٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} وقرأ ابن محيصن وابن أبي عَبْلة وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق {إِنَّكَ مَائِتٌ وَإِنَّهُمْ مَائِتُونَ} وهي قراءة حسنة وبها قرأ عبد الله بن الزبير. النحاس: ومثل هذه الألف تحذف في الشواذ و{مائت} في المستقبل كثير في كلام العرب؛ ومثله ما كان مريضاً وإنه لمارض من هذا الطعام. وقال الحسن والفراء والكسائي: الميّت بالتشديد من لم يمت وسيموت، والمَيْت بالتخفيف من فارقته الروح؛ فلذلك لم تخفف هنا. قال قتادة: نُعِيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم نفسُه، ونُعِيت إليكم أنفُسكم. وقال ثابت البُنَاني: نَعَى رجلٌ إلى صلة بن أَشْيَم أخاً له فوافقه يأكل، فقال: ادْنُ فكُلْ فقد نُعِي إلي أخي منذ حين؛ قال: وكيف وأنا أوّل من أتاك بالخبر. قال إن الله تعالى نعاه إليّ فقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}. وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أخبره بموته وموتهم؛ فاحتمل خمسة أوجه: أحدها أن يكون ذلك تحذيراً من الآخرة. الثاني أن يذكره حثًّا على العمل. الثالث أن يذكره توطئة للموت. الرابع لئلا يختلفوا في موته كما اختلفت الأمم في غيره، حتى أن عمر رضي الله عنه لما أنكر موته احتج أبو بكر رضي الله عنه بهذه الآية فأمسك. الخامس ليعلمه أن الله تعالى قد سوّى فيه بين خلقه مع تفاضلهم في غيره؛ لتكثر فيه السلوة وتقل فيه الحسرة. {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } يعني تخاصم الكافر والمؤمن والظالم والمظلوم؛ قاله ابن عباس وغيره. وفي خبر فيه طول: إن الخصومة تبلغ يوم القيامة إلى أن يحاج الروح الجسد. حديث : وقال الزبير: لما نزلت هذه الآية قلنا: يا رسول الله! أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: «نعم ليكررنّ عليكم حتى يؤدَّى إلى كل ذي حق حقه» تفسير : فقال الزبير: والله إن الأمر لشديد. وقال ابن عمر: لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } فقلنا: وكيف نختصم ونبينا واحد وديننا واحد، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف؛ فعرفت أنها فينا نزلت. وقال أبو سعيد الخدري: كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد ونبينا واحد فما هذه الخصومة. فلما كان يوم صِفِّين وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف قلنا نعم هو هذا. وقال إبراهيم النَّخَعي: لما نزلت هذه الآية جعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ما خصومتنا بيننا؟ فلما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا: هذه خصومتنا بيننا. وقيل: تخاصمهم هو تحاكمهم إلى الله تعالى، فيستوفي من حسنات الظالم بقدر مظلمته، ويردّها في حسنات من وجبت له. وهذا عام في جميع المظالم كما في حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أتدرون من المفلس»قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: «إن المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرِحت عليه ثم طرح في النار» تفسير : خرجه مسلم. وقد مضى (هذا) المعنى مجوَّداً في «آل عمران» وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من كانت له مظلمة لأحد من عِرْضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أُخِذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أُخِذ من سيئات صاحبه فحمل عليه»تفسير : وفي الحديث المسند: «حديث : أوّل ما تقع الخصومات في الدنيا»تفسير : وقد ذكرنا هذا الباب كله في «التذكرة» مستوفى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّكَ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم {مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } ستموت ويموتون فلا شماتة بالموت، نزلت لما استبطأوا موته صلى الله عليه وسلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِنَّكَ مَيِّتٌ} ستموت، الميَّت بالتشديد الذي سيموت وبالتخفيف من قد مات. ذكرهم الموت تحذيراً من الآخرة، أو حثاً على الأعمال، أو لئلا يختلفوا في موته كاختلاف الأمم في غيره وقد احتج بها أبو بكر على عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ لما أنكر موته، أو ليعلمه الله ـ تعالى ـ أنه سوّى فيه بين خلقه. وكل هذه احتمالات يجوز أن يراد كلها، أو بعضها.
ابن عادل
تفسير : قوله: "إِنَّكَ مَيِّتٌ" أي سَتَمُوتُ "وإنهم مَيِّتُون" أي سيموتون. قال الفراء والكسائي: المَيِّتُ - بالتشديد - من لم يَمُتْ وسَيَمُوت والمَيْتُ - بالتخفيف - مَنْ فَارَقَهُ الروحُ ولذلك لم يخفف ههنا. والعامة على مَيّت وميّتون، وقراءة ابن مُحَيْصِنٍ وابن أبي عبلة واليماني: مَائِتٌ ومَائِتُونَ، وهي صفة مشعرة بحدوثها دون مَيّت، وقد تقدم أَنه لا خلاف بين القراء في تَثْقِيل مثْلِ هذا. فصل والمراد أن هؤلاء الأقوام وإن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة لأجل الحسد فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً يموتون "ثُمَّ إنَّكُمْ" تحشرون يوم القيامة وتختصمون عند الله تعالى والعادل الحق بينكم فيوصل إلى كل أحد حقه وحينئذ يتميز المحق من المبطل. ثم إنه تعالى بين نوعاً آخر من قبائح أفعالهم وهم أنهم يكذبون ويضمون إليه أنهم يكذبون القائل المحق أما كذبهم فهو أنهم أثبتوا لله ولداً وشركاء، وأما تكذيبهم الصادق فلأنهم يكذبون (القائل المحق) محمداً - صلى الله عليه وسلم - بعد قيام الدلائل القاطعة على كونه صادقاً في ادِّعاء النُّبُوة، ثم أردفه بالوعيد فقال: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} أي منزل ومقام للكافرين، وهذا استفهام بمعنى التقرير. ولما ذكر (الله) من افترى على الله الكذب أو كذب بالحق ذكر مقابلهُ وهو الذي جاء بالصِّدْق وصدَّق به، وقوله: {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} لفظ مفرد، ومعنا جَمْع لأنه أريد به الجنسُ، وقيل: لأنه قصد به الجزاء وما كان كذلك كثر فيه وقوع: "الذي" موقع "الذين" ولذلك رُوعِيَ معناه فجمع في قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} كما روعي معنى "مَنْ" في قوله: "لِّلْكَافِرِينَ" فإن "الكافرين" ظاهرةٌ واقعٌ مَوْقع المضمر؛ إذ الأصل مَثْوّى لَهُمْ، وقيل: بل الأصل: والذين جاء بالصدق فحذفت النون تخفيفاً كقوله: {أية : كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} تفسير : [التوبة:69] وهذا وَهَم؛ إذٍ لو قصد ذلك لجاء بعده ضمير الجمع فكان يقال: والِّذِي جَاءُوا، كقوله: {أية : كَٱلَّذِي خَاضُوۤا} تفسير : [التوبة:69]. ويدل عليه أن نون التثنية إذا حذفت عاد الضمير مثنًّى كقوله: شعر : 4300- أَبَنِي كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيَّ اللَّذَا قَتَلاَ الْمُلُوكَ وَفَكَّكَا الأَغْلاَلاَ تفسير : ولَجَاء كقوله: شعر : 4301- [و] إنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفلْجٍ دَمَاؤُهُمْ هُمُ القَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ تفسير : وقرأ عبد الله: {والَّذِي جَاءُوا بالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ}. وقد تقدم تحقيق نظير الآية في أوائل البقرة وغيرها، وقيل: "الذي" صفة لموصوف محذوف بمعنى الجمع تقديره والفريق أو الفوج، ولذلك قال: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ}. وقيل: المراد بالذي واحد بعينه وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - ولكن لما كان المراد هو وأتباعه اعتبر ذلك فجمع واحد فقال: "أُوْلَـٰئِكَ هُمُ" كقوله: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [المؤمنون:49] قاله الزمخشري، وعبارته: هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد به إياهُ وَمَنْ تَبِعَهُ كما أراد بموسى إياهُ وَقَوْمَهُ، وناقشه أبو حيان في إيقاعِ الضمير المنفصل موقع المتصل، قال: وإصلاحه أن يقول: وأراده به كما أرادهُ بموسى وقومه، قال شهاب الدين: ولا مناقشة لأنه مع تقديم "به" و "بموسى" لغرض من الأغراض استحال اتِّصال الضمير، وهذا كالبحث في قَوِلِهِ تعالى: {أية : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ} تفسير : [النساء:131] وقوله: {أية : يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} تفسير : [الممتحنة:1] وهو أن بعض الناس زعم أنه يجوز الانفصال مع القدرة على الاتصال. وتقدم الجواب بقريب مما ذكرنا هَهنا، وتقدم بيان حكمة التقديم ثمة. وقول الزمخشري إن الضمير في: "لعلهُمْ يَهْتَدُونَ" لموسى وقومه فيه نظر بل الظاهر خصوص الضمير بقومه دونه لأنهم هم المطلوب منهم الهداية، وأما موسى - عليه (الصلاة و) السلام - فمهتدٍ ثابتٌ على الهداية وقال الزمخشري أيضاً: ويجوز أن يريد: والفوج أو الفريقَ الذي جاء بالصدق وصدق به وهم الرسول الذي جاء بالصدق وصاحبته الذين صدقوا به. قال أبو حيان: وفيه توزيع للصّلة، والفوجُ هو الموصول فهو كقولك: "جَاءَ الفَريقُ الَّذي شَرف وشرف" والأظهر عدم التوزيع بل المعطوف على الصلة صلة لمن له الصلة الأولى. وقرأ أبو صَالِح وعكرمةُ بنُ سُلَيْمَانَ ومحمد بن جَحَادَةَ مخففاً بمعنى صدق فيه ولم يغيره بل أداه من غير تحريف، وقُرِىءَ: "وَصُدِّقَ بِهِ" مشدِّداً مبنياً للمفعول. فصل المعنى فمن أظلم ممن كذب على الله فزعم أن له ولداً وشريكاً وكذَّب بالصِّدْق بالقرآنِ، أو بمحمد إذْ جَاءَهُ، ثم قال {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} قال ابن عباس: والَّذِي جاء بالصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصَدَّق به محمد - صلى الله عليه وسلم - تلقّاه بالقبول، وقال أبو العالية والكلبي: والذي جاء بالصدق: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدق به: أبو بكر - رضي الله عنه - وقال قتادة: والذي جاء بالصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدق به: هم المؤمنون لقوله: {أية : أُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنفال: 4]. وقال عطاء والذي جاء بالصدق: الأنبياء وصدق به: الأتباع وحنيئذ يكون "الَّذي" بمعنى "الَّذِينَ" كقوله: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} تفسير : [البقرة: 17]. وقال الحسن: هم المؤمنون صدقوا به في الدينا وجاءوا به في الآخرة، {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} وهذا لايفيد العبدية بمعنى الجهة والمكان بل بمعنى الإخلاص، كقوله: {أية : عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر:55]. ثم قال: {ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} قالت المعتزلة: وهذا يدل على أن الأجر مستحق لهم على إحسانهم في العبادة. قوله: "لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ" في تعلق الجار وجهان: أحدهما: أنها متعلقة بمحذوف أي يَسَّرَ لهم ذلك ليُكَفَّر. والثاني:أن تتعلق بنفس الْمُحْسِنِينَ كأنه قيل: الذين أحسنوا ليُكَفِّر أي لأجل التكفير. قوله: "أَسْوَأَ ٱلَّذِي" الظاهر أنه أفعل تفضيل، وبه قرأ العامة وقيل: ليست للتفضيل بل بمعنى سيءَ الذي عملوا كقولهم: "الأشَجُّ والنَّاقِصُ أَعدلاَ بَنِي مَرْوانَ" أي عَادِلاَهُمْ. ويدل عليه قراءة ابن كثير - في رواية -: أَسْوَاءَ بألف بين الواو والهَمْزَة بزنة أعماله جمع سُوءٍ، وكذا قرأ في: "حم" السَّجْدَةِ. فصل قوله: {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} يدل على حصول الثواب على أكمل الوجوه، وقوله تعالى: {لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه ومعنى تكفيرها أي يسترها عليهم بالمغفرة ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعلمون. وقال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمَسَاوِىءِ، قال ابن الخطيب: واعلم أن مقاتلاً كان شيخ المُرْجِئَة وهم الذين يقولون: لا يضرّ شيءٌ من المعاصي مع الإيمان كما لا ينفع شيءٌ من الطاعات مع الكفر. واحتج بهذه الآية فقال: إنها تدلُّ على أن من صدق الأنبياء والرسل فإنه تعالى يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا ولا يجوز حمل هذا الأسوأ على الكفر السابق لأن ظاهر الآية أن التكلِيف إنما حصل في حال وصفهم بالتَّقْوَى، (وهو التقوى) من الشرك وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد منه الكبائر التي يأتي بها بعد الإيمان فتكون هذه الآية تَنْصِيصاً على أنه تعالى يكفر عنهم بعد إيمانهم (أَسْوأَ) ما يأتون به وذلك هو الكبائر. قوله: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} العامة على توحيد "عَبْده"، والأَخَوَانِ عِبَادَهُ جمعاً، وهم الأنبياء وأتباعهم، وقرىء "بِكَافِي عِبَادِهِ" بالإضافة. ويُكَافِي مضارع كافي عِبَادَهُ نُصب على المفعول به. ثم المفاعلة هنا تحتمل أن تكون معنى "فَعَلَ" نحو: يُجَازِي بمعنى يَجْزِي وبني على لفظ المفاعلة لما تقدم من أن بناء المفاعلة يشعر بالمبالغة لأنه للمغالبة، ويحتمل أن يكون أصله يُكافيءُ بالهمز من المكافأة بمعنى يَجْزِيهم فخففت الهمزة، وهذا استفهام تقرير. قوله: "وَيُخَوِّفُونَكَ" يجوز أن يكون حالاً؛ إذ المعنى أليس (اللَّهُ) كَافِيكَ حالَ تخويفهم إياك بكَذَا كأَنَّ المعنى أنه كافِيهِ في كل حال حتى في هذِهِ الحال، ويجوز أن تكونَ مستأنفةً. فصل من قرأ بكافٍ عَبْدَهُ يعني محمداً - صلى الله عليه وسلم - ومن قرأ عباده يعني الأنبياء عليهم (الصلاة و) السلام قَصَدَهُمْ قومُهُمْ بالسوء كما قال تعالى: {أية : وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} تفسير : [غافر:5] وكفاهم اللَّهُ شَرَّ من عاداهم. وقيل: المراد أن الله تعالى كفى نوحاً - عليه (الصلاة و) السلام - وإبراهيم النار ويونس ما دفع فهو سبحانه وتعالى كافيك يا محمد كما كفى هؤلاء الرسل قبلك. وقوله تعالى: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} وذلك أن قريشاً خوفوا النبي - صلى الله عليه وسلم - مُعَادَاةَ الأوثانِ وقالوا: لَتَكُفَّنَّ عن شتم آلهتنا أو ليُصِبَنَّكَ منهم خَبَلٌ أو جنونٌ، فأنزل الله هذه الآية. ولما شرح الوعد والوعيد والترغيب ختم الكلام بخاتمة هي المفصل الحق فقال: {وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} أي هذه الدلائل والبينات لا تنفع إلا إذا خص الله العبد بالهداية والتوفيق، ثم قال: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ}. وهذا تهديدٌ للكُفَّار. فصل احتج أهل السنة بهذه الآية على مسألة خلق الأعمال لأن قوله: {وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} صريح في ذلك، وتمسك المعتزلة بقوله أليس الله بعزيز ذِي انتقام ولو كان الخَالق للكفر فيهم هو الله تعالى لكان الانتقام والتهديد غير لائق. والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: لقد لبثنا برهة من دهرنا ونحن نرى أن هذه الآية نزلت فينا، وفي أهل الكتابين من قبل {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قلنا: كيف نختصم ونبينا واحد، وكتابنا واحد؟ حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا. وأخرج نعيم بن حماد في الفتن والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى هذه الآية نزلت فينا {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} فقلت: لم نختصم. أما نحن فلا نعبد إلا الله، وأما ديننا فالإِسلام، وأما كتابنا فالقرآن لا نغيره أبداً ولا نحرف الكتاب، وأما قبلتنا فالكعبة، وأما حرمنا فواحد، وأما نبينا فمحمد صلى الله عليه وسلم. فكيف نختصم؟ حتى كفح بعضنا وجه بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نزلت علينا الآية {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} وما ندري ما تفسيرها ولفظ عبد بن حميد. وما ندري فيم نزلت! قلنا ليس بيننا خصومة، فما التخاصم؟ حتى وقعت الفتنة فقلنا: هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن عساكر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه قال: أنزلت هذه الآية {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} وما ندري فيم نزلت! قلنا: ليس بيننا خصومة قالوا وما خصومتنا ونحن اخوان؟! فلما قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه قالوا: هذه خصومة ما بيننا. وأخرج عبد بن حميد عن الفضل بن عيسى رضي الله عنه قال: "حديث : لما قرأت هذه الآية {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قيل: يا رسول الله فما الخصومة؟ قال: "في الدماء" ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إنك ميت وإنهم ميتون} قال: "نعى لنبيه صلى الله عليه وسلم نفسه، ونعى لكم أنفسكم". وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن منيع وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في البعث والنشور عن الزبير بن العوّام رضي الله عنه قال: حديث : لما نزلت {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قلت: يا رسول الله أينكر علينا ما يكون بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: نعم. لينكرن ذلك عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه قال الزبير رضي الله عنه: فوالله إن الأمر لشديد . تفسير : وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنه قال: حديث : لما أنزلت هذه الآية {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قال الزبير رضي الله عنه: يا رسول الله يكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم. ليكرر ذلك عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه" قال الزبير رضي الله عنه: إن الأمر لشديد . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما نزلت {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} كنا نقول ربنا واحد، وديننا واحد، فما هذه الخصومة؟! فلما كان يوم صفين، وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم. هو هذا. وأخرج أحمد بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليختصمن يوم القيامة كل شيء حتى الشاتين فيما انتطحتا ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند لا بأس به عن أبي أيوب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أول من يختصم يوم القيامة الرجل وامرأته. والله ما يتكلم لسانها ولكن يداها ورجلاها، يشهدان عليها بما كانت لزوجها، وتشهد يداه ورجلاه بما كان يوليها. ثم يدعى الرجل وخادمه بمثل ذلك، ثم يدعى أهل الأسواق وما يوجد، ثم دوانق ولا قراريط ولكن حسنات هذا تدفع إلى هذا الذي ظلم، وسيئآت هذا الذي ظلمه توضع عليه، ثم يؤتى بالجبارين في مقامع من حديد فيقال: أوردوهم إلى النار. فوالله ما أدري يدخلونها أو كما قال الله {وإن منكم إلا واردها}[مريم: 71] . تفسير : وأخرج أحمد والطبراني بسند حسن عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول خصمين يوم القيامة جاران ". تفسير : وأخرج البزار عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : يجاء بالأمير الجائر فتخاصمه الرعية ". تفسير : وأخرج ابن منده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يختصم الناس يوم القيامة حتى يختصم الروح مع الجسد. فيقول الروح للجسد أنت فعلت، ويقول الجسد للروح أنت أمرت وأنت سوّلت. فيبعث الله تعالى ملكاً فيقضي بينهما، فيقول لهما: إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير وآخر ضرير دخلا بستاناً فقال المقعد للضرير: إني أرى ههنا ثماراً ولكن لا أصل إليها. فقال له الضرير: اركبني فتناولها، فركبه فتناولها، فأيهما المعتدي؟ فيقولان: كلاهما فيقول لهما الملك: فإنكما قد حكمتما على أنفسكما. يعني أن الجسد للروح كالمطية وهو راكبه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} يقول: يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر. وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء رضي الله عنه. أن رجلاً أبصر جنازة فقال: من هذا؟ قال: أبو الدرداء رضي الله عنه هذا أنت هذا أنت.. يقول الله {إنك ميت وإنهم ميتون} .
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالى: {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ} تمهيدٌ لما يعقبُه من الاختصامِ يوم القيامةِ. وقُرىء مائتٌ ومائتونَ. وقيل: كانُوا يتربَّصون برسولِ الله صلى الله عليه وسلم موتَه أي إنَّكم جميعاً بصددِ الموتِ. {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبّكُمْ} أي مالكِ أمورِكم {تَخْتَصِمُونَ} فتحتجُّ أنتَ عليهم بأنَّك بلَّغتهم ما أُرسلتَ به من الأحكام والمواعظ التي من جُملتها ما في تضاعيف هذه الآياتِ واجتهدتَ في الدَّعوةِ إلى الحقَّ حقَّ الاجتهادِ وهم قد لجُّوا في المُكابرة والعناد. وقيل: المرادُ به الاختصامُ العامُّ الجاري في الدُّنيا بـين الأنامِ. والأوَّلُ هو الأظهرُ الأنسبُ بقوله تعالى.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: {إِنَّكَ مَيِّتٌ} أى غافل عمّا هم فيه من الاشتغال وإنهم ميتون عما كوشفت به من حقائق التقريب والقرب. قال جعفر: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} أى ميت عما هم فيه من الاشتغال بأنفسهم وأولادهم وكفاهم وإنهم ميتون مبعدون عما خصصت بها من أنواع الكرامات. وقال: إنك ميت ببشريتك لاطّلاع بركات الحق عليك. وقيل: إنك ميت عن رؤية الأكوان بما فيها بمشاهدة المكون. وقال: إنك ميت عن شواهدنا ولولا ذلك ما أدّيت الرسالة وإنهم ميتون ولولا ذلك ما قبلوك. وقال: إنك ميت عن شواهد ما استتر وإنهم ميتون عن شواهد ما أخبر ولولا ذلك ما طاقوا إقامة الأمر. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزار بمصر يقول: قال أبو العباس بن عطاء: إنك ميت عن شواهد ما استتر وإنهم ميتون عن شواهد ما أظهر. قال بعضهم: إنك ميت عن الدنيا وزينتها وإنهم ميتون عن الآخرة وحقائقها.
القشيري
تفسير : نَعَاه - عليه السلام - إليه. ونَعَى المسلمين إليهم فَفزِعُوا بأجمعهم من مآثمهم، ولا تعزية في العادة بعد ثلاث. ومَنْ لم يَتفرَّغْ من مآثمِ نفسه وأنواع همومه، فليس له من هذا الحديث شمّة، فإذا فرغ قلْبُه من حديث نَفْسِه، وعن الكون بجملته فحينئذٍ يجد الخيرَ من ربِّه، وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم عنهم، وأنشد بعضهم: شعر : كتابي إليكم بعد موتي بليلةٍ ولم أدرِ أنــي بعـد مـوتـي أكتـب
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} فرق الله بين موت حبيبه صلى الله عليه وسلم وبين موت غيره فى مضمون الخطاب ومظنة الاشارة الى انك ميت عنه صعقات سطوات تجلى ازلياتى حيث تفنى فى ضباب عصمتى عند ظهور انوار كبريائى حتى لا تحاسب عن وجودك فى ظهور وجودى انك فان الحادث اذا قورن بالقديم زال الحادث وبقى القديم وانهم ميتون بنزع الارواح منهم وايضا انك ميت انك منسلخ من العلل الانسانية حى بالانوار الربانية وانهم ميتون عن رؤية شرفك وعن ادراك مقاماتك انك ميت عن غيرنا حى بنا وانهم ميتون عن الدنيا فاذا كان يوم المعاد تظهر مقامات كل احد فخص بعضهم بالانبساط وبعضهم من الكم وعلى ما فات عنه من كريم مواهبه السنية ولطائفه الكريمة قال ابن عطا انك ميت اى غافل عما هم فيه من الاشتغال بالدنيا وانهم ميتون بما كوشفت بها من حقائق التقريب والقرب وقال بعضهم انك ميت عن بشريتك باطلاع بركات الحق عليك قيل انك ميت عن رؤية الاكوان بما فيها بمشاهدة المكون وقال ابو العباس بن عطا انك ميت عن شواهد ما استتر وانهم ميتون عن شواهد ما اظهر.
اسماعيل حقي
تفسير : {انك ميت وانهم ميتون} تمهيد لما يعقبه من الاختصام يوم القيامة اذ كان كفار قريش يتربصون برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم موته: يعنى [كفارمكه ميكفتند جشم ميداريم كه محمد بميرد واز وبازرهيم]. والموت صفة وجودية خلقت ضدا للحياة. وفى المفردات الموت زوال القوة الحساسية الحيوانية وابانة الروح عن الجسد. والتأكيد بالنون لتنزيل المخاطب منزلة المتردد فيه تنبيها له على ظهور ادلته وحثا على النظر فيها. والمعنى انكم جميعا بصدد الموت فالموت يعمكم ولا معنى للتربص والشماتة بل هو عين الجهالة شعر : مكن شادمانى بمرك كسى كه دهرت نماند بس ازوى بسى تفسير : فمعنى قوله ميت وميتون: بالفارسية [مرده خواهى شد وزود بميرند] اى ستموت وسيموتون والشىء اذا قرب من الشىء يسمى باسمه فلا بد لكل من الموت قريبا وبعيدا وكل آت فهو قريب ـ روى ـ ان آدم عليه السلام لما اهبط الى الارض قيل له لد للفناء وابن للخراب قرأ بعضهم انك مائت وانهم مائتون لانه مما سيحدث وتوضيحه ان المائت صفة حادثة فى الحال او فى المستقبل بدليل صحة قولك زيد مائت الآن او غدا بخلاف الميت فانه صفة لازمة كالسيد للعريق فى السؤدد والسائد لمن حدث له السؤدد. وقيل الموت ليس ما اسند الى ابانة الروح عن الجسد بل هو اشارة الى ما يعترى الانسان فى كل حال من الخلل والنقص وان البشر ما دام فى الدنيا يموت جزأ فجزأ وقد عبر قوم عن هذا المعنى وفصلوا بين الميت والمائت فقالوا المائت هو المتخلل. قال القاضى على بن عبد العزيز ليس فى لغتنا مائت على حسب ما قالوه وانما يقال موت مائت كقولنا شعر شاعر وسيل سائل. حديث : قال ابن مسعود رضى الله عنه لما دنا فراق رسول الله جمعنا فى بيت امنا عائشة رضى الله عنها ثم نظر الينا فدمعت عيناه وقال "مرحبا بكم حياكم الله رحمكم الله اوصيكم بتقوى الله وطاعته قد دنا الفراق وحان المنقلب الى الله تعالى والى سدرة المنتهى وجنة المأوى يغسلنى رجال اهل بيتى ويكفنوننى فى ثيابى هذه ان شاؤا او فى حلة يمانية فاذا غسلتمونى وكفنتمونى ضعونى على سريرى فى بيتى هذا على شفير لحدى ثم اخرجوا عنى ساعة فاول من يصلى علىّ حبيبى جبرائيل ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم ملك الموت مع جنودهم ثم ادخلوا علىّ فوجا فوجا فصلوا علىّ" فلما سمعوا فراقه صاحوا وبكوا وقالوا يا رسول الله انت رسول ربنا وشمع جمعنا وبرهان امرنا اذا ذهبت عنا فالى من نرجع فى امورنا قال "تركتكم على المحجة البيضاء" (اى على الطريق الواضح الواسع) "ليلها كنهارها" (اى فى الوضوح) "ولا يزيغ بعدها الا هالك وتركت لكم واعظين ناطقا وصامتا فالناطق القرآن والصامت الموت فاذا اشكل عليكم امر فارجعوا الى القرآن والسنة واذا قست قلوبكم فلينوها بالاعتبار فى احوال الاموات" تفسير : فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه ذلك من صداع عرض له وكان مريضا ثمانية عشر يوما يعوده الناس ثم مات يوم الاثنين كما بعثه الله فيه فغسله على رضى الله عنه وصب الماء اى ماء بئر غرس الفضل بن العباس رضى الله عنهما ودفنوه ليلة الاربعاء وسط الليل وقيل ليلة الثلاثاء فى حجرة عائشة رضى الله عنها وفى الحديث "حديث : من اصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بى فانها افظع المصائب" تفسير : وانشد بعضهم شعر : اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بان المرء غير مخلد واذا اعترتك وساوس بمصيبة فاذكر مصابك بالنبى محمد تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير بقوله {انك ميت} الخ الى نعيه عليه السلام ونعى المسلمين اليهم ليفرغوا باجمعهم عن مأتمهم ولا تعزية فى العادة بعد ثلاث ومن لم يتفرغ عن مأتم نفسه وانواع همومه فليس له من هذا الحديث شمة فاذا فرغ قلبه عن حديث نفسه وعن الكونين بالكلية فحينئذ يجد الخير من ربه وليس هذا الحديث الا بعد فنائهم عنهم ولهذا اوحى الله تعالى الى داود عليه السلام فقال "يا داود فرغ لى بيتا اسكن فيه قال يا رب انت منزه عن البيت كله قال فرغ لى قلبك" وقال لنبينا عليه السلام {أية : ألم نشرح لك صدرك} تفسير : يعنى قلبك وقال {أية : وثيابك فطهر} تفسير : اى قلبك عن لوث تعلقات الكونين شعر : سالك باك رو نخوانندش آنكه ازماسوى منزه نيست تفسير : وقال المولى الجامى قدس سره شعر : روزشب درنظرت موج زنان بحر قدم حيف باشد كه بلوث حدث آلوده شوى
الجنابذي
تفسير : {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} بشارة وتسلية ولموافقى امّته وتهديدٌ لمخالفيه ومنافقى امّته.
فرات الكوفي
تفسير : [سيأتي في الحديث الثالث من سورة النجم في حديث جماعة من قريش مع النبي (ص) الاستشهاد بهذه الآية].
اطفيش
تفسير : {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} جعلهم واياهم قد ماتوا لأن الجميع يموت قطعاً أو لانهم بصدد الموت أو الصفتان للاستقبال وبهما يستدل من يجيز ابقاء الصفة المشبهة على لفظها اذا أريد بها الحدوث وقيل: تنقل الى وزن فاعل كما قرئ (انك مائت وانهم مائتون) ويجاب عن القراءة الأولى بانها لثبوت مجاز أو بأنها لا تنقل اذا أريد الماضي والمراد هنا المضي مجازاً كما مر فأنظر (شرحي على اللامية) فذلك انهم تربصوا برسول الله صلى الله عليه وسلم الموت فأخبر أن الموت يعمهم فلا معنى للتربص وشماتة الباقى بالفاني. وقال قتادة: نعيت الى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ونعيت اليكم أنفسكم.
اطفيش
تفسير : {إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُم ميِّتُون} أراد المضى لتحقق الموت، حتى كأنه وقع أو استعمل اللفظين فى الاستقبال، كما قرىء: إنك مائت وانهم مائتون، أى يستحدث لك ولهم الموت. شعر : وماض نفوس الورى خالده وللموت ما تلد الوالده تفسير : ولا يصح ما قال أبو عمرو بن العلاء: لا يطلق ميْت بالاسكان إلا على من مات، وأن المشدد لا يطلق إلا على من سيموت، بل هما يصلحان فى الكل، والتخفيف قاعدة مطردة، والمؤمنون دخلوا معه فى الخطاب بالكاف تبعا، والهاء للكفار، ويبعد أنها للمؤمنين والكافرين ومحل هذا الكلام هو قوله: {ثم إنَّكُم يَوم القيامة} قدم لإنكار الكفرة له {عنْد ربِّكم} قدم للحصر، وتحقيق الحساب {تختصمُونَ} لمَّا لم ينتفعوا بضرب المثل، أخبرهم بأنهم سيموتون ويبعثون، ويعاقبون، ويظهر المحق من المبطل، وقيل: كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم الموت، فقال الله عز وجل: أن الكل ميت، ولا وجه للتربص، وشماتة الفانى بالفانى، وقيل ذلك نعى اليه واليهم بالموت، وأكد فى أنهم لشدة غفلتهم حتى كأنهم أنكروا الموت، أو لأن الموت مكروه للنفوس، فكان مظنة أن لا يلتفت الى الأخبار به، وأكد فى أنك للمشاكلة، أو دفعا لاستبعاد موته، لعل بعضا من المسلمين يظن انه صلى الله عليه وسلم لا يموت، وذلك الاختصام أن يقول صلى الله عليه وسلم بلغتهم: ما أرسلت به إليهم، ولجوا فى العناد، ويقولون: أطعنا سادتنا وكبراءنا، وجدنا آباءنا، غلبت علينا شقوتنا، ويناسب ذلك قوله تعالى: " أية : فمن أظلم" تفسير : [الزمر: 32] الخ " أية : والذي جاء بالصدق" تفسير : [الزمر: 33] و "أية : ضرب الله مثلا" تفسير : [الزمر: 29] ولا مانع من أن يكون الكلام فى الأمة عموما، فالهاء فى أنهم، والخطاب فى أنكم، وربكم، وتختصمون للأمة. ويدل للعموم فى الأمة لا فيه صلى الله عليه وسلم والمشركين قول الزبير لما نزلت: {إنك ميت} الآية: يا رسول الله أنحاسب على ذنوبنا، وعلى ما جرى بيننا؟ قال: "حديث : نعم حتى يؤدى الى كل ذى حق حقه" تفسير : فقال: إن الأمر إذن شديد، رواه عبد الرزاق، والترمذى، والبيهقى، وأخرج الطبرى، وعبد الرزاق، عن ابراهيم النخعى: أنه لما نزلت، قال الصحابة: ما خصومتنا، ونحن اخوان، ولما قتل عثمان قالوا هذه خصومتنا وأخرج سعيد بن منصور،عن ابى سعيد الخدرى: لما كان يوم صفين علمنا أنه خصومتنا، ومن قبل كنا نقول: ربنا واحد، وديننا واحد، فما هذا الاختصام، وفى الطبرانى والنسائى، عن ابن عمر: كنا نرى الاختصام بيننا وبين أهل الكتابين، لأن نبينا واحد، وديننا واحد. وفى رواية: كنا لا ندرى فيمن نزلت حتى وقعت الفتن، فعلمنا أن الآية فيها، وهذه الروايات صريحات فى أن الآية فى الصحابة ومن بعدهم، وأول من يختصم المرأة وزوجها، تشهد أيديهما وأرجلهما، ثم الرجل وخادمة كذلك، ثم أهل الأسواق، ولا دانق ولا قيراط، لكن حسنات هذا تدفع الى هذا المظلوم وسيئاته توضع على هذا الظالم، رواه الطبرانى، عن أبى أيوب الأنصارى، عنه صلى الله عليه وسلم، لكن وضع سيئات المظلوم على الظالم كلام موضوع، لا يصح إلا أن يكون على بمعنى عن، أى توضع عن الظالم، أى لا يؤخذ بها، وكذا حديث: "حديث : إن فنيت حسناته وضع عليه من ذنوبه" تفسير : موضوع، وعن عقبة بن عامر: " حديث : أول خصمين يوم القيامة جاران" تفسير : رواه الطبرى مرفوعا، وروى عن ابن عباس موقوفا: أو خصمين الروح والجسد، ولعل الأولية فى ذلك إضافية، كل واحد أول لما بعده، فيقدم ما هو أقرب كالروح والجسد، فالزوجان، فالجاران وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: " حديث : ليختصمن كل شىء حتى الشاتان يقتص للجماء من القرناء" تفسير : وهذا تمثيل، فان مراده صلى الله عليه وسلم ما يعلم اقتصاص القرناء من القرناء اذا لم تنطح أو نطحت أقل مما نطحت.
الالوسي
تفسير : تمهيد لما يعقبه من الاختصام يوم القيامة. وفي «البحر» أنه لما لم يلتفتوا إلى الحق ولم ينتفعوا بضرب المثل أخبر سبحانه بأن مصير الجميع بالموت إلى الله تعالى وأنهم يختصمون يوم القيامة بين يديه وهو عز وجل الحكم العدل فيتميز هناك المحق والمبطل. وقال بعض الأجلة: إنه لما ذكرت من أول السورة إلى هنا البراهين القاطعة لعرق الشركة المسجلة لفرط جهل المشركين وعدم رجوعهم مع جهده صلى الله عليه وسلم في ردهم إلى الحق وحرصه على هدايتهم اتجه السؤال منه عليه الصلاة والسلام بعد ما قاساه منهم بأن يقول ما حالي وحالهم؟ فأجيب بانك ميت وإنهم ميتون الآية. وقرأ ابن الزبير وابن أبـي إسحاق وابن محيصن وعيسى واليماني وابن أبـي غوث وابن أبـي عبلة {إنك مائت وإنهم مائتون } والفرق بين ميت ومائت أن الأول: صفة مشبهة وهي تدل على الثبوت ففيها إشعار بأن حياتهم عين الموت وأن الموت طوق في العنق لازم والثاني: اسم فاعل وهو يدل على الحدوث فلا يفيد هنا مع القرينة أكثر من أنهم سيحدث لهم الموت. وضمير الخطاب على ما سمعت للرسول صلى الله عليه وسلم قال أبو حيان: ويدخل معه عليه الصلاة والسلام مؤمنو أمته، وضمير الجمع الغائب للكفار وتأكيد الجملة في {إِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } للإشعار بأنهم في غفلة عظيمة كأنهم ينكرون الموت وتأكيد الأولى دفعاً لاستبعاد موته عليه الصلاة والسلام، وقيل للمشاكلة، وقيل إن الموت مما تكرهه النفوس وتكره سماع خبره طبعاً فكان مظنة أن لا يلتفت إلى الإخبار به أو أن / ينكر وقوعه ولو مكابرة فأكد الحكم بوقوعه لذلك ولا يضر في ذلك عدم الكراهة في بعض لخصوصية فيه كسيد العالمين صلى الله عليه وسلم.
سيد قطب
تفسير : هذا المقطع تعقيب على ما قبله فبعد أن عرض آية الماء النازل من السماء، وآية الزرع الذي يخرج بهذا الماء، وآية الكتاب النازل من عند الله؛ وأشار إلى ما يضربه في القرآن من الأمثال {أية : ولكن أكثرهم لا يعلمون} تفسير : عقب على هذا بأن أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمرهم موكول إلى الله؛ وأنه هو الذي يحكم بينهم بعد الموت، فيجازي الكاذبين المكذبين بما يستحقون؛ ويجازي الصادقين المصدقين جزاء المحسنين. {إنك ميت وإنهم ميتون، ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون}.. إنه الموت نهاية كل حي؛ ولا يتفرد بالبقاء إلا الله وفي الموت يستوي كل البشر بما فيهم محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذكر هذه الحقيقة هنا حلقة من حلقات التوحيد الذي تقرره السورة كلها وتؤكده. ثم يلي ذلك تقرير ما بعد الموت. فالموت ليس نهاية المطاف. إنما هو حلقة لها ما بعدها من حلقات النشأة المقدرة المدبرة، التي ليس شيء منها عبثاً ولا سدى. فيوم القيامة يختصم العباد فيما كان بينهم من خلاف. ويجيء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمام ربه ويوقف القوم للخصومة فيما كانوا يقولونه ويأتونه، ويواجهون به ما أنزل الله إليهم من الهدى. {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه؟ أليس في جهنم مثوى للكافرين؟} سؤال للتقرير. فليس هنالك من هو أظلم ممن كذب على الله فزعم أن له بنات وأنه له شركاء؛ وكذب بالصدق الذي جاء به رسوله؛ فلم يصدق بكلمة التوحيد. إنه الكفر. وفي جهنم مثوى للكافرين. على سبيل التقرير الذي يرد في صورة سؤال لزيادة الإيضاح والتوكيد. هذا طرف من الخصومة فأما الطرف الآخر فهو الذي جاء بالصدق من عند الله. وصدق به فبلغه عن عقيدة واقتناع. ويشترك مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذه الصفة كل الرسل قبله. كما يشاركه فيها كل من دعا إلى هذا الصدق وهو مقتنع به مؤمن بأنه الحق، يشارك قلبه لسانه فيما يدعو إليه.. {أولئك هم المتقون}.. ويتوسع في عرض صفة المتقين هؤلاء وما أعده لهم من جزاء: {لهم ما يشاءون عند ربهم، ذلك جزاء المحسنين}.. وهو تعبير جامع، يشمل كل ما يخطر للنفس المؤمنة من رغائب، ويقرر أن هذا {لهم} عند ربهم، فهو حقهم الذي لا يخيب ولا يضيع.. {ذلك جزاء المحسنين}.. ذلك ليحقق الله ما أراده لهم من خير ومن كرامة، ومن فضل يزيد على العدل يعاملهم به، متفضلاً محسناً: {ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا؛ ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون}.. فالعدل أن تحسب الحسنات وتحسب السيئات؛ ثم يكون الجزاء. والفضل هو هذا الذي يتجلى به الله على عباده المتقين هؤلاء أن يكفر عنهم أسوأ أعمالهم فلا يبقى لها حساب في ميزانهم. وأن يجزيهم أجرهم بحساب الأحسن فيما كانوا يعملون، فتزيد حسناتهم وتعلو وترجح في الميزان. إنه فضل الله يؤتيه من يشاء. كتبه الله على نفسه بوعده. فهو واقع يطمئن إليه المتقون المحسنون..
ابن عاشور
تفسير : لمّا جرى الكلام من أول السورة في مهيع إبطال الشرك وإثبات الوحدانية للإِلٰه، وتوضيح الاختلاف بين حال المشركين وحال الموحّدين المؤمنين بما ينبىء بتفضيل حال المؤمنين، وفي مهيع إقامة الحجة على بطلان الشرك وعلى أحقيّة الإِيمان، وإرشاد المشركين إلى التبصر في هذا القرآن، وتخلل في ذلك ما يقتضي أنهم غير مقلعين عن باطلهم، وختم بتسجيل جهلهم وعدم علمهم، خُتم هذا الغرض بإحالتهم على حكم الله بينهم وبين المؤمنين يوم القيامة حين لا يستطيعون إنكاراً، وحين يلتفتون فلا يَرون إلا ناراً. وقدم لذلك تذكيرهم بأن الناس كلهم صائرون إلى الموت فإن الموت آخر ما يذكر به السادر في غلوائه إذا كان قد اغتر بعظمة الحياة ولم يتفكر في اختيار طريق السلامة والنجاة، وهذا من انتهاز القرآن فرص الإِرشاد والموعظة. فالمقصود هو قوله: {إنَّكم يوم القيامةِ عندَ ربِّكُم تختصِمون} فاغتُنم هذا الغرض ليجتلب معه موعظة بما يتقدمه من الحوادث عسى أن يكون لهم بها مُعتبر، فحصلت بهذا فوائد: منها تمهيد ذكر يوم القيامة، ومنها التذكير بزوال هذه الحياة، فهذان عامَّانِ للمشركين والمؤمنين، ومنها حثّ المؤمنين على المبادرة للعمل الصالح، ومنها إشعارهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يموت كما مات النبيئون من قبله ليغتنموا الانتفاع به في حياته ويحرصوا على ملازمة مجلسه، ومنها أن لا يختلفوا في موته كما اختلفت الأمم في غيره، ومنها تعليم المسلمين أن الله سوّى في الموت بين الخلق دون رعي لتفاضلهم في الحياة لتكثر السَّلْوة وثقل الحسرة. فجملتا {إنَّكَ مَيّتٌ وإنَّهُم مَّيتُونَ} استئناف، وعُطف عليهما {ثم إنَّكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} بحرف {ثمّ} الدال على الترتيب الرتبي لأن الإِنباء بالفصْل بينهم يوم القيامة أهم في هذا المقام من الإِنباء بأنهم صائرون إلى الموت. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو خبر مستعمل في التعريض بالمشركين إذ كانوا يقولون: {أية : نتربص به ريب المنون}تفسير : [الطور: 30]، والمعنى: أن الموت يأتيك ويأتيهم فما يدري القائلون: {نتربص به ريب المنون} أن يكونوا يموتون قبلك، وكذلك كان، فقد رأى رسول الله مصارع أشدّ أعدائه في قَلِيب بدر، قال عبد الله ابن مسعود: دَعا رسول الله على أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي مُعيط وعمارة بن الوليد فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عدّهم رسول الله صرعى في القليب قليب بدر. وضمير الغيبة في {وإنَّهُم مَّيّتُونَ} للمشركين المتحدث عنهم، وأما المؤمنون فلا غرض هنا للإِخبار بأنهم ميّتون كما هو بيّن من تفسير الآية. وتأكيد الخبرين بــــ (إنّ) لتحقيق المعنى التعريضي المقصود منها. والمراد بالميت: الصائر إلى الموت فهو من استعمال الوصف فيمن سيتصف به في المستقبل تنبيهاً على تحقيق وقوعه مثل استعمال اسم الفاعل في المستقبل كقوله تعالى: {أية : إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30]. والميت: هو من اتصف بالموت، أي زالت عنه الحياة، ومثله: الميْت بتخفيف السكون على الياء، والتحقيق أنه لا فرق بينهما خلافاً للكسائي والفراء. وتأكيد جملة {إنَّكم يوم القيامَةِ عند ربكم تَخْتَصِمُونَ} لرد إنكار المشركين البعث. وتقديم {عِندَ ربّكُم} على {تَخْتَصِمُونَ} للاهتمام ورعاية الفاصلة. والاختصام: كناية عن الحكم بينهم، أي يحكم بينكم فيما اختصمتم فيه في الدنيا من اثبات المشركين آلهة وإبطالكم ذلك، فهو كقوله تعالى: {أية : إن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}تفسير : [النحل: 124]. ويجوز أن يكون الاختصام أطلق على حكاية ما وقع بينهم في الدنيا حين تُعرض أعمالهم، كما يقال: هذا تخاصُم فلان وفلان، في طالع محضر خصومة ومقاولة بينهما يُقرأ بين يدي القاضي. ويجوز أن تصوَّر خصومة بين الفريقين يومئذٍ ليفتضح المبطلون ويبهج أهل الحق على نحو ما قال تعالى: {أية : إن ذلك لحقُ تخاصم أهل النار}تفسير : [ص: 64]. وعلى الوجه الأول فضمير {إنَّكُمْ} عائد إلى مجموع ما عاد إليه ضمير {إنَّكَ} و {إنَّهُم}. وعلى الوجهين الأخيرين يجوز أن يكون الضمير كما في الوجه الأول. ويجوز أن يكون عائداً إلى جميع الأمة وهو اختصام الظلامات، وقد ورد تأويل الضمير على هذا المعنى فيما رواه النسائي وغيره عن عبد الله بن عمر قال: «لما نزلت هذه الآية قلنا: كيف نختصم ونحن إخوان، فلما قتل عثمان وضرب بعضُنا وَجه بعض بالسيف قلنا: هذا الخصام الذي وعدنا ربنا». وروى سعيد بن منصور عن أبي سعيد الخدْري مثل مقالة ابن عمر ولكن أبا سعيد قال: «فلما كان يوم صّفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هو ذا». وسواء شملت الآية هذه المحامل وهو الأليق، أو لم تشملها فالمقصود الأصلي منها هو تخاصم أهل الإِيمان وأهل الشرك.
د. أسعد حومد
تفسير : (30) - سَتَمُوتُ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، وَسَيَمُوتُونَ هُمْ أَيْضاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كان كفار مكة إذا أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سوء أو وعكة صحية، أو نزلتْ به شدة كما حدث في أُحُد يفرحون لذلك، فما بالك لو مات رسول الله؟ لذلك يقرر القرآن لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] فعلامَ يفرحون وهذه نهاية الجميع، كما قال في موضع آخر: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 34]. لكن المسألة لن تنتهي عند هذا الحدِّ، إنما بعد الموت حياةٌ أخرى، فيها حساب وجزاء ووقوف بين يدي الله تعالى، وساعتها سيكون النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى مقام، أما أنتم فسيكون موقفكم موقفَ المخالفين لله، فماذا تقولون؟ هذا معنى قوله سبحانه {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 31]. ومعنى {إِنَّكَ مَيِّتٌ ..} [الزمر: 30] هكذا بالتشديد. أي: ذاهب مُنْتهٍ إلى الموت ففرْق بين ميّت بتشديد الياء وميْت بسكونها، ميّت يعني من سيموت ويؤول إلى الموت، ولو كان حيّاً، لأن الله خاطب رسوله وهو ما يزال حياً. أما ميْت فمَنْ مات بالفعل. ومن ذلك قول الشاعر: شعر : وكُلُّ أَنَامِ اللهِ فِي النَّاسِ مَيِّتٌ وَمَا الميْتُ إلاَّ مَنْ إِلَى القَبْرِ يُحْمَلُ تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] فيه تطمينٌ وتأسية لرسول الله، كما خاطبه سبحانه بقوله: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77] وهنا قال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 31]. يعني: إما أنْ ترى انتقام الله منهم في الدنيا وإلا ففي الآخرة، إذن: من مصلحتك أنت أنْ تنتقل إلى الرفيق الأعلى لنختصر المسافة، وترى بعينك مصارع الكافرين المعاندين، فلا تضعف ولا تذل؛ لأن لك مآلاً عند الله تأخذ فيه جزاءك، ويأخذون جزاءهم. والحق - سبحانه وتعالى - لما تكلَّم عن الموت في سورة تبارك، قال: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ..} تفسير : [الملك: 1-2]. فتأمل {خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ..} [الملك: 2] وجعل الموت أولاً مع أنه بعد الحياة، ذلك لأن الحياة ستعطيك نوعاً من الغرور، حين ترى جوارحك تستجيب لك، والأسباب تستجيب لك والدنيا تعطيك فلا بُدَّ أن يدخلك الغرور، فأراد الحق سبحانه ألاّ نستقبلَ الحياة بالغرور، بل نستقبلها أولاً بهذه الحقيقة التي تناقض الحياة وهي الموت. إذن: فالعاقل يفهم أنه صائر إلى الموت، ويقضي رحلة حياته وهو على ذكْر لهذه النهاية. وقوله {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 31] وستكون أول خصومة بين الأنبياء ومَنْ كفروا بهم هي مسألة البلاغ حين يشهد الرسل أنهم بلَّغوا أقوامهم رسالة الله، فإذا بهم يتعللون، يقولون: اعتقدناه سحراً، اعتقدناه كذباً، اعتقدناه تخييلاً، لكنهم ما فطنوا إلى أن الله أكّد هذا بقوله {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ..} تفسير : [البقرة: 143]. إذن: فضّل الله أمةَ محمد صلى الله عليه وسلم بأنها حملتْ رسالة رسولها، وهذه مسألة لم تحدث مع الرسل السابقين؛ لذلك قال تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ..} تفسير : [آل عمران: 110] والدليل على حَمْل الأمة لهذه الرسالة أنه لم يأتِ رسول بعد رسول الله، فكأن الله تعالى أَمِن أمة محمد على رسالته، والنبي صلى الله عليه وسلم شهد أنه بلَّغ أمته، وعليهم هم أنْ يشهدوا أنهم بلَّغوا الناس. وهذا المعنى من معاني الوسطية التي قال الله فيها: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ..} تفسير : [البقرة: 143]. وإنْ كانت تتسع لغير ذلك فلأنها وسط في كل شيء، فقد رأينا في غير هذه الأمة مَنْ أنكر الإله، ومنهم مَنْ أثبت آلهة متعددة، وكلاهما تطرف، فجاء الإسلام وقال بعبادة إله واحد لا شريك له، فاختار الوسطية والاعتدال وحَلّ هذا النزاع. لذلك خاطبنا ربنا بقوله: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ..} تفسير : [البقرة: 143] أي: فيكم نواحي الاعتدال، فإذا سمعتم مَنْ يقول بالشيوعية، ومَنْ يقول بالرأسمالية، وإذا رأيتم مَنْ يتعصّب لمذهبه فقولوا: نحن أمة وسطا تركنا للرأسمالية أن تثمِّر طموحها، لأنه ليس للجميع لديه طموح، وحين تثمِّر الرأسمالية طموحها لا بُدَّ أنْ تخدم المجتمع، وانظر كم من العمال يعمل، وكم من البيوت تُفتح. كذلك الشيوعية فرضنا لهم ما لم يدفعوا إلى غير القادر، إذن: أخذنا ميزة هؤلاء وميزة هؤلاء، بدليل أن النظامين اللذين سيطرا على العالم طوال مدة من الزمن بدأتْ شراستهم تقل، فالرأسماليون أخذوا في التخفيف من حِدَّة الرأسمالية، ونظروا إلى العمال فأعطوْهم حقوقهم وميَّزوهم، وجعلوا لهم نقابات ... إلخ، وكذلك الشيوعية قالوا: لا بُدَّ أنْ يوجد في المجتمع طبقة تقدر أنْ تزِنَ الأمور بطموحاتها، ويجعلوا للعمال فرصاً يعملون بها، وأخيراً انتهت الشيوعية والحمد لله عن آخرها. إذن: فأمة الإسلام أمة الوسطية أخذت خَيْر النظامين. نقول: سيكون في الآخرة الاختصام الأول بين الأنبياء ومن كذَّب بهم، واختصام بين أئمة الكفر ومَنْ تبعهم ممَّنْ أضلوهم وأغوْوهم، بين القوم الذين أثروا في السفهاء، وجعلوهم تابعين لهم في الكفر. وقد صَوَّر القرآن هذه الخصومة في هذا الموقف، فقال: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة: 166-167]. لذلك يقول سبحانه وتعالى: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزخرف: 67]. إذن: لا بدّ أنْ يختلفوا الآن، ويلعنَ بعضهم بعضاً، ويُلقي كلّ منهم التبعية على الآخر؛ لذلك يقول تعالى: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ * قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الصافات: 24-29]. هكذا يختصم التابع والمتبوع، وتتفرّق جماعتهم ولا يتناصرون كما تناصروا على كفرهم في الدنيا. ويُصوِّر القرآن موقفاً آخر للكافرين، حيث سبق قادتهم ورؤساؤهم إلى النار، فجاء التابعون فوجدوا السادة قد سبقوهم، يقول تعالى: {أية : هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ * هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ * قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} تفسير : [ص: 55-60]. وكوْنُ القادة يسبقون أتباعهم إلى النار يدلُّ على أنهم أعظم جُرْماً من التابعين لهم؛ لأنهم ضلُّوا في أنفسهم وأضلُّوا غيرهم، وفيه أيضاً قطْعٌ لأمل التابعين في النجاة والخلاص من النار، ومَنْ يخلصهم وقد رأوا سادتهم وقادتهم قد سبقوهم إليها؟ وفي المقابل يعرض الحق سبحانه هذا الحوار بين المؤمنين في الجنة: {أية : قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} تفسير : [الصافات: 51] أي: صاحب من أهل الكفر {أية : يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ * فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 52-55]. يعني: نظر من السور فإذا بقرينه في سواء الجحيم، يعني: في وسطها. فقال: {أية : تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} تفسير : [الصافات: 56] تهلكني معك {أية : وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} تفسير : [الصافات: 57]. وقد يكون حواراً بلا خصام، كما في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ * وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} تفسير : [الأحزاب: 66-68].
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ} يعني: كيف لا يستقل سبحانه بالوجوه والآثار المرتبة عليه، مع أنك يا أكمل الرسل وأشرف الكائنات وأفضلهم معطل في ذاتك وفي نشأتك هذه عن استناد ما ظهر منك إليك؛ إذ لا وجود لك من ذاتك {وَإِنَّهُمْ} أي: غيرك من أشخاص بالطريق الأولى {مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] معطلون عن آثار الوجود مطلقاً في هذه النشأة، بل كلكم أنتم وعموم العباد مسخرون تحت حكمه وأمره، ما عليكم إلا الامتثال والانقياد. {ثُمَّ إِنَّكُمْ} أيها الموحدون والمشركون جميعاً {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} المعدة للحساب والجزاء {عِندَ رَبِّكُمْ} المطلع على جميع ما جرى عليكم {تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 31] بعضكم مع بعض فيما أنتم عليه في نشأتكم الأولى، ثم تحاسبون وتجازون بمقتضاه، فستعملون حنيئذ أي منقلب ينقلبون. ثم قال سبحانه على سبيل الاستبعاد والتقريع: {فَمَنْ أَظْلَمُ} وأضل طريقاً {مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ} وأنكر وجوده واستقلاله فيه، وفي الآثار المترتبة عليه {وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ} يعني: بالقرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مبيناً لتوحيد الحق، واستقلاله في الوجود {أَلَيْسَ} يبقى {فِي جَهَنَّمَ} البعد والحرمان {مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32] الساترين بغيوم هوايتهم الباطلة شمس الحق الظاهرة في الآفاق بالاستقلال والاستحقاق، مع أنه معد لهؤلاء المردة المطرودين عن ساحة العز القبول. {وَ} الموحد {ٱلَّذِي} من قبل ربه {جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} بلا افتراء ومراء {وَصَدَّقَ بِهِ} إيماناً واحتساباً بلا شوب شك وتردد فيه {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء الصادقون المصدقون {هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33] الذين يحفظون عن الميل إلى ما لا يرضى منهم سبحانه. وبسبب اتصافهم بالتقوى عن محارم الله {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ} من اللذات الروحانية {عِندَ رَبِّهِمْ} الذي رباهم بأنواع الكرامة، ووفقهم للهداية إلى جنابه، والعكوف حول بابه تفضلاً عليهم وتكريماً {ذَلِكَ} الذي سمعت من الكرامات {جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 34] الذين يحسنون الأدب مع الله بحسب ظواهرهم وبواطنهم، ويأخذون ما نزل من عنده من الأوامر والنواهي على وجه العزيمة الخالصة عن شوب الرياء والرعونات المنافية لإخلاص العبودية. {لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} بسبب أخلاصهم في عزائمهم {أَسْوَأَ} العمل {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ} فكيف أسهله وأصغره {ٱلَّذِي عَمِلُواْ} أي: يعطيهم جاء أعمالهم في الآخرة {بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ} [الزمر: 35] أي: أحسن من حسناتهم، وأوفر منها؛ لخلوصهم فيها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):