Verse. 4085 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

وَلَــقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِيْ ھٰذَا الْقُرْاٰنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّہُمْ يَتَذَكَّرُوْنَ۝۲۷ۚ
Walaqad darabna lilnnasi fee hatha alqurani min kulli mathalin laAAallahum yatathakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد ضربنا» جعلنا «للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون» يتعظون.

27

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي من كل مثلٍ يحتاجون إليه؛ مثل قوله تعالى: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 38] وقيل: أي ما ذكرناه من إهلاك الأمم السالفة مثل لهؤلاء {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يتعظون. {قُرْآناً عَرَبِيّاً} نصب على الحال. قال الأخفش: لأن قوله جل وعز: {فِي هَذَا الْقُرْآنِ} معرفة. وقال علي بن سليمان: {عَرَبِيًّا} نصب على الحال و{قُرْآناً} توطئة للحال كما تقول مررت بزيد رجلاً صالحاً فقولك صالحاً هو المنصوب على الحال. وقال الزجاج: {عَرَبِيًّا} منصوب على الحال و{قُرْآناً} توكيد. {غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} النحاس: أحسن ما قيل فيه قول الضحاك، قال: غير مختلف. وهو قول ابن عباس، ذكره الثعلبي. وعن ابن عباس أيضاً غير مخلوق، ذكره المهدوي وقاله السدي فيما ذكر الثعلبي. وقال عثمان بن عفان: غير متضاد. وقال مجاهد: غير ذي لَبْس. وقال بكر بن عبد الله المزني: غير ذي لَحْن. وقيل: غير ذي شكّ. قاله السدي فيما ذكره الماوردي. قال:شعر : وقد أتاكَ يقِينٌ غيرُ ذي عِوجٍ مِن الإلهِ وقولٌ غيرُ مكذوبِ تفسير : {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} الكفر والكذب.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي: بينا للناس فيه بضرب الأمثال، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} فإن المثل يقرب المعنى إلى الأذهان؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [الروم: 28] أي: تعلمونه من أنفسكم، وقال عز وجل: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 43] وقوله جل وعلا: {قُرْءَاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ} أي: هو قرآن بلسان عربي مبين، لا اعوجاج فيه، ولا انحراف ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله تعالى كذلك، وأنزله بذلك {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: يحذرون ما فيه من الوعيد، ويعملون بما فيه من الوعد. ثم قال: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَـٰكِسُونَ} أي: يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، {وَرَجُلاً سَلَماً} أي: سالماً {لِرَجُلٍ} أي: خالصاً، لا يملكه أحد غيره {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} أي: لا يستوي هذا وهذا، كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له؟ فأين هذا من هذا، قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وغير واحد: هذه الآية ضربت مثلاً للمشرك والمخلص، ولما كان هذا المثل ظاهراً بيناً جلياً، قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} أي: على إقامة الحجة عليهم، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: فلهذا يشركون بالله. وقوله تبارك وتعالى: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق رضي الله عنه عند موت الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تحقق الناس موته، مع قوله عز وجل: {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 144] ومعنى هذه الآية: أنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة، وستجتمعون عند الله تعالى في الدار الآخرة، وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله عز وجل، فيفصل بينكم، ويفتح بالحق، وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين، ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين. ثم إن هذه الآية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين، وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة، فإنها شاملة لكل المتنازعين في الدنيا؛ فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة. قال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان عن محمد بن عمرو عن أبي حاطب ــــ يعني: يحيى بن عبد الرحمن ــــ عن ابن الزبير رضي الله عنهما قال: لما نزلت: { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قال الزبير رضي الله عنه: يا رسول الله أتكرر علينا الخصومة؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم»تفسير : قال رضي الله عنه: إن الأمر إذاً لشديد. وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان، وعنده زيادة: ولما نزلت: {أية : ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} تفسير : [التكاثر: 8] قال الزبير رضي الله عنه: أي رسول الله أي نعيم نسأل عنه، وإنما نعيمنا الأسودان: التمر والماء؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : أما إن ذلك سيكون» تفسير : وقد روى هذه الزيادة الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان به، وقال الترمذي: حسن. وقال أحمد أيضاً: حدثنا ابن نمير حدثنا محمد ــــ يعني: ابن عمرو ــــ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الله بن الزبير عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } قال الزبير رضي الله عنه: أي رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم، ليكررن عليكم، حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه» تفسير : قال الزبير رضي الله عنه: والله إن الأمر لشديد. ورواه الترمذي من حديث محمد بن عمرو به، وقال: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة عن أبي عشّانة عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أول الخصمين يوم القيامة جاران» تفسير : تفرد به أحمد. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : والذي نفسي بيده إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحتا» تفسير : تفرد به أحمد رحمه الله. وفي المسند عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاتين تنتطحان، فقال: «حديث : أتدري فيم تنتطحان يا أبا ذر؟» تفسير : قلت: لا، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : ولكن الله يدري، وسيحكم بينهما» تفسير : وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا حيان بن أغلب، حدثنا أبي، حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يجاء بالإمام الخائن يوم القيامة، فتخاصمه الرعية، فيفلجون عليه فيقال له: سد ركناً من أركان جهنم» تفسير : ثم قال: الأغلب بن تميم ليس بالحافظ. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} يقول: يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر. وقد روى ابن منده في كتاب الروح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يختصم الناس يوم القيامة، حتى تختصم الروح مع الجسد، فتقول الروح للجسد: أنت فعلت، ويقول الجسد للروح: أنتِ أمرت، وأنت سولت، فيبعث الله ملكاً يفصل بينهما، فيقول لهما: إنّ مثلكما كمثل رجل مقعد بصير، والآخر ضرير، دخلا بستاناً، فقال المقعد للضرير: إني أرى ههنا ثماراً، ولكن لا أصل إليها، فقال له الضرير: اركبني فتناولها، فركبه فتناولها، فأيهما المعتدي؟ فيقولان: كلاهما، فيقول لهما الملك: فإنكما قد حكمتما على أنفسكما، يعني: أن الجسد للروح كالمطية، وهي راكبه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن أحمد بن عوسجة، حدثنا ضرار، حدثنا أبو سلمة الخزاعي، منصور بن سلمة، حدثنا القمي ــــ يعني: يعقوب بن عبد الله ــــ عن جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية، وما نعلم في أي شيء نزلت: { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قال: قلنا: من نخاصم؟ ليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة، فمن نخاصم؟ حتى وقعت الفتنة، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: هذا الذي وعدنا ربنا عز وجل نختصم فيه، ورواه النسائي عن محمد بن عامر عن منصور بن سلمة به، وقال أبو العالية في قوله تبارك وتعالى: { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قال: يعني: أهل القبلة، وقال ابن زيد: يعني: أهل الإسلام وأهل الكفر، وقد قدمنا أن الصحيح العموم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا } جعلنا {لِلنَّاسِ فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعَّظون.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ } قد قدّمنا تحقيق المثل، وكيفية ضربه في غير موضع، ومعنى: {مِن كُلّ مَثَلٍ }: ما يحتاجون إليه، وليس المراد ما هو أعمّ من ذلك، فهو هنا كما في قوله: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء } تفسير : [الأنعام: 38] أي: من شيء يحتاجون إليه في أمر دينهم. وقيل: المعنى: ما ذكرنا من إهلاك الأمم السالفة مثل لهؤلاء {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظمون، فيعتبرون، وانتصاب {قُرْءاناً عَرَبِيّاً } على الحال من هذا، وهي حال مؤكدة، وتسمى هذه حالاً موطئة، لأن الحال في الحقيقة هو: عربياً، وقرآناً توطئة له، نحو جاءني زيد رجلاً صالحاً: كذا قال الأخفش، ويجوز أن ينتصب على المدح. قال الزجاج: عربياً منتصب على الحال، وقرآنا توكيد، ومعنى {غَيْرَ ذِى عِوَجٍ }: لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه. قال الضحاك: أي غير مختلف. قال النحاس: أحسن ما قيل في معناه قول الضحاك. وقيل: غير متضادّ. وقيل: غير ذي لبس. وقيل: غير ذي لحن. وقيل: غير ذي شك كما قال الشاعر:شعر : وقد أتاك يقين غير ذي عوج من الإلٰه وقول غير مكذوب تفسير : {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } علة أخرى بعد العلة الأولى. وهي: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } أي: لكي يتقوا الكفر، والكذب. ثم ذكر سبحانه مثلاً من الأمثال القرآنية للتذكير، والإيقاظ، فقال: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } أي: تمثيل حالة عجيبة بأخرى مثلها. ثم بيّن المثل، فقال: {رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَـٰكِسُونَ } قال الكسائي: نصب {رجلاً}؛ لأنه تفسير للمثل. وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، أي: ضرب الله مثلاً برجل. وقيل: إن {رجلاً} هو المفعول الأوّل، و{مثلاً} هو المفعول الثاني، وأخر المفعول الأوّل؛ ليتصل بما هو من تمامه، وقد تقدّم تحقيق هذا في سورة «يۤس»، وجملة: {فِيهِ شُرَكَاء } في محل نصب صفة لرجل، والتشاكس التخالف. قال الفراء: أي مختلفون. وقال المبرد: أي متعاسرون من شكس يشكس شكساً، فهو: شكس مثل عسر يعسر عسراً، فهو: عسر. قال الجوهري: التشاكس الاختلاف. قال: ويقال: رجل شكس بالتسكين، أي: صعب الخلق، وهذا مثل من أشرك بالله، وعبد آلهة كثيرة. ثم قال: {وَرَجُلاً سَلَماً لّرَجُلٍ } أي: خالصاً له، وهذا مثل من يعبد الله وحده. قرأ الجمهور: {سلما} بفتح السين، واللام، وقرأ سعيد بن جبير، وعكرمة، وأبو العالية بكسر السين، وسكون اللام. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، والجحدري، وأبو عمرو، وابن كثير، ويعقوب: (سالماً) بالألف، وكسر اللام اسم فاعل من سلم له، فهو: سالم، واختار هذه القراءة أبو عبيد قال: لأن السالم الخالص ضدّ المشترك، والسلم ضدّ الحرب، ولا موضع للحرب ها هنا، وأجيب عنه بأن الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلا على أولاهما، فالسلم، وإن كان ضدّ الحرب، فله معنى آخر بمعنى: سالم، من سلم له كذا: إذا خلص له. وأيضاً يلزمه في سالم ما ألزم به، لأنه يقال: شيء سالم، أي: لا عاهة به، واختار أبو حاتم القراءة الأولى. والحاصل أن قراءة الجمهور هي على الوصف بالمصدر للمبالغة، أو على حذف مضاف، أي: ذا سلم، ومثلها قراءة سعيد بن جبير، ومن معه. ثم جاء سبحانه بما يدلّ على التفاوت بين الرجلين، فقال: {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً }، وهذا الاستفهام للإنكار، والاستبعاد، والمعنى: هل يستوي هذا الذي يخدم جماعة شركاء أخلاقهم مختلفة، ونياتهم متباينة يستخدمه كل واحد منهم، فيتعب، وينصب مع كون كل واحد منهم غير راضٍ بخدمته، وهذا الذي يخدم واحداً لا ينازعه غيره إذا أطاعه رضي عنه، وإذا عصاه عفا عنه. فإن بين هذين من الاختلاف الظاهر الواضح ما لا يقدر عاقل أن يتفوّه باستوائهما، لأن أحدهما: في أعلى المنازل، والآخر: في أدناها، وانتصاب مثلاً على التمييز المحول عن الفاعل؛ لأن الأصل هل يستوي مثلهما، وأفرد التمييز، ولم يثنه؛ لأن الأصل في التمييز الإفراد لكونه مبيناً للجنس، وجملة: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } تقرير لما قبلها من نفي الاستواء، وللإيذان للموحدين بما في توحيدهم لله من النعمة العظيمة المستحقة لتخصيص الحمد به. ثم أضرب سبحانه عن نفي الاستواء المفهوم من الاستفهام الإنكاري إلى بيان أن أكثر الناس لا يعلمون، فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }، وهم: المشركون، فإنهم لا يعلمون ذلك مع ظهوره، ووضوحه. قال الواحدي، والبغوي: والمراد بالأكثر الكلّ، والظاهر خلاف ما قالاه، فإن المؤمنين بالله يعلمون ما في التوحيد من رفعة شأنه، وعلوّ مكانه، وإن الشرك لا يمائله بوجه من الوجوه، ولا يساويه في وصف من الأوصاف، ويعلمون أن الله سبحانه يستحق الحمد على هذه النعمة، وأن الحمد مختصّ به. ثم أخبر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الموت يدركه، ويدركهم لا محالة، فقال: {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } قرأ الجمهور: {ميت} و{ميتون} بالتشديد، وقرأ ابن محيصن، وابن أبي عبلة، وعيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق، واليماني: (مائت ومائتون)، وبها قرأ عبد الله بن الزبير. وقد استحسن هذه القراءة بعض المفسرين لكون موته، وموتهم مستقبلاً، ولا وجه للاستحسان، فإن قراءة الجمهور تفيد هذا المعنى. قال الفراء: والكسائي: الميت بالتشديد من لم يمت، وسيموت، والميت بالتخفيف من قد مات، وفارقته الرّوح. قال قتادة: نعيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، ونعيت إليهم أنفسهم. ووجه هذا الإخبار الإعلام للصحابة بأنه يموت، فقد كان بعضهم يعتقد، أنه لا يموت مع كونه توطئة، وتمهيداً لما بعده حيث قال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } أي: تخاصمهم يا محمد، وتحتجّ عليهم بأنك قد بلغتهم، وأنذرتهم، وهم يخاصمونك، أو يخاصم المؤمن الكافر، والظالم المظلوم. ثم بيّن سبحانه حال كل فريق من المختصمين، فقال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ } أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، فزعم أن له ولداً، أو شريكاً، أو صاحبة {وَكَذَّبَ بِٱلصّدْقِ إِذْ جَاءهُ }، وهو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعاء الناس إلى التوحيد، وأمرهم بالقيام بفرائض الشرع، ونهيهم عن محرّماته، وإخبارهم بالبعث، والنشور، وما أعدّ الله للمطيع، والعاصي. ثم استفهم سبحانه استفهاماً تقريرياً، فقال: {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْكَـٰفِرِينَ } أي: أليس لهؤلاء المفترين المكذّبين بالصدق، والمثوى: المقام، وهو مشتق من ثوى بالمكان إذا أقام به يثوى ثواء، وثوياً، مثل مضى مضاء، ومضياً. وحكى أبو عبيد أنه يقال: أثوى، وأنشد قول الأعشى:شعر : أثوى وأقصر ليله ليزودا ومضى وأخلف من قُتَيْلَةَ موعدا تفسير : وأنكر ذلك الأصمعي، وقال: لا نعرف أثوى. ثم ذكر سبحانه فريق المؤمنين المصدّقين، فقال: {وَٱلَّذِى جَاء بِٱلصّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } الموصول في موضع رفع بالابتداء، وهو: عبارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تابعه، وخبره: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ }، وقيل: الذي جاء بالصدق رسول الله، والذي صدّق به أبو بكر. وقال مجاهد: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي صدّق به عليّ بن أبي طالب. وقال السدّي: الذي جاء بالصدق جبريل، والذي صدّق به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة، ومقاتل، وابن زيد: الذي جاء بالصدق النبي صلى الله عليه وسلم، والذي صدّق به المؤمنون. وقال النخعي: الذي جاء بالصدق، وصدّق به هم المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة. وقيل: إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله، وأرشد إلى ما شرعه لعباده، واختار هذا ابن جرير، وهو: الذي اختاره من هذه الأقوال، ويؤيده قراءة ابن مسعود: (والذين جاءوا بالصدق وصدّقوا به). ولفظ {الذي} كما وقع في قراءة الجمهور وإن كان مفرداً، فمعناه: الجمع، لأنه يراد به الجنس كما يفيده قوله: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ } أي: المتصفون بالتقوى التي هي عنوان النجاة. وقرأ أبو صالح: (وصدق به) مخففاً، أي: صدق به الناس. ثم ذكر سبحانه ما لهؤلاء الصادقين المصدّقين في الآخرة، فقال: {لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ } أي: لهم كل ما يشاءونه من رفع الدرجات، ودفع المضرّات، وتكفير السيئات، وفي هذا ترغيب عظيم، وتشويق بالغ، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدم ذكره من جزائهم، وهو: مبتدأ، وخبره قوله: {جَزَاء ٱلْمُحْسِنِينَ } أي: الذين أحسنوا في أعمالهم. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك»تفسير : ثم بيّن سبحانه ما هو الغاية مما لهم عند ربهم، فقال: {لِيُكَـفّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ }، فإن ذلك هو أعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم؛ لأن الله سبحانه إذا غفر لهم ما هو الأسوأ من أعمالهم غفر لهم ما دونه بطريقة الأولى، واللام متعلقة بيشاءون، أو بالمحسنين، أو بمحذوف. قرأ الجمهور:{أسوأ} على أنه أفعل تفضيل. وقيل: ليست للتفضيل بل بمعنى: سيء الذي عملوا. وقرأ ابن كثير في رواية عنه أسواء بألف بين الهمزة، والواو بزنة أجمال جمع سوء. {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَـانُواْ يَعْمَلُونَ } لما ذكر سبحانه ما يدلّ على دفع المضارّ عنهم ذكر ما يدلّ على جلب أعظم المنافع إليهم، وإضافة الأحسن إلى ما بعده ليست من إضافة المفضل إلى المفضل عليه، بل من إضافة الشيء إلى بعضه قصداً إلى التوضيح من غير اعتبار تفضيل. قال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم، ولا يجزيهم بالمساوىء. وقد أخرج الآجرّي، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {غَيْرَ ذِى عِوَجٍ } قال: غير مخلوق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً } الآية قال: الرجل يعبد آلهة شتى، فهذا مثل ضربه الله لأهل الأوثان {وَرَجُلاً سَلَماً } يعبد إلٰهاً واحداً ضرب لنفسه مثلاً. وأخرجا عنه أيضاً في قوله: {وَرَجُلاً سَلَماً } قال: ليس لأحد فيه شيء. وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عمر قال: لقد لبثنا برهة من دهرنا، ونحن نرى أن هذه الآية نزلت فينا، وفي أهل الكتابين من قبلنا {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } الآية، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا. وأخرج نعيم بن حماد في الفتن، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه نحوه بأطول منه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً قال: نزلت علينا الآية {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ }، وما ندري ما تفسيرها حتى وقعت الفتنة، فقلنا: هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه. وأخرج عبد الرّزاق، وأحمد، وابن منيع، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في البعث والنشور عن الزبير بن العوّام قال: لما نزلت: {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } قلت: يا رسول الله أيكرّر علينا ما يكون بيننا في الدنيا مع خواصّ الذنوب؟ قال: «حديث : نعم ليكرّرن عليكم ذلك حتى يؤدى إلى كل ذي حقّ حقه. قال الزبير: فوالله إن الأمر لشديد»تفسير : وأخرج سعيد بن منصور، عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } كنا نقول: ربنا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين، وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف، قلنا: نعم هو هذا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {وَٱلَّذِى جَاء بِٱلصّدْقِ } يعني: بلا إلٰه إلا الله {وَصَدَّقَ بِهِ } يعني: برسول الله صلى الله عليه وسلم {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ } يعني: اتقوا الشرك. وأخرج ابن جرير، والباوردي في معرفة الصحابة، وابن عساكر من طريق أسيد بن صفوان، وله صحبة عن عليّ بن أبي طالب قال: الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وصدّق به أبو بكر. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مثله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قرآناً عربياً غير ذي عوج} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: غير ذي لبس، قاله مجاهد. الثاني: غير مختلف، قاله الضحاك. الثالث: غير ذي شك، قاله السدي. قوله عز وجل: {ضرب الله مثلاً رجلاً} يعني الكافر. {فيه شركاء} أي يعبد أوثاناً شتى. {متشاكسون} فيه أربعة أوجه: أحدها: متنازعون، قاله قتادة. الثاني: مختلفون، قاله ابن زياد. الثالث: متعاسرون. الرابع: متظالمون مأخوذ من قولهم: شكسني مالي أي ظلمني. {ورَجُلاً سَلَماً لرجُلٍ} يعني المؤمن سلماً لرجل أي مخلصاً لرجل، يعني أنه بإيمانه يعبد إلهاً واحداً. {هل يستويان مثلاً} أي هل يستوي حال العابد لله وحده وحال من يعبد آلهة غيره؟ فضرب لهما مثلاً بالعبدين اللذين يكون أحدهما لشركاء متشاكسين، لا يقدر أن يوفي كل واحد منهم حق خدمته، ويكون الآخر لسيد واحد يقدر أن يوفيه حق خدمته. {الحمد لله} يحتمل وجهين: أحدهما: على احتجاجه بالمثل الذي خَصم به المشركين. الثاني: على هدايته التي أعان بها المؤمنين. {بل أكثرهم لا يعلمون} يحتمل وجهين: أحدهما: لا يعلمون المثل المضروب. الثاني: لا يعلمون بأن الله هو الإله المعبود. قوله عز وجل: {إنك ميت وإنهم ميتون} هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بموته وموتهم، فاحتمل خسمة أوجه: أحدها: أن يذكر ذلك تحذيراً من الآخرة. الثاني: أن يذكره حثاً على العمل. الثالث: أن يذكره توطئة للموت. الرابع: لئلا يختلفوا في موته كما اختلفت الأمم في غيره حتى إن عمر لما أنكر موته احتج أبو بكر بهذه الآية فأمسك. الخامس: ليعلمه أن الله تعالى قد سوى فيه بين خلقه مع تفاضلهم في غيره لتكثر فيه السلوى وتقل الحسرة. ومعنى إنك ميت أي ستموت، يقال ميت بالتشديد للذي سيموت، وميت بالتخفيف لمن قد مات. قوله عز وجل: {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} فيه أربعة أوجه: أحدها: في الدماء، قاله عكرمة. الثاني: في المداينة، قاله الربيع بن أنس. الثالث: في الإيمان والكفر، قاله ابن زيد، فمخاصمة المؤمنين تقريع، ومخاصمة الكافرين ندم. الرابع: ما قاله ابن عباس يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر. قال إبراهيم النخعي: لما نزلت هذه الآية جعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون ما خصومتنا بيننا. ويحتمل خامساً: أن تخاصمهم هو تحاكمهم إلى الله تعالى فيما تغالبوا عليه في الدنيا من حقوقهم خاصة دون حقوق الله ليستوفيها من حسنات من وجبت عليه في حسنات من وجبت له.

الخازن

تفسير : قوله عزَّ وجل: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون} أي يتعظون {قرآناً عربياً} أي فصيحاً أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته {غير ذي عوج} أي منزهاً عن التناقض، وقال ابن عباس: غير مختلف. وقيل: غير ذي لبس وقيل: غير مخلوق ويروى ذلك عن مالك بن أنس وحكي عن سفيان بن عيينة عن سبعين من التابعين إن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق {لعلهم يتقون} أي الكفر والتكذيب. فإن قلت ما الحكمة في تقديم التذكر في الآية الأولى على التقوى في هذه الآية. قلت سبب تقديم التذكر أن الإنسان إذا تذكر وعرف ووقف على فحوى الشيء واختلط بمعناه واتقاه واحترز منه. قوله تعالى: {ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون} أي متنازعون مختلفون سيئة أخلاقهم والشكس السيء الخلق المخالف للناس لا يرضى بالإنصاف {ورجلاً سلماً لرجل} أي خالصاً له فيه ولا منازع؛ والمعنى واضرب يا محمد لقومك مثلاً وقل لهم ما تقولون في رجل مملوك قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف وتنازع كل واحد يدعي أنه عبده وهم يتجاذبونه في مهن شتى فإذا عنت لهم حاجة يتدافعونه فهو متحير في أمره لا يدري أيهم يرضي بخدمته وعلى أيهم يعتمد في حاجاته وفي رجل آخر مملوك قد سلم لمالك واحد يخدمه على سبيل الإخلاص وذلك السيد يعين خادمه في حاجاته فأي هذين العبدين أحسن حالاً وأحمد شأناً، وهذا مثل ضربه الله تعالى للكافر الذي يعبد آلهة شتى والمؤمن الذي يعبد الله وحده فكان حال المؤمن الذي يعبد إلهاً واحداً أحسن وأصلح من حال الكافر الذي يعبد آلهة شتى وهو قوله تعالى: {هل يستويان مثلاً} وهذا استفهام إنكار أي لا يستويان في الحال والصفة قال تعالى: {الحمد لله} أي لله الحمد كله وحده دون غيره من المعبودين، وقيل لما ثبت أن لا إله إلا الله الواحد الأحد الحق بالدلائل الظاهرة والأمثال الباهرة قال: الحمد لله على حصول هذه البينات وظهور هذه الدلالات {بل أكثرهم لا يعلمون} أي المستحق للعبادة هو الله تعالى وحده لا شريك له. قوله تعالى: {إنك ميت} أي ستموت {وإنهم ميتون} أي سيموتون وذلك أنهم كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته فأخبر الله تعالى أن الموت يعمهم جميعاً فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني وقيل نعى إلى نبيه نفسه وإليكم أنفسكم والمعنى أنك ميت وإنهم ميتون وإن كنتم أحياء فإنكم في عداد الموتى {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قال ابن عباس يعني المحق والمبطل والظالم والمظلوم عن عبد الله بن الزبير قال: "حديث : لما نزلت {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون}، قال الزبير: يا رسول الله أتكون علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا قال: نعم، فقال: إن الأمر إذاً لشديد" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وقال ابن عمر رضي الله عنهما: عشنا برهة من الدهر وكنا نرى أن هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قلنا كيف نختصم وديننا واحد وكتابنا واحد حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعرفت أنها فينا نزلت وعن أبي سعيد الخدري في هذه الآية قال كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد ونبينا واحد فما هذه الخصومة فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيف قلنا نعم هو هذا وعن إبراهيم قال: لما نزلت هذه الآية ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قالوا كيف نختصم ونحن إخوان فلما قتل عثمان قالوا هذه خصومتنا (خ) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من كان عنده مظلمة لأخيه من عرض أو مال فليتحلله اليوم من قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه"تفسير : (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذت من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ".

ابن عادل

تفسير : ولما ذكر الله تعالى هذه الفوائد الكثيرة في هذه المطالب بين أن هذه البيانات بلغت حدّ الكمال والتمام فقال: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يتعظون، قالت المعتزلة: دلت الآية على أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة، ودلت أيضاً على أنه تعالى يريد الإيمان والمعرفة من الكلّ؛ لأن قوله: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ} مشعِر بالتعليل، وقوله في آخر الآية: { لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} مشعر بالتعليل أيضاً ومشعر بأن المراد من ضرب هذه الأمثال حصولُ التذكرة والعلم. قوله: "قُرْآناً عَرَبِيّاً" فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: (أن يكون منصوباً على المدح؛ لأنه لما كان نكرةً امتنع إتباعه للقرآن. الثاني: أن ينتصب بـ "يتذكرون" أي) يتذكرون قرآناً. الثالث: أن ينتصب على الحال من "القرآن" على أنها حال مؤكدة وتسمى حالاً موطّئة؛ لأن الحال في الحقيقة "عربياً"، و "قُرْآناً" توطئه له، نحو: جاء زيد رجلاً صالحاً، وقوله: {غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} نعت "لقُرْآناً"، أو حال أُخْرَى. قال الزمخشري: فإن قلت: فهلا قيل مستقيماً أو غير مُعْوَجٍّ؟ قلتُ: فيه فائدتان: إحداهما: نفي أن يكون فيه عِوَجٌ قط كما قال: {أية : وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} تفسير : [الكهف:1]. والثانية: أن العِوَج يختص بالمعاني دون الأعيان وقيل: المراد بالعِوَج الشك واللَّبْس وأنْشَدَ: شعر : 4298- وَقَدْ أتَاكَ يقينٌ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ مِنَ الإلهِ وَقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ تفسير : فصل اعلم أنه تعالى وصف القرآن بصفات ثلاثة: أولها: كونه قرآناً، والمراد كونه مَتْلُوًّا في المحاريب إلى قيام الساعة. وثانيها: كونه عربياً أي أنه أعجز الفصحاءَ والبلغاءَ عن معارضته كما قال: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} تفسير : [الإسراء:88]. وثالثها: كونه غيرَ ذي عِوجٍ، والمراد براءته من التناقض، قال ابن عباس: غير مختلف، وقال مجاهد: غير ذي لَبْس وقال السدي: غير مخلوق، ويروى ذك عن مالك بن أَنَسٍ، وحكى سفيان بن عيينة عن سبعين من التابعين أن القرآن ليس بخالقٍ ولا مخلوق. قوله: "لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" الكفر والتكذيب به. وتمسك المعتزلة به في تعليل أحكام الله تعالى، وقوله في الآية الأولى: {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، وههنا: "لعلهم يتقون" لأن التذكر يتقدم على الاتّقاء والاحتراز. والله أعلم. قوله تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً} قال الكسائي: نصب "رجلاً" لأنه تفسير للمَثَل. واعلم أنه تَعَالَى لما شرح وعيد الكفار مَثَّلَ بما يدل على فساد مذهبهم وقُبْحِ طريقتهم، فقال: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً}. قوله: "فِيهِ شُرَكَآءُ" يجوز أن يكون هذا جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب صفة "لِرَجُلٍ" ويجوز أن يكون الوصف الجار وحده، و "شُرَكَاءُ" فاعل به، وهو أولى لقربه من المُفْرد، و"مُتَشَاكِسُونَ" صفة "لشُركَاءُ" والتَّشاكُسُ (التخالف، وأصله سوء الخُلُق وعُسْرُه، وهو سبب التخالفِ، والتشاجرِ، ويقال: التَّشَاكُسُ) والتَّشَاخُسُ - بالخاء - موضع الكاف، وقد تقدم الكلام على نصب المَثَل وما بعده الواقعين بعد ضَرَبَ. وقال الكسائي: انتصب "رجلاً" على إسقاط الجار، أي لِرَجُلٍ أو في رَجُل، والمُتَشَاكِسون المختلفون العَسِرُون، يقال: شَكُسَ يَشْكُسُ شُكُوساً وشَكْساً إذا عسر، وهو رجلٌ شَكِس أي عِسِر وشَاكَسَ إذا تَعَاسَر قال الليث: التَّشَاكُسُ التضاد والاختلاف ويقال: الليل والنهار يَتَشاكَسان أي يتضادان إذا جاء أحدهما ذهب الآخر. وقوله "فيه" صلة "لشركاء" كما تقول اشتركوا فيه أي في رِقِّةِ، (قال شهاب الدين: وقال أَبُوا البقاء كلاماً لايشبه أن يصدر من مثله بل ولا أقل منه قال: "وَفِيهِ شُرَكَاءُ") الجملة صفة "لِرَجُل" و "فيه" متعلق بمُتَشَاكِسُونَ، وفيه دلالة على جواز تقديم خبر المبتدأ عليه انتهى أما هذا فلا أشك أنه سهو لأنه من حيث جعله جملة كيف يقول بعد ذلك: إن "فيه" يتعلق "بمُتَشَاكِسُونَ". وقد يقال: أراد من حيث المعنى. وهو بعيد جداً، ثم قوله: "وفيه دلالة" إلى آخره يناقضه أيضاً وليست المسألة غريبة حتى يقول: "وفيه دلاله" وكأنه أراد وفيه دلالة على تقديم معمول الخبر على المبتدأ بناءً منه على أن "فِيهِ" يتعلق بمُتَشَاكِسُونَ، ولكنه فاسد، والفاسدُ لا يُرام صَلاَحُهُ. قوله: "سَلَماً لِّرَجُلٍ" قرأ ابن كثير وأبو عمرو سَالِماً بالألف وكسر اللام، والباقون سَلَماً بفتح السين واللام، وابن جبير بكسر السين وسكون اللام، (قال ابن الخطيب: ويقال أيضاً: بفتح السين وسكون اللام)، فالقراءة الأولى اسم فاعل من سلم له كذا فهو سالم. والقراءتان الأخيرتان سِلْماً فهما مصدران وصف بهما على سبيل المبالغة أو على حذف مضاف، أوعلى وقوعهما موقع اسم الفاعل فيعود كالقراءة الأولى، وقرىء: "وَرَجُلٌ سَالِمٌ" برفعهما وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره وهناك رجلٌ سالمٌ لرجلٍ،كذا قدره الزمخشريُّ. الثاني: أنه مبتدأ، و"سالم" خبره، وجاز الابتداء بالنكرة لأنه موضع تفصيل كقول أمرىء القيس: شعر : 4299- إذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وَشِقٌّ عِنْدَنَا لَمْ يُحَوَّلِ تفسير : وقولهم: "النَّاسُ رَجُلاَنِ رَجُلٌ أَكْرَمْتُ وَرَجُلٌ أَهَنْتُ". قوله: "مَثَلاً" منصوب على التمييز المنقول من الفاعلية إذ الأصل: هل يستوي مِثْلُهُمَا، وأفرد التمييزُ لأنه مقتصر عليه أولاً في قوله: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً}. وقرىء "مَثَلَيْنِ" فطابق حَالَ الرجلين. وقال الزمخشري فيمن قرأ مَثَلَيْنِ: إنّ الضمير في "يَسْتَوِيَانِ" "للمثلين" لأن التقدير: مَثَلَ رَجُلٍ ومَثَلَ رَجُلٍ، والمعنى هل يستويان فيما يرجع إلى الوصيفة كما تقول: كَفَى بِهِما رَجُلَيْن. قال أبو حيان: والظاهر أنه يَعُودُ الضمير في "يستويان" على "رجلين"، وأما إذا جعلته عائداً إلى المثلين اللّذين ذَكَر أن التقدير: مثل رجل ومثل رجل، فإن التمييز يكون إذْ ذَاكَ قد فهم من المميز الذي هو الضمير إذ يصير التقدير: هل يستوي المثلان مثلين في الوصفية، فالمثلان الأولان معهودان الثانيان جنْسَانِ مُبْهَمَانِ كما تقول: كَفَى بِهِمَا رَجُلَيْن، فإن الضمير في بهما عائد على ما يراد بالرَّجُلَيْن فلا فرق بين المسألتين فما كان جواباً عن: "كفى بهما رجلين" يكون جواباً له. فصل تقدم الكلام: اضْربْ لقومك مثلاً وقل ما تقولون في رجلٍ مَمْلُوكٍ لشركاء بينهم اختلافٌ وتنازعٌ فيه وكل واحد يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه في حوائجهم وهو متحيِّر في أمره وكلما أرضى أحدَهم غضب الباقونَ، وإذا احتاج إليهم فكل واحد منهم يرده إلى الآخر فيبقى متحيّراً لا يعرف أيّهم أولى أن يطلب رضاه؟ وأيهم يُعِينه في حاجاته؟ فهو بهذا السبب في عذابٍ دائم، وآخر له مخدوم واحد يخدمه على سبيل الإخلاص وذلك المخدوم يعينه في مهماته فأي هذا (من) العبدين أحسنُ حالاً؟ والمراد أن من أثبت آلهةً أخرى فإن الآلهة تكون متنازعة متغالبة كما قال تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء:22] وقال: {أية : وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [المؤمنون:91] فيبقى ذلك المشرك متحيراً ضالاً لا يدري أَيَّ هؤلاء الآلهة يعبدُ؟ وعلى ربوبية أيهم يعتمد؟ وممن يطلب رزقه؟ فهمه مشَاع وقلبه أوْزَاع أما من لم يُثبت إلا إلهاً واحداً فهو قائم بما كلفه عارف بما يرضيه ويسخطه فكان حالُ هذا أقرب إلى الصلاح من حالِ الأول، وهذا المثال في غاية الحسن في تقبيح الشّرك وتحسين التّوحيد. فإن قيل: هذا المثال لا ينطبقُ على عبادة الأصنام لأنها جَمَادَاتٌ فليس بينهما منازعة ولا تشاكس. فالجواب: أن عبدة الأصنام مختلفون منهم من يقول: هذه الأصنام تماثيل الكواكب السبعة وهم يثبتون بينهما منازَعة ومشاكسة، ألا ترى أنهم يقولون: زُحَلُ هو النحس الأعظم، (والمشتري: هو السَّعد الأعظم) ومنهم من يقول: هذه الأصنام تماثيل الأرواح السماوية وحنيئذ (يحصل) بين تلك الأرواح منازعة ومشاكسة وحنيئذ يكون المثال مطابقاً، ومنهم من يقول: هذه الأصنام تماثيل الأشخاص من العلماء والزَّهاد (الذين) مَضَوْا فهم يعبدون فهم يعبدون هذه التماثيل ليصير أولئك الأشخاص من العلماء والزُّهَّاد شفعاءَ لهم عند الله. والقائلون بهذا القول يزعم كل طائفة منهم أن المحقّ هو ذلك الرجل الذي هو على دينه، وأنّ من سواه مبطل وعلى هذا التقدير أيضاً ينطبق المثال. قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} يعني أنه لما أبطل القول بإثبات الشركاء والأنداد وثبت أنه لا إله إلا الواحدُ الأحدُ المحقُّ ثبت أن الحمد له لا لغيره، ثم قال {بل أكثرهم لا يعلمون} أن الحمد له لا لغيره، وأنّ المستحق العبادة هو الله. وقيل: لا يعلمون ما يصيرون إليه، وقيل: المراد أنه لما سيقت عنده الدلائل الظاهرة قال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" على حصول هذه البيانات، وظهور هذه البيِّنات وإن كان (أكثر) الخلق لا يعرفونها قال البغوي: والمراد بالأكثر الكُلّ.

القشيري

تفسير : أي أوضحنا لهم الآيات، ووقفناهم على حقائق الأشياء. {غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}: فلا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خـَلْفِه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل} يحتاج اليه الناظر فى امور دينه. قال السمرقندى ولقد بينا لهم فيه كل صفة هى فى الغرابة اى فى غرابتها وحسنها كالمثل السائر وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشان كقصة الاولين وقصة المبعوثين يوم القيامة وغير ذلك. والمراد بالناس اهل مكة كما فى الوسيط ويعضده ما قال بعضهم من ان الخطاب بقوله {أية : يا ايها الناس} تفسير : فى كل ما وقع فى القرآن لاهل مكة والظاهر التعميم لهم ولمن جاء بعدهم {لعلهم يتذكرون} يتذكرون به ويتعظون به

ابن عجيبة

تفسير : قلت: قرآناً: حال مؤكدة من "هذا"، على أن مدار التأكيد هو الوصف، كقولك: جاءني زيد رجلاً صالحاً. يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد ضَرَبْنَا} أي: وضحنا {للناس في هذا القرآنِ من كل مَثَل}: يحتاج إليه الناظر في أمر دينه، {لعلهم يتذكرون} أي: كي يتذكروا به ويتعظوا، حال كونه {قرآناً عربياً}؛ لتفهموا معانيه بسرعة، {غيرَ ذي عوجٍ}: لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه، فهو أبلغ من المستقيم، وأخص بالمعاني: وقيل: المراد بالعوج: الشك. {لعلهم يتقون} ما يضرهم في معادهم ومعاشهم. الإشارة: قد بيَّن الله في القرآن ما يحتاج إليه المريد في سلوكه وجذبه، وسيره ووصوله، من بيان الشرائع وإظهار الطرائق، وتبيين الحقائق. قال تعالى: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِن شَىْءٍ} تفسير : [الأنعام: 38] لكن لا يغوص على هذا إلا الجهابذة من البحرية الذين غاصوا بأسرارهم في بحر الأحدية، وتغلغلوا في العلوم اللدنية، ومَن لم يبلغ هذا المقام يصحب مَن يبلغه، حتى يوصله إلى ربه، ولا يكون الوصول إلا بقلب مفردٍ، غير مشترك، كما بيَّن ذلك في قوله تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ}.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} اى بعضاً من كلّ مثل يحتاج اليه النّاس فى معاشهم ومعادهم {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} احوالهم واحوال دنياهم وآخرتهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: لكي يتذكّروا، فيحذروا أن ينزل بهم ما نزل بالذين من قبلهم. قال: {قُرْءَاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} أي: غير ذي لبس {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: لكي يتَّقوا. قوله: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلاً} أي: المشرك {فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ} أي: يعبد أوثاناً شتى. وهو مثل قول يوسف: (أية : ءَارْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ القَهَّارُ) تفسير : [يوسف:39] {وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ} يعني المؤمن الذي يعبد الله وحده {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} أي: إنهما لا يستويان. قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم الذين لا يؤمنون. قوله: {إِنَّكَ} يا محمد {مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِياَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}. ذكروا أنه لما نزلت هذه الآية جعل أصحاب النبي عليه السلام يقولون: وما خصومتنا فيما بيننا؟ فلما قتل عثمان بن عفان قالوا: هذه خصومتنا بيننا. ذكروا أن علياً رضي الله عنه أي... وإلى تحبو للخصومة يوم القيامة. ذكروا عن عمار بن ياسر قال: ادفنوني في ثيابي فإني مخاصَم غداً. ذكروا عن عمرو بن العاص أنه قال: كفنوني في ثياب خَلِقَة فإني مخاصم غداً، ثم قال: اللَّهم لا بريئاً فأعتذر، ولا قوياً فأنتصر، غير أنك (أية : لآ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) تفسير : [الأنبياء:87]. ذكروا عن أبي رجاء العطاردي وعقبة بن صهبان قالا: سمعنا الزبير بن العوّام يقول: لقد تأولت هذه الآية زماناً وما أحدّث نفسي أن أكون من أهلها، فإذا نحن المعنيّون بها: (أية : وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَموُاْ مِنكُمْ خَآصَّةً) تفسير : [الأنفال:25]. وفي تفسير الحسن: {عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}: يتخاصم النبي والمؤمنون والمشركون.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} يحتاج اليه الناس في أمر دينهم* {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يؤثر فيهم الذكر والوعظ

اطفيش

تفسير : {ولَقَد ضَرْبنا للنَّاس فى هَذا القُرآن} تعريف القرآن ليس تعريف العلمية، بل تعريف الجنس مرادا به مخصوص، ولذلك تبع الاشارة، كهذا الرجل، وهذا الشىء {مِنْ كُلِّ مثَلٍ} موضح لأمر الدين، فان لله أمثالا يحتاج الناظر اليها فى أمر دينه لا يحصيها الا هو {لَعلَّهم يَتذكَّرون} ليتذكروا، أو ذلك كناية عن أن يرجو الراجى تذكرهم، أو عن الترجية، والأول أولى.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ } العظيم الشأن {مِن كُلِّ مَثَلٍ } يحتاج إليه الناظر في أمور دينه {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } أي كي يتذكروا ويتعظوا أو مرجواً تذكرهم واتعاظهم، والرجاء بالنسبة إلى غيره تعالى والتعليل أظهر.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : الله نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ} تفسير : [الزمر: 23] إلى قوله: {أية : فَما لهُ مِن هَادٍ}تفسير : [الزمر: 23]، تتمة للتنويه بالقرآن وإرشاده، وللتعريض بتسفيه أحلام الذين كذّبوا به وأعرضوا عن الاهتداء بهديه. وتأكيد الخبر بلام القسم وحرفِ التحقيق منظور فيه إلى حال الفريق الذين لم يتدبروا القرآن وطعنوا فيه وأنكروا أنه من عند الله. والتعريف في {الناس} للاستغراق، أي لجميع الناس، فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم للناس كافة. وضَرْب المثل: ذِكره ووصفُه، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : إن اللَّه لا يستحيِّ أن يضرب مثلاً}تفسير : في سورة [البقرة: 26]. وتنوين {مَثَلٍ} للتعظيم والشرف، أي من كل أشرف الأمثال، فالمعنى: ذكرنا للناس في القرآن أمثالاً هي بعض من كل أنفع الأمثال وأشرفها. والمراد: شرف نفعها. وخُصّت أمثال القرآن بالذكر من بين مزايا القرآن لأجل لَفت بصائرهم للتدبر في ناحية عظيمة من نواحي إعجازه وهي بلاغة أمثاله، فإن بلغاءهم كانوا يتنافسون في جَودة الأمثال وإصابتها المحزّ من تشبيه الحالة بالحالة. وتقدم هذا عند قوله تعالى: {أية : ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفوراً}تفسير : في سورة [الإِسراء: 89]، وتقدم في قوله: {أية : ولقَد ضَرَبنا للنَّاسِ في هذَا القُرْآنِ مِن كل مَثَلٍ}تفسير : في سورة [الروم: 58]. ومعنى الرجاء في {لَعَلَّهُم يتذَكَّرُونَ} منصرف إلى أن حالهم عند ضرب الأمثال القرآنية كحال من يرجو الناس منه أن يتذكر، وهذا مِثل نظائر هذا الترجي الواقع في القرآن، وتقدم في سورة البقرة. ومعنى التذكر: التأمل والتدبر لينكشف لهم ما هم غافلون عنه سواء ما سبق لهم به علم فنسُوه وشُغلوا عنه بسفسَافِ الأمور، وما لم يسبق لهم علم به مما شأنه أن يستبصره الرأي الأصيل حتى إذا انكشف له كان كالشيء الذي سبق له علمه وذهِل عنه، فمعنى التذكر معنى بديع شامل لهذه الخصائص. وهذا وصفُ القرآن في حدّ ذاته إن صادف عقلاً صافياً ونفساً مجردة عن المكابرة فتذكر به المؤمنون به من قبل، وتذكّر به من كان التذكّر به سبباً في إيمانه بعد كفره بسرعة أو ببطء، وأما الذين لم يتذكروا به فإن عدم تذكرهم لنقص في فطرتهم وتغشية العناد لألبابهم. وكذلك معنى قوله: {لعلَّهُم يتَّقُونَ}. وانتصب {قُرْءَاناً} على الحال من اسم الإِشارة المبيَّن بالقرآن، فالحال هنا موطئة لأنها توطئة للنعت في قوله تعالى: {قُرْءَاناً عَرَبِيَّاً} وإن كان بظاهر لفظ {قُرْءَاناً} حالاً مؤكدة ولكن العبرة بما بعده، ولذلك قال الزجاج: إن {عَرَبِيَّاً} منصوب على الحال، أي لأنه نعت للحال. والمقصود من هذه الحال التورك على المشركين حيث تلقوا القرآن تلقيَ من سمع كلاماً لم يفهمه كأنه بلغة غير لغته لا يُعيره بالاً كقوله تعالى: {أية : فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون}تفسير : [الدخان: 58]، مع التحدّي لهم بأنهم عجزوا عن معارضته وهو من لغتهم، وهو أيضاً ثناء على القرآن من حيث إنه كلام باستقامة ألفاظه لأن اللغة العربية أفصح لغات البشر. والعِوج بكسر العين أريد به: اختلال المعاني دون الأعيان، وأما العَوج بفتح العين فيشملها، وهذا مختار أيمة اللغة مثل ابن دريد والزمخشري والزجاج والفيروزبادي، وصحح المرزوقي في «شرح الفصيح» أنهما سواء، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ولم يجعل له عوجاً}تفسير : في سورة [الكهف: 1]، وقوله: {أية : لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً}تفسير : في سورة [طه: 107]. وهذا ثناء على القرآن بكمال معانيه بعد أن أثني عليه باستقامة ألفاظه. ووجه العدول عن وصفه بالاستقامة إلى وصفه بانتفاء العوج عنه التوسلُ إلى إيقاع {عِوَجٍ} وهو نكرة في سياق ما هو بمعنى النفي وهو كلمة {غَير} فيفيد انتفاء جنس العِوج على وجه عموم النفي، أي ليس فيه عوج قط، ولأن لفظ {عِوَجٍ} مختص باختلال المعاني، فيكون الكلام نصاً في استقامة معاني القرآن لأن الدلالة على استقامة ألفاظه ونظمه قد استفيدت من وصفه بكونه عربياً كما علمته آنفاً. وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} مثل قوله: {لعَلَّهُم يتذَكَّرُونَ}، وذُكر هنا {يَتَّقُونَ} لأنهم إذا تذكروا يسرت عليهم التقوى، ولأن التذكر أنسب بضرب الأمثال لأن في الأمثال عبرة بأحوال الممثل به فهي مفضية إلى التذكر، والاتقاء أنسبُ بانتفاء العوج لأنه إذا استقامت معانيه واتضحت كان العمل بما يدعو إليه أيسر وذلك هو التقوى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل: أي جعلنا للعرب في هذا القرآن من كل مثل من الأمم السابقة. لعلهم يتذكرون: أي يتعظون فينزجرون عما هم فيه من الشرك والتكذيب إلى الإِيمان والتوحيد. قرآناً عربيا غير ذي عوج: أي حال كون المثل المجعول قرآنا عربيا لا لبس فيه ولا اختلاف فلا عذر لهم في عدم فهمه وإدراك معناه وفهم مغزاه. متشاكسون: أي متنازعون لسوء أخلاقهم. ورجلا سلما: أي خالصا سالما لرجل لا شركة فيه لأحد. هل يستويان مثلا: الجواب لا الأول في تعب وحيرة والثاني في راحة وهدوء بال. الحمد لله: أي على ظهور الحق وبطلان الباطل. إنك ميت: أي مقضي عليك بالموت في وقته. وإنهم ميتون: أي كذلك محكوم عليهم به عند انقضاء آجالهم. عند ربكم تختصمون: أي تحتكمون إلى الله في ساحة فصل القضاء فيحكم الله بينكم. فيما كنتم فيه تختلفون: أي من الشرك والتوحيد والإِيمان والتكذيب. معنى الآيات: قوله تعالى {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يخبر تعالى بما من به على العرب لهدايتهم حيث جعل لهم في القرآن الكريم من أمثال الأمم السابقة في إيمانها وتكذيبها، وصلاحها وفسادها ونجاتها وخسرانها وكل ذلك بقرآن عربي لا عوج فيه أي لا لبس ولا خفاء ولا اختلاف، فعل ذلك لهم لعلهم يتذكرون أي يتعظون فيؤمنون ويوحدون فينجون من العذاب ويسعدون. وقوله تعالى {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ} إلى آخر الآية، هذا مثل من جملة الأمثال التي ضرب الله للناس لعلهم يتذكرون وهو مثل للمشرك الذي يعبد عدة آلهة. والموحد الذي لا يعبد إلا الله فالمشرك مثله رجل يملكه عدد من الرجال من ذوي الأخلاق الشرسة والطباع الجافة فهم يتنازعونه هذا يقول له تعالى والآخر يقول له اجلس والثالث يقول له قم فهو في حيرة من أمره لا راحة بدن ولا راحة ضمير ونفس. والموحد مثله رجل سلم أي خالص وسالم لرجل واحد آمره وناهيه واحد هل يستويان أي الرجلان والجواب لا إذ بينهما كما بين الحرية والعبودية وأعظم وقوله تعالى {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} أي الثناء بالجميل لله والشكر العظيم له سبحانه وتعالى على أنه رب واحد وإله واحد لا إله غيره ولا رب سواه. وقوله {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي بل أكثر المشركين لا يعلمون عدم تساوي الرجلين، وذلك لجهلهم وفساد عقولهم. وقوله تعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} نزلت لما استبطأ المشركون موت الرسول صلى الله عليه وسلم أي لا شماتة في الموت إنك ستموت يا رسولنا ويموتون. وقوله تعالى {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} أي مؤمنكم وكافركم قويكم وضعيفكم تقفون بين يدي الله ويحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون من أمور الدين والدنيا معا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية ضرب الأمثال للمبالغة في الإِفهام والهداية لمن يراد هدايته. 2- بيان مثل المشرك والموحد، فالمشرك في حيرة وتعب، والموحد في راحة وهدوء بال. 3- تقرير أن كل نفس ذائقة الموت. 4- بيان أن خصومة ستكون يوم القيامة ويقضي الله تعالى فيها بالحق لأنه هو الحق.

د. أسعد حومد

تفسير : { ٱلْقُرْآنِ} (27) - وَلَقَدْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُقَرِّبَ المَعَانِيَ مِنْ أَفْهَامِ النَّاسِ فَضَرَبَ لَهُمُ الأَمْثَالَ فِي القُرْآنِ، وَنَوَّعَ الأَمْثَالَ فِيهِ زِيَادَةً فِي تَقْرِيبِ المَعَانِي وَإِِيضَاحِهَا، لَعَلَّ النَّاسَ يَفْهَمُونَ وَيُدْرِكُونَ مَا أَرَادَهُ اللهُ تَعَالَى، وَلَعَلَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ بِمَا قَصَّهُ عَلَيْهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : حينما نتتبع لفظ (مَثَل) في القرآن الكريم نجده مرة بصيغة (مِثْل)، وهي تفيد تشبيه شيء بشيء مفرد كما تقول: زيد في شجاعته مثل الأسد، الرجل في كرمه مثل الغيث، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ..} تفسير : [البقرة: 23] وهي تفيد تشبيه صورة مُنتزعة أو مُكوَّنة من عدة أشياء بصورة أخرى مُكوَّنة من عدة أشياء يعني: تشبيه حالة بحالة. ومن المثل في القرآن مَثَلُ الحياة الدنيا في قوله تعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً} تفسير : [الكهف: 45]. فالحياة الدنيا ليست تشبه الماء وحده، إنما ماء نزل من السماء واختلط بتراب الأرض فأخرج النبات لكن سرعان ما يهيج ثم يصفر ثم يجف ويتفتت، حتى يصير هشيماً تذروه الرياح، كذلك حياة الإنسان في الدنيا، تزهو لك الحياة ثم تنتهي بالموت، هذه صورة تمثيلية مُكوَّنة من عدة أمور تشبه عدة أمور أخرى، وما دامت الدنيا على هذه الصورة فاحذروها، ولا تركنوا إليها ولا تغترُّوا بها. ومن الصور التمثيلية في القرآن أيضاً قوله تعالى في الذين حُمِّلوا التوراة، ثم لم يستفيدوا منها: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ..} تفسير : [الجمعة: 5]. فهؤلاء ليسوا كالحمار وحده، بل كالحمار الذي يحمل الكتب، ولكنه لا يفهمها، والحمار ليست مهمته أنْ يفهم إنما مهمته أنْ يحمل، أما هؤلاء فمهمتهم أنْ يحملوا وأنْ يفهموا ما حملوه، وبذلك تميّز الحمار عنهم. ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ ..} تفسير : [الفتح: 29]. تأمل هذا المثَل، تجد الحق سبحانه مثَّل محمداً وصحبه في التوراة بمثَل معنوي عبادي، لأن اليهود تغلب عليهم الماديات، وجاء بمثل مادي في الإنجيل لأن الإنجيل ليس فيه إلا روحانيات، فلما طغتْ المادية على اليهود ذكر لهم المثل المعنوي، ولما طغتْ الروحانيات على النصارى جاء لهم بمثَل مادي، فكان ولا بُدَّ أن يجيء الإسلام وسطاً يراوح بين الماديات والروحانيات. وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا ..} [الزمر: 27] الضرب قلنا: هو إيقاع شيء فوق شيء بقوة وشدة ليحدث فيه أثراً، ومن ذلك الضرب في الأرض أي: حرثها والاعتناء بها لتعطيك من خيرها، وضَرْب المثل يكون لأنه في ظاهره غريب، فنقول لك: لا تستغربه فهو مثل كذا وكذا فيتضح المقال ويزول الاستغراب، والمثَل يشبه المختلف فيه بالمتفق عليه. كما في المثل السابق {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ ..} تفسير : [الفتح: 29]. ومادة مثل في القرآن الكريم وردتْ إحدى وأربعين مرة بلفظ مثل، واثنتين وعشرين مرة بلفظ مثلاً، وثلاث مرات بلفظ مثلهم. ومن طريف الصور التمثيلية قَوْلُ الشاعر يصف رجلاً أحدب، ويُصوِّره لك كأنك تراه بالفعل: شعر : قَصُرَتْ أخادِعهُ وغَاصَ قَذَالهُ فَكأنَّهُ مُتربِّصٌ أنْ يُصْفَعَا وكَأنَّمَا صُفِعَتْ قَفَاهُ مَرَّةً فَأحسَّ ثانِيةً لَهَا فَتجمَّعَا تفسير : وقوله تعالى: {مِن كُلِّ مَثَلٍ ..} [الزمر: 27] يفيد العموم، يعني: لوَّنا لهم الأمثال لنُبين لهم قواعد الدين بما يشاهدونه من الماديات {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الزمر: 27] يعني: يتأملون هذه الأمثال، ويضعون كل مثَل مقابل مثاله، وليأخذوا من المشاهد دليلاً على ما غاب، ومن المتفق عليه دليلاً على المختلف فيه. وقوله سبحانه: {قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ..} [الزمر: 28] أي: أن هذه الأمثال جاءت قرآناً عربياً مبيناً واضحاً لا عوجَ فيه، وهو كتاب يُقرأ ويكتب وتتكرر تلاوته في العبادة، وهو محفوظ لا يناله تحريف أو تبديل والذي يحفظه قائله سبحانه، إذن: فهذه الأمثال باقية ببقاء القرآن خالدة بخلوده ستظل أمامكم تفيدون منها، كلما عرضتْ لكم قضايا الحياة وجدتم الحلّ لها. وقوله: {غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ..} [الزمر: 28] ليس مائلاً إلى جهة من الجهات، بل هو مستقيم، لأنه التشريع الحقّ من الله الذي لا يُحابي أحداً ولا يجامل أحداً حتى رسله، واقرأ قوله سبحانه لنبيه وخيْر رسله محمد {أية : إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} تفسير : [الإسراء: 75]. وفي سورة الكهف وصف القرآن بقوله: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً ..} تفسير : [الكهف: 1-2]. وقوله: {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: 28] أي: يتقون صفات الجلال من الله تعالى ومُتعلقاتها من التعذيب بأيِّ لون من ألوان العذاب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه ضرب في القرآن من جميع الأمثال، أمثال أهل الخير وأمثال أهل الشر، وأمثال التوحيد والشرك، وكل مثل يقرب حقائق الأشياء، والحكمة في ذلك { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } عندما نوضح لهم الحق فيعلمون ويعملون. { قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ } أي: جعلناه قرآنا عربيا، واضح الألفاظ، سهل المعاني، خصوصا على العرب. { غَيْرَ ذِي عِوَجٍ } أي: ليس فيه خلل ولا نقص بوجه من الوجوه، لا في ألفاظه ولا في معانيه، وهذا يستلزم كمال اعتداله واستقامته كما قال تعالى: {أية : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا }. تفسير : { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الله تعالى، حيث سهلنا عليهم طرق التقوى العلمية والعملية، بهذا القرآن العربي المستقيم، الذي ضرب اللّه فيه من كل مثل. ثم ضرب مثلا للشرك والتوحيد فقال: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا } أي: عبدا { فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ } فهم كثيرون، وليسوا متفقين على أمر من الأمور وحالة من الحالات حتى تمكن راحته، بل هم متشاكسون متنازعون فيه، كل له مطلب يريد تنفيذه ويريد الآخر غيره، فما تظن حال هذا الرجل مع هؤلاء الشركاء المتشاكسين؟ { وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ } أي: خالصا له، قد عرف مقصود سيده، وحصلت له الراحة التامة. { هَلْ يَسْتَوِيَانِ } أي: هذان الرجلان { مَثَلا } ؟ لا يستويان. كذلك المشرك، فيه شركاء متشاكسون، يدعو هذا، ثم يدعو هذا، فتراه لا يستقر له قرار، ولا يطمئن قلبه في موضع، والموحد مخلص لربه، قد خلصه اللّه من الشركة لغيره، فهو في أتم راحة وأكمل طمأنينة، فـ { هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ } على تبيين الحق من الباطل، وإرشاد الجهال. { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ }. { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } أي: كلكم لا بد أن يموت {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ }. تفسير : { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } فيما تنازعتم فيه، فيفصل بينكم بحكمه العادل، ويجازي كُلا ما عمله {أية : أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ }.