٣٩ - ٱلزُّمَر
39 - Az-Zumar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ} أي لا أحد أظلم {مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ} فزعم أن له ولداً وشريكاً {وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ} يعني القرآن {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ} استفهام تقرير {مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} أي مقام للجاحدين، وهو مشتق من ثَوَى بالمكان إذا أقام به يَثْوِي ثَوَاء وثُوِيًّا مثل مَضَى مَضَاء ومُضِيًّا، ولو كان من أَثْوَى لكان مُثْوًى. وهذا يدّل على أن ثَوَى هي اللغة الفصيحة. وحكى أبو عبيد أَثْوَى، وأنشد قول الأعشى:شعر : أَثْوَى وقَصَّر لَيْلَةً لِيُزَوَّدَا ومَضَى وأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدَا تفسير : والأصمعي لا يعرف إلا ثَوَى، ويروى البيت أَثَوَى على الاستفهام. وأَثْوَيتُ غيري يتعدى ولا يتعدّى. قوله تعالى: {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} في موضع رفع بالابتداء وخبره {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} واختلف في الذي جاء بِالصدق وصَدَّقَ بِهِ؛ فقال علي رضي الله عنه: «الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ» النبي صلى الله عليه وسلم «وَصَدَّقَ بِهِ» أبو بكر رضي الله عنه. وقال مجاهد: النبي عليه السلام وعليّ رضي الله عنه. السّدي: الذي جاء بالصدق جبريل صلى الله عليه وسلم والذي صدّق به محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن زيد ومقاتل وقتادة: «الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْق» النبي صلى الله عليه وسلم «وَصَدَّقَ بِهِ» المؤمنون. واستدلوا على ذلك بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} كما قال: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2]. وقال النَّخَعي ومجاهد: «الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِه» المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة فيقولون: هذا الذي أعطيتُمونا قد اتبعنا ما فيه؛ فيكون {الَّذِي} على هذا بمعنى جمع كما تكون مَنْ بمعنى جمع. وقيل: بل حذفت منه النون لطول الاسم، وتأوله الشعبي على أنه واحد. وقال: {الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} محمد صلى الله عليه وسلم فيكون على هذا خبره جماعة؛ كما يقال لمن يُعظَّم هو فعلوا، وزيد فعلوا كذا وكذا. وقيل: إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله عز وجل؛ قاله ابن عباس وغيره، واختاره الطبري. وفي قراءة ابن مسعود {وَالَّذِي جَاءُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَقُوا بِهِ} وهي قراءة على التفسير. وفي قراءة أبي صالح الكوفي {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَقَ بِهِ} مخففاً على معنى وصدق بمجيئه به، أي صدق في طاعة الله عز وجل، وقد مضى في «البقرة» الكلام في «الَّذِي» وأنه يكون واحداً ويكون جمعاً. {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} أي من النعيم في الجنة، كما يقال: لك إكرام عندي؛ أي ينالك مني ذلك. {ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} الثناء في الدنيا والثواب في الآخرة. قوله تعالى: {لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} أي صدّقوا {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ}. {أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ} أي يكرمهم ولا يؤاخذهم بما عملوا قبل الإسلام. {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ} أي يثيبهم على الطاعات في الدنيا {بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ} وهي الجنة.
البيضاوي
تفسير : {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ } بإضافة الولد والشريك إليه. {وَكَذَّبَ بِٱلصّدْقِ } وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. {إِذْ جَاءهُ } من غير توقف وتفكر في أمره. {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْكَـٰفِرِينَ } وذلك يكفيهم مجازاة لأعمالهم، واللام تحتمل العهد والجنس، واستدل به على تكفير المبتدعة فإنهم يكذبون بما علم صدقه وهو ضعيف لأنه مخصوص بمن فاجأ ما علم مجيء الرسول به بالتكذيب. {وَٱلَّذِى جَاء بِٱلصّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } اللام للجنس ليتناول الرسل والمؤمنين لقوله: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} وقيل هو النبي صلى الله عليه وسلم والمراد هو ومن تبعه كما في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ }تفسير : [المؤمنون: 49] وقيل الجائي هو الرسول والمصدق أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وذلك يقتضي إضمار «ٱلَّذِى» وهو غير جائز. وقرىء «وَصَدَّقَ بِهِ» بالتخفيف أي صدق به الناس فأداه إليهم كما نزل من غير تحريف، أو صار صادقاً بسببه لأنه معجز يدل على صدقه «وَصَدَّقَ بِهِ» على البناء للمفعول. {لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبّهِمْ} في الجنة. {ذَلِكَ جَزَاء ٱلْمُحْسِنِينَ} على إحسانهم. {لِيُكَـفّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ} خص الأسوأ للمبالغة فإنه إذا كفر كان غيره أولى بذلك، أو للإشعار بأنهم لاستعظامهم الذنوب يحسبون أنهم مقصرون مذنبون وأن ما يفرط منهم من الصغائر أسوأ ذنوبهم، ويجوز أن يكون بمعنى السيء كقولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، وقرىء«أسوأ» جمع سوء. {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ} ويعطيهم ثوابهم. {بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَـانُواْ يَعْمَلُونَ } فتعد لهم محاسن أعمالهم بأحسنها في زيادة الأجر وعظمه لفرط إخلاصهم فيها. {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} استفهام إنكار للنفي مبالغة في الإِثبات، والعبد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتمل الجنس ويؤيده قراءة حمزة والكسائي «عباده»، وفسر بالأنبياء صلوات الله عليهم. {وَيُخَوّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } يعني قريشاً فإنهم قالوا له إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا بعيبك إياها. وقيل إنه بعث خالداً ليكسر العزى فقال له سادنها أُحَذِّرْكَهَا فإن لها شدة، فعمد إليها خالد فهشم أنفها فنزل تخويف خالد منزلة تخويفه لأنه الآمر له بما خوف عليه. {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ } حتى غفل عن كفاية الله له وخوفه بما لا ينفع ولا يضر. {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يهديه إلى الرشاد. {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ } إذ لا راد لفعله كما قال: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ} غالب منيع. {ذِى ٱنتِقَامٍ} ينتقم من أعدائه. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} لوضوح البرهان على تفرده بالخلقية. {قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرّهِ } أي أرأيتم بعد ما تحققتم أن خالق العالم هو الله تعالى وأن آلهتكم إن أراد الله أن يصيبني بضر هل يكشفنه. {أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ } بنفع. {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِ } فيمسكنها عني، وقرأ أبو عمرو «كَـٰشِفَـٰتُ ضُرّهِ» «مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِ» بالتنوين فيهما ونصب ضره ورحمته. {قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ } كافياً في إصابة الخير ودفع الضر إذ تقرر بهذا التقرير أنه القادر الذي لا مانع لما يريده من خير أو شر. روي أن النبي عليه الصلاة والسلام سألهم فسكتوا فنزل ذلك، وإنما قال {كَـٰشِفَـٰتُ } و {مُمْسِكَـٰتُ } على ما يصفونها به من الأنوثة تنبيهاً على كمال ضعفها. {عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكّلُونَ} لعلمهم بأن الكل منه تعالى. {قُلْ يٰ قَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } على حالكم، اسم للمكان استعير للحال كما استعير هنا وحيث من المكان للزمان، وقرىء «مكاناتكم». {إِنّى عَـٰمِلٌ } أي على مكانتي فحذف للاختصار والمبالغة في الوعيد، والإشعار بأن حاله لا يقف فإنه تعالى يزيده على مر الأيام قوة ونصرة ولذلك توعدهم بكونه منصوراً عليهم في الدارين فقال: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ }. {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } فإن خزي أعدائه دليل غلبته، وقد أخزاهم الله يوم بدر. {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } دائم وهو عذاب النار.
ابن كثير
تفسير : يقول عز وجل مخاطباً المشركين الذين افتروا على الله، وجعلوا معه آلهة أخرى، وادعوا أن الملائكة بنات الله، وجعلوا لله ولداً، تعالى عن قولهم علواً كبيراً، ومع هذا، كذبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولهذا قال عز وجل: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ} أي: لا أحد أظلم من هذا؛ لأنه جمع بين طرفي الباطل؛ كذب على الله، وكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا الباطل، وردوا الحق، ولهذا قال جلت عظمته متوعداً لهم: {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَـٰفِرِينَ} وهم الجاحدون المكذبون. ثم قال جل وعلا: {وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد: الذي جاء بالصدق هو الرسول صلى الله عليه وسلم وقال السدي: هو جبريل عليه السلام {وَصَدَّقَ بِهِ} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} قال: من جاء بلا إله إلا الله {وَصَدَّقَ بِهِ} يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ الربيع بن أنس: (والذين جاءوا بالصدق) يعني: الأنبياء، (وصدقوا به) يعني: الأتباع. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: {وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} قال: أصحاب القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة، فيقولون: هذا ما أعطيتمونا، فعملنا فيه بما أمرتمونا. وهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين؛ فإن المؤمنين يقولون الحق، ويعملون به، والرسول صلى الله عليه وسلم أولى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير؛ فإنه جاء بالصدق، وصدق المرسلين، وآمن بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} هو رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَصَدَّقَ بِهِ} قال: المسلمون {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: اتقوا الشرك. {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} يعني: في الجنة، مهما طلبوا وجدوا { ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَـانُواْ يَعْمَلُونَ } كما قال عز وجل في الآية الأخرى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَـٰتِهِمْ فِىۤ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ} تفسير : [الأحقاف: 16].
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَمَنْ } أي لا أحد {أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ } بنسبة الشريك والولد إليه {وَكَذَّبَ بِٱلصّدْقِ } بالقرآن {إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى } مأوى {لِلْكَٰفِرِينَ } بلى.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {والذي جاء بالصدق} الآية. وفي الذي جاء بالصدق أربعة أقاويل: أحدها: أنه جبريل، قاله السدي. الثاني: محمد صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة ومجاهد. الثالث: أنهم المؤمنون جاءوا بالصدق يوم القيامة، حكاه النقاش. الرابع: أنهم الأنبياء، قاله الربيع وكان يقرأ: والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به. وفي (الصدق) قولان: أحدهما: أنه لا إله إلا الله، قاله ابن عباس. الثاني: القرآن، قاله مجاهد وقتادة. ويحتمل ثالثاً: أنه البعث والجزاء. وفي الذي صدق به خمسة أقاويل: أحدها: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. الثاني: المؤمنون من هذه الأمة، قاله الضحاك. الثالث: أتباع الأنبياء كلهم، قاله الربيع. الرابع: أنه أبو بكر، رضي الله عنه حكاه الطبري عن علي رضي الله عنه، وذكره النقاش عن عون بن عبد الله. الخامس: أنه علي كرم الله وجهه، حكاه ليث عن مجاهد. ويحتمل سادساً: أنهم المؤمنون قبل فرض الجهاد من غير رغبة في غنم ولا رهبة من سيف. {أولئك هم المتقون} إنما جاز الجمع في {هم المتقون} و {الذي} واحد في مخرج لفظه وجمع في معناه على طريق الجنس كقوله تعالى {أية : إن الإنسان لفي خسر }.تفسير : قوله عز وجل: {ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عَمِلوا} قبل الإيمان والتوبة، ووجه آخر: أسوأ الذي عملوا من الصغائر لأنهم يتقون الكبائر. {ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} أي يجزيهم بأجر أحسن الأعمال وهي الجنة.
الخازن
تفسير : {فمن أظلم ممن كذب على الله} فزعم أن له ولداً أو شريكاً {وكذب بالصدق إذ جاءه} أي بالقرآن وقيل بالرسالة إليه {أليس في جهنم مثوى} أي منزلة ومقام {للكافرين}. قوله تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به} أي والذي صدق به، قال ابن عباس: الذي جاء بالصدق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلا إله إلا الله وصدق به هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً بلغه إلى الخلق، وقيل: الذي جاء بالصدق هو جبريل عليه الصلاة والسلام جاء بالقرآن وصدق به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق به أبو بكر رضي الله تعالى عنه وقيل وصدق به المؤمنون وقيل الذي جاء بالصدق الأنبياء وصدق به الأتباع. وقيل: الذي جاء بالصدق أهل القرآن وهو الصدق يجيئون به يوم القيامة وقد أدوا حقه فهم الذين صدقوا به {أولئك هم المتقون} أي الذين اتقوا الشرك {لهم ما يشاؤون عند ربهم} أي من الجزاء والكرامة {ذلك جزاء المحسنين} أي في أقوالهم وأفعالهم {ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا} أي يستره عليهم بالمغفرة {ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} أي يجزيهم بمحاسن أفعالهم ولا يجزيهم بمساويها. قوله عز وجل: {أليس لله بكاف عبده} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وقرىء عباده يعني الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قصدهم قومهم بالسوء فكفاهم الله تعالى شر من عاداهم {ويخوفونك بالذين من دونه} وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم مضرة الأوثان وقالوا لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون {ومن يضلل الله فما له من هاد}.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {عباده} على الجمع: يزيد وحمزة وعلي وخلف. {أرادني الله} بسكون الياء: حمزة. {كاشفات} بالتنوين {ضره} بالنصب وهكذا {ممسكات رحمته} أبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون: بالإضافة فيهما {قضى عليها} مجهولاً {الموت} بالرفع: حمزة وعلي وخلف {يا عبادي الذين أسرفوا} بسكون الياء: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وسهل ويعقوب، والوقف للجميع بالياء لا غير. {يا حسرتاي} بياء بعد الف: يزيد. الآخرون: بالألف وحدها {وينجي الله} بالتخفيف: روح {بمفازاتهم} على الجمع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل {تأمروني} بتشديد النون وفتح الياء: ابن كثير {تأمرونني} بنونين وسكون الياء: ابن عامر {تأمروني} بنون واحدة وفتح الياء: أبو جعفر ونافع. الباقون: بتشديد النون وسكون الياء. {لنحبطن} بالنون من الإحباط {عملك} بالنصب: يزيد. الآخرون: على الغيبة وفتح العين {عملك} بالرفع {وسيق} بضم السين وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس {فتحت} بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل في الحرفين. الوقوف: {إذ جاءه} ط {للكافرين} ه {المتقون} ه {عند ربهم} ط {المحسنين} ه ج لاحتمال تعلق اللام بمحذوف كما يجيء. {يعملون} ه {عبده} ط {من دونه} ط {من هاد} ه ج {مضل} ط {انتقام} ه {ليقولن الله} ط {رحمته} ط {حسبي الله} ط {المتوكلون} ه {عامل} ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب {تعلمون} ه لا {مقيم} ه {بالحق} ج لاختلاف الجملتين {فلنفسه} ج {عليها} ج للابتداء بالنفي مع العطف {بوكيل} ه ج {في منامها} ج {مسمى} ط {يتفكرون} ه {شفعاء} ط {يعقلون} ه {جميعاً} ط {والأرض} ط بناء على أن "ثم" لترتيب الأخبار {ترجعون} ه {بالآخرة} ط ج فصلاً بين الجملتين مع اتفاقهما نظماً {يستبشرون} ه {يختلفون} ه {القيامة} ط {يحتسبون} ه {يستهزؤن} ه {دعانا} ز فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين {منا} لا لأن ما بعده جواب {على علم} ط {لا يعلمون} ه {يكسبون} ه {ما كسبوا} الأولى ط {ما كسبوا} الثانية لا لأن الواو للحال {بمعجزين} ه {ويقدر} ط {يؤمنون} ه {رحمة الله} ط {جميعاً} ط {الرحيم} ه {لا تنصرون} ه {لا تشعرون} ه لا {الساخرين} ه لا {المتقين} ه لا {المحسنين} ه {الكافرين} ه {مسودّة} ط {للمتكبرين} ه {بمفازتهم} ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه {يحزنون} ه {كل شيء} ز للفصل بين الوصفين تعظيماً مع اتفاق الجملتين {وكيل} ه {والأرض} ط {الخاسرون} ه {الجاهلون} ه {من قبلك} ج لحق القسم المحذوف {الخاسرين} ه {الشاكرين} ه {بيمينه} ط {يشركون} ه {من شاء الله} ج بياناً لتراخي النفخة الثانية عن الأولى مع اتفاق الجملتين {ينظرون} ه {لا يظلمون} ه {يفعلون} ه {زمراً} ط {هذا} ط {الكافرين} ه {فيها} ج {المتكبرين} ه {زمراً} ط {خالدين} ه {نشاء} ج {العاملين} ه {ربهم} ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولاحتمال جعله حالاً وقد قضى بين الزمرين {العالمين} ه. التفسير: لما ضرب لعبدة الأصنام مثلاً أشار إلى نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو أنهم يضمون على كذبهم على الله بإضافة الشريك والولد إليه تكذيبهم بالصدق يعني الأمر الذي هو الصدق بعينه أي القرآن. ومعنى {إذ جاءه} أنه لم يراع طريقة أهل الإنصاف والتدبر لكنه لما سمع به فاجأه بالتكذيب. واللام في قوله {للكافرين} لهؤلاء المعهودين الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق. قال جار الله: ويحتمل أن يكون للعموم فيشملهم وغيرهم من الكفرة. وحين بين وعيدهم عقبه بوعد الصادقين المصدّقين وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقيل: الرسول وأبو بكر والتعميم أولى لقوله {أولئك هم المتقون} قوله {ليكفر} ظاهره تعلقه بـ {يشاؤن} فتكون لام العاقبة. ويحتمل تعلقه بمحذوف أي جزاؤهم وإكرامهم لأجل ذلك. قال جار الله: الأسوأ ههنا ليس للتفضيل وإنما هو كقولهم: الأشج أعدل بني مروان. وفائدة صيغة التفضيل استعظامهم المعصية حتى إن الصغائر عندهم أسوأ أعمالهم. وقال بعض المفسرين: أراد به الكفر السابق الذي يمحوه الإيمان. واستدل مقاتل ـ وكان شيخ المرجئة ـ بهذه الآية فإنها تدل على أن من صدّق الأنبياء فإنه تعالى يكفر عنه أسوأ الأعمال التي أتى بها بعد الإيمان والوصف بالتقوى وفيه نظر. ثم إنهم كانوا يخوّفون المؤمنين والنبي صلى الله عليه وسلم برفض آلهتهم وتحقيرها. ويروى أنه بعث خالداً إلى العزى ليكسرها فقال له سادنها: أحذركها يا خالد، إن لها شدّة. فعمد خالد إليها فهشم أنفها فأنزل الله تعالى {أليس الله بكاف عبده} أي نبيه بدليل قوله {ويخوّفونك} ومن قرأ على الجمع فهي للعموم. والآيات إلى قوله {بوكيل} ظاهرة مع أنها تعلم مما سبق ذكرها مراراً. والعذاب الخزي عذاب يوم بدر، والعذاب المقيم العذاب الدائم في الآخرة، ومدار هذه الآي على تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أكد كون الهداية والضلال من الله تعالى بقوله {الله يتوفى الأنفس} وذلك أن الحياة واليقظة تشبه الهداية، والموت والنوم يضاهي الضلال. فكما أن الحياة والموت واليقظة والنوم لا يحصلان إلا بتخليق الله وتكوينه فكذلك الهداية والضلال، والعارف بهذه الدقيقة عارف بسر الله في القدر، ومن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، ففيه تسلية أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل في وجه النظم: إنه تعالى أراد أن يذكر حجة أخرى على إثبات الإله العليم القدير ليعلم أنه أحق بالعبادة من كل ما سواه فضلاً عن الأصنام. ومعنى الآية أن الله تعالى يتوفى الأنفس حين موتها. قال جار الله: أراد بالأنفس الجملة كما هي لأنها هي التي تنام وتموت {و} يتوفى الأنفس {التي لم تمت في منامها} أي يتوفاها حيت تنام تشبيهاً للنائمين بالموتى كقوله {أية : وهو الذي يتوفاكم بالليل}تفسير : [الأنعام: 60] والحاصل أنه يتوفى الأنفس مرتين، مرة عند موتها ومرة عند نومها فتكون "في" متعلقة بـ {يتوفى} والتوفي مستعمل في الأول حقيقة وفي الثاني مجازاً، ولم يجوّزه كثير من أئمة الأصول. وقال الفراء: "في" متعلقة بالموت وتقديره: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها عند انقضاء حياتها. ثم بين الفرق بين الحالين بقوله {فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الآخرى إلى أجل مسمى} من غير غلط. وقال حكماء الإسلام: النفس الإنسانية جوهر مشرق نوراني إذا تعلق بالبدن حصل ضوءه في جميع الأعضاء ظاهرها وباطنها وهو الحياة واليقظة. وأما في وقت النوم فإن ضوءه لا يقع إلا على باطن البدن وينقطع عن ظاهره، فتبقى نفس الحياة التي بها النفس وعمل القوى البدنية في الباطن ويفنى ما به التمييز والعقل، وإذا انقطع هذا الضوء بالكلية عن البدن فهو الموت، ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن صدوره إلا من القدير الخبير الذي لا شريك له في ملكه ولا نظير، ولهذا ختم الآية بقوله {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} ثم كان لمشرك أن يقول: إنما نعبد الأصنام لأنها تماثيل أشخاص كانوا عند الله مقربين فنحن نرجو شفاعتهم فأنكر الله عليهم بقوله {أم اتخذوا من دون الله} أي من دون إذنه {شفعاء} و "أم" بمعنى "بل"، والهمزة الإنكارية وتقرير الإنكار أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا في شفاعة تلك التماثيل وإما في شفاعة من هذه التماثيل تماثيلهم. والأول باطل لأن هذه الأصنام جمادات لا تملك شيئاً ولا تعقل وأشار إلى هذا المعنى بقوله {قل أولو كانوا} يعني أيشفعون ولو كانوا بحيث {لا يملكون شيئاً ولا يعقلون} والثاني أيضاً مستحيل لأن يوم القيامة لا يشفع أحد إلا بإذن الله وهو المراد بقوله {قل لله الشفاعة} وانتصب {جميعاً} على الحال. ولو كان تأكيداً للشفاعة لقيل جمعاء. وحين قرر أن لا شفاعة لأحد إلا بإذن الله برهن على ذلك بقوله {له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون} يوم القيامة ولا ملك في ذلك اليوم إلا له. ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال المشركين فقال {وإذا ذكر الله وحده} أي منفرداً ذكره عن ذكر آلهتهم {اشمأزت} أي نفرت وانقبضت منه {قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دون} سواء ذكر الله معهم أو لم يذكر {إذا هم يستبشرون} أي فاجأ وقت ذكر آلهتهم وقت استبشارهم. وفي الآية طباق ومقابلة لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سروراً حتى يظهر أثره في بشرته. والاشمئزاز أن يمتلىء غماً وغيظاً حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه وذلك لاحتباس الروح الحيواني في القلب. وقيل: معنى الآية أنه إذا قيل لا إله إلا الله وحده لا شريك له. نفروا لأن فيه نفياً لآلهتهم. وفي بعض التفاسير أن هذا إشارة إلى ما روي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ سورة النجم وسوس الشيطان إليه بقوله "تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى" فاستبشر المشركون وسجدواتفسير : . ولما حكى عنهم هذا الجهل الغليظ والحمق الشديد وهو الاشمئزاز عن ذكره من ذكره رأس السعادات وعنوان الخيرات والاستبشار بذكر أخس الأشياء وهي الجمادات، أمر رسوله بهذا الدعاء {اللهم فاطر السموات والأرض} وهو وصفه بالقدرة التامة {عالم الغيب والشهادة} وهو نعته بالعلم الكامل. وإنما قدم وصفه بالقدرة على وصفه بالعلم لأن العلم بكونه قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً كما بين في أصول الدين وقد أشرنا إلى ذلك فيما سلف {أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون} يعني أن نفرتهم عن التوحيد وفرحهم بالشرك أمر معلوم الفساد ببديهة العقل فلا حيلة في إزالته إلا باستعانة القدير العليم. عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح صلاته بالليل فيقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك إنك لتهدي إلى صراط مستقيم. وعن الربيع بن خثيم. وكان قليل الكلام أنه أخبر بقتل الحسين عليه السلام وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال آه أوقد فعلوا وقرأه هذه الآية. وروي أنه قال على أثره: قتل من كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلسه في حجره ويضع فاه في فيه. ثم ذكر وعيدهم على ذلك المذهب الباطل بقوله {ولو أن للذين ظلموا} أي بالشرك وقد مر نظير الآية مراراً أوّلها في آل عمران وفيه قوله {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} نظير قوله في أهل الوعد {أية : فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين}تفسير : [السجدة: 17] وقيل: عملوا أعمالاً حسبوها حسنات فإذا هي سيئات. يروى أن محمد بن المنكدر جزع عند موته فقيل له في ذلك فقال: أخشى آية من كتاب الله وتلاها، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم يكن في حسباني. وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء. ثم صرح بما أبهم قائلاً {وبدا لهم سيئات ما كسبوا} و "ما" موصولة أو مصدرية أي ظهرت لهم سيئات أعمالهم التي اكتسبوها، أو سيئات كسبهم وذلك عند عرض الصحائف أو غير ذلك من المواقف. وجوّز أهل البيان أن يراد بالسيئات جزاء أفعالهم كقوله {أية : وجزاء سيئة سيئة}تفسير : [الشورى: 40] وإنما قال في الجاثية {أية : سيئات ما عملوا}تفسير : [الجاثية: 33] لمناسبة ألفاظ العمل، وههنا قد وقع من ألفاظ الكسب. ثم حكى نوعاً آخر من قبيح أعمالهم قائلاً {فإذا مسّ الإنسان} وقد مر مثله في مواضع أقر بها أول السورة إلا أنه ذكر ههنا بفاء التعقيب لأن هذا مناقض لما حكى عنهم عن قريب وهو أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده فكيف التجأوا إليه وحده عند ضر يصيبهم. ومعنى {أوتيته على علم} أوتيته على علم لله بكوني مستحقاً لذلك أو على علم عندي صار سبباً لهذه المزية ككسب وصنعة ونحو ذلك. ولا شك أن هذا نوع من الغرور فلهذا قال سبحانه {بل هي فتنة} بلاء واختبار يتميز بها الشاكر عن الكافر. ذكر الضمير أوّلاً بتأويل المخوّل وأنثه ثانياً بتأويل النقمة. ثم أشار بقوله {قد قالها} أي مجموع الكلمة التي صدرت عنهم و {الذين من قبلهم} هم قارون وقومه حيث {أية : قال إنما أوتيته على علم عندي} تفسير : [القصص: 78] وقومه راضون بها فكأنهم قالوها. ويجوز أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} من الأموال أو من المعاصي وأشار بقوله {هؤلاء} إلى أهل مكة أصابهم قتل في يوم بدر وغيره وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين فقيل لهم: أولم يعلموا أن الباسط والقابض هو الله وحده؟ وذلك أن انتهاء الحوادث المتسلسلة يجب أن يكون إلى إرادته ومشيئته، ولا ينافي هذا توسيط عالم الأسباب وأن يكون للكواكب كلها تأثيرات في عالمنا هذا بإذن مبدعها وفاطرها. وقول الشاعر: شعر : فلا السعد يقضي به المشتري ولا النحس يقضي علينا زحل ولكنه حكم رب السماء وقاضي القضاة تعالى وجل تفسير : كلام من غير تبين واستبصار بسر القدر. والذي يشكك به الإمام فخر الدين الرازي من أنه قد يولد إنسانان في طالع واحد ثم يصير أحدهما في غاية السعادة والآخر في غاية الشقاوة كلام غير محقق، لأنا لو سلمنا وقوع ذلك فلاختلاف القابل، وليس تأثير العامل السماوي في طالع ولد السلطان مثله في طالع ولد الحمامي، وكذا اختلافات أخر لا نهاية لها. نعم لو ادعى عسر إدراك جميع الجزئيات فلا نزاع في ذلك إلا المنتفع بما ينتفع به عليه أن يقنع بما يصل إليه فهمه فلكل شيء حد وفوق كل ذي علم عليم. وحين أطنب في الوعيد أردفه ببيان كمال رحمته ومغفرته فقال {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} عن ابن عباس أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبدالأوثان وقتل النفس التي حرم الله لن يغفر له ونحن قد عبدنا الأوثان وقتلنا الأنفس فأنزل الله هذه الآية. وعن ابن عمر: نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم عذبوا فارتدوا فنزلت فيهم، وكان عمر كاتباً فكتبها إلى عياش والوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. وقيل: نزلت بالمدينة في وحشيّ وقد سبق. ثم إن قلنا: العباد عام فالإسراف على النفس يعم الشرك، ولا نزاع أن عدم اليأس من الرحمة يكون مشروطاً بالتوبة والإيمان. وإن قلنا: العباد المضاف في عرف القرآن مختص بالمؤمنين فالإسراف إما بالصغائر ولا خلاف في أنها مكفرة ما اجتنبت الكبائر، وأما بالكبائر وحينئذ يبقى النزاع بين الفريقين. فالمعتزلة شرطوا التوبة، والأشاعرة العفو وقد مر مراراً. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية فقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟ فسكت ساعة ثم قال: ألا ومن أشرك ثلاث مرات"تفسير : رواه في الكشاف. وعلى هذا يكون مخصوصاً بشرط الإيمان. ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات الرحمة: أوّلها تسمية المذنب عبداً والعبودية تشعر بالاختصاص مع الحاجة، واللائق بالكريم الرحيم إفاضة الجود والرحمة على المساكين. وثانيها من جهة الإضافة الموجبة للتشريف. وثالثها من جهة وصفهم بقوله {الذين أسرفوا على أنفسهم} كأنه قال يكفيهم من تلك الذنوب عود مضرتها عليهم لا عليّ. ورابعها نهاهم عن القنوط، والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم. وخامسها قوله {من رحمة الله} مع إمكان الاقتصار على الضمير بأن يقول "من رحمتي" فإيراد أشرف الأسماء في هذا المقام يدل على أعظم أنواع الكرم واللطف. وسادسها تكرير اسم الله تعالى في قوله {إن الله يغفر الذنوب جميعاً} مع تصدير الجملة بـ "إن"، ومع إيراد صيغة المضارع المنبئة عن الاستمرار، ومع تأكيد الذنوب بقوله {جميعاً} أي حال كونها مجموعة. وسابعها إرداف الجملة بقوله {إنه هو الغفور الرحيم} ومع ما فيه من أنواع المؤكدات ومع جميع ذلك لم يخل الترغيب عن الترهيب ليكون رجاء المؤمن مقروناً بخوفه فقال {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له} وذلك أن الأشاعرة أيضاً يجوّزون أن يدخل صاحب الكبيرة النار مدة ثم يخرج منها. ومع احتمال هذا العذاب يجب الميل إلى الإنابة والإخلاص لله في العمل على أن الخوف للتقصير في الطاعة يكفي عن الخوف للتصريح بالمعصية، وللصديقين في الأول مندوحة عن الثاني. وقال بعضهم: إن الكلام قد تم على الآية الأولى، ثم خاطب الكفار بهذه الآيات من قوله {وأنيبوا} والمراد بالعذاب إما عذاب الدنيا كما للأمم السابقة، وإما الموت لأنه أول أهوال الآخرة. وقوله {أحسن ما أنزل إليكم} كقوله {يستمعون القول فيتبعون أحسنه} وقد مر الأقوال فيه. وحين خوّفهم بالعذاب حكى عنهم أنهم بتقدير نزول العذاب ماذا يقولون؟ فذكر ثلاثة أنواع من الكلمات: الأوّل أن تقول والتقدير أنذرناكم العذاب المذكور كراهة أن تقول أو لئلا. تقول. قال جار الله: إنما نكرت نفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر، أو نوع من الأنفس متميزة بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم. وجوز أن يكون التنكير لأجل التكثير كقوله "رب وفد أكرمته". {يا حسرتا على ما فرّطت} أي قصرت. والتفريط إهمال ما ينبغي أن يقدّم {في جنب الله} واعلم أن بعض أهل التجسيم يحكمون بورود هذا اللفظ على إثبات هذا العضو لله سبحانه ولا يدري أنه بعد التسليم لا معنى للتفريط فيه ما لم يصر إلى التأويل. والصحيح ما ذهب إليه علماء البيان أن هذا من باب الكناية، لأنك إذا أثبت الشيء في مكان الرجل وحيزه وجانبه وناحيته فقد أثبته كقوله: شعر : إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج تفسير : وتقول: لمكانك فعلت كذا. أي لأجلك. وفي الحديث "حديث : من الشرك الخفي أن يصلى الرجل لمكان الرجل" تفسير : ولا بد من تقدير مضاف سواء ذكر الجنب أو لم يذكر، وللمفسرين فيه عبارات. قال ابن عباس: أي ضيعت من ثواب الله. وقال مقاتل: ضيعت من ذكر الله. وقال مجاهد: في أمر الله. وقال الحسن: في طاعة الله. وعن سعيد بن جبير: في حق الله. وقيل: في قرب الله من الجنة من قوله {أية : والصاحب بالجنب}تفسير : [النساء: 36] وقال ابن جبير: في جانب هدى الله لأن الطريق متشعب إلى الهدى والضلال فكل واحد جانب وجنب. والتحقيق في المسألة أن الشيء الذي يكون من لوازم الشيء ومن توابعه كأنه حدّ من حدوده وجانب من جوانبه، فلما حصلت المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازماً للشيء وتابعاً له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب في الآية على أحد هذه المضافات. قال الشاعر وهو سابق البربري: شعر : أما لتقين الله في جنب عاشق. له كبد حرّى عليك تقطع؟ تفسير : ثم زاد في التحسر بقوله {وإن كنت لمن الساخرين} أي المستهزئين بالقرآن والنبي والمؤمنين. "إن" مخففة، واللام فارقة، والواو تحتمل العطف والحال. قال قتادة. لم يكفه ما ضيع من أمر الله حتى سخر من المصدّقين. النوع الثاني من كلمات النفس المعذبة {لو أن الله هداني} يجوز أن يقول مرة هذا ومرة ذلك، أو يكون قائل كل من الكلمتين بعد أخرى والمعنى لو أرشدني إلى دينه. {لكنت من المتقين} النوع الثالث قوله عند رؤية العذاب {لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} قال جار الله: لما حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب وهو الثاني، صح أن تقع "بلى" جواباً له مع أنه غير منفي، لأن قوله {لو أن الله هداني} في معنى ما هديت. قلت: هذا يصلح جواباً للقولين الثاني والثالث أي بلى قد هديت بالوحي فكذبت واستكبرت عن قبوله فلا فائدة في الرجعة، فإن عدم القابلية وكونه واقعاً في جانب القهر لن يزول عنه. ثم صرح ببعض أنواع العذاب قائلاً {ويوم القيامة نرى الذين كذبوا على الله} وقوله {وجوههم مسودّة} مفعول ثان إن كانت الرؤية القلبية وإلا فموضعه نصب على الحال. والظاهر أن الكذب على الله هو المشار إليه في قوله {فكذبت بها} ويشمل الكذب عليه باتخاذ الشريك والولد، ونسبته إلى العجز عن الإعادة، ونسبة القرآن إلى كونه مختلفاً ونحو ذلك. وأما المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها كل فريق إسلامي ولا سيما الفروعية، فالظاهر أنها لا تدخل فيها والله أعلم. وأما سواد الوجه فإن كان في الصورة فظاهر ويكون كسائر أوصاف أهل النار من زرقة العيون وغيره، وإن كان المراد به الخجل وشدّة الحياء ونحو ذلك فالله تعالى أعلم بمراده. ولا ريب أن الجهل والإخبار على خلاف ما عليه الأمر ونحو ذلك من الأخلاق الذميمة كلها ظلمات كما أن العلم والصدق ونحوهما أنوار كلها وفي ذلك العالم تظهر حقيقة كل شيء على المكلف {أية : هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت}تفسير : [يونس: 30]. ثم حكى حال المتقين يومئذ قائلاً {وينجي الله الذين اتقوا} الشرك أو المعاصي كبائر وصغائر {بمفازتهم} هي "مفعلة" من الفوز. فمن وحد فلأنه مصدر، ومن جمع فلاختلاف أجناسها فلكل متق مفازة وهي الفلاح. ولا شك أن الباء هي التي في نحو قولك "كتبتُ بالقلم". فقال جار الله: تارة تفسير المفازة هي قوله {لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون} فلا محل للجملة لأنه كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: {لا يمسهم السوء} أي في أبدانهم. {ولا هم يحزنون} يتألمون قلباً على ما فات. وقال: أخرى يجوز أن يراد بسبب فلاحهم أو منجاتهم وهو العمل الصالح، وذلك أن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة. ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها. وعلى هذه الوجوه يكون قوله {لا يمسهم} منصوباً على الحال. وعن الماوردي أن المفازة ههنا البرية أي بما سلكوا مفازة الطاعات الشاقة وهو غريب. وحين تمم الوعد والوعيد أتبعه شيئاً من دلائل المالكية قائلاً {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل} وقد مر في "الأنعام". ثم أكده بقوله {له مقاليد السموات والأرض} وهو كقوله في "الأنعام" {أية : وعنده مفاتح الغيب}تفسير : [الآية: 59] والمقاليد المفاتيح أيضاً فقيل: لا واحد لها من لفظها. وقيل: مقليد أو مقلد أو إقليد. والظاهر أنه في الأصل فارسي والتعريب جعله من قبيل العربي. ويروى أنه سأل عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير الآية فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسير المقاليد لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وقال العلماء: يعني أن هذه الكلمات مفاتيح خيرات السموات والأرض وقد يوحد الله بها ويمجد. قال أهل العرفان: بيده مفاتيح خزائن اللطف والقهر، فيفتح على من يشاء أبواب خزائن لطفه في قلبه فتخرج ينابيع الحكمة وجواهر الأخلاق الحسنة وللآخر بالضد. قال في الكشاف قوله {والذين كفروا} متصل بقوله {وينجي} وما بينهما اعتراض دل على أنه خالق الأشياء كلها مهيمن عليها، لا يخفى عليه أعمال المكلفين وجزاؤها فإن كل شيء في السموات والأرض فإن مفتاحه بيده. هذا والظاهر أنه لا حاجة إلى هذا التقدير البعيد حتى يعطف جملة اسمية على جملة فعلية. والأقرب أنه لما وصف نفسه بصفات المالكية والقدرة ذكر بعده {والذين كفروا} بدلائل ملكه وملكه مع كونها ظاهرة باهرة فلا أخسر منهم لأنهم عمي في الدارين فاقدون لأشرف المطالب ولذلك وبخ أهل الشرك بقوله {قل أفغير الله} أي قل لهم بعد هذا البيان أفغير الله وهو منصوب {بأعبد} و {تأمروني} اعتراض والمعنى أفغير الله {أعبد} بأمركم. وذلك أن المشركين دعوه إلى دين آبائه. وجوز جار الله: أن ينصب بما يدل عليه جملة قوله {تأمروني أعبد} لأنه في معنى تعبدونني غير الله وتقولون لي اعبد. والأصل تأمرونني أن أعبد فحذف أن ورفع الفعل. ويمكن أن يعترض عليه بأن صلة "أن" كيف تتقدّم عليه. ويحتمل أن يجاب بأن العامل هو ما دل عليه الجملة كما قلنا لا قوله {أن أعبد} وقيل: التقدير أفبعبادة غير الله تأمروني؟ وقوله {أيها الجاهلون} لا يكون أليق بالمقام منه لأنه لا جهل أشدّ من جهل من نهى عن عبادة أشرف الأشياء وأمر بعبادة أخس الأشياء. ثم هددّ الأمة على الشرك مخاطباً نبيه بقوله {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك} من الأنبياء مثله {لئن أشركت} فاقتصر على الأول ويجوز أن يراد ولقد أوحى إليك وإلى كل واحد ممن قبلك لئن أشركت كما تقول: كسانا حلة أي كل واحد منا وقد مر نظير هذه الآية بقوله {أية : ولئن أتبعت أهواءهم} تفسير : [البقرة: 120] وبينا أن ذلك على سبيل الفرض والشرطية لا حاجة في صدقها إلى صدق جزأيها، أو المراد الأمة كما قلنا. وفي قوله {ولتكونن من الخاسرين} إشارة إلى أن منصب النبوة الذي هو أشرف مراتب الإنسانية وأقربها من الله إذا بدل بضدّه الذي هو البعد عن الحضرة الإلهية لم يكن خسران وراء ذلك. ثم ردّه صلى الله عليه وسلم إلى ما هو الحق الثابت في نفس الأمر وهو تخصيص الله بالعبادة فقال {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} على ذلك لأن توفيق العبادة منه وحده ولذا جعله مظهر اللطف حتى صار سيد ولد آدم. ثم بين أنهم لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة في العبادة ما عرفوا الله حق معرفته وقد مر في "الأنعام" و "الحج". ثم أردفه بما يدل على كمال عظمته قائلاً {والأرض جميعاً قبضته} قال جار الله: الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو إلى جهة مجاز. وكذلك حكم ما يروى عن عبد الله بن مسعود أن رجلاً من أهل الكتاب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السموات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً مما قال وأنزل الله الآية تصديقاً له. وقال جار الله: وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من غير ذلك، ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي لا تكتنهها الأوهام هينة عليه، ثم ذكر كلاماً آخر طويلاً. واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي بأن هذا الكلام الطويل لا طائل تحته لأنه هل يسلم أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته أم لا. وعلى الثاني يلزم خروج القرآن بكليته عن كونه حجة فإن لكل أحد حينئذ أن يؤوّل الآية بما شاء. وعلى الأول وهو الذي عليه الجمهور يلزمه بيان أنه لا يمكن حمل اللفظ الفلاني على معناه الحقيقي لتعين المصير إلى التأويل. ثم إن كان هناك مجازان وجب إقامة الدليل على تعيين أحدهما، ففي هذه الصورة لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الجوارح إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع الأعضاء والجوارح لله تعالى فوجب المصير إلى التأويل صوناً للنص عن التعطيل. ولا تأويل إلا أن يقال: المراد كونها تحت تدبيره وتسخيره كما يقال: فلان في قبضة فلان. وقال تعالى {أية : وما ملكت أيمانهم}تفسير : [الأحزاب: 50] ويقال: هذه الدار في يد فلان ويمينه، وفلان صاحب اليد. وأنا أقول: هذا الذي ذكره الإمام طريق أصولي، والذي ذكره جار الله طريق بياني، وأنهم يحيلون كثيراً من المسائل إلى الذوق فلا منافاة بينهما. ولا يرد اعتراض الإمام وتشنيعه وقد مر لنا في هذا الكتاب الأصل الذي كان يعمل به السلف في باب المتشابهات في مواضع فتذكر. ولنرجع إلى الآية. قوله {والأرض} قالوا: المراد بها الأرضون لوجهين: أحدهما قوله {جميعا} فإنه يجعله في معنى الجمع كقوله {أية : كل الطعام}تفسير : [آل عمران: 93] وقوله {أية : والنخل باسقات}تفسير : [ق: 10] والثاني قوله {والسموات} ولقائل أن يقول: كل ما هو ذو أجزاء حساً أو حكماً فإنه يصح تأكيده بالجميع. وعطف السموات على الأرض في القرآن كثير. نعم قيل: إن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهو مقتض للمبالغة وليس ببعيد. والقبضة بالفتح المرة من القبض يعني والأرضون جميعاً مع عظمهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته فهن ذوات قبضته. وعندي أن المراد منه تصرفه يوم القيامة فيها بتبديلها كقوله {أية : يوم تبدل الأرض غير الأرض}تفسير : [إبراهيم: 48] {والسموات مطويات بيمينه} كقوله {أية : يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب}تفسير : [الأنبياء: 104] وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها استيلاءك على الشيء المطوي عندك بيدك. وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها بيمينه أي بقسمه لأنه تعالى حلف أن يطويها ويفنيها في الآخرة. وفي الآية إشارة إلى كمال استغنائه، وأنه إذا حاول تخريب الأرض والسموات وتبديلها. وذلك في يوم القيامة سهل عليه كل السهولة، ولذلك نزه نفسه عن الشركاء بقوله {سبحانه وتعالى عما يشركون} ثم ذكر سائر أهوال القيامة وأحوالها بقوله {ونفخ في الصور فصعق} الظاهر أن نفخ الصور مرتان، وبعضهم روى أنه ثلاث نفخات الأولى للفزع كما جاء في "النمل"، والثانية للموت وهو معنى الصعق، والثالثة للإعادة. والأظهر أن الفزع يتقدم الصعق فلا يلزم منه إثبات نفختين، وقد مر في "النمل" تفسير باقي الآية. قال جار الله: تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة {ثم نفخ فيه أخرى} وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان. ومعنى {ينظرون} يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب، أو ينظرون ماذا يفعل بهم. ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجهود تحيراً. ثم وصف أرض القيامة بقوله {وأشرقت الأرض بنور ربها} الظاهر أن هذا نور تجليه سبحانه. وقد مر شرح هذا النور في تفسير قوله {أية : الله نور السموات والأرض}تفسير : [الآية: 35] وفي غيره من المواضع. وقال علماء البيان: افتتح الآية بذكر العدل كما اختتم الآية بنفي الظلم. ويقال للملك العادل: أشرقت الآفاق بنور عدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، وفي ضدّه أظلمت الدنيا بجوره. وأهل الظاهر من المفسرين لم يستبعدوا أن يخلق الله في ذلك اليوم للأرض نوراً مخصوصاً. وقيل: أراد أرض الجنة. ثم إن أهل البيان أكدوا قولهم بأنه أتبعه قوله {ووضع الكتاب} إلى آخره. وكل ذلك من الأمور الدالة على غاية العدل. والمراد بالكتاب إما اللوح المحفوظ يقابل به صحف الأعمال أو الصحف نفسها ولكنه اكتفى باسم الجنس. {وجيء بالنبيين} ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة ويجيب قومهم بما يجيبون. والمراد بالشهداء الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار ومن الجوارح والمكان والزمان أيضاً. وقيل: هم الذين قتلوا في سبيل الله ولعله ليس في تخصيصهم بالذكر فائدة. وحين بين أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الخصومات ذكر أنه يوصل أهل النار، وختم السورة بذكر أهل الجنة فقال: {وسيق} وهو على عادة إخبار الله تعالى. والزمر الأفواج المتفرقة واحدها زمرة وكذلك في صفة أهل الجنة، وذلك أنه يحشر أمة بعد أمة مع إمامها إلى الجنة أو النار، أو بعضهم قبل الحساب وبعضهم بعد الحساب على اختلاف المراتب والطبقات، فلا ريب أن الناس محقين أو مبطلين فرق ذاهبون في طرق شتى جماعة جماعة. والخزنة جمع خازن، والمراد بكلمة العذاب قوله {أية : لأملأن جهنم}تفسير : [السجدة: 13] أو علم الله السابق وكان القياس التكلم إلا أنه عدل إلى الظاهر فقيل على الكافرين ليعلم سبب العذاب. سؤال السوق في الكفار له وجه لأنهم أهل الطرد والعنف فما وجهه في أهل الجنة؟ الجواب من وجوه: قال جار الله: المضاف هنا محذوف أي وسيق مراكب الذين اتقوا لأنهم لا يذهبون إلا راكبين كالوافدين على ملوك الدنيا، وحثها إسراع لهم إلى دار الكرامة والرضوان: وقيل: طباق. وقيل: أكثر أهل الجنة البله فيحتاجون إلى السوق لأنهم لا يعرفون ما فيه صلاحهم. وقيل: إنهم يقولون لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي فيتأخرون لهذا السبب وحينئذ يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة. وقال أهل العرفان: المتقون قد عبدوا الله لله لا للجنة فيصير شدة استغراقهم في مشاهدة مطالع الجمال والجلال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة، فلا جرم يفتقرون إلى السوق. وقال الحكيم: كل خصلة ذميمة أو شريفة في الإنسان فإنها تجره من غير اختياره شاء أم أبى إلى ما يضاهيه حاله فذاك معنى السوق. سؤال آخر: لم قيل في صفة أهل النار {فتحت أبوابها} من غير واو وفي صفة أهل الجنة {وفتحت أبوابها} بالواو؟ والجواب البحث عن مثل هذه الواو قد يقال له واو الثمانية قد مر في قوله {أية : التائبون العابدون}تفسير : [التوبة: 112] وفي سورة الكهف إلا أن الذي اختص بالمقام هو أن بعضهم قالوا: إن أبواب جهنم مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله {أية : جنات عدن مفتحة لهم الأبواب}تفسير : [ص: 50] فلذلك جيء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاؤها وقد فتحت أبوابها، وعلى هذا فجواب {حتى إذا} محذوف وحق موقعه ما بعد {خالدين} أي كان ما كان من أصناف الكرامات والسعادات. وقيل: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها أي مع فتح أبوابها. وقيل: لأهل التأويل أن يقولوا: إن أبواب الجنة وهي أسباب حصول الكمالات مفتوحة بمعنى أنها غير ممنوع عنها بل مندوب إليها مرغب فيها، وأبواب جهنم مغلقة بمعنى أن أسبابها ممنوع عنها على لسان الشرع والعقل جميعاً. ومعنى تسليم الخزنة الإكرام والتهنئة بأنهم سلموا من أحوال الدنيا وأهوال القيامة. ومعنى {طبتم} قيل: إخبارهم عن كونهم طيبين في الدنيا بالأفعال الصالحة والأخلاق الفاضلة، أو طبتم نفساً بما نلتم من الجنة ونعيمها. وقيل: إن أهل الجنة إذا انتهوا إلى بابها وجدوا عنده عينين تجريان من ساق شجرة فيتطهرون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلن تتغير أبشارهم بعدها أبداً، ويشربون من الأخرى فيذهب ما في بطونهم من أذى وقذى فيقول لهم الخزنة: طبتم. وقال جار الله: أرادوا طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا، ولهذا عقبه بقوله {فادخلوها خالدين} ليعلم أن الطهارة عن المعاصي هي السبب في دخول الجنة والخلود فيها لأنها دار طهرها الله من دنس فلا يدخلها إلا من هو موصوف بصفتها رزقنا الله تعالى بعميم فضله وحسن توفيقه نسبة توجب ذلك. ثم حكى قول المتقين في الجنة فقال {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده} أي الوعد بدخول الجنة {وأورثنا الأرض} أرض الجنة عبر عن التمليك بالإيراث وقد مرّ مراراً {نتبوّأ منها حيث نشاء} لأن لكل متق جنة توصف سعة فيتبوّأ من جنته كما يريد من غير منازع. وقال حكماء الإسلام: الجنات الجسمانية كذلك، أما الروحانية فلا مانع فيها من المشاركة وأن يحصل لغيره ما يحصل لبعض الأشخاص. ثم وصف مآب الملائكة المقربين بعد بعثهم فقال {وترى} أيها الرائي أو النبي {الملائكة حافين} محدّقين وهو نصب على الحال. قال الفراء: لا واحد له لأنه لا بد فيه من الجمعية. وأقول: لعله عني من حيث الاستعمال. وقيل: الحاف بالشيء الملازم له. وقوله {من حول العرش} "من" زائدة أو ابتدائية أي مبتدأ خوفهم من هناك إلى حيث شاء الله أو متصل بالرؤية {يسبحون بحمد ربهم} تلذذاً لا تعبداً. وكان جوانب العرش دار ثواب الملائكة وإنها ملاصقة لجوانب الجنة. والضمير في قوله {وقضي بينهم} للعباد كلهم لقرائن ذكر القيامة فإن إدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة لا يكون الإقضاء بينهم بالحق والعدل. وقيل: بين الأنبياء وأممهم. وقيل: تكرار لقوله {وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق} وقيل: هو حال وقد مقدرة معه أي يسبحون بحمد ربهم وقد قضى بينهم يعني بين الملائكة على أن ثوابهم ليس على سنن واحد. ويحتمل عندي أن يعود الضمير إلى البشر والملائكة جميعاً، والقضاء بينهم هو إنزال البشر مقامهم من الجنة أو النار، وإنزال الملائكة حول العرش. ثم ختم السورة بقوله {وقيل الحمد لله} والقائل المقضي بينهم وهم جميع العباد كقوله {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله}تفسير : [يونس: 10] جميع الملائكة حمدوا الله على إنزال كلّ منزلته.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ...} الآية، الإِشارةُ بهذا الكذبِ إلى قولهم: «إن للَّه صاحبةً وولداً» وقولِهِمْ: هذا حلالٌ، وهذا حرامٌ، افتراءً على اللَّه، ونحوَ ذلك، وكذَّبُوا أيضاً بالصِّدْقِ، وذلك تكذيبُهم بما جاءَ به محمدٌ صلى الله عليه وسلم، ثم توعَّدَهم سبحانه تَوَعُّداً فيه احتقارُهم بقوله: {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْكَـٰفِرِينَ} وقرأ ابن مسعود: «والَّذِينَ جَاءُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ» والصدقُ هنا القرآن والشَّرْعُ بجُمْلَتِهِ؛ وقالتْ فرقةٌ «الذي» يراد بِهِ: «الذين»، وحُذِفَتِ النونُ، قال * ع *: وهذا غيرُ جَيِّدٍ وَترْكِيبُ «جاء» عليه يَرُدُّ ذلك، بل «الذي» ههنا هي للجنس، والآيةُ مُعَادِلة لقولهِ: {فَمَنْ أَظْلَمُ}. قال قتادة وغَيْرُهُ: الذي جاء بالصِّدْقِ هو محمَّدُ ـــ عليه السلام ـــ والَّذي صَدَّقَ به همُ المؤمنونَ؛ وهذا أَصْوَبُ الأقوالِ، وذَهَبَ قومٌ إلى أن الذي صدَّقَ به أبو بكرٍ، وقيل: عليٌّ وتَعْمِيمُ اللفظ أَصْوَبُ. وقولهُ سبحانه: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} قال ابن عبَّاس: اتَّقَوُا الشِّرْكَ. وقوله تعالى: {لِيُكَـفِّرَ} يحتملُ أن يَتَعَلَّقَ بقوله: {ٱلْمُحْسِنِينَ} أي: الذين أحسنوا، لكَيْ يُكَفِّرَ؛ وقاله ابن زيد، ويحتملُ أن يتعلَّقَ بفعلٍ مُضْمَرٍ مَقْطُوعٍ مما قَبْلَهُ؛ تقديرهُ: يَسَّرَهُمُ اللَّهُ لذلكَ؛ لِيُكَفِّرَ، لأنَّ التَّكْفِيرَ لاَ يكونُ إلا بَعْدَ التَّيْسِيرِ لِلْخَيْرِ.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق} أي بالقرآن {وصدق به} قال: المؤمنون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {والذي جاء بالصدق} يعني بلا إله إلا الله {وصدق به} يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم {أولئك هم المتقون} يعني اتقوا الشرك. وأخرج ابن جرير والباوردي في معرفة الصحابة وابن عساكر من طريق أسيد بن صفوان وله صحبة عن علي بن أبي طالب قال {الذي جاء بالحق} محمد صلى الله عليه وسلم {وصدق به} أبو بكر رضي الله عنه هكذا الرواية {بالحق} ولعلها قراءة لعلي رضي الله عنه. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة حديث : {والذي جاء بالصدق} قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم {وصدق به} قال: علي بن أبي طالب رضي الله عنه ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {والذي جاء بالصدق} قال: هو جبريل عليه السلام {وصدق به} قال: هو النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد أنه كان يقرأ {والذي جاء بالصدق وصدق به} قال: هم أهل القرآن يجيئون بالقرآن يوم القيامة يقولون: هذا ما أعطيتمونا قد اتبعنا ما فيه.
ابو السعود
تفسير : {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ} فإنَّه إلى آخرهِ مسوقٌ لبـيانِ حال كلَ من طرفَيْ الاختصامِ الجاري في شأن الكفرِ والإيمانِ لا غيرُ. أي أظلمُ من كلِّ ظالمٍ مَنِ افترى على الله سبحانه وتعالى بأنْ أضافَ إليه الشَّريكَ والولد {وَكَذَّبَ بِٱلصّدْقِ} أي بالأمرِ الذي هو عينُ الحقِّ ونفسُ الصِّدقِ وهو ما جاء به النبـيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم. {إِذْ جَاءهُ} أي في أوَّلِ مجيئهِ من غير تدبُّرٍ فيه ولا تأمُّلٍ{أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْكَـٰفِرِينَ} أي لهؤلاءِ الذين افترَوا على الله سبحانه وسارعُوا إلى التَّكذيبِ بالصَّدقِ من أوَّلِ الأمرِ. والجمعُ باعتبار معنى مَن كما أنَّ الإفراد في الضَّمائرِ السَّابقةِ باعتبار لفظها. أو لجنسِ الكَفَرةِ وهم داخلون في الحُكمِ أوَّليَّاً. {وَٱلَّذِي جَاء بِٱلصّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} الموصولُ عبارةٌ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ومَن تبعه كما أنَّ المرادَ في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [سورة المؤمنون: الآية 49] هو عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وقومه، وقيل عن الجنس المُتناول للرُّسلِ والمؤمنين بهم. ويؤيِّدُه قراءةُ ابن مسعودِ رضي الله عنه: «والذين جَاءُوا بالصَّدقِ وصدَّقُوا به» وقيل: هو صفة لموصوفٍ محذوف هو الفَوجُ والفَرِيقُ {أُوْلَـٰئِكَ} الموصُوفون لما ذُكر من المجيء بالصَّدقِ والتصديق به {هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} المنعوتُون بالتَّقوى التي هي أجلُّ الرَّغائبِ. وقُرىء وصدَق به بالتَّخفيفِ، أي صدَقَ بهِ النّاسَ فأدَّاه إليهم كما نزلَ من غيرِ تغيـير، وقيل: وصارَ صادقاً به أي بسببهِ، لأنَّ ما جاء به من القرآنُ معجزةٌ دالَّةٌ على صدقه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقُرىء صُدِّق به على البناء للمفعول. {لَهُمْ مَّا يَشآءُونَ عِندَ رَبّهِمْ} بـيانٌ لما لهمُ في الآخرةِ من حسنِ المآبِ بعد بـيانِ ما لُهم في الدنيا من محاسنِ الأعمالِ، أي لهم كلُّ ما يشاؤونه من جلبِ المنافعِ ودفعِ المضارِّ في الآخرةِ لا في الجنَّةِ فقط، لِما أنَّ بعضَ ما يشاؤونه من تكفير السَّيئاتِ والأمن من الفَزَع الأكبرِ وسائرِ أهوال القيامةِ إنَّما يقع قبل دخولِ الجنَّةِ {ذٰلِكَ} الذي ذُكر من حصول كلِّ ما يشاؤونه {جَزَاء ٱلْمُحْسِنِينَ} أي الذينَ أحسنُوا أعمالَهم وقد مرَّ تفسيرُ الإحسان غيرَ مرَّةٍ. وقوله تعالى: {لِيُكَـفّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ} الخ متعلِّقٌ بقوله تعالى لهم ما يشاؤون لكن لا باعتبارِ منطوقِه ضرورةَ أنَّ التَّفكيرَ المذكور لا يُتصوَّرُ كونُه غايةً لثبُوتِ ما يشاؤون لهم في الآخرةِ، كيف لا وهو بعضُ ما سيثبُتُ لهم فيها بل باعتبارِ فحواه فإنَّه حيثُ لم يكن إخباراً بما ثبت لهم فيما مَضَى بل بما سيثبت لهم فيا سيأتِي كان في معنى الوعدِ به كما مرَّ في قوله تعالى وَعْد الله فإنه مصدر مؤكَّدٌ لما قبله من قولِه تعالى: {أية : لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ} تفسير : [سورة الزمر: الآية 20] فإنَّه في معنى وَعَدَهم الله غُرفاً فانتصبَ به وعد الله كأنَّه قيل: وَعَدَهم الله جميعَ ما يشاءونه من زوالِ المضارِّ وحصول المسارِّ ليكفِّرَ عنهم بموجب ذلك الوعدِ أسوأَ الذي عملوا دفعاً لمضارِّهم. {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَـانُواْ يَعْمَلُونَ} إعطاء لمنافِعهم. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقعِ الإضمارِ لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بمضمون الكلامِ. وإضافةُ الأسوأِ والأحسنِ إلى ما بعدهما ليستْ من قبـيل إضافةِ المفضَّلِ إلى المفضَّل عليه بل من إضافةِ الشَّيءِ إلى بعضِه للقصد إلى التَّحقيقِ والتَّوضيحِ من غير اعتبارِ تفضيلِه عليه، وإنَّما المُعتبر فيهما مطلقُ الفضلِ والزَّيادةِ لا على المضاف إليه المعيِّنِ بخصوصه كما في قوله: « حديث : النَّاقصُ والأَشَجُّ أعْدَلاَ بني مَرْوانَ » تفسير : خلا أنَّ الزِّيادة المعتبرةَ فيهما ليست بطريقِ الحقيقةِ بل هي في الأوَّلِ بالنَّظرِ إلى ما يليقُ بحالِهم من استعظامِ سيِّئاتِهم وإن قلَّتْ واستصغارِ حسناتِهم وإنْ جلَّتْ. والثَّاني بالنَّظرِ إلى لُطفِ أكرمِ الأكرمينَ من استكثارِ الحسنةِ اليسيرةِ ومقابلتها بالمثُوباتِ الكثيرةِ وحمل الزيادة على الحقيقةِ وإن أمكنَ في الأوَّلِ بناءً على أنَّ تخصيصَ الأسوأِ بالذَّكرِ لبـيان تكفيرِ ما دُونَه بطريقِ الأولويَّةِ ضرورةَ استلزامِ تكفيرِ الأسوأ لتكفير السَّيِّءِ لكن لمَّا لم يكُن ذلك في الأحسنِ كان الأحسنُ نظمَهما في سلكٍ واحدٍ من الاعتبار. والجمعُ بـين صيغتَيْ الماضِي والمستقبلِ في صلةِ الموصولِ الثَّاني دون الأوَّلِ للإيذانِ باستمرارهم على الأعمالِ الصَّالحةِ بخلاف السَّيئةِ.
القشيري
تفسير : الإشارة فيه إلى من أشار إلى أشياء لم يَبْلُغْها، وادَّعى وجودَ أشياء لم يَذُقْ شيئاً منها، قال تعالى: {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}تفسير : [الزمر: 60]. ويقال: لا بل هؤلاء هم الكفار، وأمَّا المُدَّعِي الذي لم يَبْلُغْ ما يَدَّعِيه فليس يكذب على ربِّه إنما يكذب على نَفْسه؛ حيث ادَّعى لها أحوالاً لم يَذُقُّها ولم يَجِدْها، فأمَّا غيرُ المتحقق الذي يكذب على الله فهو الجاحد والمبتدع الذي يقول في صفة الحقِّ - سبحانه - ما يتقدَّسُ ويتعالى عنه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فمن اظلم ممن كذب على الله} فى الارشاد المعنى الاول ليختصمون هو الاظهر الانسب بهذا القول فانه مسوق لبيان حال كل من طرفى الاختصام الجارى فى شأن الكفر والايمان لا غير. وفى بحر العلوم فيه دلالة بينة على ان الاختصام يوم القيامة بين الظالمين والمظلومين والمعنى اظلم من كل ظالم من افترى على الله بان اضاف اليه الشرك والولد {وكذب بالصدق} اى بالامر الذى هو عين الحق ونفس الصدق وهو ما جاء به النبى عليه السلام {اذ جاءه} اى فى مجيئه على لسان الرسول عليه السلام يعنى فاجأه بالتكذيب ساعة اتاه واول ما سمعه من غير تدبر فيه ولا تأمل. وفيه اشارة الى من يكذب على الله بادعاء انه اعطاه رتبة وحالا ومقاما واذا وجد صديقا جاء بالصديق فى المقال والاحوال كذبه وينكر على صدقه فيكون حاصل امره يوم القيامة قوله {أية : ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} تفسير : ولهذا قال تعالى {أليس فى جهنم مثوى للكافرين} استفهام انكارى وانكار النفى نفى له ونفى النفى اثبات. والثواء هو الاقامة والاستقرار والمثوى المقام والمستقر. والمعنى ان جهنم منزل ومقام للكاذبين المكذبين المذكورين وغيرهم من الكفار جزاء لكفرهم وتكذيبهم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فمَن أظلمُ ممن كَذَبَ على الله} بأن أضاف إليه الشريك والولد، فإنه لا أحد أظلم منه؛ إذ هو أظلم من كل ظالم. {وكذَّب بالصِّدق} أي: الأمر الذي هو نفس الصدق وعين الحق، وهو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله {إِذْ جاءه} أي: كذَّب في أول مجيئه، من غير تأمُّل فيه ولا تدبُّر، {أليس في جهنم مَثْوىً للكافرين}؟ أي: لهؤلاء الذين افتروا على الله، وسارعوا إلى التكذيب بالصدق، فأظهر موضع الإضمار تسجيلاً وإيذاناً بعلة الحكم الذي استحقوا به جهنم، والجمع باعتبار معنى {مَن}. كما أن الإفراد في الضمائر السابقة باعتبار لفظها، أو: لجنس الكفرة، وهم داخلون في الكفر دخولاً أولياً. {والذي جاء بالصدقِ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {وصدَّق به}: وهم المؤمنون، أي: والفوج، أو: الفريق الذي جاء بالصدق، والفريق الذي صدّق به. {أولئك هم المتقون}: المنعوتون بالتقى، التي هي أجلّ الرغائب. وقرىء "صَدَقَ" بالتخفيف، أي: صدق به الناس، فأدَّاه إليهم كما أنزل عليه، من غير تغيير، وقيل: صار صادقاً بسببه؛ لأن ما جاء به من القرآن معجزة دالة على صدقه صلى الله عليه وسلم. {لهم ما يشاؤون عند ربهم}: هو بيان لِما لهم في الآخرة من حسن المآب، بعد بيان ما لهم في الدنيا من محاسن الأعمال، أي: لهم ما يشاؤونه من جلب المنافع ودفع المضار، وتوالي المسار في الآخرة، لا في الجنة فقط؛ لأن بعض ما يشاؤون يقع قبل دخول الجنة، من تكفير السيئات، والأمن من الفزع الأكبر، وسائر أهوال القيامة. {ذلك} الذي ذكر من حصول كل ما يشاؤونه {جزاءُ المحسنين} أي: الذين أحسنوا أعمالهم في الدنيا. {لِيُكَفِّر الله عنهم أَسْوَأَ الذي عَمِلُوا}، اللام متعلق بقوله: {لهم ما يشاؤون}؛ لأنه في معنى الوعد، كأنه قيل: وعد الله لهم جميع ما يشاؤونه من دفع المضار وحصول المسار؛ ليكفر عنهم بموجب ذلك الوعد أسوأ الذي عملوا، أي: أقبحه وأعظمه، وأولى أصغره. وقيل: يتعلق بمحذوف، أي: يسر لهم الصدق والتصديق ليكفر... إلخ. {ويجْزِيَهم أجْرَهُم بأحسنِ الذي كانوا يعملون} فإذا كان في عملهم حسن وأحسنُ منه، جزاهم بجزاء الأحسن على الجميع، تكرُّماً منه وإحساناً. والحاصل: أنه سبحانه لكرمه يُكفر السيىء والأسوأ بالأحروية، ويجزي على الحسن بجزاء الأحسن منه والأرجح، كمَن أهدى لملك هديتين؛ صغيرة وكبيرة، فكافأه على الصغيرة بقدر ما كافأه على الكبيرة. قال القشيري: وأحسن أعمال المؤمن: الإيمان والمعرفة، فيكون على أحسن الأعمال أحسن الثواب، وهو الرؤية. هـ. وإظهار اسم الجليل في موضع الإضمار، لإبراز كمال الاعتناء بمضمون الكلام، والجمع بين الماضي والمستقبل في صلة الموصول الثاني ـ أي: الذي كانوا يعملون ـ دون الأول؛ للإيذان باستمرارهم على الأعمال الصالحة، بخلاف السيئة. الإشارة: كل مَن ادعى حالاً مع الله، وليست متحققة فيه، فقد كذب على الله، وكل مَن أنكرعلى أولياء زمانه فقد كذّب بالصدق إذ جاءه. {والذي جاء بالصدق}، وهو مَن أَذِن له في التذكير أو التربية. {وصدّق به}، وهو مَن سمع وتبع، أولئك هم المتقون، دون غيرهم، لهم ما يتمنون عند ربهم في الدنيا والآخرة، ذلك جزاء أهل مقام الإحسان، الذين يعبدونه على العيان، يُغطي وصفهم بوصفه، ونعتهم بنعته، فيوصلهم بما منه إليهم، لا بما منهم إليه، ثم يكفيهم جميع الشرور، كما قال تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}.
الطوسي
تفسير : قوله {فمن أظلم} صورته صورة الاستفهام والمراد به التقريع والتوبيخ، والمعنى فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً فادعى أن له ولداً وصاحبة، أو أنه حرم ما لم يحرمه، او أحل ما لم يحله، وإنما كان من كذب على الله وكذب بالحق أظلم الخلق، لأنه ظلم نفسه بأفحش الظلم من جهة كفره بربه وحجوده لحق نعمه حين أشرك به تعالى من لا نعمة له يستحق بها عبادته. وقال قتادة: {وكذب بالصدق إذ جاءه} يعني بالقرآن. ثم قال تعالى مهدداً لمن هذه صفته {أليس في جهنم مثوى للكافرين} والمثوى المقام يقال أثوى يثوي اثواء وثوى يثوي ثواء قال الشاعر: شعر : طال الثواء على ربع بيسؤدي أردى وكل جديد مرت مود تفسير : وقوله {والذي جاء بالصدق وصدق به} قال قتادة وابن زيد: المؤمنون جاؤا بالصدق الذي هو القرآن وصدقوا به، وهو حجتهم في الدنيا والآخرة. وقيل الذي جاء بالصدق جبرائيل وصدق به محمد صلى الله عليه وآله. وفي قراءة ابن مسعود {والذي جاؤا بالصدق} قال الزجاج: الذي - ها هنا والذين بمعنى واحد يراد به الجمع. وقال: لأنه غير موقت. وقيل: الذي جاء بالصدق النبي صلى الله عليه وآله من قول لا إله إلا الله، وصدق به ايضاً هو صلى الله عليه وآله والصحيح أن قوله {وصدق به} من صفة الذين جاؤا بالصدق، لأنه لو كان غيرهم لقال والذي جاء بالصدق والذي صدق به. وقوله {أولئك هم المتقون} يعني من جاء بالصدق وصدق به هم المتقون معاصي الله خوف عقابه، وإنما جاء بلفظ الجمع {هم المتقون} مع أن لفظ (الذي) واحد، لأنه أراد به الجنس. ومعناه الجمع كقوله {أية : والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تفسير : وقال الأشهب بن رميلة: شعر : إن الذي حلت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أمّ خالد تفسير : ثم بين ما اعد لهم من النعيم فقال {لهم ما يشاؤن عند ربهم} جزاء على تقواهم، وبين أن لهم {ذلك} وانه {جزاء المحسنين} الذين يفعلون الطاعات. وقوله {ليكفر الله عنهم أسوء الذي عملوا} أي يسقط عنهم عقاب الشرك والمعاصي التي فعلوها قبل ذلك بتوبتهم ورجوعهم إلى الله {ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} يعني يثيبهم على طاعاتهم من الفرض والنفل، وهي أحسن افعالهم لان المباح وإن كان حسناً لا يستحق به ثواب ولا مدح لان الثواب والمدح إنما يستحق على الطاعات.
الجنابذي
تفسير : {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ} يعنى فلم يكن حينئذٍ اظلم منهم وهذا تهديدٌ آخر لهم وتسلية اخرى لعلىٍّ (ع) وموافقيه، ووضع الظّاهر موضع المضمر للاشعار بوصف ذمٍّ لهم والاشارة الى الحكم وعلّته فانّ كلّ من ترأّس فى الدّين باىّ نحوٍ من التّرأّس من القضاء والفتيا وامامة الجماعة والجمعة والوعظ والتّصرّف فى الاوقاف واموال الايتام والغيّاب واخذ البيعة من العباد وتلقين الذّكر وتعليم الاوراد من دون اذنٍ واجازةٍ من الله بتوسّط خلفائه فهو ممّن كذب على الله، وهكذا من اتّبع هذا المترأّس فانّه بحاله كذب على الله حيث اعتقد انّ هذا المترأّس رئيس من الله فى الدّين واتّبعه ولم يكن رئيساً من الله {وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ} الّذى هو ولايته التّكوينيّة حيث انّها تزجره عن هذا التّرأّس وذلك الاتّباع وولايته التّكليفيّة ان كان قد حصّل الولاية التّكليفيّة وولّى امره، فانّ هذا المتّبع مكذّب بالكلّ والكلّ صدق وصادق {إِذْ جَآءَهُ} تكويناً او تكليفاً فى الباطن او فى الظّاهر بنفسه او على لسان نبيّه او على لسان قرينه {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما حالهم فى الآخرة؟ فقال: انّهم فى جهنّم.
الأعقم
تفسير : {فمن أظلم ممن كذب على الله} أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله بأن أضاف إليه الولد، أو أضاف اليه القبيح {وكذب بالصدق إذ جاءه}، قيل: القرآن، وقيل: الأنبياء والشرائع {أليس في جهنم مثوى} أي منزل ومقام {للكافرين} يعني جهنم مثواهم {والذي جاء بالصدق وصدق به} نزلت في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: الذي جاء بالصدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي صدق به المؤمنون، يعني جاء بالقرآن وصدقوا به وهو حجتهم في الدنيا والآخرة عن مجاهد وقتادة ومقاتل واحتجوا بقوله: {وأولئك هم المتقون}، وقيل: الذي جاء بالصدق جبريل وصدق به محمد تلقاه بالقبول ذكر ذلك الحاكم، قال جار الله: والذي جاء بالصدق وصدق به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء بالقرآن وآمن به وأراد به إياه ومن تبعه كما أراد بموسى إياه وقومه في قوله: {أية : ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون} تفسير : [المؤمنون: 49] فلذلك قال: {أولئك هم المتقون}، وفي قراءة ابن مسعود: والذي جاء بالصدق وصدقوا به أولئك هم المتقون، اتقوا عذاب الله باتقاء معاصيه {لهم ما يشاؤون عند ربهم} أي ما شاؤوا من النعيم بوصاة الله اليهم {ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا} وإنما يصير مكفراً بالتوبة {ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} أي يجازيهم إلى حسن أعمالهم {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك} وذلك أن قريشاً قالت: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا وإنا نخشى عليك معرتها، يعني أن الله يعصمه من كل شيء ويدفع عنه كل بلاء في مواطن الخوف، أوليس الله بكاف أنبياءه، ولقد قالت أممهم نحو ذلك نحو قول قوم هود: {أية : إن نقول الا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} تفسير : [هود: 54] {ومن يضلل الله فما له من هاد}، قيل: من لم يجده ضالاً فما له من هاد ما لم يهتد نفسه، وقيل: من يضلل من طريق الجنة والثواب لا يهديه اليها أحد {ومن يهد الله فما له من مضل}، وقيل: يحكم بهدايته، وقيل: يهديه إلى طريق الجنة والثواب {أليس الله بعزيز ذي انتقام} استفهام، والمراد التقرير، يعني الله عز وجل عزيز قادر ينتقم من أعدائه {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} فإذا اعترفوا قيل لهم: {أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضرٍ هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته} يعني لا يقدر على ذلك فكيف يعبدونهم ويخافونهم ولا يخافون خالق السماوات والأرض {قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} ثم أوعدهم فقال سبحانه: {قل} يا محمد {اعملوا} وليس بأمرٍ وإنما هو تهديد {على مكانتكم} أي على ما أنتم عليه، وقيل: على ما أنتم عليه من الاعتقاد {إني عامل} على ديني {فسوف تعلمون} إذا آتاكم عذاب الله {من يأتيه عذاب يخزيه} أي ستعلمون من يأتيه العذاب منا ومنكم {ويحل عليه عذاب مقيم} دائم للخزي والعذاب الأول في الدنيا.
الهواري
تفسير : قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللهِ} أي: افترى على الله كذباً وعبد الأوثان وزعم أن عبادتها تقرّب إلى الله. {وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ} يعني القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أي لا أحد أظلم منه. {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِّلْكَافِرِينَ} أي يثوون فيها أبداً. والمثوى المنزل، وهذا على الاستفهام، أي: بلى، فيها مثوى للكافرين. قوله: {وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ} أي: محمد جاء بالقرآن {وَصَدَّقَ بِهِ} يعني المؤمنين. صدقوا بما جاء به محمد. {أُوَلئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}.
اطفيش
تفسير : {فَمَنْ أَظْلَمُ}، انكار* {مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللهِ} باثبات الولد والشريك له والصاحبة وقولهم هذا حلال وهذا حرام ونحو ذلك* {وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ} أي بالقرآن والوحى والرسالة* {إِذْ جَآءَهُ} أي وقت مجيئه من غير تفكر في أمره وتوعدهم توعدا فيه احتقار بقوله* {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى} أي موضع الثواء أي الرجوع والاقامة والنزول فهو اسم مكان والاستفهام لانكار النفي أو لتقرير المنفى مثبتاً {لِّلْكَافِرِينَ} الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق قال للعهد الذكري أو الحصوري كأنهم حصروا بل حصروا بلى يا ربنا لهم مثوى فيها.
اطفيش
تفسير : {فمَن أظْلمُ ممَّن كَذبَ عَلى الله} بالشركة أو بالولد، والفاء عاطفة عطف قصة على أخرى، على أنكم يوم القيامة الخ، والترتيب ذكرى أو فى جواب شرط إن قلت: أى مخصوص أشد عقابا فمن اظلم {وكذَّب بالصِّدق} مصدر بمعنى الوصف، أى بالأمر الصادق، أو باق على المصدرية فانه صلى الله عليه وسلم صادق وكذبوا بصدقه {إذ جاءهُ} وقت مجيئه بلا تأخير، فهذا مغن عن جعل إذ فجائية، مع أن سيبويه يشترط لكون إذ فجائية تقدم بينا أو بينما إلا أن يقال: هذا الشرط جار على الغالب لا لازم {أليْسَ في جهنَّم مَثْوى} اسم مكان، أى موضع اقامة، أو مصدر أى اقامة، أو ذلك من الثواء بمعنى الهلاك أى الضر {للكافرين} عموما فيدخل هؤلاء الكاذبون أولا وبالذات، ودخل فيهم أهل الكتاب، أو يراد من ذكر، فوضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بالكفر، وجواب {أليس} إلخ بلى أى فيها كفاية لعقابهم على كفرهم، كما قال: " أية : حسبهم جهنم يصلونها" تفسير : [المجادلة: 8].
الالوسي
تفسير : {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ } بأن أضاف إليه سبحانه وتعالى الشرك أو الولد {وَكَذَّبَ بِٱلصّدْقِ } أي بالأمر الذي هو عين الحق ونفس الصدق وهو ما جاء به النبـي صلى الله عليه وسلم {إِذْ جَاءَهُ } أي في أول مجيئه من غير تدبر فيه ولا تأمل ـ فإذ ـ فجائية كما صرح به الزمخشري لكن اشترط فيها في «المغني» أن تقع بعد بينا أو بينما ونقله عن سيبويه فلعله أغلبـي، وقد يقال: هذا المعنى يقتضيه السياق من غير توقف على كون (إذ) فجائية، ثم المراد أن هذا الكاذب والمكذب أظلم من كل ظالم. {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْكَـٰفِرِينَ } أي لهؤلاء الذين افتروا على الله سبحانه وتعالى وسارعوا إلى التكذيب بالصدق. ووضع الظاهر موضع الضمير للتسيجل عليهم بالكفر. والجمع باعتبار معنى {مِنْ} كما أن الإفراد في الضمائر السابقة باعتبار لفظها أو لجنس الكفرة فيشمل أهل الكتاب ويدخل هؤلاء في الحكم دخولاً أولياً. وأياً ما كان فالمعنى على كفاية جهنم مجازاة لهم كأنه قيل: أليست جهنم كافية للكافرين مثوى كقوله تعالى: {أية : حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا }تفسير : [المجادلة: 8] أي هي تكفي عقوبة لكفرهم وتكذيبهم، والكفاية مفهومة من السياق كما تقول لمن سألك شيئاً: ألم أنعم عليك تريد كفاك سابق إنعامي عليك. واستدل بالآية على تكفير أهل البدع لأنهم مكذبون بما علم صدقه. وتعقب بأن {مَن كَذَّبَ } مخصوص بمن كذب الأنبياء شفاهاً في وقت تبليغهم لا مطلقاً لقوله تعالى: {إِذْ جَاءهُ } ولو سلم إطلاقه فهم لكونهم يتأولون ليسوا مكذبين وما نفوه وكذبوه ليس معلوماً صدقه بالضرورة إذ لو علم من الدين ضرورة كان جاحده كافراً كمنكر فرضية الصلاة ونحوها. وقال الخفاجي: الأظهر أن المراد تكذيب الأنبياء عليهم السلام بعد ظهور المعجزات في أن ما جاؤوا به من عند الله تعالى لا مطلق التكذيب، وكأني بك تختار أن المتأول غير مكذب لكن لا عذر في تأويل ينفي ما علم من الدين ضرورة.
ابن عاشور
تفسير : أفادت الفاء تفريع ما بعدها على ما قبلها تفريعَ القضاء عن الخصومة التي في قوله: {أية : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون}تفسير : [الزمر:31] إذ قد علمتَ أن الاختصام كُنِّيَ به عن الحكم بينهم فيما خالفوا فيه وأنكروه، والمعنى: يقضي بينكم يوم القيامة فيكون القضاء على من كذَب على الله وكذَّب بالصدق إذ جاءه إذ هو الذي لا أظلم منه، أي فيكون القضاء على المشركين إذْ كذَبوا على الله بنسبة الشركاء إليه والبنات، وكذَّبوا بالصْدق وهو القرآن، ومَا صْدَقُ {ممَّن كذَّب على الله} الفريقُ الذين في قوله: {أية : وإنهم ميتون}تفسير : [الزمر: 30] وهم المعنيون في قوله تعالى: {أية : وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون} تفسير : [الزمر: 24]. وقد كني عن كونهم مدينين بتحقيق أنهم أظلم لأن من العدل أنْ لا يُقَرَّ الظالم على ظلمه فإذا وصف الخصم بأنه ظالم عُلم أنه محكوم عليه كما قال تعالى حكاية عن داود: {أية : قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه}تفسير : [ص: 24]. وقد عُدل عن صَوْغ الحكم عليهم بصيغة الإِخبار إلى صوغه في صورة الاستفهام للإيماء إلى أن السامع لا يسعه إلاّ الجواب بأنهم أظلم. فالاستفهام مستعمل مجازاً مرسلاً أو كناية مرادٌ به أنهم أظلم الظالمين وأنه لا ظالم أظلم منهم، فآل معناه إلى نفي أن يكون فريق أظلم منهم فإنهم أتوا أصنافاً من الظلم العظيم: ظلم الاعتداء على حرمة الرب بالكذب في صفاته إذ زعموا أن له شركاء في الربوبية، والكذب عليه بادعاء أنه أمرهم بما هم عليه من الباطل، وظُلم الرسول صلى الله عليه وسلم بتكذيبه، وظلم القرآن بنسبته إلى الباطل، وظلم المؤمنين بالأذى، وظلم حقائق العالم بقلبها وإفسادها، وظلم أنفسهم بإقحامها في العذاب الخالد. وعدل عن الإتيان بضميرهم إلى الإِتيان بالموصول لما في الصلة من الإِيماء إلى وجه كونهم أظلم الناس. وإنما اقتصر في التعليل على أنهم كذَبوا على الله وكذَّبوا بالصدق لأن هذين الكذبَيْن هما جُماع ما أتوا به من الظلم المذكور آنفاً. والصدق: ضد الكذب. والمراد بالصدق القرآن الذي جَاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ومجيء الصدق إليهم: بلوغه إياهم، أي سماعهم إياه وفهمهم فإنه بلسانهم وجاء بأفصح بيان بحيث لا يُعرِض عنه إلا مكابر مُؤثِر حظوظ الشهوة والباطل على حظوظ الإِنصاف والنجاة. وفي الجمع بين كلمة (الصدق) وفعل {كَذَبَ} محسن الطباق. و {إذْ جاءَهُ} متعلق بـــ {كَذَبَ}، و {إِذْ} ظرف زمن ماض وهو مشعر بالمقارنة بين الزمن الذي تدل عليه الجملةُ المضاف إليها، وحصول متعلقه، فقوله: {إذْ جاءَهُ} يدل على أنه كذَّب بالحق بمجرد بلوغه إياه بدون مهلة، أي بادر بالتكذيب بالحق عند بلوغه إياه من غير وقفة لإِعمال رؤية ولا اهتمام بمَيْز بين حق وباطل. وجملة {أليس في جهنَّم مَثْوى للكافرين} مبينة لمضمون جملة {فمن أظلم ممن كَذَب على الله} أي أن ظلمهم أوجب أن يكون مثواهم في جهنم. والاستفهام تقريري، وإنما وُجِّه الاستفهام إلى نفي ما المقصودُ التقريرُ به جرياً على الغالب في الاستفهام التقريري وهي طريقة إرخاء العنان للمقرَّر بحيث يُفتح له باب الإِنكار علماً من المتكلم بأن المخاطب لا يَسعه الإِنكار فلا يلبث أن يقر بالإِثبات. ويجوز أن يكون الاستفهام إنكارياً رداً لاعتقادهم أنهم ناجون من النار الدال عليه تصميمهم على الإِعراض عن التدبر في دعوة القرآن. والكافرون: هم الذين كفروا بالله فأثبتوا له الشركاء أو كذبوا الرسل بعد ظهور دلالة صدقهم، والتعريف في (الكافرين) للجنس المفيد للاستغراق فشمل الكافرين المتحدث عنهم شمولاً أوليا. وتكون الجملة مفيدة للتذييل أيضاً، ويكون اقتضاء مصير الكافرين المتحدث عنهم إلى النار ثابتاً بشبه الدليل الذي يعم مصير جميع الجنس الذي هم من أصنافه. وليس في الكلام إظهار في مقام الإِضمار. والمثوى: اسم مكان الثواء، وهو القرار، فالمثوى المقر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ومن أظلم ممن كذب على الله؟: أي بأن نسب إليه ما هو برئ منه كالزوج والولد والشريك. وكذب بالصدق إذ جاءه؟: أي بالقرآن والنبي والتوحيد والبعث والجزاء. مثوى للكافرين: أي مأوى، ومكان إقامة ونزول. والذي جاء بالصدق وصدَّق به: محمد صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به أبو بكر وكل أصحاب رسول الله. أولئك هم المتقون: أي لعذاب الله بإِيمانهم وتقواهم بترك الشرك والمعاصي. ذلك جزاء المحسنين: أي المذكور من نعيم الجنة جزاء المحسنين في أعمالهم. ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا: أي ييسر الله لهم ذلك ويوفقهم إليه ليكفر عنهم ذنوبهم. معنى الآيات: يخبر تعالى عباده منذراً محذراً بأنه لا أظلم من أحد كذب على الله. فقال عنه ما لم يقل أو حرّم ولم يحرم أو أذن ولم يأذن، أو شرع ولم يشرع، أو كذب بالصدق وهو القرآن والنبي وما جاء به من الهدى ودين الحق أي فلا أحد أظلم ممن كان هذا حاله كذب على الله وكذب بالصدق. وقوله تعالى: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ}؟ هذا بيان لجزاء الكاذبين والمكذبين وهم الكافرون بسبب كذبهم على الله وتكذيبهم له فيخبر تعالى مقرراً أن جزاءهم الإِقامة الدائمة في جهنم. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} هذا إخبار بفريق الفائزين من عباد الله وهم الصادقون في كل يخبرون به، والمصدقون بما أوجب الله تعالى التصديق به ويدخل في هذا الفريق دخولا أولياً رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق ثم سائر الصحابة والمؤمنين إلى يوم الدين. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} يشير إليهم بأنهم اتقوا كل ما يغضب الله من الشرك والمعاصي، وبذلك استوجبوا النجاة من النار ودخول الجنة المعبر عنه بقوله تعالى: {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} من نعيم بعضه لم يخطر على بال أحد، ولم تره عين أحد ولا تسمع به أذنه. وقوله: {ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي ذلك المذكور في قوله لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو جزاؤهم وجزاء المحسنين كلهم والمحسنون هم الذين أحسنوا الاعتقاد والقول والعمل وقوله تعالى: {لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ} أي من الذنوب والآثام والخطايا والسيئات أي وفقهم للإِحسان ويسره لهم، ليكفر عنهم أسوأ الذي عملوا وسيئه ويجزيهم أجرهم على إيمانهم وتقواهم وإحسانهم في ذلك بأحسن ما كانوا يعملون وحسنه أيضا وإنما يضاعف لهم الأجر فتكون الحسنات الصغيرة كالكبيرة فاصبح الجزاء كله على الأحسن والذي كانوا يعملون هو كل ما شرعه الله تعالى لعباده وتعبدهم به من الإِيمان وسائر الطاعات والقربات. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التنديد بالكذب على الله تعالى والتكذيب به، وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم من الدين. 2- بيان جزاء الكاذبين على الله والمكذبين بما جاء به رسول الله عن الله من الشرع والدين. 3- الترغيب في الصِّدق في الاعتقادات والأقوال والأعمال. 4- فضل التقوى والإِحسان وبيان جزائهما عند الله تعالى يوم القيامة.
القطان
تفسير : مثوى: مقاما والفعل ثوى بالمكان أقام. والذي جاء بالصدق: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصدّق به: أصحابه الكرام واتباعه. ليس هناك أظلم ممن كذب على الله فنسب اليه ما ليس فيه، وأنكر الحق حين جاءه على لسان الرسُل، فمثلُ هؤلاء الناس ستكون إقامتهم في جهنم كما قال تعالى: {فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ}. ثم بين حال الصادقين المصدّقين، وما ينتظرهم من حسن جزاء وكرم ضيافة، هم ومن جاءهم بالصدق، وهو الرسول الكريم، والذين ساروا على نهجه، {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} لهم من الكرامة عند ربهم ما يشاؤون ويحبون. وذلك جزاء كل من احسن عملا، وأخلص في دينه. والله سبحانه وتعالى سيكفّر عنهم أسوأ ما عملوا من السيئات في الدنيا ويغفرُ لهم كل ذنوبهم {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ} وهذا يدل على سعة رحمة الله، وعظيم غفرانه والحمد لله. ثم بين الله تعالى انه مع رسوله الكريم، فلا يستطيع احد ان يؤذي ذلك الرسول، والله وحده يكفيه كل ما يهمه. انهم يخوفونك يا محمد بآلهتهم واصنامهم، وذلك من ضلالهم وتعاستهم. يقولون لك: أتسبّ آلهتنا؟ لئن لم تكفّ عنها لنصيبنّك بسوء. لا تخف منهم فانهم لن يضرّوك أبدا، {وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} والله هو العزيز الذي بيده كل شيء، لا يغالَب، وهو ذو انتقام من أعدائه لأوليائه، يحفظهم ويمنعهم من كل شيء. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وخلف: اليس الله بكافٍ عبادَه بالجمع. والباقون: عبده بالافراد.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِّلْكَافِرِينَ} (32) - لاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِنْ شَخْصٍ قَالَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ فَجَعَلَ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى، وَادَّعَى أَنَّ المَلاَئِكَةَ بَنَاتُ اللهِ، أَوْ جَعَلَ للهِ وَلَداً، ثُمَّ كَذَّبَ بِالحَقِّ (بِالصِّدْقِ) لَمَّا جَاءَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِ اللهِ، وَهُوَ الدَّعْوَةِ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ والإِيْمَانِ بِهِ، وَالإِيْمَانِ بِالبَعْثِ والنَّشُورِ. وَالله تَعَالَى سَيَجْزِي مَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ، وَكَذَّبَ بِالحَقِ بِإِدْخَالِهِ نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَفَلاَ تَكْفِي نَارُ جَهَنَّمَ الكَافِرِينَ جَزَاءً لَهُمْ، وَمَثْوىً وَمَنْزِلاً عَلَى أَعْمَالِهِم القَبِيحَةِ. مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ - مَأْوًى وَمَقَامٌ لَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الاستفهام في {فَمَنْ أَظْلَمُ} [الزمر: 32] يحمل معنى التعجب والإنكار يعني: لا أحدَ أظلمُ من هذا الذي يكذب على الله، فلو كذب على غير الله لكان منكراً، فما بالك وقد كذب على الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ويعلم حقائق الأشياء سِرَّها وعلانيتها. إذن: فالكذب على الله خيبة، وإنْ كنت ولا بُدَّ ستكذب فاكذب على إنسان مثلك هو أيضاً عُرْضة لأن يكذب. لذلك جاء لفظ {أَظْلَمُ} على وزن أفعل التي تدل على المبالغة، لأن أفظعَ الظلم وأعظمه أنْ تكذب على الله، لكن مَنْ ظلم؟ أظلم مَنْ يكذب عليه أم ظلم نفسه؟ بل ظلم نفسه. ولم يقف الأمر عند هذا بل {وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ} [الزمر: 32] لأن التكذيب بالصدق ينقل القضايا إلى نقيضها، والشيء الصدق هو الذي لا يُقال لقائله كذبت، لأنه إخبارٌ بأحداث يُصدِّقها الواقع وسبق أنْ قلنا: إن النسبة الكلامية إذا وافقتْ نسبة الواقع كان الكلام صادقاً، وإذا خالفت الواقع كان كاذباً. ثم يستفهم الحق - سبحانه وتعالى - وهو أعلم: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32] يعني: ما ظنّ هؤلاء الذي يكذبون على الله ويُكذبون بالصدق، ألم يعلموا هذه الحقيقة وهي أن جهنم مثوى للكافرين المكذِّبين، لو كانت هذه الحقيقة في بالهم ما اجترأوا على الله، إنما هم كاذبون يقولون غير الواقع ولا يؤمنون به. وبعد ذلك ينتقل إلى خصوصية الصادق {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} [الزمر: 33] وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي تلقّى عن ربه وبلّغ أمته، وقد أكد الله تعالى صِدْق رسوله في مواضع كثيرة، منها: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ * فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} تفسير : [الحاقة: 44-47]. إذن: مسألة الكذب على الله مسألة لا يُحابي فيها أحد حتى الرسل، لذلك جاء بلاغه صلى الله عليه وسلم عن ربه دقيقاً، فتراه لا يبلغ مضمون المقولات، إنما يبلغ المقولات ذاتها، واقرأ قوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1] فكان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أنْ يقول لقومه: الله أحد. وبذلك يكون قد بلَّغ المراد من الآية إنما قال كما جاءه من ربه {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1] فذكر الأمر بأنْ يقول (قل). والعجيب أنْ يطلُعَ علينا مَنْ يقول بحذف مثل هذه الكلمة بحجة أنها لا تضيف جديداً للمعنى، ونقول: هذا ليس كلامَ بشر، بل هو كلام الله وقرآنه، وقد حفظه الله بنفسه وبلّغه رسوله كما تلقّاه عن ربه. أرأيتَ لو أرسلتَ ابنك ليُبلِّغ عنك قضية مثلاً وقلتَ له: اذهب إلى فلان وقُلْ له كذا وكذا، وبإمكان الولد أنْ يبلغ مضمون القضية، لكنه حين يقول: أبي قال لي قُل لفلان كذا وكذا، فهذا يعني أنه يؤكد الكلام ويهتمّ بالرسالة كما تلقاها، إذن: لو حُذِفَتْ كلمة (قُلْ) فقد حُذِفَتْ كلمة من القرآن، لا كلمة زائدة عليه. وقوله: {وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33] أي: صدَّق بالصدق الذي جاء به، صدَّق هو أولاً ولم ينتظر منا أنْ نُصدِّق نحن أو نشهد بذلك، لقد أخذ الرسول عن ربه أنه إله واحد لا شريكَ له فشهد بذلك أولاً وصدَّق، كذلك الحق سبحانه لم ينتظر شهادةَ العباد بوحدانيته إنما شهد بها لنفسه أولاً، فقال سبحانه: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ} تفسير : [آل عمران: 18] وبعد أنْ شهد اللهُ لنفسه بالوحدانية وجب على الرسول أيضاً أنْ يشهد بأن محمداً رسولُ الله، إذن: جاء بالصدق وصدَّق هو به وقال هو عن نفسه: أشهد أن محمداً رسول الله. كذلك شهد الملائكة بهذه الوحدانية، وشهد بها أولو العلم شهادةَ الحجة والدليل والبرهان. وقالوا: {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} [الزمر: 33] هو رسول الله {وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33] أي: الذين صدَّقوا رسول الله في أول بلاغ له عن ربه، سواء أكان أبا بكر رضي الله عنه أم السيدة خديجة رضي الله عنها، وقد اختلفوا في هذه المسألة: أهو أبو بكر أم خديجة؟ وليس في المسألة خلاف. فإذا قيل: أول مَنْ آمن من الرجال نقول أبو بكر. ومن النساء: خديجة. والواقع أن السيدة خديجة آمنتْ برسول الله وصدَّقته في أول الأمر، وربما قبل أنْ يبلغ أبا بكر الخبر، وتعلمون موقفها من رسول الله حين جاءه الوحي، وأنها ذهبتْ به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، فقال: إنه نبيُّ هذه الأمة، ولكي يؤكد لها هذه القضية قال: وإنْ يدركني يومك لأنصرنَّك نصراً مؤزّراً، ليتني أكون حيّاً يوم يُخرجك قومك، قال: أو مخرجي هم؟ قال: ما جاء أحد بمثل ما جئتَ به إلا أُوذِي ولتُخرَجُنَّ. أما الصِّديق أبو بكر فلما أخبروه أن صاحبك يزعم أنه رسول قال: إنْ كان قال فقد صدق، إذن: كيف صدَّق أبو بكر وهو لم يَرَ من رسول الله معجزةً تدل على رسالته؟ قالوا: ليست المعجزة (عياقة) لا يؤمن الناس إلا بها، إنما المعجزة جُعِلَتْ لمن يكابر في التصديق؛ لذلك جاءت معجزةُ القرآن تحدياً للكافرين والمعاندين المكذِّبين، أما مَنْ آمن برسول الله أولاً فلا يحتاج إلى معجزة، وأيُّ معجزة جعلتْ أبا بكر يؤمن ويُصدِّق برسول الله بهذه السرعة؟ قالوا: لأنه لم يُجرِّب على رسول الله كذباً أبداً قبل ذلك، فإذا كان صادقاً في أموره مع الناس أيكذب على الله؟ إذن: أخذ أبو بكر المعجزة من تاريخه مع رسول الله، وكذلك السيدة خديجة بدليل أنها هي التي شجَّعته وآزرته وقالت: حديث : والله لا يُخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتَقْري الضيف، وتحمل الكَلَّ، وتعين على نوائب الدهر تفسير : فمعجزة محمد لمَنْ آمن به أولاً تاريخه وسيرته بينهم. وأنتم تعلمون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خزيمة الذي يقول فيه: "حديث : مَنْ شهد له خزيمة فحَسْبه" تفسير : ونِصاب الشهادة معروف، فكيف جعل رسول الله خزيمة نِصاباً وحده في الشهادة؟ وبم استحق هذه المنزلة؟ قالوا: لأنه فاز بجدارة في قضية التصديق برسول الله حديث : حينما اقترض رسول الله مبلغاً من المال من يهودي، ثم أدَّاه إليه في موعده، لكن جاء اليهودي يدَّعي أنه لم يأخذ دَيْنه من رسول الله، وذهب إلى رسول الله أمام الناس يقول: يا محمد أو يا أبا القاسم أعْطِني دَيْني، فقال رسول الله: لقد أعطيتُك، فقال: ومَنْ يشهد على ذلك؟ فقام خزيمة وقال: يا رسول الله أشهد أنك أعطيته دَيْنه. ولأن اليهودي كان كاذباً في ادعائه صدَّق بشهادة خزيمة وقال في نفسه: لعله كان حاضراً ولم أَرَه، لأن اليهودي أخذ دَيْنه من رسول الله ولم يكُنْ أحدٌ موجوداً معهما، عندها خنس اليهودي وانصرف، فاستدعى رسول الله خزيمة، وقال له: يا خزيمة لم يكُنْ معي أحد حين أعطيتُه حقه، فكيف شهدتَ أنك رأيتني أعطيه؟ فضحك خزيمة وقال: يا رسول الله أأصدقك في خبر السماء وأكذبك في عدة دراهم؟ فأعجب رسول الله باستنتاج خزيمة، ورآه اجتهاداً جميلاً، فقال فيه: "مَنْ شَهِدَ له خُزيمةُ فحسْبُه" ". تفسير : والمسألة ليست على دراهم اليهودي، إنما لها واقعٌ آخر، حينما أرادوا أن يجمعوا القرآن تحرَّوْا فيه أقصى درجات الدقة، فكان الجامع لا يكتب كلمة واحدة في المصحف الجامع إلا إذا رآها مكتوبة، وشهد عليها شاهدان ليتأكد من صدقها في الصدور وفي السطور، حتى وقف أمام آية كُتِبت وشهد عليها شاهد واحد فتوقف، فلما رأى أن هذا الشاهد هو خزيمة تذكَّر قول رسول الله فيه: "حديث : مَنْ شهِد له خزيمة فحَسْبه"تفسير : فكتبها. ومن مواقف التصديق ما كان من الصِّدِّيق أبي بكر لما أخبروه خبر الإسراء والمعراج. وقالوا له: إن صاحبك يدَّعِي أنه أتى بيت المقدس وعُرِج به إلى السماء في ليلة واحدة، لم يبحث المسألة ولم يناقشها إنما صَدَّق بدايةً وقال: إنْ كان قد قال فقد صدق. فميزان الصدق عنده مجرد أنْ يقول رسول الله. وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33] أي: الذين أخذوها من قصيرها كما يقولون، وجعلوا بينهم وبين صفات الجلال من الله وقاية.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر أن الخلق صائرون إلى الموت، وأن المؤمنين والكافرين سيختصمون عند ربهم في أمر التوحيد والشرك، وأنه تعالى يفصل بينهم، ذكر هنا جزاء كلٍ من الفريقين، ثم أتبعه بذكر قبائح المشركين واعتدادهم بشفاعة الأوثان والأصنام. اللغَة: {مَثْوًى} مأوى ومقام، مشتقٌ من ثَوى بالمكان إِذا أقام به {يُخْزِيهِ} يُهينه ويُذله {ٱشْمَأَزَّتْ} نفرتْ وانقبضتْ {فَاطِرَ} خالق ومبدع {يَحْتَسِبُونَ} يظنون ويؤملون يقال: جاءه الأمر من حيث لا يحتسب أي من حيث لا يظن {حَاقَ} نزل وأحاط بهم من كل جانب {خَوَّلْنَاهُ} منحناه وأعطيناه تفضلاً وكرماً {مُعْجِزِينَ} فائتين من العذاب {يَقْدِرُ} يضيق ويُقتِّر. التفسِير: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ} الاستفهام إِنكاري بمعنى النفي أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله بنسبة الشريك له والولد {وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ} أي وكذَّب بالقرآن والشريعة وقت مجيئه من غير تدبر ولا تأمل؟ أي لا أحد أظلم ممن حاله ذلك، فإِنه أظلم من كل ظالم {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ}؟ أي أليس في جهنم مقام ومأوى لهؤلاء الكافرين المكذبين؟ والاستفهام هنا تقريري أي بلى لهم مأوى ومكان {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} أي وأما الذين جاءوا بالصدق وهم الأنبياء، والذين صدَّقوا به وهم المؤمنون أتباعُ الرسل {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} أي فأولئك الموصوفون بالصفات الحميدة هم أهل التقوى والصلاح الذين يستحقون كل إحسان وإكرام {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} أي لهم كل ما يشتهون في الجنة من الحور، والقصور، والملاذِّ، والنعيم {ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي ذلك الذي ينالونه هو ثواب كل محسن، أحسن في هذه الحياة قال بعض المفسرين: "الذي جاء بالصدق" هو محمد صلى الله عليه وسلم "وصدَّق به" هو أبو بكر رضي الله عنه، والاختيارُ أن يكون على العموم حتى يشترك في هذه الصفة كل الرسل الكرام، وكل من دعا إلى هذا الصدق عن عقيدة وإِيمان من أتباع الرسل، ويدل عليه {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} بصيغة الجمع، وهذا اختيار ابن عطية {لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ} أي هؤلاء الذين صدَّقوا الأنبياء سيغفر الله لهم ما أسلفوا من الأعمال السيئة فلا يعاقبهم بها {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ويثيبهم على طاعاتهم في الدنيا بحساب الأحسن الذي عملوه فضلاً منه وكرماً قال المفسرون: العدلُ أن تُحسب الحسنات وتُحسب السيئات، ثم يكون الجزاء، والفضلُ هو الذي يتجلى به الله على عباده المتقين، فيكفر عنهم أسوأ أعمالهم، فلا يبقى لها حساب في ميزانهم، وأن يجزيهم أجرهم بحساب أحسن الأعمال، فتزيد حسناتُهم وتعلو وترجّح كفة الميزان، وهذا من زيادة الكرم والإِحسان {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}؟ الهمزة للتقرير أي أليس الله كافياً عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من شر من يريده بسوء؟ قال أبو السعود: هذه تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما قالت له قريش: لتكفنَّ عن شتم آلهتنا، أو ليصيبنَّك منها خبل أو جنون وقال أبو حيان: قالت قريش: لئن لم ينته محمد عن سبِّ آلهتنا وتعييبنا لنسلِّطنها عليه فتصيبه بخبَل وتعتريه بسوء، فأنزل الله {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} أي هو كافٍ عبده، وإضافته إليه تشريفٌ عظيمٌ لنبيّه {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} أي ويخوفونك يا محمد بهذه الأوثان التي لا تضر ولا تنفع {وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ} أي ومن أشقاه الله وأضلَّه فلن يهديه أحدٌ كائناً من كان {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} أي ومن أراد الله سعادته فهداه إلى الحق، ووفقه لسلوك طريق المهتدين، فلن يقدر أحدٌ على إضلاله {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ}؟ أي هو تعالى منيع الجناب لا يُضام من لجأ إلى بابه، وهو القادر على أن ينتقم من أعدائه لأوليائه، لأنه غالب لا يُغلب، ذو انتقام من أعدائه، وفي الآية وعيدٌ للمشركين، ووعدٌ للمؤمنين {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} هذه الآية إقامة برهان على تزييف طريقة عبدة الأوثان أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين عمَّن خلق السماوات والأرضَ ليقولُنَّ اللهُ خالقهما، لوضوح الدليل على تفرده تعالى بالخالقية قال الرازي: إنَّ العلم بوجود الإِله القادر الحكيم، لا نزاع فيه بين جمهور الخلائق، وفطرةُ العقل شاهدةٌ بصحة هذا العلم، فإِنَّ من تأمل في عجائب أحوال السماوات والأرض، وفي عجائب أحوال النبات والحيوان، وفي عجائب بدن الإِنسان وما فيه من أنواع الحِكَم الغريبة، والمصالح العجيبة، علم أنه لا بدَّ من الاعتراف بالإِله القادر الحيكم الرحيم، ولهذا أقر المشركون بوجود الله {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي قل لهم يا محمد توبيخاً وتبكيتاً: أخبروني - بعد أن تحققتم أن خالق العالم هو الله - عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله {إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ}؟ أخبروني لو أراد الله أن يصيبني بشدة أو بلاء، هل تستطيع هذه الأصنام أن تدفع عني ذلك السوء والضُّرَّ؟ {أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ}؟ أي ولو أراد الله بي نفعاً من نعمة ورخاء هل تستطيع أن تمنع عني هذه الرحمة؟ والجواب محذوفٌ لدلالة الكلام عليه يعني فسيقولون: لا، لا تكشف السوء، ولا تمنع الرحمة {قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} أي الله كافيني فلا ألتفت إلى غيره، وعليه وحده يعتمد المعتمدون، والغرضُ الاحتجاجُ على المشركين في عبادة ما لا يضرُّ ولا ينفع، وإِقامة البرهان على الوحدانية {قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ} أي اعملوا على طريقتكم من المكر والكيد والخداع {إِنِّي عَامِلٌ} أي إني عاملٌ على طريقتي، من الدعوة إلى الله وإظهار دينه {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي فسوف تعلمون لمن سيكون العذاب الذي يذل ويخزي الإِنسان {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي وينزل عليه عذاب دائمٌ لا ينقطع وهو عذاب النار، هل هذا العذاب سيصيبني أو يصيبكم؟ والغرض التهديد والتخويف قال أبو السعود: وفي الآية مبالغة في الوعيد، وإِشعارٌ بأن حاله عليه السلام لا تزال تزداد قوةً بنصر الله وتأييده، وفي خزي أعدائه دليل غلبته عليه الصلاة والسلام، وقد عذبهم الله وأخزاهم يوم بدر {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِّ} أي نحن أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن المعجز في بيانه، الساطع في برهانه، لجميع الخلق، بالحقِّ الواضح الذي لا يلتبس به الباطل {فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أين فمن اهتدى فنفعه يعود عليه، ومن ضلَّ فضرر ضلاله لا يعود إلا عليه {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ} أي لستَ بموكَّل عليهم حتى تجبرهم على الإِيمان قال الصاوي: وفي هذا تسلية له صلى الله عليه وسلم والمعنى: ليس هداهم بيدك حتى تقهرهم وتجبرهم عليه، وإِنما هو بيدنا، فإِن شئنا هديناهم وإِن شئنا أبقيناهم على ما هم عليه من الضلال {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا} أي يقبضها من الأبدان عند فناء آجالها وهي الوفاة الكبرى {وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا} أي ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها وهي الوفاة الصغرى قال في التسهيل: هذه الآية للاعتبار ومعناها أن الله يتوفى النفوس على وجهين: أحدهما: وفاة كاملة حقيقية وهي الموت، والآخر: وفاة النوم لأن النائم كالميت، في كونه لا يُبصر ولا يسمع، ومنه قوله تعالى {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ}تفسير : [الأنعام: 60] وفي الآية عطف والتقدير: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها وقال ابن كثير: أخبر تعالى بأنه المتصرف في الوجود كما يشاء، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى، بما يرسل من الحفظة - الملائكة - الذين يقبضونها من الأبدان، والوفاة الصغرى عند المنام {فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ} أي فيمسك الروح التي قضى على صاحبها الموتَ فلا يردها إلى البدن {وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي ويرسل الأنفس النائمة إلى بدنها عند اليقظة إلى وقت محدود، هو أجل موتها الحقيقي قال ابن عباس: إنَّ أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فتتعارف ما شاء الله لها، فإِذا أرادت الرجوع إلى أجسادها، أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها قال القرطبي: وفي الآية تنبيه على عظيم قدرته تعالى، وانفراده بالألوهية، وأنه يحيي ويميت، ويفعل ما يشاء، لا يقدر على ذلك سواه، ولهذا قال {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي إن في هذه الأفعال العجيبة لعلامات واضحة قاطعة، على كمال قدرة الله وعلمه، لقومٍ يجيلون أفكارهم فيها فيعتبرون {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ} أمْ للإِضراب أي لم يتفكروا بل اتخذوا لهم شفعاء من الأوثان والأصنام، فانظر إلى فرط جهالتهم حيث اتخذوا من لا يملك شيئاً أصلاً شفعاء لهم عند الله قال ابن كثير: هذا ذمٌ للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله - وهي الأصنام - والأوثان التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم، بلا دليل ولا برهان، وهي لا تملك شيئاً من الأمر، وليس لها عقل تعقل به، ولا سمعٌ تسمع به، ولا بصرٌ تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالاً بكثير من الحيوانات {قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ} الاستفهام توبيخي أي قل لهم يا محمد: أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا على هذه الصفة جمادات لا تقدر على شيء، ولا عقل لها ولا شعور؟ {قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} أي قل لهم: الشفاعةُ للهِ وحده، لا يملكها أحدٌ إلا الله تعالى، ولا يستطيع أحد أن يشفع إلا بإِذنه {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي هو المتصرف في المُلك والملكوت قال البيضاوي: أي هو تعالى مالك المُلكِ كله، لا يملك أحدٌ أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي ثم مصيركم إليه يوم القيامة، فيحكم بينكم بعدله، ويجازي كلاً بعمله.. ثم ذكر تعالى نوعاً آخر من أفعالهم القبيحة فقال {وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ} أي وإِذا أُفرد الله بالذكر، ولم يذكر معه آلهتهم وقيل أمام المشركين: لا إله إلا اللهُ {ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} أي نفرت وانقبضت من شدة الكراهة قلوب هؤلاء المشركين {وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي وإِذا ذكرت الأوثان والأصنام إِذا هم يفرحون ويُسرون قال الإِمام الفخر: هذا نوع آخر من قبائح المشركين، فإِنك إذا ذكرتَ الله وحده وقلت: لا إِله إلا الله وحده لا شريك له، ظهرتْ آثار النفرة من وجوههم وقلوبهم، وإِذا ذكرتَ الأصنام والأوثان ظهرت آثار الفرح والبشارة في قلوبهم وصدورهم، وذلك يدل على الجهل والحماقة، لأن ذكر الله رأس السعادات وعنوان الخيرات، وذكر الأصنام الجمادات رأسُ الجهالات والحماقات، فنفرتُهم عن ذكر الله، واستبشارهم بذكر الأصنام، من أقوى الدلائل على الجهل الغليظ، والحُمق الشديد {قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي قل يا الله يا خالق ومبدع السماوات والأرض {عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي يا عالم السرِّ والعلانية، يا من لا تخفى عليه خافية، مما هو غائب عن الأعين أو مشاهد بالأبصار {أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي أنت تفصل بين الخلائق بعدلك وقضائك، فافصل بيني وبين هؤلاء المشركين قال في البحر: لما أخبر عن سخافة عقولهم باشمئزازهم من ذكر الله، واستبشارهم بذكر الأصنام أمر رسوله أن يدعوه بأسمائه العظمى من القدرة والعلم ليفصل بينه وبين أعدائه، وفي ذلك وعيد للمشركين وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام وقال الصاوي: أي التجىءْ إلى ربك بالدعاء والتضرع فإِنه القادر على كل شيء {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي ولو أنَّ لهؤلاء المشركين الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب القرآن والرسول {مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ} أي لو ملكوا كل ما في الأرض من أموال، وملكوا مثل ذلك معه {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي لجعلوا كل ما لديهم من أموال وذخائر، فديةً لأنفسهم من ذلك العقاب الشديد يوم القيامة {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} أي وظهر له من أنواع العقوبات ما لم يكن في حسابهم قال أبو السعود: وهذه غايةٌ من الوعيد لا غاية وراءها، ونظيرها في الوعد {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}تفسير : [السجدة: 17] {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ} أي وظهر لهم في ذلك اليوم المفزع سيئات أعمالهم التي اكتسبوها {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي وأحاط ونزل بهم من كل الجوانب جزاء ما كانوا يستهزئون به قال ابن كثير: أي أحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدنيا {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا} أي فإِذا أصاب هذا الإِنسان الكافر شيءٌ من الشدة والبلاء، تضرَّع إلى الله وأناب إليه {ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا} أي ثم إذا أعطيناه نعمة منا تفضلا عليه وكرماً {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} أي قال ذلك الإِنسان الكافر الجاحد إِنما أعطيته على علمٍ مني بوجوه المكاسب والمتاجر {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} أي ليس الأمر كما زعم بل هي اختبارٌ وامتحانٌ له، لنختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي؟ {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون أن إعطاءهم المال اختبار وابتلاء فلذلك يبطرون {قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي قال تلك الكلمة والمقالة الكفار قبلهم كقارون وغيره حيث قال {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ}تفسير : [القصص: 78] {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي فما نفعهم ما جمعوه من الأموال، ولا ما كسبوه من الحُطام {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} أي فنالهم جزاء أعمالهم السيئة {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ} أي والذين ظلموا من هؤلاء المشركين - كفار قريش - {سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} أي سينالهم جزاء أعمالهم القبيحة كما أصاب أولئك قال البيضاوي: وقد أصابهم ذلك فإِنهم قد قُحطوا سبع سنين حتى أكلوا الجيف وقُتل ببدرٍ صناديدهم {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي وليسوا بفائتين من عذابنا، لا يعجزوننا هرباً ولا يفوتوننا طلباً.. ثم ردَّ عليهم زعمهم فيما أوتوا من المال وسعة الحال فقال {أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ}؟ أي أولم يعلم هؤلاء المشركون أن الله يوسِّع الرزق على قوم، ويضيّقه على آخرين؟ فليس أمر الرزق تابعاً لذكاء الإِنسان أو غبائه، إِنما هو تابعٌ للقسمة والحكمة {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي إِن في الذي ذكر لعبراً وحججاً لقوم يصدِّقون بآيات الله قال القرطبي: وخصَّ المؤمن بالذكر، لأنه هو الذي يتدبر الآيات وينتفع بها، ويعلم أن سعة الرزق قد يكون استدراجاً، وأن تقتيره قد يكون إعظاماً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى، محذرا ومخبرا: أنه لا أظلم وأشد ظلما { مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ } إما بنسبته إلى ما لا يليق بجلاله، أو بادعاء النبوة، أو الإخبار بأن اللّه تعالى قال كذا، أو أخبر بكذا، أو حكم بكذا وهو كاذب، فهذا داخل في قوله تعالى: {أية : وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } تفسير : إن كان جاهلا وإلا فهو أشنع وأشنع. { وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ } أي: ما أظلم ممن جاءه الحق المؤيد بالبينات فكذبه، فتكذيبه ظلم عظيم منه، لأنه رد الحق بعد ما تبين له، فإن كان جامعا بين الكذب على اللّه والتكذيب بالحق، كان ظلما على ظلم. { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ } يحصل بها الاشتفاء منهم، وأخذ حق اللّه من كل ظالم وكافر. {أية : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }. تفسير : ولما ذكر الكاذب المكذب وجنايته وعقوبته، ذكر الصادق المصدق وثوابه، فقال: { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ } في قوله وعمله، فدخل في ذلك الأنبياء ومن قام مقامهم، ممن صدق فيما قاله عن خبر اللّه وأحكامه، وفيما فعله من خصال الصدق. { وَصَدَّقَ بِهِ } أي: بالصدق لأنه قد يجيء الإنسان بالصدق، ولكن قد لا يصدق به، بسبب استكباره، أو احتقاره لمن قاله وأتى به، فلا بد في المدح من الصدق والتصديق، فصدقه يدل على علمه وعدله، وتصديقه يدل على تواضعه وعدم استكباره. { أُولَئِكَ } أي: الذين وفقوا للجمع بين الأمرين { هُمُ الْمُتَّقُونَ } فإن جميع خصال التقوى ترجع إلى الصدق بالحق والتصديق به. { لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ } من الثواب، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فكل ما تعلقت به إرادتهم ومشيئتهم، من أصناف اللذات والمشتهيات، فإنه حاصل لهم، معد مهيأ، { ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ } الذين يعبدون اللّه كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم { الْمُحْسِنِينَ } إلى عباد اللّه. { لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } عمل الإنسان له ثلاث حالات: إما أسوأ، أو أحسن، أو لا أسوأ، ولا أحسن. والقسم الأخير قسم المباحات وما لا يتعلق به ثواب ولا عقاب، والأسوأ، المعاصي كلها، والأحسن الطاعات كلها، فبهذا التفصيل، يتبين معنى الآية، وأن قوله: { لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا } أي: ذنوبهم الصغار، بسبب إحسانهم وتقواهم، { وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } أي: بحسناتهم كلها {أية : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):