Verse. 4092 (AR)

٣٩ - ٱلزُّمَر

39 - Az-Zumar (AR)

لَہُمْ مَّا يَشَاۗءُوْنَ عِنْدَ رَبِّہِمْ۝۰ۭ ذٰلِكَ جَزَاۗءُ الْمُحْسِـنِيْنَ۝۳۴ۚۖ
Lahum ma yashaoona AAinda rabbihim thalika jazao almuhsineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين» لأنفسهم بإيمانهم.

34

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَهُمْ مَّايَشَآءونَ عِندَ رَبّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ ٱلْمُحْسِنِينَ } لأنفسهم بإيمانهم.

البقاعي

تفسير : ولما مدحهم على تقواهم، قال في جواب من سأل عن ثوابهم، فقال لافتاً القول إلى صفة الإحسان تعريفاً بمزيد إكرامهم: {لهم ما يشآءون} أي يتجدد لهم إرادته متى أرادوه {عند ربهم} أي المحسن إليهم اللطيف بهم في الدنيا والآخرة لأنهم سلموا له في الأولى ما يشاء، فسلم لهم في الأخرى ما يشاؤون. ولما كان أعظم الجزاء، مدحه على وجه بين علته وأوجب عمومه فقال: {ذلك} أي الثواب الكبير {جزاء المحسنين *} أي كل من اتصف بالإحسان كما اتصفوا به بالتقوى، فأحبه الله سبحانه كما أحبهم، فكان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. ولما كان العاقل من قدم في كل أمر الأهم فالأهم فميز بين خير الخيرين فأتبعه، وشر الشرين فاجتنبه، كان المحسن من جعل أكبر ذنوبه نصب عينيه وعمل على هدمه، فلذلك علل الإحسان بقوله: {ليكفر} أي يستر ستراً عظيماً كأنه قال: المحسنين الذين أحسنوا لهذا الغرض، ويجوز أن يكون التعليل للجزاء، وعبر بالاسم الأعظم لفتاً عن صفة الإحسان إشارة إلى عظيم الاجتهاد في العمل والإيذان بأنه لا يقدر على الغفران لمن يريد إلا مطلق التصرف فقال: {الله} أي الذي نصب المحسن جلاله وجماله بين عينيه، فاستغرق في صفاته ابتغاء مرضاته، فعبده كأنه يراه، وحقق باعترافهم بالخطأ وقصدهم التكفير لما أهمهم فعلهم له بقوله: {عنهم أسوأ} العمل {الذي عملوا} وتابوا عنه بالندم والإقلاع والعزم على عدم العود وقد علم أنه إذا محي الأكبر انمحى الأصغر لأن الحسنات يذهبن السيئات، فلله در أهل البصائر والإخلاص في الإعلان والسرائر ولما أخبر بالتطهير من اوضار السيىء، أتبعه الإخبار بالتنوير بأنوار الحسن فقال: {ويجزيهم أجرهم} أي الذي تفضل عليهم بالوعد به. ولما كان تعالى يزيد العمل الصالح ويربيه، زاد الجار في الجزاء إعلاماً بأنه يجعل الأعمال الصالحة كلها مثل أعلاها فقال: {بأحسن} ولما كان مقصود هذه السورة أخص من مقصود سورة النحل، وكانت "الذي" و "من" أقل إبهاماً من "ما" قال: {الذي} أي العمل الذي، وهو كالأول من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه كخاتم فضة، وأشار إلى مداومتهم على الخير بالتعبير بالكون والمضارع فقال: {كانوا يعملون *} مجددين له وقتاً بعد وقت لأنه في طبائعهم فهم عريقون في تعاطيه، فمن كان في هذه الدار محسناً في وقت ما يعبد الله كأنه يراه فهو في الآخرة كل حين يراه، قال القشيري، ثم يجب أن يكون على أحسن الأعمال أحسن الثواب، وأحسن الثواب الرؤية، فيجب أن يكون على الدوام. وهذا استدلال قوي. ولما فهم من قوله: "وكذب بالصدق إذ جاءه" أن المشركين يكذبونه، وكان من طبع الآدمي الاهتمام بمثل ذلك ولا سيما إذا كان المكذب كثيراً وقوياً، وتقرر أنه سبحانه الحكم العدل بين المتخاصمين وغيرهم في الدنيا والآخرة، ولزم كل سامع الإقرار بالآخرة، وبشر المحسنين وحذر المسيئين، وكان من المعلوم أنهم يحذرونه آلهتهم كما يحذرهم إلهه، حسن كل الحسن قوله مقراً للكفاية غاية الإقرار، ومنكراً لنفيها كل الإنكار: {أليس الله} أي الجامع لصفات العظمة كلها المنعوت بنعوت الكمال من الجلال والجمال، وأكد المراد بزيادة الجار لما عندهم من الجزم بأنهم غالبون فقال: {بكاف} وحقق المناط بالإضافة في قوله: {عبده} أي الخالص له الذي لم يشرك به أصلاً كما تقدم في المثل ممن كذبه وقصد مساءته فينصره عليهم حتى يظهر دينه ويعلي أمره ويغنيه عن أن يحتاج إلى غيره أو يجنح إلى سواه، باعتقاد أن في يده شيئاً يستقل به، وهاذ لا ينافي السعي في الأسباب مع اعتقاد أنها بيد الله، فإن شاء ربط بها المسببات، وإن شاء أعقمها، بل السعي أكمل، لأن ترتيب الأسباب بوضع الحكيم، فالسعي في طرحها ينافي وضع الحكمة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر: عباده - بالجمع بمعنى الرسول وأتباعه. ولما كان الجواب قطعاً: بلى، إنه ليكفي من يشاء، والأصنام الممثلون بالشركاء المتشاكسين لا يكفون من تولاهم، بني على ذلك حالاً عجيباً من أحوالهم، فقال معجباً منهم ومتهكماً بهم: {ويخوفونك} أي عباد الأصنام يعلمون أن الله يكفي من أراد وأن الأصنام لا كفاية عندها بوجه والحال أنهم يخوفونك. ولما كان الخوف ممن له اختيار، فإن كان عاقلاً كان أقوى لمخالفته، وكان من المعلوم بديهة أنه لا اختيار لهم فضلاً عن العقل، قال تهكماً بهم بالتعبير بما يعبر به عن الذكور العقلاء لكونهم ينزلونهم بالعبادة وغيرها منزلة العقلاء مع اعترافهم بأنهم لا عقل لهم، فصاروا بذلك ضحكة وشهرة بين الناس: {بالذين} وبين حقارتهم بقوله: {من دونه} وهم معبوداتهم ضلالاً عن المحجة فيقولون: إنا نخشى عليك أن يخبلك آلهتنا كما قالت عاد لهود عليه السلام {أية : إنْ نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} تفسير : [هود:54] وسيأتي التعبير عنهم بالتانيث زيادة في توبيخهم. ولما كان من الحق الواضح كالشمس أن ما قالوه لا يقوله عاقل، وكان التقدير: فقد أظلهم الله إهانة لهم وهداك إكراماً لك، بين أنه سبحانه قسرهم على ذلك ليكون إضلاله لهم آية كما أن هداه لمن هداه آية، فقال مخففاً عنه صلى الله عليه وسلم في إذهاب نفسه عليهم حسرات دامغاً للقدرية: {ومن يضلل الله} أي الذي له الأمر كله فلا يرد أمره {فما له} لأجل أنه هو الذي أضله {من هاد} أي فخفض من حزنك عليهم {ومن يهد الله} أي الذي لا يعجزه شيء أبداً {فما له من مضل} فهو سبحانه يهدي من شاء منهم إن أراد. ولما لم تبق شبهة ولا شيء من شك أن الهادي المضل إنما هو الله وحده وأنه جعل شيئاً واحداً سبباً لضلال قوم ليكون ضلالهم في الظاهر علة للنقمة، وهدى لآخرين فيكون هداهم سبباً للنعمة، بلغ النهاية في الحسن قوله: {أليس الله} أي الذي بيده كل شيء {بعزيز} أي غالب لما يريد في إضلاله قوماً يدعون أنهم النهاية في كمال العقول لما هدى به غيرهم {ذي انتقام *} أي له هذا الوصف، فمن أراد النقمة منه سلط عليه ما يريد مما يحزنه ويذله كما أنه إذا أراد يعميه عن أنور النور ويضله.

اسماعيل حقي

تفسير : {لهم} اى للمتقين بمقابلة محاسن اعمالهم فى الدنيا {ما يشاءُون عند ربهم} اى كل ما يشاؤنه من جلب المنافع ودفع المضار فى الآخرة لا فى الجنة فقط لما ان بعض ما يشاؤنه من تكفير السيآت والامن من الفزع الاكبر وسائر اهوال القيامة انما يقع قبل دخول الجنة. يقال اجمع العبارات لنعيم الجنة {أية : ولهم ما يشتهون} تفسير : واجمع العبارات لعذاب الآخرة {أية : وحيل بينهم وبين ما يشتهون } تفسير : وفى التأويلات النجمية {لهم ما يشاؤون عند ربهم} لانهم تقربوا الى الله تعالى بالاتقاء به عما سواه فاوجب الله فى ذمة كرمه ان يتقرب اليهم باعطاء ما يشاؤن من عنده بحسب حسن استعدادهم {ذلك} اى حصول ما يشاؤنه {جزاء المحسنين} ثواب الذين احسنوا اعمالهم بان عملوها على مشاهدة الحق

الجنابذي

تفسير : {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} مقابل {أية : أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ}تفسير : [العنكبوت:68] {ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} بسط ذكر الجزاء بالنّسبة الى المصدّقين دون المكذّبين تشريف لهم وتحقير لمقابليهم.

الهواري

تفسير : قال: {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُم أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم} أي ثوابهم {بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: يجزيهم الجنة. قوله: {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} يعني محمداً، يكفيه المشركين حتى لا يصلوا إليه، كقوله: (أية : واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) تفسير : [المائدة:67] حتى تبلّغ عن الله رسالته. {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ} يعني الأوثان {وَمَن يُضْلِلِِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي: يهديه. {وَمَن يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} أي: لا يستطيع أحد أن يضله {أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ} أي: من أعدائه، وهذا على الاستفهام، أي: بلى، وهو شديد الانتقام، ذو انتقام. قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم} يعني المشركين {مِّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ} يعني أوثانهم {إِن أَرَادَنِي اللهُ بِضُرٍّ} أي: بمرض {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} أي بعافية {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} أي: لا يقدرون أن يكشفن ضراً ولا يمسكن رحمة. فكيف تعبدون الأوثان من دونه وأنتم تعلمون أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض {قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} أي: لا رجاء غيره للصالحين. قوله: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي: على ناحيتكم، أي: على شرككم {إِنِّي عَامِلٌ} على ما أنا عليه من الهدى {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}. وهذا وعيد هوله شديد. قوله: {مَن يَأتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} يعني عذاب الاستئصال كما أهلك من كان قبلكم بتكذيبهم رسلهم. {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي: في الآخرة. قوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ} يا محمد {الْكِتَابَ} أي القرآن {لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي: على نفسه {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أي بحفيظ لأعمالهم حتى تجازيهم بها، إن الله هو الذي يجازيهم بها.

اطفيش

تفسير : {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} من الجزاء والكرامة في الجنة* {ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ} فى أقوالهم وأفعالهم

اطفيش

تفسير : {لَهُم مَا يشاءونَ عنْد ربِّهم} لم يقل فى الجنة ليشمل ما قبلها من خير القبر، وتسهيل أمره، وسؤال ملائكته، والأمن من الفزع الأكبر، وتيسير الحساب، وأهوال المحشر وتكفير السيئات {ذلك} أى ثبوت ما يشاءون لهم {جزاء المُحْسِنين} أى جزاؤهم وأظهر تصريحا بصلة الجزاء، وهى احسانهم بالايمان والعمل، أو المراد العموم فيدخل ما خص أولا وبالذات.

الالوسي

تفسير : {لَهُمْ مَّا يَشَآءونَ عِندَ رَبّهِمْ } بيان لما لأولئك الموصوفين بالمجيء بالصدق والتصديق به في الآخرة من حسن المآب بعد بيان ما لهم في الدنيا من حسن الأعمال أي لهم كل ما يشاؤونه من جلب المنافع ودفع المضار في الآخرة لا في الجنة فقط لما أن بعض ما يشاؤونه من تكفير السيئات والأمن من الفزع الأكبر وسائر أهوال القيامة إنما يقع قبل دخول الجنة. {ذٰلِكَ } الذي ذكر من حصول كل ما يشاؤونه {جَزَاء ٱلْمُحْسِنِينَ } أي اللذين أحسنوا أعمالهم، والمراد بهم أولئك المحدث عنهم لكن أقيم الظاهر مقام الضمير تنبيهاً على العلة لحصول الجزاء، وقيل: المراد ما يعمهم وغيرهم ويدخلون دخولاً أولياً.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى {أية : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ} تفسير : [النحل: 31] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَشَآءُونَ} (34) - وَهَؤُلاَءِ المَتَّقُونَ لَهُمْ الكَرَامَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ فَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتَهُ، وَلَهُمْ مَا تَشْتَهِيهِ أَنْفُسُهُمْ، وَتَقَرُّبِهِ أَعْيُنُهُمْ، وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ} [الزمر: 34] أي: متوفر لهم كلّ ما يشاءون، لكن عند مَنْ؟ {عِندَ رَبِّهِمْ} [الزمر: 34] حين تكون لا عندية إلا لله وحده، هذه العندية هي معنى قوله تعالى: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} تفسير : [غافر: 16]. فالعندية تكون للناس في الدنيا، فهذا موظف عند هذا، وهذا خادم عند هذا، أما في الآخرة فالعندية لله وحده، وفي هذه العندية ينال المؤمن ما اشتهاه في الدنيا ولم يحصل عليه في الآخرة يقول الله {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} [الزمر: 34] ولم يقُلْ لهم ما يشاءون، بل ما يشاءون عندي أنا. أي: بلا أسباب، لأن الأسباب كانت في الدنيا، وما تريده بالأسباب قد لا يتحقق لك، وإنْ كان في يدك لأن الله يزاول سلطانه بواسطة خلفائه في الأرض، فيجعل هذا سبباً في رزق هذا، وهذا يعين هذا، والأسباب قد تتخلف أما في الآخرة فلا أسبابَ، بل هو عطاء الله المباشر بلا سبب. وفي سيرة أكابر الرسل أحداثٌ توضح لنا هذه العندية لله تعالى، فسيدنا إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - أول ما دعا دعا عمه آزر، وجادله في مسألة الأصنام، فلما رآه مُصِرّاً على عناده قال له: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكَ ..} تفسير : [مريم: 47]. كلمة السلام هنا ليست سلام الأمن والطمأنينة، ولا سلامَ التحية، إنما سلام الموادعة لأنهما مختلفان في الرأي، ولن يثمر الجدل مع العناد والمكابرة، فطول الجدال لن يُزيد المسألة إلا تعقيداً وعداوة، ومن الأفضل في مثل هذا الموقف أن ينسحب منه صاحب الحقِّ حتى لا تشتعل نارُ الخلافات أكثر من ذلك، كما تقول لصاحبك في مثل هذا الموقف: يا عم سلام عليكم لتنهي الموقف، فالسلام عليكم هنا تعني أنني لو لم أترك هذا المكان لن يحدث سلام. وقد يكون سلامٌ من البشر لا يقدرون على أدائه. لذلك، فإن السلام الحق من الله، كما في قوله تعالى: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} تفسير : [يس: 58]. الشاهد هنا أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - شاء أن يستغفر لعمه، فلم يُجَبْ إلى ذلك، شاء في الدنيا لكن الله لم يشأ، كذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شاء أنْ يستغفر لعمه أبي طالب بعد أنْ دعاه فلم يستجب، وأصرَّ على دين آبائه، فلما استغفر له رسولُ الله أنزل الله عليه: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ ..} تفسير : [التوبة: 113]. فقد شاء محمد صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لعمه، لكن لم يُعْط ذلك، لأن هذه المشيئة منه في الدنيا ليستْ عند الله، أما مشيئته عند الله في الآخرة فمستجابة متحققة، هذا معنى {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ..} [الزمر: 34]. فإنْ كانت للمؤمن مشيئات لا تتحقق في الدنيا فهي مُدَّخرة له في الآخرة عند ربه، هذه المشيئات التي لا تتحقق يسترها شيء واحد أن أكرم المشيئة أنْ تشاء من الله أنْ ينصر دينه، وقد تحققت هذه المشيئة. إذن: فالمشيئة التي لا تتحقق هي التي تعود على نفسك، أما المشيئة التي تطابق الإيمان بمنهج الله فهي لا بُدَّ متحققة كما تحققت مثلاً في بدر. فالحق - سبحانه وتعالى - يريد منا حين نكون مؤمنين به ومُصدِّقين لرسوله ألاَّ تكون لنا مشيئة في غير ديننا؛ لأن المشيئة في غير الدين يمكن أن تكون في أيدي الناس فلا يحققوها لك، وربما مات المؤمن قبل أنْ يرى مشيئته بنصر الله فيدخر له ذلك في الآخرة. إذن: المهم عنده أن تكونَ المشيئة خاصة بنصر دين الله على مَنْ يكذبه ويخالفه، وهذه المشيئة متحققة بدليل: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 173]. وقوله: {ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 34] صحيح هناك عمل، وهناك فضل، وتشريع الجزاء على العمل من الفضل؛ لأن ربنا حينما يثيبني على شيء يعود عليَّ بالنفع يُعد هذا الجزاء زيادة، والأصل أن يقول لي: لقد أخذتَ جزاءك منفعةً بالعمل الذي عملته؛ لأن خالقك أعطاك كل الأسباب، أعطاك الجوارح التي تعمل بها، وأعطاك الأرض والمال والهواء والماء والطعام، فإنْ أثابك على العمل كان من فضله. والمحسن درجةٌ أعلى من المؤمن، فالمؤمن يأخذ ما فرضه الله عليه ويُنفِّذه دون زيادة، أما المحسن فهو الذي يؤدي ما فرض الله عليه ويزيد عليه من جنس ما فرض الله، فمثلاً يصلي الصلوات الخمس ثم يزيد عليها ما شاء من النوافل من صلاة الليل، كما قال سبحانه في المحسنين: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 17-19]. ولم يقل هنا (حق معلوم) لأن الحق المعلوم هو الزكاة، أما في هذا المقام فالعبد يُزكِّي ماله، ثم يزيد على ذلك ما شاء من التطوع والصدقات، وهذه الزيادات ما طلبها منك ربك، إنما تؤديها محبةً وتقرباً إليه سبحانه. إذن: كلمة الإحسان عند الله فيها نفس معنى الإحسان للناس. تقول: أحسنت إلى فلان حين تعطيه أكثر من حقه. وحين يجازي الله المحسنَ إنما يعطيه جزاءَ إحسانه، فإذا كان العبد يحسن فالله أوْلَى وأكرم. والحق سبحانه أعطانا المثَل الحسِّي للإحسان في الأرض، وما تُخرجه من ثمراتها فأنت تضع فيها حبة القمح مثلاً، فتعطيك في المقابل سبعمائة حبة، فإذا كان هذا هو عطاء الأرض المخلوقة لله تعالى، فما بالك بعطاء الخالق سبحانه؟ فالمعنى: {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} [الزمر: 34] لماذا؟ لأنهم كانوا محسنين، وهذا جزاء الإحسان. وقوله: {لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ} [الزمر: 35] هذا أيضاً من العطاء الخاص بدرجة الإحسان، فكلمة أسوأ تدلّ على المبالغة وأقل منها السيئة، فعندنا سيئة وأسوأ منها، ولا شكَّ أن السيئة تنصرف إلى الصغائر، والأسوأ تنصرف إلى الكبائر، فكأن الذي دخل في مقام الإحسان ضمن أن مقام الإحسان يكون له مثل مقاصَّة تُسقط عنه ذنوبه، ليست الصغائر فحسب إنما الكبائر أيضاً؛ لأن الذي يُكفّر الأسوأ يُكفِّر السيئة من باب أَوْلَى، هذا لأنك أدخلتَ نفسك في مقام لم يُطلب منك لمجرد المحبة لمن كلفك. بل هناك عطاء أعظم من ذلك، هو أن المسألة لا تنتهي عند تكفير الذنوب والسيئات، إنما تُبدَّل إلى حسنات، كما قال سبحانه: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ..} تفسير : [الفرقان: 70]. فتأمّل درجات العطاء من الله، والربح في التجارة معه سبحانه. وبنفس الإكرام والتفضل يجازي اللهُ المحسنين على حسناتهم {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ} [الزمر: 35] فكما غفر لهم الأسوأ يجازيهم أحسن الذي كانوا يعملون، أيْ: بأحسن من عملهم. هذا العطاء من الله، وهذا التكرم والتفضل منه على عباده شجَّع الشارد من دعوة الإيمان وحَثَّه على العودة إلى حظيرة الإيمان، فليس هناك ما يحول بينه وبين ربه، وليس في الطريق حجر عَثْرة مهما كَثُرَت الذنوب ما دام بابُ التوبة مفتوحاً. والحق سبحانه حينما شَرَع التوبة للعاصين المذنبين شرعها لينقذهم من شراسة المعصية، فلو قلنا للعاصي: ليس لك توبة ماذا يفعل (يفقد) كما نقول: فلان ده فاقد. يعني: يئس من الإصلاح فتمادى في الفساد وبالغ في الضلال، والحق سبحانه لا يريد لعباده ذلك، ففتح لهم بابَ التوبة ليعطفهم إلى دين الله، فلا يزداد الانحرافُ في المجتمع، ولا تستشري فيه المعصيةُ. بعد أن أخبر رسول الله القومَ بهذا المنهج الإلهي في الجزاء قال المعاندون لرسول الله: نخاف عليك يا محمد أنْ تمسَّك آلهتنا بسوء وقد أغضبتها، سبحان الله يقولون هذا وهم يعلمون أنها حجارة لا تضر ولا تنفع، ولما مسَّهم الضر ما وجدوا غير الله يلجئون إليه؛ ولذلك نزل قوله تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ...}.