Verse. 4091 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

وَالَّذِيْ جَاۗءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِہٖۗ اُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الْمُتَّـقُوْنَ۝۳۳
Waallathee jaa bialssidqi wasaddaqa bihi olaika humu almuttaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذى جاء بالصدق» هو النبي صلى الله عليه وسلم «وصدق به» هم المؤمنون فالذي بمعنى الذين «أولئك هم المتقون» الشرك.

33

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكاذبين والمكذبين للصادقين ذكر عقيبه وعد الصادقين ووعد المصدقين، ليكون الوعد مقروناً بالوعيد، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَٱلَّذِى جَاء بِٱلصّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } تقديره: والذي جاء بالصدق والذي صدق به، وفيه قولان الأول: أن المراد شخص واحد فالذي جاء بالصدق محمد، والذي صدق به هو أبو بكر، وهذا القول مروي عن علي بن أبـي طالب عليه السلام وجماعة من المفسرين رضي الله عنهم والثاني: أن المراد منه كل من جاء بالصدق، فالذي جاء بالصدق الأنبياء، والذي صدق به الأتباع، واحتج القائلون بهذا القول بأن الذي جاء بالصدق جماعة وإلا لم يجز أن يقال: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ }. المسألة الثانية: أن الرسالة لا تتم إلا بأركان أربعة: المرسل والمرسل والرسالة والمرسل إليه، والمقصود من الإرسال إقدام المرسل إليه على القبول والتصديق، فأول شخص أتى بالتصديق هو الذي يتم به الإرسال، وسمعت بعض القاصين من الذي يروى عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : دعوا أبا بكر فإنه من تتمة النبوة». تفسير : واعلم أنا سواء قلنا المراد بالذي صدق به شخص معين، أو قلنا المراد منه كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، فإن أبا بكر داخل فيه. أما على التقدير الأول: فدخول أبـي بكر فيه ظاهر، وذلك لأن هذا يتناول أسبق الناس إلى التصديق، وأجمعوا على أن الأسبق الأفضل إما أبو بكر وإما علي، وحمل هذا اللفظ على أبـي بكر أولى، لأن علياً عليه السلام كان وقت البعثة صغيراً، فكان كالولد الصغير الذي يكون في البيت، ومعلوم أن إقدامه على التصديق لا يفيد مزيد قوة وشوكة. أما أبو بكر فإنه كان رجلاً كبيراً في السن كبيراً في المنصب، فإقدامه على التصديق يفيد مزيد قوة وشوكة في الإسلام، فكان حمل هذا اللفظ إلى أبـي بكر أولى. وأما على التقدير الثاني: فهو أن يكون المراد كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، وعلى هذا التقدير يكون أبو بكر داخلاً فيه. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» قرىء وصدق بالتخفيف أي صدق به الناس، ولم يكذبهم يعني أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف، وقيل صار صادقاً به أي بسببه، لأن القرآن معجزة، والمعجزة تصديق من الحكيم الذي لا يفعل القبيح فيصير المدعي للرسالة صادقاً بسبب تلك المعجزة وقرىء وصدق. واعلم أنه تعالى أثبت للذي جاء بالصدق وصدق به أحكاماً كثيرة. فالحكم الأول: قوله: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ } وتقريره أن التوحيد والشرك ضدان، وكلما كان أحد الضدين أشرف وأكمل كان الضد الثاني أخس وأرذل، ولما كان التوحيد أشرف الأسماء كان الشرك أخس الأشياء، والآتي بأحد الضدين يكون تاركاً للضد الثاني، فالآتي بالتوحيد الذي هو أفضل الأشياء يكون تاركاً للشرك الذي هو أخس الأشياء وأرذلها، فلهذا المعنى وصف المصدقين بكونهم متقين. الحكم الثاني: للمصدقين قوله تعالى: {لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء ٱلْمُحْسِنِينَ }، وهذا الوعد يدخل فيه كل ما يرغب المكلف فيه، فإن قيل لا شك أن الكمال محبوب لذاته مرغوب فيه لذاته، وأهل الجنة لا شك أنهم عقلاء فإذا شاهدوا الدرجات العالية التي هي للأنبياء وأكابر الأولياء عرفوا أنها خيرات عالية ودرجات كاملة، والعلم بالشيء من حيث إنه كمال، وخير يوجب الميل إليه والرغبة فيه، وإذا كان كذلك فهم يشاءون حصول تلك الدرجات لأنفسهم فوجب حصولها لهم بحكم هذه الآية، وأيضاً فإن لم يحصل لهم ذلك المراد كانوا في الغصة ووحشة القلب، وأجيب عنه بأن الله تعالى يزيل الحقد والحسد عن قلوب أهل الآخرة، وذلك يقتضي أن أحوالهم في الآخرة بخلاف أحوالهم في الدنيا، ومن الناس من تمسك بهذه الآية في أن المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة، قالوا إن الذين يعتقدون أنهم يرون الله تعالى لا شك أنهم داخلون تحت قوله تعالى: {وَصَدَّقَ بِهِ } لأنهم صدقوا الأنبياء عليهم السلام، ثم إن ذلك الشخص يريد رؤية الله تعالى فوجب أن يحصل له ذلك لقوله تعالى: {لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ } فإن قالوا لا نسلم أن أهل الجنة يشاءون ذلك، قلنا هذا باطل لأن الرؤية أعظم وجوه التجلي وزوال الحجاب، ولا شك أنها حالة مطلوبة لكل أحد نظراً إلى هذا الاعتبار، بل لو ثبت بالدليل كون هذا المطلوب ممتنع الوجود لعينه فإنه يترك طلبه، لا لأجل عدم المقتضى للطلب، بل لقيام المانع وهو كونه ممتنعاً في نفسه، فثبت أن هذه الشبهة قائمة والنص يقتضي حصول كل ما أرادوه وشاءوه فوجب حصولها. واعلم أن قوله: {عِندَ رَبّهِمْ } لا يفيد العندية بمعنى الجهة والمكان بل بمعنى الصمدية والإخلاص كما في قوله تعالى: {أية : عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } تفسير : [القمر: 55] واعلم أن المعتزلة تمسكوا بقوله: {وَذٰلِكَ جَزَاء ٱلْمُحْسِنِينَ } على أن هذا الأجر مستحق لهم على إحسانهم في العبادة. الحكم الثالث: قوله تعالى: {لِيُكَـفّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَـانُواْ يَعْمَلُونَ } فقوله: {لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ } يدل على حصول الثواب على أكمل الوجوه وقوله: {لِيُكَـفّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه، فقيل المراد أنهم إذا صدقوا الأنبياء عليهم فيما أوتوا فإن الله يكفر عنهم أسوأ أعمالهم وهو الكفر السابق على ذلك الإيمان، ويوصل إليهم أحسن أنواع الثواب، وقال مقاتل يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوىء، واعلم أن مقاتلاً كان شيخ المرجئة وهم الذين يقولون لا يضر شيء من المعاصي مع الإيمان، كما لا ينفع شيء من الطاعات مع الكفر، واحتج بهذه الآية فقال: إنها تدل على أن من صدق الأنبياء والرسل فإنه تعالى يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ولا جوز حمل هذا الأسوأ على الكفر السابق، لأن الظاهر من الآية يدل على أن التكفير إنما حصل في حال ما وصفهم الله بالتقوى وهو التقوى من الشرك، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد منه الكبائر التي يأتي بها بعد الإيمان، فتكون هذه الآية تنصيصاً على أنه تعالى يكفر عنهم بعد إيمانهم أسوأ ما يأتون به وذلك هو الكبائر. الحكم الرابع: أنه جرت العادة أن المبطلين يخوفون المحقين بالتخويفات الكثيرة، فحسم الله مادة هذه الشبهة بقوله تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } وذكره بلفظ الاستفهام والمراد تقرير ذلك في النفوس والأمر كذلك، لأنه ثبت أنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات غني عن كل الحاجات فهو تعالى عالم حاجات العباد وقادر على دفعها وإبدالها بالخيرات والراحات، وهو ليس بخيلاً ولا محتاجاً حتى يمنعه بخله وحاجته عن إعطاء ذلك المراد، وإذا ثبت هذا كان الظاهر أنه سبحانه يدفع الآفات ويزيل البليات ويوصل إليه كل المرادات، فلهذا قال: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } ولما ذكر الله المقدمة رتب عليها النتيجة المطلوبة فقال: {وَيُخَوّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } يعني لما ثبت أن الله كاف عبده كان التخويف بغير الله عبثاً وباطلاً، قرأ أكثر القراء عبده بلفظ الواحد وهو اختيار أبـي عبيدة لأنه قال له: {وَيُخَوّفُونَكَ } روي أن قريشاً قالت للنبـي صلى الله عليه وسلم: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقرأ جماعة: {عِبَادِهِ } بلفظ الجميع قيل المراد بالعباد الأنبياء فإن نوحاً كفاه الغرق، وإبراهيم النار، ويونس بالإنجاء مما وقع له، فهو تعالى كافيك يا محمد كما كفى هؤلاء الرسل قبلك، وقيل أمم الأنبياء قصدوهم بالسوء لقوله تعالى: {أية : وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ } تفسير : [غافر: 5] وكفاهم الله شر من عاداهم. واعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الوعيد والوعد والترهيب والترغيب ختم الكلام بخاتمة هي الفصل الحق فقال: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ } يعني هذا الفضل لا ينفع والبينات إلا إذا خص الله العبد بالهداية والتوفيق وقوله: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى ٱنتِقَامٍ } تهديد للكفار. واعلم أن أصحابنا يتمسكون في مسألة خلق الأعمال وإرادة الكائنات بقوله: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ } والمباحث فيه من الجانبين معلومة والمعتزلة يتمسكون على صحة مذهبهم في هاتين المسألتين بقوله: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى ٱنتِقَامٍ } ولو كان الخالق للكفر فيهم هو الله لكان الانتقام والتهديد غير لائق به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ } هو النبي صلى الله عليه وسلم {وَصَدَّقَ بِهِ } هم المؤمنون، فالذي بمعنى الذين {أُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ } الشرك.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {والذي جاء بالصدق} معادل لقوله: {أية : فمن أظلم ممن كذب} تفسير : [الزمر: 32] {فمن} [الزمر: 32] هنالك للجميع والعموم، فكذلك هاهنا هي للجنس أيضاً، كأنه قال: والفريق الذي جاء بعضه بالصدق وصدق بعضه، ويستقيم المعنى واللفظ على هذا الترتيب. وفي قراءة ابن مسعود: والذي جاؤوا بالصدق وصدقوا به. و"الصدق" هنا: القرآن وأنباؤه والشرع بجملته. وقالت فرقة: {الذي} يراد به الذين، وحذفت النون لطول الكلام، وهذا غير جيد، وتركيب جاء عليه يرد ذلك، وليس هذا كقول الفرزدق: شعر : إن عميَّ اللذا قتلا الملوك تفسير : ونظير الآية قول الشاعر [أشهب بن رميلة]: [الطويل] شعر : وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هُم القوم كل القوم يا أم خالد تفسير : وقال ابن عباس: {والذي جاء بالصدق} هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي صدق به، وقالت فرقة من المفسرين: "الذي جاء" هو جبريل، والذي صدق به هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال علي بن أبي طالب وأبو العالية والكلبي وجماعة "الذي جاء" هو محمد عليه السلام، والذي صدق هو أبو بكر. وقال أبو الأسود وجماعة منهم مجاهد: الذي صدق هو علي بن أبي طالب وقال قتادة وابن زيد: "الذي جاء" هو محمد صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به هم المؤمنون. قال مجاهد هم أهل القرآن. وقالت فرقة: بالعموم الذي ذكرناه أولاً، وهو أصوب الأقوال. وقرأ أبو صالح ومحمد بن جحادة وعكرمة بن سليمان: "وصدَق به" بتخفيف الدال، بمعنى استحق به اسم الصدق، فعلى هذه القراءة يكون إسناد الأفعال كلها إلى محمد عليه السلام، وكأن أمته في ضمن القول، وهو الذي يحسن {أولئك هم المتقون} قال ابن عباس: اتقوا الشرك. واللام في قوله: {ليكفر} يحتمل أن تتعلق بقوله: {المحسنين}، أي الذين أحسنوا لكي يكفر، وقاله ابن زيد. ويحتمل أن تتعلق بفعل مضمر مقطوع مما قبله، كأنك قلت: يسرهم الله لذلك ليكفر، لأن التكفير لا يكون إلا بعد التيسير للخير، واستدلوا على أن {عملوا} هو كفر أهل الجاهلية ومعاصي أهل الإسلام. وقوله تعالى: {أليس الله بكاف عبده} تقوية لنفس النبي عليه السلام، لأن كفار قريش كانت خوفته من الأصنام، وقالوا يا محمد أنت تسبها ونخاف أن تصيبك بجنون أو علة، فنزلت الآية في ذلك. وقرأ حمزة والكسائي: "عباده" يريد الأنبياء المختصين به، وأنت أحدهم، فيدخل في ذلك المطيعون من المؤمنين والمتوكلون على الله، وهذه قراءة أبي جعفر ومجاهد وابن وثاب وطلحة والأعمش. وقرأ الباقون: "عبده" وهو اسم جنس، وهي قراءة الحسن وشيبة وأهل المدينة ويقوي أن الإشارة إلى محمد عليه السلام قوله: {ويخوفونك}. وقوله: {من دونه} يريد بالذين يعبدون من دونه، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى كسر العزى، فقال سادنها: يا خالد، إني أخاف عليك منها، فلها قوة لا يقوم لها شيء، فأخذ خالد الفأس فهشم به وجهها وانصرف. ثم قرر تعالى الهداية والإضلال من عنده بالخلق والاختراع، وأن ما أراد من ذلك لا راد له. ثم توعدهم بعزته وانتقامه، فكان ذلك، وانتقم منهم يوم بدر وما بعده.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ} محمد، أو الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، أو جبريل عليه السلام، أو المؤمنون جاءوا بالصدق يوم القيامة، والصدق لا إله إلا الله "ع"، أو القرآن {وَصَدَّقَ بِهِ} الرسول صلى الله عليه وسلم أو مؤمنو هذه الأمة، أو أتباع الأنبياء كلهم، أو أبو بكر، أو علي بن أبي طالب ـ رضي الله تعالى عنهما ـ والذي ها هنا يراد به الجمع وإن كان مفرد اللفظ.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الآية: 33]. قوله: {جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} محمد صلى الله عليه وسلم {وَصَدَّقَ بِهِ} هو الصدّيق الأكبر لأنه شرفه بخطاب الصدق وأقعده فى مقعد الصدق وأقيم مقام الصدق وصدق به وبمقاماته من كان أقرب إليه حالاً وأتم به إيمانًا وأكثر فيضًا عليه من بركات صدقه وهو أبو بكر الصديق رضى الله عنه صدّقه فى جميع ما جاء من الوحى غيره فقام بعده مقامه لحكم النبى صلى الله عليه وسلم له بالإيمان شاهدًا وغائبًا كما قال: فإنى أؤمن به أنا وأبو بكر وعمر ثم قلده معظم الدين فى حياته وهو الصلاة فقلده المسلمون بعده فروع دينهم. قوله عز وجل: {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الآية: 33]. قال ابن عطاء: الذى جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم فأفاض من بركات أنوار صدقه على أبى بكر فَسُمى صدّيقًا وكذلك بركات الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء. وقال أبو سعيد الخراز: الصدق منزلة تبلغ الأمل. وقال: إن كان الدين أربعة الصّدق واليقين والرضا والحب فعلامة الصدق الصبر وعلامة اليقين النصيحة وعلامة الرضا ترك الخلاف وعلامة الحب الافتقار والصبر يشهد للصدق. وقال بعضهم: الصادق من يعطيك خير الآخرة لا خير الدنيا ويصف لك أخلاق الله لا أخلاق المخلوقين. وقال الجنيد - رحمة الله عليه -: الصدق شىء به تمام الأحوال لكل حال خلا عنه كان ناقصًا. وقيل لأحمد بن عاصم الأنطاكى: ما أنفع الصدق؟ قال: ما نفى عنك الكذب فى مواضع الصدق. سمعت عبد الله بن محمد المعلم يقول: سمعت أبا بكر الطمستانى الفارسى يقول: كل من استعمل الصدق بينه وبين الله شغله صدقه مع الله عن الفراغ إلى خلق الله.

القشيري

تفسير : الذي جاء بالصدق في أفعاله من حيث الإخلاص، وفي أحواله من حيث الصدق، وفي أسراره من حيث الحقيقة. {ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ}: "الإحسانُ - كما جاء في الخبر- أن تعبد الله كأنك تراه". فَمَنْ كانت - اليومَ - مشاهدتُه على الدوام كانت رؤيته غداً على الدوام، ومَنْ لا فلا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} وصف الله كل صادق يعرف مقامه وحاله بين يدى الله فصدق بما اعطاه الله من الولاية الكرامات والمشاهدات والفراسات والخطابات والمكاشفات ولا يجرى على قلبه شك ولا ريب مما نال من الحق ولا يتردد فى حاله بل متمكن مستقيم لا يضطرب عنه طوارق الامتحان وايضا وصف الحبيب صلوات الله وسلامه عليه والصديق الذى هو اوّل من قبل منه الرسالة رضى الله عنه قال ابن عطا الذى جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم وافاض من بركات انوار صدقه على ابى بكر رضى الله عنه فسمى صديقا وكذلك بركات الانبياء والاولياء قال الطمسانى كل من استعمل الصدق بينه وبين الله شغله صدقه مع الله عن الفراغ الى خلق الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذى جاء} [وانكه آمد ويا آرد] {بالصدق وصدق به} الموصول عبارة عن رسول الله عليه السلام ومن تبعه من المؤمنين كما فى قوله تعالى {أية : ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون} تفسير : فان المراد موسى عليه السلام وقومه {اولئك} المصوفون بالصدق والتصديق {هم المتقون} المنعوتون بالتقوى التى هى اجل الرغائب. وقال الامام السهيلى رحمه الله {والذى جاء بالصدق} هو رسول الله {و} الذى {صدق به} هو الصديق رضى الله عنه ودخل فى الآية بالمعنى كل من صدق ولذلك قال {واولئك هم المتقون} انتهى. وفيه على ما قال اهل التفسير انه يلزم اضمار الذى بان يقال والذى صدق به وذا غير جائز. ودلت الآية على ان النبى عليه السلام يصدق ايضا بما جاء به من عند الله ويتلقاه بالقبول كما قال الله تعالى {أية : آمن الرسول بما انزل اليه من ربه} تفسير : ومن هنا قال بعضهم ان النبى عليه السلام مرسل الى نفسه ايضا وهكذا وارث الرسول فانه لا يتردد فى صدق حاله وتصديق الخبر الذى يأتيه من الله تعالى فيفيض بركة حاله الى وجوده كله والى من يعتقده ويصدقه ألا ترى ان النبى عليه السلام اتى بالصدق وافاض من بركات صدقه على ابى بكر رضى الله عنه فسمى صديقا وهكذا حال سائر الصديقين قال الحافظ شعر : بصدق كوش كه خورشيد زايد ازنفست كه از دروغ سيه روى كشت صبح نخست تفسير : يعنى ان الصادق الصديق يتولد من نفسه نفس الشمس المعنوية فتنور الانفس كما ان الصبح الصادق تطلع بعده الشمس الصورية فتنور الآفاق بخلاف حال الكاذب فانه كالصبح الكاذب حيث تعقبه الظلمة

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} وهو كلّ من قبل الولاية التّكليفيّة فانّه جاء بالولاية التّكوينيّة والولاية التّكليفيّة وصدّق بها فانّه ان لم يتّبع هواه يصدّق الولايتين فى احكامهما ويصدّق ولىّ امره فى كلّ امرٍ ونهىٍ وقولٍ وفعلٍ وخلقٍ صدر منه {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} يعنى من الظّلم وهو فى مقابل من اظلم ممّن كذب كما انّ قوله {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} فى مقابل كذّب على الله (الى آخره).

الحبري

تفسير : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنَا الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، عن الكَلْبِيّ، عَن أَبِي صَالِحٍ، عن: ابنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ}. رَسُولُ اللهِ جَاءَ بِالصِّدْقِ، وَعَليُّ صَدَّقَ بِهِ.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} هو النبي صلى الله عليه وسلم فالجمع في قوله* {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} الحاذرون للشرك والمعاصي للتعظيم كما قيل إن الجمع في (رب ارجعون) للتعظيم وقيل المراد النبي ومن آمن معه كما أريد بموسى هو وقومه فى قوله {أية : ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون} تفسير : فيما زعم بعض ولذلك جمع وقيل المراد الفريق الذي جاء فرد نظر اللفظ فجمع نظراً للمعنى ومعنى التصديق واضح ومعنى محبي الصحابة بالصدق تكلمهم ونقله لغيرهم، وقيل: {الذي جاء بالصدق} النبي والمصدق به غيره مراد به الفريق وأبو بكر أي الذي صدق به فحذف الموصول دون صلته بدلالة المذكور أجازه ابن مالك اذا عطف على مثله والكوفيون مطلقاً ومنع غيرهم قاله ابن هشام ويقال مثل هذا فى قول بعض {الذي جاء بالصدق} جبرائيل جاء بالقرآن والذي صدق به محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: {الذي جاء بالصدق} الأنبياء وهم المصدقون به أي المخوفون به غيرهم وقيل: {الذي جاء بالصدق} أهل القرآن يجيئون يوم القيامة وقد أدوا حقه فهم المصدقون به. وقال ابن عباس: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم والصدق لا اله الا الله وتصديقه به تبليغه وقرئ و (صدق به) للتخفيف أي وصدق به الناس أي أداه اليهم من غير كذب أو تحريف على حد صدقنا وعده وقيل: صار صادقاً به لانه معجزته وقرئ (صدق به) بالبناء للمفعول والتشديد وقرئ والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به ونسب لابن مسعود وقول بعضهم ان الذي في الآية أصله (الذين) حذفت نونه يرده الافراد فى (جاء وصدق) الا أن أراد أن الأصل أن يقول (الذين) بالنون ويجمع في (جاء وصدق) وأتى بالذي اسم جنس وأفرد فيهما نظراً للفظ؛ وقول بعضهم أن المراد (بالصدق على) يرده أفعاله بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اطفيش

تفسير : {والَّذي جَاءَ بالصِّدق وصَدَّق بهِ} المراد الجنس فشمل النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، كما قرأ ابن مسعود رضى الله عنه: {والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به} وقدر بعضهم الفوج الذى جاء بالصدق، ومعنى مجىء المؤمنين بالصدق أخبارهم به أهلهم وأصحابهم وجيرانهم وغيرهم، فكل من ذلك، وتبليغ النبى صلى الله عليه وسلم مجىء بالصدق وتصديق به، ولذلك كان الخبر جماعة فى قوله تعالى: {أولئك هُم المتَّقُونَ} وقيل المراد بالذى النبى صلى الله عليه وسلم كما رواه البيهقى، والطبرى وغيرهما، عن ابن عباس، وعليه فيقدر الذى جاء بالصدق وصدق به واتباعه، وأما أن يكتفى عنهم به بلا تقدير فلا يجوز انما يجوز حيث لا يستحق رجوع الضمير الى المكتفى به، كنزل الأمير موضع كذا فأكرمناهم، وأما أن يقال الأمير نازلون، أو أكرمت الأمير الذى جاءوا فلا. ويجوز أن يراد بالنبى صلى الله عليه وسلم وأبو بكر على حذف الذى على القلة وبقاء صلته، أى والذى جاء بالصدق، والذى صدق به، وبه قال الامام على، وقد أجاز بعض النحاة حذف الموصول وبقاء صلته، اذا عطف على موصول، وعليه فقد أخبر بالجمع عن اثنين.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِى جَاء بِٱلصّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } الموصول عبارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس، وفسر الصدق بلا إله إلا الله، والؤمنون داخلون بدلالة السياق وحكم التبعية دخول الجند في قولك: نزل الأمير موضع كذا، وليس هذا من الجمع بين الحقيقة والمجاز في شيء لأن الثاني لم يقصد من حاق اللفظ، ولا يضر في ذلك أن المجيء بالصدق ليس وصفاً للمؤمنين الأتباع كما لا يخفى، والموصول على هذا مفرد لفظاً ومعنى، والجمع في قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ } باعتبار دخول الأتباع تبعاً، ومراتب التقوى متفاوتة ولرسول الله صلى الله عليه وسلم أعلاها. وجوز أن يكون الموصول صفة لمحذوف أي الفوج الذي أو الفريق الذي الخ فيكون مفرد اللفظ مجموع المعنى فقيل: الكلام حينئذ على التوزيع لأن / المجيء بالصدق على الحقيقة له عليه الصلاة والسلام والتصديق بما جاء به وإن عمه وأتباعه صلى الله عليه وسلم لكنه فيهم أظهر فليحمل عليه للتقابل. وفي «الكشف» الأوجه أن لا يحمل على التوزيع غاية ما في الباب أن أحد الوصفين في أحد الموصوفين أظهر، وعليه يحمل كلام الزمخشري الموهم للتوزيع. وحمل بعضهم الموصول على الجنس فإن تعريفه كتعريف ذي اللام يكون للجنس والعهد، والمراد حينئذ به الرسل والمؤمنون. وأيد إرادة ما ذكر بقراءة ابن مسعود {والذي جاؤوا بالصدق وصدقوا به} وزعم بعضهم أنه أريد والذين فحذفت النون كما في قوله: شعر : إن الذي حَانَتْ بفَلْجٍ دِمَاؤُهم هُمُ القومُ كلُّ القومِ يا أم مالكِ تفسير : وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بصحيح لوجوب جمع الضمير في الصلة حينئذ كما في البيت، ألا ترى أنه إذا حذفت النون من اللذان كان الضمير مثنى كقوله: شعر : أبني كليب إن عمي اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا تفسير : وقال علي وأبو العالية والكلبـي وجماعة {ٱلَّذِى جَاء بِٱلصّدْقِ } هو الرسول صلى الله عليه وسلم والذي صدق به هو أبو بكر رضي الله تعالى عنه. وأخرج ذلك ابن جرير والباوردي في «معرفة الصحابة» وابن عساكر من طريق أسيد بن صفوان وله صحبة عن علي كرم الله تعالى وجهه، وقال أبو الأسود ومجاهد في رواية وجماعة من أهل البيت وغيرهم: الذي صدق به هو علي كرم الله تعالى وجهه. وأخرجه ابن مردويه عن أبـي هريرة مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن السدى أنه قال: {ٱلَّذِى جَاء بِٱلصّدْقِ } جبريل عليه السلام {وَصَدَّقَ بِهِ } هو النبـي صلى الله عليه وسلم، قيل: وعلى الأقوال الثلاثة يقتضي إضمار الذي وهو غير جائز على الأصح عند النحاة من أنه لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته مطلقاً، أي سواء عطف على موصول آخر أم لا. ويضعفه أيضاً الأخبار عنه بالجمع. وأجيب بأنه لا ضرورة إلى الإضمار ويراد بالذي الرسول صلى الله عليه وسلم والصديق أو علي كرم الله تعالى وجههما معاً على أن الصلة للتوزيع، أو يراد بالذي جبريل عليه السلام والرسول صلى الله عليه وسلم معاً كذلك، وضمير الجمع قد يرجع إلى الاثنين وقد أريدا بالذي، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف والله تعالى أعلم بحال الأخبار، ولعل ذكر أبـي بكر مثلاً على تقدير الصحة من باب الاقتصار على بعض أفراد العام لنكتة وهي في أبـي بكر رضي الله تعالى عنه كونه أول من آمن وصدق من الرجال، وفي علي كرم الله تعالى وجهه كونه أول من آمن وصدق من الصبيان، ويقال نحو ذلك على تقدير صحة خبر السدي ولا يكاد يصح لقوله تعالى: فيما بعد {أية : لِيُكَـفّرَ}تفسير : [الزمر: 35] الخ، وبما ذكر يجمع بين الأخبار إن صحت ولا يعتبر في شيء منها الحصر فتدبر. وقرأ أبو صالح وعكرمة بن سليمان {وَصَدَّقَ بِهِ } مخففاً أي وصدق به الناس ولم يكذبهم به يعني أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف فالمفعول محذوف لأن الكلام في القائم به الصدق وفي الحديث الصدق، والكلام على العموم دون خصوصه عليه الصلاة والسلام فإن جملة القرآن حفظه الصحابة عنه عليه الصلاة والسلام وأدوه كما أنزل. وقيل: المعنى وصار صادقاً به أي بسببه لأن القرآن معجز والمعجز يدل على صدق النبـي عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا فالوصف خاص، وقد تجوز في ذلك باستعمال {صَدَقَ } بمعنى صار صادقاً به ولا كناية فيه كما قيل؛ وقال أبو صالح: أي وعمل به وهو كما ترى. وقرىء / {وصدق به} مبنياً للمفعول مشدداً.

ابن عاشور

تفسير : الذي جاء بالصدق هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والصدق: القرآن كما تقدم آنفاً في قوله: {أية : وكذَّب بالصدق إذ جاءه}تفسير : [الزمر:32]. وجملة وصدَّقَ بهِ} صلة موصولٍ محذوفٍ تقديره: والذي صدق به، لأن المصدق غير الذي جاء بالصدق، والقرينة ظاهرة لأن الذي صَدَّق غير الذي جاء بالصدق فالعطف عطف جملة كاملة وليس عطف جملة صِلة. وضمير {بِهِ} يجوز أن يعود على (الصدق) ويجوز أن يعود على الذي {جَاءَ بالصِدْق}، والتصديق بكليهما متلازم، وإذ قد كان المصدقون بالقرآن أو بالنبي صلى الله عليه وسلم. من ثبت له هذا الوصف كان مراداً به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم جماعة فلا تقع صفتهم صلة لــــ {الذي} لأن أصله للمفرد، فتعين تأويله بفريق، وقرينته {أولئك هم المتقون}، وإنما أفرد عائد الموصول في قوله: {وصَدَّقَ} رعياً للفظ {الذي} وذلك كله من الإِيجاز. وروى الطبري بسنده إلى علي بن أبي طالب أنه قال: الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم والذي صدق به أبو بكر، وقاله الكلبي وأبو العالية، ومحمله على أن أبا بكر أول من صدّق النبي صلى الله عليه وسلم وجملة {أولئك هم المتقون} خبر عن اسم الموصول. وجيء باسم الإشارة للعناية بتمييزهم أكمل تمييز. وضمير الفصل في قوله {هم المتقون} يفيد قصر جنس المتقين على {الذي جاء بالصدق وصدق به} لأنه لا متقي يومئذٍ غير الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكلهم متقون لأن المؤمنين بالنبي صلى الله عليه وسلم لما أشرقت على نفوسهم أنوار الرسول صلى الله عليه وسلم تَطهرت ضمائرهم من كل سيئة فكانوا محفوظين من الله بالتقوى قال تعالى: {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس} تفسير : [آل عمران:110]. والمعنى: أولئك هم الذين تحقق فيهم ما أريد من إنزال القرآن الذي أشير إليه في قوله: {أية : لعلهم يتقون} تفسير : [الزمر: 28]. وجملة {لهم ما يشاءون عند ربهم} مستأنفة استئنافاً بَيانياً لأنهم لما قصر عليهم جنس المتقين كان ذلك مشعراً بمزية عظيمة فكان يقتضي أن يَسأل السامع عن جزاء هذه المزية فبُين له أن لهم ما يشاؤون عند الله. و {ما يشاءون} هو ما يريدون ويتمنون، أي يعطيهم الله ما يطلبون في الجنة. ومعنى {عند ربِّهم} أن الله ادّخر لهم ما يبتغونه، وهذا من صيغ الالتزام ووعدِ الإِيجابِ، يقال: لك عندي كذا أي ألتزِمُ لك بكذا، ثم يجوز أن الله يلهمهم أن يشاءوا ما لا يتجاوز قدرَ ما عَين الله من الدرجات في الجنة فإن أهل الجنة متفاوتون في الدرجات. وفي الحديث: «حديث : إن الله يقول لأحدهم: تمنَّهْ، فلا يزال يتمنى حتى تنقطع به الأَماني فيقول الله لك ذلك وعشرةُ أمثاله معه»تفسير : . ويجوز أن {مَا يَشاءُون} مما يقع تحت أنظارهم في قُصورهم ويحجب الله عنهم ما فوق ذلك بحيث لا يسألون إلا ما هو من عطاءِ أمثالهم وهو عظيم ويقلع الله من نفوسهم ما ليس من حظوظهم. ويجوز أن {مَا يَشاءُون} كناية عن سعة ما يُعطَوْنَه كما ورد في الحديث «حديث : ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سَمِعَت ولا خطَر على قلب بشر»تفسير : وهذا كما يقول من أسديتَ إليه بعمل عظيم: لكَ عليَّ حُكْمُك، أو لَك عندي ما تَسْأَل، وأنت تريد ما هو غاية الإِحسان لأمثاله. وعُدل عن اسم الجلالة إلى وصف {رَبِّهم} في قوله: {عِندَ رَبِّهم} إيماء إلى أنه يعطيهم عطاءَ الربوبية والإِيثار بالخير. ثم نوه بهذا الوعد بقوله: {ذٰلِكَ جزاء المُحسنين} والمشار إليه هو ما يشاءون لِما تضمنه من أنه جزاء لهم على التصديق. وأشير إليه باسم الإِشارة لتضمنه تعظيماً لشأن المشار إليه. والمراد بالمحسنين أولئك الموصوفون بأنهم المتقون، وكانَ مقتضى الظاهر أن يؤتى بضميرهم فيقال: ذلك جزاؤهم، فوقع الإِظهار في مقام الإِضمار لإِفادة الثناء عليهم بأنهم محسنون. والإِحسان: هو كمال التقوى لأنه فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه: «أن تعبد الله كأنك تراه» وأيُّ إحسان وأيُّ تقوى أعظمُ من نبذهم ما نشأوا عليه من عبادة الأصنام، ومن تحملهم مخالفة أهليهم وذويهم وعداوتهم وأذاهم، ومِن صبرهم على مصادرة أموالهم ومفارقة نسائهم تصديقاً للذي جاء بالصدق وإيثاراً لِرِضى الله على شهوة النفس ورضى العشِيرةَ. وقوله: {ليُكَفِّر الله عنهُم أسْوَأ الَّذِي عَمِلوا} اللام للتعليل وهي تتعلق بفعل محذوف دل عليه قوله: {لهم ما يشاءون عند ربهم}، والتقدير: وَعَدَهم الله بذلك والتزمَ لهم ذلك ليكفر عنهم أسوأ الذي عملوا. والمعنى: أن الله وعدهم وعداً مطلقاً ليكفر عنهم أسوأ ما عملوه، أي ما وعدهم بذلك الجزاء إلا لأنهُ أراد أن يكفر عنهم سيئات ما عملوا. والمقصود من هذا الخبر إعلامهم به ليطمئنوا من عدم مؤاخذتهم على ما فرط منهم من الشرك وأحواله. و {أسوَأَ} يجوز أن يكون باقياً على ظاهر اسم التفضيل من اقتضاء مفضل عليه، فالمراد بأَسوأ عملهم هو أعظمهُ سُوءاً وهو الشرك، سُئل النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ الذنب أعظمُ؟ فقال: «حديث : أن تدعو لله نِدًّا وهو خَلَقَك»تفسير : . وإضافته إلى {الذي عملوا} إضافة حقيقية، ومعنى كون الشرك مما عملوا باعتبار أن الشرك عمل قلبي أو باعتبار ما يستتبعه من السجود للصنم، وإذا كَفَّر عنهم أسوأَ الذي عملوا كفَّر عنهم ما دونه من سيِّىء أعمالهم بدلالة الفَحوى، فأفاد أنه يكفر عنهم جميع ما عمِلوا من سيئات، فإن أريد بذلك ما سبَق قبلَ الإِسلام فالآية تعم كل من صدَّق بالرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن بعد أن كان كافراً فإن الإِسلام يُجبّ ما قبله، وإن أريد بذلك ما عسى أن يعمله أحَدٌ منهم من الكبَائر في الإسلام كان هذا التكفير خصوصية لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن فضل الصحبة عظيم. روي عن رسول الله أنه قال: «حديث : لاَ تسبُّوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفَق مثلَ أُحد ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه».تفسير : ويجوز أن يكون {أسوأ} مسلوب المفاضلة وإنما هو مجاز في السوء العظيم على نحو قوله تعالى: {أية : قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه}تفسير : [يوسف: 33] أي العمل الشديدُ السُوءِ، وهو الكبائر، وتكون إضافته بيانية. وفي هذه الآية دلالة على أن رتبة صحبة النبي عظيمة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي فمَن أَحَبَّهم فبِحُبِّي أَحَبَّهم ومن أبغضهم فببغضي أَبغضَهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه"تفسير : . وقد أوصى أيمة سلفنا الصالح أن لا يُذكَر أحد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلاّ بأحسنِ ذكر، وبالإمساك عما شجَر بينهم، وأنهم أحق الناس بأن يُلتمس لهم أحسنُ المخارج فيما جرى بين بعضهم، ويظنَّ بهم أحسن المذاهب، ولذلك اتفق السلف على تفسيق ابن الأشتر النخعي ومن لُف لفه من الثوّار الذين جاءوا من مصر إلى المدينة لِخلع عثمان بن عفان، واتفقوا على أن أصحاب الجمَلَ وأصحاب صِفِّينَ كانوا متنازِعين عن اجتهاد وما دفعهم عليه إلا السعي لِصلاح الإِسلام والذبّ عن جامعته من أن تتسَرب إليها الفُرقة والاختلال، فإنهم جميعاً قدْوتنا وواسطة تبليغ الشريعة إلينا، والطعن في بعضهم يفضي إلى مخاوف في الدين، ولذلك أثبت علماؤنا عدالة جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وإظهار اسم الجلالة في موضعِ الاضمار بضمير {رَبِّهم} في قوله: {لِيُكفِّرَ الله عَنهم} لزيادة تمكن الإِخبار بتكفير سيئاتهم تمكيناً لاطمئنان نفوسهم بوعد ربهم. وعطف على الفعل المجعولِ علةٌ أولى فعلٌ هو علة ثانية وهو: {ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون}. وهو المقصود من التعليل للوعد الذي تضمنه قوله: {لهم ما يشاءون عند ربهم. والبناء في قوله: بأحسن الذي كانوا يعملون} للسببية وهي ظرف مستقرّ صفة لــــ {أجْرَهم} وليست متعلقة بفعل {يجزيهم}، أي يجزيهم أجراً على أحسن أعمالهم. وإذا كان الجزاء على العمل الأحسن بها الوعد وهو {لهم ما يشاءون عند ربهم}، فدل على أنهم يُجازَون على ما هو دون الأحسن من محاسن أعمالهم، بدلالة إيذان وصف «الأحسن» بأن علة الجزاء هي الأحسنية وهي تتضمن أنّ لمعنى الحُسن تأثيراً في الجزاء فإذا كان جزاء أحسن أعمالهم أَنَّ لهم ما يشاءون عند ربهم كان جزاء ما هو دون الأحسن من أعمالهم جزاء دون ذلك بأن يُجَازَوا بزيادة وتنفيل على ما استحقوه على أحسن أعمالهم بزيادة تنعم أو كرامة أو نحو ذلك. وفي «مفاتيح الغيب»: أن مقاتِلاً كان شيخ المرجئة وهم الذين يقولون لا يضر شيء من المعاصي مع الإِيمان واحتجَّ بهذه الآية فقال: إنها تدل على أن من صدّق الأنبياء والرسل فإنه تعالى يكفّر عنهم أسوأ الذي عملوا. ولا يجوز حمل الأسوأ على الكفر السابق لأن الظاهر من الآية يدل على أن التكفير إنما حصل في حال ما وصفهم الله بالتقوى وهو التقوى من الشرك وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد من الأسوأ الكبائر التي يأتي بها بعد الإِيمان ا هــــ. ولم يجب عنه في «مفاتيح الغيب» وجوابه: لأن الأسوأ محتمل أن أدلة كثيرة أخرى تعارض الاستدلال بعمومها. وفي الجمع بين كلمة {أسْوَأ} وكملة {أحسن} محسِّن الطِّبق.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} الآية. أوضح جل وعلا، أن الذي في هذه الآية بمعنى الذين، بدليل قوله بعده {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [الزمر: 33ـ34]. وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن الذي تأتي بمعنى الذين، في القرآن وفي كلام العرب، فمن أمثلة ذلك في القرآن، قوله تعالى في آية الزمر هذه: {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} الآية. وقوله تعالى في سورة البقرة {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} تفسير : [البقرة: 17] أي الذين استوقدوا بدليل قوله بعده: {أية : ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} تفسير : [البقرة: 17] وقوله فيها أيضاً {أية : كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاس} تفسير : [البقرة: 264] أي كالذين ينفقون بدليل قوله بعده {أية : لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ } تفسير : [البقرة: 264] الآية. وقوله تعالى في التوبة {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} تفسير : [التوبة: 69] على القول بأن الذي موصولة لا مصدرية، ونظيره من كلام العرب قول أشهب بن رميلة: شعر : وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد تفسير : وقول عديل بن الفرخ العجلي: شعر : فبت أساقي القوم إخوتي الذي غوايتهم غيٌّ ورشدهم رشد تفسير : وقول الراجز: شعر : يا رب عبس لا تبارك في أحد في قائم منهم ولا فيمن قعد إلا الذي قاموا بأطراف المسد

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلَـٰئِك} (33) - والذِي جَاءَ بِالحَقِّ والصِّدْقِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ وَهُوَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَالذِي صَدَّقَ بالحقِّ الذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ (وَهُمُ المُؤْمِنُونَ)، هُمُ الذِينَ اتَّقَوا الله فَوَحَّدَوهُ، وَتَبَرَّؤوا مِنَ الشِّرْكِ وَمِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ وَالأَنْدَادِ، وَأَدَّوا الطَّاعَاتِ للهِ رَجَاءَ ثَوَابهِ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} قال الإِمامُ زيد بن علي عليهما السّلامُ: فالذي جَاءَ بالصّدقِ، هو رَسولُ الله صَلّى الله عليهِ وعَلَى آلهِ وسلمَ، والذي صَدَّق بهِ: أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب صلواتُ الله عليهِ.

همام الصنعاني

تفسير : 2628- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {جَآءَ بِٱلصِّدْقِ}: [الآية: 33]، قال: هو النبي صلى الله عليه وسلم {وَصَدَّقَ بِهِ}: [الآية: 33]، قال قتادة: وصدَّق به المؤمنون. 2632- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُيَيْنة، عن منصور، قالَ: لمجاهِد: يا أبا الحجاج: {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ}: [الآية: 33]، قال: هم الذين يأتونَ القرآن، فيقولون: هذا الذي أعطيتمونَا، قد عملنا بما فيه. 2633- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: أنَّ خالد بن الوليد مشى إلى العزَّى ليكسرَها بالفأس، فقال له قَيِّمُها: يا خالدُ إنَّها مَا يقُومُ لسبيلها شدة، وإني أخافها عَلَيْكَ، فمشى إليْهَا خالِد فضرب أنفها حتَّى كَسَرَهَا بالفأسِ.