لانه عليه السلام مع جلالة قدره اذا خاف على تقدير العصيان فغيره من الامة اولى بذلك. ودلت الآية على ان المترتب على المعصية ليس حصول العقاب بل الخوف من العقاب فيجوز العفو عن الصغائر والكبائر: قال الصائب شعر : محيط از جهره سيلاب كرده راه ميشويد جه انديشد كسى باعفو حق ازكرد زلتها

الجنابذي

تفسير : {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} فى ترك ما امرنى به من اخلاص الدّين {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} فافعلوا ما شئتم من الاشراك والاخلاص.

اطفيش

تفسير : {قُلْ إِنِّى} سكن ياءه غير نافع وابن كثير وأبى عمرو. {أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} انى أخاف بترك الاخلاص وبالكون على ما أنتم عليه من الشرك أو الرياء عذاب يوم عظيم هو له نزلت لما قال قريش ما حملك على ترك ملة آبائك وقومك وانما أمره الله بقول ذلك جواباً لهم وزجراً لغيره من المعاصي فانه مع جلالته وعصمته خايف حذراً من المعاصي.

اطفيش

تفسير : {قُل إنِّي أخاف} بالعصيان {إنْ عَصيْت ربِّي} ولو معصية صغيرة، فكيف الاشراك، وكيف أنتم وقد بسطتم الاشراك {عَذاب يَومٍ عَظيمٍ} إسناد العظم الى اليوم، لعظم ما فيه من الهول، مجاز عقلى، أو من تسمية المحل باسم الحال، والمحل يوم القيامة وهو زمان.

الالوسي

تفسير : {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك. وجوز العموم أي أخاف إن عصيته بشيء من المعاصي {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} هو يوم القيامة. ووصفه بالعظمة لعظمة ما فيه من الدواهي والأهوال، وهو مجاز في الظرف أو الإسناد وهو أبلغ ولذا عدل عن توصيف العذاب بذاك والمقصود من قول ذلك لهم تهديدهم والتعريض لهم بأنه عليه الصلاة والسلام مع عظمته لو عصى الله تعالى ما أمن العذاب فكيف بهم.

ابن عاشور

تفسير : هذا القول متعين لأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم مأموراً بأن يواجه به المشركين الذين كانوا يحاولون النبي صلى الله عليه وسلم أن يترك الدعوة وأن يتابع دينهم. وهما أحد الشقين اللذين وجّه الخطاب السابق إليهما، وتعيينُ كلّ لما وجّه إليه منطوٍ بقرينة السياق وقرينةِ ما بعده من قوله: {أية : فاعبدوا ما شِئْتُم من دُونِه}تفسير : [الزمر: 15]. وإعادة الأمر بالقول على هذا للتأكيد اهتماماً بهذا المقول، وأمّا على الوجه الثاني من الوجهين المتقدمين في المراد من توجيه المطلب في قوله: {أية : إِني أُمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين}تفسير : [الزمر: 11] الآية فتكون إعادة فعل {قل} لأجل اختلاف المقصودين بتوجيه القول إليهم، وقد تقدم قول مقاتل: قال كفار قريش للنبي: ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به ألاَ تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون الّلاتَ والعزّى.

د. أسعد حومد

تفسير : (13) - وَقُلْ لَهُمْ: إِنِّي أَخَافُ - وَأَنَا رَسُولُ اللهِ - عَذَابَ يَوْمِ القِيَامَةِ الكَثِيرِ الأَهْوَالِ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي، وَتَرَكْتُ الإِخْلاَصَ لَهُ وَإِفْرَادَهُ بِالرّبُوبِيَّةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : سبحان الله، أيقول رسول الله {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الزمر: 13] فكأنه يقول: أنا لم آخذ هذه المنزلة حكماً مطلقاً أنني نبي مُكرَّم، بل أنا كعامة الناس إنْ عصيتُ ربي تعرضتُ للعقاب، يعني تقديم الله لي أولاً واصطفاؤه لي لا يشفع لي إنْ حدثتْ مني معصية. ثم يقول سبحانه على لسان رسوله {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي} [الزمر: 14] وهذه أيضاً للعقائد وليقين الإيمان، وقد سبق قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [الزمر: 11] وهنا {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ} [الزمر: 14] فما الفرق بين (الله أعبد) و (أعبد الله)؟ قوله تعالى: {أية : أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ} تفسير : [الزمر: 11] جاء على الترتيب الطبيعي للجملة: الفعل، ثم الفاعل، ثم المفعول. والجملة بهذا الترتيب لا تمنع من العطف على المفعول كما تقول: أطع فلاناً، فإنها لا تمنع أن نقول وفلاناً، أما إن قدَّمنا المفعول به على الفعل، كما في قوله سبحانه: {قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ} [الزمر: 14] فإنَّ تقديم المفعول أفاد القصر يعني: قصر العبادة على الله وحده، كما لو قلت: إلى الله أشكو يعني: لا إلى غيره. فالآية الأولى جاءتْ بالترتيب الطبيعي للجملة، والأخرى جاءت بصيغة القصر، كأنه قال: أنا لا أعبد غير الله، وأنتم اعبدوا ما شئتم {فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} [الزمر: 15]. ثم يبيِّن سبحانه عاقبة الشرك فيقول: {قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} [الزمر: 15]. نفهم أن هؤلاء المشركين خسروا أنفسهم يوم القيامة، لأنهم ظلموا أنفسهم بالكفر وبالشرك، لكن كيف يخسرون أهليهم أيضاً؟ قالوا: لأن أهليهم هم أولادهم وذريتهم؛ وهؤلاء إما أنْ يؤمنوا، وإما أنْ يظلوا على كفرهم مع الآباء، فإنْ ظلُّوا على كفرهم فهم خاسرون كآبائهم، وإنْ آمنوا فلن يكونوا مع الآباء، وسيحرمون رؤيتهم، لأن هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. إذن: الخسارة ملازمة لهم في كلتا الحالتين. وكلمة الخسارة هنا أكَّدها الحق سبحانه بالمفعول المطلق {ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} [الزمر: 15] ثم وصف الخسران بأنه مبين أي: بيِّن واضح ومحيط؛ لأن التاجر متى يكون خاسراً؟ إما أنْ يعود إليه رأس ماله دون زيادة، وفي هذه الحالة يكون قد خسر جهده وتعبه في تجارته، وإما أنْ تتعدى الخسارة إلى رأس المال فيخسر تعبه وجهده، ويخسر جزءاً من رأس المال، وهذا هو الخسران المبين، أي: المحيط بكل شيء فقوله تعالى: {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} [الزمر: 15] يعني المحيط الذي أحاط بأهله وماله وتعبه وسَعْيه.