Verse. 4087 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

ضَرَبَ اللہُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيْہِ شُرَكَاۗءُ مُتَشٰكِسُوْنَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ۝۰ۭ ہَلْ يَسْتَوِيٰنِ مَثَلًا۝۰ۭ اَلْحَمْدُ لِلہِ۝۰ۭ بَلْ اَكْثَرُہُمْ لَا يَعْلَمُوْنَ۝۲۹
Daraba Allahu mathalan rajulan feehi shurakao mutashakisoona warajulan salaman lirajulin hal yastawiyani mathalan alhamdu lillahi bal aktharuhum la yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ضرب الله» للمشرك والموحِّد «مثلا رجلا» بدل من مثلا «فيه شركاء متشاكسون» متنازعون سيئة أخلاقهم «ورجلا سالما» خالصا «لرجل هل يستويان مثلا» تميز أي لا يستوي العبد بجماعه والعبد لواحد، فإن الأول إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد تحيَّر فيمن يخدمه منهم وهذا مثل للمشرك، والثاني مثل للموحّد «الحمد لله» وحده «بل أكثرهم» أي أهل مكة «لا يعلمون» ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون.

29

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح وعيد الكفار أردفه بذكر مثل ما يدل على فساد مذهبهم وقبح طريقتهم فقال: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: المتشاكسون المختلفون العسرون يقال شكس يشكس شكوساً وشكساً إذا عسر، وهو رجل شكس، أي عسر وتشاكس إذا تعاسر، قال الليث: التشاكس التنازع والاختلاف، ويقال الليل والنهار متشاكسان، أي أنهما متضادان إذا جاء أحدهما ذهب الآخر، وقوله فيه صلة شركاء كما تقول اشتركوا فيه. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو سالماً بالألف وكسر اللام يقال سلم فهو سالم والباقون سلماً بفتح السين واللام بغير الألف، ويقال أيضاً بفتح السين وكسرها مع سكون العين أما من قرأ سالماً فهو اسم الفاعل تقدير مسلم فهو سالم، وأما سائر القراءات فهي مصادر سلم والمعنى ذا سلامة، وقوله: {لِرَجُلٍ } أي ذا خلوص له من الشركة من قولهم: سلمت له الضيعة، وقرىء بالرفع على الابتداء أي وهناك رجل سالم لرجل. المسألة الثالثة: تقدير الكلام: اضرب لقومك مثلاً وقل لهم ما يقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف وتنازع، كل واحد منهم يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه في حوائجهم وهو متحير في أمره، فكلما أرضى أحدهم غضب الباقون، وإذا احتاج في مهم إليهم فكل واحد منهم يرده إلى الآخر، فهو يبقى متحيراً لا يعرف أيهم أولى بأن يطلب رضاه، وأيهم يعينه في حاجاته، فهو بهذا السبب في عذاب دائم وتعب مقيم، ورجل آخر له مخدوم واحد يخدمه على سبيل الإخلاص، وذلك المخدوم يعينه على مهماته، فأي هذين العبدين أحسن حالاً وأحمد شأناً، والمراد تمثيل حال من يثبت آلهة شتى، فإن أولئك الآلهة تكون متنازعة متغالبة، كما قال تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] وقال: {أية : وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } تفسير : [المؤمنون: 91] فيبقى ذلك المشرك متحيراً ضالاً، لا يدري أي هؤلاء الآلهة يعبد وعلى ربوبية أيهم يعتمد، وممن يطلب رزقه، وممن يلتمس رفقه، فهمه شفاع، وقلبه أوزاع. أما من لم يثبت إلا إلهاً واحداً فهو قائم بما كلفه عارف بما أرضاه وما أسخطه، فكان حال هذا أقرب إلى الصلاح من حال الأول، وهذا مثل ضرب في غاية الحسن في تقبيح الشرك وتحسين التوحيد، فإن قيل: هذا المثال لا ينطبق على عبادة الأصنام لأنها جمادات، فليس بينها منازعة ولا مشاكسة، قلنا إن عبدة الأصنام مختلفون منهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الكواكب السبعة، فهم في الحقيقة إنما يعبدون الكواكب السبعة، ثم إن القوم يثبتون بين هذه الكواكب منازعة ومشاكسة، ألا ترى أنهم يقولون زحل هو النحس الأعظم، والمشتري هو السعد الأعظم، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأرواح الفلكية، والقائلون بهذا القول زعموا أن كل نوع من أنواع حوادث هذا العالم يتعلق بروح من الأرواح السماوية، وحينئذٍ يحصل بين تلك الأرواح منازعة ومشاكسة، وحينئذٍ يكون المثل مطابقاً، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأشخاص من العلماء والزهاد الذين مضوا، فهم يعبدون هذه التماثيل لتصير أولئك الأشخاص من العلماء والزهاد شفعاء لهم عند الله، والقائلون بهذا القول تزعم كل طائفة منهم أن المحق هو ذلك الرجل الذي هو على دينه، وأن من سواه مبطل، وعلى هذا التقدير أيضاً ينطبق المثال، فثبت أن هذا المثال مطابق للمقصود. أما قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً } فالتقدير هل يستويان صفة، فقوله: {مَثَلاً } نصب على التمييز، والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالتاهما، وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس وقرىء مثلين، ثم قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } والمعنى أنه لما بطل القول بإثبات الشركاء والأنداد، وثبت أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الحق، ثبت أن الحمد له لا لغيره، ثم قال بعده: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أي لا يعلمون أن الحمد له لا لغيره، وأن المستحق للعبادة هو الله لا غيره، وقيل المراد أنه لما سبقت هذه الدلائل الظاهرة والبينات الباهرة، قال: الحمد لله على حصول هذه البيانات وظهور هذه البينات، وإن كان أكثر الخلق لم يعرفوها ولم يقفوا عليها، ولما تمم الله هذه البيانات قال: {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } والمراد أن هؤلاء الأقوام وإن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً سيموتون، ثم تحشرون يوم القيامة وتختصمون عند الله تعالى، والعادل الحق يحكم بينكم فيوصل إلى كل واحد ما هو حقه، وحينئذٍ يتميز المحق من المبطل، والصديق من الزنديق، فهذا هو المقصود من الآية، وقوله تعالى: {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } أي إنك وإياهم، وإن كنتم أحياء فإنك وإياهم في أعداد الموتى، لأن كل ما هو آت آت، ثم بين تعالى نوعاً آخر من قبائح أفعالهم، وهو أنهم يكذبون ويضمون إليه أنهم يكذبون القائل المحق. أما أنهم يكذبون، فهو أنهم أثبتوا لله ولداً وشركاء. وأما أنهم مصرون على تكذيب الصادقين، فلأنهم يكذبون محمداً صلى الله عليه وسلم بعد قيام الدلالة القاطعة على كونه صادقاً في ادعاء النبوة، ثم أردفه بالوعيد فقال: {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْكَـٰفِرِينَ } ومن الناس من تمسك بهذه الآية في تكفير المخالف من أهل القبلة، وذلك لأن المخالف في المسائل القطعية كلها يكون كاذباً في قوله، ويكون مكذباً للمذهب الذي هو الحق، فوجب دخوله تحت هذا الوعيد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ} قال الكسائي: نصب «رَجُلاً» لأنه ترجمة للمثل وتفسير له، وإن شئت نصبته بنزع الخافض، مجازه: ضرب الله مثلاً برجل «فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ» قال الفرّاء: أي مختلفون. وقال المبرّد: أي متعاسرون من شَكُس يَشكُس شُكْساً (بوزن قفل) فهو شَكِسٌ مثل عَسُر يَعْسُر عُسْراً فهو عسِر؛ يقال: رجل شَكِسٌ وشَرِسٌ وضَرِسٌ وضَبِسٌ. ويقال: رجل ضَبِسٌ وضَبِيسٌ أي شِرسٌ عسِر شَكِسٌ؛ قاله الجوهري. الزمخشري: والتشاكس والتشاخس الاختلاف. يقال: تشاكست أحواله وتشاخست أسنانه. ويقال: شاكسني فلان أي ماكسني وشاحَّني في حقي. قال الجوهري: رجل شَكْس بالتسكين أي صَعْب الخُلُق. قال الراجز:شعر : شَــكْـسٌ عَـبُـوسٌ عَـنْـبَـسٌ عَـذَوَّرُ تفسير : وقوم شُكْسٌ مثال رَجلٌ صَدْق وقوم صُدْق. وقد شَكِس بالكسر شَكَاسةً. وحكى الفراء: رجل شَكِسٌ. وهو القياس، وهذا مَثَل مَن عبد آلهة كثيرة. {وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ} أي خالصاً لسيد واحد، وهو مَثَل مَن يعبد الله وحده. {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} هذا الذي يخدم جماعة شركاء، أخلاقهم مختلفة، ونياتهم متباينة، لا يلقاه رجل إلا جرَّه واستخدمه؛ فهو يلقى منهم العناء والنصب والتعب العظيم، وهو مع ذلك كله لا يرضي واحداً منهم بخدمته لكثرة الحقوق في رقبته، والذي يخدم واحداً لا ينازعه فيه أحد، إذا أطاعه وحده عرف ذلك له، وإن أخطأ صفح عن خطئه، فأيهما أقل تعباً أو على هدى مستقيم. وقرأ أهل الكوفة وأهل المدينة «وَرَجُلاً سَلَماً» وقرأ ابن عباس ومجاهد والحسن وعاصم الجَحْدَري وأبو عمرو وابن كثير ويعقوب «وَرَجُلاً سَالِماً» واختاره أبو عبيد لصحة التفسير فيه. قال لأن السالم الخالص ضدّ المشترك، والسَّلَم ضدّ الحرب ولا موضع للحرب هنا. النحاس: وهذا الاحتجاج لا يلزم؛ لأن الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلا على أولاهما، فهذا وإن كان السلم ضدّ الحرب فله موضع آخر؛ كما يقال لك في هذا المنزل شركاء فصار سلماً لك. ويلزمه أيضاً في سالم ما ألزم غيره؛ لأنه يقال شيء سالم أي لا عاهة به. والقراءتان حسنتان قرأ بهما الأئمة. واختار أبو حاتم قراءة أهل المدينة «سَلَماً» قال وهذا الذي لا تنازع فيه. وقرأ سعيد بن جبير وعكرمة وأبو العالية ونصر «سِلْماً» بكسر السين وسكون اللام. وسِلْماً وسَلَماً مصدران، والتقدير: ورجلاً ذا سلم فحذف المضاف و«مَثَلاً» صفة على التمييز، والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالاهما. وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس. {ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} الحق فيتبعونه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ضَرَبَ ٱللَّهُ } للمشرك والموحِّد {مَثَلاً رَّجُلاً } بدل من مثلاً {فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَٰكِسُونَ } متنازعون سيئة أخلاقهم {وَرَجُلاً سَلَماً } خالصاً {لّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً } تمييز: أي لا يستوي العبد لجماعة والعبد لواحد، فإنّ الأوّل إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد تحيَّر فيمن يخدمه منهم وهذا مثل للمشرك، والثاني مثل للموحِّد {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } وحده {بَلْ أَكْثَرُهُمْ } أي أهل مكة {لا يَعْلَمُونَ } ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون.

ابن عطية

تفسير : لما ذكر عز وجل أنه ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل مجملاً جاء بعد ذلك بمثل في أهم الأمور وأعظمها خطراً وهو التوحيد، فمثل تعالى الكافر والعابد للأوثان والشياطين لرجال عدة في أخلاقهم شكاسة ونقص وعدم مسامحة، فهم لذلك يعذبون ذلك العبد بأنهم يتضايقون في أوقاتهم ويضايقون العبد في كثرة العمل، فهو أبداً ناصب، فكذلك عابد الأوثان الذي يعتقد أن ضره ونفعه عندها هو معذب الفكر بها وبحراسة حاله منها، ومتى أرضى صنماً منها بالذبح له في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر، فهو أبداً تعب في ضلال، وكذلك هو المصانع للناس الممتحن بخدمة الملوك، ومثل تعالى المؤمن بالله وحده بعبد لرجل واحد يكلفه شغله فهو يعمله على تؤدته وقد ساس مولاه، فالمولى يغفر زلته ويشكره على إعادة عمله. وقوله: {ضرب} مأخوذ من الضريب الذي هو الشبيه، ومنه قولهم: هذا ضرب هذا، أي شبهه. و: {مثلاً} مفعول بـ {ضرب}، و: {رجلاً} نصب على البدل. قال الكسائي: وإن شئت على إسقاط الخافض. أي مثلاً لرجل أو في رجل، وفي هذا نظر، و: {متشاكسون} معناه: لا سمح في أخلاقهم بل فيها لجاج ومتابعة ومحاذقة، ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : خلقت شكساً للأعادي مشكسا أكوي السريين وأحسم النسا من شاء من حر الجحيم استقبسا تفسير : وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: "سالماً"، على اسم الفاعل بمعنى سلم من الشركة فيه. قال أبو عمرو معناه: خالصاً، وهذه بالألف قراءة ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والجحدري والزهري والحسن بخلاف عنه. وقرأ الباقون: "سَلَماً"، بفتح السين واللام، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة وأبي رجاء وطلحة والحسن بخلاف. وقرأ سعيد بن جبير: "سِلْماً"، بكسر السين وسكون اللام، وهما مصدران وصف بهما الرجل بمعنى خالصة وأمر قد سلم له. ثم وقف الكفار بقوله: {هل يستويان مثلاً} ونصب {مثلاً} على التمييز، وهذا توقيف لا يجيب عنه أحد إلا بأنهما لا يستويان، فلذلك عاملتهم العبارة الوجيزة على أنهم قد جاوبوا، فقال: {الحمد لله} أي على ظهور الحجة عليكم من أقوالكم. ثم قال تعالى: {بل أكثرهم لا يعلمون} فأضرب عن مقدر محذوف يقتضيه المعنى، تقديره: الحمد لله على ظهور الحجة، وأن الأمر ليس كما يقولون {بل أكثرهم لا يعلمون}. و"أكثر" في هذه الآية على بابها، لأنا وجدنا الأقل علم أمر التوحيد وتكلم به ورفض الأصنام كورقة وزيد وقس. ثم ابتدأ القول معهم غرضاً آخر من الوعيد يوم القيامة والخصوم ومن التحذير من حال الكذبة على الله المكذبين بالصدق، فقدم تعالى لذلك توطئة مضمنها وعظ النفوس وتهيئتها لقبول الكلام وحذف التوعد، وهذا كما تريد أن تنهى إنساناً عن معاصيه أو تأمره بخير فتفتتح كلامك بأن تقول: كلنا يفنى ولا بد للجميع من الموت، أو كل من عليها فان، ونحو هذا مما توقن به نفس الذي تحاور، ثم بعد هذا تورد قولك، فأخبر تعالى أن الجميع "ميت". وهذه قراءة الجمهور، وقرأها "مائت" و "مايتون" بألف ابن الزبير وابن محيصن وابن أبي إسحاق واليماني وعيسى بن عمر وابن أبي عبلة. والضمير في {إنهم} لجميع العالم، دخل رجل على صلة بن أشيم فنعى إليه أخاه، وبين يدي صلة طعام فقال صلة للرجل: ادن فكل، فإن أخي قد نعي إليَّ منذ زمان، قال الله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} والضمير في {إنكم} قيل هو عام فيختصم يوم القيامة المؤمنون والكافرون فيما كان من ظلم الكافرين لهم في كل موطن ظلموا فيه، ومن هذا قول علي بن أبي طالب: أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي الرحمن، فيختصم علي وحمزة وعبيدة بن الحارث مع عتبة وشيبة والوليد، ويختصم أيضاً المؤمنون بعضهم مع بعض في ظلاماتهم، قاله أبو العالية وغيره. وقال الزبير بن العوام للنبي عليه السلام: أيكتب علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال نعم، حتى يؤدى إلى ذي كل حق حقه. وقد قال عبد الله بن عمر لما نزلت هذه الآية: كيف نختصم ونحن أخوان؟ فلما قتل عثمان وضرب بعضنا وجوه بعض بالسيوف، قلنا هذا الخصام الذي وعدنا ربنا. ويختصم أيضاً على ما روي: الروح مع الجسد، في أن يذنب كل واحد منهما صاحبه ويجعل المعصية في حيزه، فيحكم الله تعالى بشركتهما في ذلك. قال القاضي أبو محمد: ومعنى الآية عندي أن الله تعالى توعدهم بأنهم سيخاصمون يوم القيامة في معنى ردهم في معنى الشريعة وتكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم. ثم وقفهم توقيفاً معناه نفي الموقف عليه بقوله: {فمن أظلم ممن} أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله، والإشارة بهذا الكذب بقولهم: إن لله صاحبة وولداً وقولهم: إن كذا حرام، وإن كذا حلال افتراء على الله، وكذبوا أيضاً بالصدق، وذلك تكذيبهم أقوال محمد عليه السلام عن الله تعالى ما كان من ذلك معجزاً أو غير معجز. ثم توعدهم تعالى تواعداً فيه احتقارهم بقوله على وجه التوقيف: {أليس في جهنم مثوى للكفارين}، والمثوى موضع الإقامة.

ابن عبد السلام

تفسير : {مُتَشَاكِسُونَ} متنازعون، أو مختلفون، أو متعاسرون، أو متضايقون. رجل شكس أي ضيق الصدر، أو متظالمون؛ شكسني مالي أي ظلمني {سالماً} مُخلِصاً مثل لمن عبد آلهة ومن عبد إلهاً واحداً لأن العبد المشترك لا يقدر على توفية حقوق سادته من الخدمة والذي سيده واحد يقدر على القيام بخدمته.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَـٰكِسُونَ}، هَذا مَثَلٌ ضربَه اللَّهُ سبحانه في التوحيدِ، فَمَثَّلَ تَعَالَىٰ الكافرَ العابِدَ للأوثانِ والشياطينِ بِعَبْدٍ لرِجَالٍ عِدَّةٍ؛ في أَخْلاَقِهِم شَكَاسَةٌ وَعَدَمُ مُسَامَحَةٍ؛ فهم لذلك يُعَذِّبُونَ ذلك العَبْدَ بتضايقهم في أوقاتهم، ويضايِقُون العبدَ في كثْرَةِ العَمَلِ؛ فهو أبَداً في نَصَبٍ منهم وعناءٍ، فكذلك عَابِدُ الأوْثَانِ الذي يَعْتَقِدُ أَنَّ ضُرَّهُ ونَفْعَهُ عِنْدَهَا؛ هو معذَّبُ الفِكْرِ بِهَا وبحراسَةِ حَالِهِ مِنْهَا، ومَتَىٰ تَوَهَّمَ أنه أرْضَىٰ صَنَماً بالذبحِ له في زعمِه، تَفَكّر فيما يصنعُ معَ الآخرِ؛ فهو أبداً تَعِبٌ في ضلالٍ، وكذلك هو المُصَانِعُ للنَّاس المُمْتَحَنُ بخدمةِ الملوكِ، ومَثَّلَ تَعالى المُؤْمِنَ باللَّهِ وحدَهُ؛ بعَبْدٍ لرجُلٍ واحدٍ يُكَلِّفُه شُغْلَهُ؛ فهو يعمله عَلَىٰ تُؤدَةٍ وقَدْ سَاسَ مَوْلاَهُ، فالمولى يَغْفِر زَلَّتهُ ويشكُرُه على إجادةِ عَمَلهِ، و{مَثَلاً} مفعولُ بـ{ضَرِبَ} و{رَجُلاً} نَصْبٌ على البَدَلِ و{مُتَشَـٰكِسُونَ} معناه: لا سَمْحَ في أخلاقِهم؛ بل فيها لَجَاجٌ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «سالماً» أي: سالماً من الشّرْكَة، ثم وَقَفَ تعالى الكفارَ بقوله: {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} ونَصْبُ {مَثَلاً} على التمييز؛ وهذا التوقيفُ لا يجيبُ عَنْهُ أحدٌ إلاَّ بأنهما لا يستويان؛ فلذلك عَامَلَتْهُمُ العِبَارَةُ الوجيزةُ عَلَىٰ أنهم قد أجابوا، فقال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} أي: على ظهور الحجَّةِ عليكم من أقوالِكم، وباقي الآية بيِّن. والاخْتِصَامُ في الآية قيلَ: عَامٌّ في المؤمنِين والكَافِرين، قال * ع *: ومعنى الآيةِ عندي: أن اللَّه تعالى تَوَعَّدَهُم بأنهم سيَتَخاصَمُونَ يَوْمَ القيامةِ في معنَىٰ ردِّهم في وجهِ الشريعةِ وتكذيبِهمْ لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وَرَوَى الترمذيُّ من حديث عبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ قال: «حديث : لما نَزَلَتْ: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قال الزُّبَيْرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ: أَتُكَرَّرُ عَلَيْنَا الخُصُومَةُ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا في الدُّنْيَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: إنَّ الأَمْرَ إِذَنْ لَشَدِيدٌ»تفسير : انتهى.

البقاعي

تفسير : ولما أقام سبحانه الدليل المنير على التفاوت العظيم، بين من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يدعو الله مخلصاً له الدين وبين من يدعو لله أنداداً، وختم بضرب الأمثال، وكان الأمثال أبين فيما يراد من الأحوال، قال منبهاً على عظمتها بلفت القول عن مظهر العظمة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال: {ضرب الله} أي الملك الأعظم المتفرد بصفات الكمال {مثلاً} لهذين الرجلين مع أنه لا يشك ذو عقل أن المشرك لا يداني المخلص فضلاً عن أن يقول: إن المشرك أعظم كما يقوله المشركون. ولما كان الذكر أقوى من الأنثى، وأعرف بمواقع النفع والضر، وكان كونه بالغاً أعظم لقوته وأشد لشكيمته، فيكون أنفى للعار عن نفسه وأدفع للظلم عن جانبه وأذب عن حماه، قال مبيناً للمثل مشيراً إلى تبكيت الكفار ورضاهم لأنفسهم بما لا يرضاه لنفسه أدنى الأرقاء {رجلاً فيه} أي خاصة. ولما كانت معبوداتهم - لكونها من جملة المخلوقات - كثيرة الأشباه والنظائر، عبر عنها بجمع الكثرة فقال: {شركاء} في الظاهر من الأصنام وفي الباطن من الحظوظ والشهوات، ووصف الشركاء بقوله: {متشاكسون} أي مختلفون عسرون يتجاذبون مع سوء الأخلاق وضيقها وقباحة الشركة، فليس أحد منهم يرضى بالإنصاف، فهو لا يقدر أن يرضيهم أصلاً {ورجلاً سلماً} أي من نزاع {لرجل} فليس فيه لغيره شركة ولا علاقة أصلاً، فهو أجدر بأن يقدر على رضاه مع راحته من تجاذب الشركاء - هذا على قراءة المكي والبصري، وعلى قراءة الباقين بحذف الألف وفتح اللام وهو وصف بالمصدر على المبالغة. ولما انكشف الحال فيها جداً قال: {هل يستويان} أي الرجلان يكون أحدهما مساوياً للآخر بوجه من الوجوه ولو بغاية الجهد والعناية. ولما كان الاستواء مبهماً قال: {مثلاً} أي من جهة المثل، أي هل يستوي مثلهما أي يجمعهما مثل واحد حتى أن يكونا هما متساويين فهو تمييز محول في الأصل عن الفاعل، والجواب في هذا الاستفهام الإنكاري قطعاً: لا سواء، بل مثل الرجل السالم في غاية الحسن فكذا ممثوله وهو القانت المخلص، ومثل الرجل الذي وقع فيه التشاكس في غاية القبح فكذا ممثوله وهو الداعي للأنداد. ولما علم بهذا المثل المضروب للرجلين سفول المشترك وهو الداعي للأنداد، وعلو السالم وهو القانت، ظهر بذلك بلا ريب حقارة المتشاركين وجلالة المتفرد وهو الله، فأنتج قطعاً قوله: {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} الذي لا مكافئ له، يعلم ذلك كل أحد لما له من الظهور لما عليه من الدلائل، فلا يصح أن يكون له شريك {بل أكثرهم} أي الناس {لا يعلمون *} لأنهم يعملون لما لا يليق بهذا العلم فيشركون به إما جلياً وإما خفياً، ويجوز أن يقال: له الكمال كله، فليس الملتفتون إلى غيره أدنى التفات علماء، بل لا علم لهم أصلاً، وهم المشركون شركاً جلياً، وأما أصحاب الشرك الخفي فهم، وإن كان لهم علم - فليس بكامل. ولما كان السالم مثلاً له صلى الله عليه وسلم ولأتباعه، والآخر للمخالفين، وكان سبحانه قد أثبت جهلهم، وكان الجاهل ذا حمية وإباء لما يدعى إليه من الحق وعصبيته: شعر : والجاهلون لأهل العلم اعداء تفسير : فكان لذلك التفكير في أمرهم وما يؤدي إليه من التقاعد من الأتباع والتصويب بالأذى ولا سيما وهم أكثر من أهل العلم مؤدياً إلى الأسف وشديد القلق فكان موضع أن يقال: فما يعمل؟ وكان لا ينبغي في الحقيقة أن يقلق إلا من ظن دوام النكد، قال تعالى مسلياً ومعزياً وموسياً في سياق التأكيد، تنبيهاً على أن من قلق كان حاله مقتضياً لإنكار انقطاع التأكيد: {إنك} فخصه صلى الله عليه وسلم لأن الخطاب إذا كان للرأس كان أصدع لأتباعه، فكل موضع كان للأتباع وخص فيه صلى الله عليه وسلم بالخطاب دونهم فهم المخاطبون في الحقيقة على وجه أبلغ. ولما لم يكن لممكن من نفسه إلا العدم قال: {ميت} أي الآن لأن هذه صفة لازمة بخلاف "مايت" يعني: فكن كالميت بين يدي الغاسل فإنك مستريح قريباً عما تقاسي من أنكادهم، وراجع إلى ربك ليجازيك على طاعتك له {وإنهم} أي العباد كلهم أتباعك وغيرهم {ميتون} فمنقطع ما هم فيه من اللدد والعيش والرغد. ولما كان الشفاء الكامل إنما يكون بأخذ الثار، وإذلال الظالم، قال مشيراً بأداة التراخي إلى مدة البرزخ مؤكداً لأجل إنكارهم البعث فضلاً عن القصاص صادعاً لهم بالخطاب بعد الغيبة: {ثم إنكم} أي أيها العباد كلكم، فإن كل أحد مسؤول عن نفسه وعن غيره هل راعى حق الله فيه، أو أنت وهم من باب تغليب المخاطب وإن كان واحداً لعظمته على الغائبين، وزاد في إثبات المعنى بقوله: {يوم القيامة} فساقه مساق ما خلاف فيه، وبين أن ذلك الحال مخالف لهذا الحال لانقطاع الأسباب بقوله، صارفاً القول إلى وصف التربية الذي يحق له الفضل على الطائع والعدل في العاصي {عند ربكم} أي المربي لكم بالخلق والرزق, فلا يجوز في الحكمة أن يدعكم يبغي بعضكم على بعض كما هو مشاهد من غير حساب كما أن أقلكم عقلاً لا يرضى بذلك في عبيده الذين ملكه الله إياهم ملكاً ضعيفاً، أو ولاه عليهم ولاية مزلزلة، فكيف بمن فوقه فكيف بالحكماء {تختصمون *} أي تبالغون في الخصومة ليأخذ بيد المظلوم وينتقم له من الظالم، ويجازي كلاًّ بما عمل، أما في الشر فسوءاً بسوء، لا يظلم مثقال ذرة ولا ما دونه، وأما في الخير فالحسنة بعشرة أمثالها - إلى ما فوق ذلك مما لا يعلمه غيره، فلا ينبغي أبداً لمظلوم أن يتوهم دوام نكده وعدم الأخذ بيده فيقتصر في العمل ويجنح إلى شيء من الخوف والوجل، بل عليه أن يفرح بما يجزل ثوابه، ويسر بما ييسر حسابه، ويشتغل بما يخلص به نفسه في يوم التلاق الذي الناس فيه فريقان، ولا يشتغل بما لا يكون من تصفية دار الكدر عن الأكدار، وقرارة الدنس عن الأقذاء والأقذار، فإن الدوام فيها محال على حال من الأحوال، قال القشيري: نعاه صلى الله عليه وسلم ونعى المسلمين إليهم ففرغوا بأنفسهم عن مأتمهم، ولا تعزية في العادة بعد ثلاث، ومن لم يتفرغ عن مأتم نفسه وأنواع غمومه وهمومه، فليس له من هذا الحديث شمة، وإذا فرغ قلب عن حديث نفسه وعن الكون بجملته، فحينئذ يجد الخير من ربه وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم عنهم، وأنشد بعضهم يعني في لسان الحال بما قدمنا: شعر : كتبت إليكم بعد موتي بليلة ولم أدر أني بعد موتي أكتب تفسير : انتهى. ومن المعلوم أنهم إذا أماتوا نفوسهم حييت أرواحهم, فانفسحت صدورهم, وانتعشت قوى قلوبهم فاتسعت علومهم, واستنارت فهومهم, وتجلت لهم حقائق الأمور, فحدثوا عن مشاهدة (الناس نيام) فإذا ماتوا انتبهوا. ولما أخبر سبحانه بأنهم جعلوا لله أنداداً، وأعلم بأنهم كذبة في ذلك كافرون ساترون للحق، وأنه لا يهدي من هو كاذب كفار، وأخبر أنه لا بد من خصام الداعي لهم بين يديه سبحانه، لآنه لا يجوز في الحكمة تركهم هملاً كما هو مقرر في العقول وموجود في الفطر الأولى، ومعلوم بالمشاهدة من أحوالهم فينعم على المظلوم، وينتقم من الظالم، وكان الكاذب في أقل الأشياء ظالماً، وأظلم منه الكاذب على الأكابر، وأظلم الظالمين الكاذب على الله، قال تعالى مسبباً عما مضى: {فمن أظلم} أي منهم - هكذ كان الأصل ولكنه قال: {ممن كذب} تعميماً وتعليقاً بالوصف، فكفر بستر الصدق الثابت وإظهار ما لا حقيقة له. ولما كان الكذب عظيم القباحة في نفسه فكيف إذا كان كما مضى على الأكابر فكيف إذا كانوا ملوكاً، فكيف إذا كان على ملك الملوك، لفت القول إلى مظهر الاسم الأعظم تنبيهاً على ذلك فقال: {على الله} أي الذي الكبرياء رداؤه والعظمة إزاره، فمن نازعه واحدة منهما قصمه، فزعم فب كذبه أن له سبحانه أنداداً، وشركاء وأولاداً. ولما كان وقوع الحساب يوم القيامة حقاً لكونه واقعاً لا محالة وقوعاً يطابق الخبر عنه، لما علم من أنه لا يليق في الحكمة غيره, لما علم من أن أقل الخلق لا يرضى أن يترك عبيده سدى، فكيف بالخالق؟ فكان الخبر به صدقاً لوقوع العلم القطعي بأنه يطابق ذلك الواقع قال: {وكذب} أي أوقع التكذيب لكل من أخبره {بالصدق} أي الإخبار بأن الله واحد, وأنه يبعث الخلائق للجزاء المطابق كل منهما للواقع لما دل على ذلك من الدلائل المشاهدة {إذ جاءه} أي من غير توقف ولا نظر في دليل، كما هو دأب المعاندين، أولئك هم الكافرون لهم ما يضرهم من عذاب جهنم، ذلك جزاء المسيئين. ولما كان قد تقرر كالشمس أنه لا يسوغ في عقل العاقل ترك الخلق سدى، فكان يوم الدين معلوماً قطعاً، وكان معنى هذا الاستفهام الإنكاري نفي مدخوله فترجمته: ليس أحد أكذب منهم، وكان عرف اللغة في تسليط هذا النفي على صيغة أفعل إثبات مدلول أفعل ليكون المعنى أنهم أكذب الخلق، فكان التقدير: أليس هذا الكاذب المكذب عاقلاً يخشى أن يحاسبه الله الذي خلقه؟ أليس الله المتصف بجميع صفات الكمال يحاسب عباده كما يحاسب كل من الخلائق من تحت يده؟ أليس يحبس الظالم منهم في دار انتقامه كما يفعل أدنى الحكام؟ أليس دار انتقامه جهنم التي تلقى داخلها بعبوسة وتجهم؟ نسق به قوله: {أليس في جهنم} أي النار التي تلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى الحق وأهله {مثوى} أي منزل مهيأ للإقامة فيه على وجه اللزوم لهم هكذا كان الأصل، ولكنه قال تعميماً وتعليلاً بالوصف مبيناً أن الكذب كفر أي ستر للصدق وغظهار لما لا حقيقة له، والتكذيب بالصدق كذلك {للكافرين *} أي الذين ستروا كذبهم فألبسوه ملابس الصدق وستروا الصدق الذي كذبوا به، ذلك جزاء المسيئين لأنهم ليسوا بمتقين، فأقام سبحانه هذه المقدمة دليلاً على تلك المقدمات كلها. ولما ذكر سبحانه الظالمين بالكذب ذكر أضدادهم الذين يخاصمونهم عند ربهم وهم المحسنون بالصدق فقال: {والذي} أي الفريق الذي {جاء بالصدق} أي الخبر المطابق للواقع، فصدق على الله، وتعريفه يدل على كماله، فيشير إلى أن الإتيان به ديدنه لا يتعمد كذباً {وصدق به} أي بكل صدق سمعه وقام عليه الدليل، وليس هو بجموده عدو ما لم يعلم، فهو يكذب بكل ما لم يسمع، فمن أعدل منه لكونه صدق على الله وصدق بالصدق إذ جاءه واستمر عليه، ولعله أفرد الضمير إشارة إلى قلة الموصوف بهذا الوصف من الصدق، وهذا الفريق هو الرسل وأتباعهم، ولذلك حصر التقوى فيهم، فقال مشيراً بالجمع إلى عظمتهم وإن كانوا قليلاً: {أولئك} أي العالو الترتبة {هم} أي خاصة {المتقون *} الذين جانبوا الظلم، فليس لجهنم عليهم سبيل، ولا لهم فيها منزل ولا مقيل، بل الجنة منزلهم، أليس في الجنة منزل للمتقين؟ فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً المثوى في جهنم دليلاً على حذف ضده ثانياً، والاتقاء ثانياً دليلاً على حذف ضده أولاً، وسره أنه ذكر أنكأ ما للمجرم من الكفر وسوء الجزاء. وأسرّ ما للمسلم من قصر التقوى عليه، وذكر أحب جزائه إليه، والإشارة إلى عراقته في الإحسان, وفي الآيات احتباك آخر وهو أنه ذكر الكذب والتكذيب أولاً دليلاً على الصدق والتصديق ثانياً، والاتقاء وجزاءه وما يتبعه ثانياً دليلاً على ضده أولاً، وسره أنه ذكر في شق المسيء أنكأ ما يكون من الكذب والتكذيب في أقبح مواضعه، ولا سيما عند العرب، وأسر ما يكون في شق المحسن من استقامة الطبع وحسن الجزاء.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون‏} ‏ قال‏:‏ الرجل يعبد آلهة شتى‏.‏ فهذا مثل ضربه الله تعالى لأهل الأوثان ‏{‏ورجلاً سلما‏ً} ‏يعبد إلهاً واحداً ضرب لنفسه مثلا‏ً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون‏} ‏ قال‏:‏ هو المشرك تنازعه الشياطين لا يعرفه بعضهم لبعض ‏{‏ورجلاً سلماً لرجل‏} ‏ قال‏:‏ هذا المؤمن أخلص لله الدعوة والعبادة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل‏} ‏ قال‏:‏ آلهة الباطل وإله الحق‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ‏ {‏شركاء متشاكسون‏} ‏ يعني الصنم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ورجلاً سلما‏ً}‏ قال‏:‏ ليس لأحد فيه شيء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأها‏ ‏"ورجلاً سلماً لرجل"‏ بغير ألف منصوبة اللام‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مبشر بن عبيد القرشي رضي الله عنه قال‏:‏ قراءة عبدالله بن عمر رضي الله عنه ‏{‏ورجلاً سلماً لرجل‏} ‏ قال‏:‏ خالصا‏ً لرجل.‏ فإنما يعني مستسلماً لرجل‏.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الآية: 29]. قال ابن عطاء: لا يعلمون ما لهم فى حمد الله من الذخر والفخر. قال جعفر: لا يعلمون أن أحدًا من عباده لم يبلغ الواجب فى حمده وما يستحق من الحمد على عباده بنعمه وأن أحدًا لم يحمده حق حمده إلاَّ حمده لنفسه.

القشيري

تفسير : مَثَّلَ الكافرَ ومعبوديه بعبدٍ اشترك فيه متنازعون. {فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ}: فالصنم يدعي فيه قومٌ وقوم آخرون؛ فهذا يقول: أنا صَنَعْتُه، وذلك يقول: أنا استعملْتُه، وثالث يقول: أنا عَبَدْتُه. أمّا المؤمن فهو خالِصٌ لله عزَّ وجل، يشبه "عبداً سَلَماً لرجل" أي ذا سلامة من التنازع والاختلاف. ويقال: {رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ} تتجاذبه أشغال الدُّنيا، شُغْلُ الوَلدِ وشغل العيال، وغيرُ ذلك من الأشغالِ المختلفةِ والخواطرِ المُشَتِّتَةِ. أمَّا المؤمِن فها خالصٌ لله ليس لأحدٍ فيه نصيب؛ ولا للدنيا معه سبب إذ ليس منها شيء، ولا للرضوان معه شُغْل، إذْ ليس له طاعات يُدِلُّ بها، وعَلَى الجملة فهو خالص لله، قال تعالى لموسى: {أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}تفسير : [طه: 41] أي أبقيتُكَ لي حتى لا تصلح لغيره. {ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}: الثناءُ له، وهو مُسْتَحِقٌّ لصفات الجلال.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} شبه الله المتشتتين همومهم المائلين الى غير الله بالرجل الذى يملكه الشركاء المتشاكسون المتخالفون وشبه المتفردين بنعت الاخلاص بالله ولله وفى الله بالرجل السالم لرجل الخالص له لا يملكه غيره بل عبد من له لا يدخل فى صحة عبوديته خلل لاجل مدخل غيره فالاوّل المحتجب بنفسه عن الحق والثانى الشاهد بالحق على الحق لا يحويه غبار العلل ولا يدخل فى قلبه قتام الخلل اذ هو محفوظ برعايته القديمة وحراسته الابدية مثل هذا العبء لا يعرفه الا عبد مثله ولذلك حمد الله نفسه حيث يجهله اكثر الخلق بقوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وحقيقة الحمد ههنا ظهور تقديس نفسه منه بان لا يعرف حقيقة جلاله احد غيره وهو منزه عن ان يكون ممدوحا لالسنة الحدثان بل حمد لنفسه لعلمه يعجز الحامدين عن حمده قال ابن عطا مالهم فى حمد الله من الذخر والفخر قال جعفر لا يعلمون ان احدا من عباده لم يبلغ الواجب فى حمده وما يستحق من الحمد على عباده بنعمته وان احدا لم يحمده حق حمده الا حمده لنفسه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون} المراد بضرب المثل هنا تطبيق حالة عجيبة باخرى مثلها كما مر فى اوائل سورة يس ومثلا مفعول ثان لضرب ورجلا مفعوله الاول اخر عن الثانى للتشويق اليه وليتصل به ما هو من تتمته التى هى العمدة فى التمثيل وفيه خبر مقدم لقوله شركاء والجملة فى حيز النصب على الوصفية لرجلا [والتشاكس: بايكديكر بدخويى كردن]. قال فى المفردات الشكس السيىء الخلق ومتشاكسون متشاجرون بشكاسة خلقهم. وفى القاموس وكندس الصعب الخلق وككتف البخيل ومتشاكسون مختلفون عسرون وتشاكسوا تخالفوا. والمعنى جعل الله تعالى للمشرك مثلا حسبما يقود اليه مذهبه من ادعاء كل من معبوديه عبوديته عبدا يتشارك فيه جماعة يتجاذبونه ويتعاورونه فى مهماتهم المتباينة فى تحسره وتوزع قلبه {ورجلا} اى وجعل للموحد مثلا {سلما} خالصا {لرجل} فرد ليس لغيره عليه سبيل اصلا فالتنكير فى كل منهما للافراد اى فردا من الاشخاص لفرد من الاشخاص. والسلم بفتحتين وكقتل وفسق مصدر من سلم له كذا اى خلص نعت به مبالغة كقولك رجل عدل او حذف منه ذو بمعنى ذا سلامة لرجل اى ذا خلوص له من الشرك. والرجل ذكر من بنى آدم جاوز حد الصغر وتخصيص الرجل لانه انطق لما يجرى عليه من الضر والنفع لان المرأة والصبى قد يغفلان عن ذلك {هل} استفهام انكار {يستويان} [آيا مساوى باشد اين دو بنده] {مثلا} من جهة الصفة والحال نصب على التمييز والوحدة حيث لم يقل مثلين لبيان الجنس وارادته فيعم اى هل يستوى حالهما وصفاتهما يعنى لا يستويان. والحاصل ان الكافر كالعبد الاول فى كونه حيران متفرق البال لانه يعبد آلهة مختلفة اى اصناما لا يجيىء منها خير بل تكون سببا لوقوعه فى اسفل سافلين كما ان العبد يخدم ملاكا متعاسرين مختلفى الاهوية لا يصل اليه منهم منفعة اصلا والمؤمن كالعبد الثانى فى انضباط احواله واجتماع باله حيث يعبد ربا واحدا يوصله الى اعلى عليين كما ان العبد يخدم سيدا واحدا يرضى عنه ويصل اليه بالعطاء الجزيل شعر : يك يار بسنده كن جويك دل دارى تفسير : {الحمد لله} حيث خصمهم كما قال مقاتل اى قطعهم بالخصومة وغلبهم واظهر الحجة عليهم ببيان عدم الاستواء بطريق ضرب المثل {بل اكثرهم لا يعلمون} اضراب وانتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور الى بيان ان اكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره فيبقون فى ورطة الشرك والضلال من فرط جهلهم. وفى الآية اشارة الى بيان عدم الاستواء بين الذى يتجاذبه شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الاشياء المختلفة والخواطر المتفرقة وبين الذى هو خالص لله ليس للخلق فيه نصيب ولا للدنيا نسيب وهو من الآخرة غريب والى الله قريب منيب. والحاصل ان الراغب فى الدنيا شغلته امور مختلفة فلا يتفرغ لعبادة ربه واذا كان فى العبادة يكون قلبه مشغولا بالدنيا. والزاهد قد تفرغ من جميع اشغال الدنيا فهو يعبد ربه خوفا وطمعا. والعارف قد تفرغ من الكونين فهو يعبد ربه شوقا الى لقائه فلا استواء بين البطالين والطالبين وبين المنقطعين والواصلين الحمد لله يعنى الثناء له وهو مستحق لصفات الجلال بل اكثرهم لا يعلمون كمال جماله ولا يطلعون على حسن استعدادهم بمرآتية صفات جماله وجلاله والا لعطلوا الامور الدنيوية باسرها وخربت الدنيا التى هى مزرعة الآخرة: وفى المثنوى شعر : استن اين عالم اىجان غفلتست هو شيارى اين جهانرا آفتست هوشيارى زان جهانست وجوان غالب آيد بست كردد اين جهان هوشيارى آفتاب وحرص يخ هوشيارى آب واين عالم وسخ زان جهان اندك ترشح مىرسد تانلغزد درجهان حرص وحسد كر ترشح بيشتر كردد زغيب نىهنر ماند درين عالم نه عيب تفسير : فعلى العاقل الرجوع الى الله والعمل بما فى القرآن والاعتبار بامثاله حتى يكون من الذين يعلمون حقيقة الحال: وفى المثنوى شعر : هست قرآن حالهاى انبيا ماهيان بحر باك كبريا ور بخوانى ونه قرآن بذير انبيا واوليارا ديده كير وربذيرايى جو بر خوانى قصص مرغ جانت تنك آيد درقفص مرغ كواندر قفص زندانيست مى نجويد رستن ازنادانيست روحهايى كز قفصها رسته اند انبياى رهبر شايسته اند تفسير : كان الحسن والحسين رضى الله عنهما يلعبان بين يدى النبى فاعجب بهما فاتاه جبرائيل عليه السلام بقارورة وكاغدة وفى القارورة الدم وفى الكاغدة السم فقال أتحبهما يا محمد فاعلم ان احدهما يقتل بالسيف فهذا دمه والآخر يسقى السم وهذا سمه فقطع القلب عن الاولاد وعلق قلبه بالله تعالى من قال الله ولم يفر من غير الله الى الله لم يقل الله دع روحك وقلبك ثم قل الله كما قال الله تعالى لحبيبه عليه السلام {أية : قل الله ثم ذرهم} تفسير : اى ذرهم ثم قل الله نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من المنقطعين اليه والحاضرين لديه انه هو المسئول

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {مثلاً}: مفعول ثان لضرب، و {رجلاً}: مفعول أول، وأُخِّرَ للتشويق إليه ليصل بما وصف به، وقيل: بدل من "مثلاً"، و {فيه}: خبر، و "شركاء": مبتدأ، والجملة: صفة لرجل، و "مثلاً": تمييز. يقول الحق جلّ جلاله: {ضَرَبَ اللهُ مثلاً} للمشرك والموحد، {رجلاً فيه شركاءُ مُتَشَاكِسُون}: مختلفون متخاصمون عسيرون، وهو المشرك، {ورجلاً سلماً} أي: خالصاً {لرجل} فرد، ليس لغيره عليه سبيل. والمعنى: جعل الله مثلاً للمشرك حسبما يقوده إليه مذهبه، من ادعاء كل من معبوديه عبوديتَه، عبداً يتشارك فيه جماعة، يتجاذبونه في مهماته المتباينة في تحيُّره وتعبه، ومثلاً آخر للموحّد، وهو عبد خالص لرجل واحد؛ فإنه يكون عند سيده أحظى، وبه أرفق. {هل يستويان مثلاً}: إنكار واستبعاد لاستوائهما، وإيذان بأن ذلك من الجلاء والظهور، بحيث لا يقدر أحد أن يتفوّه باستوائهما؛ ضرورة أن أحدهما في أعلى عليين، والآخر في أسفل سافلين. وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون {سَلَماً} بفتحتين، وهو مصدر، من: سلم له كذا: إذا خلُص، نُعت به للمبالغة، فالقراءتان متفقتان معنى. والمراد من المثَل: تصوير استراحة الموحد وانجماعِه على معبوده، وتعب المشرك وتشتيت باله، وخصوصاً مع فرض التعاكس من الشركاء، فيصير متحيراً، وفي عنت كبير من الجمع بين أغراضهم، بل ربما يتعذر ذلك ويستحيل؛ للتضاد في الأغراض والتناقض، مع فرض التخالف والتنازع بينهم، واعتبر ذلك بحال الوالدين، إذا اختلفا على الولد، فإنه يعسر إرضاؤهُما إلا بمشقة واحتيال، وكذلك عابد الأوثان؛ فإنه معذَّب الفكر بها، وبحراسة حاله منها، ومتى توهم أنه أرضى واحداً في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر، فهو أبداً في تعب وضلال، وكذلك هو المصانع للناس، الممتحن بخدمة الملوك. قاله ابن عطية. والحاصل: أن إرضاء الواحد أسهل وأيسر من إرضاء الجماعة. {الحمد لله} على عدم استوائهما. قال الطيبي: ثم إذا لزمتهم الحجة قل: الحمد لله، شكراً على ما أولاك من النصرة، وقهر الأعداء بالحجج الساطعة. وفيه تنبيه للموحدين على أن ما لهم من المزية، وعلو الرتبة، بتوفيق الله تعالى، وأنه مِنَّة جليلة، موجبة عليهم أن يداوموا على حمده وعبادته، أو: حيث ضرب لهم المثل الأعلى، وللمشركين المثال السوء، فهذا صنع جميل، ولُطف تام، مستوجب لحمده وشكره؛ {بل أكثرُهُم} أي: المشركون {لا يعلمون} ذلك، مع كمال ظهوره، فيقعون في ورطة الشرك والضلال، وهو انتقال من بيان الاستواء على الوجه المذكور، إلى بيان عدم علمهم ذلك، مع غاية ظهوره. ثم ذكر المحل الذي يظهر فيه عدم استوائهما عياناً، وهو ما بعد الموت، فقال: {إِنك مَيِّت وإِنهم ميتون}، فتجتمعون عندنا، فنحكم بينكم. وقيل: كانوا يتربّصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته، أي: إنكم جميعاً بصدد الموت، {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تَخْتصمون}. فتحتجّ عليهم بأنك بلّغت الرسالة، واجتهدت في الدعوة، فتلزمهم الحجة؛ لأنهم قد لجُّوا في العناد، فإذا اعتذروا بتقليد آبائهم لم يُقبل عذرهم. وقيل: المراد: الاختصام فيما دار بينهم في الدنيا. والأول أنسب. الإشارة: لا يستوي القلب المشترك مع القلب المفرد الخالص لله، القلب المشترك تفرّقت همومه، وتشتت أنواره، بتشتيت شواغِله وعلائقه، وتفرّقت محبته، بتفرُّق أهوائه وحظوظه، والقلب المفرد اجتمعت محبته، وتوفرت أنواره وأسراره بقدر تفرُّغه من شواغله وعلائقه. وفي الحِكَم: "كما لا يحب العمل المشترك، لا يحب القلب المشترك، العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يُقبل عليه". وقال أيضاً: "فرِّغ قلبك من الأغيار تملؤه بالمعارف والأسرار". وقيل: للجنيد: كيف السبيل إلى الوصول؟ فقال: بتوبة تزيل الإصرار، وخوف يقطع التسويف، ورجاء يبعث على مسالك العمل، وبإهانة النفس، بقربها من الأجل، وبُعدها من الأمل. قيل له: وبمَ يتوصل إلى هذا؟ فقال: بقلب مفرد، فيه توحيد مجرد. هـ. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن جعل الهموم هَمّاً واحداً ـ أي: وهو الله ـ كفاه اللهُ همَّ دنياه، ومَن تشعبت به الهمومُ لم يُبالِ اللهُ به في أيِّ أوديةِ الدنيا هَلَكَ" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن كانت الدنيا هَمَّهُ فرّق الله عليه أمره، وجعل فقرَه بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُسم له، ومَن كانت الآخرة نيته، جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي صاغرة" تفسير : .ومَن كان الله همُّه بفنائه فيه؛ جمع الله عليه سره، وأغناه به عما سواه، وخدمه الوجود بأسره، "أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شَهِدت المكون كانت الأكوانُ معك". والله تعالى أعلم. ثم بيَّن فريقي الاختصام، فقال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ}.

الجنابذي

تفسير : {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} للكافر والمؤمن والمنافق والموافق حتّى يتذكّر المؤمن المخلص حاله ويشكر ربّه والكافر والمنافق فينزجر عنها ويتوب {رَّجُلاً} بدل من مثلاً بتقدير مثل رجل {فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ} اى مختلفون متعاسرون {وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ} فانّ المتّبع للاهواء الّذى يتّبع غير ولىّ الامر ينبغى ان يرى فى نفسه تجاذب اهويته له الى اراداتٍ عديدٍ ومشتهياتٍ كثيرةٍ بحيث قد يتحيّر ويقف عن الكلّ ويبغض نفسه فى ذلك، وما لم يتّبع هواه لم يتّبع رئيساً باطلاً والمتّبع لولىّ الامر الغير المتّبع لهواه يرى فى نفسه انّه مستريح الى ربّه لا يجذبه ارادة وهوى الى غير ربّه، وهذا النّاظر اذا نظر الى حال المتّبع للاهواء يشكر ربّه لا محالة والمتّبع للاهواء ان تنبّه بحاله انزجر لا محالة وتاب منه لكن قلّ من يتنبّه لانغمارهم فى اهويتهم وسكرهم وغفلتهم وقد فسّر السّلم فى اخبارٍ عديدةٍ بعلىّ (ع) وشيعته والرّجل الّذى فيه شركاء بأعداء علىٍّ (ع) {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} حالاً او حكايةً {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} اظهار للشّكر على نعمة عدم الاستواء تعليماً للعباد {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ليس لهم مقام علم، اولا يعلمون عدم الاستواء لطموح نظرهم على المتاع الفانى، او لا يعلمون احوالهم حتّى ينزّلوا هذا المثل على احوالهم فيتنبّهوا وينزجروا.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثنا جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن جابر قال: قال أبو الطفيل: قال علي عليه السلام في قوله [تعالى. ر]: {ورجلاً سلماً لرجل} أمير المؤمنين سلم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

اطفيش

تفسير : {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً} للموحد والمشرك وبدأ بمثل المشرك* {رَّجُلاً} بدل من مثلاً أو مفعول أول (ومثلاً) ثان أو بالعكس والمثل كلام عربي أو مطلقاً شبه مضربة بمورده* {فِيهِ} خبر و {شُرَكَآءُ} مبتدأ و {مُتَشَاكِسُونَ} صفة والجملة صفة (رجلاً). وقال الزمخشري: (فيه) متعلق بشركاء فشركاء مبتدأ ومتشاكسون خبر فيجوز تعليق (فيه) والتشاكس الاختلاف والتنازع وسوء الخلق فذلك مثال للمشرك* {وَرَجُلاً سَلَماً} فتح السين واللام عند نافع وابن عمر والكوفيين وقرئ بفتح السين وسكون اللام وقرئ بكسر السين وسكون اللام والكل مصادر نعت بها مبالغة أو لتقدير مضاف أي (ذا سلم) أو لتأويلها بالوصف أي (سالماً) كما قرأ ابن كثير وأبو عمرو وقرئ (ورجل) فرجل مبتدأ سوغ الابتداء به التقسيم والتنويع وسالم خبراً ورجل مبتدأ وسالم نعته والخبر محذوف أي وهناك رجل سالم أي خالص* {لِّرَجُلٍ} وذلك مثال للموحد أي اضرب لقولك مثلاً وقل لهم ما تقولون فى رجل مملوك بين قوم مشتركين فيه متنازعين مختلفين أخلاقهم سيئة لا سماع فيها فصاروا يعذبونه بفظائعهم في أوقاتهم ودولهم ويضايقونه في كثرة العمل فهو في عناء منهم أو هو مملوك يتنازعون فيه كل يقول هو لي فصاروا يتجاذبونه ويستعملونه في مشاق فهو في عناء وتحير لا يدري أيهم يرضي بخدمته وعلى أي يعتمد في حاجته فكذلك عابد الاوثان يعتقد أن نفعه وضره عندها هو معذب بالفكر بها ويحرس حاله منها ومتى توهم أنه أرضى صنماً منها بالدج مثلاً تفكر فيما يصنع مع الآخر لانه يتراءى له أن كل واحد منها يدعي أنه معبوده وانهم يتغالبون ويتنازعون عليه وما أشبه حال المملوك للناس بتلك الحال وفي رجل مملوك لرجل واحد فهو معتن بما لزمه من خدمته معتمد عليه فيما يحتاج من رزق وقضاء حاجة عارف بما يرضيه وما يسخطه ومن يعبد أوثاناً لا يدري على أيها يعتمد في الربوبية وقضاء الحوائج ولا يغفرون له زلته والواحد الآخر يغفر زلة من اعتنى به وحده ولم يشرك به غيره وأما من يعبد صنماً واحداً فهو كعابد صنمين أو أكثر لان غير ذلك الصنم مثله لا فرق بينهما فكأنه مريد لأن يعبده ذلك العابد وحاشا ذوات الأصنام أن تريد العبادة وانما مثل في جانب المملوك وجانب المالك بالرجل لان الطفل والمرأة لا يتفطنان لما يرضيان به غيرهما أو يسخطانه ولا لمصالحهما في الخصام كالرجل {هَلْ يَسْتَوِيَانِ} انكاراً لاستوائهما أعنى المملوكين أي لا يستويان* {مَثَلاً} أي صفة وحالاً فان مملوك شركاء في تعب كما مر وفي حيرة أيهم يخدم اذا طلبوه مرة و (مثلا) تمييز ولذا أفرد لأن التمييز لبيان الجنس (مثلاً) وقرئ (مثلين) كقولك (الزيدون أكثر أموالاً) وعليه يجوز عود الضمير للمثلين لأن المراد مثل الرجل في ومثل رجل سلم كقولك كفى بهما رجلين* {الْحَمْدُ للهِ} كل الحمد لأن (ال) للاستغراق لله وحده لأن اللام للاختصاص على ما مر لانه هو المنعم بالذات ومن أنعم عليك سواء فانعامه من الله أجراه على يده والمالك على الاطلاق فالحمد لله دون غيره من المعبودات وقيل: كأنه لما ثبت أنه لا اله الا الله الواحد الحق بالدلائل الظاهرة والأمثال الباهرة قال: قل الحمد لله على حصول البينة. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} لشدة جهلهم ان المستحق للعبادة هو الله فأشركوا به غيره.

اطفيش

تفسير : {ضَرَبَ الله مثلاً} مفعول ثان مقدم {رجُلاً} مفعول أول، وتعدى لواحد، وهو مثلا ورجلا بدله، لكن لا يحل محله، وأخر المفعول الأول عن الثانى تشويقا الى الأول، وقصدا لطريق الاهتمام، بالأول، لأن ضرب المثل تطبيق حاله عجيبة بأخرى مثلها، وأيضا أخر الأول ليتصل به ما هو من تتمته التى هى المراد بالذات فى التمثيل {فيه شُرَكاء} الجملة نعت رجلا {متشاكسُونَ} مختلفون لسوء أخلاقهم، فهو فى شدة من خدمتهم {ورَجُلاً سَلَماً} خالصا {لَرجُلٍ} يستخدمه، فهو فى راحة من توزع ما يرد عليه، ولم يضرب المثل طفلا أو امرأة، لأن الرجل أعرف منهما بالمصالح والمضار {هَلْ يستويان مثلاً} لا، بل المشترك بين المتشاكسين فى لوم وتعب وقلق، والسلم لرجل فى راحة ورضا، وكذلك المؤمن فى راحة واطمئنان فى أعلى علين، والكافر أسفل سافل، هذا هو المراد، وليس المراد أن الكافر يعبد أشياء تستخدمه يرجو من كل منها خيرا، نعم يستخدمه أنواع الهوى، وشياطين الانس والجن، وتتعبه، ولا ينال منها ما ينال من استخدمه الله تعالى، وأثابه، ومثلا تمييز عن الفاعل بمعنى الصفة. {الحَمْدُ لله} الله أهل لأن يحمده المؤمنون، ويدوموا على عبادته لتوفيقه لهم، ومزيتهم، وأهل لضرب المثل لهم بالخير، وعلى المشركين بالسوء {بلْ أكْثَرهم لا يعْلمُون} اضراب انتقال عن نفى الاستواء الى ذكر أن أكثر الناس وهم المشركون ليسوا من أهل الادراك، مع سهولة إدراك ذلك، فلا يدركونه ولا يدركون أن الكل من الله، وأنه من أهل المحامد، ولا شركة معه كما زعموا.

الالوسي

تفسير : {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَـٰكِسُونَ } إيراد لمثل من الأمثال القرآنية بعد بيان أن الحكمة في ضربها هو التذكر والاتعاظ بها وتحصيل التقوى، والمراد بضرب المثل هٰهنا تطبيق حالة عجيبة بأخرى مثلها وجعلها مثلها. و {مَثَلاً } مفعول ثان لضرب و {رَجُلاً } مفعوله الأول أخر عن الثاني للتشويق إليه وليتصل به ما هو من تتمته التي هي العمدة في التمثيل أو {مَثَلاً } مفعول ضرب و {رَجُلاً } الخ بدل منه بدل منه بدل كل من كل. وقال الكسائي: انتصب {رَجُلاً } على إسقاط الخافض أي مثلاً في رجل وقيل غير ذلك وقد تقدم الكلام في نظيره. و {فِيهِ } خبر مقدم و {شُرَكَاء } مبتدأ و {مُتَشَـٰكِسُونَ } صفته والنكرة وإن وصفت يحسن تقديم خبرها. والجملة صفة {رَجُلاً } والرابط الهاء أو الجار والمجرور في موضع الصفة له و {شُرَكَاء } مرتفع به على الفاعلية لاعتماده على الموصوف، وقيل {فِيهِ } صلة شركاء وهو مبتدأ خبره متشاكسون، وفيه أنه ليس لتقديمه نكتة ظاهرة. والمعنى ضرب الله تعالى مثلاً للمشرك حسبما يقول إليه مذهبه من ادعاء كل من معبوديه عبوديته عبداً يتشارك فيه جماعة متشاجرون لشكاسة أخلاقهم وسوء طبائعهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهماتهم المتباينة في تحيره وتوزع قلبه. {وَرَجُلاً } أي وضرب للموحد مثلاً رجلاً {سَلَماً} أي خالصاً {لِرَجُلٍ } فرد ليس لغيره سبيل إليه أصلاً فهو في راحة عن التحير وتوزع القلب وضرب الرجل مثلاً لأنه أفطن لما شقي به أو سعد فإن الصبـي والمرأة قد يغفلان عن ذلك. وقرأ عبد الله وابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة الزهري والحسن بخلاف عنه والجحدري وابن كثير وأبو عمرو {سالماً} اسم فاعل من سلم أي خالصاً له من الشركة. وقرأ ابن جبير {سلماً} بكسر السين وسكون اللام، وقرىء {سلماً} بفتح فسكون وهما مصدران وصف بهما مبالغة في الخلوص من الشركة. وقرىء {ورجل سالم} برفعهما أي وهناك رجل سالم، وجوز أن لا يقدر شيء ويكون رجل مبتدأ وسالم خبره لأنه موضع تفصيل إذ قد تقدم ما يدل عليه فيكون كقول امرىء القيس: شعر : إذ ما بكى من خلفها انحرفت له بشق وشق عندنا لم يحول تفسير : وقوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً } إنكار واستبعاد لاستوائهما ونفي له على أبلغ وجه وآكده وإيذان بأن ذلك من الجلاء والظهور بحيث لا يقدر أحد أن يتفوه باستوائهما أو يتلعثم في الحكم بتباينهما ضرورة / أن أحدهما في لوم وعناء والآخر في راحة بال ورضاء، وقيل ضرورة أن أحدهما في أعلى عليين والآخر في أسفل سافلين، وأياً ما كان فالسر في إبهام الفاضل والمفضول الإشارة إلى كمال الظهور عند من له أدنى شعور. وانتصاب {مَثَلاً } على التمييز المحول عن الفاعل إذ التقدير هل يستوي مثلهما وحالهما، والاقتصار في التمييز على الواحد لبيان الجنس والاقتصار عليه أولاً في قوله تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } وقرىء {مثلين} أي هل يستوي مثلاهما وحالاهما، وثني مع أن المقصود من التمييز حاصل بالإفراد من غير لبس لقصد الإشعار بمعنى زائد وهو اختلاف النوع، وجوز أن يكون ضمير {يَسْتَوِيَانِ } للمثلين لأن التقدير فيما سبق مثل رجل ومثل رجل أي هل يستوي المثلان مثلين وهو على نحو كفى بهما رجلين وهو من باب ـ لله تعالى دره فارساً ـ ويرجع ذلك إلى هل يستويان رجلين فيما ضرب من المثال ولما كان المثل بمعنى الصفة العجيبة التي هي كالمثل كان المعنى هل يستويان فيما يرجع إلى الوصفية. وقوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } تقرير لما قبله من نفي الاستواء بطريق الاعتراض وتنبيه للموحدين على أن مالهم من المزية بتوفيق الله تعالى وأنها نعمة جليلة تقتضي الدوام على حمده تعالى وعبادته أو على أن بيانه تعالى بضرب المثل أن لهم المثل الأعلى وللمشركين مثل السوء صنع جميل ولطف تام منه عز وجل مستوجب لحمده تعالى وعبادته. وقوله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } إضراب وانتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور إلى بيان أن أكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره أو ليسوا من ذوي العلم فلا يعلمون ذلك فيبقون في ورطة الشرك والضلال، وقيل المراد أنهم لا يعلمون أن الكل منه تعالى وأن المحامد إنما هي له عز وجل فيشركون به غيره سبحانه فالكلام من تتمة {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } ولا اعتراض، ولا يخفى أن بناء الكلام على الاعتراض كما سمعت أولى. وقوله تعالى:{إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ }

ابن عاشور

تفسير : استئناف وهو من قبيل التعرض إلى المقصود بعد المقدمة فإن قوله: {أية : ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل}تفسير : [الروم: 58] توطئة لهذا المثل المضروب لحال أهل الشرك وحال أهل التوحيد، وفي هذا الانتقال تخلص أُتبع تذكيرهم بما ضرب لهم في القرآن من كل مثل على وجه إجمالِ العموم استقصاءً في التذكير ومعاودة للإِرشاد، وتخلصاً من وصف القرآن بأن فيه من كل مثل، إلى تمثيل حال الذين كفروا بحالٍ خاص. فهذا المثل متصل بقوله تعالى: {أية : أفَمَن شرَحَ الله صدرَهُ للإسلامِ}تفسير : [الزمر: 22] إلى قوله:{أية : أُولئِكَ في ضَلالٍ مُبينٍ}تفسير : [الزمر: 22]، فهو مثل لحال من شرح الله صدرهم للإِسلام وحال من قَست قلوبهم. ومجيء فعل {ضَرَبَ الله} بصيغة الماضي مع أن ضَرْب هذا المثل ما حصل إلا في زمن نزول هذه الآية لتقريب زمن الحال من زمن الماضي لقصد التشويق إلى علم هذا المثل فيجعل كالإِخبار عن أمر حصل لأن النفوس أرغب في علمه كقول المثوِّب: قد قامت الصلاة. وفيه التنبيه على أنه أمر محقق الوقوع كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : وضرب اللَّه مثلاً قرية}تفسير : في سورة [النحل: 112]. أما صاحب «الكشاف» فجعل فِعل {ضرب} مستعملاً في معنى الأمر إذ فسره بقوله: اضرِبْ لهم مثلاً وقُل لهم ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء، إلى آخر كلامه، فكان ظاهر كلامه أن الخبر هنا مستعمل في الطلب، فقرره شارحوه الطيبي والقزويني والتفتزاني بما حاصل مجموعه: أنه أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع قوله: {أية : ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كُلّ مثلٍ}تفسير : [الزمر: 27] عَلِم أنه سينزل عليه مَثَل من أمثال القرآن فأنبأه الله بصدق ما عَلمه وجعَله لتحققه كأنه ماض. وليلائم توجيه الاستفهام إليهم بقوله: هَلْ يَسْتَوِيَانِ مثلاً} (فإنه سؤال تبكيت) فتلتئم أطراف نظم الكلام، فعُدل عن مقتضى الظاهر من إلقاء ضرب المثل بصيغة الأمر إلى إلقائه بصيغة المضيّ لإِفادة صدق علم النبي صلى الله عليه وسلم وكل هذا أدق معنى وأنسب ببلاغة القرآن مِن قول من جعل المضي في فعل {ضَرَب}على حقيقته وقال: إن معناه: ضرب المثل في علمه فأخبِرْ به قومك. فالذي دعا الزمخشري إلى سلوك هذا المعنى في خصوص هذه الآية هو رعي مناسبات اختص بها سياق الكلام الذي وقعت فيه، ولا داعي إليه في غيرها من نظائر صيغتها مما لم يوجد لله فيه مقتضٍ لِنحو هذا المحمل، ألا ترى أنه لا يتأتى في نحو قوله: {أية : ألم تر كيف ضرب اللَّه مثلاً كلمة}تفسير : كما في سورة [إبراهيم:24]، وقد أشرنا إليه عند قوله: {أية : وضرب اللَّه مثلاً قرية}تفسير : في سورة [النحل: 112]. وقد يقال فيه وفي نظائره: إن العدول عن أن يصاغ بصيغة الطلب كما في قوله: {أية : واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية}تفسير : [يس: 13]، {أية : واضرب لهم مثلاً رجلين}تفسير : [الكهف: 32] {أية : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا}تفسير : [الكهف: 45] إلى أن صيغ بصيغة الخبر هو التوسل إلى إسناده إلى الله تنويهاً بشأن المثل كما أشرنا إليه في سورة النحل. وإسناد ضَرْب المثل إلى الله لأنه كوَّن نظمه بدون واسطة ثم أوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فالقرآن كلّه من جَعْل الله سواء في ذلك أمثاله وغيرها، وهو كله مأمور رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغه، فكأنه قال له: ضَرب الله مثلاً فاضْرِبه للناس وبيَّنْه لهم، إذ المقصود من ضرب هذا المثل محاجّة المشركين وتبكيتهم به في كشف سوء حالتهم في الإِشراك، إذ مقتضى الظاهر أن يجري الكلام على طريقة نظائره كقوله: {أية : واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية}تفسير : [يس: 13]، وكذلك ما تقدم من الأمر في نحو قوله: {أية : قُلْ هل يَسْتَوي الذين يعلمُونَ والذين لا يعلَمُونَ}تفسير : [الزمر: 9]، {أية : قُلْ يا عِبَادِ الذينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُم}تفسير : [ الزمر: 10]، {أية : قُلْ إني أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ الله}تفسير : [ الزمر: 11]، {أية : قُلِ الله أعْبُد}تفسير : [الزمر: 14]، {أية : قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ}تفسير : [الزمر: 15]، {أية : فَبَشّرْ عِبَادِ}تفسير : [الزمر: 17]. وقد يُتطلب وجهه التفرقة بين ما صيغ بصيغة الخبر وما صيغ بصيغة الطلب فنفرق بين الصنفين بأن ما صيغ بصيغة الخبر كان في مقامٍ أهمَّ لأنه إمّا تمثيل لإِبطال الإِشراك، وإمّا لوعيد المشركين، وإمّا لنحو ذلك، خلافاً لما صيغ بصيغة الخبر فإنه كائن في مقام العبرة والموعظة للمسلمين أو أهل الكتاب، وهذا ما أشرنا إليه إجمالاً في سورة النحل. وقوله: {رَّجُلاً فيهِ شُرَكَاءُ} وما بعده في موضع البيان لــــ {مَثَلاً}. وجَعْل الممثَّل به حالة رجل ليس للاحتراز عن امرأة أو طفل ولكن لأن الرجل هو الذي يسبق إلى أذهان الناس في المخاطبات والحكايات، ولأن ما يراد من الرجل من الأعمال أكثر مما يراد من المرأة والصبيّ، ولأن الرجل أشدّ شعوراً بما هو فيه من الدعة أو الكدّ، وأما المرأة والصبي فقد يغفلان ويلهيان. وجملة {فِيهِ شُرَكَاءُ} نعت لــــ {رَّجُلاً}، وتقديم المجرور على {شُرَكَاءُ} لأن خبر النكرة يحسن تقديمه عليها إذا وصفت، فإذا لم توصف وجب تقديم الخبر لكراهة الابتداء بالنكرة. ومعنى {فِيهِ شُرَكَاءُ}: في ملكه شركاء. والتشاكس: شدة الاختلاف، وشدّة الاختلاف في الرجل الاختلاف في استخدامه وتوجيهه. وقرأ الجمهور {سَلَماً} بفتح السين وفتح اللام بعدها ميم وهو اسم مصدر: سَلِم له، إذا خَلَص. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب {سالماً} بصيغة اسم الفاعل وهو من: سَلِم، إذا خلص، واختار هذه القراءة أبو عبيد ولا وجه له، والحق أنهما سواء كما أيده النحّاس وأبو حاتم، والمعنى: أنه لا شركة فيه للرجل. وهذا تمثيل لحال المشرك في تقسّم عقله بين آلهة كثيرين فهو في حيرة وشك من رضى بعضهم عنه وغضب بعض، وفي تردد عبادته إن أرضى بها أحدَ آلهته، لعله يُغضب بها ضده، فرغباتهم مختلفة وبعض القبائل أولى ببعض الأصنام من بعض، قال تعالى: {أية : ولعلا بعضهم على بعض}تفسير : [المؤمنون: 91]، ويبقى هو ضائعاً لا يدري على أيهم يعتمد، فوهمه شَعاع، وقلبه أوزاع، بحال مملوك اشترك فيه مالكون لا يخلون من أن يكون بينهم اختلاف وتنازع، فهم يتعاورونه في مهن شتّى ويتدافعونه في حوائجهم، فهو حيران في إرضائهم تَعبان في أداء حقوقهم لا يستقل لحظة ولا يتمكن من استراحة. ويقابله تمثيل حال المسلم الموحّد يقوم بما كلّفه ربه عارفاً بمرضاته مؤملاً رضاه وجزاءه، مستقرَّ البال، بحال العبد المملوك الخالص لمالك واحد قد عرف مراد مولاه وعلم ما أوجبه عليه ففهمُه واحد وقلبه مجتمع. وكذلك الحال في كل متّبع حق ومتبع باطل فإن الحق هو الموافق لما في الوجود والواقع، والباطلَ مخالف لما في الواقع، فمتبع الحق لا يعترضه ما يشوش عليه بالَه ولا ما يثقل عليه أعماله، ومتبع الباطل يتعَثر به في مزالق الخُطَى ويتخبط في أعماله بين تناقض وخَطأ. ثم قال: {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً}، أي هل يكون هذان الرجلان المشبهان مستويين حالاً بعد ما علمتم من اختلاف حالي المشبهين بهما. والاستفهام في قوله: {هَلْ يَسْتَوِيَانِ} يجوز أن يكون تقريرياً، ويجوز أن يكون إنكارياً، وجيء فيه بــــ {هَلْ} لتحقيق التقرير أو الإِنكار. وانتصب {مَثَلاً} على التمييز لنسبة {يَسْتَوِيَانِ}. والمثل: الحال. والتقدير: هل يستوي حالاهما، والاستواء يقتضي شيئين فأكثر، وإنما أفرد التمييز المراد به الجنس، وقد عرف التعدد من فاعل {يَسْتَوِيَانِ} ولو أسند الفعل إلى ما وقع به التمييز لقيل: هل يستوي مثلاهما. وجملة {الحَمْدُ لله} يجوز أن تكون جواباً للاستفهام التقريري بناء على أن أحد الظرفين المقرر عليهما محقق الوقوع لا يسع المقررَ عليه إلا الإِقرار به، فيقَدَّرون: أنهم أقروا بعدم استوائهما في الحالة، أي بأن أحدهما أفضل من الآخر، فإن مثل هذا الاستفهام لا ينتظِر السائل جواباً عنه، فلذلك يصح أن يتولى الجواب عنه قبلَ أن يجيب المسؤول كقوله تعالى: {أية : عمَّ يتساءلون عن النبأ العظيم}تفسير : [النبأ: 1 ــــ 2]، وقد يبنى على أن المسؤول اعترف فيؤتى بما يناسب اعترافه كما هنا، فكأنهم قالوا: لا يستويان، وذلك هو ما يبتغيه المتكلم من استفهامه، فلما وافق جوابهم بغية المستفهم حمد الله على نهوض حجته، فتكون الجملة استئنافاً، فموقعها كموقع النتيجة بعد الدليل، وتكون جملة {بل أكثرهم لا يعلمون} قرينة على أنهم نزّلوا منزلة مَن علم فأقر وأنهم ليسوا كذلك في نفس الأمر. ويجوز أن تكون معترضة إذا جعل الاستفهام إنكارياً فتكون معترضة بين الإنكار وبين الإضراب الانتقالي في قوله {بل أكثرهم لا يعلمون} أي لا يعلمون عدم استواء الحالتين ولو علموا لاختاروا لأنفسهم الحسنى منهما، ولَمَا أصرُّوا على الإِشراك. وأفاد هذا أن ما انتحلوه من الشرك وتكاذيبه لا يمتّ إلى العلم بصلة فهو جهالة واختلاق. و {بل} للإِضراب الانتقالي. وأسند عدم العلم لأكثرهم لأن أكثرهم عامة أتباعٌ لزعمائهم الذين سنُّوا لهم الإِشراك وشرائعَه انتفاعاً بالجاه والثناء الكاذب بحيث غَشَّى ذلك على عملهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {مُتَشَاكِسُونَ} (29) - يَضْرِبُ اللهُ تَعَالى فِي هَذِهِ الآيَةِ مَثَلاً لِلْمُشْرِكِ الذِي يَعْبُدُ آلِهَةً مَعَ اللهِ، وَلِلمُؤْمِنِ الذِي يُخْلِصُ العِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ، وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ مَثَلَ هَذِينِ الرَّجُلَينِ كَمَثَلِ عَبْدَينِ أَحَدِهِمَا يَمْلِكُهُ شُرَكَاءٌ مُخْتَلِفُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَهُمْ يَتَجَاذَبُونَهُ فِي أُمُورِهِمْ، وَهُوَ حَائِرٌ فِي أَمْرِهِ، إِذَا هُوَ أَرْضَى أَحَدَهُمْ أَغْضَبَ الآخَرِينَ، وَإِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِمْ فِي أَمْرٍ مُهِمٍّ طَلَبَ إِلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الآخَرِينَ، فَهُوَ فِي عَذَابٍ دَائِمٍ وَنَصَبٍ. أَمَّا العَبْدُ الآخَرُ فَيَمْلِكُهُ رَجُلٌ سَوِيٌ وَاحِدٌ، يَقُومُ العَبْدُ عَلَى خِدْمَتِهِ بِرَاحَةٍ وَإِخْلاَصٍ، فَأَيُّ العَبْدَينِ أَحْسَنُ حَالاً؟ فَكَمَا أَنَّهُ لاَ يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي أَنَّ العَبْدَ الذِي يَخْدُمُ سَيِّداً وَاحِداً أَحْسَنُ حَالاً، كَذَلِكَ لاَ شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ أَحْسَنُ حَالاً مِنَ المُشْرِكِ. وَإِذْ أَقَامَ اللهُ تَعَالَى الحُجَّةَ عَلَى المُشْرِكِينَ حَمِدَ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ عَلَى هَذَا البَيَانِ، والإِيْضَاحِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهِمْ يُشْرِكُونَ بِاللهِ. شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ - مُتَنَازِعُونَ شَرِسُو الطِّبَاعِ. سَلَماً لِرَجُلٍ - خَالِصاً لَهُ مِنَ الشَّرِكَةِ والمُنَازَعَةِ.

الثعلبي

تفسير : {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً}. قال الكسائي: نصب رجلاً، لأنه ترجمة للمثل وتفسير له، وإن شئت نصبته بنزع الخافض، مجازه ضرب الله مثلاً لرجل أو في رجل. {فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ} مختلفون متنازعون متشاحون فيه وكل واحد منهم يستخدمه بقدر نصيبه فيه يقال رجل شكس وشرس وضرس وضبس، إذا كان سيء الخلق مخالفاً للناس. وقال المؤرخ: متشاكسون متماكسون يقال شاكسني فلان أي ماكسني. {وَرَجُلاً سَلَماً}. قرأ ابن عبّاس ومجاهد والحسن وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب سالماً بالألف، واختاره أبو عبيد، قال: إنما اخترنا سالماً لصحة التفسير فيه، وذلك أن السالم الخالص وهو ضد المشترك، وأما السلم فهو ضد المحارب، ولاموضع للحرب هاهنا. وقرأ سعيد بن جبير: سِلْماً بكسر السين وسكون اللام. وقرأ الآخرون: سلماً بفتح السين واللام من غير ألف، واختاره أبو حاتم وقال: هو الذي لاتنازع فيه. {لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} وهذا مثلاً ضربه الله تعالى للكافر الذي يعبد آلهة شتى، والمؤمن لايعبد إلاّ الله الواحد، ثم قال عزّ من قائل {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} الشكر الكامل لله سبحانه دون كل معبود سواه {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّكَ} يا محمّد {مَيِّتٌ} عن قليل {وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ}. وقرأ ابن محيصن وابن أبي علية: إنك مايت وإنهم مايتون، بالألف فيهما. قال الحسن والكسائي والفراء: (الميّت)، بالتشديد، من لم يمت سيموت، و(الميَت)، بالتخفيف الذي فارقه الروح، لذلك لم يخفف هاهنا. قال قتادة: نُعيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، ونُعيت إليكم أنفسكم. أخبرنا ابن فنجويه حدثنا ابن ماجة حدثنا الحسين بن أيوب حدثنا عبد الله بن أبي زياد حدثنا سيار بن حاتم حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت قال: نعي رجل إلى صلت بن أشيم أخاً له فوافقه يأكل فقال: ادن فكل فقد نعى إليّ أخي منذ حين. قال: (وكيف وأنا أول من أتاك بالخبر قال: إن الله تعالى نعاه إلىّ فقال) الله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ}. {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} المحق والمبطل والظالم والمظلوم. أخبرنا ابن فنجويه الدينوري حدثنا ابن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا ابن نمير حدثنا محمّد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الله بن أنس عن الزبير بن العوام قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}. قال الزبير: يا رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدُّنيا مع خواصّ الذنوب؟ قال: "حديث : نعم ليكررن عليكم حتّى يؤدى إلى كل ذي حق حقه ". تفسير : قال الزبير: والله إن الأمر لشديد. أخبرنا الحسين بن محمّد حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن الحسين بن [ديزيلٍ] حدثنا آدم بن أبي أياس حدثنا ابن أبي ذنب حدثنا سعيد المقرئ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : من كانت عنده مظلمة لاخيه من ماله أو عرضه فليتحلّلها اليوم منه قبل أن يؤخذ حين لايكون درهم ولا دينار إن كان له عمل صالح أخذ بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه ". تفسير : أخبرنا الحسين بن محمّد الثقفي حدثنا الفضل بن الفضل الكندي حدثنا أبو عبد الله محمّد ابن عبد الله بن محمّد بن النعمان حدثنا محمّد بن بكر بن أبي بكر البرجمي حدثنا محمّد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح بن القاسم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : "تدرون من مفلس أُمتي؟". قلنا: نعم من لا مال له. قال: "لا، مفلس أُمتي من يُجاء به يوم القيامة قد ضرب هذا وشتم هذا وأخذ مال هذا، فيؤخذ من حسناته فيوضع على حسنات الآخر، وإن فضل عليه فضل أُخذ من سيئات الآخر فطرحت عليه ثم يؤخذ فيُلقى في النار" ". تفسير : وقال أبو العالية: هم أهل القبلة. أخبرنا الحسين بن فنجويه حدثنا موسى بن محمّد بن علي بن عبد الله بن الحسن بن علوية حدثنا عبيد بن جناد العلوي الحلبي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن القاسم ابن عوف البكري قال: سمعت ابن عمر يقول: لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى أن هذه الآية أُنزلت فينا وفي أهل الكتابين {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قلنا: كيف نختصم ونبينا واحد فما هذه الخصومة وكتابنا واحد؟ حتّى رأيت بعضنا يضرب وجه بعض بالسيف، فعرفت أنه فينا نزلت. وروى خلف بن خليفة عن أبي هاشم عن أبي سعيد الخدري في هذه الآية قال: كنا نقول: ربنا واحد وديننا واحد ونبينا واحد، فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هو هذا. أخبرنا الحسين بن فنجويه حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا عبد الله بن محمّد بن عبد العزيز البغوي حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا حماد بن زيد: زعم ابن عون عن إبراهيم قال: لما نزلت {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قالوا: كيف نختصم ونحن اخوان؟ فلما قتل عثمان قالوا: هذه خصومتنا. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ} فزعم أن له ولداً وشريكاً {وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ} بالقرآن {إِذْ جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى} منزل ومقام {لِّلْكَافِرِينَ * وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ}. قال السدي: (والذي جاء بالصدق) يعني جبرائيل جاء بالقرآن (وصدّق به) محمّد تلقاه بالقبول. وقال ابن عبّاس: (والذي جاء بالصدق) يعني رسول الله جاء بلا إله إلاّ الله (وصدّق به) هو أيضاً رسول الله بلّغه إلى الخلق. وقال علي بن أبي طالب وأبو العالية والكلبي: (والذي جاء بالصدق) يعني رسول الله (وصدق به) أبو بكر. وقال قتادة ومقاتل: (والذي جاء بالصدق) رسول الله (وصدّق به) هم المؤمنون وإستدلا بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ}. وقال عطاء: (والذي جاء الصدق) الانبياء (عليهم السلام) (وصدق به) الاتباع وحينئذ يكون (الذي) بمعنى (الذين) على طريق الجنس كقوله: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً}تفسير : [البقرة: 17] ثم قال: {أية : ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ}تفسير : [البقرة: 17] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [العصر: 2-3]. ودليل هذا التأويل ما أخبرنا ابن فنجويه حدثنا طلحة بن محمّد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدثنا أبو بكر عن مجاهد حدثنا عبدان بن محمّد المروزي حدثنا عمار بن الحسن حدثنا عبد الله بن أبي جعفر الرازي عن أبيه عن الربيع: أنّه كان يقرأ (وَالَّذِينَ جَآءُو) يعني الانبياء (عليهم السلام) (وصدقوا به) الاتباع. وقال الحسن: هو المؤمن صدّق به في الدُّنيا وجاء به يوم القيامة. يدل عليه ما اخبرنا ابن فنجويه حدثنا أبو علي بن حبش المقريء اخبرنا يعني الظهراني اخبرنا يحيى بن الفضل الخرقي حدثنا وهيب بن عمرو أخبرنا هارون النحوي عن محمّد بن حجارة عن أبي صالح الكوفي وهو أبو صالح السمان أنه قرأ {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} مخففة، قال: هو المؤمن جاء به صادقاً فصدّق به. وقال مجاهد: هم أهل القرآن يجيؤون به يوم القيامة يقولون هذا الذي اعطيتمونا فعملنا بما فيه. {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ * لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ * أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}. قرأ أبو جعفر ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: عباده بالجمع. وقرأ الباقون: عبده يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} وذلك أنهم خوّفوا النبييّ صلى الله عليه وسلم معرة الأوثان وقالوا: إنك تعيب آلهتنا وتذكرها بسوء، فوالله لتكفّ عن ذكرها أو لنخلينك أو يصيبك بسوء {وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ * وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} شدة وبلاء {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} نعمة ورخاء {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ}. قرأ شيبة وأبو عمرو ويعقوب: بالتنوين فيهما، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم. وقرأ الباقون: بالإضافة. قال مقاتل: فسالهم النبي (عليه السلام) فسكتوا فأنزل الله سبحانه {قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ * قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} إذا جاءكم بأس الله تعالى من المحق منّا ومن المبطل.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا مَثَل ضربه الله لبيان قضية التوحيد، ويوضح من خلاله الفرق بين عبد لسيد واحد، وعبد لعدة أسياد، وهذه صورة مكوَّنة من عدة عناصر، فالرجل مملوك لشركاء، وليْتهم متفقون على شيء، إنما متشاكسون مختلفون، كل منهم يأمر بشيء، فإنْ أرضى هذا أغضب ذاك، وإنْ أطاع سيداً عصى الآخر. إذن: كيف يبدد نفسه؟ وكيف له أن يستريح فهو دائما في حيرة من أمره؟ أما الآخر، فعبدٌ لسيد واحد، أمره واحد، وهو مرتبط بسيده، قاصرٌ خدمته عليه. {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ..} [الزمر: 29] ويترك الحق سبحانه لك أنْ تجيب أنت على هذا التساؤل {هَلْ يَسْتَوِيَانِ ..} [الزمر: 29] لا نملك إلا أنْ نقول: لا يستويان أبداً، ونُقِر نحن بهذه الحقيقة، وهذا هو مقصد القرآن أنْ نُقِر نحن بها، لا أن تُلقى إلينا كخبر من الله تعالى، وهذا الذي نحكم به يقوله كلُّ عاقل، ولا يردّه أحد. فالعبد المملوك لسيِّد واحد، كمَنْ آمن بالله تعالى وأخلص له العبادة وحده سبحانه، والعبد المملوك لشركاء متشاكسين مثال للعبد الذي أشرك مع الله في العبادة، وعليك أنت أنْ تعتبر. وقوله سبحانه: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ..} [الزمر: 29] أي: الحمد لله على أنْ ضرب لنا الأمثال، وأوضح لنا الأمورَ لنأخذ المعقول المعنوي بالمُحَسِّ المادي، فالذي يعبد الله وحده لا شريك له يعيش مرتاحَ البال، هادئ النفس، مطمئن القلب، على خلاف مَنْ يعبد آلهةً متعددة، فهو مشتّتُ النفس، غير مستقر البال، إنْ أرضى سيداً أغضب الآخر، وليس لديه القوة التي تعينه على إرضاء الجميع، فهو أشبه بالخادم الذي يقول (أناح أقطع نفسي؟) فالحمد لله الذي نزَّل القرآن عربياً، لا عِوَجَ فيه، والحمد لله الذي ضرب لنا فيه الأمثال التوضيحية التي تُقَرِّب ما تقف فيه العقول بالذي تتفق فيه العقول. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] أي: لا يعلمون هذه القضية، لا يعلمون أن الإيمانَ بالإله الواحد الحق والعبودية الخالصة له سبحانه فيها سعادة العبد وراحته، وأن العبوديةَ لآلهة شتى في شقاوة العبد وتعبه. وهم لا يعلمون هذه الحقيقة لأنهم ما وضعوا قضية الإيمان بالربوبية موضعَ البحث العقلي، بل أخذوها هكذا بلا تأمُّل، المهم عنده أنْ يكون لهم إله ليس له أوامر ولا نواهٍ، إله بلا منهج وبلا تكاليف، وما أحسنَ هذا الإله الذي تأخذه على مزاجك، ووفقاً لهواك. وقوله سبحانه: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] طمأن أهل الإيمان وأهل التوحيد، فهم وإنْ كانوا القلة إلا أنهم موجودون، فالخير لا يُعدم مهما كان قليلاً، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} تفسير : [الواقعة: 13-14]. وقال في أصحاب اليمين: {أية : ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} تفسير : [الواقعة: 39-40] فالخير إذن في هذه الأمة.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ} [الآية: 29]. قال: مثل آلهة الباطل وإِله الحق. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} [الآية: 36]. يعني: يخوفونك بالأَوثان التي يعبدون من دون الله، عز وجل. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ} [الآية: 39]. قال: على ناحيتكم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} [الآية: 44]. يقول: لا يشفع عند أَحد إِلا بإِذنه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ} فالرَّجلُ الشُكسُ: العَسرُ السَّيءُ الخُلقِ. والسّلمُ: الصَحيحُ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً } [الزمر: 29] من تلك الأمثال {رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ} [الزمر: 29]؛ أي: الذي يتجاذبه شغل الدنيا وشغل العيال، وغير ذلك من الأشغال المختلفة، والخواطر المتشتتة، {وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ} [الزمر: 29] مؤمناً خالصاً ليس للخلق فيه نصيب، ولا للدنيا معه نسيب، وهو عن الآخرة غريب، وإلى الله قريب منيب، {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} [الزمر: 29] البطَّالون والطالبون، والمنقطعون والواصلون، {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} [الزمر: 29] الثناء له وهو مستحق لصفات الجلال {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] كمال جماله، ولا يطَّلعون على أحسن استعدادهم لمرآتية صفات جماله وجلاله، وإلا لعطلوا الأمور الدنيوية بأسرها، وخربت الدنيا التي هي مزرعة الآخرة، وهلك الباطل والطالب. وبقوله: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30]، يشير إلى نعيه صلى الله عليه وسلم، ونعي المسلمين إليهم؛ ليفرغوا بأجمعهم عن مأتمهم، ولا تعزيه في العادة بعد ثلاث، ومن لم يتفرغ من مأتم نفسه وأنواع همومه فليس له من هذا الحديث [في شيء]، فإذا أفرغ قلبه عن حديث نفسه وعن الكونين بالكلية فحينئذ يجد الخير من ربه، وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم عنهم؛ ولهذا أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام فقال: "حديث : يا داود فرغ لي بيت أسكن فيه قال: يا رب أنت منزه عن البيت كله، قال: فرغ لي قلبك"تفسير : ، وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}تفسير : [الشرح: 1]؛ يعني: ولي قلبك، وقال: {أية : وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}تفسير : [المدثر: 4]؛ أي: قلبك فطهر؛ أي: عن لوث تعلقات الكونين. {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 31]، أي: تراجعون الحق تعالى لشفاعة أقربائكم وأهاليكم وأصدقائكم بعد فراغكم عن خويصة أنفسكم. وبقوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ} [الزمر: 32]، يشير إلى بعض مدَّعي هذا الحديث ممن يدَّعي ويكذب على الله بأنه أعطاه رتبة لم يذق بعد منها ما يشاء، وإذا وجد صديقاً جاءه بالصدق في المقال والأحوال كذبه، وينكره على صدقه، يكون حاصل أمره يوم القيامة قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}تفسير : [الزمر: 60]؛ ولهذا قال تعالى: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32]؛ أي: لكافري النعمة. {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ } [الزمر: 33]؛ أي: جاء به من الحق تعالى لا من عند نفسه؛ لأن الصدق ليس من المكاسب، بل هو من المواهب، {وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33]؛ أي: الذي جاء بالصدق هو الذي صدق بالصدق إذ رآه مع غيره؛ لأن الصدق لا يرى إلا بالصدق، كما أن النور لا يرى إلا بالنور؛ ولهذا قال: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33]؛ أي: بنور الصدق يرون الحق والباطل فيتقون بالحق عن الباطل. {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} [الزمر: 34]؛ لأنهم تقربوا إلى الله بالاتقاء به عما سواه، فأوجب الله في إدامة كرمه أن يتقرب إليهم بإعطاء ما يشاءون من عنده، بحسب حسن استعدادهم في الطلب بالتقرب من كمالات القرب والمشاهدة، {ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 34]؛ أي: ذلك للقرب والمشاهدة جزاء من عمل على مشاهدة الحق؛ لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

همام الصنعاني

تفسير : 2627- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ}: [الآية: 29]، قال: هو الكافِرُ، والشركاء المتشاكسون: هم الشياطين. {وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ}: [الآية: 29]، فهو المؤمن يعمل لله.